أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي‏ - ج1

- محمد باقر كمرئي المزيد...
374 /
203

خارج عن موافقة الامر و ليس امتثالا الثانى ان الارادة و النسبة الايقاعية موجودة قبل وجود الطلب فى جميع الصور فيمكن تأثيرها فى التحريك بالنسبة الى بعض المقدمات على ما سيجي‏ء تحقيقه إن شاء اللّه تعالى و هكذا حكم الاعتبار الوضعى بعينه لانه فعل قلبى للمعتبر فكما انه ربما يرى المصلحة فى اعتبار الملكية فى المسبوق بالرضا ربما يرى المصلحة فى اعتبارها مع المقارن معه او الملحوق به لا بان يكون اللحوق شرطا بل بمعنى انه اذا تصور العقد مع وجود الاجازة بعده ينقدح فى نفسه اعتبار الملكية و قد خالف فى المسألة جماعة منهم بعض الاعاظم على ما فى تقريراته قال فالحق هو امتناع تأخر شرط الوضع او التكليف عنهما لاوله الى الخلف و المنافضة كما فى تأخر الشرائط العقلية الى آخر ما قال و فيه اولا انه لا وجه لرجوع الشرط الى الموضوع و ان كان يتحد اثرهما من بعض الجهات فان الشرط قيد النسبة الايقاعية فى عالم الجعل فاما الموضوع فمطلق لحاظا بخلاف جعل شى‏ء موضوعا فان النسبة مطلقة و ان لا تتعدى عن موضوعها و اذا قال اكرم زيدا الجائى او اكرم زيدا ان جاءت كلاهما مشترك فى ان الحكم ليس لغير الجائى لكن فى الاولى من باب قصر الموضوع بالذات و قصر لحكم بتبعه و فى الثانى بالعكس و اما ما ذكره اهل الميزان من ان مرجع القضايا الحقيقية الى الشرطية باعتبار عقد الوضع فهو بيان لما يقتضيه تعلق الحكم بالعنوان من كونه دخيلا فى ثبوت المحمول لافراد الموضوع لا انه معرف صرف و الحكم على نفس‏

204

المصاديق فاذا قلنا كل انسان حيوان حكمنا بحيوانية ما ثبت انسانيته لا ان الحكم على ذات المصداق بلا نظر الى عقد الوضع و من البديهى الفرق بين اضرب زيدا الجائى فى دارى غدا و بين ان جاء زيد غدا فى دارى اضربه لان الاولى كاذبة ان لم يجئ زيد فى الدار فى الغد سواء لقيه فى خارج الدار ام لا بخلاف الثانية فانه اذا لم يجئ زيد لم يتحقق فيها الكذب نعم لو جاء فى الدار و لم يضربه تكون كاذبة و ثانيا انه لو فرض رجوع الشرط الى الموضوع فثبوت الحكم للموضوع يكون على نحو ما لاحظه الجاعل و الحاكم و المعتبر فلو اعتبر الملكية لعقد يوجد الاجازة بعده او اوقع النسبة الطلبية على استقبال بتقدير مجى‏ء زيد بعده فليس هذا خلفا و لا مناقضة فى شي‏ء من المقامين اصلا و تنفيره بالعلة التكوينية قياس محض و مغالطة واضحة كما لا يخفى.

هذا كله فى شرائط الوضع و التكليف و اما شرائط المكلف به فلا اشكال فى امكان تأخرها عن نفس المكلف به او تقدمها عليه اصلا لان الشرطية فى المكلف به انما ينتزع عن تقييد التكليف بشى‏ء بحيث كان القيد خارجا و التقييد داخلا سواء كان ذلك الشي‏ء ملحوظا قبل المكلف به او بعده او معه فلو كان الاغسال الليلية للمستحاضة قيدا لصحة صومها فى اليوم السابق لا اشكال فيه لانه يرجع الى ان الصوم المكلف به مقيد بالطهارة الحاصلة بعده كالطهارة الحاصلة معه هذا بحسب مقام الاثبات و اما بحسب مقام الثبوت فلان الشى‏ء كما

205

انه قد يصير ذا مصلحة باعتبار اضافته الى شي‏ء مقارن معه كذلك قد يصير ذا مصلحة باعتبار اضافته الى شى‏ء مقدم عليه او مؤخر عنه و كما انه قد يدخل تحت عنوان حسن بمقارنة مع شى‏ء كذلك قد يدخل تحته بملاحظة تقدمه على شى‏ء او تأخره عنه فتحصل مما ذكرنا انه لا وجه للاشكال فى الشرط المتأخر ثبوتا مطلقا سواء كان بالنسبة الى الموضوع او التكليف او المكلف به و قد ذكر وجوه أخر فى تصوير الشرط المتأخر لا تخلو من الاشكال و المناقشة و لا وقت لنا فى ايرادها و تحقيقها ثم ان شرائط الموضوع و التكليف بجميع اقسامها خارجة عن محل الابتلاء و اما شرائط المكلف به بجميع اقسامها من المقدم و المقارن و المتأخر داخلة فى محل النزاع لانه بناء على الملازمة بين وجوب ذى المقدمة و وجوب المقدمة فلا فرق بين الاقسام، تقسيم آخر الى مقدمة الوجوب و مقدمة الوجود فالاول ما لولاه لما وجب و الثانى ما لولاه لما وجد و المعروف خروج الاول عن محل النزاع بناء على عدم الوجوب حقيقة قبل وجود الشرط و اطلاق الواجب فى المشروط قبل وجود الشرط مجاز كما عن الشيخ البهائى. (قدّس سره). و استحسنه المحقق الخراسانى و وجهه معلوم لانه قبل وجوده لا وجوب حتى يسرى اليه و بعده يكون من تحصيل الحاصل إلّا انه يشكل فى الشرط المتأخر فان الوجوب حاصل و الشرط غير حاصل فلا يكون وجوبه تحصيل الحاصل فيمكن سراية الوجوب اليه و لا يصح تعليل عدم سراية الوجوب بذلك و اما بناء على ما هو الحق‏

206

من ان حقيقة منشأ انتزاع الوجوب و هى النسبة الايقاعية للطلبية موجودة قبل وجود الشرط مطلقا بل الارادة الحقيقة ايضا قد تكون موجودة فلا يصح هذا التعليل و يمكن ان يعلل عدم سراية الوجوب الى المقدمة. ح. بوجهين‏

الاول ان الغالب ان الشرط للوجوب غير اختيارى للمكلف و لذا يؤخذ مفروض الوجود فلا يمكن تعلق الطلب به لفقد القدرة الثانى انه حيث اخذ مفروض الوجود و اوقع النسبة الطلبية على المادة فلا يمكن تأثيره فى وجوب هذه المقدمة و ان كان موجودا قبل وجوده لان الطلب يكون على فرض وجوده و طلب الشي‏ء ينافى فرض وجوده لما عرفت سابقا من ان الامر المولوى علة تامة تشريعية لوجود المأمور به خارجا او علة بضم ارادة المأمور فلا بد من تعلقه بالمادة من حيث هى حتى يصح كونه علة لها و اما اذا فرضت موجودة فلا يمكن تأثير الطلب فى وجوده لانه من قبيل تحصيل الحاصل كما هو ظاهر.

اصل: فى تقسيمات الواجب‏

منها تقسيمه الى المطلق و المشروط و قد عرف كل منهما بتعاريف و اطالوا الكلام فى تحقيقها و بيان النقض و الابرام عليها و لا وجه لذلك بعد ما هو المعلوم من عادة ارباب العلوم ان التعاريف‏

207

شرح الاسماء و ليست لبيان حقيقة المفهوم على التحقيق كما عبر عنها بتعاريف لفظية و الحق ان يقال ان الواجب اذا قيس على اى شي‏ء فان توقف وجوبه عليه شرعا فهو شرط بالنسبة اليه و إلّا فالواجب مطلق و خصصا التوقف بالشرعى لاخراج الشرائط العقلية فان توقف الحكم عليها لا يسمى اشتراطا عند علماء الاصول لانه بحكم العقل و انما عممنا التوقف عليه لان ما يجعل شرطا للوجوب شرعا لا يلزم ان يكون مما يتوقف عليه وجود الواجب لان الوجوب قد يكون مشروطا بما لا يتوقف وجوب الواجب عليه كالاستطاعة الشرعية بالنسبة الى الحج فانه يمكن عمل الحج متسعا فتبين ان النسبة بين المقدمة الوجوبية و المقدمة الوجودية عموم من وجه و البحث فى الواجب المشروط فى مقامين.

الاول فى وجود البعث و الوجوب قبل وجود المعلق عليه و عدمه.

الثانى فيما يرجع الشرط اليه من المادة او نفس الهيئة اما الكلام فى المقام الاول فالمشهور انه لا بعث و لا وجوب قبل وجود الشرط و انما هو انشاء محض يترتب عليه البعث بعد وجود الشرط فنحو فعلية البعث و الوجوب بالنظر الى الشرط الشرعى و نحو التنجيز بالنظر الى الشرط العقلى كالعلم بالتكليف فكما انه لا تكليف و لا تنجيز حتى علم المكلف بالحكم و لو بقيام طريق معتبر كذا اذا قال اكرم زيدا ان جاءك فصرف انشاء حكم قبل المجي‏ء و لا بعث و لا

208

وجوب حقيقة و اذا حصل الشرط يتحقق الوجوب و البعث بيان ذلك ان حقيقة الانشاء ليس إلّا ايجاد المعنى باللفظ كما سلف فى المباحث السابقة فالوجوب و البعث الانشائى لا يعقل انفكاكه عن اللفظ فاذا قال ان جاءك زيد فاكرمه تحقق الطلب الانشائى بهذا اللفظ و لكن البعث الفعلى كالارادة الحقيقية كثيرا ما ينفك عن الانشاء اما لان الانشاء صدر بدواع أخر غير البعث و الزجر مثلا فلا يتحقق البعث به اصلا لاستحالة انقلاب الانشاء الصادر بداع غير البعث كالارشاد و الاختبار و غيرهما الى الانشاء بداعى البعث و اما لان الانشاء و ان صدر بداع البعث لكنه ليس فعلا موضوعا لاعتبار البعث عند العقلاء او لم يكن المصلحة الناشئة عنها الارادة الحقيقية موجودة لعدم تحقق موضوعه بتمام قيوده و اما لان الانشاء مقيد بقيد غير حاصل بعد فكما اذا قال اكرم زيدا الجائى و لم يكن قيد المجي‏ء موجودا فى زيد لم ينتزع منه البعث الفعلى كذا اذا علق الانشاء بقيد لم ينزع منه البعث الفعلى فكما انه اذا وجد هناك قيد الموضوع يصير نفس الانشاء الصادر فعليا من دون الاحتياج الى تجديد عناية آخر كذلك فى المقام يصير البعث الفعلى موجودا بعد وجود قيد الطلب من دون الحاجة الى عناية اخرى فما كان الانشاء علة تامة له و هو الوجود الانشائى للطلب فقد تحقق بمجرد الانشاء و اما البعث الفعلى كالارادة الحقيقية فليس الانشاء علة تامة له او معلولا لها حتى يلزم انفكاك العلة عن المعلول بل الانشاء للاول بمنزلة المقتضى و بعض‏

209

الموضوع و للثانى بمنزلة اللازم الغالبى فالانفكاك غير صائر اصلا و السر ان البعث بنفسه ليس مجعولا شرعيا بل اعتبارا عقلائيا مترتبا على المجعول الشرعى و ما كان بيد الشرع جعل منشأ اعتباره فلا اشكال فى دخل امور أخر فى هذا الاعتبار العقلائى بعد الانشاء و الجعل الشرعى فاشكالات المتصورة على هذا القول ثلاثة

الاول ان الانشاء علة للبعث الفعلى فكيف يوجد و لا يوجد البعث الفعلى فيلزم وجود العلة مع عدم وجود المعلول‏

الثانى ان الارادة الحقيقية علة للانشاء فكيف يتاخر عنه فى الواجب المشروط لان الفرض انه لا يكون ارادة حقيقية الا بعد وجود الشرط خارجا

الثالث انه اذا لم يتحقق بعث فعلى بمجرد الانشاء ثم وجد الشرط بعد ذلك و لم يقع عناية جديدة من الآمر بالنسبة الى الحكم فكيف يوجد الفعلية و الجواب عن الاول ان الانشاء ليس علة تامة للبعث الفعلى و انما هو علة الوجود الانشائى للطلب و البعث الفعلى انما ينتزع من الانشاء و امور اخرى فما كان الانشاء علة له وجد و ما لم يوجد لا يكون الانشاء علة تامة له و عن الثانى ان الارادة الحقيقية ليست علة للامر بل من الدواعى الغالبية فلا ضير فى تخلفه و عن الثالث ما عرفت من ان البعث اعتبار عقلائى موضوعه الانشاء الشرعى بضميمة قيود أخر كفعلية الموضوع و فعلية قيود الطلب فاذا تحقق الانشاء و كان بعض القيود مفقودا لا يعتبر العقلاء البعث فاذا وجد القيد المفقود

210

يتم الموضوع للحكم العقلائى فيحكمون به و لا يحتاج الى تجديد نظر من الآمر. كما لا يخفى‏

المسلك الثانى فى الواجب المشروط ان الوجوب و البعث فعلى و القيد يرجع الى المادة و نسب ذلك الى الشيخ الاعظم الانصارى. قد.

على ما يظهر من تقريرات بعض اعاظم تلامذته و الكلام فى المقام يقع فى امرين الاول فى تصوير الوجوب و البعث الفعلى مع تاخر الواجب و المبعوث اليه الثانى فى البحث عن ادلة القول برجوع القيد الى المادة

اما الامر الاول فقد عرفت ان تقدم الوجود الانشائى للطلب ممكن اى جميع ما هو مفاد صيغة الامر مادة و هيئة قابل للسبق على زمان المطلوب لما عرفت ان الوجود الانشائى ليس إلّا جعل اللفظ وجودا للمعنى اعتبارا و اما تقدم ما ينتزع منه و هو البعث و الوجوب الفعلى على زمان المطلوب فهل يصح ام لا و الاقوى هو الاول و توضيح ذلك يحتاج الى مقدمتين.

الاولى ان اعتبار البعث فى المقام بالنسبة الى تحقق الفعل بارادة العبد ليس إلّا اقتضائيا اى يكون نسبة الامر الصادر من المولى الى فعل العبد و تحققه خارجا نسبة المقتضى لا نسبة العلة التامة لتوسيط ارادة العبد بينهما لا محالة انما الكلام فى نسبة الامر الصادر من المولى مع ارادة العبد و انه من باب العلة التامة بالنسبة الى ارادته فى نظر العقلاء اى يعتبرونه بحيث لا يقبل التفكيك من ارادة العبد فى‏

211

عالم الاعتبار و ان ينفك عنه فى عالم التكوين كما فى صورة العصيان مثلا ام لا؟ بل يعتبرون امر المولى بحيث يقبل الانفكاك او يختلف الموارد و لا اشكال ان البعث الذى يعتبره العقلاء فى اثر امر المولى لا بد و ان يكون اعتبار تأثر حاصل من الامر فى حال العبد فلو لم يكن قابلية للعبد بالنسبة الى التأثر عن امر المولى فاعتبار البعث لغو لا يصدر منهم اصلا كما اذا لم يقدر العبد على الامتثال اصلا و اما اذا كان العبد بحيث لا يكون قادرا على المأمور به فعلا لعدم تحقق زماله و- وقته و لكن يكون قادرا عليه فى زمانه و بعد تحقق قيده و يمكن تأثير الامر فى العبد قبله و لو بان يهيأ نفسه له او يشتغل ببعض مقدماته التى تفوت فى وقته أو لا تفوت و لكن حفظا لامر المولى و احتياطا لعدم فوته فى وقته فاعتبار البعث فى نظر العقلاء بمكان من الامكان و على هذا اذا يرجع التقييد الى المادة و كان البعث مطلقا فلا محذور فى تحقق الوجوب و البعث الفعلى و ان كان الواجب امرا استقباليا لانه جعل الداعى للعبد و تحريك ارادته نحو المأمور به و لو بالاشتغال بمقدماته و التهيؤ لامتثاله فى زمانه و كل هذا انبعاث للعبد بامر الآمر فلا محذور فى اعتبار البعث العقلائى ايضا فالبعث الذى يعتبره العقلاء و ان كان مرجعه الى اعتبار امر المولى علة تامة بالنسبة الى ارادة العبد و لكنه لا بان يكون المراد له ابتداء نفس المأمور به بل بالاعم منه و من الاشتغال بمقدماته و اعداد نفسه له فيختلف باختلاف الموارد ففى مثل الحج لما كان محتاجا الى كثير اعداد فيجب من اول زمان‏

212

حصول الاستطاعة و فى مثل صوم العد لما كان محتاجا الى الاعداد فى الليل لتحصيل الطهارة و النية بالنسبة الى جميع الاجزاء يجب الاعداد من الليل و هكذا، هذا بالنسبة الى مرحلة الامر و ما بعده و اما بالنسبة الى ما قبل مرحلة الامر و هو مرحلة المفاسد و المصالح فاعتبار تأخر المأمور به فى تحقق المصلحة على نحوين الاول انه لا تكون مصلحة فى الفاقد للقيد على فرض تحققه و امكانه مثل اكرام زيد لم يجئ فان مصلحة الاكرام لو قدر بروز عظمة المولى بمجي‏ء زيد فى داره لا يتحقق باكرام زيد لم يجئ فى داره فيكون اصل المصلحة على تقدير مجي‏ء زيد و هذا ملاك الواجب المشروط و لكن قد تكون مصلحة فى اكرام زيد و ان لم يجئ و لكن العبد عاجز عنه فجعل موضوع الاكرام زيد الجائى و لكن تبعث نحوه فعلا فالانصاف ان تصور فعلية الوجوب مع كون الواجب استقباليا امرا و مصلحة و ارادة بمكان من الامكان.

و اما المقام الثانى و هو رجوع القيد الى المادة او الهيئة فقد استدل له على ما فى تقريرات الشيخ الانصارى و غيره بوجوه.

الاول ان الامر تابع للمصلحة فى المتعلق فالشي‏ء الواقع متعلقا للامر اما ذو مصلحة على جميع التقادير او على تقدير خاص و على الثانى اما ان يكون هذا التقدير مقدورا للمكلف ام لا و على فرض قدرة المكلف اما ان تكون المصلحة فيه بفرض وجوده باختياره من قبل نفسه او بالاعم منه و من ايجاده بامر المولى فعلى الاول يأمر به مطلقا كما انه‏

213

على الرابع يؤمر به مقيدا و على الاوسط يؤمر به على هذا التقدير الخاص و هو ثابت فى المتعلق قبل الامر به فيكون من قيود المادة.

الثانى ان تقييد الهيئة غير معقول لان الهيئة موضوعة لجزئيات النسبة الخاصة فلا اطلاق لها حتى يقيد و قرر ذلك بعض اعاظم المحققين بوجه آخر و هو ان مفاد الهيئة و ان كان كليا إلّا انه لا يقبل القيد لانه ملحوظ بالمعنى الحرفى و هو غير ملتفت اليه استقلالا فلا يقبل التقييد المستلزم للنظر الاستقلالى و الجواب عن الاول اما اولا فبان تعلق الامر بشي‏ء لا يوجب المصلحة فى المتعلق اذ ربما يكون الصلاح فى نفس الامر فيكون الانشاء الامر المشروط المتعلق بمادة كذا ذى مصلحة فينشئه المولى و اما ثانيا فبان وجود المصلحة المطلقة فى شي‏ء لا يوجب تعلق الامر به مطلقا اذ المصلحة مقتضية للامر و ليست علة تامة له لامكان مانع من البعث.

و اما ثالثا فلما عرفت من ان وجود المصلحة فى شي‏ء على تقدير خاص يكون على وجهين لانه اما ان يكون مقوما لها بحيث لو وجد الفعل خارجا عنها و لو مع الشرائط الأخر لا ترتب عليه و اما ان يكون مقوما لتوجه الامر كالقدرة فانها شرط الامر لا شرط المصلحة فى باب الصلاة فالعاجز عن القيام لو صلى قائما فرضا تكون صلاته واجدة للمصلحة بخلاف القدرة فى باب الوضوء فان العاجز عن استعمال الماء لخوف المرض لو توضأ لا يكون وضوئه ذا مصلحة بل يكون باطلا و تقييد المادة انما يتصور فيه دون الصورة الاولى‏

214

فانه لا بد فيها من تقييد الهية اذا لم يكن القيد مما يسرى اليه الطلب كالصلاة فى المسجد و اما الجواب عن الثانى فبان مفاد الهيئة و ان كان جزئيا كما بيناه إلّا انه يصلح للتقييد بوجهين.

الاول باعتبار الحالات المفروضة له فانه يصح حتى فى الجزئى الحقيقى الخارجى اذ الجزئى بالنظر الى احواله فى حكم الكلى.

و الثانى ان معنى كون ما وضع له الهيئة جزئيا انها نسبة خاصة من جهة الطلب و المطلوب منه و غيرهما و اى خصوصية ملحوظة فى الطلب لا يخرجه عن كونه طلبا خاصا و الجزئية المحكية بالهيئة مع كل خصوصية لا تمنع عن اى قيد لانه فرق بين التشخص بالوجود الخارجى و الوجود الذهنى فان الوجود الذهنى المشخص للمفهوم يتبع الاعتبار و يمكن اعتبار اى خصوصية فيه و يصح اعتبار القيد فى سنخ المعانى الحرفية و اما الاشكال بان المعانى الحرفية ملحوظة بلحاظ متعلقاتها غير ملتفت اليها استقلالا فلا يمكن تقييدها فالجواب عنه اولا انه يمكن تقييدها بتبع تقييد المتعلق كما افاده بعض مشايخنا و فيه نظر لان المتعلق فى المقام ليس إلّا المادة و تقييدها مقدمة لتقييد الهيئة يرجع الى ان الشرط من قيود المادة حقيقة فتدبر و ثانيا بان تقييد الهيئة بمعنى ايقاع النسبة الطلبية على تقدير خاص اى يفرض وجود شي‏ء و يوقع النسبة على فرض وجوده لانه مفاد أداة الشرط فى الاخبار و الانشاء و الشرط قيد للنسبة فى الجزاء خبرا كان‏

215

او انشاء مضافا الى انه لا معنى لتقييد المادة بهذا النحو لان طريق تقييد المفاهيم ضم مفهوم اخص اليها لا فرض وجود قيد لها لوضوح الفرق بين قولنا اكرم زيدا الجائى مع قولنا اكرم زيدا ان جاءك لان فى الاول يكون المجي‏ء بمفهومه قيد الزيد او للاكرام له و مع هذه الخصوصية طرف للنسبة الايقاعية من دون فرض وجود اما فى الثانى فبعد فرض وجود المجي‏ء لا معنى لتقييد الاكرام او الزيد و لا يبقى إلّا ايقاع النسبة طلبية او انشائية و ليس معنى تقييد النسبة الا ايقاعها على فرض وجود شي‏ء و لا وجه لما ذكره من ان النسبة معنى حرفيا لا يقبل التقييد و الحاصل ان رجوع القيد الى النسبة صحيح و ما ذكر عن تقريرات الشيخ الانصارى غير صحيح‏

المسلك الثالث فى الواجب المشروط ان القيد يرجع الى الهيئة و يتحقق وجوب على تقدير بنفس الانشاء كالنسبة الايقاعية التى مفاد للامر بل الارادة النفسية لانها صفة نفسية تنشأ من مقدمات نفسية لا من الامور الخارجية و مبدئها التصور و التصديق بالفائدة فكما انها تتعلق بالمراد على جميع التقادير للتصديق بالمصلحة المطلقة مع عدم المزاحم فقد تتعلق بمراد على تقدير خاص للتصديق بصلاحه على هذا التقدير أو لوجود مزاحم فى غيره فتختلف النسبة الطلبية كذلك فقد تتعلق بشى‏ء على تقدير خاص و لكنها امر محقق و ان لم ينتزع منه البعث المطلق لان بعث المأمور نحو العمل فى غير هذا التقدير خلاف ما يقتضيه الطلب و هذا المسلك هو الحق لانه مقتضى ظهور اللفظ بعد

216

امكان وجود النسبة الطلبية و الارادة ايضا كذلك كما صرح به اهل الادب من ان الجملة الشرطية معمولة للجزاء و اعترف الشيخ الانصارى بانه مقتضى القواعد العربية و القول الاول بان الوجوب يتحقق بعد وجود الشرط لا قبله و اطلاق الواجب قبل وجود الشرط مجاز ليس بصحيح لانه لو لم يكن المجعول فى قول الامر ان جاءك زيد فاكرمه الا الانشاء المحض فلا يمكن انتزاع البعث منه بعد وجود الشرط لان الانشاء لا ينقلب عما هو عليه فهو مثل الانشاء بداعى الارشاد او التهديد كما ظهران ارجاع القيد الى المادة لا وجه له كما ذكرنا لان فرض وجود الشرط يابى عن اعتباره قيدا فى المادة او الموضوع مع ان الشرط فى القضايا الخبرية مثل ان جاءنى زيد اكرمه لا يعقل ان يكون قيدا للمادة لانه يرجع الى الاخبار باكرام زيد الجائى و هو كاذب و ان لم يتحقق الاكرام لعدم المجي‏ء و هو خلاف العرف و اللغة فلا بد ان تكون النسبة الاخبارية مقيدة حتى لا يكون كاذبا مع عدم تحقق الاكرام لعدم المجي‏ء و لا بد ان يكون فى الانشاء كذلك فتدبر جيدا

تقسيم آخر الى المنجز و المطلق باعتبار تاخر زمان الواجب عن الوجوب الفعلى فان لم يتوقف على امر غير مقدور للمكلف سمى منجزا كوجوب المعرفة و ان توقف على امر غير مقدور له سمى معلقا كما فى الفصول و الكلام هنا اولا فى تصوير فعلية الوجوب مع تأخر الواجب و قد مر بيانه و ثانيا فى فعلية الوجوب مع اشتراطه‏

217

بالقدرة و هى مفقودة و كذا انفصال البعث عن الوجوب مع انه معلول له و لم قيد صاحب الفصول ما يتوقف عليه الواجب المعلق بكونه غير مقدور و كيف يجب فعلا مع انه متوقف على امر غير مقدور الجواب ان القدرة التى هى شرط التكليف هى القدرة عند الامتثال لا عند الوجوب فيجب الحج على المستطيع قبل الموسم و ان كان امتثاله متأخرا و فقد بعض الشرائط قبله كاشف عن عدم الوجوب رأسا و اما وجه كون ما يتوقف عليه الواجب المعلق غير مقدور لان الشرط المقدور يجب مع الوجوب الفعلى فلا يتاخر عنه الواجب و الحق امكان الواجب المعلق ثبوتا و ان كان مورد الاعتراض عند بعض المتاخرين و لا بد من طلب الدليل الدال عليه و لا يبعد القول به فى مثل الحج.

و ينبغى التنبيه على امور الاول انه قد ذكر بعضهم ان مقدمات الواجب المشروط قبل وجود الشرط خارجة عن موضوع بحث وجوب المقدمة كما استفيد من كلام صاحب المعالم من ان الامر بالشي‏ء مطلقا هل يقتضى ايجاب ما لا يتم به ام لا و فسر عليه كلام الشيخ البهائى من ان الواجب فى المشروط مجاز قبل الشرط و لكن التحقيق انه تخرج المقدمة التى علق عليه الوجوب كالاستطاعة للحج و اما غيرها فيمكن البحث عن وجوبه غاية الامر ان وجوبه مشروط كذى المقدمة و لا وجه لخروجه.

الثانى قد ثبت فى الشرع وجوب بعض مقدمات الواجب‏

218

المشروط قبل وجود الشرط كغسل الجنابة ليلا لصوم الغد و صار مورد الاشكال و دفعه صاحب الحاشية للمعالم بان هذه الموارد من باب الوجوب النفسى التهيئي و فرق بين الوجوب الغيرى و الوجوب للغير فالاول ما ترشح عن وجوب آخر كالمعلول من العلة بناء على الملازمة و ان كان العلة الصدورية امر الآمر و الثانى ما كان وجوب الغير كالعلة الغائية للآمر فيه بايجاب مستقل لكون ذلك الغير واجبا فعلا او بعد ذلك و تقدم الاول على وجوب ذى المقدمة غير ممكن و اما الثانى فلا و فيه انه خلاف ظاهر الادلة من ان وجوب الغسل من باب المقدمة و لا فرق بين من يجب عليه صوم الغد و غيره الثانى حمل وجوب ذى المقدمة فى هذه الموارد على الواجب التعليقى فصوم الغد واجب من الليل فيجب الغسل له فهو كوجوب الميسر للحج على المستطيع البعيد قبل الموسم و هو بناء على صحة الواجب التعليقى و مساعدة الدليل لا بأس به‏

الثالث ان اشتراط الوجوب لا ينافى وجوب المقدمة قبل وجود الشرط لانه موجود قبل وجوده كما عرفت فلا اشكال فى ترشح الوجوب الى مقدمته قبل وجود الشرط خلافا لمن قال ان اطلاق الواجب عليه مجاز و ذهب اليه بعض مشايخنا و لا يخلو من الاشكال لانه و ان كان موجودا قبل وجود الشرط و لكن لا بعث له حتى يؤثر فى البعث نحو مقدمته و لا يمكن ان يؤثر الانشاء المشروط فى البعث نحو المقدمة قبل وجود الشرط.

219

الرابع ما عن الشيخ الانصارى فى تقريراته من ان كاشف وجوب للمقدمة هو العقل بحكم الملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها فلا يبعد كشفها فى الواجب المشروط حتى قبل وجود الشرط لمقدمة تفوت فى وقت الواجب لان وجوب المقدمة ليس معلولا لوجوب ذيها و لا علة له بل كلا الوجوبين معلولين لامر الآمر و لا يلزم من وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها خلفا و لا محذورا بل يدور مدار حكم العقل بالملازمة للتمكن من فعل ذى المقدمة ففى مقدمة لا يمكن احراز الواجب إلّا باتيانها قبل وقته كالغسل لصوم الغد حيث لا يمكن تحصيله فى اول وقت الواجب فلا بد من وجوبه قبله و كما فى السير الى الحج للبعيد فانه لا يقدر على السير بعد حضور الموسم فيحكم العقل بالملازمة بينه و بين وجوب ذيها و ان كان مشروطا لان ملاك المقدمية فى هذه الموارد قائم بالوجود المتقدم على شرط الواجب و المتاخر عنه لا يكون مقدمة اصلا.

الخامس ما عن بعض الاعاظم من ان الجواب التمسك بقاعدة اخرى عقلية و هى ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقابا و ان نافاه خطابا فان هذه القاعدة فيما اذا صار الفعل او الترك ممتنعا بسبب سوء اختيار المكلف كمن القى نفسه من شاهق فاذا كانت القدرة شرطا عقليا فقط و ملاك الواجب مطلقا فلازمه وجوب تحصيل المقدمات من اول ازمنة الامكان حتى لا يفوت الواجب فى وقته فتفويته و لو بتفويت اول مقدمة و لو قبل البلوغ تقويت للواجب‏

220

بالاختيار فبهذه المقدمات يستكشف وجوب المقدمة شرعا لحفظ الغرض فيكون متمما للجعل الاول الخ و مرجع كلامه كشف الوجوب النفسى المتمم للجعل بهذه القاعدة العقلية و فيه موارد للنظر لان الكلام فيها ان مقتضى مقدماته كشف الملازمة بالنسبة الى هذه المقدمات فيرجع الى كلام الشيخ الانصارى و هو احسن الوجوه كما ان التوجيه بالواجب التعليقى على ما ذكره صاحب الفصول حسن اذا ساعد الدليل عليه كما فى مثل الحج بعد تحقق الاستطاعة.

الثالث يجب بعض مقدمات الواجب المشروط قبله كتعليم الاحكام و حفظ الماء اذا فقده فى الوقت بل فى كل مورد كانت القدرة المطلقة شرطا مع العلم بتحقق الشرط و هو ظاهر الاوامر المطلقة الدالة على ان المأمور به تمام الموضوع للمصلحة و اعتبار القدرة الخاصة يحتاج الى الدليل و لو وصلت النوبة الى الاصول العملية ففى اجراء البراءة وجهان.

الرابع اطلاق الامر مادة و هيئة يدل على الوجوب المطلق المنجز لان الشرط قيد فى الهيئة و الوجوب التعليقى قيد فى المادة فلو علم وجوب شي‏ء من مثل الاجماع و دار الامر بين كونه مطلقا او مشروطا بشرط كذا فالاصل البراءة فى مورد فقدان الشرط المحتمل و لو دار الامر بين كونه منجزا او معلقا فالاصل عدم التقييد و الحكم بالمنجز و إذا كان هناك امر و قيد و دار الامر بين رجوع القيد الى المادة او الهيئة فعلى ما فى تقريرات الشيخ الانصارى الاصل رجوعه‏

221

الى المادة و بقاء الهيئة على اطلاقه الشمولى و اطلاق المادة بذاته اطلاق بدلى غير شامل للفردين فى حالة واحدة مضافا الى ان تقييد المادة اولى لدوران الامر بين تقييد يبطل اطلاق الآخر و تقييد لا يبطل اطلاق الآخر و الثانى اولى و التحقيق ان يقال ان تقييد المادة لحاظ المفهوم من دون فرض الوجود و تقييد الهيئة يحتاج الى فرض الوجود للقيد فهو يحتاج الى لحاظ زائد و هو خلاف الظاهر سواء ان يكون القيد المردد متصلا او منفصلا لان مرجع تقييد المادة الى مفاد زيد جاء و مرجح تقييد الهيئة الى مفاد زيد ان جاء و هو اكثر مئونة و خلاف الظاهر و لا اشكال فيما اختاره الشيخ الانصارى.

تقسيم آخر الى الوجوب النفسى و الوجوب الغيرى و عرف الاول بانه ما امر به لنفسه و الثانى بانه ما امر به لغيره و لام لنفسه و لغيره اما للغاية و المقصود ان الامر النفسى ما كان الغرض فى نفس الامر او المأمور به فيخرج من التعريف جميع الاوامر بناء على ما هو المشهور من ان العرض منها مصالح فى المأمور به او اكثرها لان الغرض منها امر يترتب على المأمور به كالنهى عن الفحشاء فى الصلاة و ينحصر الامر النفسى بمثل المعرفة و فساد التعريفين عليه واضح و ان كانت اللام للصلة و المقصود ان الامر النفسى ما كان مستقلا غير مربوط بامر آخر و الغيرى ما كان مربوطا بامر آخر كالامر بالمقدمة او الشرط فيكون امرا غيريا فلا بأس به فما فى تقريرات الشيخ الانصارى ان تقسيم الواجب الى النفسى و الغيرى باعتبار الداعى‏

222

من الامر الراجع الى الوجه الاول ليس على ما ينبغى ثم اذا تردد الامر بين ان يكون نفسيا او غيريا فالاصل ايها؟ اما مقتضى ظاهر الامر ان يكون نفسيا لان الوجوب الغيرى ملازم لوجوب آخر و نحو من التقييد فى مفاد الهيئة و هو خلاف الظاهر لان ظاهر الامران متعلقه تمام المراد من دون انتظار امر آخر و الامر الغير الغيرى بالنظر الى امر آخر لان التبعية فى الطلب يقتضى التبعية فى المطلوب و ظاهر اطلاق المادة انها مقصودة بالاصالة مضافا الى ان الامر حجة على المامور فى ترتب العقاب على تركه فلو تركه باحتمال انه وجوب غيرى لا عقاب له لم يكن معذورا فاحتمال الغيرية لا اثر له اصلا و مقتضى الاصل العملى انه ان كان الشك فى وجوب المقدمة ناشيا عن الشك فى وجوب ذيها فالاصل عدم وجوب ذيها فيرفع الشك فى وجوبها لانه مسبب عنه و ان كان الشك فى اصل المقدمية مع العلم بوجوب ذيها فيرجع الى الشك فى تقييد الامر بها و الاصل البراءة باعتبار عدم اشتراط ذى المقدمة لا فى نفى وجوبها لان الوجوب الغيرى لا يوجب العقاب فلا يجرى فيها اصل البراءة عقلا و نقلا و ان كان الشك فى وجوبهما فالاصل البراءة من وجوب ذى المقدمة فيرتفع الشك فى المقدمة تبعا و اما ان كان الشك فى غيرية الوجوب بعد تحقق اصل الوجوب فاما ان يكون هنا واجب آخر يحتمل كونه قيدا له ام لا ففى الصورة الاولى فالاصل البراءة عن وجوبه فى غير مورد وجوب هذا الواجب و اما فى الصورة الثانية يحمل‏

223

على الوجوب النفسى و لا مجال للبراءة بمجرد احتمال كونه غيريا و- مورده ثبوت وجوب شي‏ء من دليل لبى كالاجماع و السيرة، بقى امور الاول لا اشكال و لا خلاف فى ترتب الثواب و العقاب على موافقة الامر النفسى و مخالفته و اما فى الامر الغيرى فوجوه بل اقوال ثالثها التفصيل بين ما له خطاب مستقل و ما لم يكن و رابعها التفصيل بين الثواب و العقاب و خامسها بين ان يكون الثواب بمعنى الاجر او التقرب او غيره و الحق ان يقال ان النواب و العقاب اما مجعولان شرعا او عقلا او من اللوازم المتربة على الموافقة و المخالفة قهرا لانهما صورة اخروية للعمل فهو مادة لتلك الصورة و هذا معنى تجسم الاعمال الذى اشير اليه فى الكتاب و النسبة و القول الاول حكى عن ابن سينا و بعض افاضل المتأخرين لان جعل التكليف لتقريب العبد الى المصلحة و تبعيده عن المفسدة لوجوب اللطف على اللّه لحكيم فان انبعث المكلف نحو الصلاح و انزجر عن الفساد فهو و ليس ورائهما ثواب و عقاب آخر كما فى الامر الارشادى و قد يجب من باب اللطف جعل الثواب على الموافقة لاهمية المصلحة كما ان اهمية المفسدة توجب ضم الوعيد بالعقاب لا تمام اللطف و على هذا يمكن جعل الثواب و العقاب للامر الغيرى ايضا كما يستفاد من الآيات و الاخبار ففى آية 120 من سورة التوبة وعد الثواب على كثير من مقدمات الجهاد كما ان فى بعض الاخبار لعن معتصر الخمر و حاملها فبناء على كون الثواب و العقاب مجعولا لتميم اللطف و لو باعتبار المقدمات فكل‏

224

آية او رواية دلت على ترتب الثواب و العقاب على المقدمات يحمل على ظاهرهما لا على التفصيل و لا معنى له فى الوعيد و لو لم يدل دليل على ذلك فلا يترتب الثواب و العقاب الا على نفس ذى المقدمة و الواجب النفسى لانه المتيقن من ضم الثواب و العقاب عليه لاتصافه بالوجوب.

و اما على القول الثانى المشهور من ان الثواب و العقاب بجعل العقلاء و حكم العقل لان الاطاعة عدل فى العبودية تستحق المدح و الثواب و المخالفة ظلم على المولى تستحق الذم و العقاب فلا اشكال فى ترتب ثواب واحد على اطاعة الامر النفسى مع مقدماته كما فى ترتب عقاب واحد على مخالفته و لكن ثواب الاطاعة مختص باتيان المامور به النفسى من دون نظر الى المقدمات و العقاب على تركه كذلك دون ترك المقدمة ام لا و الحق بناء على ما سيئاتى من ان وجوب المقدمة فى حال الايصال الى ذيها فصدق الاطاعة على المقدمة كان فى هذا الحال و باتيان العبد لاول مقدمة شرع فى الاطاعة الى فراغ من المامور به النفسى و مجموع عمله اطاعة واحدة لها ثواب واحد فاذا لوحظت المقدمات فى ضمن الاطاعة الموصلة بذيها كوجوبها فتشترك فى الثواب و اتيانها منفردة غير موصلة لا ثواب بها لعدم صدق الاطاعة عليها لعدم وجوبها بهذا النظر و من يقول بوجوب المقدمة مطلقا بملاك التمكن بها من ذيها و لو مع عدم الايصال فللازم عليه عدم استحقاق الثواب على موافقة الامر الغيرى و القائل بوجوب‏

225

المقدمة الموصلة يمكن ان يقول بترتب الثواب على الامر الغيرى ضمنا كما فى اجزاء الواجب المركب مثل الصلاة و يؤيده الآيات و الاخبار الواردة فى اثبات الثواب على المقدمات و حملها على التفضل بعيد و اما استحقاق العقاب على الترك فترك كل مقدمة ترك المأمور به و العقاب على ترك اصل الصلاة و ترك الطهارة امر واحد فترك ذى المقدمة ينطبق على ترك اول مقدمة منه فلو اتى بها فعلى ترك الثانية و هكذا فترك الصلاة و ان كان غير ترك الطهارة مفهوما إلّا انه منطبق عليه مصداقا و لذا يعاقب الجاهل على ترك التعلم فانه يقال له فى القيامة هلا عملت فاذا قال ما علمت يقال له هلا تعلمت فتوجه الذم الى ترك التعلم لانه ترك العمل و بعبارة اخرى ترك ذى المقدمة مسبب توليدى لترك المقدمة فالحكم باحدهما حكم بالآخر و اما توهم ترتب عقاب مستقل على ترك المقدمة فباطل و اما بناء على القول بان الثواب و العقاب لازم قهرى للافعال بسبب تجسم الاعمال فى الآخرة فتحقيق المقام صعب لعدم العلم بصور اخروية للاعمال.

الثانى بناء على عدم ترتب ثواب مستقل على اطاعة الامر المقدمى مع الانفصال عن ذيها بل عدم وجوبها فى غير حال الايصال يشكل الامر بالنسبة الى الطهارات الثلث فانها مما يترتب عليها الثواب مستقلا مضافا الى ان الامر المقدمى توصلى و لكن يشترط فيها قصد القربة فيقع الاشكال فيها من هذه الجهة ايضا و قد اجيب‏

226

عن الاشكالين بوجوه.

الاول انها جعلت مقدمة بما هى عبادة مامور بها بالامر النفسى العبادى الندبى فيرتفع الاشكالين ان قلت فيلزم اجتماع الوجوب و الاستحباب فيها و يلزم الجمع بين الضدين قلت بعد طرد الوجوب يصير استحبابها ذاتيا و يكفى لاتيانها بقصد القربة ان قلت فيلزم لصحتها قصد الاستحباب الذاتى و لو فى الوقت فلو قصد فيها الامر المقدمى الوجوبى لا تصح و ذلك خلاف كلام الفقهاء من لزوم قصد الوجوب فيها فى الوقت بل بطلانها اذا قصد الاستحباب قلت قصد الوجوب الغيرى فيها من جهة ملازمتها لقصد الاستحباب الذاتى لانه مناط كونها مقدمة و هذا الجواب صحيح فى الوضوء و الغسل لثبوت استحبابهما النفسى و اما فى التيمم فلا يخلو من الاشكال من جهة اثبات استحبابه النفسى.

الثانى ان العبادية فى المقدمات بداعى امر ذى المقدمة فانه صالح للدعوة اليها و باعتبار هذا الداعى تصير عبادة بلا اشكال لان الغرض لا يحصل إلّا باتيان المقدمة عبادة.

الثالث قد عرفت سابقا ان التعبدية من قيود الامر و ان الامر التعبدى ما هو العريق فى المولوية و عرفت ان المقدمة قد تكون شرعية لتقييد الامر بها و الوجوب الغيرى ناش من ارادة ملازمة لارادة اخرى و بهذا المعنى يكون تبعيا لا ان الارادة المتعلقة بذيها تنسب اليها بالعرض فيمكن ان يكون الارادة المتعلقة بمقدمة تكون تعبدية لان‏

227

الامر المقدمى يكون مولويا و ان كان تبعيا فيمكن ان يكون بحيث لا يسقط الغرض الا بالتعبديّة كالامر النفسى و لا وجه لاختصاص العبادية بالامر النفسى و قد ذكر لدفع الاشكال وجوه أخر فى تقريرات الشيخ الانصارى و كتاب طهارته لا تخلو من الاعتراض من ارادها فليرجع الى مظانها.

تقسيم آخر للوجوب الى تبعى و اصلى باعتبار الارادة او انشاء الامر او باعتبار دلالة اللفظ فاما بالاعتبار الاول فقيل ان التبعى ارادة ناشئة عن اخرى و الاصلى ناشئة عن الصلاح فى المتعلق او فى الامر و التبعى بهذا المعنى ارادة المقدمة او الوجوب النفسى التهيئي و اما باعتبار الجعل و الانشاء فالتبعى هو المجعول بتبع جعل آخر كوجوب المقدمة لان الوجوب ينتزع عن الجعل او اظهار الارادة و لا اشكال ان الامر بذى المقدمة بمدلوله المطابقى انشاء متعلق به لا بالمقدمة فبناء على القول بوجوب المقدمة لا بد ان يقال ان لازمه انشاء تبعى لوجوب المقدمة و هذا هو التبعية فى مقام الجعل و ربما يشمل الوجوب النفسى مثل الوجوب المستفاد من المفهوم مخالفا او موافقا و الوجوب الاصلى ما هو مجعول بخطاب متعلق به و هل يمكن جعل الوجوب للمقدمة مستقلا ام لا الظاهر هو الثانى لانه كالجزئية و الشرطية و وجوب ذى المقدمة منشأ لانتزاعه و هذا هو معنى كونه تبعيا و يختص بالوجوب المقدمى و هذا غير كونه منشأ بالالتزام او كونه المدلول لا التزامى للامر فانه راجع الى‏

228

التبعية بالاعتبار الثالث و على هذا كل خطاب دل على الوجوب المقدمى يكون ارشاديا كما دل على وجوب الجزء او الشرط و هذا كقوله تعالى: (6- المائدة) «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ» الخ و اما التبعية و الاصلية بالاعتبار الثالث فالوجوب المدلول المطابقى اصلى و المدلول الالتزامى تبعى فيمكن ان يقال ان النسبة بين الوجوب التبعى و المقدمى كالنسبة بين الوجوب الاصلى و النفسى عموم من وجه و لا يترتب على هذا التقسيم ثمرة كما لا يخفى.

و الظاهر ان وجوب المقدمة تابع وجوب ذيها فى الاطلاق و الاشتراط و ربما يسند الى صاحب المعالم القول باشتراط وجوب المقدمة مع اطلاق وجوب ذيها لقوله فى آخر بحث الضد و ايضا فحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها انما ينهض دليلا على الوجوب فى حال كونه مريدا للفعل المتوقف عليها كما لا يخفى على من اعطاها حق النظر انتهى.

و الظاهر ان مراده حصر وجوب المقدمة بحال الايصال الى ذى المقدمة و يرجع الى وجوب المقدمة الموصلة كما يأتى لا اشتراط وجوب المقدمة بارادة ذيها و لا وجه لما عن تقريرات الشيخ الانصارى من انه بعد ما اعطينا الحجج الناهضة على وجوب المقدمة حق النظر و استقصينا التامل فيها ما وجدنا شائبة من ذلك فيها كيف و اطلاق وجوب المقدمة و اشتراطه تابع لاطلاق وجوب ذيها و اشتراطه انتهى و اعلم ان البحث هنا فى مقامين.

229

الاول فى لزوم قصد التوصل فى وجوب المقدمة و عدمه الثانى دخل الايصال فيه الثالث دخلهما معا فالاول نسب الى الشيخ الانصارى و الثانى الى صاحب الفصول و استدل الشيخ لما ذهب اليه بعد ما خص النزاع بمقدمة مشروطة بقصد القربة بما هذا لفظه (اذ بعد ما عرفت من تخصيص النزاع بما اذا اريد الامتثال بالمقدمة فنقول لا اشكال فى لزوم قصد عنوان الواجب فيما اذا اريد الامتثال بالواجب و ان لم يجب الامتثال و لا ريب فى عدم تعلق القصد بعنوان الواجب فيما اذا لم يكن الآتى بالواجب الغيرى قاصدا للاتيان بذلك الغير فلا يتحقق الامتثال بالواجب الغيرى اذا لم يكن قاصدا للاتيان بذلك و هو المطلوب الى آخر ما فى التقريرات المكتوبة عنه و فيه ان قصد التقرب على ما اختاره لا يمكن ان يكون قيدا فى موضوع الواجب النفسى فكيف يكون قيدا فى موضوع الواجب الغيرى الذى لا يكون إلّا ذات ما يتوقف عليه الشي‏ء مع انه مستلزم لكون القصد قصديا و لحاظ عنوان المقدمية فى موضوع حكم العقل معناه ان العنوان مقدمة لا المعنون و هو ظاهر الفساد لان المقدمة هى المعنون لا العنوان و اما الوجه الثانى و هو ان يكون ترتب ذى المقدمة دخيلا فى وجوبها كما يظهر من صاحب الفصول فيمكن توجيهه بان يكون وجوب المقدمة فى حال ترتب ذيها عليها كما فى وجوب كل جزء من المركب المأمور به فان وقوع الحمد واجبا انما يكون فى حال وجود سائر الاجزاء فلو انقطع الصلاة يكشف عن عدم وقوع الحمد واجبا و ينبغى‏

230

حمل قول الفصول من ان ترتب ذى المقدمة من قبيل شرط الوجود لا الوجوب على ذلك و يعبر عنه بالمعية الوصفية فهى شرط فى تحقق الوجوب للاجزاء لا لحاظا بل تبعا من جعل الحكم على المركب للزومه اتصاف الاجزاء بالوجوب الضمنى و مقتضاه ان معيتها شرط فى وصف وجوبها لان الآمر لاحظها معا فالمعية قيد لوجوبها واقعا لا لحاظا و لا وجوب لها الا مع مقارنتها و انطباق وجودها مع ما تعلق الامر بها حيث كان متعلقا بالاجزاء فى حال الانضمام فلا تقع واجبة الا بهذا الاعتبار و هذا معنى دخل ترتب الغير فى اتصاف السابق بالوجوب و كون الترتب مقدمة للوجود لا للوجوب حتى يلزم الدور فنقول لما كان الكاشف لوجوب المقدمة هو العقل باعتبار انه دليل لبى بمناط وجوب اطاعة امر المولى يكون كل المقدمات كالاجزاء لموضوع حكم العقل و هو وجوب الاطاعة التى تنطبق على اقدام المامور فى احراز مراد المولى بسد جميع ابواب عدمه الى ان يتحقق المامور به فهذه السلسلة المنضمة الى آخر مرحلة وجود المامور به مصداق للاطاعة و ترتب اللاحق على السابق دخيل فى تحقق هذه السلسلة و ما وقع فيها من المقدمات هو الذى يكشف العقل وجوبه من وجوب ذى المقدمة دون غيره و هذا هو الوجه الصحيح الذى يحكم به العقل السليم و قد توجه اليه نظر الشيخ الانصارى فى توجيه كلام الفصول و لكن عدل عنه بما لا يخلو عن الاشكال حيث قال ان الاجزاء اللاحقة لا تاثير لها فى الاجزاء السابقة لان مطلوبيتها ليست‏

231

ذاتية نفسية بل غيرية عرضية الى آخر ما قال لان الفصول لا يدعى تاثير اللاحق فى السابق وجود اولا وجوبا بل معية و ليس الوجوب الضمنى للاجزاء غيرية عرضية بل نفسية ضمنية و ليس مقصود صاحب الفصول ان ترتب ذى المقدمة عليها شرط فى وجودها او وجوبها لوضوح فسادهما و ما ذكرنا هو الوجه الصحيح لكلامه و هو الحق الصريح فى المقام و حقيق بالقبول لذوى الافهام و الاقوال فى وجوب المقدمة كثيرة كوجوبها مطلقا و عدمه مطلقا و التفصيل بين السبب و غيره و بين الشرط و غيره و التفصيل بين ما قصد به التوصل و غيره و التفصيل بين الموصلة و غيرها و هذا هو الحق بعد الالتزام بالوجوب الشرعى للمقدمة و بيان ذلك انه لا اشكال فى لزوم المقدمة عقلا و عدم كون تركه عذر المخالفة الامر الواجب عرفا انما الكلام فى ان حكم العقل بوجوبها كشفى ادراكى لحكمه بملازمة الامر بذى المقدمة مع الامر بها فوجوب المقدمة حكم شرعى كوجوب ذيها ام حكم العقل استقلالى ارشادى لحكمه بوجوب الاطاعة فليس للمقدمة حكم شرعى و بناء على الوجوب الشرعى للمقدمة ليس المقصود منه صدور الانشاء الآمرى بالنسبة اليها بل الوجوب التقديرى الملاكى اذ ربما لا يكون الآمر ملتفتا الى المقدمة او لا يعلمها حق ينشأ لها وجوبا نعم كان بحيث لو التفت اليها لأمر بها فهو كما اذا سقط ابن المولى فى الماء و هو نائم و علم به عبده فانه لو لم يبادر فى نجاته يصح للمولى ذمه و عقابه لان ملاك الوجوب كان تاما فعليا مع علم العبد

232

به و ان لم ينشأ الامر فعلا لعدم الالتفات.

و لتقدم الكلام فى مقتضى الاصل عند الشك فى وجوب المقدمة من جهة الملازمة بين الوجوبين و من جهة نفس وجوب المقدمة اما بالنسبة الى الجهة الاولى فقد يتوهم استصحاب عدم الملازمة و لكنه باطل لانها لو كانت تكون غير مسبوقة بالعدم و اما بالنسبة الى الثانى فربما يقال باجراء اصل البراءة من وجوب المقدمة او استصحاب عدم وجوبها الثابت قبل وجوب ذيها كما قال المحقق الخراسانى نعم نفس وجوب المقدمة يكون مسبوقا بالعدم حيث يكون حادثا بوجوب ذى المقدمة فالاصل عدم وجوبها و توهم عدم جريانه لكون وجوبها على الملازمة من قبيل لوازم الماهية غير مجعولة و لا اثر آخر مجعول مترتب عليه و لو كان لم يكن بمهم هنا مدفوع بانه و ان كان غير مجعول بالذات لا بالجعل البسيط الذى هو مفاد كان التامة و لا بالجعل التأليفى الذى هو مفاد كان الناقصة إلّا انه مجعول بالعرض و بتبع جعل وجوب ذى المقدمة و هو كاف فى جريان الاصل و لزوم التفكيك بين الوجوبين لا محالة لاصالة عدم وجوب المقدمة مع وجوب ذيها لا ينافى الملازمة بين الواقعيين و انما ينافى الملازمة بين الفعليتين انتهى و الحق عدم جريان اصل البراءة و اصل عدم الوجوب فى المقدمة لان الكلام مع العلم بالمقدمية و وجوب ذيها فلا مجال لاصل البراءة العقلية لما عرفت من عدم ترتب العقاب على وجوب المقدمة زائدا على عقاب ترك ذيها و هو معلوم الوجوب فعلا و البراءة

233

النقلية لا تجرى فى الوجوب المقدمى لانصراف ادلتها عن الوجوب التبعى و الحرمة كذلك و لان جعل الحلية لترك المقدمة مع العلم بوجوب ذيها لغو و لا يمكن شمول الادلة له و اما استصحاب عدم الوجوب فلان خطاب لا تنقضى باعتبار الاثر العملى المترتب على اليقين السابق و مرجعه الى الترخيص فى ترك المقدمة و هو قبيح مع لزوم اتيانها للعمل بالواجب مضافا الى ان الاستصحاب هو البناء العملى على اليقين السابق و هو غير ممكن فى المقام للزوم اتيانها عقلا و لا مجال لاجراء الاصل فى المقام و ما افاده فى الكفاية من ان وجوب المقدمة مجعول بالعرض فلا معنى له بداهة ان معنى الوجوب العرضى ان يكون ثابتا لذى المقدمة و ينسب الى المقدمة مجازا و قد عرفت انه خلاف الحق بل وجوب المقدمة ذاتى لها و ان كان وجوب ذيها واسطة فى اثباته و ليس واسطة فى العروض هذا و قد اكثر الاصحاب من البحث فى وجوب المقدمة و اطالوا الكلام فى النقض و الابرام و الاولى صرف عنان الكلام الى مقام و مقام الاول فى تحقيق حكم العقل و انه يستكشف من وجوب ذى المقدمة وجوب المقدمة ايضا ام لا الثانى ان الاوامر الواردة فى خصوص بعض المقدمات تفيد وجوب المقدمة عموما ام لا اما الكلام فى المقام الاول فالحق ان العقل لا يحكم بازيد من وجوب اطاعة المولى و هى احراز المامور به بمقدماته فيكون اتيان المقدمات من شئون اطاعة الامر بملاك حكم العقل بوجوب الاطاعة و حرمة العصيان و الذم على ترك المقدمة لانطباق‏

234

ترك ذيها عليه بمعنى كونه عنوانا متولدا منه و لا يكشف العقل وجوب شرعى مولوى لكل مقدمة اصلا فما احسن و اخصر ما قاله فى المعالم فى وجه ما اختاره من عدم وجوب المقدمة من ان الامر لو دل على وجوب المقدمات لكان باحدى الثلث و الكل منتف.

و اما الكلام فى المقام الثانى فلا شك فى ورود الامر بكثير من مقدمات الواجب و المستحب الشرعى و وعد الثواب كما فى آية الوضوء و الغسل و التيمم (6- المائدة) و آية مقدمات الجهاد (120 و 121- البراءة) و الاخبار الواردة فى السير الى الحج بل فى اكثر ابواب الواجبات و المستحبات فهل المستفاد حكم مولوى و وجوب غيرى للمقدمة ام الارشاد الى مقتضى حكم العقل كما فى مثل قوله‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ* لما عرفت من حكم العقل بوجوب المقدمة بملاك وجوب الاطاعة و على الاول فهل يستفاد منها ملازمة كلية بين وجوب المقدمة و وجوب ذيها فى جميع الواجبات ام يقتصر على خصوص مواردها وجوه لا يبعدان يقال انه بعد ما بينا من ان الاتيان بالمقدمات من شئون اطاعة الامر المتعلق بذى المقدمة تكون هذه الاوامر ارشاديا كالامر بالاطاعة و يؤيده ان الاوامر المتعلقة باجزاء المأمور به و النهى عن موانعه كلها ارشاد الى الجزئية و المانعية لامتناع تعلق الامر المولوى المستقل بالاجزاء كامتناع تعلقه بالاطاعة و وعد الثواب على المقدمات تفضل او بيان لثواب ذيها و استدل بعض الاعاظم على وجوب المقدمة كما فى تقريراته بما هذا لفظه (فالحق‏

235

فيه هو القول بوجوب المقدمة- الى قوله- و البرهان عليه ما ذكرناه مرارا من انه لا فرق بين الارادة التكوينية و التشريعية الا من جهة التكوين و التشريع فقط و من المعلوم المشاهد بوجداننا ان تعلق الارادة التكوينية بشي‏ء يستلزم تعلقها بجميع مقدماته قهرا نعم لا يكون هذه الارادة القهرية فعلية عند الغفلة عن المقدمية إلّا ان ملاك تعلق الارادة بها و هى المقدمية على حاله فاذا كان هذا حال الارادة التكوينية فيكون حال الارادة التشريعية مثلها ايضا و اما ما ربما يقال من لغوية تعلق ارادة اخرى بالمقدمة بعد فرض كون الاتيان بها ضرورى الوجود و مما لا بد منه فى وجود ذى المقدمة فيدفعه ان المدعى هو تعلق الارادة بها قهرا عند ارادة ذى المقدمة و لا يتمكن المريد لذى المقدمة عن عدم ارادتها انتهى اقول و فيه اولا ان قياس الارادة التشريعية بالتكوينية لا وجه له لان الارادة التشريعية شوق متعلق بفعل الغير داع الى انشاء الامر لجعل الداعى له و هو مقتض لفعل الغير و اذا انبعث به يتحقق المراد و إلّا فلا و اما الارادة التكوينية شوق الى فعل المريد نفسه شديد يترتب عليه تحريك العضلات او اجماع النفس و توجهها نحو الفعل بحيث يترتب عليه حركة العضل فلا يتخلف عن المراد و فرق بينهما من جهة التعلق بالمقدمات فالارادة التشريعية لما كانت مقتضية للفعل بل معدا بالنسبة الى المأمور به فلا تعلق لها بالمقدمات لكونها فى عهدة المامور و يتعلق بها ارادة المامور اذا اثر فيه الامر و مجرد جعل الداعى للمامور كاف فى الدعوة الى المقدمات و لا حاجة الى جعل داع آخر لها و اما الارادة

236

التكوينية حيث لا تنفك عن المراد تتبعها ارادة المقدمات لسد باب عدم المراد و ثانيا ان ما ذكره من تعلق الارادة بالمقدمة قهرا لا معنى له لانه ان كان المراد القهر فى مقابل الاختيار و القصد بحيث تكون المقدمة صادرة عن المريد من غير اختياره فهو واضح الفساد و ان كان المراد انه بعد العلم بالمقدمية و تصديق فائدة وجود المراد يريدها مستقلا بتبع ارادة المراد فلا فرق بين ارادته و ارادة المراد الحاصلة من التصديق بوجود الصلاح فيه فالارادة المتعلقة بالمقدمة كالمتعلقة بذيها و لا فرق بينهما نعم سنخ الصلاح فى المقدمة غير سنخ الصلاح فى ذيها فظهر ضعف ما دفع به الاعتراض الذى ذكره لان المريد للفعل بنفسه لا يتمكن من عدم ارادة مقدمته لسد جميع ابواب عدم المراد و اما المريد بالتشريع فلا يريد سد جميع ابواب عدم مراده لكونه فى عهدة المأمور.

و ينبغى التنبيه على امور الاول انه ربما فصل بعضهم كصاحب المعالم بين السبب و غيره من المقدمات فحكم فى غير السبب بعدم الوجوب و اضطرب كلامه فيه فقال ان البحث عن وجوب المقدمة السببية و عدمه قليل الجدوى و علله بندرة تعلق الامر بالمسببات و بان الحكم بوجوبها ظاهر من جهة الاتفاق عليه اقول مراده بالسبب اما العلة التامة كتحريك اليد لحركة المفتاح و اما المشهور من معناه من انه ما يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم لذاته و هو العلة بشرائطها غير عدم المانع و اما ان يكون العنوان المولد للمسبب مثل الايلام‏

237

بالنسبة الى الضرب مثلا فان كان مراده احد الاولين ففيه ان المورد النادر كاف فى ثمرة البحث مع انه لا يحتاج الى احراز الصغرى و- التمسك بالاجماع فى المقام لاثبات الملازمة عجيب لانها امر عقلى لا يثبت بالاجماع و ان كان المقصود اثبات وجوب المقدمة السببية شرعا و لو لم يكن ملازمة فى البين فاثباته مشكل لان دليل اكثر القائلين بالوجوب هو الملازمة نعم ان كان مراده القسم الثالث كان لكلامه وجها من ان الوجوب النفسى فى مثل المقام يسند الى كل من السبب و المسبب لان وجودهما واحد فى الخارج و الفرق بالاعتبار فان اخذ المسبب فى موضوع الامر كان يقال احرق الخشب فلا اشكال فى وجوب القائه فى النار لانه محقق احراقه.

الثانى قال المحقق الخراسانى مقدمة المستحب كالواجب بناء على القول بالملازمة فتكون مستحبة و فيه نظر لان دليل وجوب المقدمة فى الغالب لا ينطبق على المستحب كما نسب الى ابى الحسين البصرى من استلزام عدم وجوب المقدمة لخروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا او التكليف بما لا يطاق و مثل الاستدلال على وجوب المقدمة من طريق ترتب العقاب على ترك ذيها و مثل ما نقل عن بعض الاعاظم من تنظير الارادة التشريعية على التكوينية فتدبر.

الثالث بناء على ثبوت الملازمة فى مقدمة الواجب هل تثبت الملازمة بين حرمة شى‏ء مع مقدمته ام لا؟ يظهر من القائلين بالملازمة هناك عدمها هنا بقول مطلق و فرقوا بين المقدمة التى كانت علة تامة

238

لوقوع الحرام بحيث لا يبقى للمكلف اختيار بينها و بين وقوع الحرام كصب الماء محاذيا لملك الغير بحيث يقع الصب عليه قهرا و بين ما لم يكن كذلك كالمشي الى الخمار و شراء الخمر حيث يبقى اختيار المكلف للشرب بعدهما فقالوا بالحرمة فى القسم الاول دون الثانى و يقع البحث فى مقامين الاول فى تأثير حكم الحرام فى مقدمته الثانى فيما يدل عليه من الخارج.

اما الاول فبناء على ما ذكرنا من عدم الملازمة بين الوجوبين فالحكم بعدمها هنا اوضح نعم قد يكون المقدمة من قبيل السبب المولد بحيث ينطبق عليه عنوان ذى المقدمة و يحسب عنوانا ثانويا له كرمى السهم او الحجارة المترتب عليه القتل الذى يعد عنوانا ثانويا للرمى فتحريم القتل تحريم للرمى الموجب له و لا يكون فى المقام تحريمين فضلا عن الملازمة بينهما لان ما يصدر من المكلف فى المقام امر واحد تعلق به التحريم سواء لوحظ بالعنوان الاولى او الثانوى و قد يكون علة الحرام مباينا معه وجودا مثل تحريك اليد لفتح الباب و يتحقق عصيان نهى ذى المقدمة بنفس الشروع فى المقدمة و يترتب عليه العقاب كما ذكرنا فى ترك مقدمة الواجب من انه عصيان للامر المتعلق بذى المقدمة و يترتب عليه العقاب بترك ذيها لانه ينطبق عليه فان كان المراد من حرمة المقدمة التى كانت علة تامة لوقوع الحرام هذا المعنى لا اشكال فيه و ان كان المراد اثبات حرمة للمقدمة غير حرمة ذيها و يكون هنا تحريمان مولويان نفسى و غيرى‏

239

فالاقوى خلافه كما ذكرنا فى مقدمة الواجب و ان شئت قلت ان الحرمة ثابتة لذى المقدمة بالذات و لها بالعرض.

و اما المقام الثانى فلا اشكال فى انه قد ورد اللعن على ارتكاب مقدمات بعض المحرمات كشرب الخمر فانه لعن فيه الغارس و الحامل و البائع و غيره فيشمل حرمة تهية مقدمة الحرام على الغير ايضا و مثل تحريم المعاونة على الاثم و العدوان فى الآية و الروايات حتى جلفة قلم الظالمين و اعطاء السياط لهم فهل يستفاد منها عموم المعاونة بحيث تشمل اعداد الانسان مقدمة الحرام لنفسه او يختص بمعاونة الغير و على الاول فهل يكون الحرمة نفسيا او غيريا او مختلفا باعتبار فعل المكلف و فعل غيره وجوه.

[الامر بالشي‏ء يقتضى النهى عن ضده و صحة الترتب‏]

(اصل) فى ان الامر بالشي‏ء يقتضى النهى عن ضده ام لا؟

و يقع البحث فى امور الاول الامر اعم من اللفظى و اللبى المستفاد من الاجماع و نحوه لعموم الادلة من الطرفين غالبا الثانى لا فرق بين الوجوب النفسى و الغيرى و العينى و التخييرى و الكفائى و ان كان الضد يختلف فيها ففى العينى ما لا يجتمع معه بخصوصه و فى التخييرى ما لا يجتمع معه و بدله و فى الكفائى ما لا يجتمع مع فعل كل المامورين لعموم الادلة و عدم مخصص فى البين و ان كان بعض الادلة لا يشمل بعضها.

240

الثالث الاقتضاء اعم من الثبوتى و الاثباتى فالاول بمعنى ان فى الامر بشى‏ء علية للنهى عن ضده بسبب كشف النهى عنها و الثانى بان يكون اثبات الامر كاشفا عن النهى عن ضده بان يكون عينه كما عن بعضهم او دالا عليه بالالتزام اللفظى او العقلى و يشمل جميع الدلالات الثلث.

الرابع قد يفسر الضد فى المقام بالضد العام و هو تركه لكنه لا يوافق الاصطلاح لان الضدين امران وجوديان بينهما غاية الخلاف و الترك عدمى فهو نقيض الواجب لا ضده إلّا ان يكون اصطلاحا اصوليا او يكون مقتضى النهى الكف عن المنهى لا صرف ان لا يفعل كما عن بعضهم و هذا اظهر و يؤيده الوصف بالعموم و إلّا فترك كل واجب نقيضه الخاص به و لعل البحث جرى من القائل بذلك و- تبعه غيره حفظا لعنوان البحث ثم ان اقتضاء الوجوب للنهى عن ترك الواجب ظاهر لا بان يكون النهى عن الترك جزء من مفهوم الوجوب كما يوهمه من تعريفه بانه طلب الفعل مع المنع من الترك لما عرفت من ان الوجوب امر بسيط لا تركيب فى مفهومه و لو تحليلا و لا بان يكون المنع من الترك مدلولا التزاميا له او من لوازم وجوده بان يكون هنا طلبان ثبوتا او اثباتا احدهما متعلقا بفعل الواجب و الآخر بتركه فانه خلاف الوجدان بل بمعنى انه لما كان الامر علة تامة تشريعية لوجود المطلوب فهو عين طرد عدمه كما فى علة التكوين كما ان اثر النار باعتبار ايجاد الحرارة عين طرد عدمها و ليس فيها اثر ان‏

241

الحرارة و طرد عدمها فحق التعبير فى المقام ان يقال ان الامر بالشي‏ء عين النهى عن الضد العام له اى تركه و لعله مراد القائل بالعينية.

الخامس الضد الخاص للواجب قسمان منه تكوينى كانقاذ الغريق و اطفاء الحريق فانهما لا يجتمعان معا و ان لم يكن وجوب شرعى و منه تشريعى كالاكل مع الصلاة فانه ناش عن اعتبار مانعيته للصلاة شرعا و كازالة النجاسة مع الصلاة لاعتبار الفعل الكثير مانعا فيها فان كان المراد اقتضاء الامر للنهى عن ضده النهى النفسى المستقل الموجب للعقاب على مخالفته فاذا ترك المكلف الصلاة و اكل شيئا فعليه عقابان لترك الصلاة و فعل الضد و يكون القسمان فى محل النزاع لان اعتبار الشارع مانعية شى‏ء فى الصلاة يوجب التضاد و منشأ لترتب العقاب على تركها و عقاب آخر على فعل الضد للنهى عنه مستقلا و ان كان المراد من النهى عن الضد الخاص الاعم من النفسى و الغيرى بان يكون الامر بالشي‏ء موجبا للنهى عن ضده و ان كان نهيا غيريا لا يترتب عليه العقاب ينبغى خروج الضد الشرعى عن محل النزاع لان النهى الغيرى عنه مقتضى الامر ثبوتا و اثباتا لما عرفت من ان التكليف المقيد بعدم شي‏ء كالاكل فى الصلاة مثلا يقتضى النهى عن هذا الشي‏ء لانه معنى تقييده بعدمه فالصلاة المقيدة بعدم الضحك المامور بها يقتضى امرها النهى عن الضحك بهذا المعنى فالبحث اما ان يكون فى اثبات النهى النفسى للضد عن الامر و اما فى اثبات النهى الغيرى بان يكون الامر موجبا لاشتراط

242

الواجب بعدم الضد و اما لاثبات النهى بالمعنى الاعم فعلى الاول يدخل فى محل النزاع جميع الاقسام و على الاخيرين يختص النزاع بالضد التكوينى و يخرج الضد التشريعى عن محل البحث لوضوح اقتضاء الامر للنهى الغيرى عنه بهذا المعنى لوضوح كونه بالالتزام اذا عرفت ذلك فلا بد من البحث فى موارد.

الاول ان ترك الضد مقدمة لفعل الضد ام لا؟

الثالث فى امكان الامر بالضدين على سبيل الترتب و عدمه اما الاول ففيه وجوه بل اقوال منها ان ترك الضد مقدمة لفعل الضد و فعله مقدمة لتركه فالتوقف من الطرفين و منه ان ترك الضد مقدمة لفعل الضد و لكن فعله ليس مقدمة لتركه فالتوقف من جهة الترك فقط و الثالث انه لا توقف فى البين اصلا بل يكون فعل كل منهما بحيث لا يجتمع مع فعل الآخر لان بين وجودهما غاية الخلاف و الحق ان يقال ان الضدين التكوينيين كالسواد و البياض او انقاذ غريق و غريق فى وقت واحد مع عدم القدرة عليهما معا فلا توقف لوجود احدهما على الآخر فعلا و لا تركا بل عدم كل منهما من مقارنات وجود الآخر لان ترك الضد ليس علة و لا سببا و لا مقتضيا و لا معد الوجود الضد الآخر و لا شرطا له و لا من قبيل عدم المانع لادائه الى الدور المحال و اما الضد الشرعى المنتزع من تقييد المامور به بعدم شي‏ء فالتحقيق فيه التوقف من طرف واحد لان وجود المامور به متوقف على عدم هذا الشي‏ء من دون عكس كالضحك مع الصلاة فوجود الصلاة

243

متوقف على عدم الضحك من باب توقف الشي‏ء على عدم المانع كما انه متوقف على الطهارة لكونها شرطا و كل من الشرط و عدم المانع متقدم على الشي‏ء رتبة و لا يتوقف الضحك على عدم الصلاة و لا يلزم الدور هنا إلّا ان يكون امر ان اعتبر الشارع عدم كل منهما فى وجود الآخر و هو غير وارد فى الشرع و ان وجد ما يدل بظاهره على ذلك فلا بد من تأويله لاستلزامه الدور المحال و اما الضدين التكوينيين فلا توقف من الطرفين و ما استدل به على الاقتضاء فوجوه‏

الاول يرجع الى اخذ المنع من الضد فى مدلول الوجوب فيدل على النهى عنه بالتضمن.

الثانى دعوى ان الامر بشي‏ء عين النهى عن ضده و ظاهر كلامهم سوق هذين الوجهين فى الضد الخاص و الحق ما عرفت من عدم صحة الوجه الاول لان الوجوب بسيط لا جزء له مادة و هيئة فالدعوى ساقطة رأسا و اما الوجه الثانى فقد عرفت انه بالنسبة الى الضد العام المفسر بالترك له وجه و ان كان طريق الاستدلال به كما فى المعالم غير صحيح فراجع و تدبر.

الثالث مقدمية ترك احد للضدين للآخر و قد أبطلنا اصل المقدمية اولا و بينا عدم وجوب المقدمة ثانيا و الادلة كلها مخدوشة فالاقوى عدم اقتضاء الامر بشى‏ء للنهى عن ضده الخاص مطلقا و الثمرة المترتبة على هذه المسألة حرمة ضد الواجب و بطلانه ان كان عبادة كصلاة من امر بازالة النجاسة عن المسجد فى سعة الوقت بناء

244

على القول بالاقتضاء و اما على المختار فلا و يظهر من بعضهم حصر الثمرة فى الاخير و هو كون الضد عباديا و لا وجه له و هو ظاهر قوله الشيخ البهائى فى زبدته من انه يتم الثمرة التى ارادوها من هذه المسألة و هو بطلان الضد اذا كان عبادة و لو لم نقل بدلالة الامر بشى‏ء على النهى عن ضده بداهة ان الامر بالشي‏ء و ان لا يقتضى النهى عن ضده لكنه يقتضى عدم الامر به لا محالة بداهة امتناع الامر بالضدين فى وقت واحد فيبطل لو كانت عبادة لتوقف صحة العبادة على الامر و- بطلان الضد العبادى عنده يبتنى على امتناع الامر بالضدين مطلقا حتى بالترتب و على توقف صحة العبادة على وجود الامر بها و قد مر البحث فى المقدمة الثامنة اما الكلام فى المقدمة الاولى فبناء على بطلان الترتب و لكن ذهب جمع الى جواز الامر بالضدين على سبيل الترتب و المنقول عن المحقق الثانى جواز الامر بالضدين اذا كان احدهما موسعا مطلقا و البحث فى هذه المسألة يقع من وجهين الاول بالنظر الى مقام الثبوت و امكانه و الثانى فى اثباته و الكلام فى الاول من جهة اشتراط التكليف بالقدرة و ليس للمكلف قدرة على فعل الضدين فى وقت واحد و لا يمكن ان يكلف بهما معا تكليفا فعليا لوجهين.

الاول ان التكليف بالضدين فى وقت واحد محال لان التكليف كما اشرنا اليه مرارا هو الانشاء بداعى جعل الداعى للمامور و مقتضاه ان يصير الامر سبب اختياره وجود الفعل فى الواجبات‏

245

و تركه فى المحرمات و لازمه صحة صدور كل من الفعل و الترك منه و لو كان ضرورى الوجود او العدم لا معنى لجعل الداعى و حيث ان المكلف لا يقدر على الضدين فى زمان واحد فالجمع بينهما ضرورى العدم و تعلق التكليف بهما معا محال و اشتراط التكليف بالقدرة مقتضى نفس التكليف الثانى ان التكليف بالضدين معا تكليف بغير مقدور و هو محال من الحكيم لانه لغو و قبيح لعدم تأثيره فى المامور تبشيرا او انذارا و ما نسب الى المحقق الثانى من جواز الامر بالضدين اذا كان احدهما موسعا يبتنى على مقدمات الاولى ان متعلق الامر الطبيعة المتصورة بما هى مرآة للخارج لا الوجود الخارجى لانه مراد بالعرض و موجب امتثال الامر المتعلق بالطبيعة

الثانية القدرة على الطبيعة بالقدرة على فرد ما مقدور كما انها بوجود فرد موجودة فالقدرة على بعض الافراد تصحح الامر بها مطلقا من دون النظر الى الافراد الأخر.

الثالثة امتثال الامر بالطبيعة باتيان اى فرد منها حكم عقلى ليس للشارع ان يمنع عنه الا بتغيير امره و لو فرض ان المامور اوجد الفرد الغير المقدور يسقط الامر بالطبيعة فاذا امر بالصلاة موسعا و كان الامر بالازالة فوريا و الفرد المزاحم معه من الصلاة غير مقدور شرعا لكن القدرة باصل الطبيعة حاصلة و كانت مامورا بها و اوجد المامور الفرد المزاحم فلا بد من تحقق الامتثال و سقوط الامر قهرا بحكم العقل و الامر بالصلاة لا يقيد بعدم المزاحم لانه من عوارض الحكم‏

246

و لا يمكن اخذه فى الموضوع و ما ذكر من من الوجهين لامتناع تعلق الحكم بالضدين لا يجرى فى المقام لامكان تأثير كلا الخطابين فى المامور فلا يكون الامرين محالا و لا لغوا فما ذهب اليه المحقق الثانى لا يخلو من قوة، و الامر بالضدين على الترتب يتوقف على مقدمات منها انه يتصور على وجوه كان يكونا موسعين او يكون احدهما موسعا او يكون كلاهما مضيقا و على جميع الوجوه اما ان يكون فى البين اهم او لا لا اشكال فى خروج الامر بهما موسعا او مع كون احدهما موسعا عن مورد البحث بناء على المختار موافقا لقول المحقق الثانى و بناء على قول المشهور فكل الصور مورد للبحث و لا فرق بين ان يكون فى البين اهم ام لا غابة الامر ان الترتب مع وجود الاهم يرجع الى امر مطلق بالاهم و مشروط بالمهم و مع التساوى يرجح الى امرين مشروطين فما عن بعض الاعاظم من تخصيص البحث بما اذا كان احدهما موسعا او بما اذا كان احد المضيقين اهم لا وجه له و منها ان الخطابين لامرين متنافيين اما متزاحمين و اما متعارضين و التزاحم ان يكون الملاك لكليهما تاما فى مورد التنافى واجد الصلاح الامر و حائزا لما يعتبر فى الجعل و الانشاء و التنافى يكون فى مورد الامتثال و الدعوة الى العمل باعتبار قصور قدرة المكلف عن الجمع بينهما كالامر بانقاذ الغريق مع وجود غريقين و عجز المامور عن الجميع بينهما و يكفى فى صدق التزاحم وجود الملاك فى كل منهما على تقدير اخذ المكلف به و فى ظرف ترك الآخر

247

كالتزاحم بين الخبرين المتنافيين بناء على السببية فان الملاك يتحقق بالاخذ به و التدين بمضمونه فما لم يعمل به لاصلاح فيه و الخبر المتروك لاصلاح فيه اصلا إلّا ان يكون مطابقا للواقع و لكنه ليس مناط السببية و اما ميزان التعارض فنافى الخطابين فى الجعل و التشريع اما لكونهما ضدين او نقضين كالوجوب و الحرمة او الوجوب و عدمه و اما لعدم وجود ملاك التشريع فيهما معا و ان يمكن الجمع بينهما كما فى صلاة الظهر و الجمعة فى يومها فالملاكان فيهما متنافيان فاوجب التنافى فى الامر بهما بالعرض فكل خطابين دالين على حكمين متنافيين فى التشريع ذاتا او عرضا متعارضان فانقدح ان التزاحم و التعارض مجتمعان موردا بالاعتبار الثانى و الفرق بينهما فى وجود الملاكين فى الاول دون الثانى و من هذا يمكن الترديد بينهما للشك فى وجود الملاك فى كلا الطرفين فيما اذا لم يكن المدلولان متنافيين بالذات لعدم احتمال التزاحم فيه بخلاف ما اذا كان التنافى بالعرض و كانه من الخلط بين القسمين ذكر بعض الاعاظم فى تقريراته عدم امكان الترديد بين التزاحم و التعارض بما هذا لفظه و لا يخفى ان هذا الايراد (و هو انه بعد ملاحظة خطاب ازل النجاسة من المسجد و خطاب صل فالحكم بكونهما متزاحمين فرع احراز الملاك فى كل منهما حتى فى حال الاجتماع و لا دليل على ذلك فيكونان متعارضين فلا يتحقق التزاحم) انما نشأ من تخيل ان المقام من باب المتعارضين و هو ناش من خلط باب التزاحم و التعارض غفلة عما هو الملاك‏

248

فى كل منهما كما ان القول بان الاصل عند الشك هو التعارض او التزاحم ناش عن ذلك- الى ان قال و تحقيق ذلك ان باب التعارض يفترق عن باب التزاحم فى مورد التصادم و فى الحاكم بالترجيح او التخيير و فى جهة التقديم و كيفيته- ثم اوضح ذلك- بانه ان كان بين الاحكام بحسب جعلها على موضوعاتها المقدر وجودها على نحو القضايا الحقيقية تناف و تعاند فيكون ذلك باب التعارض و اما ان لا يكون تناف اصلا حتى فى الفعلية فلا يكون تعارض و لا تزاحم او يكون التنافى فى مقام الامتثال و الفعلية فهو باب التزاحم- و هذا خلاصة كلامه و لا يخلو جوابه و ضابطته من الاشكال لما عرفت من ان التنافى بين الخطابين ان كان بالعرض كما فى مورد التردد بين وجوب الظهر او الجمعة كما يحتمل التزاحم يحتمل التعارض و الفارق وجود الملاك فيهما و عدمه و لا اشكال ان الامر بالضدين من هذا الباب فان الازالة و الصلاة معا لو كانا تامى الملاك يكون حكمهما متزاحمين و ان لم يكن الملاك الا فى احدهما فمتعارضين كما فى مثل خطاب صل الظهر و صل الجمعة فلا بد فى احراز انه من باب التزاحم او التعارض من الرجوع الى الدليل على ما سيئاتى و كان هذا المحقق نظر الى خصوص ما كان المورد من المتنافيين بالذات و غفل عن غيره و ظهر مما ذكرنا ان الفرق بين التزاحم و التعارض تارة بان التزاحم صفة للمدلول و ينسب الى الدال بالعرض فيكون مقام الثبوت واسطة فى العروض لمقام الاثبات و التعارض بالعكس فهو صفة للدال حقيقة

249

و للمدلول بالعرض و ان كان علة اتصاف الدليلين بالتعارض هو المدلول و هذا الفرق بينهما من جهة الموضوع و اخرى بانه لا اشكال فى سقوط الخطاب الاولى فى كلا الموردين اما فى التزاحم فلانه فى رتبة الامتثال و هو متاخرة عن الموضوع و الحكم فلا يمكن ان يتعرض به دليل اثبات الحكم و لا اى نشاء الاولى و اما فى مورد التعارض فالامر اوضح و الفرق ان العقل فى مورد التزاحم يكشف التخيير فى المتساويين و حكما تعيينيا و لا هم ان كان فى البين لثبوت الملاك التام للحكم و عدم المانع منه بهذا الخطاب الا قصوره عن مشمول المورد و اما فى المتعاوضين فلا يكشف ذلك لعدم ادراك ملاك الحكم فى مورد التعارض فالحاكم فى كلا المقامين هو الشرع و الفرق بينهما ان العقل دليل لكشف الحكم فى مورد التزاحم دون التعارض و بذلك ظهر ما فى تقريرات بعض الاعاظم فى الفرق بينهما من جهة الحاكم من ان الحاكم بالترجيح و الاخذ بذى المزية او التخيير عند عدمهما هو العقل فى باب التزاحم و الشرع فى باب التعارض بناء على المختار من حجية الامارات من باب الطريقية اذ مقتضى القاعدة- ح- هو التساقط و عام الاعتبار بمزية احد الدليلين فيكون الحكم بالترجيح او التخيير من باب التعبد الشرعى الخ و يرد عليه ان الحاكمية ان كانت بمعنى جعل الحكم ففى كلا البابين لا يكون العقل حاكما و ان كان بمعنى المدركية فلا معنى لان يقال ان العقل حاكم فى مورد التزاحم و الشرع حاكم فى مورد التعارض بل يقال لا حكم للعقل فى مورد

250

التعارض و الوجه فى تقديم احد المتزاحمين اما اهمية الملاك فى احدهما كانقاذ غريق مسلم مع انقاذ غيره و اما ان يكون لاحدهما بدل دون غيره فلا بد من اتيان ما لا بدل له و اتيان بدل الآخر و هو ظاهر و اذا كانت القدرة فى احدهما شرطا شرعا دون الآخر يتعين اتيان الثانى كما اذا كان عليه الدين و الحج و لا يفى ماله إلّا باحدهما فيتعين صرفه فى الدين و فى كون المورد من باب التزاحم تامل و المرجحات فى مورد التعارض ترجع الى الدلالة و السند دون مرجحات مورد التزاحم و مرجحات باب التعارض راجعة الى اقوائية الملاك فى مقام الاثبات و الطريقية كما ان المرجح فى مورد التزاحم راجعة الى اقوائية الملاك فى مقام الثبوت و لا اشكال فى عدم تحقق الترتب فى امرين لا ملاك لكليهما فى حال الاجتماع و ان كان لواحد منهما ملاك و اما اذا كان الملاك فى كليهما او واحد منهما تقديريا لاشتراطه باختياره ففى جريان الترتب فيه اشكال و يقوى فيما اذا كانت القدرة فى احدهما شرطا شرعيا كالوضوء و التيمم اذا كان فاقد للقدرة شرعا على الماء كما اذا كان فى الاناء الغصبى او كان استعماله ضررا عليه فعصى و توضأ فهل يصح وضوئه بالترتب باعتبار انه بصرف القدرة فى الوضوء تحقق الملاك فيه و هو كاف فى الامر الترتبى و الاظهر انه لا باس فى الترتب فى امثال هذه الموارد ثبوتا و لكن يحتاج الى دليل خاص غير دليل اصل التكليف و اما اذا كان الملاكان مطلقين فيكفى نفس دليل التكليف لاثبات الامر الترتبى و فى الامر بالضدين‏

251

اذا اخذ ترك احدهما شرطا فى وجوب الآخر يصيران واجبين طوليين فلا يجتمعان فى الوجوب لان الواجب فعل احدهما مقارنا لترك الآخر و لا يجتمعان فى الوجود معا و من هنا يظهر ان الخطاب الترتبى بنفسه مانع عن جمع الضدين معا فى عالم الوجود و انما المقتضى للجمع هو اطلاق الخطابين و قد عرفت ان الواجب المشروط كما عرفت مفصلا انشاء بداعى جعل الداعى على فرض وجود شي‏ء سواء كان فرض وجوده قبل الواجب او معه او بعده و لا يخرج بوجود شرطه عن كونه مشروطا و اثر وجود الشرط فعلية البعث و مع اول وجود الشرط المقارن يتحقق البعث الفعلى و ان كان يتاخر عنه رتبة كما قد يتحقق البعث قبل وجود الشرط فى الشرط المتاخر و لو كان عصيان احد الخطابين شرطا للخطاب الآخر فهو شرط مقارن و يتحقق البعث الى المهم مقارنا مع عصيان امر الاهم و لا يتاخر عنه زمانا بان يتحقق العصيان بمضى وقت الاهم فصار البعث الى المهم فعليا فانه ليس مورد البحث و اعلم ان فعلية الامر بوجود الفرض الذى فرضه الحاكم فى الجعل و الامر و هو وجود متعلق الموضوع كوجود زيد فى اكرم زيدا لانه فرض وجوب الاكرام و وجود شرط التكليف الذى كان مفروض الوجود فى الامر كما عرفته سابقا فلا بد من وجوده فى فعلية البعث مقدما او مقارنا او مؤخرا كما فرض و فعلية الامر متاخرة عن الموضوع و الشرط طبعا و لا يلزم ان تكون متاخرة عنهما زمانا كما فى الشرط المتاخر او الواجب التعليقى فان كان شرط الامر بالمهم‏

252

عصيان امر الاهم لا يتوقف فعليته على مضى زمان العصيان بل تكون مقارنة له لكونه شرطا كذلك متأخر عنه طبعا لا زمانا كفعلية حكم وجوب الصوم من اول اليوم المقارن للامتثال نعم يشترط سبق العلم بالامر على اول زمان الامتثال فى العبادة لتحقق قصد القربة و لا يرد الاشكال فى الترتب بان امتثال امر المهم لا بد و ان يكون بعد عصيان امر الاهم إلّا ان يكون واجبا معلقا او من باب الشرط المتاخر و لو فرض لزوم تاخر الامتثال عن الامر زمانا فيصح على ما اخترناه من امكان الواجب المعلق و الشرط المتأخر.

و ليعلم انه لا اطلاق للامر بالنسبة الى حال وجود الموضوع او عدمه لا لحاظيا و لا ملاكيا فالاول بالنسبة الى الانقسامات السابقة على الامر كما ان الثانى باعتبار الانقسامات اللاحقة عليه لانه على الاول يلزم تحصيل الحاصل و على الثانى طلب الممتنع فى الامر الوجوبى و ينعكس المحذور ان فى التحريم لكن الخطاب محفوظ فى كلا الحالين لان الخطاب الوجوبى مقتض لوجود المتعلق و- كعلة له فلا بد من وجوده لايجاد معلوله كما ان التحريم مقتضى لعدم المتعلق فالاطلاق يقتضى تحقق متعلقه و دفع نقيضه و هذا بخلاف اطلاق الحكم بالنسبة الى موضوعه و شرطه فانه لا نظر له الى وجوده و عدمه اصلا لان الامر لا يكون حافظا لموضوعه و لا لشرطه فخطاب الاهم يقتضى وجوده و اما خطاب المهم المشروط تبرك الاهم لا يقتضى عدم الاهم بل يقتضى ثبوت الحكم على فرض تحقق عدم‏