أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي‏ - ج1

- محمد باقر كمرئي المزيد...
374 /
253

الاهم فيكون الامر ان طوليين و لا مزاحمة بينهما و انظر ايضا الى ما قد سبق من ان الامر الترتبى فيما اذا كان التنافى بين الامرين من جهة الامتثال فقط فلو كان احدهما منافيا للآخر بحسب اصل الجعل و التشريع كالامر باداء الدين الحال المنافى للاستطاعة التى شرط لوجوب الحج فلا ترتب بين الامرين كما يشترط فى المهم ان يكون مقدورا للكلف و ان يكون ناظر الى هذا الشرط و مع هذه الشرائط الثلاثة لا مزاحمة بين الامرين لان احدهما ينفى موضوع الآخر فلو امتثل امر الاهم لا يكون امر للمهم و لو تركه و اشتغل بالمهم سقط امر الاهم بالعصيان‏

و ليتبصر الى ان الامر بوجوده الواقعى لا يحرك المكلف نحو العمل و انما يؤثر العلم به فى تحريكه بصورته التى انشأها الآمر و الامرين على سبيل الترتب لا يجتمعان فى بعث المكلف معا لانه ما لم يصمم على عصيان امر الاهم لا بعث لامر المهم لعدم وجود شرطه و اذا صمم عليه سقط امر الاهم عن الاثر و يرى المكلف نفسه قادرا على الاتيان بالمهم فلا يلزم من وجود امرين احدهما مشروط بعصيان الآخر طلب للجمع بين الضدين هذه ما استنبطها فكرى بعناية اللّه و ينبغى التوجه الى مقدمة اخرى و هى ان القدرة التى شرط لصحة الامر بالاهم بل مطلقا هى ما تقتضى تحقق المراد بنفسها لا ما تقتضى عدم العصيان و لازمه ان يتعلق الامر بما يمكن ايجاده للمأمور و الامر بالضدين مشروطا بشرط اختيارى غير ترك الضد الآخر امر بالمحال و لكن‏

254

الامر بالضدين ترتبا ليس من الامر بالمحال لكفاية القدرة على امتثالهما فى الجملة فما قال المحقق الخراسانى من ان الترتب يرجع الى الامر بالمحال مع سوء اختيار المكلف فاسد جدا قال لا يقال نعم لكنه بسوء الاختيار حيث يعصى فيما بعد بالاختيار فلولاه لما كان متوجها اليه الا الطلب بالاهم و لا برهان على امتناع الاجتماع اذا كان بسوء الاختيار فانه يقال استحالة طلب الضدين ليس إلّا لاجل استحالة طلب المحال و استحالة طلبه من الحكيم الملتفت الى محاليته لا تختص بحال دون حال و إلّا لصحّ اذا علق على امر اختيارى فى عرض واحد بلا حاجة فى تصحيحه الى الترتب لشي‏ء محال انتهى فالحاصل انه لو قلنا بكفاية اثر الامر فى المأمور فى الجملة و لو ببعض التقادير يصح الامر بالضدين ترتبا و ان قلنا انه يلزم أن يكون داعيا مطلقا و على كل تقدير فلا يمكن الامر بالضدين مطلقا لان الامر الايجابى المطلق على الاهم يقتضى صرف قدرة المكلف اليه دائما فلا يمكن الامر بضده و لو مشروطا بعصيانه لانه و ان لم يكن تكليفا بالمحال إلّا انه مخالف لاطلاق دعوته على كل حال و مجرد احتمال عصيانه لا يسقطه عن الدعوة فى كل حال فالامر بالضدين ترتبا و ان لم يستلزم المحال إلّا انه ملازم للتنافى فى جعل الامرين إلّا ان يقال ان الامرين لا يكونان بنظر واحد بل بلحاظين فلا مانع من لحاظ المولى عصيان المكلف لامر الاهم فيامر بالمهم على تقديره و القدرة فى كل امر ملحوظة وحده لا مع النظر الى تكليف آخر و هذه مقدمات لتصحيح‏

255

الترتب مأخوذة من كلمات الاصحاب و ما ادى اليه النظر و التدبر فيها يقضى بصحة الترتب و دفع اعتراض المانعين و هو امور.

الاول انه تكليف بامر غير مقدور فهو تكليف بالمحال او تكليف محال لان الامر بالاهم لاطلاقه يسرى الى مرتبة الامر بالمهم فيلزم الامر بجمع الضدين و قد عرفت مما سبق ان الامرين على وجه الترتب لا يجتمعان فى الدعوة الى المأمور به حتى يلزم الامر بالجمع المحال.

الثانى انه يلزم لغوية الجمع بين الامرين لعدم فعلية الدعوة لهما معا و الجواب ما سبق من ان الامر لا يلزم ان يكون داعيا مطلقا بل الدعوة فى الجملة كافية لصحته و ان القدرة و الدعوة فى كل امر ملحوظة بخصوصه لا بلحاظ اجتماعه مع غيره‏

الثالث ان فعل المهم ملازم مع ترك الاهم و هو حرام فلا يجتمع مع وجوب المهم و فيه ان حرمة الترك ليس حكما مستقلا بل عبارة اخرى عن وجوب الفعل و هو ساقط بالعصيان فلا حرمة لتركه لانه ليس اوسع من وجوب الفعل و لا حكما مستقلا دونه‏

الرابع انه يلزم تعدد العقاب على تركهما معا و هو قبيح لانه عقاب على غير مقدور و هو الجمع بين الضدين و فيه انه بعد ما بينا من قدرة المكلف على امتثال كل من الامرين بما يقتضيانه فقد عصى كل منهما باختياره و لا مانع من عقابه لانه بعد تصوير الامرين على وجه يقدر المأمور على امتثالهما فلا اشكال فى تعدد العقاب على‏

256

تركهما فظهر انه لا مانع من الامر بالضدين بحسب مقام الثبوت و اما فى مقام الاثبات فقد استدل عليه بعض الأعاظم بالبرهان الإنّي و قال فى تقريرات عن بحثه (و ملخّص ما ذكرنا فى اثبات ذلك برهانان‏

الاول هو البرهان الإنّي و هو عبارة عن جملة من الفروع الفقهية المسلمة عند الاصحاب بحيث لا يمكن انكارها و الالتزام بها مستلزم لتجويز القول بالترتب انتهى و هذا برهان ضعيف لان البحث عقلى صرف بحسب مقام الثبوت فان تم دليل الامتناع فلا بد من تاويل هذه الفروع و ان ثبت الامكان عقلا فلا حاجة الى هذا البرهان نعم لو لم يتم دليل الطرفين و بقى الترديد بين الامكان و الامتناع فلا يبعد التمسك بدليل الوقوع القطعى لاثبات الامكان و الحق انه يمكن اثبات الامر الترتبى للضدين بوجهين‏

الاول ان الترتب فى مورد التزاحم فيكون ملاك التشريع تاما فى الضدين و اطلاق الدليل شامل لهما فاذا كان احدهما اهم بقيد خطاب المهم بحكم العقل على المقدار المقتضى و هو حال اطاعة امر الاهم و لا موجب له فى حال عصيانه لان اطلاق الخطاب و ان لا يشمل حال وجود متعلقه و حال عدمه كما ذكرنا إلّا انه يشمل حال وجود متعلق خطاب آخر و عدمه فخطاب انقذ الغريق الذمى شامل لحال انقاذ الغريق المسلم و عدمه و قيد بحال وجود انقاذ المسلم بحكم العقل فيبقى بالنسبة الى حال عدمه على اطلاقه لعدم مزاحم فى البين و تقييد الحكم بالقدرة عقلا لا يوجب الشك فى وجود الملاك التام فى‏

257

كلا الضدين لان تعلق الحكم بكليهما يدل على الملاك التام فيهما و قيد الحكم بالقدرة متاخر عن احراز موضوعه فلا دخل له فى تمامية الملاك كما فى انقاذ الغريقين وجدانا لان القيد الذى يعتبره العقل فى صحة الخطاب ككون المنهى محل ابتلاء المكلف خارج عن الدخل فى ملاك الحكم نعم لو كانت القدرة شرطا شرعيا مأخوذا فى متعلق الحكم دخيلة فى ملاكه و مع فقدها يشك فى تمامية الملاك و لا بد من طلب دليل آخر له كما فى الوضوء و الغسل حيث ان القدرة على الماء و- استعماله شرط شرعى و لا يدل امرهما على وجود الملاك مع فقد القدرة عليه فلا يجرى الترتب بين الامر بالطهارة المائية و الترابية.

الثانى انه بعد تمامية الملاك فى الضدين و حصر المانع فى القدرة عن الجمع بينهما فاذا كان احدهما اهم كانقاذ الغريق المسلم المزاحم لانقاذ الذمى يكشف الامر الترتبى بحكم العقل قطعا كما يكشف الامر التخييرى مع تساويهما و لا مانع منه الا لزوم الامر بالمحال و قد حققنا عدم الاستحالة و هذا الكشف العقلى ليس مستندا على الملازمة بين حكم العقل و الشرع لامكان منع ملازمة حكم العقل بالقبح مع حكم الشرع بالحرمة لانه ليس تمام الموضوع للحكم الشرعى و لذا ورد فى الاخبار ان دين اللّه لا يصاب بالعقول و انه ليس شي‏ء ابعد من دين اللّه من عقول الرجال و اما الكلام فى المقام كشف العقل لحكم الشرع بعد احراز الملاك التام لحكم الشرع باطلاق المادة و يؤيده ما قال الشيخ الانصارى فى رسالة التعادل و الترجيح من ان‏

258

الحكم بوجوب الاخذ باحد المتعارضين فى الجملة و عدم تساقطهما ليس لاجل الشمول اللفظى لاحدهما على البدل- الى ان قال- بل لما كان امتثال التكليف بالعمل بكل منهما كسائر التكاليف الشرعية و العرفية مشروطا بالقدرة و المفروض ان كل واحد منهما مقدور فى حال ترك الآخر و غير مقدور مع ايجاد الآخر فكل منهما مع ترك الآخر مقدور يحرم تركه و يتعين فعله و مع ايجاد الآخر يجوز تركه و لا يعاقب عليه فوجوب الاخذ باحدهما نتيجة ادلة وجوب الامتثال و العمل بكل منهما بعد تقييد وجوب الامتثال بالقدرة- الى ان قال- و الحاصل انه اذا امر الشارع بشى‏ء واحد استقل العقل بوجوب اطاعته فى ذلك الامر بشرط عدم المانع العقلى و الشرعى فاذا امر بشيئين و اتفق امتناع ايجادهما فى الخارج استقل بوجوب اطاعته فى احدهما لا بعينه لانها ممكنة فيقبح تركها لكن هذا كله على تقدير ان يكون العمل بالخبر من باب السببية انتهى و ظاهر كلامه انه بناء على القول بحجية الاخبار من باب السببية يكون تعارض الخبرين من باب التزاحم فيجب العمل باحدهما من باب حكم العقل بالتخيير كما فى سائر الموارد و ينبغى التنبيه على امور

1- قد عرفت ان الترتب بحسب مقام الثبوت لا يحتاج الى وجود الملاك مطلقا فى المهم بل وجوده فى خصوص حال عصيان الاهم كاف فى صحته و لكن احراز الملاك فى خصوص حال العصيان يحتاج الى دليل خاص و ما ذكرنا من الوجهين لا يفى باثبات الملاك الخاص‏

259

فاذا كان القدرة شرطا فى المهم شرعا و عصى المكلف امر الاهم و اشتغل بالمهم فيمكن ان يكون واجدا للملاك إلّا انه لا يثبت بدليل اصل التكليف و يحتاج الى دليل خاص فلو كان مكلفا بالتيمم فعصى و توضأ فلا دليل على صحته بالترتب لان ظاهر اشتراط امر الوضوء بالقدرة شرعا انها دخيلة فى ملاك الحكم و لا مصلحة مع فقدها فلو دل دليل على صحة الوضوء فلا بد ان يحمل على الترتب.

2- حكى عن كاشف الغطاء تصحيح صلاة الجاهل بالقصر اذا صلى تماما و الجاهل بالجهر اذا صلى اخفاتا و بالعكس مع ترتب العقاب على ترك المجهول بالالتزام بالترتب و اعترض عليه فى تقريرات بعض الاعاظم اولا بان مورد بحث الترتب فيما اذا كان التضاد اتفاقيا فتولد المزاحمة و اذا كان دائميا كالجهر و الاخفات فيكون من باب التعارض لا التزاحم و ثانيا ان مورد الترتب فيما اذا كان الامر بالمهم عند عصيان امر الاهم و هو فيما اذا لم يكن المهم محقق الوجود عند ترك الاهم كما فى مورد كثرة الاضداد و اما فى ضدين لا ثالث لهما ففرض ترك احدهما ملازم لوجود الآخر فيكون الامر به تحصيل الحاصل الخ و ثالثا ان الامر بالمهم مرتب على عصيان الامر بالاهم و مع الجهل بحكم الجهر أو الاخفات لا تنجيز لخطابهما حتى يتحقق العصيان الذى هو اساس صحة الترتب و يمكن الجواب عن هذه الاعتراضات و تصحيح كلام كاشف الغطاء مع تدبر دقيق.

260

3- كما يتصور الامر بالضدين على الترتب مع تقارنهما زمانا على ما ذكرنا فهل يمكن الامر بهما ترتبا اذا كانا فى زمانين و- احدهما مقدم على الضد الآخر كما اذا كان عاجزا عن القيام اما فى الركعة الاولى او الثانية فالقيامان ضدان فهل يمكن الامر بالقيام فى الركعة الاولى مشروطا بعصيان امر القيام فى الثانية او بالعكس و لا كلام فى امكانه حتى عند المنكرين للترتب ام لا يتصور الامر الترتبى فى المقام ففى تقريرات بعض الاعاظم (و هل يعقل الخطاب بالقيام المتقدم مرتبا على عصيان الخطاب المتأخر ام لا الحق انه لا يعقل لان لازمه الالتزام بشرطية العصيان المتأخر للخطاب الفعلى و هو غير معقول و الالتزام بشرطية عنوان التعقب قد عرفت انه يدور مدار قيام الدليل عليه و لم يقم فى غير مورد الاشتراط بالقدرة دليل على ذلك الخ و يمكن الاعتراض عليه فيما ذكره من وجه المنع اما ما ذكره من ابتناء ذلك على صحة الشرط المتأخر او شرطية عنوان التعقب و ان الاول غير معقول و الثانية غير مستفاد من الدليل ففيه ما عرفت سابقا من اثبات صحة الشرط المتأخر للتكليف كالشرط المقارن و المتقدم فلا اشكال فى كون العصيان المتأخر شرطا للتكليف السابق عليه و ثانيا قد عرفت فى بحث مقدمة الواجب ان ارتكاب ما يفوت الامر فى زمانه كترك المقدمة الغير القابل للتدارك مما ينطبق عليه عصيان الواجب و ان لم يجئ وقت المأمور به فارتكاب الضد السابق المفوت للقدرة على الضد اللاحق عصيان لتكليفه فعلا فلا يكون‏

261

الشرط متأخرا اصلا هذا تمام الكلام فى بحث الترتب على ما ادى اليه النظر العاجل و للّه الحمد و المنة.

[فى مباحث النهى‏]

(اصل) فى مباحث النهى، النهى كالامر من جهة مادته و صيغته الدالة عليه بالوضع او القرينة و ينفرد عنه بامور.

1- ان المقصود منه طلب الترك او طلب الكف عن الفعل باعتبار انه فعل نفسانى فذهب بعض القدماء الى الثانى بزعم ان العدم غير مقدور فلا يصح تعلق الخطاب بنفس ان لا يفعل و هو فاسد جدا لان الخطاب يتعلق بالطبيعة الممكنة و نسبة الايجاد و الاعدام اليها على حد سواء و إلّا فيخرج عن حد الامكان الى الامتناع او الوجوب و لعله مقصود من اجاب بان العدم مقدور باعتبار الاستمرار و إلّا فلا معنى للتفكيك بين الابتداء و الاستمرار ان كان غير مقدور و الحاصل ان القائلين بان عدم شي‏ء كشرب الخمر غير مقدور ان أرادوا انه ممتنع بالذات فهو خلف لان الفرض تعلق النهى بالماهية الممكنة و ان ارادوا انه ممتنع بالغير نظرا الى ما قبل النهى فالجواب ان الخطاب لا يقتضى تحقق متعلقه قبل زمانه و العدم السابق خارج عن الخطاب فلا وجه للاعتراض بانه غير مقدور.

2- ظاهر الامر قيام المصلحة بالمتعلق و ان كان مقدمة لغيره فالامر

262

الايجابى يتعلق بما هو المراد حقيقة و اما النهى سواء كان بمعنى ان لا يفعل او الكف فزجر عن وجود المتعلق لما فيه من الفساد و منشؤه كراهة الوجود و بغضه و فرق بين ان يقال اترك الزنا او لا تزن فان ظاهر الاول وجود الصلاح فى نفس الترك المأمور به و ظاهر الثانى وجود الفساد فى الزنا و تعلق الكراهة به فينبغى ان يقال ان هيئة النهى موضوعة للنسبة الايقاعية السلبية الناشئة عن كراهة الفعل لوجود الفساد فيه.

3- ان النهى يقتضى الفورية و التكرار و الاستغراق على خلاف الامر فى جميع ذلك فلا تشرب الخمر معناه ترك الشرب فورا و دائما لجميع افراده و قيل ان هذا الاقتضاء بحكم العقل لانه مفاد الهيئة من طلب عدم الطبيعة و هو لا يتحقق إلّا بعدم وجود جميع الافراد خلافا لوجودها المتحقق بفرد واحد و لا اشكال فى انه مفهوم عرفى للنهى بحكم النكرة فى سياق النفى الدال على السلب الكلى بخلاف سياق الاثبات المحمول على الاثبات الجزئى لانه مقتضى لحاظ الطبيعة المطلقة مع الوجود او العدم بلا لحاظ خصوصية اخرى لان لحاظ الوجود معها يجعل القضية فى حكم المهملة و اما لحاظ العدم يجعلها فى حكم الكلية من دون الاحتياج الى مقدمات الحكمة او غيرها من دون الحكم بانهما نقيضان فلا وجه لاشكال بعض المحققين من استلزامه لكون احد النقيضين اوسع من الآخر فلا اشكال فى ان لازم‏

263

العموم المستفاد من النهى يشمل الافراد العرضية و الطولية و لازمه الفورية و التكرار و الاستغراق.

[فى جواز اجتماع الامر و النهى و عدمه‏]

(اصل) فى جواز اجتماع الامر و النهى و عدمه و ينبغى تقديم امور.

الاول ان الجواز فى المقام ليس بمعناه الشرعى بل العقلى بمعنى الامكان الوقوعى و انه ليس محالا كاجتماع النقيضين و لا مستلزما للحمال و يكفى للمانع اثبات احد الوجهين و لا بد للمجوز من دفع كلا المحذورين.

الثانى المراد من الواحد فى المقام مجمع عنوانين تعلق الامر باحدهما و النهى بالآخر سواء كان كليا او جزئيا و اما لو تعلق الامر بخاص و النهى بخاص آخر يجمعهما مفهوم عام فلا يكون محلا للكلام.

الثالث ربما توهم ان اختلاف المسائل كاختلاف العلوم يكون باعتبار الموضوع فيدرس الفرق بين هذه المسألة و المسألة الآتية و هى ان الامر بشي‏ء يقتضى النهى عن ضده ام لا فقال بعضهم ان البحث هنا فى عامين من وجه كالصلاة و الغصب و هناك فى العام و- الخاص و قال بعضهم ان مورد البحث هنا عنوانان مغايران مفهوما متصادقان فى بعض الافراد و ان كان النسبة بينهما عموما مطلقا

264

كالانسان و العالم و مورد البحث هناك عنوانان متداخلان مفهوما و ان كان النسبة بينهما عموم من وجه كالصلاة فى المسجد و صلاة الصبح و قد اكثروا من البحث فى ذلك و كانهم غفلوا عما ذكروا فى بحث الموضوع من ان جهة البحث معدد للموضوع و الحق ان يقال انه لا يصح كلامهم فى المقام فان الفرق بين المسائل اما باختلاف الموضوع او المحمول او جهة البحث و كلها موجودة بين هاتين المسألتين لان عنوان البحث هنا ان اجتماع الامر و النهى جائز فى مورد واحد ام لا و هناك النهى فى العبادة يقتضى الفساد ام لا فلا يكون بينهما خلط فى الموضوع و المحمول و الجهة و ان كان نتيجة البحث هنا على القول بالامتناع تقع موضوعا للنهى فى العبادة و لا محذور فيه‏

الرابع مناط المسألة الاصولية ان يقع نتيجتها فى قياس ينتج حكما فرعيا و ان كان بوجه يمكن درجها فى مسائل علوم أخر فان الملاك وجود الجهة المبحوث عنها باعتبار هذا العلم و ان كان فيها جهات اخرى.

الخامس ربما يقال ان البحث فى هذه المسألة مبنى على تعلق الامر و النهى بالطبائع و اما بناء على التعلق بالافراد فلا مجال له اصلا لان عدم تعلق الامر و النهى معا بفرد واحد بديهى و التدبر فى هذا الخلاف يزيل هذا التوهم لعدم تعلق الخطاب بالوجود الخارجى سواء كان طبيعتا او فردا و انما يتعلق بالوجود الذهنى و القائل بانه نفس الطبيعة يقول بخروج لوازم التشخص عن مفاد الخطاب و القائل‏

265

بتعلقه بالفرد دخولها فى الخطاب و لو كان الفرد ذى عنوانين فالنزاع فى صحة تعلق الخطابين بكلا العنوانين و عدمها مضافا الى ان منشأ الجواز مختلف، منها ان الفرد المجمع ينحل الى فردين و منها ان مورد الامر يختلف مع مورد النهى باختلاف المقولات المنطبقة على المجمع فتعلق الخطاب بالطبيعة او الفرد اجنبى عن هذا البحث.

السادس انه لا بد من كون نتيجة البحث حكم فقهى نفيا و اثباتا فالمطلوب الجواز الفعلى المطلق و هو موقوف على امور

1- دفع محذور اجتماع المتنافيين‏

2- وجود المندوحة فى البين.

3- صحة التقرب بمجمع العنوانين لكونه مأمورا به و ان قارن المنهى عنه.

4- دفع محذور نقض الغرض الفعلى و صحة الامتثال بالمجمع لشمول كلا الخطابين له فعليا.

5- دفع محذور خلو المجمع عن المصلحة فى اثر مفسدة النهى و بالعكس ليصح انشاء الحكم فى كليهما فهذه وجوه خمسة لا بد فى البحث عنها و لا بد للمجوز دفعها و وجود واحد منها كاف فى المنع لما عرفت من ان البحث فى الجواز الفعلى المترتب عليه الحكم الفقهى وجودا و عدما لا الجواز من جهة واحدة كما ظهر انه لا بد من وجود المندوحة عن الجمع بين الواجب و الحرام لانه مع عدمها و ان صح البحث عن بعض الجهات المتقدمة كما افاده المحقق الخراسانى‏

266

إلّا انه لا يفيد فقيها و بيان حكم مورد عدم المندرجة من باب الاستطراد.

السابع بعد تصحيح اجتماع الخطابين من جميع الجهات لا يبقى تعارض بين مثل خطاب صل و خطاب لا تغصب فى مورد الاجتماع فلا بد من الاخذ باطلاق كل من الخطابين و كشف وجود الملاك لكلا الحكمين فلا يقع تعارض بالعموم من وجه فى باب التكاليف كلا و هو خلاف ما يظهر من الاصحاب لحكمهم بالتعارض فيها و لعل ذلك يكشف عن اتفاقهم على الامتناع كما ادعاه بعض و لعل من قال بالجواز منهم نظر الى بعض الجهات لا كلها و تحقيق كلامهم و تشخيص نظر القائل بالجواز من انه باعتبار جميع هذه الجهات او بعضها مشكل لعدم تعرض اكثرهم لجميع الجهات‏

الثامن يجرى البحث فى الخطاب التكليفى و لا يجرى فى خطابين وضعيين لعدم اثر تعدد الجهة فى الوضعيات و هل يجرى فى خطابين احدهما تكليفى و الآخر وضعى كالبيع فى وقت النداء مثلا فيه تأمل.

التاسع انما يجرى البحث فيما كان ملاك الحكمين محرزا فى مورد الاجتماع و اما مع عدم الاحراز فلا يجرى هذا البحث بل يكون من باب تعارض الدليلين بالعموم من وجه فى مورد الاجتماع فيرجع الى قواعد التعارض و مع احراز وجود الملاكين فيحكم بشمول الدليلين فى الجمع و بناء على الامتناع يتعارضان باعتبار الحكم‏

267

الفعلى فيحكم على طبق اظهرهما دلالة او اقواهما ملاكا و لكن بناء على الجواز اطلاق الدليلين كاف لاثبات الملاكين و وجود الحكمين بخلاف القول بالامتناع لتعارضهما فى مورد الاجتماع فلا بد من الرجوع الى دليل آخر و بعد احراز كلا الملاكين يحكم بمقتضى قاعدة التزاحم من تعيين الاهم اذا كان فى البين او التخيير اذا كان الدليلان شموليا و اما اذا كان احدهما او كلاهما بدليا فلا بد من امتثالهما فى غير مورد الاجتماع.

العاشر يمتنع صدق المقولات المتعددة على فرد واحد ذاتا فلا يصح انتزاع المفاهيم المتعددة من مصداق واحد بجهة واحدة فصدق المقولات المتعددة عليه عرضى فى غير واحد منها فصدق الانسان و القائم و الطويل و الاب على زيد يكون فى الاول منها ذاتيا لانه ذات زيد و صدق البواقى عرضيا و تنطبق عليه بالعرض و مطابقها بالذات منشأ انتزاعها كالقيام من مقولة الوضع للقائم و الطول من مقولة الكم للطويل و هكذا و كل موجود مصداق لمقولات متعددة تصدق عليه مشتقات هذه المقولات و لكن صدق احدها ذاتى و هو المفهوم النوعى المطابق له بخلاف سائرها كما انه يمكن تعدد المفاهيم الجوهرية على شي‏ء باعتبار النوع و الاجناس و الفصول و لكن صدق الاول ذاتى و البواقى بواسطته.

الحادي عشر المجمع لمقولات عرضية و جوهرية تارة يلاحظ فيه المقولات بما هى مبدأ الاشتقاق فى الاعراض و بما هى مادة و-

268

صورة فى الجواهر بشرط لا فلا يصح حمل بعضها على بعض و لا على الجمع لانها بهذا النظر متباينات جوهرية كانت ام عرضية و اخرى تلاحظ لا بشرط كما هى موجودة فى الخارج من الاتحاد الوجودى فهى مشتقات فى الاعراض و اجناس و فصول فى الجواهر فتحمل على المجمع و يقال زيد ناطق حيوان ضاحك طويل الى غير ذلك كما يصح حمل بعضها على بعض جوهرا و عرضا و نسبة المقولات الجوهرية ايجادية كالعرضية مع الذات و لكن الحق عدم اتحاد الاعراض كعدم اتحادها مع الذات و صدق الابيض على البياض ذاتى و على الجسم عرضى لاختلاف نحو وجود العرض مع الجسم لانه يوجد فى الموضوع و الثانى لا فى موضوع فلم يكن الاعراض متحد الوجود مع الجواهر و عدم اتحاد بعضها مع بعض اظهر فحمل العرض على موضوعه اذا اخذ لا بشرط كما فى المشتق بواسطة فى العروض كحمل بعضها على بعض و تبين من ذلك أنه لو تعلق الامر بمقولة و النهى بمقولة اخرى تجتمعان فى المكلف فلا يكون من وحدة الامر و النهى إلّا ان يكون احدهما عنوانا للآخر كمماسة اعضاء السجود على الارض فى الصلاة التى تكون تصرفا غصبا و باعتبار انه فى ملك الغير تعلق به النهى و باعتبار أنّه جزء الصلاة واجب و من هنا تبين ان تغاير مفهوم متعلق الامر و النهى و لو كان بينهما عموم من وجه لا يوجب عدم اتحاد مصداقها و لو كان التركيب بين المقولات انضماميا فربما تكون المقولات منطبقة على مصداق واحد فمثل‏

269

الصلاة و الغصب المركبتين من عدة مقولات لا يكون التركيب بينهما انضماميا مطلقا بل ربما يكون اتحاديا كما فى السجود فما عن تقريرات بعض الاعاظم من انه جعل الصلاة و الغصب مقولتين فيه نظر لانهما من مقولات متعددة و فى سائر كلامه موارد للنظر يظهر بالتدبر فيما ذكرنا.

الثاني عشر ان البحث فى هذه المسألة لا يدور على القول بكون الاحكام تابعة للمصلحة و المفسدة و عدمها بتوهم انه بناء على الاول لا بد من القول بالامتناع لانه لو تعلق بالمجمع حكمان متنافيان لا بد من الكسر و الانكسار بين ملاكيهما حتى يتمحض للحرمة او الوجوب و لو فرضنا اجتماعهما فى الوجود لكن لا يجتمعان فى التأثير فى الحكم الفعلى فلا ينقدح بهما ارادة و كراهة كاملة فى نفس الحاكم فلا بد ان يكون الحكم موافقا للغالب منهما و إلّا فما اختاره الحاكم لكن الحق عدم اختصاص البحث بذلك و ما ذكر دليلا للقول بالامتناع لا بد للمجوز من دفعه كالمحذورات الأخر فلنشرع فى البحث عنها واحدا بعد واحد بما يمكن اثباته او نفيه فالاول محذور اجتماع حكمين متنافيين فى مورد واحد و هو محال و تقريره بوجهين‏

الاول ما ذكره المحقق القمى من ان الفرد مقدمة لوجود الكلى المأمور به فواجب لا محالة و اذا كان مصداقا للطبيعة المحرمة ايضا يجتمع الحرمة و الكراهة و الجواب ان الفرد اما يعتبر الطبيعة بضم المشخصات جزء او قيدا فلا يكون مقدمة لها بل الامر بالعكس‏

270

و اما ان يراد به الوجود الخارجى الطارد للعدم المحدود بالطبيعة الخاصة فهى حد له لا موجود مترتب عليه لانه لا يكون إلّا وجودا واحدا ثابتا الفرد بالذات و للطبيعة بالعرض لا وجود ان احدهما مقدمة للآخر.

الثانى انه ليس فى الخارج الا وجود واحد و ان انتزع منه عناوين متعددة و هو عين الطبيعى و بكل عنوان تعلق الحكم يتعلق بهذا الفرد الواحد فيجتمع الوجوب و الحرمة فى المجمع و وجه الامتناع اجتماع الضدين فى مورد واحد و اوفى ادلة المانعين لاثبات جهة الامتناع ما ذكره المحقق الخراسانى حيث قال: يتوقف (اى بيان الامتناع) على مقدمات احدها انه لا ريب ان الاحكام الخمسة باسرها متضادة فى مقام فعليتها و بلوغها الى مرتبة البعث و الزجر ضرورة ثبوت المنافاة و المعاندة التامة بين البعث نحو واحد فى زمان و الزجر عنه فى ذاك الزمان و ان لم يكن بينهما مضادة ما لم تبلغ الى تلك المرتبة الخ و هذه المقدمة تتوقف على صحة ما ذكره من ان للحكم مراتب اربعة الاقتضاء و الانشاء و الفعلية و التنجز و فسر الاول بوجود المصلحة او المفسدة فى المتعلق الداعية لجعل الحكم و فى كونهما حكما اقتضائيا نظر واضح لانهما لا تكونان علة لوجود الحكم لان الحاكم الامر و الناهى و لا مادة له ككون النطفة مادة لوجود الانسان لان الحكم يحصل من انشاء الحاكم لا من المصلحة و المفسدة و ان كانتا علة غائية للحكم لانهما بالوجود الذهنى علة غائية و هى ليست‏

271

وجود اقتضائيا للمعلول الخارجى و انشاء الحكم ان كان بداعى جعل الداعى فهو حكم فعلى مع وصوله الى المكلف و ان كان بداع آخر كالارشاد و غيره فلا يكون حكما اصلا فان كان المراد من الحكم الفعلى ما وصل الى المكلف و صار مصدرا للبعث او الزجر فلا مقام بعده حتى يكون مرتبة اخرى تسمى بالتنجز فاين المرتبة الرابعة و بالجملة لا يتصور للحكم مراتب اربع كما ذكره و اما ما قال من ان الاحكام متضادة باسرها فقد ناقش فيه بعض مشايخنا المتأخرين بان التضاد يعتبر فى الموجودات العينية لان الضدين موجودان بينهما غاية الخلاف و هذا المعنى لا يتحقق فى الحكم لان له مرتبة الارادة و الكراهة القلبيين و مرتبة الانشاء و الجعل و مرتبة الوجوب و الحرمة و المرتبة الاولى قائمة بالنفس متخصصة بالمراد الموجود فى افق النفس و لا تكون امرا خارجيا و إلّا لزم تحصيل الحاصل و انقلاب النفس خارجا و بالعكس نعم متعلق الارادة عنوان فان فى الخارج و ليس متحدا معه اتحاد الكلى مع فرده لان الشوق لا بد و ان يتعلق بموجود من وجه و معدوم من وجه لان المعدوم المطلق لا يتعلق به الشوق كما ان الموجود المطلق كذلك و لا ريب ان الارادة القائمة بالنفس ليست ضد الكراهة القائمة بها لاتحاد متعلقهما لان النفس من المجردات و ما فيها مجرد و لا تزاحم فى المجردات و لذا يتحقق فيها السواد و البياض و سائر الاضداد.

و اما المرتبة الثانية فهى كما عرفت ايجاد المعنى باللفظ اعتبارا

272

و لا تضاد بين صل طلبا للصلاة و لا تغصب طلبا لترك للغصب بالصلاة فى مورد.

و اما المرتبة الثالثة و هى الوجوب و الحرمة فكما عرفت امران اعتباريان يتحققان فى افق الاعتبار و لا يمكن تعلقهما بالامور الخارجية بل بما هو من سنخهما فى افق الذهن فتحقق عدم تعلق الاحكام بالموجودات الخارجية حتى يكون بعضها ضد بعض ثم قال‏

و ثانيها انه لا اشكال فى ان متعلق الاحكام هو فعل المكلف بما هو فى الخارج يصدر عنه و هو فاعله و جاعله لا ما هو اسمه و هو واضح و لا ما هو عنوانه مما قد انتزع منه بحيث لو لا انتزاعه تصورا و اختراعه ذهنا لما كان بحذائه شي‏ء خارجا و يكون خارج المحمول كالملكية و الزوجية و الرقية و الحرية و المغصوبية الى غير ذلك من الاعتبارات و الاضافات ضرورة ان البعث ليس نحوه و الزجر لا يكون عنه و انما يؤخذ فى متعلق الاحكام آلة للحاظ متعلقاتها و الاشارة اليها بمقدار الغرض منها و الحاجة اليها لا بما هو هو و بنفسه و على استقلاله و حياله انتهى و فيه ما ذكرنا فى نقض المقدمة الاولى لانها مبنية على تعلق الاحكام بالفرد الخارجى و قد عرفت ان الحكم باى معنى لا يصح تعلقه بالفرد الخارجى بل يتعلق بالطبيعة الموجودة فى افق وجود الحكم مع لحاظها بما هى فانية فى الخارج كالمرآة و لا يتوهم منه سراية الحكم الى المرثى للاتحاد بينهما لان الاتحاد الذى يفيد سراية الحكم ما كان بين الطبيعى و فرده مثل الانسان فى الذهن و فى الخارج و الآثار

273

الشاملة للوجهين يثبت فى كلا المقامين و اما الاتحاد بين متعلق الحكم مع الخارج اتحاد حكائى مثل الوجود العنوانى مع الحقيقى و الاتحاد بينهما لا يوجب سراية الحكم من احدهما الى الآخر كبداهة الوجود العنوانى فلا يمكن قبول هذه المقدمة ثم قال.

ثالثها انه لا يوجب تعدد الوجه و العنوان تعدد المعنون و لا ينثلم به وحدته فان المفاهيم المتعددة و العناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد و تصدق على الفارد الذى لا كثرة فيه من جهة بل بسيط من جميع الجهات ليس فيه حيث غير حيث الخ و فيه ان العناوين الكثيرة المنطبقة على مصداق واحد ان كانت مقولية يمتنع ان تصدق ذاتا على شي‏ء واحد و لا بد ان يكون صدق احدها ذاتا و الباقى عرضا لما عرفت من ان الموجود الخارجى لا يكون مطابقا ذاتا الا لمفهوم مقولى واحد كما انه لا يطابق ذاتا الا لافراد متحدة الذات و ان لم يكن مقولية يمكن انتزاعها من وجود واحد بتعدد الحيثيات كالخير و النور و الوجود و نحوها من الوجود الحق الواحد الصرف و لا وجه للتسوية بين القسمين اصلا ثم قال.

رابعها انه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد الا ماهية واحدة و حقيقة فاردة؟؟؟ لا يقع فى جواب السؤال عن حقيقته بما هو الا تلك الماهية فالمفهومان المتصادقان على ذلك لا يكاد يكون كل منهما ماهية و حقيقة كانت عينه فى الخارج كما هو شأن الطبيعى و فرده فيكون الواحد وجودا واحد ماهية انتهى و فيه انه انطباق مفهومين على مورد

274

يكشف عن وجود ماهيتين و لو كانتا متحدتين فى الوجود كصدق الحيوان و الناطق على زيد و هذه تمام المقدمات التى بنى عليها امتناع اجتماع الامر و النهى و قد تبين ضعفها فلا وجه للقول بالامتناع و تبين الاشارة الى وجه الجواز من انه لا تضاد بين الوجوب و الحرمة فيصح اجتماعها فى مورد واحد ينطبق عليه عنوانين خصوصا اذا كان بينهما عموم من وجه كالغصب و الصلاة مضافا الى انه بناء على تضاد الاحكام فانما يمتنع الاجتماع لو كان الامر و النهى مسريان على الفرد الخارجى و لكن عرفت ان متعلقهما هو الموجود فى الذهن مرآتا للخارج و فانيا فيه و لا يسرى حكم الفانى فى المفنى و لا ربط للفرد الخارجى بما تعلق به الامر و النهى إلّا ان وجوده مسقط للامر بالاطاعة و للنهى بالعصيان لانه بوجوده ينتفى اثر الامر و النهى نعم يكون الفرد الخارجى مأمورا به و مرادا بالعرض او مبغوضا بالعرض كما ان الطبيعى موجود بوجوده بالعرض و اجتماع عنوانين متخالفين بالعرض لا محذور فيه اصلا فبوجود المجمع يتحقق امتثال الامر و عصيان النهى فيسقطان معا و ظهر بما ذكرنا فساد ما قيل من ان الارادة و الكراهة من اعراض عروضها فى الذهن و الاتصاف بها فى الخارج كالابوة و البنوة و الزوجية وجه الفساد ان هذه الامور من مقولة الاضافة و هى ما يتحقق فى الخارج بوجود الطرفين و فى الذهن مستقلا فوجودها الفعلى فى الذهنى و هذا معنى عروضها فى الذهن يعنى تحمل على الموضوع بالضميمة و اتصافها فى الخارج ثبوتها بثبوت الطرفين‏

275

كما تقتضيه مقولة الاضافة و تعلق الصفات النفسية كالعلم و الارادة الى ما تعلقت بها ليس من الاضافة المقولية لان العلم و الارادة كيف نفسانى و هو مقولة برأسها فلو كان معه اضافة يلزم تركب المقولة الواحدة بل تعلقها بالمراد بالذات و المعلوم بالذات الموجود فى افقها نحو من الاشراق و ما هو فى الخارج مراد و معلوم بالعرض و لتحقيق ذلك مقام آخر و لو قلنا بسراية الامر و النهى فى الخارج فانما يلزم اجتماع الضدين فى المجمع لو كان العنوان من الجهة التعليلية و واسطة فى الثبوت لحكم المجمع و اما اذا كان جهة تقييدية و واسطة فى العروض فلا يلزم اجتماع الحكمين فى مورد واحد لانه متصف بهما بالعرض و العناوين التى كانت تتعلق بها الاحكام الشرعية ربما تنزّع من مقولات متعددة فكان وجودها غير وجود الموضوع و مغايرا بعضها مع بعض و التركيب بينها انضمامى و لا مانع من تعلق الحرمة باحدها و الوجوب بالآخر مثل لا تنظر الى الاجنبية و صل فعرض الابصار غير الاعراض التى تركبت منها الصلاة كالكيف المسموع و وضع القيام و القعود و غيره نعم ربما يتحد العناوين المنتزعة فى المقولة كالسجود و التصرف المنتزعين عن مماسة الاعضاء مع الارض و اعلم ان الصلاة و الغصب اللذين وقعا محل الكلام فى المقام لا يكونان مفهومين مقوليين بسيطين بل الصلاة مركبة من عدة مقولات و الغصب عن مقولات متعددة باختلاف انواع التصرف كالتعمم و التقمص من مقولة الجدة و القيام و القعود من مقولة الوضع و الازدراد و النحت‏

276

من مقولة الفعل و الصلاة باعتبار النية من الكيف النفسانى و باعتبار القيام و الركوع من مقولة الوضع و باعتبار الذكر كيف مسموع و باعتبار تماس الاعضاء على الارض من قبيل الوضع و لا ينتزع الغصب من النية و لا من الذكر إلّا ان يقال انه يوجب تموج الهواء و ليس له اعتبار عرفى كما هو منظور فى الاحكام الشرعية لانه ليس تصرفا عرفا بل الحق انه لا ينتزع الغصب من مقولة الوضع و الجدة بداهة ان كون الانسان على وضع خاص او محيطا به شي‏ء او محيط بشى‏ء لا يكون تصرفا فى ملك الغير ككون الانسان أحمر و ابيض فى دار الغير فان اللون لا يكون تصرفا فلا يتحد من اجزاء الصلاة مع الغصب الا خصوص السجدة بناء على انها مماسة الاعضاء مع الارض و الهوى للركوع و السجود ليس جزء الصلاة بناء على ان الركوع من مقولة الوضع و على فرض انتزاع الغصب من بعض اجزاء الصلاة فقد عرفت عدم سراية النهى اليه من وجوه فالحق جواز الاجتماع من هذه الجهة و اشتراط المندوحة فى مورد البحث بان يكون فردا مقدورا للمكلف فى غير مورد الاجتماع لانه لولاه لا يمكن ان يكون كلا الحكمين فعليين فى حقه و بعد اجتماع الحكمين فعلا فى الجمع فهل يصح الامتثال به اذا كان عباديا كالصلاة؟ قيل لا لتوقفه على الاتيان متقربا و لا يمكن التقرب بما هو مبعد فعلا لان القرب ضد البعد و لا يمكن تأثير عمل واحد فيهما و قد اجيب عنه بان القرب و البعد فى المقام ليسا مكانيين و لا شبيها به حتى يكونان ضدين بل بمعنى استحقاق الثواب‏

277

و العقاب و لا محذور بان المجمع بما يتضمن من الاطاعة كان موجبا للثواب و بما يتضمن للعصيان موجبا للعقاب و ان كان بمعنى حصول الملكة الحسنة و الملكة السيئة فكذلك لا مانع من تأثير فعل واحد فيهما من جهتين مختلفتين و اما حديث نقض الغرض الفعلى من جواز الاجتماع فبيانه ان غرض النهى ردع المكلف عن المفسدة فلو لم يقيد الامر بغير المجمع يلزم نغض غرض التهى بشمول الامر له و هو قبيح و محال و فيه ان الغرض من التكليف جعل الداعى و الزاجر للمكلف و هو حاصل بالامر بالطبيعة المتضمنة للصلاح و تحريم ما هو متضمن للفساد مع المندوحة بحيث يكونان داعيين للمكلف لجلب الصلاح و دفع الفساد و عدم احتراز المكلف عن الفساد باتيان المجمع امتثالا للامر لا يكون نقضا للغرض بل مما وقع المكلف فيه بسوء اختياره كما اذا عصى النهى و لم يات بالمأمور به ايضا و من البديهى ان تحقق المأمور به او وصول المصلحة الى العبد او دفع المفسدة عنه لا يكون غرضا مولويا فى التكاليف الشرعية و إلّا فيلزم ان يكون اللّه تبارك و تعالى مقهورا فى احكامه عند المعصية فاتيان العبد بالمجمع كعصيانه فى غير مورد الامر فلو كان نقضا للغرض فمطلق العصيان كذلك و لا ربط له بمسألة الاجتماع و قد يقال بان اجتماع المفسدة و المصلحة فى شي‏ء واحد يمنع من اجتماع الحكمين لان اجتماعهما اجتماع الضدين و هو محال فاذا كان فى شي‏ء جهة صلاح و جهة فساد فلا بد من الكسر و الانكسار فان كانتا متساويتين لا يوجدان و لا فيوجد خصوص‏

278

الغالب فعدم امكان اجتماعهما برهان على عدم اجتماع الحكمين و فيه انه لا مانع من اجتماع الصلاح و الفساد فى شي‏ء واحد من جهتين كدواء نافع لمرض و موجب لمرض آخر كما انه قد يقال بان وجود المصلحة و المفسدة فى شي‏ء واحد مانع عن تاثيرهما فى انشاء الحكمين لان الاحكام انما يجعل لما فى متعلقاتها من المصالح و المفاسد لانهما من دواعى الجعل فاذا اجتمع المصلحة و المفسدة فى شي‏ء واحد فلا يمكن دعوة كل منهما الى جعل الحكم لانه لطف و لا لطف فى جلب مصلحة متضمنة للمفسدة الغالبة عليها او المساوية معها كما لا لطف فى دفع المفسدة الملازمة لفوت المصلحة كذلك بل لا بد من تساقط الاثرين مع التساوى فلا حكم فى البين او جعل حكم واحد طبق الغالب لو كان فى البين و الجواب ان للحكم على الطبيعة بلحاظ وجود الملاك فيها الباعث على وجودها تارة و الزاجر عنه اخرى و المصلحة الملحوظة فى المامور به غالبة على المفسدة المترتبة عليها دائما لان المفروض وجود المندوحة و الاجتماع اتفاقى و يتمكن المكلف من جلب المصلحة الغير المقارنة للمفسدة كما ان المفسدة المترتبة على المنهى عنها غالبة و يتمكن المكلف من عدم ارتكابها و لا وجه للقول بالكسر و الانكسار فى مقام جعل الحكم نعم لو كانت الطبيعة دائمة الابتلاء بالمصلحة و المفسدة فلا بد من الكسر و الانكسار بينهما كما انه لو اراد جعل الحكم للمجمع بخصوصه فكذلك و اما اذا كان متعلق الحكم الطبيعة و الاجتماع اتفاقيا فلا مانع منه و امتثال العبد

279

للامر باتيان المجمع المتضمن للعصيان و جلب المفسدة لسوء اختياره لا لقصور فى لطف التكليف الواجب على اللّه تعالى و ينبغى التنبيه على امور.

الاول من كان فى مكان غصبى عمدا فاراد الخروج بقصد التخلص نادما فهل الحركة الخروجية حرام مع وجوبها كما اختاره المحقق او بدون وجوب او واجبة من غير حرمة كما عن تقريرات الشيخ الانصارى بلا عقاب او معه بالنهى السابق الساقط كما عن صاحب الفصول اولا امر و لا نهى لها شرعا و كانت لازمة عقلا لانها اخف المحذورين و القبيحين كما اختاره المحقق الخراسانى و ما حكم العبادة بها وجوه اما بيان حكم الحركة فيتوقف على امور.

1- انه ليس الحكم الشرعى فى المقام الا حرمة الغصب و ليس هنا حكم آخر بوجوب التخلص و نحوه.

2- لا اشكال فى حرمة الغصب الزائد الناشى من ترك الخروج فيجب تركه و وجوب ترك الحرام ليس حكما آخر غير حرمة فعله فقوله لا تغصب معناه حرمة الفعل و ينطبق عليه وجوب الترك و ليس هنا إلّا حكم شرعى مولوى واحد يعبر عنه بحرمة الفعل و وجوب الترك كما حققناه فى مبحث الضد و ليس وجوب الترك حكما آخر انشأ بتبع حرمة الفعل او لازما له بل منتزع من خطاب لا تغصب كحرمة الفعل.

3- فعلية خطاب الحرمة مشروطة بالقدرة على الترك كالقدرة

280

على الفعل فما لا قدرة عليه لا نهى عنه و لكن هل يشترط القدرة الى حين تحقق الفعل ام يكفى القدرة السابقة و ان صار الفعل لازم التحقق بعدها عقلا او عادة او شرعا اذا فوتها المكلف على نفسه فمن القى نفسه من شاهق يحرم عليه قتل نفسه بعده و ان فقد قدرته عليه قبله كالرامى للبندقية قبل وصولها الى المقتول و على الاول هل يتحقق العصيان بتفويت آخر مقدمة اختيارية لانطباق عصيان الخطاب عليه و يترتب العقاب عليه ايضا فيقع اصل الفعل بلا عنوان و بلا عقاب او يسقط الخطاب فقط و يتوقف صدق العصيان على وقوع الفعل كالخروج فى مسئلتنا فسقط الخطاب الفعلى قبل العصيان و بناء على كفاية القدرة السابقة فالخطاب باق الى تحقق الفعل و مصححه القدرة السابقة و توجه الذم قبله باعتبار انه نوع من التجرى مع عدم صحة ذم العصيان و عقابه قبل تحقق الحرام.

4- هل يصح تعلق الامر و النهى الى شي‏ء واحد لما اشتهر من ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار كما زعمه المحقق القمى ام لا الظاهر هو الثانى لان هذا الاصل فى كلام المتكلمين جواب الاشاعرة القائلين بالجبر فى فعل المكلف لانه ممكن و ما لم يجب لم يوجد فهذه الضرورة تنافى الاختيار فاجاب العدلية عن هذه الشبهة بان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار بل يؤكده و لا ربط له بما نحن فيه من صحة الخطاب و العقاب على فعل فات مقدمته باختيار المكلف كذا قال بعض المشايخ مع ان امتناع اجتماع الامر و النهى فى مورد

281

واحد عند القائلين به ليس من جهة فقد القدرة حتى يقال انه باختيار المكلف فلا ينافى الاختيار فانتساب فقد القدرة الى المكلف لا يوجب صحة الامر و النهى معا فى مورد واحد و بعد هذه المقدمات نقول الاقوى حرمة الحركة الخروجية شرعا و وجوبها عقلا لا ينافى الحرمة شرعا لاطلاق ادلة حرمة الغصب و عدم المخصص و ما ذكروه مخصصا لا يصح كالزام المكلف على الحركة الخروجية و عدم قدرته على الترك و الجواب ما عرفت من ان القدرة الثابتة قبل الدخول كافية فى صحة النهى مع ان القدرة الذاتية محفوظة و ان لزم عليه عقلا الحركة الغصبية فرارا من زيادة العقاب و لعل ذلك مراد المحقق القمى و من تبعه من عدم منافات الحرمة الفعلية مع اللزوم العقلى فتدبر و كقولهم ان الحركة الخروجية مقدمة للتخلص من الغصب و هو واجب فلا تكون حراما فوجوبها المقدمى يرفع الحرمة الفعلية و الجواب عنه اولا ان التخلص من الغصب ليس واجبا مستقلا فى قبال حرمة الغصب كما مر سابقا نعم ترك الغصب الزائد واجب و لكن هل تكون الحركة الخروجية مقدمة له او متلازمة معه و رجح بعضهم الثانى لانها كون تدريجى فى المغصوب و هو ضد الكون فى خارجه و التخلص الكون فى الخارج و هو متلازم مع عدم الكون فيه و هو نقيضها فلا يكون مقدمة له بل متلازما معها فكلتا المقدمتين ممنوعتان و لا يبعد القول بانها مقدمة عرفية لترك الغصب الزائد فبناء على وجوب المقدمة مع قصد التوصل الى ذيها تكون واجبة و اما بناء على وجوبها مطلقا أو الموصلة منها

282

فاللازم عدم حرمتها مطلقا و لو لم يكن بقصد التخلص و هو بعيد و بناء على وجوب المقدمة فتخصيص دليل الغصب يحتاج الى اثبات اهمية ذيها و بعد الدخول الذى مفوت للقدرة بالنسبة الى الحركة الى الخارج يسقط النهى الفعلى عنها و يبقى عقابها مع عدم وجوبها شرعا بل عقلا كما افاده المحقق الخراسانى او معه كما عن الفصول و يظهر الاعتراض عليهما مما مر من ان مصحح التكليف القدرة على الامتثال فى الجملة لا الى زمان الامتثال و هو بنفسه لطف و ان لا يكون له امتثال و إلّا لما صح تكليف الكفار فلا مانع من بقاء التكليف الى الخروج و اما بناء على سقوط الحرمة عن الحركة الخروجية فهل يكون العصيان للنهى عنها محققا بنفس الدخول فتكون بلا عنوان او يسقط الخطاب و يتاخر تحقق العصيان الى زمان الخروج و كلاهما بعيد ان يبقى الكلام فى حكم العبادة فى حال الخروج كالصلاة فالحق انه كالعبادة حال البقاء فى المغصوب فبناء على الجواز تصح مطلقا و بناء على الامتناع فلا تصح الا مثل الصلاة الواجبة فى ضيق الوقت و بناء على سقوط الحرمة و بقاء العقاب فصحة العبادة تتوقف على صحة التقرب بالمبعد و عدمها و قد مر الكلام فيه.

التنبيه الثانى مورد البحث فى الاجتماع و الامتناع فيما اذا احرز وجود الملاك فى الطرفين فان لم يحرز يرجع الى التعارض فى المجمع بين الدليلين و بناء على الجواز يثبت الملاكين باطلاق الدليلين و ثبوت الحكمين سواء كان اقوى فى البين او لا و اما بناء على الامتناع‏

283

فيمكن اثبات الملاكين باطلاق المادة و ثبوت الحكم لاقوى الملاكين ان كان فى البين او الحكم بالتخيير او التساقط و الرجوع الى الاصل او دليل آخر و اما الكلام فى دليل الحكمين فهو انه اما ان يكونا متساويين فى الظهور او يكون احدهما اقوى فيقدم على الآخر و اما مع التساوى فيسقطان بالتعارض و لا يمكن اثبات الملاكين بعد سقوط دليل الحكمين و اثبات اقوائية احد الدليلين ظهورا او ملاكا بوجوه‏

الاول كون احدهما نهيا فيقدم فى مورد الاجتماع لان دلالته شمولى و دلالة الامر بدلى فلا محذور فى العمل بالامر فى غير مورد للاجتماع لان العمل به فى مورد النهى مستلزم لرفع اليد عن عموم النهى فالمقام و ان كان من باب دوران الامر بين التخصيص و التقييد و لا دليل على تقدم احدهما كلا إلّا ان الجمع بين الغرضين فى المقام قرينة على التقييد للامر و نظر العرف يؤيده‏

الثانى ان دليل الحرمة يقدم على دليل الوجوب لان دفع المفسدة اولى من جلب المنفعة و فيه ما لا يخفى من الضعف.

الثالث الاستقراء من الموارد التى دار الامر فيها بين الوجوب و الحرمة و ورد فيها نص من الشارع فانه رجح جانب الحرمة كما فى ايام استظهار الحائض‏

فان الارجح لها ترك العبادة و كما فى الاناء المشتبه بالنجس حيث ورد النص بانه يهريقهما و يتيمم و لا يخلو تمامية هذا الاستقراء و صحة الاستدلال به من النظر فتدبر و اذا كان احد الدليلين اظهر

284

و المناط فى المورد الآخر اقوى فهل يؤخذ بالظهور الاقوى او المناط الاقوى؟ و الاول اقوى.

التنبيه الثالث ربما استدل بالعبادات المكروهة كالصلاة مقابل النقوش و الصور على جواز اجتماع الامر و النهى لان الكراهة مفاد النهى التنزيهى و مخالف للاستحباب او الوجوب مع ان العبادة تتوقف على الامر وجوبا او استحبابا فالعبادة المكروهة مورد الامر و النهى معا فيجوز اجتماع الحكمين و يمكن الاعتراض عليه بعدم دلالة تعلق النهى بها على انطباق الكراهة على المامور به بل ربما يكون النهى متعلقا بها بالعرض لملازمتها مع عنوان مكروه و يكون هناك مصداقان متلازمان احدهما مورد الامر و الآخر مورد النهى و تعلق النهى بعنوان العبادة ظاهرا لعدم امكان ذكر خصوص متعلقه لعدم احاطة البيان به او للتقية و نحو ذلك او يكون النهى إرشادا لما في بعض الافراد من النقصان باعتبار عوارضه الشخصية فانها قد تلائم غرض الامر و قد تنافره فيصدر النهى الارشادى عما فيه الخصوصية المنافرة او يكون النهى ارشادا للفضل الذى فى غيره و ان كان فى صحة هذا النحو من الامر الارشادى نظر و بالجملة لا يقتضى كراهة العبادة نهيا مولويا عن مصداق العبادة حتى تكون دليلا على الجواز نعم لو ثبت الجواز لا مانع من الاخذ بظهور كراهة العبادة لو كان مع ان العبادة لا تتوقف على الامر كما اذا كان بذاته عبادة مثل السجدة و الصلاة فيمكن تعلق الكراهة به من دون ان يكون هناك امر بالوجوب او الاستحباب ان‏

285

قلت فعلى هذا لا يمكن الاكتفاء به فى الامتثال لو كان له بدل او يكون تشريعا محرما كصوم يوم العاشور قلت الرجحان الذاتى كاف فى وقوعها عبادة مسقطة للامر و لو كان هناك فرد غير مكروه كالصلاة فى الحمام لانه واجد لجميع ما هو ملاك وجوب العبادة و ان تشخصت بما هو مرجوح فلا مانع من سقوط الامر به بعد امكان اتيانه قريبا

التنبيه الرابع ربما استدل على جواز الاجتماع بموارد توارد الاسباب المتعددة للوجوب فى مورد واحد كالصلاة المنذورة فلها وجوب بذاتها و وجوب للنذر و كغسل واحد لمن اجتمعت عليه اسباب متعددة من الحيض و الجنابة او وضوء واحد بعد البول و التوم و غيره لانه بناء على تضاد الاحكام و عدم تاثير تعدد العنوان لا فرق بين حكمين من سنخ واحد او من سنخين مختلفين لان امتناع اجتماع المثلين مثل امتناع اجتماع الضدين و يمكن الجواب عن الواجب المنذور بانه لا يوجب اجتماع وجوبين على امر واحد من جهتين لان احد الوجوبين اخذ فى موضوع الوجوب الآخر فتعلق وجوب بالصلاة و وجوب آخر بالصلاة الواجبة و يختلف الموضوع فى الوجوبين و لكن يلزم بعثين مستقلين الى الصلاة و لا يمكن القول بالتاكيد لانه يوجب وحدة موضوع الوجوبين و ليس فى البين؟؟؟ ليكون مثل اكرم الهاشمى و اكرم العالم بالنسبة الى مجمع العنوانين مضافا الى اشكال بعض الاساتيد فى جريان التاكيد فى الوجوب و امثاله من الاعتباريات و ان لم نجد له وجها وجيها و على اى حال فاشكال اجتماع بعثين‏

286

مولويين مستقلين على فعل واحد باق على القائل بامتناع الاجتماع و لكن على القول بالجواز فلا اشكال و انما يوجب التاكيد فى البعث فتدبر.

و اما مسئلة اجتماع الاسباب على مسبب واحد فتارة يكون مع وحدة المسبب كما فى الوضوء فانه لا يختلف باختلاف الاسباب فتتداخل الاسباب و عند الاجتماع معا يؤثر الجامع بينها فى وجوب اصل طبيعة الوضوء و مع التعاقب يؤثر السبب الاقدم و يلغو الاسباب المتأخرة لعدم قبول المورد الا لوجوب واحد الا مع امكان وجوب افراد متعددة من طبيعة واحدة كما فى منزوحات البئر على قول و له نظائر فى موارد أخر لترجيح ظهور الشرط فى الوجود عند الوجود على ظهور الجزاء فى الطبيعة المطلقة و اخرى يكون مع تعدد حقيقة المسبب كما فى الاغسال فان ظاهر بعض الاخبار انها حقائق متباينة باختلاف انواعها و يتحقق بكل سبب وجوب موضوعه الخاص به كوجوب غسل الجنابة او غسل الحيض و غيره و لا يكون من اجتماع وجوبين على موضوع واحد فان دل الدليل على كفاية امتثال واحد عن كلها او بعضها فهو و إلّا فمقتضى القاعدة عدم التداخل فى المسببات و لزوم الاتيان بكل منها فبناء على وحدة حقيقة المسبب كما فى الوضوء فليس فيه إلّا وجوب واحد و لا يكون من باب تعلق احكام متعددة فى مورد واحد بعنوانين مختلفين و بناء على تعدد الحقيقة فى المسبب كما فى الاغسال فالوجوب و ان كان متعددا إلّا ان الموضوع لا يكون‏

287

واحدا بل متعددا تعلق الوجوب بكل واحد منها و الاكتفاء بفرد واحد اذا دل عليه الدليل اما بانه محصل لغرض الجميع او باعتبار التضاد بينها فى مقام الامتثال فليسقط الباقى قهرا فلا يكون توارد الاسباب باى معنى دليلا على جواز الاجتماع.

[النهى فى العبادة و المعاملة]

(اصل) النهى فى العبادة و المعاملة يقتضى الفساد ام لا؟

و فيه امور.

1- مسائل كل علم مسائل تشترك فى غرض العلم و تعدد المسائل باختلاف الموضوع او المحمول او كليهما و لا اشكال فى اختلاف هذه المسألة مع مسئلة اجتماع الامر و النهى بحسب محمول لان عنوان الاخير انه يجوز الاجتماع ام لا فالموضوع اجتماع الامر و النهى و المحمول الجواز و عدمه و الموضوع فى هذه المسألة النهى فى العبادة و المعاملة و المحمول اقتضاء الفساد و عدمه و دلالة لفظ العبادة بالالتزام على الامر لا يؤثر فى وحدة المحمول او الموضوع.

2- لا تكون هذه المسألة فقهية بان يقال العبادة المنهية او المعاملة المنهية فاسدتان ام لا حيث ان الفساد من عوارض فعل المكلف بل اصولية لان البحث فى الاقتضاء و عدمه و لا يكون البحث عقليا فقط باعتبار ان الحرمة تلازم الفساد ام لا بل اعم منه و من دلالة لفظ النهى‏

288

على الفساد بالالتزام بل بالمطابقة فى المعاملات لان النهى منها ارشاد الى الفساد و النهى المتعلق بالعبادة يمكن ان يكون مولويا بناء على تحقق الحرمة الذاتية للعبادة و بناء على عدم تمامية مقام الثبوت فالبحث عن مقام الاثبات باعتبار دلالة اللفظ ممكن و لو مع عدم ثبوت الملازمة العقلية بين الحرمة و الفساد.

3- المبادى التصديقية للعلم قضايا تتألف منها قياسات العلم كما ان المسائل ما يحصل غرض العلم باجتماعها فما يقع فى طريق استنباط الحكم الشرعى مسئلة اصولية سواه كان كبرى او صغرى فى القياس و سواء كان نتيجتها الحكم الفرعى بلا واسطة او معها فلا وجه لعد المسألة السابقة من المبادى بناء على انه لو قيل بالامتناع يتحقق مصداق النهى فى العبادة و يصير موضوعا لهذه المسألة لان وقوعها فى طريق الاستنباط و لو بالواسطة كاف فى كونها مسئلة للعلم و قد يقال ان كان المراد من الفساد فى المقام عدم موافقة الامر يتم دعوى الملازمة بين النهى و الفساد ثبوتا بناه على امتناع الاجتماع و ان كان بمعنى عدم موافقة الملاك فلا يصح لان النهى لا يلازم عدم الملاك فيمكن صحة العبادة لوجود الملاك و فيه بعد تسليم كفاية الملاك لصحة العبادة انه مقتض لها و لكن مشروط بعدم المانع للتقرب و وجود النهى الفعلى مانع عنه و ربما يقال بعدم الملازمة عقلا بين النهى عن المعاملة و صحتها بمعنى ترتب الاثر عليها و يمكن توجيه التضاد بان اثر المعاملة منوط بالاعتبار فاذا كانت مبغوضة عند

289

الشارع فلا يراها سببا يترتب عليها اثرها مع ان النهى عنها موجب لسلب قدرة المكلف عن ايجادها شرعا فتصير فاسدة و بلا اثر و قد يقال بانحصار جهة البحث فى العبادات بمقام الاثبات لوضوح تضاد المبغوضية الفعلية مع صحة العبادة و فيه انه يمكن القول بصحتها بناء على عدم التضاد بين الحرمة و الوجوب فى مورد واحد كما سبق او عدم سراية الامر و النهى من العنوان الى المعنون و عدم منافات التقرب بالمبعد كما انه يمكن البحث فيها اثباتا بدعوى الملازمة او بدعوى دلالة النهى على فساد العبادة مطلقا لظهوره فى الارشاد الى الفساد فيها كما فى المعاملات.

4- ظاهر اطلاق العنوان يشمل النهى التنزيهى و لا موجب للتخصيص بالتحريمى الا توهم ان ملاك التنزيهى لا يقاوم الوجوب و فى مورد الاجتماع يكون الوجوب فعليا فلا اثر للنهى و فيه انه يمكن ان يكون العبادة ندبية و يكون ملاك النهى اقوى فيوجب الفساد مضافا الى انه يمكن ان يكون النهى شموليا و الوجوب بدليا فالنهى الشمولى يقدم على الامر البدلى لعدم التزاحم لان الوجوب البدلى لا ينافى الكراهة لان فيها رخصة الفعل فيجوز العقل تطبيق الواجب عليه و فيه بحث و هل يشمل البحث للامر الغيرى ام يختص بالنفسى فاعلم ان الامر الغيرى اما ناش عن مقدمية ترك الضد للضد فيصير الفعل حراما كما فى مورد الصلاة و الازالة مع تسليم المقدمية فهو لا ينافى الصحة بموافقة الامر و لا الملاك فالصلاة المضاد للازالة المنهية

290

بالنهى الغيرى صحيحة و النهى المولوى ليس مانعا عنها لانه غيرى و لا يكون مبعدا و لا موجبا للثواب و العقاب لان المناط فى الاطاعة و العصيان الاوامر و النواهى النفسية و اما ان يكون للارشاد الى المانعية نحو لا تصل فيما لا يؤكل لحمه و هو دال على الفساد و لا كلام لنا فيه و المانعية الشرعية فغير قابلة للجعل لان المانع اصطلاحا ما يزاحم المقتضى فى تاثيره كالرطوبة المانعة عن تاثير النار و اما كل ما لا يجتمع مع شي‏ء فى الوجود فلا يعد مانعا كالضد مع الضد نعم يتحقق التمانع فى مسبب الضدين فعدم المانع دخيل فى تاثير المقتضى و دخل العدم يمكن ان يكون بوجه آخر و هو تقييد صلاح شي‏ء او طلبه به من دون ان يكون وجوده مانعا فشرطية العدم اما لمانعية الوجود او لذاته اذا عرفت ذلك فنقول ما تناله يد الجعل تبعا فهو شرطية العدم دون مانعية الوجوه فانه غير قابل للجعل مطلقا لان الخطاب المفيد لذلك اما مثل قوله لا تصل فى غير الماكول و قوله لا تلبس غير الماكول فى الصلاة و الاول يفيد تقييد الصلاة بعدم كونه فى غير الماكول و الثانى يفيد حرمة الليس فى حال الصلاة و مقتضى الاول شرطية العدم و الثانى حرمة الليس الخاص فتحصل ان المانعية غير قابلة للجعل مطلقا و لا يتعلق به النهى الغيرى اصلا.

5- هل يشمل العبادة فى موضوع البحث للامر التوصلى ام تختص بما يشترط فيه قصد التقرب فان كان المراد من عدم الفساد حصول القرب يشمل البحث التوصلى لان النهى مانع عن التقرب فى‏

291

الجميع و ان كان المراد منه ترتب الاثر المقصود من الامر فيختص النزاع بخصوص التعبدى و لا يشمل التوصلى لامكان حصول الغرض منها مع كونه مبغوضا كمن ركب الدابة المغصوبة فى سفر الحج و الاقرب اختصاص النزاع بالتعبدى و اما المعاملات فمنها ما يؤثر فى الاثر المقصود منه و لو من دون قصد المكلف كالطهارة عن الخبث فهو خارج عن محل النزاع فيطهر الثوب النجس بالماء المغصوب و عد منها التحجير و الحيازة كصيد السمك بآلة مغصوبة و منها ما يحتاج الى قصد الفاعل كالعقود و الايقاع فيشمله النزاع لان المسبب منوط باعتبار الشارع و السبب لا بد و ان يكون تحت اختيار المكلف و الحرمة للسبب تنافى اعتبار الاثر و توجب سلب قدرة المكلف شرعا فتقتضى الفساد و لا يرتب الملكية على البيع الحرام لانه يناقض تحريم سببها و اما طهارة الثوب و ان كانت اعتبارا شرعيا لكنه يترتب على الغسل الحرام لانها ليست فعلا للمكلف بمعناها الاسم المصدرى نعم ربما ينهى عن التطهير ارشادا الى عدم حصول الطهارة و هو خارج عن البحث لان مورده النهى التحريمى المولوى فتدبر.

6- الفساد فى المقام بمعنى عدم ترتب الاثر المقصود من العبادة و المعاملة فصحة العبادة ترتب الاثر المترقب منها و فسادها عدمه و لا ينبغى الكلام فى ملازمة الاثر العبادى للقرب انما الكلام فى ترتب الاثر القربى و انه ينحصر بموافقة الامر و قصده كما عن صاحب الجواهر فيدل النهى على الفساد مطلقا نفسيا كان او غيريا ام‏

292

يحصل بموافقة الغرض ايضا و لو مع عدم الامر و هو مشروط بعدم تعلق النهى النفسى به و لو تعلق النهى الغيرى و قد يقال باشتراط عدم تعلق النهى التحريمى مطلقا و ان كان غيريا لمنافات التقرب مع المبغوضية مطلقا و المختار هو الاخير كما مر و لا فرق بين الصحة فى العبادة و المعاملة و ان كانت الاولى تلازم القرب دون الثانية.

7- قيل ان الصحة و الفساد اضافيان بينهما التضايف اما كونهما اضافيين فصحيح لان الشي‏ء الواحد ربما يترتب عليه اثر دون آخر فصحيح بالنسبة الى الاول و فاسد بالنسبة الى الثانى و ربما يسقط به الاعادة دون القضاء او بالعكس فصحيح بالنسبة الى اثر دون آخر او يترتب عليه الاثر عند طائفة دون غيرهم فصحيح عندهم و فاسد عند غيرهم و لكنهما ليسا بمتضائفين بل النسبة بينهما العدم و الملكة و معناه عدم وصف فى شي‏ء من شأن نوعه او جنسه الاتصاف به كالعمى فانه عدم البصر للانسان دون الحجر فنوع الصلاة او البيع صحيح اذا كان واجدا للاجزاء و الشرائط و فاسد مع فقد جزء او شرط و اما لو فسر الصحة و الفساد بانطباق المامور به او العقد الممضى شرعا على ما فى الخارج و عدمه فالتقابل بينهما بالسلب و الايجاب دون العدم و الملكة.

توضيح: الصحة بمعنى موافقة الامر و الفساد بمعنى مخالفته امران انتزاعيان لا مجعولان و بمعنى مسقطية القضاء و الاعادة فقيل ليستا مجعولتان و لا انتزاعيتان بل من احكام العقل‏

293

مستقلا كاستحقاق الثواب و العقاب و فيه بحث و الصحة بمعنى اسقاط امتثال الامر الظاهرى او الاضطرارى للامر الواقعى الاولى فقيل انها مجعولة شرعا لان اتيان المامور به لا يقتضى اسقاط امر آخر ليس متعلقا به فلا بد بان يكون بجعل الشارع لقبوله ذاك بدلا عنه مع امكان ايجاب الاعادة او القضاء تسهيلا للمكلف مع ان الصحة بمعنى انطباق المامور به الكلى على المصداق الخارجى اذا كان مصداقا له حقيقة امر قهرى عقلى و اما لو لم يكن فالحكم بالانطباق و اعتباره لا بد و ان يكون بجعل من الشارع و الصحة و الفساد بهذا المعنى امر جعلى شرعى و فيه ان عنوان الانطباق ليس اعتباريا كالملكية و نحوها لان نفس اعتبار الانطباق لا مصلحة فيه و لا بد و ان يكون اعتباره بتبع امر آخر مجعول بالذات ليكون مجعولا بالعرض مثلا اذا اراد الشارع ان يجعل الظن حجة بمعنى جعل الحكم المماثل لا بمعنى تنجيز الواقع و قال صدق العادل فهو جعل الحكم المماثل لمؤدى قول العادل و حجية قوله لاثبات الواقع و وصول الواقع عنوانا فالمجعول بالذات هو الاول فلو لم يجعل الماثل لا يتحقق الحجية و مع عدمها لم يصح اعتبار وجود الواقع فالحكم المماثل و اصل بالذات و الواقع بالعرض للزوم انتهاء ما بالعرض الى ما بالذات فان كان المراد من جعل الانطباق اسقاط القضاء او الاعادة فلا يكون الانطباق تبعا له و اعتباره بالذات غير صحيح و اما الصحة فى المعاملة فقد يقال انها بمعنى ترتب الاثر عليه كليا لانه قابل للجعل شرعا

294

فينطبق على الافراد قهرا لا بجعل شرعى آخر كصحة العبادة بمعنى موافقة الامر و لا اشكال فى ان الاثر فى المعاملة مجعول شرعى كالملكية و الزوجية و نحوهما مما لا يوجد إلّا بجعل الشارع و لا يلزم ان يكون ترتبها شرعيا كترتب الاحكام على المصالح فان الحكم شرعى و ترتبه عقلى و لكن قد يكون الترتب ايضا شرعيا كترتب الحكم التكليفى على موضوعه مثل الوجوب على الصلاة او الحرمة على شرب الخمر لانه عين جعله للموضوع بخلاف ترتبه على ملاكه فلا بد من تشخيص ان ترتب الملكية على العقد مثل ترتب الحكم على موضوعه او مثل ترتبه على ملاكه حتى يكون عقليا و الاقوى هو الثانى لان ترتب الحكم على موضوعه بمعنى جعل الموضوع تشريعا بانشاء الحكم عليه لايجاده من المكلف بالمباشرة بخلاف المعاملة فانه بالعكس لان ايجاد الملكية بمباشرة الشرع بسبب انشاء العقد من المتعاقدين توصلا لاعتبار الملكية من الشارع فالعقد للملكية كالمصلحة للحكم التكليفى فكما ان ترتب الحكم على الصلاح عقلى كذلك ترتب الملكية على العقد فلا يتوهم صحتان للمعاملة باعتبار الكلى و الفرد لان الاثر المعاملى قائم بصرف الاعتبار و بعد اعتباره للكلى ينطبق على الفرد بلا تشريع آخر و كان اعتباره من الشارع بالمباشرة و من المتعاقدين بسبب العقد و يمكن ان يكون معلقا من ناحية العاقد كالوصية او باعتبار شرط شرعى كالوقف المشروط بالقبض و اما بالنسبة الى اعتبار الملكية فلا تعليق فيه و الحاصل ان الانشاء الشرعى تارة يكون‏

295

سببا و هو الانشاء بداعى جعل الداعى فانه سبب للبعث و ثابت فى الاحكام التكليفية و اخرى لا يكون بداعى البعث بل بداعى الكشف من حقيقة ثابتة كالانشاء فى مقام التعجيز للكشف عن عجز المخاطب و فى مقام الارشاد للكشف عن المصلحة لا لايجادها و الانشاء الصادر من الشارع فى الوضعيات من هذا القبيل كقوله من حاز ملك و أحل اللّه البيع الكاشف عن اعتبار الملكية عند تحقق السبب الكذائى و ليس انشاء اعتبار الملكية لان الاعتبار لا يحتاج الى الانشاء و لا يكون اعتبارا للملكية فى الازل لتحقق فيما لا يزال كما فى الاحكام التكليفية حيث قالوا ان الانشاء فى الازل و الحكم فيما لا يزال لاستحالة الانفكاك بين ايجاد الشي‏ء و وجوده فلا بد من كونها انشاء بداعى اظهار الاعتبار عند تحقق الاسباب و كان كالاخبار بجعل الملكية بعد ذلك.

8- النهى اما ان يكون عن اصل العبادة كنهى الحائض عن الصلاة او جزئها كالنهى عن قراءة سورة العزيمة فى الصلاة او شرطها كالنهى عن الوضوء بالماء الغير الطاهر او عن وصفها كالنهى عن الجهر فى الظهر و العصر و يمكن ان يقال بدخول النهى عن الجزء و الشرط فى هذا البحث لانه لا يمكن التقرب بالمشتمل على المبغوض جزء او شرطا و ان كان فى الشرط نظر لان القيد فى العبادة ليس عباديا لان العبادية وصف للمقيد كما فى الطهارة الخبثية فالنهى من تطهير الثوب بالماء الغصبى لا يسرى اليها إلّا ان يكون القيد عباديا ايضا كما فى‏

296

الطهارة الحدثية و اما اذا نهى عن جزء العبادة فتارة يكون ارشادا الى عدم صلاحيته للجزئية اصلا كما اذا كان المقصود من النهى عن سورة العزيمة فى الصلاة انها لا تحسب جزء فيها فلو اكتفى بها بطلت و لو تداركها مع بقاء المحل تصح ان لم يلزم القران بين سورتين او عملا مبطلا لها كالسجدة لآية العزيمة و اما ان يكون ارشادا الى مانعيتها للصلاة و كون عدمها قيدا فتبطل الصلاة و لا وجه للتدارك و اما اذا كان النهى عن وصف لازم كالجهر فى القراءة او الاخفات فيها فيلزم النهى عنها لعدم انفكاك الوصف عن الموصوف فى الوجود الخارجى فيدخل فى محل النزاع و بعد ذلك فنقول اذا تعلق النهى بالعبادة لا تكون مامورا بها للتضاد فبناء على لزوم الامر فى صحة العبادة تكون باطلة و بناء على الاكتفاء بوجود الملاك و كان محرزا فالصحة مبتنية على جواز التقرب بالمبعد و قد مر البحث فيه و لكن فى المقام اشكالان.

الاول انه كيف يتصور النهى عن العبادة و هى العمل القربى و لا بد ان يكون مقدورا للمكلف حتى ينهى عنه و المفروض عدم امكان التقرب بالمنهى عنه و اجيب عنه بوجوه الاول ان العبادة هنا هى ما لو امر به لكان امره عباديا اى وظيفة شرعت لاجل التعبد به فالصوم و الصلاة عبادة بهذا المعنى و ان لم يتعلق بهما امر و فيه انه لو نهى عنها بهذا المعنى فاللازم انه لو اتى بها بداعى التعليم و نحوه تكون حراما و لا يلتزمون به.

297

الثانى ان العبادية قد تكون ذاتية اى عنوانا حسنا مرتبطا بالمولى كالسجود و الركوع للّه بمعنى كونه مقتضيا للحسن لو خلى و نفسه قابلا لعروض المانع كحسن الصدق فانه قد يصير قبيحا اذا كان ضررا على مؤمن و كالتعظيم للمولى فانه اذا كان موجبا لتعريفه بين اعدائه اللذين اختفى عنهم يصير قبيحا و يمكن ان يتعلق به النهى فيكون عبادة ذاتا و حراما فعلا لعروض القبح عليه و الصلاة من هذا القبيل و لكن لا يصح الجواب فى مثل الصوم لانه ليس عبادة للّه ذاتا فالجواب اخص من الاشكال و لا ينفع فى جميع الموارد.

الثالث ان العبادية تتحقق باتيان العمل للّه و ان لم يكن مامورا به فالصلاة للّه و الصوم له عبادة فيتعلق النهى به و يكون مقدورا بعده و فيه انه لا يجرى فى مثل الصوم لان صرف القصد لا يرتبطه باللّه حتى يصير عبادة له فلا يزيد على الجواب السابق.

الرابع ان يتعلق النهى بالعبادة التشريعية فانها مقدورة بعد النهى و اعترض بلزوم اجتماع المثلين حرمة التشريع و حرمة النهى و اجيب بان التشريع البناء على ان ما ليس بحرام شرعا حراما و هو فعل قلبى و لا يسرى حرمته الى العمل الخارجى كالتجرى فالماء المشروب باعتقاد كونه حراما لا يصير حراما و متعلق النهى هو الفعل الخارجى فلا يجتمع المثلان لتعدد الموضوع و فيه ان التشريع اتيان الفعل بقصد كونه واجبا او حراما من اللّه مع العلم بانه ليس كذلك فينطبق التشريع على العمل و مجرد البناء القلبى من دون العمل لا يكون‏

298

تشريعا بل قصدا للتشريع فلا يتعدد الموضوع مضافا الى ان النهى عن العمل بداعى التشريع موجب لاجتماع المثلين و للخلف لان المدعى تحريم الصلاة بهذا النهى و دلالته على الفساد من قبله لا تحريم التشريع.

(اصل) فى دلالة النهى على فساد المعاملة

فاعلم ان النهى المتعلق بالمعاملة تارة يكون ارشاد الى عدم تاثيرها فى النقل و لا كلام فى دلالته على الفساد كما اذا نهى عن التصرف فى الثمن او المثمن مثل قوله ثمن الجارية المغنية سحت فانه كاشف عن فساد المعاملة انما الكلام فى النهى التحريمى المتعلق بالسبب او التسبيب و لا بد من توضيح المرام من تشريح معنى المعاملة حتى يتضح المقصود فنقول للمعاملة مراحل ثلث.

1- الانشاء و هو قصد تحقق المعنى باللفظ فيكون اللفظ وجودا حقيقيا لنفسه و وجودا اعتباريا للمعنى و هذا فعل للبائع مباشرة حاصل من لفظه و قصده و هما قائمان به بلا واسطة.

2- ما هو بالحمل الشائع ايجاد الملكية و النقل الى المشترى و هو تسبيب البائع على حصول الملكية و هى اعتبار من العقلاء او الشارع بسبب هذا الانشاء و هو فعل توليدى للبائع و معنى لفظ البيع بالحمل الشائع.

3- الملكية المحققة فى ظرف وجودها و هو عالم اعتبار العرف‏

299

او الشرع و هذا فعل مباشرى للعرف لا للبائع و ان كان اثر فعله و ما قيل من ان الافعال التوليدية عناوين لاسبابها و تحمل عليها كالاحراق بالنسبة الى الالقاء لا ينطبق هنا بل مورده عنوانان متحدان فى الوجود متغايران بالاعتبار كالالقاء مع الملاقاة و الاحراق مع الحرقة و لكن الحرقة ليست فعلا للملقى بل فعله التوليدى هو الاحراق المسبب عن فعله و لا يصح تعلق النهى التشريعى بنتائج الافعال و ان كانت مبغوضة و ما عن الشيخ من ان البيع موضوع للمعنى المسببى مراده المرحلة الثانية لا نفس الملكية فلا يرد عليه ان لازمه ترادف البيع و الملكية فالنهى تارة يتعلق بالمعاملة باعتبار انه فعل من دون النظر الى انه مؤثر فى النقل و الانتقال فلا يدل على الفساد كالنهى عن البيع وقت النداء لان النظر الى انه فعل شاغل عن الصلاة لا بالنظر الى انه سبب للنقل و ما قيل ان النهى ان كان متعلقا بالمعنى المصدرى لا يوجب الفساد و ان كان باعتبار اسم المصدر يوجبه كما فى النهى عن بيع المصحف للكافر فلا وجه له لان اسم المصدر بمعنى ما يحصل من العمل كالملكية فى البيع لا يصح تعلق النهى به نعم قد يتعلق النهى بالمعاملة احداثا و ابقاء كالنهى عن بيع المصحف للكافر و قد يتعلق به احداثا فقط كما فى التصوير حيث انه بعد تحققه يجوز اقتنائه و لا يجب محو الصورة لان مناط تحريمه التشبه بالخالق و بقائه ليس كذلك و اما تحريم تنجيس المسجد فيكون احداثا و ابقاء فلذا يجب ازالة النجاسة عنه حتى على غير المنجس و ليس من جهة تعلق النهى‏

300

بالمعنى الاسم المصدرى لانه لا يصح كما مر و اذا تعلق النهى بالمعاملة باعتبار تاثيرها فى المنظور منها كالنقل و الانتقال فى البيع او الحلية فى النكاح و بما هو بيع او نكاح بالحمل الشائع فقيل يدل على الفساد باعتبار ان مبغوضية التسبيب ينافى اعتبار وجود المسبب عقلا و اعترض عليه بان الوجود الحقيقى للاثر كالملكية للبيع باعتبار من الشارع و هو فعله فلا يمكن تعلق البغض له به نعم لو كانت مبغوضة له ذاتا فلا يعتبرها و اما الملكية العرفية بوجودها عند العقلاء فلا معنى لكونها مبغوضة شرعا فمبغوضية التسبيب كالبغض بالاسباب التكوينية فلا يوجب عدم ترتب الاثر وضعا و عندى فى ذلك نظر لان اعتبار الشرع للاثر ليس ابتدائيا بل فى اثر تسبيب الغير و تنفيذ قصده و هو ملازم لاعتبار وجود الفعل الصادر فيه بما سبب للاثر و النهى اعدام لهذا الفعل تشريعا و يناقض مع اعتبار اثره فيفسد و وجه آخر لدلالة النهى على الفساد انه يوجب سلب سلطة المعامل عن الفعل المعاملى فلا يقدر على هذا العمل شرعا فيبطل المعاملة و فيه ان سلب السلطة بمعنى حرمة عمله لا يوجب عدم تاثيره اذا تحقق فى اثره المعامل لانه اثر قدرته وضعا لا تكليفا و لا دليل على اشتراط عدم تعلق النهى بالمعاملة فى صحتها فلا منافاة لعدم السلطة التكليفية مع صحة المعاملة و قد يستدل لدلالة النهى على الفساد ببعض الاخبار كما رواه فى الكافى عن الباقر (عليه السلام) سأله عن مملوك تزوج بغير اذن سيده فقال ذاك الى سيده ان شاء اجازه و ان شاء فرق بينهما قلت اصلحك اللّه ان‏

301

حكم بن عينية و ابراهيم النخعى و اصحابهما يقولون ان اصل النكاح فاسد و لا يحل اجازة السيد له فقال ابو جعفر انه لم يعص اللّه انما عصى سيده فاذا اجاز فهو له جائز، فان ظاهره ان النكاح لو كان عصيانا للّه تعالى كان فاسدا لأنّ قوله ما عصى اللّه فى مقام التعليل للحكم و بيان بطلان ما ذهب اليه العامة و اعترض عليه بان العصيان فيها ليس بمخالفة التكليف بل مخالفة الحكم الوضعى و ان العبد لم يأت بشى‏ء لم يمضه اللّه كالنكاح فى العدة حتى لا يكون قابلا للصحة بل اتى بما لا يجيزه سيده فاذا اجازه صح مؤيدا بما ورد فى رواية اخرى حيث سئل عن الامام ان عبدا تزوج بغير اذن مولاه أ عاص للّه ام لا؟ فقال (عليه السلام) ليس عاصيا للّه بل عاصيا لسيده ثم قال هل فعل حراما فقال (عليه السلام) يزعمون انه فعل حراما وجه التأييد انه لو كان المراد عصيان التكليف لما كان للسؤال الثانى محلا و عندى فى كل ذلك نظر لظهور العصيان فى التكليفى و لا وجه لرفع اليد عنه مع ان قول الامام لا يعص اللّه فى بيان العلة و لا معنى لكونه العصيان الوضعى لانه عين عدم الفساد فيلزم تعليل الشي‏ء بنفسه مع انه لو كان المراد العصيان الوضعى لا يصح التفرقة بين كون التزويج عصيانا للّه او للسيد و نفى الاول و اثبات الثانى لان ما لم يمضه السيد لم يمضه اللّه لتوقف صحة تزويج العبد على اجازة السيد شرعا و اما اعادة السؤال فى الرواية الثانية فلعله لاحتمال كون مخالفة المولى بهذا المقدار كافت حراما كما قال به بعض و نسبه الامام الى العامة.

302

[فى المفاهيم‏]

«اصل» فى بحث المفاهيم: مقدمة: اختلفوا فى ان المفهوم حكم غير مذكور او حكم لغير مذكور و اعترض على الاول بان المراد ان كان خصوص الحكم فينقض بالموضوع لان موضوع حكم المفهوم غير مذكور ايضا بداهة تقوم الحكم بموضوع مذكور معه لاستحالة وحدة الموضوع مع اختلاف الحكم فكما ان تعدد القضية اللفظية بتعدد موضوعها كذلك العقلية و ان كان المراد سنخ الحكم ينقض بمفهوم الموافقة فان سنخ الحكم المفهوم فى قوله تعالى‏ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ هو الحرمة و هو مذكور فى المنطوق و يمكن الجواب عنهما بان يقال ان المناط فى المفهوم عدم ذكر خصوص الحكم من دون نظر الى موضوعه فهو مسكوت عنه فان الحد انه حكم غير مذكور لا انه حكم لغير مذكور فيخرج الموضوع الغير المذكور لانه غير داخل فى جنس الحد مضافا الى امكان اخذ الحكم بالخصوص و اخذ الموضوع بالسنخ و هنا وجه ثالث بان يؤخذ المعنى الاعم فكل حكم غير مذكور فى القضية مفهوم منها يكون مفهوما سواء ينطبق على السنخ او الشخص كافى مفهوم الموافقة و لعمرى ان ما عن القدماء فى تعريف المنطوق بما دل عليه اللفظ فى محل النطق و المفهوم بانه ما دل عليه اللفظ لا فى محل النطق اصح و اوضح و قد يقال ان المفهوم قضية متعلقة بقضية اخرى فى الفهم عن اللفظ لخصوصية فى‏