أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي‏ - ج1

- محمد باقر كمرئي المزيد...
374 /
303

تلك القضية و هو توضيح لذلك التعريف ثم ان المفهوم و المنطوق من اوصاف الدلالة او المدلول فان اعتبر الدلالة مبنيا للمفعول اى المدلولية فلا تقابل بين المدلول حتى يصح البحث عن كون العنوانين صفة لاحدهما و ان اعتبر الدلالة بالمعنى الفاعلى القائم بالدال يصح التقابل و معنى توصيف المنطوق بالدال انه ملفوظ به فجملة ان جاءك زيد فاكرمه دالة على الثبوت عند الثبوت بالدلالة المطابقية و معنى كونه مفهوما انه خصوصية مستفادة من المنطوق كالعلية المنحصرة من هذه القضية بناء على دلالتها على المفهوم فهذه الخصوصية المفهومة من لفظة ان او هيئة الجملة تدل على الانتقاء عند الانتقاء و ليست ملفوظة و ربما يتوهم ان وجوب المقدمة على القول بالملازمة و حرمة الضد بناء على اقتضاء الامر للنهى عن ضده و دلالة الاقتضاء و الاشارة داخلة فى المفهوم لانها قضايا غير ملفوظة تستفاد من المنطوق بمعونة حكم العقل كما ان الملازمة بين انتفاء العلة المنحصرة مع انتفاء المعلول يوجب المفهوم مع انهم لا يجعلونها من اقسام المفاهيم و دفع التوهم ان الخصوصية الموجبة لفهم قضية غير ملفوظة ان كانت مقصودة من المنطوق فهى المفهوم المبحوث عنه كما فى القضية الشرطية او الموصوفة و غيرهما و دلالة المنطوق عليه دلالة لفظية التزامية و لكن اذا لم تكن مقصودة من المنطوق و لكن ملازمة بينها و بين امر آخر كوجوب ذى المقدمة الملازم لوجوب مقدمة عقلا او نقلا و ليس مقصودا من الامر بالدلالة اللفظية فلا يكون من المفهوم‏

304

عن المنطوق كما ان دلالة اسأل القرية على السؤال من اهلها ليست مقصودة من هذه الجملة لفظا كما ان دلالة الاشارة ليست مقصودة لفظا من الجملة المشيرة اليها فتدبر.

(اصل) فى مفهوم الشرط

، هل القضية الشرطية الدالة على ترتب الجزاء على الشرط لها مفهوم ام لا و الترتب قد يكون من باب الاتفاق و قد يكون لزوميا كترتب المعلول على العلة او بالعكس او ترتب المتلازمين او المتضايفين و الاول من اللزومى قد يكون مع انحصار العلة و قد يكون مع تعددها و المفهوم موقوف على ترتب لزومى مع انحصار العلة و اثباته مشكل لان استفادة العلة المنحصرة اما ان تكون من ادوات الشرط او من هيئة الجملة و سلموا دلالة الجملة الشرطية على ان ما بعد أداة الشرط كلفظة ان علة علة للجزاء اما من جهة الوضع او السياق او الظهور العرفى او من الجميع و اختلفوا فى الدلالة على الانحصار فان ثبتت ثبت المفهوم و اثباته من وجوه.

1- اطلاق أداة الشرط لان مقتضاه بعد الدلالة على الترتب اللزومى العلى وجود الجزاء بعد هذا الشرط الخاص دائما و إلّا فيقيد بعدم وجود علة اخرى فاطلاقه يفيد ترتبه عليه سواء كان هناك شي‏ء آخر ام لا و هو انحصار العلة كاستفادة الوجوب النفسى من اطلاق الامر

305

لان الوجوب الغيرى مقيد بوجوب شي‏ء آخر فكما ان اطلاق الامر يثبت الوجوب النفسى كذلك اطلاق الترتب اللزومى يدل على انحصار العلة و اعترض عليه بان مفاد الاداة حرفى و غير ملحوظ مستقلا فلا يمكن اجراء مقدمات الحكمة لاثبات الاطلاق فيها و إلّا انقلب اسميا و فيه ان المعانى الحرفية كالاسمية قابلة للاطلاق و التقييد و لاجراء مقدمات الحكمة لانها لا تتوقف على اللحاظ الاستقلالى بل هذا اللحاظ التبعى للمعنى الحرفى تارة يكون مطلقا و اخرى مهملا او مقيدا بقيد و قد بنى المعترض استفادة الوجوب المطلق من هيئة الامر عند الشك فى الاشتراط او الشك فى الوجوب النفسى و غيره على اطلاقها مع ان الترتب العلى تحقق المعلول بعد علته مستندا و لا فرق بين وحدة العلة و تعددها نعم يمكن منع الاطلاق من هذه الجهة بان يقال ان الترتب امر واحد لا ربط لاطلاقه و تقييده بوحدة المترتب عليه و تعدده.

2- التمسك باطلاق الشرط فان مقتضاه ترتب الجزاء عليه سواء سبقه شى‏ء آخر او قارنه ام لا و ان كانت علة اخرى له سابقة او مقارنة لم يكن علة و شرطا بل تلك السابقة او الجامع بينهما و فيه ان القضية الشرطية لا تدل الاعلى كون الشرط علة تامة مطلقا اما عدم ترتب المعلول على علة اخرى فهو اجنبى عن هذا الاطلاق لان الشرطية لا تدل على فعلية الترتب حتى تنفى العلة الاخرى إلّا ان يستفاد نفى العلة الاخرى من قرينة اخرى.

306

3- الظاهر من الشرط كونه متعينا لا بدل له و لو لم يكن منحصرا كان له بدل و الاطلاق ينفيه كما فى ظاهر الامر النافى للبدل عن المامور به و فيه ان الوجوب العينى و التخييرى يختلفان فى الحقيقة فاطلاق الامر الدال على الوجوب ينفى التخييرى لانه وجوب مع جواز الترك الى بدل بخلاف العلية فانها حقيقة واحدة تعددت ام لا فاذا افاد الامر الوجوب لشي‏ء و لم يبين له بدل يتعين المامور به بخلاف بيان علة واحدة فانه لا ينافى وجود علة اخرى إلّا اذا احرز انه فى مقام بيان كل العلل و اقتصر على المذكور.

4- ان انحصار العلة مستفاد من مقدمة لفظية و مقدمة عقلية الاول ظهور القضية فى كون المجعول شرطا بخصوصه لا بانطباق كلى عليه الثانى ما ثبت من امتناع صدور الواحد عن الكثير و لو كان للجزاء علة اخرى لا بد من كون الجامع علة لا خصوص ما ذكروا هو خلاف الظاهر فيثبت كون المذكور علة منحصرة و فيه انه بناء على ذلك يخرج عن كونه مفهوما و مدلولا للفظ بالالتزام البين و يدخل فى الالتزامات العقلية.

5- اطلاق الهيئة بناء على ان الشرط قيد لحكمه لان مفاد اذا جاءك زيد فاكرمه تقييد وجوب اكرامه بالمجي‏ء مطلقا فاحتمال شرط آخر مقامه كان تقييدا لإطلاقه و اصالة الاطلاق يدفعه و ينحصر الشرط فيه و اعترض عليه بان اطلاق الحكم المعلق على شرط لا يشمل حال عدمه و المفروض تحققه بعد المجي‏ء سواء كان بعد علة اخرى‏

307

او مقارنا معها.

6- اطلاق القيد بان يكون محفوظا فى كل حالة فلو سبقه شرط آخر او قارنه يلزم تقييده بعدمهما و فيه بحث.

تنبيهات الاول المفهوم ليس انتفاء شخص حكم المنطوق بعد انتفاء الشرط لانه متقوم به و بارتفاع يرتفع قهرا بل المفهوم ارتفاع سنخ الحكم فاعترض عليه بان مفاد الامر معنى حرفى و هو شخصى و لازم انتفاء الشرط رفعه بخصوصه لا رفع سنخ الحكم مع ان المعلق بالشرط اما الوجوب بالاهمال او بجميع افراده او بصرف وجوده و لا يستقيم الكل لان رفع الطبيعة المهملة لا يدل على رفع جميع افرادها مع انتفاء الشرط و ليس المعلق على الشرط جميع افراد الحكم حتى ترتفع بارتفاعه و تعليق صرف الوجود بمعناه الحقيقى لا يمكن و بمعنى اول الوجودات امر معقول و مستلزم لرفع جميع المراتب المتاخرة إلّا ان انحصار علته لا يدل على رفع جميع الافراد و اجيب بان الطبيعى موجود فى ضمن الفرد فيكون معلقا على الشرط فيرتفع بارتفاع الشخص و فيه ان هذا النحو من الوجود للطبيعى يتعدد بتعدد الاشخاص و انتفاء احدها لا يدل على انتفاء الجميع و اجاب الكفاية عن اصل الاعتراض بان المعلق على الشرط هو الكلى الطبيعى و التشخيص جاء من ناحية الاستعمال و لا يسرى الى المعلق لانه من شئون الاستعمال كما فى المعانى الاسمية و اجاب شيخنا الاستاد تبعا لما فى تقريراته بان المعلق فى الجزاء و ان كان شخص الحكم إلّا انه بما هو

308

مصداق لطبيعى الحكم و متحد معه و الحكم الثابت للفرد كذلك يثبت للكلى و دليل بيان انحصارا لعلة فانه لو لم يقصد ذلك بل قصد تعليق الشخص بخصوصه كان بيان الانحصار لغوا لان انتفاء الشخص لا يحتاج الى انحصارها و اما ان كان المعلق هو طبيعة الوجوب بمعناه اللابشرط القسمى فيستلزم انتفائه انتفاء جميع الافراد اقول و يمكن القول بان المعلق صرف الوجود بمعنى اول الوجودات و انحصار علته يدل على عدم العلة للافراد التالية اما عند انتفاء علة اول الوجودات فظاهر و اما معها فلان وجود فرد ثان مستلزم لوجوب كلى شامل للفرد الاول الموجود فيستلزم اجتماع وجوبين فيه و هو باطل.

2- اذا كان الشرط متعددا مع وحدة الجزاء مثل اذا خفى الاذان فقصر و اذا خفى الجدران فقصر ففى تقييد مفهوم كل بمنطوق الآخر او الغاء المفهوم رأسا او تقييد منطوق كل بمنطوق الآخر او اخذ الجامع بين الشرطين و الغاء خصوصية كل منهما وجوه رجح فى الكفاية الثانى لان بناء العرف على الغاء خصوصية الحصر عند تعدد العلة و الاخذ باصل العلية التامة و فيه ان كل جملة تدل على العلة التامة و الحصر و اذا دار الامر بين الغاء الحصر او تقييده فالثانى اولى فالترجيح للوجه الاول و فيه انه ليس للحصر ظهور مبين غير اصل العلية حتى يحسب له تقييد خاص مع انه امر بسيط لا يقبل التقييد و الحصر الاضافى قسم مباين مع الحقيقى و ليس تقييدا له و اما فى الوجه الثالث فيسقط دلالة الشرطية على العلة المستقلة و يصير الشرط

309

جزء العلة و هل يبقى دلالتها على الحمر لنفى غيرهما ام لا قيل لا لان حصر العلة فرع تحقق اصلها و بعد صرف القضية عن الدلالة على العلة التامة لا معنى لدلالتها على الانحصار و الاطلاق الثانى مترتب على الاطلاق الاول و لذا جعل هذا الوجه أردأ الوجوه و الحق خلافه لان الاطلاق المثبت للحصر كما يكون بالنسبة الى العلة التامة يكون بالنسبة الى الناقصة و الاطلاقان فى العرض لا فى الطول و حصر العلة المستقلة فرع ثبوتها لا حصر مطلق العلة و اطلاق القضية اعم و بعد تقييد المنطوق بالمنطوق يكون المفهوم بالنسبة الى غيرهما محفوظا و ينفى قيام شي‏ء آخر مقام جزء السبب و اما الوجه الرابع و الاخذ بالجامع فبالغاء ظهور القضية فى دخل خصوص الشرط فى العلية بل هو شرط بما هو مصداق للجامع المنطبق عليه بقرينة عقلية و هو امتناع صدور الواحد عن الكثير او اجتماع علتين على معلول واحد فمع وحدة الجزاء لا بد من الغاء هذا الظهور و الحكم بان العلة هى الجامع و هو امتن الوجوه قال فى الكفاية و الالتزام بالجامع يبنى على الغاء المفهوم و اطلاق الشرط اقول اما الغاء اطلاق الشرط فظاهر و اما الغاء المفهوم فلا لان الاخذ بالجامع يرفع التعارض بين المفهومين و المنطوقين و يبقى الدلالة على المفهوم فى غير مورد الجامع و لا معنى لكون الاخذ بالجامع مبنيا على الغاء المفهوم رأسا.

3- فى تداخل الاسباب. و هو وجود جزاء واحد بعد شروط متعددة بان يكون مستندا الى اسبقها وجودا و يلغو ما تاخر و الى‏

310

الجامع عند اجتماعها او يكون المتاخر مؤكدا للسابق و اما تداخل المسببات فهو سقوط الاحكام المتعددة لموضوعات متعددة المحققة بسبب خاص لكل منها باتيان فرد واحد يصدق عليه كل العناوين بان يكون الفرد مجمعا للكل لتصادقها عليه او كان اتيان فرد واحد منها مسقطا للتكليف عن الجميع لخروجها عن قابلية الامتثال و لا اشكال فى تغاير المسألتين و تاخر الثانية عن الاولى و اختلاف مقتضى الاصل فيهما ففى الاول الاصل البراءة و فى الثانى الاصل هو الاشتغال اذا عرفت ذلك فنقول اذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء مثل اذا بلت فتوضأ و اذا نمت فتوضأ فظاهر تعدد الشرط تعدد الجزاء و ظاهر الجزاء تعلق الحكم باصل الطبيعة و ظاهره وحدة الشرط و لا يجتمع تعدد الشرط مع وحدة الجزاء و لا بد من التصرف فى ظهور الشرط او الجزاء و الاول يفيد القول بالتداخل و الثانى بعدمه اما الاول فبان يحمل الشرطية على مجرد الثبوت عند الثبوت لا الحدوث عند الحدوث فلو لم يسبق الشرط بشرط آخر فلازمه ان يحدث حكما لمتعلق الجزاء و لو سبق لا تؤثر لان الثبوت عند الثبوت صادق كما انه لو قارن الشرطان او الشروط يؤثر ان جميعا فان كانت الجملة الجزائية خبرية كان يقال اذا بلت فالوضوء واجب و اذا نمت فهو واجب ظاهر و اما اذا كانت انشائية كما مر فربما يقال بانه ممتنع لان الجزاء انشاء بعث فلا ينطبق الا على الحدوث و حمله على مجرد الثبوت لا يستقيم و يدفعه انه ينشأ حكما كليا بداع الجامع بين البعث الجدى و الارشاد الى وجود البعث‏

311

فينطبق فى غير المسبوق بشرط على الاول و فى المسبوق به على الثانى‏

2- ان يحمل الجزاء على التعدد مع ان اجتماعها فى مصداق واحد كان امتثالا لكلها مع تسليم حدوث الجزاء مع كل شرط و فيه انه يرجع الى تداخل المسببات و موجب للخلف قال فى الكفاية ان قلت كيف يمكن ذلك اى الامتثال بما تصادق عليه العنوانان مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه قلت انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين بل غايته ان انطباقهما عليه يكون منشأ لاتصافه بالوجوب و انتزاع صفة له الخ و لعل مراده ان المصداق يصير واجبا بالعرض و لا محذور فى اجتماع وجوبين بالعرض فى مورد واحد و فيه موارد للنظر منها انه مخالف لما قاله فى وجه امتناع اجتماع الامر و النهى من ان المتصف بالوجوب ذاتا هو المصداق فراجع.

3- ان يحدث الشرط الاول حكما و الشرط الثانى تاكيدا له و حاصل اجتماع الشروط حكم واحد مؤكد و فيه ان التأكيد بالنسبة الى الارادة ممكن و لكنه خلاف ظاهر الشرط فانه حدوث ارادة مستقلة لا تاكيد ارادة موجودة و اما التأكيد فى البعث فلا يصح لانه امر اعتبارى و ان كان يمكن حدوث بعث شديد ابتداء و لكن عندى فيه نظر و مع عدم التصرف فى الشرط للخدشة فى هذه الوجوه فلا بد من القول بتعدد الجزاء مع وجود كل شرط و بعدم التداخل لان الشرط ظاهر فى العلية التامة لحكم الجزاء لان القضايا الشرطية كالقضايا

312

الحقيقة الدالة على ثبوت المحمول لكل فرد من الموضوع اذا وجد لانها فى حكم شرطية يكون الشرط فيها وجود الموضوع و الجزاء تحقق المحمول لان عقد الوضع فى كل قضية ينحل الى شرط كان عقد الحمل جزائه فقولنا كل انسان حيوان بمعنى انه اذا وجد انسان فهو حيوان مع ان الجزاء طلب اصل الطبيعة باعتبار نقض عدمه المنطبق على اول الوجودات لا طلب صرف الوجود لئلا يقبل التعدد فمن جهة المادة لا ينفى وجودها بعلة اخرى و الهيئة لا تقتضى عدم تعلق طلب آخر بها و لا تعارض اقتضاء الشرط للتعدد فلا بد من تعدد الجزاء و عدم التداخل و فيه ان معنى الهيئة ايجاد تسبيبى للطبيعة فهو علة تامة لها و يمتنع اجتماع علتين مستقلتين عليها إلّا بتقييد المتعلق مع انه لو كان مفاد الهيئة طلب اول الوجودات من المادة فهو لا يقبل التكرار مثل صرف الوجود مضافا الى ان الطلب يرجع الى وجود المادة لا الى الماهية من حيث هى و لا بد من بيان هذا الوجود لانه ليس فى مقام الاهمال و القدر المتيقن منه الوحدة فعدم بيان التعدد كاف فى بيانها فظاهر الجزاء الوحدة فيتعارض مع دلالة الشرط على التعدد و قد يقال انه و ان كان تعدد الشرط ظاهرا فى تعدد الجزاء و الجزاء ظاهرا فى الوحدة من جهة عدم البيان على التعدد و لكن ظهور الشرط فى التعدد قرينة و بيان له فهو وارد على اطلاق الجزاء و يسقط ظهوره حق يعارضه و فيه انه مبنى على كون ظهور الشرط فى التعدد وضعيا لا اطلاقيا لانه على الثانى كما ان اطلاق الشرط صالح لبيان حال الجزاء

313

و مانعا عن اطلاقه يمكن العكس و لا ترجيح مع انه يتم فى الشرط الواحد بالنسبة الى افراده لا فى المتعدد فى قضايا متعددة لان البيان المنفصل لا يمنع تحقق الظهور الاطلاقى و قد قيل ان المفهوم العرفى فى الشرطيات المتعددة تعدد الجزاء و تقديم ظهور الشرط فى التعدد على ظهور الجزاء فى الوحدة و تقريره كما عن الشيخ الانصارى ان المامور به يوجد بنفس الامر الشرعى تسبيبا بمباشرة المكلف فالشرط مقتضى لوجود الجزاء و هو يتحقق بوجود فرد من الطبيعة و اطلاقه يمنع عن وجود فرد آخر منها بهذا الامر و لكن لا ينفى وجود فرد آخر منها بامر آخر و لا نظر له الى ذلك اصلا و اذا قال اذا بلت فتوضأ يقتضى وجود فرد من الوضوء لا فردين و لكن لا يمنع ان يكون هنا امر آخر يقتضى ايضا فردا من الطبيعة فالمستفاد من الجزاء فى كل قضية وجود فرد من المادة و لا تعارض بينها و عندى فيه نظر لان مقتضاه ان مادة الامر فى حكم النكرة و يكون معنى توضأ يجب عليك وضوء و هو غير صحيح بل المادة نفس الماهية باعتبار الوجود و معنى توضأ يجب عليك الوضوء و لذا لو اتى بافراد من المأمور به دفعة فيما اذا كان قابلا لذلك عد الجميع امتثالا واحدا و استشكل على القول بوحدة الجزاء بان تعلق طلبين بطبيعة واحدة يوجب اجتماع المثلين بالافراد على البدل لان مقتضى التخيير الشرعى او العقلى فى الافراد وجوب كل منها على البدل فيجتمع وجوبين فى كل فرد و يمكن الجواب عنه بانه لا يتعلق الحكم بالفرد اصلا بل متعلقه الطبيعة الفانية

314

فى وجود الفرد مع انه لا اشكال اذا قيد احد الخطابين بقيد الآخر كان يقال اذا بلت فتوضأ و اذا نمت فتوضأ وضوء آخر فانه لا يلزم اجتماع حكمين على فرد واحد لان هذا القيد لا يعين بعض الافراد و الخطابين شاملين لها على البدل كما فى صورة اطلاق الشرطيتين و اقتضائهما لوجود فرد بحكم العقل و فيه نظر لانه اذا قيد احد الخطابين بلفظ الآخر يرجع الى مقام تعلق الحكم لا مقام الامتثال و يكون المقيد به اضيق دائرة من الفاقد له و يصير انطباق المقيد فى الرتبة المتاخرة عن انطباق المطلق و فى طوله فلا يجتمع الحكمان على الفرد فى رتبة واحدة و ربما قيل ان اطلاق الشرط المفيد للتعدد مقدم على اطلاق الجزاء المفيد للوحدة لانه يستلزم سلب اطلاق الجزاء قهرا و فيه انه يصح فيما لو كان احد الشرطين مؤخرا دائما فانه لو قيد تاثيره بعدم سبق شرط آخر يصير الجزاء فيه فعليا ابدا و يبطل اطلاقه و اما اذا كان كل منهما صالحا للتقدم فحكم العقل ببطلان تاثير العلة مع سبق علة اخرى لا يستلزم ابطال اطلاق الجزاء مطلقا مع ان ابطال اطلاق الجزاء بتقييد الشرط لا يعد خلاف الظاهر بل تبع له فيدور الامر بين تقييد الشرط او الجزاء بعد اطلاق الشرط و ربما يوجه القول بالتداخل بان علل الشرع معرفات لا مؤثرات و لا محذور فى اجتماعها على معرف واحد و الشروط الشرعية المتعددة لا تقتضى الاجزاء واحدا بعلة حقيقية واحدة تكون تلك الشروط معرفات لها و فيه ان المعرف التصورى الكاشف عن حقيقة المعرف لا يمكن تعدده و اما الموجب‏

315

للعلم بالشي‏ء كما فى المقام فلا يمكن تعدده بالكشف الفعلى إلّا ان يكون المسبوق بمثله كاشفا شأنيا و هو خلاف الظاهر كما فى العلة نعم لو كان المعرف عرضا خاصا لا محذور فى تعدده لامكان وجود اللوازم المتعددة لملزوم واحد كالكاتب و الضاحك للانسان و لا يوجب خلاف الظاهر فى الشروط بهذا المعنى لان اللزوم فى كلها فعلى و فيه انه لو كانت الشروط لوازم لحقيقة واحدة و واحدها كاشف انى عنها يلزم من وجود واحدة منها وجود جميعا لانه يكشف من وجود الملزوم مع امتناع انفكاكه عن كلها و هو مخالف الوجدان فى الشروط الشرعية لان وجود النوم لا يقتضى وجود جميع نواقض الوضوء و وجود الجنابة وجود جميع اسباب الغسل و لا يلزم من سبب واحد لنزح البئر وجود سائر اسبابه و توجيه القول بان علل الشرع معرفات لا مؤثرات ان العلة باقسامها الاربعة من الفاعلية و المادية و الصورية و الغائية لا تصدق على الاسباب الشرعية لان فاعل الاحكام هو الشارع و صورتها و مادتها بجعله و العلة الغائية مؤخرة فى الوجود الخارجى عن المعلول فلا تنطبق على الشرط المقدم وجودا على الحكم فلا مجال للقول بان الشرط علة حقيقة و لا بد من كونه معرفا و فيه ان الشرط جزء العلة لانه متمم لفاعلية الفاعل او قابلية القابل و الشرط الشرعى و ان لم يكن متمما للفاعلية لانها علم اللّه و ارادته إلّا انه لا مانع من كونه متمما لقابلية القابل لان تعلق الحكم بموضوع فرع تمامية صلاحه و يمكن ان يكون الشرط كالبول و النوم متمما لصلاح الوضوء فيتعلق به الوجوب فحمل‏

316

الاسباب الشرعية على العلة بهذا المعنى لا محذور فيه و ربما يقال بان قولهم علل الشرع معرفات محمول على دواعى الجعل و المعرف بمعنى الامارة على وجود الشي‏ء او الملازم الغالبى له بدعوى ان العلة بمعنى الموضوع و منه الشرائط و دواعى التشريع ليست معرفات بمعنى اللوازم لان الحكم مؤخر عن العلة فكيف تكون معرفا له و فيه ان المعرف قد يكون مقدما على المعرف كما فى البرهان اللمى و قد يكون مؤخرا منه وجودا كما فى البرهان الإنّي و قد يكون مقارنا له كما فى كشف احد المتضايفين عن الآخر و القائلون بان علل الشرع معرفات لا يريدون انها علل بل يفرون من كونها علا حقيقية و يجعلون القول بالمعرفية لنفى المؤثرية و حاصل كلامهم انه ما جعل علة فى الشرع بحسب ظاهر القضية بمعنى المعرف للعلة فمقصودهم سلب العلية و اثبات المعرفية مقامها لا اثباتهما معا لشى‏ء واحد و كانه توهم من كلامهم المعرف المنطقى مع الغفلة عن ان المعرف فى كلامهم بمعنى الدال على شي‏ء آخر يكون علة حقيقة و قد نسب الى ابن ادريس التفصيل بين افراد الشرط الواحد فذهب فيها الى التداخل كافراد من البول و الشروط المختلفة بالنوع كالبول و النوم فذهب الى عدمه و لعل نظره الى ان قوله ان نمت فتوضأ لا يدل إلّا على سببية صرف الوجود و هو لا يتكرر بتكرر الافراد و تعددها فلا يحصل الا مسبب واحد و فيه ان صرف الوجود بمعنى ناقض مطلق العدم لا معنى له اذ كل وجود بديل عدم نفسه و بمعنى اول الوجودات قيد خلاف ظاهر الاطلاق‏

317

و بمعنى الوجود الجامع المحيط بكل الوجودات فمنحصر باللّه تعالى و اما صرف وجود ماهية مخصوصة كالنوم شامل لجميع وجوداته فلا معنى له فى المقام فلا بد ان يكون الشرط مأخوذا بوجوده اللابشرط القسمى و لازمه تحققه بوجود اى فرد منه و لازمه عدم التداخل و هذا هو الظاهر المستفاد من مقدمات الحكمة.

(اصل) المفهوم يوسع بزيادة القيود فى المنطوق‏

لانه انتفاء الحكم بانتفاء المنطوق و هو ينتفى بانتفاء كل واحد من القيود بانتفائها او بعضها و من هنا ربما يقال ان مفهوم قوله اذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شي‏ء موجبة جزئية و هو انه اذا لم يبلغ ينجسه شي‏ء لانهما مفاد النكرة فى سياق الاثبات و ذلك باعتبار ان العموم قيد فى المنطوق فيصدق المفهوم بانتفائه و هو سلب العموم لا عموم السلب و وجهه ان المفهوم فى حكم النقيض للمنطوق و نقيض الكلى ايجابا كان او سببا هو الجزئى كما حقق فى المنطق و اجيب عنه بان نظر المنطقى الى القواعد الكلية المبرهنة بالدليل العقلى و نظر الاصولى الى ما يستفاد من ظاهر اللفظ و لا تلازم بين النظرين و الالتزام بان المفهوم نقيض المنطوق بنظر المنطقى و فيه ان المفهوم انتفاء ما علق على الشرط باعتبار انه علة منحصرة و التلازم بين انتفاء العلة لشى‏ء مع انتفائه عقلى لا ظهور لفظى و التحقيق ان يقال انه ان كان‏

318

المراد منه تعليق عدم تنجيس كل منجس على الكرية بان يكون العموم مرآتا للافراد كانه قال لم ينجسه بول و لا دم و. و. فالمفهوم انه اذا لم يبلغ قدر كر ينجسه جميع هذه الامور و ان كان النظر إلى تعليق العموم كالعام المجموعى فالمفهوم نفى العموم و انه مع عدم الكرية ينجسه شي‏ء كما نسب الى المحقق صاحب الحاشية و هو موجبة جزئية و ان كان المراد من المنطوق سلب العموم كقوله لم آخذ كل الدراهم فالمفهوم ايضا يفيد العموم و انه اذا لم يكن كرا ينجسه كل شي‏ء و هو بعيد لان النكرة فى سياق الاثبات فى حكم الجزئية فيدور الامر بين المعنيين الاولين و استظهار احدهما مشكل إلّا ان يقال ان الامام فى مقام بيان الضابطة الكلية للماء الذى ينجس بملاقات النجس و جزئية المفهوم و اهماله مناف لهذا المقام مضافا الى ان اثبات منجسية واحد من النجاسات كاف لجميعها لعدم القول بالفصل ففائدة العموم اثبات منجسية المتنجس ايضا و ربما يقال بعدم شمول المفهوم له و لو كان عاما لان الشي‏ء فى المقام ليس مطلقا بل المراد منه بمناسبة الحكم و الموضوع ما يسرى منه النجاسة فيتصرف الى الاعيان النجسة و ظاهر الشي‏ء المنجس ما كان كذلك ذاتا كعين النجس فلا يشمل المتنجس و فيه تأمل.

319

(اصل) فى مفهوم الوصف‏

و موضوع البحث الوصف المعتمد على الموصوف مثل اكرم الرجل العالم و اما الغير المعتمد عليه مثل اكرم العالم فهو داخل فى مفهوم اللقب و مفهومه نفى الوجوب عن غير العالم و دليله امور.

1- ما هو المشهور من ان الاصل فى القيد ان يكون احترازيا موجبا لضيق دائرة الموصوف خلافا للاخفش فى المحكى عن التقريرات.

2- ان الوصف قيد للموضوع فهو كالشرط علة للحكم و ظاهر الدليل كونه علة بخصوصه و لازمه الانحصار لان وجود البدل له فى العلية يوجب تعدد العلة على معلول واحد لو كان كل منهما علة بخصوصه و هو خلاف البرهان و الغاء الخصوصية و الاخذ بالجامع خلاف الظاهر لان ظاهره بمعونة امتناع صدور الواحد عن الكثير يقتضى انحصار العلة.

3- الحكم المعلق على الوصف بما هو علة منحصرة سنخ الحكم لا شخصه لما مر فى مفهوم الشرط من ان انتفاء شخص الحكم بانتفاء موضوعه او قيده على لا يحتاج الى ذكر العلة فبيان انحصارها لا بد و ان يكون لسنخ الحكم و هذه الامور بدل على ان انتفاء الوصف يوجب‏

320

انتفاء الحكم و الامر الاول كاصل عقلانى لا يبعد قبوله و اما الامر الثانى فقد بينا ضعفه لان ما قام البرهان على امتناعه صدور الوجود الواحد الشخصى عن الوجود الكثير و اما استناد الواحد الماهوى الى الكثير الماهوى لا دليل على امتناعه الا عند القائل به كالمحقق الخراسانى و الاقوى تبعا للمشهور عدم حجية مفهوم الوصف و اعترض عليه الشيخ البهائى بانه ينافى حمل المطلق على المقيد كما هو المشهور و اجاب عنه فى الكفاية بان الحمل من جهة ان ضم المقيد الى المطلق يجعلهما دليلا واحدا لحكم واحد طبق المقيد و لا ربط له بالقول بالمفهوم و فيه ان التقييد فى دليل المقيد لا يدل إلّا على رفع شخص حكمه من الفرد الفاقد للقيد لا سنخه و القائل بالحمل يدعى رفع سنخه و يمكن الجواب بان منشأ حمل المطلق على المقيد ليس معارضة التقييد مع الاطلاق على القول بالمفهوم بل احراز وحدة التكليف فمعارضتها عرضية لا ذاتية و يمكن توجيه كلام الكفاية بان مناط حمل المطلق على المقيد ليس مفهوم الوصف حتى ينافى قول المشهور بل المناط تنزيل القرينة المنفصلة بمنزلة المتصلة و استفادة حكم واحد للمقيد و وجهه ما ذكره فى باب المطلق و المقيد من العلم بوحدة التكليف و كون ظهور المقيد اقوى و ذلك لا ينافى كون المرفوع شخص الحكم عن الفاقد للقيد لا سنخه لعدم ثبوت شخص آخر من الحكم له بعد حمله على المقيد و تنزيل القرينة المنفصلة منزلة المتصلة بدليل آخر.

321

[مفهوم الغاية و الحصر]

«اصل» فى مفهوم الغاية مثل قوله‏ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏، و فيه يحثان الاول دلالة الغاية على رفع الحكم عما بعدها الثانى ان الغاية داخلة فى المغيى و يشملها حكم المنطوق ام لا اما فى الاول فالاكثر قائلون بدلالتها على رفع الحكم عما بعدها و إلّا يلزم ان لا تكون غاية و الحق انها ان كانت غاية لسنخ الحكم و كانت منحصرة تدل على المفهوم فحالها حال العلة فكما ان استفادة المفهوم منها منوطة بكونها علة منحصرة لسنخ الحكم فكذلك فى المقام و احتمال ان العلة راجعة الى الحدوث و الغاية الى البقاء و الحدوث محتمل للتعدد بخلاف البقاء فانه لا تعدد فيه بالنسبة الى شي‏ء لا وجه له لان البقاء كالحدوث قابل للتعدد و الوحدة باعتبار الازمان المتعددة و بناء على القول بالمفهوم اذا قال صم الى الليل و جاء فى قول آخر بان اتم الصوم الى نصف الليل يكون معارضا لمفهوم القول الاول لدلالته على نفى الحكم فى الليل و اما اذا دل الدليل على حدوث حكم مماثل بعد الغاية كان قال صم من الليل الى كذا فلا ينافى القضية الاولى حتى على القول بالمفهوم و اما فى الثانى و هو دخول الغاية فى المغيى و عدمه فلا ضابطة له ففى مثل قوله تعالى‏ إِلَى الْمَرافِقِ‏ داخلة فى حكم المغيى و فى مثل قوله أتموا الصيام الى الليل خارجة عنه فلا بد فى كل مورد من الرجوع الى القرائن.

322

«اصل» فى مفهوم الحصر

: لا اشكال فى دلالة الحصر بإلا و انما و سائر ما يدل عليه على المفهوم و لكن اختلف فى ان خروج ما يعد الا عن حكم ما قبلها بالمنطوق او بالمفهوم وجه الاول ان مفاد الا كسائر الاداة هو الاخراج لا افادة خصوصية فى المنطوق تستلزم خروج ما بعدها و لكنه ضعيف لان مفادها ليس إلّا الاخراج و هو غير مفهوم عدم ثبوت الحكم لما بعدها بل مستلزم له و لكن وضوح الملازمة اوجب الاشتباه بالمنطوق و ذلك كما قيل فى مفهوم الشرط و الوصف انه بعد دلالة المنطوق على العلة المنحصرة فمعناها الثبوت عند الثبوت و الانتفاء عند الانتقاء فالمفهوم ايضا منطوق غفلة من ان الانتفاء عند الانتفاء لازم الانحصار لا نفس مفهومه او جزء منه: و قد نسب الى ابى حنيفة ان الاستثناء من الاثبات ليس نفيا و من النفى ليس اثباتا خلافا للمشهور و استدل بمثل لا صلاة إلّا بطهور حيث ان مجرد وجود الطهور ليس صلاة و فيه انه ان اريد بالصلاة الاجزاء فالمنفى عدم صحتها و عدم ترتب الاثر عليها بلا طهور و حينئذ اثبات الصحة مع الطهور اضافى لا حقيقى و ان اريد بها الصلاة التامة مع الاجزاء و الشرائط فالمعنى نفى وجودها بدون الطهور و المثبت امكان وجوبها معها لا وجودها الفعلى و هذا هو الوجه الصحيح فى جميع مورد النفى الحقيقى باستثناء جزء او شرط كما فى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب.

323

و قد استدل للمشهور بكلمة التوحيد لانها تدل على اثبات الإلهية للّه بعد نفيها قبل الا عن غيره و استشكل عليها بان خبر لاء المحذوف اما موجودا و ممكن و على الاول لا ينفى امكان إله غير اللّه و على الثانى لا يثبت وجود اللّه و لا يدل على التوحيد المعتبر شرعا و الحق ان الإله قبل الا اما بمعنى المعبود الحق او الخالق او واجب الوجود و على كل تقدير يثبت مرتبة من التوحيد فان له اربعة مراتب.

1- التوحيد فى الوجود الحقيقى و هو حصر الوجود الحقيقى و الموجود بالذات فى اللّه تعالى و نفى الوجود الحقيقى عما سواه فان ما سواه ليس إلّا تعلقات انواره و تشعشع جماله و هذا هو التوحيد العرفانى الكامل الذى يناله الكاملون من الحكماء الشامخين لان كل شي‏ء هالك الا وجهه.

2- حصر وجوب الوجود فيه لان كل موجود سواه ممكن لا بد و ان يفيض الوجود منه تعالى اليه و هذا هو التوحيد الاسلامى العام.

3- التوحيد فى الخلق و الرزق و نحوهما و حصرها فيه تعالى و نفى الصنع و الخلق عن غيره كما كان المشركون فى مكة يعترفون به فلا يفيد توحيدا اسلاميا.

4- حصر المعبودية بالحق عليه تعالى و نفى استحقاق المعبودية عن غيره و تفسير الكلمة الشريفة باى من المعانى الاربعة يفيد مرتبة من التوحيد فعلى الاول معناه لا موجود إلّا اللّه و على الثانى لا واجب‏

324

الوجود إلّا اللّه و على الثالث لا خالق إلّا اللّه و على الرابع لا معبود بالحق إلّا اللّه و الاشكال السابق لا يرد على الوجه الاول اذ بعد حصر الوجود فيه تعالى و نفيه عن غيره بالذات لا مجال لتوهم الشرك اصلا اذ المراد امتناع تحقق الوجود لغيره و حصر الوجود الحقيقى به و على الثانى فيدل على التوحيد الحقيقى سواء قدر الخبر ممكن او موجود لان المراد الامكان العام القابل للحمل على واجب الوجود لان امكانه ملازم لفعلية وجوده لان معنى وجوب الوجود كون حقيقة الشي‏ء علة تامة لانتزاع مفهوم الوجود و ترتب الآثار عليه بلا دخل شي‏ء آخر فيه تقييدا او تعليلا و امكانه عين تحققه فبعد نفى هذا الامكان مما سواء و حصره به يدل على فعلية وجوده ايضا كما ان نفى الوجود الفعلى عن غيره بهذا المعنى يدل على نفى امكانه عنه ايضا فما فى الكفاية من اختيار هذا المسلك و حصر دفع الاشكال بكون الخبر موجود ليس على ما ينبغى و اما على الثالث فلانه يعد حصر الخالق فيه تعالى يدل على ان ما سواء مخلوق و المخلوق ممكن فينحصر وجوب الوجود فعلا و امكانا به تعالى و قيل صحة ذلك على تسليم ان ما فى العالم منحصر فى اللّه و مخلوقه و إلّا فيمكن وجود شي‏ء مخلوق لغيره اولا خالق و لا مخلوق فلا يدل على التوحيد و هذه المقدمة و ان يمكن اثباتها بالبرهان لكن لا يستفاد من هذه الكلمة و الحق ان الخالقية و المعبودية بما هما وصفان لفعل اللّه كسائر صفات الفعل يكون اتصافه بهما بعد تحقق الخلق و لا يدلان على الحصر و اما باعتبار منشئهما

325

فتكونان من الصفات الذاتية و مستلزم للتوحيد لان نفى منشإ الخالقية و المعبودية ذاتا عن غيره ملازم لحصرهما فيه تعالى و الاولى ان يكون المراد من الإله المعبود بالحق كما هو المتبادر عنه و المأمور به مشركو جزيرة العرب فى بدو نشر الاسلام لانهم يعتقدون بتوحيد الخلق و وجوب الوجود انما كانوا مشركين فى العبادة كما قال تعالى- 9- الزخرف‏ وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ‏ و فى معناها آيات اخرى.

[العام و الخاص‏]

«اصل» فى العام و الخاص: العموم شمول المفهوم لجميع ما يصدق عليه و له الفاظ و قرائن و قسموه الى اقسام ثلاثة: العموم الافرادى و المجموعى و البدلى قال فى الكفاية و انقسامه الى هذه الاقسام انما هو باعتبار تعلق الحكم به و إلّا فالعموم فى الجميع بمعنى واحد و هو شمول المفهوم لجميع ما يصلح ان ينطبق عليه و ظاهره ان الافرادية و المجموعية ناشئة من قبل تعلق الحكم و هو مشكل لانهما من خصوصيات الموضوع و نشؤهما من قبل الحكم دور و توجيهه ان للمفهوم العام جهة كثرة باعتبار وجوده الخارجى فى الافراد و جهة وحدة باعتباره فى نفسه فاخذه موضوعا للحكم يتصور على وجهين.

الاول لحاظ جهة كثرته بان يكون مرآتا لافراده فانيا فيها

326

فيكون افراديا و يسرى حكمه الى الافراد و لازمه تعلق حكم مستقل بكل فرد فالانشاء واحد و المنشأ متعدد.

الثانى ان يلاحظ جهة وحدته فيجعل موضوعا للحكم بالوجود المجموعى و لازمه تعلق حكم واحد بمجموع الافراد فيكون كل فرد جزء للموضوع و هو العام المجموعى و الحق ان كل من هذه الثلاثة خصوصيات فى نفس المفهوم ناشئة من نحو تصوره و لو لم يكن له حكم اصلا فلحاظ المفهوم فانيا فى كل فرد افرادى و فانيا فى الكل جمعا مجموعى و فانيا فى واحد مما يصدق عليه بدلى و لذا لا يصدق مفهوم مجموع العلماء على قسيميه كما لا يصدق مفهوم كل واحد و مفهوم رجل منكرا على قسيميه نعم يصلح بعض المفاهيم للعموم المجموعى و الافرادى مثل العلماء و كل رجل و العموم الافرادى و المجموعى قائم على لحاظ الكثرة فالاول مع استقلال الافراد و الثانى من الكثرة المنضمة و الوحدة فى العموم المجموعى اعتبارية لا مفهومية لانه فى الذهن و فى العنوان المرآتى لا فى المعنون الخارجى و اعلم ان الاستغراق و الشمول محفوظ فى جميع اقسام العموم لانه بمعنى الاحاطة سواء كان كل فرد ملحوظا مستقلا او على البدل او مجموعا و لذا قال بعضهم فى تعريف العام انه هو المستغرق لجميع جزئياته و البدلية و الاستيعاب متقابلان لان الثانى ثبوت الحكم لجميع الافراد معا سواء كان بعنوان المجموع او كل فرد بخلاف الاول فانه يقتضى ثبوت الحكم لواحد من الافراد على البدل و لا يشمل فرد ان معا فيحتمل‏

327

ان يكون متعلقا بالمبهم المردد الصادق على كل فرد على البدل و لا يكون تعين لموضوع الحكم و ربما يمنع عنه و لكن لا يبعد جوازه باعتبار ان الحكم كالارادة صفة نفسانية يصح تعلقها بالمردد و المبهم كما فى العلم الاجمالى و قيل يتعلق بكل من الافراد حكم من سنخ الوجوب التخييرى و هو وجوب مشوب بجواز الترك و قد بينا الوجهين فى تلك المسألة و المحقق الخراسانى رجح هناك الوجه الثانى و لا يخلو من قوة.

«اصل» فى شرح الفاظ العموم‏

منها لفظة كل و هى تفيد العموم الافرادى و المجموعى بالاشتراك اللفظى او المعنوى و هل تحتاج الى اجراء مقدمات الحكمة فى مدخولها؟ وجهان مال فى الكفاية الى الاول حيث قال انها تدل على سعة ما يراد من مدخولها مطلقا بدليل جواز تقييد مدخولها من دون لزوم مجاز او لحاظ عناية فمع الشك فى كون المدخول مطلق او مهمل لا يستفاد منها العموم و فيه انها موضوعة لافادة عموم مدخولها و تعينه بجميع التعينات الفردية فلا بد و ان يلاحظ المدخول مهملا و بلا تعين حتى يصح دخولها عليه و لو لوحظ متعينا بتعينات الافراد فلا موقعية لها اصلا نعم التعينات الاحوالية خارجة عن مدلول لفظة كل فلا بد من احرازها من التمسك بمقدمات الحكمة فلو قال اكرم كل عالم لو شك فى شموله لزيد العالم‏

328

تحت الحكم ذاتا يرفع الشك ببركة لفظة كل من دون حاجة الى مقدمات الحكمة و لو شك فى شمول الحكم له حال فسقه فلا تعرض لها من هذه الجهة فلا بد من رفع الشك من اجراء مقدمات الحكمة.

و منها النكرة فى سياق النفى او النهى بدعوى ان العدم اذا نسب الى طبيعة يستلزمه عقلا نفى جميع الافراد بخلاف الوجود فانه يكفى فى وجودها وجود فرد واحد لما اشتهر بينهم من ان عدم الطبيعة بعدم جميع الافراد و وجودها بوجود فرد واحد ففيه ان كل عدم بديل وجود نفسه فلو لوحظ الطبيعة المدخولة للنفى مهملة يتحقق عدمها بعدم فرد واحد ايضا كما فى وجودها و ان لوحظت مطلقة بمعنى اللابشرط القسمى فكما ان عدمها بعدم جميع الافراد وجودها ايضا بوجود جميعها فشمول عدم الطبيعة بمقدار ما اعتبر لها من الوجود و لا يعقل ان يكون وجود واحد مقابل لجميع اعدام الطبيعة و اما لحاظ صرف الوجود لها فقد عرفت سابقا انه يتصور على وجوه لا تنفع فى المقام قال فى الكفاية لكن لا يخفى انها تفيده اذا اخذت مرسلة لا مبهمة قابلة للتقييد انتهى و هو يوافق ما ذكرنا من ان نفس اسناد النفى الى الطبيعة لا يقتضى العموم عقلا ما دام لم يحرز انها ملحوظة بنحو الاطلاق و الارسال و معه لا فرق بين النفى و الاثبات و لكن لا اشكال فى دلالة لا رجل فى الدار على العموم عرفا بخلاف فى الدار رجل فتدبر.

و منها الجمع المحلى باللام كالمؤمنون بل المفرد المحلى بها و هل الدلالة على العموم بالوضع او بمقدمات الحكمة وجوه‏

329

اقواها التفصيل فالجمع بالوضع و المفرد بمقدمات الحكمة و هل العموم فى الجمع فى مراتبه فيكون مفاد العلماء كل جماعة منهم او فى آحاده بمعنى كل فرد منهم وجهان اشهرهما الثانى و قيل فى وجهه ان الجمعية تلغى بدخول أداة العموم و قيل لان الاداة المفيدة للجمع الاستغراقى و الهيئة المقيدة لاصل الجمع تردان على المادة فى عرض واحد فالاستغراق الوارد على المادة كالوارد على المفرد لا يفيد إلّا الشمول فى الآحاد و فيه ان الاعتبارات الواردة على المعنى كالواردة على اللفظ لانه مرحلة الاثبات للمعنى و التطابق بين مرحلة الاثبات و الثبوت لازم و اللام تدخل على لفظة العلماء لا على مادتها فلا بد ان يكون مفاد اللام واردا على مفاد علماء لا على مادته و الحق ان الاستغراق يرد على مفاد الجمع و لكن يفيد الشمول للآحاد كالفرد لان مفاد الجمع ما فوق الاثنين فيكون من طرف الاقل متعينا و من طرف الاكثر مبهما مرددا بين جميع المراتب كالنكرة و الاستغراق الوارد عليه يفيد الشمول من الجهة المبهمة و ان ما فوق الاثنين يسرى الى جميع المراتب و آخرها و لازمه الشمول فى الآحاد لانه بزيادة كل فرد يحصل جمع مضافا الى ان استغراق مراتب الجمع ان يشمل اللفظ المحلى جميع المراتب بالمفهوم العددى فدل على ثلاثة و اربعة و خمسة و غيرها و هذه المفاهيم لا جامع لها فلا بد و ان يكون بالاشتراك اللفظى فيستلزم استعمال اللفظ فى اكثر من معنى و هما الجمع و مراتب الجمع و هو غير جائز و اما الشمول لمصاديق مراتب الجمع فهو

330

حاصل حتى فى استغراق المفرد ايضا.

«اصل» تخصيص العام يوجب كونه مجازا فى الباقى ام لا؟

تحقيق البحث يتوقف على مقدمة و هى ان من يلفظ بلفظ تارة يريد ايجاده مستقلا من دون نظر الى شي‏ء ورائه و لا ينظر الى كونه موضوعا لمعنى ام لا و يقول زيدا و دين و يريد ايجاد نفس اللفظ و تحقيق ما هو وجود له بالذات من دون قصد الى ايجاد شى‏ء آخر بالعرض و اخرى يريد ان يوجد باللفظ امرا آخر و يريد ان يجعل اللفظ وجودا له فينظر استقلالا الى ذلك الامر و يجعل اللفظ وجودا له فيكون بازاء اللفظ وجود آخر يسمى بالمستعمل فيه اعم من ان يكون حقيقيا او مجازيا و من هنا يفرق بين المهمل و المستعمل فاللافظ بلفظة زيد يريد ايجاد معناه به بجعل اللفظ وجودا له بالعرض فيوجد امرين اللفظ بالوجود الذاتى و المعنى بالوجود العرضى ثم قد يكون المعنى الذى يوجده بالعرض مقصودا اصليا جديا له و قد لا يكون كما فى الهزل و الكناية فالهازل كالمكني يستعمل اللفظ فى المعنى و لا يكون المعنى مقصودا جديا له بل المقصود الجدى الهزل و هذا هو الفرق بين الارادة الاستعمالية و الارادة الجدية للمعنى و حاصله ان الاستعمال و هو ايجاد المعنى باللفظ عرضا فعل اختيارى للافظ و لا بد له من داع فان طابق مفاد اللفظ يكون جديا و إلّا فلا ثم ان اوجد باللفظ ما

331

وضع له يكون حقيقة و إلّا فمجازا فالحقيقة و المجاز فى ناحية الاستعمال لا فى مرحلة الداعى اذا عرفت ذلك فنقول من قال ان التخصيص لا يوجب المجازية يقول العام استعمل فى الموضوع له العام و لا يكون العموم مقصودا جديا بل مقصودا بداعى جعل القانون او ضرب القاعدة او جعل الحجة فهذه تعبيرات ثلاثة تظهر من كلام الكفاية فلا بد من بيان ان المقصود منها امر واحد او امور فنقول تارة المقصود من الانشاء بداعى جعل القانون انشاء حكم لا بعث معه و لا زجر كما جعله صاحب الكفاية احد مراتب الحكم و الانشاء بهذا الداعى لا يمكن ان يصير فعليا مطلقا لاستحالة الانقلاب فيه نعم يمكن تعليق الانشاء على امر غير موجود فيصير بعثا فعليا بعد وجوده و يحتمل ان يكون بعض الاحكام فى صدر الاسلام من هذا القبيل فلا يصح حمل العمومات المخصصة على هذا المعنى و اخرى يكون الانشاء بداعى جعل الحجة و هى عبارة عن جعل الطريق الكاشف عن المراد الجدى بحيث يصح عقاب المخالف و الحجية ليست صفة للبعث و لا للارادة لئلا تجتمع مع تخصيص بعض الافراد بل صفة للكاشف النوعى و هو اللفظ الدال على العموم فيمكن ان يكون انشاء الحكم للعموم بهذا الداعى فينتج البعث الفعلى فى كل فرد ما لم يقم فيه حجية اقوى على خلافه و مع الحجة الاقوى كالخاص و المقيد يرفع اليد عنها و لا يلزم المجاز فى استعمال العام إلّا انه يعترض عليه بان هذا الكاشف النوعى يرفع الشك ما لم يعلم بورود المخصص و بعده‏

332

نعلم بان هذا الكاشف النوعى لم يكن مرادا جديا و لا تعلق به ارادة الحجية فاما ان يكون المراد منه غير الخاص او كان ارادة العموم غير داعى جعل الحجية او يكون بداعيين داع جدى فى غير مورد الخاص و داعى جعل الحجية فى مورده فيلزم صدور انشاء الحكم العام عن داعيين مستقلين و يمكن دفعه بان الانشاء و ان كان واحدا إلّا ان المنشأ متعدد بتعدد الافراد فيمكن ان يكون الحكم المتعلق بكل فرد ناشيا عن داع مستقل فالحق ان يقال ان المخصص اما ان يكون متصلا او منفصلا و على الثانى اما ان يكون قبل وقت الحاجة او بعده اما فى المتصل فلا يوجب المجاز فى العام لانه قد استعمل فيما وضع له فالقيد دال آخر فيكون من باب تعدد الدال و المدلول و اما فى المنفصل قبل وقت الحاجة فلانه بعد العلم بان بناء المتكلم على بيان مراده بجملتين منفصلتين فلا يتحقق ظهور ما لم يجئ وقت الحاجة فيقصد من العام معناه الحقيقى لكن لا بما هو تمام مراده الجدى بل بما هو بعض مراده ثم يبين قيده بدال آخر فالكاشف عن الحجة انما يتحقق بمجى‏ء وقت الحاجة مع عدم بيان المخصص قبله و اما فى التخصيص بعد زمان الحاجة فيمكن ان يقال بان العموم باق على كشفه النوعى فى تمام الافراد و لكنها متعلقة للارادة الجدية و لكن يكون المصلحة للحكم فى افراد المخصص بعد بيانه غير المصلحة فى سائر الافراد و يكون حكمها من سنخ الحكم الظاهرى و سيجى‏ء تحقيقها و تحقيق الفرق بين و بين النسخ هذا كله بناء على عدم استلزام المخصص لمجازية العام‏

333

فى الباقى فحجية العام فيه ظاهرة و اما بناء على القول بانه مجاز فربما يشكل حجية العام فيه لانه بعد قيام القرينة على صرف العام عن معناه الحقيقى فمراتب الباقى كلها مجازات و تعين احدها و هو كل الباقى بلا معين فيصير مجملا و قد اجيب عنه بوجوه منها ما فى تقريرات الشيخ الانصارى من ان دلالة العام على كل فرد ليست مربوطة بدلالته على الفرد الآخر فالمقتضى بالنسبة الى جميع الباقى موجود و المانع مفقود لان المخصص مانع عن الدلالة فى خصوص مورده لا غيره و- اعترض عليه فى الكفاية بان دلالة اللفظ على المعنى اما ان يكون بالوضع او بالقرينة و الباقى ليس معنا موضوعا له للعام و لا قرينة تدل على تعينه فلا وجه للقول باستقلال دلالة العام على كل فرد و اجيب بان الكلام فى العموم الاستغراقى و هو دال على ثبوت الحكم لكل فرد مستقلا و ثبوت الحكم لفرد غير مرتبط بثبوته للفرد الآخر فاذا رفع حكم بعض الافراد بالتخصيص يثبت الحكم لسائر الافراد لوجود المقتضى و عدم المانع فيها و فيه ان ثبوت الحكم لكل فرد مستقلا لا يلازم كون الدلالة كذلك و الكلام انما هو فى الدلالة فلو ثبت الدلالة على الباقى ثبت الحكم له سواء كان ارتباطيا او استقلاليا و لو لم يثبت لكونها ارتباطية لم يكن دليل على ثبوت الحكم فى الباقى و كون العموم استغراقيا و حكم كل فرد مستقلا لا ينفع لاثبات الدلالة على الباقى و يمكن ان يوجه كلام الشيخ بان للعموم دلالة بالمطابقة على ثبوت الحكم لجميع الافراد و دلالة بالالتزام على ثبوت الحكم لخصوص‏

334

كل فرد و الدلالة الثانية تابعة للاولى كما ان المخصص يدل بالمطابقة على رفع الحكم العام عن مورده و بالالتزام على رفع الحكم عن الجميع فمزاحمة الخاص ابتداء للدلالة الالتزامية الثانية للعام باعتبار خصوص كل فرد و هو منحصر بمورده و اما فى الباقى فدلالة العام عليها بلا مانع و لكن الحق ان التخصيص لا يوجب كون العام مجازا و انما يقدم عليه الخاص لكون الخاص حجة اقوى فى مورده عن العام فلا اشكال فى المقام‏

(اصل) هل يجوز تخصيص العموم بالمفهوم ام لا؟

لا بد من الكلام فى مقامين.

الاول فى تعارض المفهوم الموافق مع العموم الثانى فى تعارض المفهوم المخالف معه اما الاول فنقول المفهوم الموافق ما بدل عليه القضية لا فى محل النطق مع تطابقه لحكم المنطوق اثباتا و نفيا و له قسمان المساوات و مفهوم الاولوية فالاول ما يستفاد من المنطوق لوجود ملاك الحكم و علته فى مورد آخر مع النص على العلة فيقال منصوص العلة كما اذا قال لا تشرب الخمر لانه مسكر فانه يدل على حرمة النبيذ المسكر فيكون العلة المنصوصة واسطة فى عروض الحكم للموضوع المذكور فى القضية فيكون الموضوع حقيقة هو العنوان المذكور علة له و يكون ثبوته للموضوع المذكور

335

من جهة الانطباق عليه كما فى قضية لا تشرب الخمر فانه مسكر فانه ظاهر فى ان موضوع الحرمة هو المسكر و حرمة الخمر من جهة انطباقه عليها فيسرى الحكم الى كل مسكر و اما اذا كانت العلة المذكورة واسطة فى الثبوت و داعية لجعل الحكم على موضوعه كما اذا قال لا تشرب الخمرة لاسكارها فلا يسرى الحكم لغير موردها و فى ذلك الكلام موارد للنظر يتوقف بيانها على تمهيد مقدمة و هى ان ما له دخل فى الحكم اما ان يكون علة او شرطا او غاية اما العلة الحقيقية للحكم فهو الشارع المقنن للاحكام المنشى، لها بارادته و لا كلام لنا فيه و اما الشرط فهو على قسمين.

الاول ان يكون متمما لفاعلية الفاعل و مكملا له فى التاثير الثانى ان يكون متمما لقابلية القابل و موجبا لتمامية استعداد المحل للتأثر و الشرط بالمعنى الاول يرجع الى العلة الموجدة و لا نبحث عنه امكانا و وجودا و اما الغاية فهى ما يدعو الى انشاء الاحكام من المصالح و المفاسد الكامنة فى متعلقاتها باللزوم كما فى قوله تعالى (الآية 45- العنكبوت) إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ، حيث ان النهى عنها لازم للصلاة و اما بملازمتها كالاسكار فى حرمة شرب الخمر ثم ان احد القسمين الاخيرين اذا ذكر فى مقام بيان الحكم فان كان شرطا فلا يسرى الحكم بسرايته لان مجرد وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط متى لم ينضم اليه المقتضى و عدم المانع و اما ان كان هو الغاية التامة

336

فلا بد من سريان الحكم بسرايته لامتناع انفكاك الغاية التامة عن ذيها و لسان بيان الشرط اما باداته الموضوعة له كان يقول ان اسكر الخمر او اذا اسكر فهو حرام او بالتوصيف كان يقول الخمر المسكر حرام و بيان الغاية بالتعليل كان يقول الخمر حرام لاسكاره و من هنا ظهر اولا ان قوله الخمر حرام لاسكاره من قبيل داع الجعل و بيان الحكمة و لا يوجب سراية الحكم الى غير المورد المنصوص ضعيف لانه بعد كون الاسكار غاية تامة للحكم او ملازما لها لا محيص عن القول بالسراية و إلّا لزم انفكاك العلة عن المعلول مع انه لا وجه للتفريق بين داعى الجعل و علة المجعول لان الفرق اعتبارى فان الحكم المنشأ من حيث نسبتها الى الحاكم باعتبار الصدور جعل و من حيث نسبته الى المحل مجعول و وقوعه على موضوعه و ثبوته له مجعول و لا اختلاف فى العلة الغائية حتى يفصل بين ما كان علة لذاك او لذا مضافا الى ان مثل قولنا الخمر حرام لانه مسكر اذا كان ثبوت الحكم لكل مسكر بالمفهوم لملازمة ثبوت الحكم للخمر بعنوان ثبوت الحكم لكل مسكر فليكن فى قوله لا تشرب المسكر ثبوت الحكم لخصوص الخمر بالمفهوم لان ثبوته لها بسبب اندراجها تحت عنوان المسكر ثبوت الحكم لخصوص الخمر بالمفهوم لان ثبوته لها بسبب اندراجها تحت عنوان المسكر الكلى و فيه نظر لان ثبوت حكم الكلى لافراده بالمنطوق و لا يكون بالمفهوم و اما منطوق القضية فى قوله لا تشرب الخمر لانه مسكر ليس إلّا حرمة شرب الخمر بالخصوص و اندراجه تحت عنوان المسكر اما حكم كلى المسكر ليس فى منطوق القضية بل لازم بيان الاندراج فهو مفهوم‏

337

و يمكن ان يقال انه اذا دل الخمر حرام لانه مسكر على حرمة كل مسكر من جهة ملازمة ثبوت الحكم الاندراجى له فثبوت الحكم لمثل الفقاع و النبيذ ليس بمفهوم المساوات لانه فيما اذا كان واسطة اثبات الحكم المشاركة مع العلة المنصوصة و الواسطة فى المقام اثبات الحكم الكلى المستنبط بالملازمة و مفهوم المساوات صادق فى مثل الخمر حرام لاسكاره فتدبر.

و اما المقام الثانى و هو مفهوم الاولوية فهو عبارة عن ثبوت الحكم لموضوع غير مذكور لاقوائية ملاك الحكم فيه عن الموضوع المذكور كما فى قوله تعالى (23 سورة الاسراء) فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، حيث يدل على حرمة الضرب و الشتم بالاولوية و المشهور ان العموم المعارض لمفهوم الموافقة لا يعارض المنطوق رأسا بخلاف المعارض لمفهوم المخالفة فانه يعارض المنطوق ايضا و لا بد من تحقيق الفرق بينهما فنقول فرق بين مفهوم المخالفة و مفهوم الموافقة بالمساواة مع مفهوم الموافقة بالاولوية من جهة ان الاولين مدلولان للفظ بالالتزام بمعنى وجود خصوصية فى المنطوق تستلزم ذلك المفهوم بنحو من اللزوم مثلا اذا قال ان جاءك زيد فاكرمه يدل المنطوق على العلة المنحصرة المستلزمة لانتفاء الحكم عند انتفاء المجى‏ء و- وجوب الاكرام مع عدم المجى‏ء لو دل عليه دليل يرجع الى الخلف او اجتماع المتنافيين لانه بعد كون المجى‏ء علة منحصرة فوجوب الاكرام بدونه اما برفع اليد عن كونه علة منحصرة فهو خلف او

338

مع وجوده بعلة اخرى فهو موجب لانحصار العلة و عدمه فيكون تناقضا و كذلك فى مفهوم المساوات مثل لا تشرب الخمر لاسكاره اذا دل دليل على جواز شرب النبيذ فانه يستفاد منه ان حرمة شرب الخمر لكونه مسكرا و هو ملازم لحرمة النبيذ مثلا ففى كلا المقامين يثبت المفهوم بخصوصية يدل عليها المنطوق فاذا كان عموم معارض للمفهوم اللازم لهذه الخصوصية فكان معارضا للمفهوم بالذات و للمنطوق بالعرض و اما مفهوم الموافقة بالاولوية كما اذا قال اكرم طالب العلم الدال على حسن اكرام العالم بالاولوية فقد دل المنطوق على ان ملاك حسن الاكرام الانتساب الى العلم و نعلم انه موجود فى العالم بنحو اقوى و ثبت الحكم له بالاولوية و هو لازم لاقوائية المناط فيه و لا يرتبط بخصوصية مستفادة من المنطوق اثباتا او ثبوتا فلا يعارضه ما دل على عدم وجوب اكرام العالم الفاسق و بهذا ظهر فساد ما قيل من ان المفهوم بالاولوية تارة يكون من اللوازم العرفية المفهومة من نفس الخطاب فيكون مدلولا لفظيا لان مفهوم الاولوية لا يكون مفهوما لفظيا و ظهر ان المعارض للمفهوم لا يكون معارضا لمنطوقه كما اذا قال لا تكرم الفساق و اكرم خادم العالم الفاسق حيث انه يدل على وجوب اكرام المخدوم بالاولوية اذ المناط الانتساب الى العلم و مفهوم القضية وجوب اكرام العالم الفاسق فيخصص به عموم لا تكرم الفساق.

و اما المقام الثانى و هو ان يكون المعارض للعموم مفهوم‏

339

المخالفة فيرجع الى المعارضة بين العموم و دلالة المنطوق على الخصوصية المفيدة للمفهوم اى المستلزمة له كالعلية المنحصرة مثلا اذا قال الماء كله طاهر لا ينجسه شى‏ء ثم قال اذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‏ء فالقضية الثانية باعتبار دلالتها على انحصار علة عدم التنجس بالكرية المستلزمة لتنجس كل ما لم يكن هذه العلة موجودة فيه تكون معارضة مع القضية الاولى و قد قيل بتقديم ظهور المنطوق فى المفهوم على ظهور العام فى العموم بوجهين.

الاول حكومة ما فى طرف المفهوم على عموم العام المخالف له بيان ذلك ان تحقق المفهوم يتوقف على امرين.

1- دلالة القضية على اصل العلية.

2- دلالتها على الانحصار و انها لا بدل لها و لا ضميمة معها فى ترتب الحكم عليها و دلالة القضية على العلية لا بد و ان يكون بالوضع فلا يحتاج الى مقدمات الحكمة حتى يكون العموم المعارض بيانا على خلافها و مخلا بها و هى التى يعارض عموم العام و اما الدلالة على انحصار العلة و انه لا ضميمة و لا عدل لها و ان كانت ثابتة بالاطلاق و بمعونة مقدمات الحكمة إلّا ان العموم لا يعارض هذه الجهة فان مفاد العموم ليس إلّا اثبات الحكم لجميع الافراد و لا نظر له الى اثبات الضميمة او العدل للعلة و عدمه فمفاد العموم فى قوله الماء كله طاهر لا ينجسه شي‏ء اثبات عدم التنجيس لكل ماء سواء كان كرا ام لا فظهور اذا بلغ الماء قدر كر فى احتياج عدم التنجيس الى علة

340

الكرية معارض له و لكن هذا الظهور فيما له المفهوم بالوضع و بعد تقييد حكم التنجيس بالعلة يكون ظهور القضية فى الانحصار من جهة اطلاقه الدال على نفى العدل و الضميمة و هو لا يعارض العام لعدم نظر العام الى هذه الجهة اصلا فيكون ظهور القضية فى المفهوم حاكما على اصالة العموم و فيه ان نفى العدل للعلة بالاطلاق غير صحيح و ان كان نفى الضميمة صحيحا و ذلك لما حققنا سابقا فى باب المفهوم ان مقتضى الاطلاق حفظ وجود ما تعلق به الحكم و نفى دخل جميع مقارناته فى الحكم وجودا و عدما المستلزم لثبوت الحكم بعد ثبوت الموضوع سواء كان شي‏ء من المقارنات او لم يكن و العدل للشى‏ء ما يقوم مقامه فى ظرف عدمه و لا نظر للدليل الى حال عدم موضوعه حتى ينفى عدله بمعونة الاطلاق و هذا الاعتراض ضعيف لان المقصود من العدل علة اخرى لا عنوان العدلية فتدبر.

[اذا ورد عام و خاص و حكم النسخ و ابداء]

«اصل» فيما اذا ورد عام و خاص بازائه فاما ان يكونا معلومى التاريخ مع تقارنهما او تقدم الخاص او العام و اما ان يكونا تاريخ احدهما معلوما دون الآخر و مع تقدم الخاص اما ان يرد العام قبل حضور وقت العمل بالخاص او بعده و مع تقدم العام اما ان يرد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام او قبله فصور معلومى التاريخ خمس.

341

1- مقارنتهما ورودا فيتعين التخصيص و لا يحتمل النسخ اجماعا.

2- ورود الخاص بعد العام قبل وقت الحاجة به فيكون مخصصا ايضا.

3- ان يرد العام بعد الخاص و قبل وقت العمل به فيتعين التخصيص ايضا لعدم امكان النسخ قبل وقت العمل.

4- ان يرد الخاص بعد العام و بعد وقت الحاجة فقيل يتعين النسخ لقبح تاخير البيان عن وقت الحاجة.

5- ان يرد العام بعد الخاص و بعد وقت العمل به فهل العام ناسخ للخاص المتقدم او الخاص مخصص له؟ و لا بد من بيان معنى النسخ و التخصيص و تحقيق عدم جواز النسخ قبل وقت العمل و عدم جواز تاخير البيان عن وقت الحاجة فيقع الكلام فى مقامات.

الاول التخصيص قصر حكم العام على بعض الافراد الواجدة للمصلحة الاولية التى انبعث عنها حكم العام و ذلك لا ينافى ثبوت حكم آخر للخاص لمصلحة اخرى و النسخ انتهاء الحكم الظاهر الاستمرار بانتهاء امد مصلحته فهو فى الظاهر رفع و فى الواقع دفع.

الثانى المشهور عدم جواز نسخ الحكم قبل وقت العمل مطلقا و ربما فصل بين القضايا الخارجية و الحقيقية الموقتة مع القضايا الحقيقية الغير الموقتة فقيل بعدم الجواز فى الاولين دون الثالث و لا بد من بيان معنى النسخ قبل وقت العمل فى هذه الاقسام‏

342

و صحة التفصيل و عدمها فنقول اذا قال يجيب على زيد اكرام العالم فى يوم الجمعة و هى قضية خارجية فنسخه قبل وقت العمل بان يقول فى يوم الخميس لا يجب اكرامه يوم الجمعة و بعد وقت العمل بان يقول ذلك يوم الجمعة و فى القضية الحقيقية الموقتة كان يقول يجب صيام شهر رمضان على المكلفين و ينسخه قبل وقت العمل بان يقول فى شهر شعبان لا يجب صيام شهر رمضان على المكلفين و بعد وقت العمل ان يقول ذلك فى شهر رمضان و اما فى القضية الحقيقية الغير الموقتة فهو ان يحكم على جميع الافراد المقدرة الوجود بحكم ثم يرفعها و قبل تحقيق ما هو الصحيح من هذه الاقوال لا بد من تقديم امرين.

1- ان النسخ كما اشرنا اليه هو انتهاء امد الحكم الحقيقى بانتهاء امد مصلحته و اما رفع الحكم الانشائى و الامتحانى و الابتلائى اى رفع الانشاء بهذه الدواعى فليس نسخا و ان كان ربما توهم و الحكم الحقيقى هو الانشاء بداعى جعل الداعى و هو الذى يصير بعثا فعليا بعد تحقق موضوعه و شرائطه و الغرض من انشاء هذا الحكم ان يصير داعيا و باعثا للمكلف بعد تحقق ما يلزمه من وجود الموضوع و غيره‏

2- ان الحكم بهذا المعنى و هو الانشاء بداعى جعل الداعى لا وجود له فى الشريعة الا بعد بعث الرسول و الوحى الى نبى تلك الشرائع بالاحكام و اما قبله فى سائر نشأت الوجود من مرتبة العقول و سائر العوالم الربوبية فلا وجود للحكم بهذا المعنى و ان كان له وجودا علميا

343

ظليا فى كل من هذه العوالم بنحو اعلى و ابسط و ذلك لان حقيقة هذا المعنى من الحكم يرجع الى امر زمانى حادث لا يمكن تحققه فى العوالم المجردة كعالم العقل الكلى و عالم النفس و العلم الربوبى اذا عرفت ذلك فنقول ان النسخ مبنى على قيام الدليل باستمرار الحكم ظاهرا و هو احد امور.

الاول الاستصحاب للحكم الثابت و حمل اصالة عدم النسخ عليه و اعترض عليه بعدم امكان كونها اصلا عمليا لان الشك فى استمرار الحكم فى الرتبة المتاخرة عنه فلا يمكن اثبات الاستمرار بهذا الاصل.

الثانى انه مقتضى كون القضية حقيقية فان مفادها ثبوت الحكم لجميع الافراد المقدور وجودها فلا بد من استمرار الحكم متى فرض استمرار الموضوع بدوام افراده فرفعه فى زمان يمكن تحقق وجود فرد الطبيعة بعده مخالف لذلك و هذا ينفع فى الافراد المقدرة الوجود فقط و اما الافراد المحققة الوجود التى مر عليها زمان فلا ينفع كون القضية حقيقية لاثبات استمرار حكمها الثابت لها لان ذلك لا يقتضى إلّا دخول الفرد تحت الحكم فى زمان ما و اما استمراره له ما دام موجودا فلا تدل القضية عليه.

الثالث اصالة الاطلاق فى احوال الفرد بمعونة مقدمات الحكمة فانها تدل على ان الحكم الثابت للفرد يدوم بدوامه و هذا الوجه يجرى فى الافراد المحققة الوجود ثم انه قد يقال ان اصالة عدم‏

344

النسخ لو كان اصلا عمليا فهو محكوم باصالة العموم لان الشك فى كون الخاص المتاخر ناسخ او مخصص مسبب عن الشك فى ان موضوع العام مقيد بعدم الخاص ام لا فاصالة العموم الدال على عدمه يدل على ان الخاص ناسخ لا مخصص و فيه ان اصالة العموم فى الافراد المقدرة عين اصالة عدم النسخ لا غيرها حتى يكون حاكما عليها و اما فى الافراد المحققة فالناسخية ليست مسببة عن شمول حكم العام للفرد بل عن بقائه و استمراره فالشك فيه مسبب عن الشك فى الاطلاق و لا ربط له باصالة العموم و عدم النسخ الملازم مع التخصيص ينافى اصالة العموم لكن ليس مسببا عنه حتى يكون محكوما به مع ان اصل عدم النسخ ان كان اصلا عمليا فلا وجه لجريانه رأسا لان المستصحب ان كان هو الحكم المستفاد من دليل العام فهو مقطوع الارتفاع اما بالنسخ او بالتخصيص و ان كان الحكم الواقعى لموضوع الخاص فاصل حدوثه مشكوك لانه على فرض التخصيص لا يتحقق حكم واقعى فى مورد الخاص رأسا فلا يقين للحالة السابقة حتى يجرى الاستصحاب ثم اعلم انه قد استشكل على النسخ رأسا بانه محال ان يأمر الشارع بشي‏ء دائما ثم ينهى عنه و يرفع حكمه لانه ان كان فى مورد النسخ مفسدة لا معنى للامر به اولا و ان كان فيه مصلحة فلا معنى لرفع حكمه و فيه انه ان كان المراد الاشكال فى النسخ بعد وقت العمل فلا وجه له لامكان ان يكون الفعل اولا مندرجا تحت عنوان ذى مصلحة غير معارضة بالمفسدة او بمصلحة اقوى فى ضده فيؤمر به ثم يخرج عن‏

345

هذا العنوان و يصير بلا مصلحة او يبتلى بمعارضة مصلحة اقوى فى ضده فيرفع حكمه او ينهى عنه و كذا فى العكس و ان كان المراد الاشكال فى النسخ قبل وقت العمل فقد اجيب عنه بانه يمكن ان يكون المصلحة فى اصل الامر و انشاء الحكم فمعنى النسخ انتهاء الحكم الانشائى و الامر بانتهاء امد مصلحته لان النسخ قبل وقت العمل يستلزم اجتماع المصلحة و المفسدة فى الفعل الواحد فى وقت واحد لو كان الحكم و نسخه ناشئين عن المصلحة و المفسدة فى المتعلق و يمكن تصحيحه بان كون الفعل فى وقت الامر ذا مصلحة فامر به ثم طرأ عليه المفسدة حين وقت العمل فنسخ و هذا من البداء و هو صحيح فى الجاهل بالعواقب و اما فى الشارع اذا اعتبرناه نبيا فمحل البحث عند المتكلمين فى جواز البداء فى مرحلة النبوة بانها من عالم المحو و الاثبات كما هو الظاهر من امر ابراهيم (عليه السلام) بالذبح ثم نسخه قبل العمل به و قيل ان امره بالذبح كان لمصلحة فى الحكم الانشائى كالامتحان مثلا و لا يعد من النسخ لانه رفع الحكم الحقيقى هذا كله فى تحقيق النسخ و الكلام فى عدم جواز تاخير البيان عن وقت الحاجة فملخصه ان وقت الحاجة على وجهين احدهما بمعنى وقت احراز الغرض و تحصيله بحيث يفوت لو لم يتحصل فتأخير البيان عن وقت الحاجة بهذا المعنى قبيح غير جائز لاستلزامه نقض الغرض و الثانى وقت بيان الحكم الواقعى و نصب القرينة على المقصود الجدى و تاخير البيان عنه بهذا المعنى ليس قبيحا مطلقا اذ ربما يكون مصلحة للحكم ظاهرا فى مورد المخصص‏

346

الى وقت آخر و معنى الحكم ظاهرا ليس هو الحكم الصورى و المراد الاستعمالى الفارغ عن الجد كما ربما استفاده بعضهم من كلام الشيخ الانصارى و يشعر به ظاهر كلامه من التعبير بالحكم الظاهرى بل المراد حكم ناش عن مصلحة فى ظرف جهل المأمور بالواقع موجبة لانشاء حكم جدا فى هذا الحال و لا ينتهى امده بصدور المخصص واقعا بل بوصوله الى المكلف فهو من هذه الجهة يشبه الحكم الظاهرى كبقاء وكالة الوكيل بعد عزل الموكل و قبل وصول العزل اليه فلا وجه للاشكال على الشيخ بانه مخالف لاصالة الجد فى القضية لما عرفت من ان الحكم فى مورد المخصص ايضا جدى و لكن يفترق مع سائر الافراد الباقية تحت حكم العام من وجهين احدهما ان الحكم فى سائر الافراد ناش عن المصلحة الاولية القائمة بنفس عنوان العام من دون دخل شي‏ء آخر فيه بخلاف الحكم فى مورد المخصص فانه ناش عن مصلحة ثانوية بلحاظ الجهل بالواقع و ثانيهما ان حكم سائر الافراد غير مغيّا بغاية و لكن الحكم فى مورد المخصص و ان كان مماثلا مع حكمها إلّا انه مغيّا بالعلم بالواقع و وصول المخصص و بناء على هذا لا اشكال فى صدور المخصصات لعمومات الكتاب و السنة النبوية الصادرة عن الائمة المعصومين مع تاخرهما عن وقت الحاجة لجمع من المكلفين و هنا وجه آخر لتوجيه تاخير البيان عن وقت الحاجة لدفع الاشكال ذكره الشيخ الانصارى و هو ان صدور المخصص المتاخر كاشف عن صدوره سابقا مقارنا لزمان العام او لوقت الحاجة فى‏

347

بيانه ثم اختفى بعد ذلك و فيه انه ان كان صدور البيان بمجرد اظهاره عند احد بحيث لم يكن معرضا للوصول الى سائر المكلفين عادة فاختفى عنهم فلا يرفع قبح تاخير البيان عن وقت الحاجة لان المراد به البيان الواصل الى عامة المكلفين عادة و ان كان صدر و وصل الى عامة المكلفين فى ذلك الحين ثم اختفى عن المتاخرين فان كان رافعا للاشكال إلّا انه بعيد جدا مع وفور الداعى الى نشره عند الروات و المحدثين بحيث يكاد القطع بعدمه اذا عرفت ذلك كله فقد عرفت انه لا مانع من حمل الخاص على انه مخصص للعام المخالف له فى جميع صور المسألة لما عرفت من ان ما ذهبوا اليه من قبح تاخير البيان عن وقت الحاجة المستلزم لحمل الخاص المتاخر عن وقت حاجة العمل بالعام على النسخ غير صحيح فلا اشكال فى مقام ثبوت المخصصية فى جميع صور المسألة و اما فى مقام الاثبات فنقول ان الخاص الوارد على وجهين احدهما ما هو حال اكثر الخصوصات الواردة فى الاخبار لو لا كلها ان يبين حكما لموضوعه مطلقا غير مقيد بزمان دون زمان او بحين من الاحيان بحيث كان مفاده ان حكم هذا الموضوع فى شريعة الاسلام ثابت فهو كاشف عن تقييد موضوع العام بغير مورد الخاص و يتعين كونه مخصصا لا ناسخا لان الناسخ يرفع الحكم من حينه لا مطلقا ثانيها ان يكون لسانه رفع الحكم من حين صدوره و كان صادرا بعد وقت العمل بالعام فيجوز ان يكون ناسخا بل هو ظاهر منه مع انه نادر بل لم نجده فى الاخبار الواردة

348

لدنيا.

و ينبغى التنبيه على امرين الاول انه لا اشكال ان النسخ عبارة عن دفع الحكم واقعا لتمامية امده بتمامية امد مصلحته لا رفعه بعد اثباته كما هو ظاهر دليله و قد علل ذلك فى الكفاية بانه لو كان رفعا يلزم تغيير ارادته جل و تعالى عن ذلك علوا كبيرا اقول لا بد فى المقام من تحقيق معنى الارادة حتى يتضح الحال و الارادة على قول صاحب الكفاية هو الشوق المؤكد المتعقب بتحريك العضلات نحو تحصيل المراد فان تعلق يفعل المريد نفسه فهو الارادة التكوينية و ان تعلق بفعل غيره فهو الارادة التشريعية و تحريك العضلات فيها بانشاء الامر المتوجه نحو المامور و الشوق لا بد و ان يتعلق بامر حاصل من وجه غير حاصل من وجه وجهه الحاصل بوجوده العملى القائم بالمريد المتعلق به الارادة و إلّا لا يعقل تحقق الارادة بالنسبة اليه و وجهه الغير الحاصل وجوده فى الخارج فلو كان موجودا خارجا لزم تحصيل الحاصل و هو ممتنع و الارادة بهذه المعنى غير معقول فى اللّه جل اسمه لان ما فيه و لو كله فعلية محضة و قد فسرو الارادة فيه تعالى بوجهين.

1- ان مرجع الارادة فيه تعالى هو العلم بالنظام الاحسن الاتم و لا يمكن تخلفه عن المراد (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‏ 72 سورة يس) و الارادة التشريعية فيه العلم بالمصلحة و المفسدة نعم اذا اوحى الى النفس النبوية ينقدح فيها الارادة و

349

الكراهة بحسب ما اوحى اليه و هذا نظير ما قالوا ان السمع و البصر فيه تعالى معناه العلم بالمسموعات و المبصرات و بناء على هذا القول يرجع كل الصفات الكمالية فيه تعالى الى العلم الذى هو عين ذاته و الانصاف خلافه لان مرجعه الى اتحاد الكمالات فيه و ان لا يكون له الاكمال واحد يرجع اليه سائر الكمالات و هو خلاف العقل و النقل و الحق وجود جميع الصفات الثبوتية له و انما تتحد مصاديقها عينا فذاته المقدسة كما انه كل العلم كذا تكون كل الارادة و كل السمع و البصر بمعنى درك المبصر و المسموع بمعناه الحقيقى إلّا انه بلا آلة كما فى سائر صفاته و كذا سائر الصفات الثبوتية الحقيقية و اما الكلام النفسى فبالمعنى الذى يدعيه الاشاعرة باطل كما حقق فى محله نعم يمكن توجيهه بانه تعالى لما دل على ذاته بذاته اكمل دلالة و الكلام ما يدل على معنى فهو كلام بهذا الاعتبار و لو ان هذا المعنى الدقيق اللطيف لا ينطبق على مرامهم و ما ذكرناه مطابق لكلام المحققين حيث قالوا انه جل شأنه علم كله، وجوب كله وجود كله و هو كل العلم و كل القدرة و كل الوجود بقى الكلام فى انه كيف يكون مطابق مفاهيم متعددة امر واحد حقيقى و قد حققنا فى مقامه ان الواحد المقولى لا يمكن ان ينطبق عليه مفاهيم متعددة بالحمل الذاتى كما ان مفهوم مقولى واحد لا يمكن ان يؤخذ من مقولات متعددة و لكن يمكن ان يكون وجود واحد حقيقى منشأ لانتزاع مفاهيم متعددة من جهات مختلفة كمفهوم الوجود و الخير و النور المنتزع كلها من حقيقة الوجود

350

و هو واحد حقيقى بالذات و بهذا الوجه يستحيل فيه تعالى تحقق ارادة تشريعية لما عرفت من انها عبادة عن شوق مؤكد متعلق بفعل الغير منفك عن المراد الخارجى ففيه جهة قوة بالنسبة اليه و ليس فعلية محضة و لا يمكن تحققه فى ذات اللّه لانه فعلية محضة من كل جهة نعم البعث و الزجر يمكن ان يتعلق بهما ارادته لان الارادة بالنسبة اليهما تكوينية حيث يتحققان بمجرد ارادتهما كانزال الكتب و بعث الرسل فارادته تعالى كلها تكوينية و هى ارادة ذاتية تكون عين الذات متحدة مع المراد و المريد و ارادة فعلية هى غير الذات و تتحد مع المراد فقط و الاولى تتعلق بالذات اولا و بآثار الذات و هى جميع سلسلة عالم الوجود و كل ما يتحقق فى عالم العين ثانيا و بالعرض فالذات مراد بالذات و جميع ما سواه مراد بالعرض و منها البعث و الزجر و ارسال الانبياء و انزال الكتب و كل ما تعلق به الارادة بهذا المعنى لا بد و ان يقع اذا أراد اللّه شيئا يقول له كن فيكون فان اراد المحقق الخراسانى ان النسخ بمعناه الحقيقى يستلزم تغير ارادته الذاتية باعتبار المراد بالذات فهو باطل قطعا و ان اراد انه يستلزم تغير ارادته باعتبار المراد بالعرض فغير صحيح ايضا و اما الارادة الفعلية فهى كالعلم الفعلى بمعنى خلق المعلوم فحادثة و من صفات الفعل كما ورد به بعض الاخبار و نطق به معتبر الآثار عن الائمة الاخيار و بيانه ان مرتبة الفعل المطلق و هو مقام الفيض المقدس و نفس الرحمن و مرحلة كلمة كن النورية التى ظهر بها جميع ما فى عالم الكون هى عين الارتباط بالذات‏

351

المقدسة و هو محيط بها تمام الاحاطة و حاضرة لديه بالعلم الحضورى و الكشف الشهودى لانه تعالى واجد لها اعلى مرتبة الوجدان و ليس العلم الا احاطة العالم بشي‏ء و كونه واجدا له فيصح ان يقال انه علم له تعالى و ارادة له و لا شك انها ليست عين الذات كالارادة الذاتية و العلم الذاتى بل غيره باعتبار انها فعله و لكنها عين المراد و المعلوم لا عين المريد و العالم و هى حادثة و متأخرة عن مرتبة الذات الاحدية و لعل الى ما ذكرنا يرجع ما عن المحقق الداماد (قدّس سره) فى مقام تحقيق الارادة الحادثة.

الثانى: البداء فى اللغة ظهور ما خفى و هو فى الانسان تعلق علمه بصلاح فى الفعل فيقصده ثم يظهر له المفسدة المخفية عنه فيه فينفسخ الارادة و العزم و اما فيه تعالى فاختلفوا فى ثبوته له و عدمه و على الاول اختلفوا فى حقيقته فيه تعالى فقال بعضهم كما عن جماعة منهم المحقق الخراسانى انه فى اللّه تعالى اظهار ما يخفيه لمصلحة فيلهم او يوحى الى النبى شيئا بحسب وجود المقتضى و كان الواقع خلافه بحسب وجود المانع المخفى عنه لمصلحة ثم يبدى المانع له بعد ذلك و قال بعضهم ان حقيقة البداء فيه مجهولة لنا كذاته تعالى و لا يمكن معرفة كنهه و بعد تواتر الاخبار على ثبوته لا بد و ان تصدق به اجمالا و نرد علم حقيقته الى اهله و الحق ان يقال ان فيض الوجود السارى عن المبدأ الأعلى يمر على عوالم مختلفة كاللوح المحفوظ و لوح المحو و الاثبات و البداء فى لوح المحو و الاثبات لان الوجود

352

الفائض من الحق يتحقق اولا فى عالم العقول و الانوار العالية او الحقيقة النبوية و جميع ما يفيض منه من الحقائق فى هذه المراتب فعلية محضة بل حقيقة واحدة بسيطة مجمع الحقائق الكونية النازلة و فيه صور ما فى العالم و يسمى باللوح المحفوظ و قد يعبر عنه بالفعل الاول و بالعلم القضائى و بالدرة البيضاء و ام الاقلام و لا يتبدل ما فيه ثم ينطبع ما فيه فى النفس الكلية النازلة عنه و هو لوح بالنسبة اليه و قلم بالنسبة الى ما دونه ثم ينطبع الحقائق منه الى لوح عالم المثال و هو لوح القدر و ظهور الحقائق فيه بالتدريج لانه يشبه عالم المادة فى ان ظهور الحقائق فيه متعددة محدودة فربما يظهر فيه وجود المقتضى لشي‏ء و يفاض الى عالم المادة المحضة و هو نحو من ظهور وجوده و يظهر بعده وجود المانع عن تأثيره و هو موجب لكشف عدمه فكان عدمه المستند الى المانع مختفيا اولا ثم ظهر و هذا هو حقيقة البداء و استناده الى اللّه باعتبار ان جميع ما فى العالم يكون فعله و لو بالواسطة و يمكن تقريره بوجه آخر و هو انه لما يظهر الحقائق فى عالم القدر و هو لوح عالم المثال تدريجا فربما يرى النبى وجود المقتضى فيه فيعلم وجوده فيخبر عنه و لا يرى مانعة لتاخره فى نظام هذا العالم ثم بعد ذلك يرى المانع له فيبدو له ما خفى عليه اولا و هذا معنى البداء و هنا نكات اخرى غامضة ليس هنا موضع تحقيقها فلتطلب من مظانها.