أصول الفوائد الغروية في مسائل علم أصول الفقه الإسلامي‏ - ج1

- محمد باقر كمرئي المزيد...
374 /
353

[المطلق و المقيد]

(اصل): فى المطلق و المقيد و فيه امور

الاول قد عرف المطلق بانه ما دل على شايع فى جنسه فان كان المراد بالشيوع فى الجنس صحة الانطباق على كل افراده فلا يصدق التعريف الا على النكرة و لا يصدق على المطلق بالمعنى المعروف بين المتاخرين و هو الطبيعة اللابشرط لانه نفس الجنس لا الشائع فى الجنس و ان كان المراد منه الشائع فى جنسيته بان يكون فى جنسه ظرفا مستقرا صفة لشائع من حيث العنوان كما انه على الاول ظرف لغو متعلق بشائع فيصدق على المطلق بهذا المعنى و لا يصدق على النكرة فما قيل من انه لو كان الشيوع بمعنى السريان يشمل النكرة و اسم الجنس لا وجه له.

الثانى الماهية تلحظ على وجوه خمسة

1- لحاظها فى ذاتها من غير اعتبار امر آخر معها فهى ليست إلّا هى و لا تكون واجدة الا لذاتها و ذاتياتها و لا تحمل عليها غير ذاتها.

2- ان يلحظ معها غيرها و تعتبر بشرط لا عنه او بشرط شي‏ء اولا بشرط عنه غير مقترنة بوجوده او عدمه فالاول هى الماهية بشرط لا و الثانى هى بشرط شي‏ء و الثالث اللابشرط القسمى و هذه ثلاثة اقسام‏

5- ان يعتبر الجامع بين هذه الاقسام الثلاثة و هى اللابشرط

354

المقسمى و بعبارة اخرى تارة لا يلحظ مع الماهية شي‏ء آخر و تارة يلحظ معها شي‏ء و القسم الثانى له اربعة اقسام و اللابشرط المقسمى لا تعين له فى اللحاظ بل يتحقق فى ضمن احد الاقسام الثلاثة الأخر و ليس جامع لحاظى بين الماهية بما هى هى و الماهية الملحوظة مع غيرها حتى يرجع الاقسام الى ستة باعتبار لا بشرط مقسمى آخر هكذا افاد الشيخ الاستاد دام ظله و عندى فيه نظر لان الماهية بما هى هى ليس له تحقق لحاظى حتى يرجع الاقسام الى خمسة بل الملحوظ ليس إلّا اقسام ثلاثة لانه اما ان يلحظ مع الماهية شى‏ء ام لا و على الاول اما ان يكون الملحوظ معها وجود شي‏ء او عدمه و الجامع المتحقق فى الاقسام الثلاثة هو اللابشرط المقسمى فتارة يحكم عليها بذاتياتها فتكون موضوعة للحدود و الرسوم و اخرى بالاعتبارات الثلاثة اللاحقة بها فتلحقها محمولات أخر شرعية او غيرها على اختلاف انواعها مما هو غير مضبوط و غير محصور و الماهية بشرط لا على اقسام لان العدم المأخوذ قيدا اما ان يكون عدم كل شي‏ء حتى الوجود الذهنى فيمتنع تحققها الا بالحمل الاولى و اما ان يكون عدم كل شى‏ء الا الوجود الذهنى فيمتنع تحققها خارجا و اما ان يكون عدم اتحادها مع شى‏ء آخر كما فى المادة و الصورة و مبدأ المشتقات فلا يصح حمل هذا الشي‏ء عليه و قد اوضحنا هذا القسم فى مبحث المشتق و بعض مباحث مقدمة الواجب بما لا مزيد عليه فراجع كما ان اللابشرط على قسمين الاول ان لا يلحظ معه شي‏ء و لا تكون مقترنة مع وجود شي‏ء او عدمه‏

355

الثانى لحاظها بشرط الارسال اى قابلا للجمع مع القيود و قد يطلق عليه الماهية بشرط شي‏ء ايضا.

الثالث: قسموا الكلى الى طبيعى و عقلى و منطقى فالاول هو نفس الماهية كالانسان القابل للحوق التشخص الخارجى فيصير جزئيا خارجيا او الخصوصيات الذهنية فيصير مفهوما ذهنيا و الثانى هذا الطبيعى بضم الصدق على الكثيرين الثالث نفس هذا القيد و هو الصدق على الكثيرين و ظهر من ذلك ان الاقسام الثلاثة ليست متقابلة بالتضاد كما توهم بل متغايرة قابلة لاجتماع بعضها مع بعض كالطبيعى مع المنطقى فانهما عارض و معروض فكيف يكونان ضدين و العقلى مركب منهما و لا يمكن ان يكون الكل مع الجزء ضدا بل هما متغايران و ربما يظهر من صاحب الكفاية ان الطبيعى الملحوظ معه قيد ذهنى كلحاظ المعنى فى الغير او بشرط عدم لحاظ غيره معه يصير كليا عقليا و لا وجه لما قال و لا يوافق الاصطلاح لان الكلى العقلى هو الطبيعى مع قيد الصدق على الكثيرين كما عرفت و لا يخفى ان الجامع بين الافراد ليس امرا موجودا فى الخارج بل الموجود فى الخارج عين التشخصات و هى متباينات فالجامع ليس إلّا مفهوما موجودا فى الذهن لا بقيد الوجود الذهنى فانه بهذا القيد جزئى خارجى لا يصدق إلّا على نفسه بل بالغاء قيد الوجود الذهنى بتعمل من العقل و بهذا الاعتبار يسمى بالعقل الشامخ و انقدح بما ذكرنا ان ما ذكره الاستاد النائينى من ان الطبيعة اذا اخذت بشرط لا تكون كليا عقليا لا وجه‏

356

له لما عرفت من ان الكلى العقلى هو الماهية بشرط الصدق على الكثيرين و ذلك ينافى اعتباره بشرط لا اذا عرفت ذلك فنقول الملحوظ عند الوضع او جعل الحكم ليس ذات الطبيعة من حيث هى لانها لا تصح لضم محمول اليها و لا هى بمعنى اللابشرط المقسمى لانها تكون ملحوظة مستقلا و لا ملحوظة بشرط شي‏ء او بشرط لا لمنافاتهما لعموم الوضع او الحكم بل ملحوظة لا بشرط القسمى و هل يكون اللابشرطية قيدا للموضوع له ام لا؟ يظهر من الاكثر انه قيد و لذا يقولون بان ارادة المقيد منه يستلزم المجازية و الاقوى عدمه لان اللابشرطية حالة لها لسراية الوضع الى جميع حالاتها و لا تكون قيدا فى الموضوع له كما اذ كانت موضوعة لحكم آخر فهذا القيد و ان كان ملحوظا عند الوضع إلّا انه غير دخيل فى الموضوع له و الموضوع له صرف الذات و لذا اذ اخذت بما هى هى و يحمل الحد عليه نحو الانسان حيوان ناطق لا يكون مجازا و يظهر الثمرة فى احتياج الاخذ بالاطلاق الى مقدمات الحكمة و عدمه فعلى القول بالوضع للمقيد باللابشرطية يستند الاطلاق الى الوضع و لا يحتاج الى مقدمات الحكمة على ما ستأتى و يثبت على القولين ثمرة اخرى و هى انه على القول المشهور يكون التقابل بين الاطلاق و التقييد تقابل التضاد و على القول المختار تقابل العدم و الملكة لان التقييد لا بد و ان يرد على ما يصلح للانقسام و لو باعتبار النوع فامتناع التقييد فى بعض الموارد لا يضر بتقابل العدم و الملكة كما ذهب اليه بعض المحققين فقال على ما كتب عنه‏

357

(فان كون موضوع الحكم مطلقا عبارة عن ورود الحكم عليه بما انه مقسم لتمام الاقسام كما ان معنى تقييده ورود الحكم عليه بما انه مع خصوصية فاذا فرضنا استحالة التقييد كتقييد متعلق الامر بقصد القربة لتوقف قصد القربة على ورود الامر فلا يمكن ان يؤخذ فى متعلقه فيستحيل الاطلاق ايضا) و الحق ان يقال ان الماهية اذا لوحظت من حيث هى و يقصر النظر على ذاتها بالذات فليست الا هى و لا تكون فيها الا ذاتها و ذاتياتها و فى هذا اللحاظ يسلب عنها كل شي‏ء حتى طرفى النقيض و الانسان بهذا اللحاظ ليس كاتبا و لا لا كاتب و لا شاعر اولا لا شاعر لا اطلاق فيه و لا تقييد و فى لحاظ اللابشرط المقسمى تكون فى ضمن سائر الاقسام فلا يحكم عليها بخصوصها بشي‏ء لانه لا تعين لها و اذا لوحظت بنحو اللابشرط القسمى و هو اللحاظ الاطلاقى الذى به تقع موضوعا للاحكام فتارة تلحظ مع محمولها و اخرى مع القيود و الحالات التى تلحقها مع قطع النظر عن محمولها و ثالثة بالنسبة الى القيود العارضة لها من قبل محمولها و حكمها المتاخرة عنه مثلا اذا قال اكرام العلماء واجب فاكرام العلماء موضوع و واجب محمول فتارة يلاحظ طبيعة الاكرام بالنسبة الى قيود متعلقها و هو العلماء من العدالة و الفسق و نحوهما او قيود نفس الاكرام من الانحاء المتصورة له من كونه باداء التحية او باعطاء الجائزة فباعتبارها مطلق اى صالح لورود التقييد عليها و اخرى يلاحظ بالنسبة الى محمولها و هو واجب‏

358

و لا بد من كونه مطلقا ايضا اى فرض الاكرام مطلقا لا مقرونة بالوجوب و لا بعدمه لانه على الاول يلزم اجتماع المثلين و على الثانى اجتماع النقيضين و ثالثة تلاحظ بالنسبة الى القيود المتاخرة عن المحمول نحو قصد القربة و الجهل بالوجوب و نحوهما بناء على عدم امكان اخذها فى موضوع الحكم كما هو المشهور فلا بد من اخذ الاكرام مطلقا ايضا و فرق بين الاطلاق بالنسبة الى المحمول نفسه و الاطلاق بالنسبة الى ما يتأخر عن المحمول لان معنى الاول انه غير صالح لثبوت الحكم فى حالتى الاقتران بالمحمول و عدمه بل الحكم يثبت للذات المجردة عن كلتا الحالتين و اما الثانى فكاطلاق اقسام الموضوع و الحالات اللاحقة له صالح لان يثبت الحكم فى كلا الحالين كثبوت الوجوب فى حالتى العلم و الجهل و حالتى قصد القربة و عدمه فظهر بذلك ان الاطلاق فى الصورتين الاخيرتين ضرورى حيث ان التقييد مستحيل لا ان التقييد مستحيل فاللازم القول بالاطلاق بالنسبة الى نفس المحمول و الحكم و القيود المتاخرة عنه كما عن الشيخ الا نصارى نعم يرد هنا اشكال آخر و هو انه حيث كان الاطلاق بالنسبة الى القيود اللاحقة للمحمول ضروريا لا يمكن استفادة مدخلية القيد و عدمه فى المامور به من الاطلاق لان استفادة عدم المدخلية انما يكون حيث لو كان دخيلا يمكن بيانه بتقييد الموضوع و اذا كان اطلاق الموضوع ضروريا و شك فى مدخلية هذا القيد فى الغرض فلا يمكن نفيه بالاطلاق اذا عرفت ذلك فاعلم ان التقابل‏

359

بالعدم و الملكة تارة يلاحظ بالنسبة الى الاشخاص و اخرى بالنسبة الى النوع و ثالثة بالنظر الى الجنس فعلى الاول لا يصدق فى الاطلاق و التقييد بناء على ما حققناه لانه ليس كل مورد يصلح للاطلاق يصلح للتقييد لما عرفت من ضرورة الاطلاق فى بعض الموارد و ان لوحظ بالنظر الى النوع فلا بأس به فى المقام لعدم منافاته مع عدم تحقق العدم و الملكة فى بعض الافراد و اعلم انه قد عرفت انه لا بد من ان يلاحظ الواضع المفهوم اللابشرط القسمى حين الوضع اذا الماهية من حيث هى ليست إلّا هى فلا تكون آلة للوضع و اللابشرط المقسمى غير مستقل فى اللحاظ و ملاحظة الماهية بشرط لا او بشرط شي‏ء ان ان اخذ القيد الملحوظ فى الموضوع له ينافى عموم الوضع فينخصر الامر فى لحاظ اللابشرط القسمى و هو على نحوين احدهما ملاحظة الماهية بقيد الارسال البدلى او الشمولى و مفاد الاول اى فرد و الثانى كل فرد ثانيهما لحاظها غير مقترنة بالخصوصيات و بعدمها اى لا يلحظ معها شي‏ء وجودا او عدما و على التقديرين اما ان يؤخذ اللابشرطية قيدا فى الموضوع له كما هو المشهور ام لا كما هو الحق و اخذ اللابشرطية قيد الموضوع له ممكن لانه لا اشكال فى تصور مفهوم اى رقبة بالارسال البدلى كمفهوم كل رقبة بالارسال الشمولى و وضع اللفظ له فيثبت الحكم المتعلق باى رقبة للافراد الخارجية على البدل و المتعلق بكل رقبة على الجميع بنحو العموم و لا ينافى ذلك عدم صدق اى رقبة على الفرد الخارجى كعدم صدق كل رقبة عليه‏

360

و يمكن للواضع ان يضع اللفظ للمفهوم المقيد بهذا القيد فكما يؤدى هذا المفهوم بكلمتين فى التلفظ باى رقبة او كل رقبة يؤدى بكلمة واحدة و لكن الاشكال فيه انه يلزم المجازية فى اكثر موارد الاستعمال ككونه موضوعا للحد و الرسم او ادخال لفظة اى او كل على اسم الجنس او فى واحد من المعنيين لو كان الموضوع له خصوص احدهما او الالتزام بتعدد الوضع و هذا كله خلاف المتبادر من موارد الاستعمال التى تعلم بانه لا عناية و لا مجاز فيها و عدم الدليل على تعدد الوضع و القول بالاشتراك بخلاف ما لو كان الموضوع له صرف الذات بلا تقيد باللابشرطية المحفوظة فى جميع موارد الاستعمال من غير تجوز مع افادة الخصوصيات بدال آخر مع استعمال اللفظ فى اصل الذات على نحو الحقيقة دائما فاخذ اللابشرط بهذا المعنى فى الموضوع له ممكن إلّا انه خلاف الاستعمالات و لا دليل عليه و اما اخذ قيد اللابشرط فى الموضوع له بالمعنى الثانى و هو عدم الاقتران بالقيد وجودا و عدما فيستلزم ان يكون الموضوع له امرا ذهنيا لا يصدق على الافراد الخارجية الا مجازا و هو خلاف الوجدان و خلاف حكمة الوضع فالحق عدم اخذ اللابشرطية باى معنى فى الموضوع له و ان لوحظ معه حين الوضع كما هو ظاهر.

361

[فى تعريف علم الجنس و سائر مباحثه‏]

(اصل): اختلفوا فى ان التعريف فى علم الجنس لفظى او معنوى و على الاول لا اشكال فى ان الموضوع له فى علم الجنس عين الموضوع له فى اسم الجنس بلا تفاوت اصلا الا فى ترتيب آثار المعرفة على احدهما دون الآخر كما فى التأنيث اللفظى و اما على الثانى فالكلام فى ان الخصوصية الماخوذة فى المعنى بحيث صار معرفة اى شي‏ء فقيل هو التعيين الذهنى و استشكل بان لازمه عدم صدقه على الخارج إلّا بالتجريد و الغاء الخصوصية الذهنية و هو خلاف الوجدان و المتبادر من نحو اسامة الصادقة على الافراد الخارجية كالاسد من دون تجوز و خلاف حكمة الوضع و قيل هو التعين الجنسى ببيان ان المفاهيم باسرها متباينة فلكل منها فى عالم كونها مفهوما و جنسا خاصا تميز عما عداها فى نفس الامر فان لم يأخذ الواضع هذا التعين الذاتى يكون اللفظ اسم جنس و ان اخذها كان علم جنس و فيه ان العلم ما وضع لشي‏ء بعينه بان يكون الموضوع له فى نفسه متشخصا سواء لاحظه الواضع ام لا فان كان التشخص و التعين الذاتى كافيا لصيرورة اللفظ علما و معرفة فلا فرق بين اسم الجنس و علمه و ان لم يكن كافيا فلا اثر للحاظ الواضع له و عدمه و الحق ان يقال المأخوذ فى مسمى اعلام الاجناس هو التعين الوصفى المعبر عنه فى المنطق بالتعريف بالرسم لان لكل مفهوم اجمال يرفع بذكر المعرف‏

362

له و لو كان رسما و به يتميز عما عداه من المفاهيم من جهة المعرفة به بالخصوص لان التعريف و لو كان بالرسم و ذكر خاصة الشي‏ء يفيد ذلك التميز عن الغير فاسم الجنس موضوع لذات المفهوم بلا تعين رسمى له و مع قطع النظر عن خواصه و علم الجنس موضوع للذات المعروفة بخاصة و تعينه بالرسم فاسامة يقال على اسد مفترس شجاع بما عرف به بين الناس فلا يرد الاعتراض بعدم صدقه على الافراد الخارجية و يكون استعمال الاسامة فى الاستعارة و التشبيه ابلغ و يفيد فائدة لام التطبيق كما فى قولك هو البطل المحامى و هو الاسد الشجاع على ما ذكره الشيخ عبد القاهر.

(اصل): وقع البحث فى ان التقييد يوجب كون المطلق مجازا فى المقيد ام لا؟

فنقول اما بناء على قول المشهور ان الموضوع له فى المطلق مقيد باللابشرطية و ان مفهوم الرقبة اى رقبة فالتقييد يوجب كونه مجازا فى المقيد لان مفاد التقييد لحاظ الطبيعة بشرط الشي‏ء و هو غير الطبيعة لا بشرط فلا بد من الغاء قيده فيصير مجازا و اما على المختار من ان الموضوع له نفس الماهية فى حال اللابشرطية فارادة المقيد منه تارة يكون بتعدد الدال و المدلول فيكون المقصود من الرقبة فى قوله اعتق رقبة مؤمنة ذات الرقبة و لكن قيد موضوع‏

363

الحكم بلفظة المؤمنة فلا يكون مجازا و ان اريد من لفظ الرقبة المقيد و يكون المؤمنة قرينة على ذلك فهو مجاز قطعا و حيث ان الشق الاول ممكن فى موارد التقييد فلا وجه للقول بالمجاز خصوصا فى القيد المنفصل و قد يقال كما عن بعض ان المجازية غير معقول لان المقيد متحد مع المطلق فى الخارج فارادته من للفظ عين ارادة المطلق الموضوع له فلا مجاز و فيه انه ان اريد نفى المجاز بتقرير تعدد الدال و المدلول الذى ذكرناه فلا يحتاج الى هذه المقدمة و دعوى امتناع المجاز مجازفة و ان اريد ان قصد المقيد بما هو مقيد من لفظ المطلق ليس مجاز المكان الاتحاد فى الوجود فهو فاسد لان حديث الاتحاد و العينية و التجلى و المظهرية انما هو بين الوجود المطلق مع حصصه و اما مفهوم القيد و مفهوم المطلق فلا اتحاد بينهما لما عرفت من ان المفاهيم باسرها متباينة و المستعمل فيه فى الالفاظ انما هو للمفاهيم و لا ربط بينهما فاستعمال ما وضع لمفهوم مطلق و ارادة المقيد منه مجاز كما لا يخفى.

و بعد كون الموضوع له فى اسماء الاجناس هو الماهية بدون قيد الارسال فحملها على الاطلاق و شمول الحكم لجميع الافراد سواء على البدل او الاستغراق يحتاج الى مقدمات الحكمة و هى امور بعضها مورد الاتفاق و البعض الآخر مورد الخلاف فمورد الاتفاق مقدمتان الاولى كون المتكلم فى مقام البيان الثانية عدم ذكر القيد فى كلامه متصلا او منفصلا و ما هو محل الخلاف فعدم وجود القدر المتيقن‏

364

فى مقام التخاطب فاشترطه المحقق صاحب الكفاية و اعترض عليه كثير ممن تاخر عنه و لا بد فى تنقيح مرامه من التكلم فى مقامين‏

1- ما هو المراد من القدر المتيقن فى مقام التخاطب و ما الفرق بينه و بين القدر المتيقن الخارجى الثانى فى انه محل بالاطلاق ام لا؟

اما فى بيان الاول فنقول انه ليس المراد من القدر المتيقن فى مقام التخاطب الا ما يستفاد من اللفظ و اما ما يستفاد من الخارج فلا ربط له بذلك و ذلك بان بلغ خصوصية اللفظ مع بعض الافراد الى حيث يستفاد تلك الافراد بخصوصها من اللفظ فيكون اللفظ منصرفا اليها ففيه ان الانصراف فى حكم القيد اللفظى و داخل فى المقدمة الثانية و هى كافية عنه و ليس شرطا آخر و ان لم تصل الخصوصية الى حد الانصراف فلا وجه لاشتراط عدمها فى ثبوت الاطلاق و يمكن ان يقال ان القدر المتيقن فى مقام التخاطب و القدر المتيقن الخارجى كلاهما مستفادان من غير اللفظ و الفرق بينهما ان الاول من جهة الخصوصيات المرتكزة فى اذهان المخاطبين بحيث تكون بمنزلة القرينة المتصلة بخلاف الثانى فانه بحكم العقل و فهم العرف نحو مناسبة الحكم و الموضوع و امثالها و لا يكون قرينة حافة بالكلام و يرد عليه ايضا انه كالقيد المذكور و يدخل فى المقدمة الثانية فلا وجه لكونه شرطا ثالثا اقول الظاهر ان المراد من القدر المتيقن فى مقام التخاطب كما يظهر من كلام القائل باشتراط عدمه هو احتفاف الكلام‏

365

بما يوجب تنصيصا لثبوت الحكم لبعض الافراد ككونه موردا للسؤال كما فى رواية زرارة فى مسئلة قاعدة التجاوز او كونه مذكورا فى كلام الامام كما فى صحيحة اخرى فى تلك القاعدة عن اسماعيل بن جابر و كما فى روايات النذر قال سالته عن رجل نذر و لم يسم شيئا فقال (عليه السلام) ليس بشي‏ء إلّا ان يسم شيئا صلاة او صياما او صدقة فان ذكرا مثلة من العبادات يوجب تنصيص الشي‏ء بالنسبة اليها فاطلاقه بالنسبة الى غيرها مشكل فمرجع هذا الشرط لبا الى عدم احتفاف الكلام بما يصلح للقرينة على التقييد و بهذا المعنى لا بأس به كما لا يخفى.

[فى ورود حكم المطلق و مقيده‏]

(اصل): اذا ورد مطلق موضوعا لحكم و مقيد له بالنسبة اليه كما اذا قال اعتق رقبة فى كفارة كذا ثم ورد اعتق رقبة مؤمنة فى كفارته فاذا كانا متنافيين بالذات مثل اعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة فلا اشكال فى تقييد المطلق بالمقيد المخالف له و اذا كانا مثبتين و يكون التنافى بواسطة العلم بوحدة التكليف كما فى المثال المتقدم فالمشهور حمل المطلق على المقيد لانه جمع بين الدليلين و اعترض بان للجمع وجه آخر و هو حمل المقيد على الاستحباب او الوجوب التخييرى و اجاب عنه فى محكى التقريرات بان الجمع الاول اولى لان الثانى تصرف فى اللفظ و الاول تصرف فى بعض‏

366

وجوه المعنى مع حفظ ظاهر اللفظ لان الاطلاق ليس مدلولا وضعيا بل مدلولا يستفاد من القرائن باعتبار وروده فى مقام البيان فاذا ظفرنا بالمقيد يكشف عن عدم كون المتكلم فى مقام بيان مراده الجدى فالمقيد كانه حاكم او وارد على اطلاق المطلق و ظاهر هذا الكلام ان الظفر بالمقيد يبطل المقدمة الاولى من مقدمات الحكمة و التحقيق انه يخل بالمقدمة الثانية لان مقام البيان الذى نعتبره مقدمة يحتمل وجوها ثلاثة. الاول ان يكون المتكلم فى مقام بيان تمام مراده بهذا الكلام فورا الثانى ان يكون فى مقام بيان تمام مراده الى حين الحاجة الثالث ان يكون مدة البيان الى آخر عمره و الاول مما لا دليل على الالتزام به كما ان الثالث يهدم اساس التمسك بالاطلاق و ليس بصحيح فالحق هو الاوسط فورود المقيد اما ان يكون قبل وقت الحاجة او بعده و على الاول لا اشكال فى تقدمه على الاطلاق لعدم تمامية مقدمات الحكمة بالنسبة اليه و هو اخلال بالمقدمة الثانية من عدم بيان القيد لانه قد بين القيد فى مقام البيان الذى يمتد الى وقت الحاجة و العمل بالحكم و اما اذا كان بعد وقت الحاجة و تحقق ظهور المطلق فقال صاحب التقريرات بانه يقدم المقيد على ظهور المطلق باعتبار صلاحيته للكشف عن اقترانه بالقرينة فى وقت البيان و هذا الوجه غير مرضى لانه بعد تسليم كون المقيد الحاضر غير صالح لكونه بيانا لوقوعه بعد وقت الحاجة فلا معنى لكونه بيانا من جهة الكشف عن قيد غير معلوم لان البيان هو القرينة الواصلة لا مجرد صدور القرينة و لو لم توصل فان‏

367

فرض كشفه عن القرينة الواصلة قبل وقت الحاجة فهو خلف و كشفه عن القرينة الغير الواصلة لا اثر له و لا فرق فيما ذكرنا بين الاطلاق الوضعى و ما كان بمقدمات الحكمة و ان القرينة فى الاول و لو كانت مقارنة مع المطلق تتصرف فى ظهوره الوضعى و تمنع عن تحققها بعد ما كان لفظ المطلق مقتضيا له بخلاف الثانى فان عدم القرينة جزء المقتضى للظهور فاذا وجدت فلا مقتضى له و اما ما ظفر بها بعد وقت الحاجة فلا فرق بينهما و لا وجه لتقديم ما بالوضع على ما بالاطلاق بمقدمات الحكمة فلا بد من الاخذ بالاظهر منهما لو كان فى البين و إلّا فالتوقف و الرجوع الى الاصل هذا كله فى بيان كلام القوم و الحق ان يقال انه بعد العلم بوحدة التكليف لا اشكال فى تعارض المطلق مع المقيد فى الافراد الفاقدة للقيد فان مقتضى المطلق ثبوت الحكم لها و مقتضى المقيد عدمه فلا بد من التصرف فى احدهما انما الكلام فى انه من قبيل ظهورين متعارضين او من قبيل تنافى القرينة مع ذى القرينة وجهان بل قولان مال الى الاول المحقق صاحب الكفاية و الجمع بين المطلق و المقيد بناء عليه يتصور على وجوه كحمل المقيد على الوجوب التخييرى و فيه انه مستلزم للتخيير بين المطلق و المقيد و هو حاصل بحكم المطلق فيلزم ان يكون الحكم على المقيد لغوا و كحمل حكم المقيد على الاستحباب و فيه انه يلزم اجتماع حكمين فى افراد المقيد و هو ممتنع و لو كانا مثلين كما هو المشهور إلّا ان يحمل على الاستحباب الاقتضائى و هو نظير سبك المجاز عن المجاز و لا

368

يخلو من تعسف و قبل يحمل حكم المقيد على الارشاد على افضل الافراد و لا تاس به لو يساعده اللفظ و عن بعض و لعله المشهور تقييد المطلق و ابقاء المقيد على ظاهره و الحكم بوجوب عتق الرقبة المؤمنة و اختاره صاحب الكفاية مستدلا بان ظهور الصيغة فى الوجوب التعيينى اقوى من ظهور المطلق فى الاطلاق فتقدم عليه و اعترض عليه شيخنا الاستاد بان مفاد الهيئة فى كلا الدليلين هو الوجوب التعيينى و ليس هذا الظهور مختصا بالمقيد حتى يكون المعارض له الاطلاق فقط بل التعارض فى الحقيقة بين ظهور المقيد فى مدخلية القيد فى الموضوع و ظهور المطلق فى عدمها فلا بد من الاخذ باقوى الظهورين و لا يبعد ان يكون الاول اقوى لكون دائرة موضوعها اضيق من المطلق كما ذكروا ذلك وجها لتقديم الخاص على العام فتامل ثم ان وحدة التكليف التى كانت اساس حمل المطلق على المقيد ان كانت من دليل آخر فلا اشكال كما فى مورد الكفارة و إلّا فقد يقال باستفادتها من نفس دليل المطلق و المقيد اذا لم يكونا او احدهما مشروطا مثل اعتق رقبة و اعتق رقبة مؤمنة بناء على تعلق التكليف بصرف الوجود فى المطلق و المقيد و المراد بصرف الوجود على ما فسروه هو الناقض للعدم المطلق المنطبق على اول الوجودات فلو كان حكما لمطلق و المقيد متعددا يلزم اجتماع حكمين مستقلين فى مورد المقيد لانه مجمع العنوانين و هو غير معقول فلا بد من كون الحكم واحدا واقعا اما للمطلق او المقيد و يرد عليه امور.

369

الاول انه لا معنى لصرف الوجود الا حقيقة الوجود الغير المحدود مطلقا و هو ذات الواجب او غير المحدود الا بحد الامكان و هو فعله و لا معنى لكونه باحد المعنيين متعلقا للتكليف و ليس معنا آخر له يكون بهذا المعنى نقيضا لمطلق العدم او العدم المطلق لان نقيض كل عدم وجود يطرده و نقيض كل وجود عدم يكون بديله كما سلف تحقيقه نعم لا بأس بان يقال ان متعلق التكليف هو الطبيعة اللابشرط القسمى الذى لا يلحظ معه الاقتران بقيد وجودا او عدما فان كان مرادهم بصرف الوجود هذا فلا مشاحة فى الاصطلاح.

الثانى كما ان المطلق لا بشرط و هو ما لم يلحظ معها الاقتران بوجود القيد و عدمه الصالح للانطباق على كل فرد خارجى مؤمنة كانت ام كافرة هكذا الرقبة المؤمنة ايضا متعلقة التكليف باعتبار صرف الوجود غير الملحوظ معها قيد آخر وجودا و عدما و يمكن ان يكون المراد من المطلق غير المؤمنة فلا يستفاد وحدة التكليف و بالجملة لو ابقينا المطلق على اطلاقه فلا يجتمع مع حكم المقيد و اما لو قيدناه بالمؤمنة فلا محذور فى تعدد التكليف فيدور الامر بين الاخذ باطلاق المطلق و ظهور القضيتين فى تعدد التكليف و تقييد المطلق و الحكم بوحدة التكليف و لا مرجح فى البين بل الترجيح للاخذ بالظهورين لالتزامهم بعدم الحمل و الحكم بوحدة التكليف اذا كان الاطلاق شموليا مع انه اذا قال اكرم العالم و اكرم العالم العادل فلا يصح الاخذ بظاهر كلا الخطابين لاستلزام اجتماع تكليفين مستقلين على العالم العادل‏

370

و لا يلتزمون بالحمل هنا بل يقيدون المطلق بغير العادل و هكذا فى المقام.

الثالث انه قد اشتهر بينهم الفرق بين الاطلاق البدلى و الاطلاق الشمولى فى المقام حيث ان المشهور الحمل فى الاول دون الثانى مع انه قد ظهر مما ذكرنا سابقا عدم الفرق بينهما لانه اذا قال اكرم العالم و اكرم العالم العادل فان علم بوحدة سنخ الحكم من دليل خارجى فلا بد من حمل المطلق على المقيد و ان لم يعلم فيمكن استفادة وحدة التكليف منهما بالتقدير الذى ذكروه فى الاطلاق و التقييد البدلى لان افادة الحكم الجدى من قوله اكرم العالم لا يجتمع مع ارادة الحكم الجدى من قوله اكرم العالم العادل للزوم اجتماع الحكمين فى جميع افراد المقيد فلا بد من حمل المطلق على افراد العالم العادل فكما يقيد المطلق بغير مورد المقيد فى الاطلاق الشمولى و يثبت الحكم لجميع الافراد فكذلك نقول فى الاطلاق البدلى من انه بعد ورود المقيد نقيد المطلق و نحمله على غير مورد المقيد فاذا قال اعتق رقبة ثم ورد اعتق رقبة مؤمنة نقول المراد من المطلق هو الرقبة المؤمنة و لا نجد فرقا بين الاطلاق البدلى و الشمولى و لا وجه للتفرقة بينهما باستفادة وحدة التكليف فى احدهما دون الآخر او بالتزام الحمل مع وحدة التكليف فى احدهما دون الآخر و لكن الانصاف انه اذا كان المطلق بدليا فبعد ورود المقيد مع كونهما مثبتين لا شك فى ان اتيان فرد من المقيد كاف لامتثال كلا الخطابين عقلا و عرفا

371

لانه عمل بكلا الدليلين و هذا الجمع العملى الموافق لحكم العرف و العقلاء كاشف عن ان المراد الجدى من المطلق هو المقيد كما اذا كان القيد متصلا فى الخطاب بالمطلق و هذا الفهم العرفى لم يتحقق فى مورد الاطلاق الشمولى فالحق مع المشهور فيهما قال المحقق الخراسانى فى الكفاية انه لا فرق فى حمل المطلق على المقيد بين المثبتين و المنفيين فلو قال لا تعتق رقبة ثم ورد قوله لا تعتق رقبة كافرة يجرى فيهما الاحكام السابقة انتهى نقول ان المنفيين على قسمين الاول ما كانا متضمنين للتحريم كما مثل به فى كلامه الثانى ما كان مثل لا يجب عتق الرقبة و لا يجب عتق الرقبة الكافرة من الدلالة على نفى الوجوب فقط و على اى حال فرق بين المثبتين و المنفيين من وجهين‏

الاول ان الاطلاق المنفى يشمل جميع الافراد و لو كان بدليا لان المشهور ان النكرة فى سياق النفى يفيد العموم بخلاف الاثبات فقولنا فى الدار رجل صادق مع وجود رجل واحد و اما قولنا ليس فى الدار رجل لا يصدق إلّا مع عدم وجود جميع افراد الرجل فمعنى لا تعتق رقبة حرمة عتق جميع افراد الرقبة بخلاف اعتق رقبة فانه ايجاب عتق فرد من الرقبة.

الثانى انه اذا كانا مثبتين فعتق رقبة مؤمنة مصداق لامتثال حكم المطلق و حكم المقيد معافا لعمل بالمقيد عمل بالمطلق ايضا بخلاف المنفيين فان ترك عتق الرقبة الكافرة ليس مصداقا لترك عتق مطلق الرقبة فلو تركه و اعتق رقبة غير كافرة قد عصى حكم تحريم‏

372

مطلق الرقبة فلا بد من الالتزام بعدم حمل المطلق المنفى على المقيد المنفى و حمل حكم المقيد على الارشاد الى تاكيد حكم المطلق هذا آخر الكلام فى بحث المطلق و المقيد و خاتمة المجلد الاول من كتاب اصول الفوائد الغروية فى مباحث الالفاظ و يتلوه المجلد الثانى فى المباحث العقلية و الاصول العلمية و مباحث الاجتهاد و التقليد اذا ساعد التوفيق من رب العالمين و وافق رغبة الطالبين.

بقلم العبد محمد باقر بن محمد الكمره‏اى نزيل بلدة رى‏

373

فهرست‏

عنوان صفحه‏

مقدمة- فى موضوع العلم و تمايز العلوم 3- 17

فى الوضع و اقسامه 17- 22

فى المعانى الحرفية 22- 39

استعمال المشترك فى اكثر من معنى 39- 56

فى الحقيقة الشرعية 56- 63

فى الصحيح و الاعم 56- 74

فى بحث المشتق 75- 112

فى الامر و معانيه 112- 116

فى مدلول الامر 117- 136

فى التعبدى و التوصلى 137- 162

فى اقسام الواجب 163- 170

فى النور و التراخى و المرة و التكرار 171- 182

374

فى الاجزاء 183- 192

فى مقدمة الواجب و اقسامها و فى الشرط المتأخر 206- 238

الامر بالشي‏ء يقتضى النهى عن ضده و صحة الترتب 239- 260

فى مباحث النهى و جواز اجتماعه مع الامر 261- 286

النهى فى العبادة و المعاملة 287- 301

فى المفاهيم و مفهوم الشرط 302- 321

مفهوم الغاية و الحصر 321- 325

العام و الخاص 325- 340

اذا ورد عام و خاص و حكم النسخ و البداء 340- 352

فى المطلق و المقيد 353- 361

فى تعريف علم الجنس و سائر مباحثه 361- 365

فى ورود حكم لمطلق و مقيده 365- 368