اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها

- الشيخ علي المشكيني المزيد...
291 /
53

أصالة الصحة في عمل الغير

هي الحكم بصحة العمل الصادر عن الغير و ترتيب آثارها عليه عند الشك في صحته و فساده، فللقاعدة موضوع و محمول، موضوعها العمل الصادر عن الغير المشكوك في صحته و فساده، و محمولها الحكم بصحته و ترتيب آثارها عليه، عبادة كان المشكوك أو معاملة، عقدا كان أو إيقاعا، و هذه نظير قاعدة الفراغ إلا أن مجراها عمل الغير و مجرى تلك القاعدة عمل نفس الشاك.

فإذا رأينا أحدا غسل ميتا أو صلى عليه فشككنا في صحة عمله جاز ترتيب آثار الصحة و الحكم بسقوط الواجب عن ذمتنا.

و إذا رأينا عادلا يصلي الفريضة جاز إجراء أصالة الصحة في صلاته و الاقتداء به.

و إذا وقع من أحد بيع أو شراء أو ذبح حيوان أو غسل ثوب أو نكاح امرأة أو طلاقها أو إتيان عمل استيجاري، حكمنا بالصحة في الكل و رتبنا عليها آثارها.

تنبيهات:

الأول: أنّ الدليل على القاعدة أمور:

54

أولها: الإجماع القولي‏

المستفاد من تتبع كلمات الأعلام في مواطن كثيرة من الفقه، كتقديمهم قول مدعي الصحة على مدعي الفساد و نحوه.

ثانيها: السيرة العملية من المسلمين‏

لو لا العقلاء على حمل الأعمال على الصحيح و ترتيب آثار الصحة في العبادات و المعاملات.

ثالثها: عموم التعليل الوارد في موارد قاعدة اليد،

فإنه (عليه السّلام) قال: «و لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق» فمعنى التعليل أن كل ما يلزم من عدمه و ترك العمل به اختلال السوق فهو لازم العمل المحكوم بترتيب الأثر عليه، و ادعي فيما نحن فيه أنه لو لا الحمل على الصحة لاختل السوق و بطل الحقوق.

الثاني: مورد جريان القاعدة ما إذا كان الشك في الصحة موضوعيا ناشئا من جهة اشتباه الأمور الخارجية،

لا حكميا ناشئا من ناحية الدليل، فإذا كان اعتقاد الإمام و المأموم وجوب السورة في الصلاة، فشك المأموم أن الإمام تركها عمدا أم لا حمل فعله على الصحة.

و إذا كانت شرطية العربية في النكاح محرزة عند الفاعل و الحامل فشك الحامل في أن العاقد أخل بها عمدا أو نسيانا أم لا حمل أيضا على الصحة.

و أما إذا علم الشخص بأن الغير اشترى شيئا بالمعاطاة و شك في صحة المعاطاة شرعا فليس ذلك موردا لجريان هذا الأصل، و إن أمكن الحكم بالصحة تمسكا بعموم الأدلة و إطلاقها إلا أن هذه قاعدة أخرى و أصل لفظي يجريها الشخص في عمل نفسه و غيره لدى الشك في شمول العموم و الإطلاق و أصالة الصحة المبحوث عنها أصل عملي.

الثالث: مورد القاعدة كما ذكرنا هو الشك في الحكم الوضعي و هي الصحة و الفساد،

فالموضوع هو مشكوك الصحة و المحمول ترتيب آثار الصحة.

و أما إذا شك في حلية فعل صادر عن الغير و حرمته فهنا أصل آخر يسمونه بأصالة الصحة التكليفية و إن شئت فسمها بأصالة الحلية في فعل الغير، و بينه و بين أصالة الصحة تباين ذاتا و عموم من وجه تحققا.

فإذا شككنا في أن كلام المتكلم أو أكله أو شربه وقع بنحو الحرام أو الجائز

55

جرى حينئذ أصالة الإباحة دون أصالة الصحة، و إذا علمنا بوقوع المعاملة منه وقت النداء إلى صلاة الجمعة و شككنا في صحتها من جهة اختلال شرائطها جرى أصالة الصحة دون أصالة الإباحة للعلم بحرمتها التكليفية، و إذا شككنا في كون البيع الصادر منه ربويا أو غير ربوي جرى الأصلان.

ثم إن الدليل على قاعدة أصالة الحلية أخبار كثيرة تدل على لزوم حمل فعل المسلم على الحسن دون القبيح ففي الكافي في تفسير قوله تعالى: «وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً» قال (عليه السّلام): «لا تقولوا إلا خيرا حتى تعلموا ما هو».

و فيه أيضا عن علي (عليه السّلام) قال: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك عنه، و لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا و أنت تجد لها في الخير سبيلا».

و ما ورد مستفيضا أن: «من اتهم أخاه انماث الإيمان في قلبه، أو فلا حرمة بينهما، أو أنه ملعون» و غيرها من الروايات.

56

الأصل‏

هو في الاصطلاح عبارة عن الحكم المجعول للشاك ليس فيه ناظرية و جهة كشف.

بيانه أن المجعول للجاهل بالواقع لو كان فيه جهة كشف بالذات و كان الجعل بتتميم كشفه و إعطاء الطريقية له فهو يسمى أمارة و دليلا، و لو لم يكن كذلك بل فرض المشكوك موضوعا من الموضوعات و رتب عليه حكم من الأحكام سمي ذلك أصلا، فالأصل كالأمارة حكم ظاهري مجعول في موضوع الجهل بالواقع و ينقسم بتقسيمات:

الأول: تقسيمه إلى الأصل العملي و الأصل اللفظي‏

أما العملي: فهو الحكم الظاهري المحتاج إليه في مقام العمل من دون ارتباط له بمقام الألفاظ، فكل حكم ظاهري كان مجراه باب الألفاظ فهو أصل لفظي، و كل حكم ظاهري كان مجراه عمل المكلف و تعيين وظيفة له بالنسبة إلى عمله فهو أصل عملي، كأصالة البراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب و الطهارة و الصحة و الفساد و غيرها، فراجع عنوان مجاري الأصول و عناوين نفس تلك الأصول.

و أما الأصل اللفظي: فهو الحكم الظاهري الذي يعمل به في باب الألفاظ و يسمى أصلا لفظيا عقلائيا، أما كونه أصلا فلكونه مجعولا في حق الشاك، و أما كونه‏

57

لفظيا فلكون مجراه باب الألفاظ، و أما كونه عقلائيا فلكون مدركه بناء العقلاء و عملهم و إن كان الشارع قد أمضاه أيضا بالعمل على طبق طريقتهم و هو كثير يرجع جهلها إلى مقام وضع اللفظ و استعماله في معناه و إرادة معناه منه، كأصالة عدم الوضع و أصالة عدم الاشتراك و أصالة عدم النقل و أصالة عدم الإضمار و أصالة الظهور و أصالة الحقيقة و أصالة العموم و أصالة الإطلاق و غيرها.

بيان ذلك: أن العقلاء إذا شكوا في أن هذا اللفظ المعين مثلا موضوع أم لا؟ بنوا على عدم الوضع، و إذا علموا بوضعه لمعنى فشكوا في وضعه لمعنى آخر أم لا؟ بنوا على العدم أيضا و يعبر عنه بأصالة عدم الاشتراك، و إذا شكوا في أنه أضمر في الكلام شي‏ء من المضاف و المتعلق و نحوهما بنوا على العدم و يعبر عنه بأصالة عدم الإضمار، و إذا شكوا في أنه أريد ما كان اللفظ ظاهرا فيه و لو بالقرينة أم لا؟ بنوا على إرادته و يعبر عنه بأصالة الظهور، و إذا شكوا في أنه أريد المعنى الحقيقي أم أريد غيره بنوا على إرادة المعنى الحقيقي و يعبر عنه بأصالة الحقيقة، و إذا شكوا في ألفاظ العموم هل أريد منها الكل أو البعض بنوا على إرادة العموم و يعبر عنه بأصالة العموم، و إذا شكوا في الألفاظ الموضوعة للطبائع الكلية مثلا أنه هل أريد منها مطلق الطبيعة السارية في الأفراد و لو بنحو البدل أو أريد الطبيعة المحدودة المقيدة؟ بنوا على إرادة نفس الطبيعة و يعبر عنه بأصالة الإطلاق و هكذا.

تنبيهان:

الأول: أن هنا أصلين آخرين لا بد من التعرض لهما

أحدهما: أصالة التطابق و توضيح معناها أنه إن قلنا بأن استعمال العام و المطلق مع إرادة الخاص و المقيد مجاز فالأصل الجاري فيهما هو أصالتا العموم و الإطلاق و هما من مصاديق أصالة الحقيقة غير أن مورد هذين الأصلين الشك في مجازية العام و المطلق و مورد أصالة الحقيقة الشك في مجازية كل لفظ و استعماله في غير ما وضع له، و إن قلنا بعدم المجازية كما هو مذهب عدة من المحققين‏

58

لا يستعمله مطلقا إلا في العموم و لا يريد منه إلا تفهيم العموم للمخاطب ليرتب عليه حكما عاما و يعطي قاعدة كلية يعمل بها المخاطب.

ثم إن السامع تارة يعلم بكون مراده الجدي موافقا لظاهر كلامه فيكون الحكم المرتب على جميع الأفراد حكما فعليا حقيقيا و يطابق الإنشاء الظاهري الإرادة الجدية فيقال حينئذ إن الإرادة الاستعمالية قد طابقت الإرادة الجدية.

و أخرى: يعلم بكون المراد مخالفا لظاهر الكلام فلم يرد بنحو الجد شمول الحكم لبعض الأفراد مع شمول العام له استعمالا و ترتب الحكم عليه إنشاء فيكون الحكم المرتب عليه حكما إنشائيا و يقال حينئذ إن الإرادة الاستعمالية قد خالفت الإرادة الجدية.

و ثالثة: يحصل التردد في بعض الأفراد و يشك في أن المراد الجدي موافق للاستعمال أم لا؟ فيبني العقلاء حينئذ على كون المراد الجدي مطابقا لظاهر الاستعمال، و يعبر أهل الفن عن هذا البناء تارة بأصالة التطابق بين الإرادة الجدية و الاستعمالية، و أخرى بأصالة العموم أو الإطلاق، فظهر لك أن مجرى أصالة العموم و الإطلاق على قول المشهور الشك في الاستعمال و على مبنى بعض المحققين الشك في الإرادة مع العلم بالاستعمال فراجع بحث الإرادة الجدية و الاستعمالية.

ثانيهما: أصالة عدم الادعاء و بيانها أنه قد يدعى في بعض المجازات عدم استعمال اللفظ في غير معناه بل فيه مع دعوى الاتحاد بينه و بين المعنى المجازي فإذا قال القائل جاءني أسد مريدا به الرجل الشجاع فمعناه جاءني الحيوان المعهود و هو هذا الرجل فالشك في المجازية حينئذ يرجع إلى الشك في أنه هل أراد المعنى المجازي بدعوى الاتحاد أم لا؟ فيبني العقلاء حينئذ على عدم تحقق الادعاء و يسمى هذا بأصالة عدم الادعاء.

الثاني: أنه هل يبني العقلاء على إرادة الحقيقة أو العموم أو غيرهما ابتداء من غير توسيط شي‏ء آخر

أو هم يبنون ابتداء على عدم وجود قرينة مانعة عن إرادة الحقيقة فيبنون بواسطته على تلك الأمور فيكون مرجع تلك الأصول حقيقة إلى أصالة عدم القرينة، قولان مشهوران بين الأصحاب، و هذا الخلاف هو المراد من قولهم إن حجية الظواهر هل هي من جهة أصالة الحقيقة أو من جهة أصالة عدم القرينة؟ و تظهر الثمرة

59

بينهما فيما إذا شك في إرادة الظاهر مع العلم بعدم وجود القرينة فإنه بناء على الأول يكون الظاهر حجة و بناء على الثاني لا معنى لأصالة عدم القرينة مع العلم بعدمها.

الثاني: تقسيمه إلى الأصل الشرعي و الأصل العقلي‏

أما الأول: فكل حكم ظاهري كان مجعولا من ناحية الشارع فهو أصل شرعي، كالاستصحاب الشرعي و البراءة الشرعية و أصالة الطهارة و الصحة و نحوها.

و أما الثاني: فكل ما كان بحكم العقل و بناء العقلاء فهو أصل عقلي، كأصالة البراءة العقلية و أصالة التخيير و الاحتياط و جميع الأصول الجارية في باب الألفاظ كما ذكرنا.

الثالث: تقسيمه إلى الأصل المحرز و الأصل غير محرز

قد عرفت أن معنى الأصل هو الحكم المجعول للجاهل بالواقع الذي ليس له إليه طريق، و حينئذ فإن لوحظ في جعل تلك الأحكام حال الواقع و كان لسان الدليل جعل الأحكام المماثلة له سمي ذلك أصلا محرزا، و هذا كالاستصحاب و أصالة الصحة و قاعدة الفراغ و التجاوز، ففي استصحاب حياة زيد مثلا يحكم بترتيب آثار الحياة و يكون الحكم المذكور مماثلا للواقع فكأنه محرز له و لذا سمي بالأصل المحرز.

و إن لم يلاحظ ذلك بل كان المجعول حكما ظاهريا مستقلا بلا لحاظ كون المجعول مما يماثل الواقع سمي أصلا غير محرز، كالبراءة و التخيير و نحوهما فإن حكم الشارع بالإباحة في مشكوك الحرمة ليس بلسان ترتيب حكم الواقع بل هو حكم ظاهري مستقل.

الرابع: تقسيمه إلى الأصل المثبت و غير المثبت‏

توضيحه: أن كل موضوع له أثر شرعي لا بد في ترتيب أثره عليه من إحراز ذلك الموضوع بالقطع أو بأمارة معتبرة أو بأصل عملي، فإن أحرز بالقطع فلا إشكال و لا كلام في لزوم ترتيب آثار نفس ذلك الموضوع و آثار جوانبه.

60

بيانه أن الشي‏ء يتصور له جوانب أربعة: اللازم و الملزوم و الملازم و المقارن، فحياة زيد ملزوم و تنفسه و تغذيه و تلبسه و نبات لحيته لوازم عقلية و عادية و التنفس بالنسبة إلى نبات اللحية ملازم، و فيما لو حصل العلم الإجمالي بموت زيد و عمرو فموت كل منهما بالقياس إلى حياة الآخر مقارن، ثم إنه لا إشكال في أن القطع بالشي‏ء مستلزم للقطع بتحقق جميع لوازمه، فحينئذ إذا كانت تلك الجوانب لها آثار شرعية فلا إشكال في لزوم ترتيب آثارها عند القطع بأصل الشي‏ء لأن الجوانب أيضا تكون محرزة بالوجدان كنفس الشي‏ء.

و أما لو لم يحصل القطع و كان حياة زيد مثلا مشكوكة فمن الواضح أن الجوانب أيضا تكون مشكوكة بالوجدان، إذ كما أن القطع بالملزوم مستلزم للقطع باللازم فكذلك الشك فيه مستلزم للشك فيه، فإذا فرضنا قيام أمارة معتبرة على الشي‏ء كإخبار البينة عن حياة زيد فلا إشكال في لزوم ترتيب آثار نفس الحياة من حرمة التصرف في ماله و حرمة تزويج زوجته و وجوب الإنفاق عليه فإنه معنى تصديق البينة في إخبارها، و أما الآثار الشرعية المترتبة على الجوانب كما إذا كان ناذرا للتصدق بدرهم لو كان زيد متنفسا و بدينار لو كان متلبسا أو إذا نبت له لحية فالظاهر أيضا وجوب ترتيب تلك الآثار بمجرد قيام البينة على حياة زيد إذ لا إشكال في أن إخبار العادل بالحياة كما أنه حاك عن نفس الحياة بالمطابقة حاك عن الجوانب بالملازمة و الشارع كما أمر بالعمل على ما حكي عنه بالمطابقة أمر بالعمل على ما حكي عنه بالملازمة فيجب ترتيب آثار الجميع و هذا معنى ما يقال إن مثبتات الأمارة حجة، و مرادهم أن الأمارة تثبت لوازم ما أدى إليه أيضا و جوانبه فيجب ترتيب آثارها.

هذا حال الأمارات و أما الأصول العملية الجارية في الموضوع عند عدم الأمارة كاستصحاب حياة زيد مثلا فهل يثبت بها نفس الحياة و يجب ترتيب آثارها فقط أو يثبت بها آثار المستصحب و آثار جوانبه كالأمارة وجهان بل قولان:

أشهرهما أنه لا يثبت به إلا آثار نفسها و أما آثار الجوانب كما عرفت فلا تكاد تترتب بإجراء الاستصحاب في نفس الحياة، فلو أريد إثبات تلك الآثار فلا بد من إجراء استصحاب آخر بالنسبة إلى كل من الجوانب لو كان لها حالة سابقة وجودية،

61

فاستصحاب الحياة ينفع لترتيب حرمة التصرف في ماله و أما لزوم التصدق بدرهم أو دينار في المثال السابق فإثباته يحتاج إلى إجراء الاستصحاب في نفس التنفس و التلبس و هذا معنى ما اشتهر من أن الأصل المثبت غير حجة، و مرادهم أن الأصل الذي يراد به إثبات اللوازم للمستصحب ليترتب عليها آثارها لا يكون بحجة.

فإن قلت إذا حكم الشارع بحياة زيد مثلا بالاستصحاب فلازمه ترتيب آثار التنفس و التلبس و نحوهما أيضا إذ الملازمة بينهما واضحة عقلا و عادة فكيف يحكم بترتيب آثار الحياة دون آثارها.

قلت المفروض أن أصل الحياة و لوازمها كلها مشكوكة وجدانا و حكم الشارع بترتيب الآثار تعبدا لم يثبت إلا في خصوص ما وقع مجرى الاستصحاب و هو الحياة فالجوانب لم تحرز بعد بالقطع و لا بحكم تعبدي بترتيب آثارها.

62

الأصول‏

عرفوا المعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة بتعاريف كثيرة:

و الأولى: تعريفها بأنها العلم بالقواعد الممهدة لرعاية الأحكام الشرعية الفرعية إثباتا أو إسقاطا.

فخرج بالعلم بالقواعد علم الفقه فإنه علم بنفس الأحكام الشرعية و الوظائف العملية لا بالقواعد المعدة لكشف حالها.

و بعبارة أخرى هنا قواعد معينة مدونة قابلة لأن يصل بها الباحث إلى الأحكام الفرعية و الوظائف العملية، فالعلم بتلك القواعد يسمى بعلم الأصول، و العلم بتلك الأحكام و الوظائف يسمّى بعلم الفقه.

مثلا إذا وقع البحث عن خبر الثقة و أثبتت له الحجية، سميت النتيجة مسألة أصولية، و العلم بها علم الأصول، و إذا جعلت تلك النتيجة كبرى لقياس مؤلف، فقيل وجوب الجمعة مما أخبر به الثقة و كلما أخبر به الثقة ثابت فالوجوب ثابت، سميت النتيجة مسألة فقهية و العلم بها فقها و اجتهادا.

و خرج بقيد الرعاية القواعد التي لم يكن تمهيدها لخصوص رعاية الأحكام كعلم اللغة و المنطق و غيرهما.

63

و خرج بالتقييد بالفرعية ما له دخل في استخراج الأحكام الشرعية الأصولية كوجوب الاعتقاد بالمبدإ تعالى و المعاد و سفرائه إلى العباد.

ثم إن تلك القواعد أعم مما يوجب القطع بالحكم و غيره، و من الشرعية و العقلية، و من الأمارات و الأصول، و من مثبتات الأحكام و مسقطاتها فيدخل في التعريف حجيّة نصوص الكتاب و الأخبار المتواترة و هي مفيدة للقطع، و حجيّة ظواهر الكتاب و أخبار الآحاد و هي تفيد الظن و يدخل أيضا الحديث و الإجماع و الشهرة مثلا و هي أمارات، و الاستصحاب و البراءة و الاحتياط و هي أصول عملية، و يدخل أيضا أخبار الآحاد و الاستصحاب و البراءة النقلية و هي قواعد شرعية، و الظن الانسدادي على الحكومة و قاعدة الملازمة و البراءة و الاحتياط العقليين و نحوهما و هي قواعد عقلية، و يدخل أيضا كل أمارة أو أصل مثبت حكما من الأحكام و كلما ينفيه و يسقطه.

تنبيهان:

الأول: مقتضى التعريف المذكور أنه ليس لهذا العلم موضوع معين معلوم المفهوم،

بل هو القدر الجامع بين شتات موضوعات المسائل فبعد وقوع البحث عن خبر العدل و ظاهر الكتاب و الظن الانسدادي و اليقين بثبوت شي‏ء و الشك في بقائه و نحوها ينتزع من تلك الموضوعات عنوان جامع يكون هو موضوع العلم و سيأتي الكلام في ذلك تحت عنوان الموضوع.

الثاني: مسائل هذا العلم عبارة عن النتائج الحاصلة من أبحاثه القابلة لأن تقع كبرى كلية في مقام الاستنباط

كحجية الخبر و الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته و لزوم إبقاء ما كان و نحوها و بذلك يعلم أن الغرض منه النيل إلى هدف الاستنباط و تحصيل الأحكام الشرعية.

64

الاطراد و عدم الاطراد

إذا أطلق لفظ على معنى باعتبار لحاظ ملاك و خصوصية كإطلاق لفظ العالم على زيد باعتبار وصف العالمية و أريد أن يعلم أن هذا الإطلاق هل هو بنحو الحقيقة أو المجاز فلا بد من الاختبار، فإن صح إطلاقه على كل شي‏ء كان له ذلك الوصف كعمرو العالم و غيره يطلق على هذا المعنى الاطراد، أي شيوع استعمال اللفظ في المصاديق الواجدة لملاك الاستعمال، و يجعل ذلك علامة على كون اللفظ حقيقة في ذلك المعنى و إن لم يصح الإطلاق كان ذلك علامة المجاز و يسمى بعدم الاطراد، كاستعمال لفظة أسد في زيد باعتبار مشابهته بالأسد فإنه لا يصح استعماله في كل شي‏ء كان شبيها بالأسد في شي‏ء من الصفات و بشباهة ما من الشبه. فاللفظ هنا كلمة أسد و المستعمل فيه زيد و الملاك و الخصوصية هي الشباهة في شي‏ء من الصفات فمع وجود هذا الملاك في فرد آخر كعمرو مثلا لا يصح الاستعمال و هو معنى عدم الاطراد و جعلوه قرينة على أن استعمال أسد في زيد مجاز.

و لا يخفى عليك أن هذا البيان يتم لو كان المراد من الملاك أصل الشباهة بلا لحاظ مصاديقها فإن استعمال أسد في زيد لشبه الشجاعة لا يصحح استعماله في الحجر لشبه الصلابة أو في المعز لكثرة الشعر، و أما لو كان الملاك في الاستعمال نوعا

65

مخصوصا من العلائق و قسما معينا من الشباهات كالشجاعة مثلا فيطرد الاستعمال هنا أيضا، فكل حيوان كان له شجاعة مثل الأسد صح الاستعمال فلا يكون الاطراد من علائم الحقيقة.

66

الأقل و الأكثر (الاستقلاليان و الارتباطيان)

هما في الاصطلاح عبارة عن فعلين أحدهما أقل من الآخر في الكمية ملحوظين في مقام تعلق التكليف، فإذا علم بتوجه بعث أو زجر و شك في أنه تعلق بالقليل أو الكثير تحقق عنوان دوران الأمر بين الأقل و الأكثر و جرى الاختلاف و البحث في أنه هل يجب الإتيان بالأكثر أو أنه يكفي الأقل أيضا، أو أنه هل يحرم الإتيان بالأكثر فقط أو يحرم الأقل أيضا.

ثم إن معنى الاستقلاليين كون إتيان الأقل على فرض تعلق الحكم بالأكثر في الواقع، مجزيا بمقدار الأقل و امتثالا في الشبهة الوجوبية و عصيانا بمقداره و مخالفة في الشبهة التحريمية، بخلاف الارتباطيين فإنه لو كان التكليف متعلقا بالأكثر في الواقع لكان إتيان الأقل لغوا و فاسدا لا طاعة فيه و لا مخالفة كما سيظهر من أمثلة الباب.

و بعبارة أخرى التكليف في الاستقلاليين متعدد، فالمكلف يعلم بوجود تكليف أو تكليفين مثلا و يشك في وجود ما زاد عنه، بخلاف الارتباطيين فإن التكليف فيهما واحد لا شك فيه و إنما الشك في أنه متعلق بالأقل أو بالأكثر، و من هنا قالوا إن مرجع الشك في الاستقلاليين إلى الشك في التكليف و في الارتباطيين إلى الشك في المكلف به.

67

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الأقل و الأكثر إما أن يكونا استقلاليين أو ارتباطيين و على كلا التقديرين فإما أن يلاحظا في الشبهة الوجوبية أو في الشبهة التحريمية.

فهنا صور أربع:

الأولى: الأقل و الأكثر الاستقلاليان في الشبهة الوجوبية

و مثاله ما إذا علم المكلف بفوات صلوات منه و شك في عددها و أنها ثلاث أو أربع، فهو عالم بتعلق الوجوب و شاك في وجوب القليل أو الكثير، و كذا إذا علم بأن عليه دين لزيد و شك في أنه درهم أو درهمان.

فذهب الأكثر فيه إلى وجوب إتيان الأقل و إجراء أصالة البراءة عن الأكثر، إذ قد عرفت أن الشك هنا يرجع إلى الشك في التكليف المستقل بالنسبة إلى ما زاد عن الأقل فتجري البراءة.

الثانية: الأقل و الأكثر الاستقلاليان في الشبهة التحريمية،

و مثاله ما إذا علم الجنب أو الحائض بحرمة قراءة العزائم و شك في أن المحرم خصوص آية السجدة أو جميع أجزاء السورة فيقول إن التكليف بالأقل معلوم و ما زاد منه مشكوك يجري فيه أصالة البراءة.

الثالثة: الأقل و الأكثر الارتباطيان في الشبهة الوجوبية

و هذا القسم هو المهم المقصود بالبحث للأصوليين و الاختلاف بينهم فيه كثير و يسمونه تارة بالأقل و الأكثر الارتباطيين، و أخرى بالشك في جزئية شي‏ء للمأمور به أو شرطيته له. مثاله ما لو علم بتكليف وجوبي و شك في أنه تعلق بالصلاة مع السورة أو بالصلاة بلا شرط السورة فالتكليف معلوم و متعلقه مردد بين الأقل و الأكثر فيرجع هذا الشك إلى الشك في جزئية السورة للصلاة و عدمها.

و الأقوال فيه ثلاثة:

أحدها: جريان البراءة العقلية و النقلية بالنسبة إلى تعلق التكليف بالأكثر.

فيقال الأصل عدم تعلق الوجوب بالصلاة المركبة من السورة مثلا و أما تعلقه بالأقل فهو معلوم لا مورد للبراءة فيه أو جريان حديث الرفع و غيره بالنسبة إلى الحكم الوضعي أعني جزئية المشكوك و إليه ذهب الشيخ (رحمه الله) في رسائله.

ثانيها: جريان البراءة الشرعية في الجزئية و رفعها بأدلة البراءة الشرعية دون البراءة

68

العقلية، بل المورد بحسب العقل من موارد الاحتياط و هذا مذهب صاحب الكفاية (قدس سره).

ثالثها: عدم جريانها مطلقا بل لزوم الاحتياط بإتيان الأكثر، و يظهر هذا من كلمات بعض المتأخرين و ربما ينسب إلى بعض المتقدمين أيضا.

الرابعة: الأقل و الأكثر الارتباطيان في الشبهة التحريمية،

مثاله ما إذا علمنا بحرمة تصوير ذوات الأرواح نقشا أو تجسيما و شككنا في أن الحرام هل هو نقش تمام الصورة أو أن البعض أيضا كذلك فالحرمة معلومة و الشك إنما هو في تعلقها بالأقل أو بالأكثر و حكم الارتباطيين في هذه الشبهة يباين حكم الارتباطيين في الوجوبية، فالأكثر هنا معلوم الحرمة و الأقل مشكوك تجري فيه البراءة كما أن الأكثر كان هناك مشكوكا و الأقل معلوم الوجوب.

69

الأمارة

(أي الطريق المجعول في حق الجاهل بالواقع) المجعول في حق الجاهل بالواقع إن كان له كاشفية ذاتية عن الواقع ناقصة و ناظرية و حكاية و لو نوعية و اعتبره الشارع بلحاظ كشفه و نظره يسمى ذلك دليلا و أمارة، و إلا فأصلا كما تقدم و قد يطلق على المجعول لكشف حال الأحكام الدليل و على المعتبر لبيان حال الموضوعات الأمارة.

فقوام أمارية الأمارة بأمرين: أحدهما: وجود كاشفية ناقصة فيها بالذات. و الثاني:

كون إمضائها بنحو تتميم كشفها و إمضاء طريقيتها.

مثلا إذا أخبر العادل بوجوب الجمعة أو حرمة العصير فقوله حاك عن الواقع ظنا و بعد ورود أدلة تدل على وجوب تصديقه و العمل على طبقه يصير قوله دليلا اجتهاديا و أمارة على الأحكام و مثل ذلك الظن الانسدادي و الإجماع المنقول و الشهرة في الفتوى على القول بحجيتها.

و إذا قامت البينة على كون المال المعين ملكا لزيد كان ذلك دليلا و أمارة في الموضوعات و يجب ترتيب آثار المخبر به بواسطة إخبارها.

70

تنبيهات:

الأول: أن المعتبر للدليل إن كان هو الشارع يسمى ذلك دليلا شرعيا و أمارة شرعية

كخبر العدل و الثقة و الظن الانسدادي على الكشف، و إن كان هو العقل يسمى دليلا عقليا و أمارة عقلية كالظن الانسدادي على الحكومة فراجع عنوان الحكومة.

فاوجب مولانا الصادق (عليه السّلام) في مقبولة ابن حنظلة: «الأخذ بما يقوله الأعدل و الأصدق و ما هو المشهور» و نحوها، و قال ابن أبي جهم للرضا (عليه السّلام):

«يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيهما الحق، قال (عليه السّلام) إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت»، فلو لا الحجية لما تعارضا و لما كان الترجيح بينهما

71

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

74

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

75

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

76

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

77

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

78

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

79

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

80

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

81

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

82

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

83

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

84

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

85

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

88

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

89

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

90

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

91

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

92

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

93

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

94

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

95

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

96

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

97

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

98

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

99

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

100

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

101

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}