اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها

- الشيخ علي المشكيني المزيد...
291 /
153

فتولد من الشك في الماء الشك في ملاقيه فالأول سببي و الثاني مسببي، و حكمه أنه يجري استصحاب الطهارة في الماء فيغني عن استصحابها في الملاقي أو يجري فيه استصحاب آخر.

و مثال الثاني: ما إذا كان هنا كر مسبوق بالطهارة فغسل فيه ثوب نجس فتولد من الشك في الماء الشك في طهارة الثوب، و الأول سببي و الثاني مسببي و أصلهما حينئذ متعارضان بدوا فمقتضى استصحاب طهارة الكر طهارة المغسول فيه، و مقتضى استصحاب نجاسة الثوب الحكم بنجاسته.

و هل اللازم حينئذ تقديم أصل السبب أو المسبب أو يتساقطان. وجوه أقواها الأول لأمور:

منها: لزوم المحذور العقلي لو قدمنا المسببي بخلاف تقديم أصل السبب.

بيانه: أن من آثار طهارة الماء شرعا طهارة المغسول به لقوله ع الماء يطهر و لا يطهر، فإذا حكم الشارع بطهارة الماء بالاستصحاب فقد حكم بطهارة المغسول فيه، فيكون رفع اليد عن نجاسة الثوب بأمر الشارع و دليل شرعي، إذ الشارع حينئذ قد ألغي الشك المتعلق ببقاء نجاسة الثوب و حكم بعدمه تعبدا بعد الغسل بذلك الماء فرفع اليد عن استصحاب النجاسة لعدم الشك في بقائها تعبدا فلا موضوع له حتى يجري حكمه، نظير ما إذا قامت البينة على طهارة الثوب في المثال.

فتحصّل أن اللازم من تقديم السببي عدم بقاء الموضوع للمسببي و كونه محكوما بل قد تعرضنا في بعض مواضع الكتاب لتقريب وروده عليه.

و هذا بخلاف ما إذا قدمنا أصل المسبب و طرحنا الأصل الجاري في السبب فإنه يلزم طرح الحكم الشرعي بلا دليل فإنه ليس من آثار بقاء نجاسة المغسول في الكر مثلا نجاسة الكر شرعا بل هي من الآثار و اللوازم العقلية للاستصحاب المسببي فإنه إذا حكم بنجاسة المغسول بالكر في المثال ينكشف لدى العقل أنه لا وجه له إلا كون الماء نجسا غير قابل للتطهير به فإذا كان الأصل في المسبب غير ناظر إلى حال السبب يكون رفع اليد عن أصله مع تحقق موضوعه تخصيصا بلا وجه و هذا معنى ما قيل إن الأمر يدور حينئذ بين التخصص و التخصيص بلا وجه فتقديم السبب مستلزم‏

154

للتخصص في ناحية المسبب و عكسه مستلزم للتخصيص بلا وجه في ناحية السبب كما عرفت.

و منها: أنه يظهر من صحيحة زرارة صحة استصحاب الوضوء و إجزاء الصلاة المأتي بها بذلك الوضوء مع أنه معارض بأصالة عدم براءة الذمة بتلك الصلاة و هذا بعينه من تقديم السبب على المسبب إذ الشك في بقاء الاشتغال مسبب عن الشك في بقاء الوضوء.

و منها: الارتكاز العرفي و عمل العقلاء على التقديم فإنهم إذا علموا بأن الشارع حكم بطهارة ماء أو كريته و لو كان حكما ظاهريا رتبوا عليه الحكم برفعه للخبث و الحدث و إذا حكم بحلية مال أدّوا منه ديونهم و لا يلتفتون إلى ما يقابلها من استصحاب بقاء النجاسة أو الحدث أو اشتغال ذمتهم بالديون و هكذا.

تنبيه: قد لا يكون الأصل الجاري في ناحية السبب ناظرا إلى حال المسبب و حاكما عليه لكون اللزوم عقليا،

و قد يسقط عن الحجية لمانع أو مزاحم، و على التقديرين فتصل النوبة إلى الأصل الجاري في المسبب.

مثال الأول ما إذا غاب عنا زيد و له من العمر عشر سنين فشككنا بعد عشرين سنة في بقاء حياته، فاستصحاب الحياة لا يثبت بلوغ سنه إلى ثلاثين أو نبات لحيته أو سائر اللوازم العقلية و العادية فإنه مثبت فتصل النوبة إلى إجراء استصحاب عدم تحقق تلك اللوازم و عدم آثارها و هذه أصول مسببية.

و مثال الثاني ملاقي أحد الأطراف في الشبهة المحصورة فيما إذا علم إجمالا بنجاسة أحد الشيئين، فإن الأصل في طرف السبب أعني الملاقى بالفتح قد سقط بالمعارضة فوصلت النوبة إلى أصل المسبب.

155

الشهرة

هي في الاصطلاح عبارة عن اشتهار أمر ديني بين المسلمين و لو بين عدة منهم.

و تنقسم إلى أقسام ثلاثة:

الأول: الشهرة الروائية و هي اشتهار نقل الرواية بين أرباب الحديث و رواته القريبين من عهد الحضور لا المتأخرين عنه سواء عمل بها ناقلها أم لم يعمل لوجود قصور فيها أو وجود رواية أرجح منها و هذا القسم هو الذي جعلوه في باب التراجيح من المرجحات و حملوا عليه قوله (عليه السّلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك» فإذا ورد خبران متعارضان و كان أحدهما أشهر رواية من الآخر أوجبوا أخذه و طرح الآخر لمرجحية الشهرة.

الثاني: الشهرة العملية و هي اشتهار العمل برواية بين الأصحاب المذكورين و كثرة المستند إليها في مقام الفتوى و لو لم يتحملوا نقلها بشرائط التحمل و النقل و هي التي توجب جبر سند الرواية إذا كان ضعيفا فإذا لم يكن في المسألة إلا رواية واحدة ضعيفة السند و لكن الأصحاب عملوا بها انجبر ضعفها و جاز الاستدلال بها.

كما أن المشهور لو أعرضوا عن رواية كان ذلك موهنا لها و لو كان السند صحيحا سليما و من هنا قيل: كلما ازداد الخبر صحة ازداد عند الإعراض عنه ضعفا، و النسبة

156

بين الشهرتين عموم من وجه فقد تكون الرواية مشهورة من حيث الرواية غير مشهورة من حيث العمل و قد ينعكس الأمر و قد يتصادقان و هذان القسمان من الشهرة من صفات الرواية و حالاتها.

الثالث: الشهرة الفتوائية و هي عبارة عن اشتهار الفتوى بحكم في مسألة من المسائل مع عدم استناد المفتين بها إلى رواية إما لعدم وجودها أو لإعراضهم عنها و هذه هي التي يبحث عن حجيتها في باب حجية الأمارات و هذه الشهرة من الصفات العارضة للحكم الشرعي دون الخبر و الرواية.

157

الصحيح و الأعم‏

وقع النزاع بين الأصوليين في أن أسامي العبادات كالصلاة و الزكاة و الحج و الصوم بل و بعض أسامي المعاملات كالبيع و الإجارة و النكاح و نحوها هل هي موضوعة و لو بوضع تخصصي للمعاني الجامعة للأجزاء و الشرائط الشرعية الفاقدة للموانع و القواطع كذلك، بحيث يكون الاستعمال في الناقصة الفاقدة لما يعتبر فيها غلطا باطلا أو مجازا لعناية و علاقة و يكون ما هو الموضوع له هو المأمور به عند الشارع و ما هو المأمور به عنده هو الموضوع له، أو هي موضوعة للأعم من التامة الجامعة لما يعتبر فيها و الناقصة الفاقدة له، فإطلاقها على الناقصة أيضا استعمال حقيقي و إن كان الطلب لم يتعلق إلا بالكاملة الواجدة لما يعتبر فيها فاختيار الوجه الأول قول بالصحيح و القائل به يسمى صحيحيا و اختيار الوجه الثاني قول بالأعم و القائل به يسمى أعميا.

ثم إنهم قد أطنبوا الكلام في تعيين الألفاظ الواقعة في محل النزاع و في تصوير المعنى الصحيح و المعنى الأعم في موارد البحث و في الاستدلال على ما اختاروه من الوجهين فراجع مظانه.

و أما الثمرة بين القولين فقالوا إنها تظهر فيما إذا وقعت هذه الألفاظ بنحو الإطلاق موضوعا لحكم من الأحكام كما إذا قال المولى صل الظهر و شككنا في أن السورة جزء

158

لها أم لا، فعلى القول الأول يرجع الشك في الجزئية إلى الشك في أصل صدق الصلاة على الصلاة بلا سورة و معه لا يجوز التمسك بالإطلاق كما إذا شك في قوله أعتق رقبة إن هذا الموجود عبد أم حر فاللازم حينئذ الاحتياط و على القول الثاني لا إشكال في أن العمل بلا سورة أيضا صلاة فيشك في تقييدها بقيد زائد على حقيقتها و عدمه و الإطلاق حينئذ محكم.

159

الضد و النقيض‏

قسم أهل المعقول العرضين المقيسين إلى موضوع واحد إلى أقسام ستة المثلين و الخلافين و الضدين و المتضايفين و الملكة و عدمها و النقيضين و سموا الأربعة الأخير بالمتقابلين.

فالمثلان: هما العرضان من نوع واحد كالبياضين و السوادين.

و الخلافان: هما العرضان من نوعين مع إمكان اجتماعهما في محل واحد كالبياض و الحلاوة.

و الضدان: هما العرضان الوجوديان من نوعين مع عدم إمكان الاجتماع و عدم توقف تصور أحدهما على تصور الآخر كسواد و بياض.

و المتضايفان: هما الوجوديان من نوعين مع عدم الاجتماع و توقف تصور أحدهما على تصور الآخر كالأبوة و البنوة في شخص خاص بالنسبة إلى شخص خاص آخر.

و العدم و الملكة: هما العرضان أحدهما وجودي و الآخر عدمي مع كون المحل المتصف فعلا بالعدمي من شأنه أن يتصف بالوجودي كعدم اللحية و وجودها في من بلغ خمسين سنة مثلا.

و النقيضان: أو الإيجاب و السلب هما الوجودي و العدمي مع عدم لحاظ الشأنية كوجود زيد و عدمه.

160

إذا عرفت ذلك علمت معنى الضد عند أهل المعقول و أما عند الأصوليين فقد يطلق على ذلك و قد يطلق على المعنى الأعم من ذلك أعني المنافي للشي‏ء و المعاند له سواء كان وجوديا أو عدميا، إلا أنهم سموا الوجودي بالضد الخاص و العدمي بالضد العام بمعنى الترك، فيقولون في مسألة «إن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده أم لا» إنه إذا أمر المولى بإزالة النجاسة عن المسجد فهل يقتضي ذلك، النهي عن الصلاة أم لا أو يقتضي النهي عن ترك الإزالة أم لا، فالإزالة و الصلاة عندهم ضدان كما أن الإزالة و عدمها أيضا عندهم ضدان.

161

الظن‏

هو لغة و اصطلاحا عبارة عن الطرف الراجح من طرفي الترديد في الذهن، و قد يطلق اصطلاحا على الأسباب الذي تورث الظن بحسب الغالب كما ستعرف و لمطلق الظن عند الأصوليين تقسيمات:

الأول: تقسيمه إلى الظن الشخصي و الظن النوعي.

فالأول: هو الظن اللغوي و هي صفة نفسانية تنقدح في النفس نظير العلم و الشك.

و الثاني: هي الأسباب التي تكون غالبا سببا لانقداح الظن الشخصي في الذهن، كخبر العدل و الثقة و الإجماع المنقول و كون الشي‏ء متيقن الوجود في السابق و نحوها فيطلق عليها الظنون النوعية، و بين الظنين تباين ماهية و عموم من وجه تحققا فقد يفترقان في التحقق و قد يتحققان و في صورة التحقق قد يتوافقان و قد يختلفان فإذا أخبرك العادل بوجوب الجمعة و كان ظنك الشخصي أيضا بالوجوب فقد اجتمعا و توافقا و إن كان ظنك الشخصي بحرمتها فقد اختلفا فإن ثبت عندك حجية أحدهما دون الآخر عملت بالحجة منهما و إن ثبت حجيتهما معا كان المورد من قبيل تعارض الدليلين.

الثاني: تقسيمه إلى الظن الخاص و الظن المطلق.

162

فالأول: كل ظن شخصي أو نوعي دل على حجيته دليل خاص من عقل أو نقل كالظن بركعات الصلاة أو خبر العدل و الثقة.

و الثاني: هو الظن الذي ثبت حجيته بدليل الانسداد و معونة مقدمات الحكمة و يطلق عليه الظن الانسدادي أيضا و قد مضى بيان المقدمات تحت عنوان الانسداد.

الثالث: تقسيمه إلى الظن المانع و الظن الممنوع.

و هذان اسمان لبعض مصاديق الظن المطلق الذي كان أحد الشقين في التقسيم السابق، فهنا ظن مطلق مانع و ظن مطلق ممنوع، مثلا إذا حصل للمكلف القائل بالانسداد ظن من قول الصبي أو الفاسق بوجوب صلاة الجمعة و حصل له ظن آخر بعدم حجية الظن الحاصل من قول الصبي و الفاسق، يطلق على الظن الأول الممنوع و على الثاني المانع و في حجية أحدهما أو كليهما أقوال:

أولها: حجية المانع دون الممنوع لأنهما كالشك السببي و المسببي في الاستصحاب.

ثانيها: حجية الممنوع دون المانع لأن الأول ظن بالحكم الفرعي و هو الوجوب و الثاني ظن بالحكم الأصولي و هي الحجية و المتقين من دليل الانسداد حجية الأول فقط.

ثالثها: لزوم اختيار أقواهما لو كان و إلا فالتساقط لعدم الترجيح.

الرابع: تقسيمه إلى الظن الطريقي و الظن الموضوعي.

و الأول: ما كان طريقا محضا إلى واقع محفوظ من دون كونه مأخوذا في موضوع حكم كما في القطع الطريقي من غير فرق بينهما إلا في كون طريقية القطع ذاتية غير قابلة للجعل شرعا و كون طريقية الظن عرضية مجعولة من الشرع أو العقل و الأول كحجية الأمارة شرعا بنحو الطريقية و الثاني كالظن الانسدادي على الحكومة.

و الثاني: هو الظن الذي له دخل في الحكم شرعا بمعنى كونه مأخوذا في موضوعه و الأقسام المتصورة في القطع الموضوعي تجري في المقام أيضا مع اختصاصه بزيادة شي‏ء.

بيانه أنه سيأتي في باب القطع امتناع أخذ القطع بالحكم أو بالموضوع ذي الحكم في موضوع حكم‏

163

مماثل للمقطوع به أو مضاد له و أما أخذ الظن بذلك في موضوع حكم مماثل أو مضاد فهو جائز في الظن غير المعتبر و غير جائز في المعتبر، فيجوز أن يقول المولى إذا ظننت بوجوب صلاة الجمعة من إخبار صبي أو فاسق فهي عليك واجبة أو هي عليك محرمة، و السر في ذلك أن الواقع على فرض وجوده غير منجز على الظان لعدم حجية ظنه فيكون الحكم المرتب على الظن حكما ظاهريا فعليا و لا تنافي بينه و بين الحكم الواقعي كما في موارد الشك، و لا يجوز أن يقول بعد أن جعل قول العدل حجة و طريقا إذا أخبرك العدل بوجوب صلاة الجمعة فهي عليك واجبة أو هي عليك محرمة لأن الواقع على فرض وجوده فعلي منجز و الفرض أن الحكم المرتب على الظن أيضا كذلك فيلزم اجتماع المثلين أو الضدين و لو ظنا و هو باطل.

164

عدم خلو الواقعة عن الحكم‏

قد اشتهر بين الأصحاب عدم خلو واقعة من الوقائع عن الحكم الشرعي و القدر المسلم من هذه المسألة ما إذا كان المراد من الواقعة فعل المكلف و من الحكم الشرعي الحكم التكليفي بمرتبته الإنشائية.

و حاصل الكلام حينئذ أنه ليس للمكلف فعل من الأفعال إلّا و له من ناحية الشارع حكم من الأحكام الخمسة مجعول بالغ مرتبة الإنشاء سواء أ كان واصلا إلى مرتبة الفعلية و التنجز أم لم يكن و هذا المعنى هو الذي يمكن دعوى الاتفاق عليه و ادعي تواتر الأخبار فيه بأن للّه في كل واقعة حكما يشترك فيه العالم و الجاهل.

و ما سوى ذلك مورد شبهة و إشكال أما الأحكام الوضعية فتارة يكون الفعل خاليا عنها بالمرة و أخرى يعرضه منها واحد و ثالثة يعرضه اثنان أو أكثر.

ففي غالب المباحات مثل الأكل و الشرب و القيام و القعود لا يعرضه حكم وضعي أصلا، و في مثل العقود و الإيقاعات يترتب عليه التسببية بالنسبة إلى الأمور المقصودة منها من الملكية و الزوجية و الطلاق و العتاق و نحوها، و في أفعال الطهارات الثلاث مثلا يترتب عليها السببية للحالة النفسانية الحاصلة منها و الرافعية للحدث السابق و الشرطية للصلاة مثلا بناء على كونها بنفسها شرطا.

165

و أما الأحكام التكليفية بمرتبتها الفعلية فهي أيضا لا تترتب دائما على الفعل بل توجد موارد خلت الأفعال من مرتبة فعلية تلك الأحكام.

منها: موارد حصول القطع للمكلف على خلاف الحكم الواقعي كما إذا قطع الشخص بوجوب الجمعة مع كونها حراما في الواقع فإن ما قطع به ليس حكما شرعيا مجعولا أصلا و الحكم الواقعي ليس بمنجز حتما و ليس بفعلي على المشهور فليس هنا حكم شرعي في مرتبة الفعلية واقعيا كان أو ظاهريا و إن كان التحريم موجودا إنشاء، و كذا إذا قطع بحلية العصير مع حرمته في الواقع أو باستحباب شي‏ء مع كونه واجبا هذا إذا كان القطع بالخلاف قصوريا و أما إذا كان عن تقصير فالواقع فعلي منجز.

و منها: موارد الطرق الشرعية المؤدية إلى خلاف الواقع كما إذا أخبر العادل بإباحة شي‏ء و كان في الواقع واجبا أو حراما بناء على القول بالطريقية فيها، فما أخبر به العادل ليس بمجعول و لو ظاهرا و ما كان موجودا واقعا ليس بفعلي فلا حكم فعلي في المورد.

و منها: مورد الظن الانسدادي المخالف أيضا كالأمارات الشرعية بناء على الحكومة و الكشف الطريقي.

و منها: موارد مزاحمة المهم للأهم كالصلاة المزاحمة لإزالة النجاسة من المسجد في أول الوقت، فإن الأمر الفعلي لما توجه إلى الأهم بقي المهم خاليا عن الأمر الفعلي بالكلية و إلّا لزم طلب الضدين نعم الحكم بمرتبته الإنشائية ثابت و هذا مبني على بطلان الترتب و أما بناء على صحته فإن أراد امتثال أمر الأهم فكذلك أيضا و إن أراد المخالفة فأمر المهم أيضا فعلي كأمر الأهم.

و منها: ما إذا استلزم امتثال واجب مخالفة حرام مع كون الواجب أهم كما لو استلزم إكرام عالم إهانة عالم آخر أو الوضوء في محل انصباب مائه في ملك الغير، فالإهانة و التصرف في ملك الغير لا حكم لهما أصلا لأن الحرمة الواقعية قد ارتفعت بالمزاحمة و لم يترتب عليهما من طرف ما يستلزمهما حكم أيضا.

166

عدم صحة السلب و صحته و صحة الحمل و عدمها

اعلم أنه قد يرتكز في ذهن الإنسان من أيام الصغر أو في برهة من الزمان معنى من المعاني بنحو الإجمال للفظ مخصوص معين (فليلاحظ أحدنا ما في ذهنه من كلمة الإنسان و الفرس و الغنم و غيرها) و حينئذ إذا سمع من أحد تعريف الحيوان الناطق و تصور في ذهنه ذلك الكلي فإن رأى أنه لم يصح سلب الإنسان بمعناه المرتكز في ذهنه عن الكلي الذي تصوره أو أنه يصح حمل الإنسان بذلك المعنى على ما تصوره يعلم أن لفظ الإنسان حقيقة في الحيوان الناطق و أن ما ارتكز في ذهنه إجمالا متحد مع ما تصوره تفصيلا، فيتحقق حينئذ عنوان عدم صحة السلب و صحة الحمل و يكونان من علائم الحقيقة، فيحكم بأن الإنسان و الحيوان الناطق مترادفان.

و كذا إن رأى مصداقا من الإنسان في الخارج كزيد مثلا و علم أنه لا يصح سلب المعنى المرتكز في ذهنه عنه بل صح حمله عليه يعلم بأن زيدا مصداق حقيقي للمعنى المرتكز لا مجازي و من هنا قيل إن عدم صحة سلب مفهوم كلي عن مفهوم كلي و صحة حمله عليه علامتا كونهما مترادفين و عدم صحة سلب المفهوم الكلي عن الفرد أو صحة حمله عليه علامتا كون الفرد مصداقا حقيقيا لذلك الكلي.

هذا عدم صحة السلب و أما صحته فإذا سمع الشخص من أحد تعريف الحمار

167

فتصور في ذهنه معناه الكلي أو رأى فردا منه في الخارج فرأى أنه يصح سلب الإنسان بمعناه المرتكز عن متصوره أو عن ذلك الفرد و لا يصح حمله عليهما كان هذان عنده علامتا كون الحمار مباينا مع الإنسان و عدم كون الفرد مصداقا حقيقيا له و كان الاستعمال مجازيا و هكذا سائر الأمثلة.

168

العرض الذاتي و العرض الغريب‏

قد يستعمل العرض فيما يوافق معناه اللغوي و هو الوصف العارض للشي‏ء المقابل لذاتياته و هذا هو المستعمل في باب الكليات و يقسمونه إلى عرض خاص كالكتابة للإنسان و عرض عام كالحركة بالإرادة و المشي له أيضا.

و قد يستعمل بمعنى مطلق الأمر الخارج عن الشي‏ء و لو تصورا المحمول عليه ذاتيا كان أو عرضيا، و هو بهذا المعنى يستعمل في تعريف موضوع العلم فيقال إن الموضوع هو الذي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية، و يقسم العرض بهذا المعنى إلى عرض ذاتي و عرض غريب.

فالأول: ما كان عارضا و محمولا على الشي‏ء حقيقة بحيث كان وصفا بحال نفس الموصوف و كان اتصاف الشي‏ء به اتصافا حقيقيا سواء كان بلا واسطة أو بواسطة داخلية أو خارجية فهنا أمثلة ثلاثة:

أولها: المحمول العارض بلا واسطة كالفصل بالنسبة إلى الجنس و الجنس بالنسبة إلى الفصل، في قولك الناطق حيوان و الحيوان ناطق، فالبحث عن كون الناطق حيوانا أو عن كون الحيوان ناطقا بحث عن العوارض الذاتية أي عن محمول نفس الشي‏ء.

ثانيها: المحمول العارض بواسطة داخلية كالتكلم المحمول على الإنسان بواسطة

169

كونه ناطقا و الحركة الإرادية له بواسطة كونه حيوانا، فهما عرضان و الإنسان معروض و النطق و الحيوانية واسطتان داخلتان في حقيقة المعروض.

ثالثها: المحمول العارض بواسطة خارجية كالضحك المحمول على الإنسان بواسطة التعجب الخارج عن حقيقة ذاته و الحرارة العارضة للماء بواسطة النار.

و الثاني: أي العرض الغريب ما كان عروضه على الشي‏ء و حمله عليه مجازيا و كان الوصف بحال متعلق الموصوف لا نفسه، و حيث كان المعروض الحقيقي مرتبطا مع هذا الشي‏ء بنحو من الارتباط نسب وصفه إليه مجازا، مثاله توصيف الجسم بالسرعة و الشدة فتقول هذا الفرس سريع و هذا الأبيض شديد فهذا يطلق عليه الغريب لأن الاتصاف ليس حقيقيا بل المتصف بالسرعة واقعا هي الحركة و بالشدة هو البياض و لأجل كونهما وصفين للفرس و الشي‏ء الخارجيين نسب عارضهما إليهما بالعناية.

ثم إن عمدة الغرض من هذا البحث بيان أن مسائل علم الأصول من قبيل العوارض الذاتية لموضوعه فإن الحجية مثلا بالقياس إلى ظاهر الكتاب و خبر العدل و غيرهما عرض ذاتي تتصف تلك الأمور بها حقيقة لا بالعرض و المجاز كما أن الأحكام الفرعية المبحوث عنها في علم الفقه تكون من العوارض الذاتية لموضوعه أعني أفعال المكلفين أو الموضوعات الخارجية.

170

العقل‏

العقل قوة مودعة في النفس معدة لقبول العلم و الإدراك، و لذا قيل إنه نور روحاني تدرك النفس به العلوم الضرورية و النظرية، و أول وجوده عند اجتنان الولد ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ، و له جنود من الخصال الفاضلة و السجايا المرضية تبدو من عند التمييز و تكمل حين بلوغ الأربعين في الغالب.

و قد يطلق العقل على نفس التعقل و الإدراك، و يسمى على الإطلاق الأول عقلا مطبوعا، و هو المراد من قوله تعالى كما في الرواية: «ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك» و على الإطلاق الثاني عقلا مكسوبا مسموعا، و هو المراد من قوله (عليه السّلام): «ما اكتسب الإنسان شيئا أفضل من عقل يهديه إلى هدى»، قال على (عليه السّلام) على ما نسب إليه:

فإن العقل عقلان‏ * * * فمطبوع و مسموع‏

و لا ينفع مسموع‏ * * * إذا لم يك مطبوع‏

كما لا تنفع الشمس‏ * * * و ضوء العين ممنوع‏

ثم إن البحث عن العقل في هذا العلم بملاحظة حجية مدركاته و كون أحكامه من أدلة استنباط الحكم الشرعي تارة، و مرجعا عمليا عند فقدان الأمارات أخرى.

171

أما الأولى: فهي أحكامه استقلالية التي تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية، فيكون دليلا عقليا و أمارة منجزة أو معذرة، و لذا قيل إن الدليل العقلي حكم عقلي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعي و المراد بصحيح النظر جعله كبرى في قياس الإنتاج كما تقدم، و ذلك كحكمه بحجية الظن الانسدادي و الظن الاستصحابي بناء على حجيتهما و حكمه بالملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته و بالملازمة بين وجوب شي‏ء و حرمة ضده و بالملازمة بين حسن شي‏ء أو قبحه و وجوبه أو حرمته شرعا بناء على حكمه بالملازمة في هذه الموارد و غيرها من أحكامه.

فتقول حرمة العصير مما تعلق بها الظن الانسدادي أو الاستصحابي و هو دليل مثبت للتكليف منجز له فالحرمة ثابتة منجزة، و تقول الوضوء مقدمة للصلاة و كل مقدمة الواجب واجبة فالوضوء واجب، و تقول الصلاة المزاحمة لإزالة النجاسة عن المسجد ضد للواجب و كل ضد الواجب حرام فتلك الصلاة محرمة، و تقول رد الوديعة مما حكم العقل بحسنه و كلما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه فالرد واجب شرعا و هكذا.

و أما الثانية: فهي أحكامه الاستقلالية التي تعد أحكاما ظاهرية و أصولا عملية يرجع إليها عند فقد الأمارات العقلية و القواعد النقلية، و ذلك كحكمه بقبح العقاب على الحكم بلا ورود البيان عليه، و حكمه بتخيير المكلف عند دوران الأمر بين المحذورين، و لزوم الاحتياط عليه في موارد العلم الإجمالي و نحوها.

تنبيهان:

الأول: تنقسم مدركات العقل و أحكامه إلى أقسام كثيرة تختلف لديه بالوضوح و الخفاء.

فمنها: المشهورات و هي التي توافقت عليها آراء العقلاء لوجود مصالح فيها و انحفاظ نظام المجتمع و بقاء النوع بها كحسن العدل و قبح الظلم.

و منها: الأوليات ككون الكل أعظم من الجزء و الضدين لا يجتمعان.

172

و منها: الحسيات المحسوسة بالحواس الظاهرة أو الباطنة ككون هذا الجسم أبيض و كحكمنا بأن لنا علما و شوقا و شجاعة.

و منها: الفطريات و هي القضايا التي قياساتها معها ككون الأربعة زوجا لأنها تنقسم إلى المتساويين و كل منقسم إلى المتساويين زوج.

و منها: التجربيات و هي الحاصلة بتكرر المشاهدة كحكمنا بأن السم مهلك.

و منها: المتواترات كحكمنا بأن مكة موجودة لإخبار جماعة يمتنع تبانيهم على الكذب.

و منها: الحدسيات الموجبة لليقين كحكمنا بأن نور القمر مستفاد من الشمس لتشكله بدرا و هلالا.

الثاني: لا إشكال في حجية ما استقل به العقل من الأحكام مما يعد أمارة موصلة إلى الأحكام الشرعية،

أو أصلا عمليا يرجع إليه في مرحلة العمل.

و الدليل عليه أولا أن ذلك مما يجده العقل في نفسه طبعيا وجدانيا و هو كاف في الحجية إذ حجية كل شي‏ء ترجع إلى حكمه و قضائه فكيف يثبت حجية حكمه بشي‏ء آخر.

و ثانيا ما ورد من الأدلة النقلية على ذلك، ففي الكافي عن الكاظم (عليه السّلام) قال: «يا هشام إن للّه على النّاس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة (عليهم السّلام) و أما الباطنة فالعقول».

و في البحار عن كتاب الاحتجاج قال ابن السكيت للرضا (عليه السّلام) فما الحجة على الخلق اليوم قال (عليه السّلام): «العقل تعرف به الصادق على اللّه فتصدقه و الكاذب على اللّه فتكذبه» قال ابن السكيت: هذا هو و اللّه الجواب.

و ما ورد مستفيضا من: «أن اللّه لما خلق العقل قال بك أثيب و بك أعاقب و بك آخذ و بك أعطي». و الإثابة و العقاب لا يكونان إلا بالحجة و نحوها غيرها، و المخالف في أصل إدراك العقل للحسن و القبح الأشاعرة و في كون حكمه دليلا على الحكم الشرعي الطائفة الأخبارية و لهم في ذلك أقوال أخر و سيأتي بعض الكلام فيه في قاعدة التحسين و قاعدة الملازمة.

173

العموم و العام‏

العموم في الاصطلاح عبارة عن شمول المفهوم لكل ما يصلح أن ينطبق عليه و بعبارة أخرى فعلية الشمول فيما فيه قابليته، و العام عبارة عن اللفظ الدال على المفهوم و شموله.

فمعنى لفظ العام يتركب من أمرين المفهوم القابل للانطباق على كثيرين، و فعلية ذلك الانطباق.

ثم إن ألفاظ العام الدالة على ذلك المعنى إن كانت جامدة غير مركبة نظير ما و من الشرطيتين و متى و حيث و كيف و أمثال ذلك فإنها بمعنى كل شي‏ء أو كل شخص أو كل زمان و مكان فواضح.

و إلا فالجزء الذي يدل من اللفظ على نفس المفهوم هو مادة اللفظ و الذي يدل على الشمول و السريان يسمى أداة العموم.

ففي ألفاظ كل رجل و العلماء و لا رجل تكون كلمة رجل و عالم هي المواد الدالة على المفهوم و كلمة كل و هيئة الجمع و وقوع النكرة في سياق النفي هي أدوات العموم.

ثم إنّ للعام عند أهل الفن تقسيمات:

منها: تقسيمه إلى العام البدلي و العام الاستغراقي و العام المجموعي.

174

بيانه أن اللفظ الدال على الاستيعاب إن دل على شمول المفهوم للأفراد بنحو البدل كان الشمول بدليا و أطلق عليه العام البدلي، كقولك أكرم أيّ رجل شئت و سافر أيّ يوم أردت فكلمة أيّ و ما يؤدي معناها من أدوات العموم البدلي.

و إن دل على شموله دفعة و بنحو الاستيعاب كان الشمول استيعابيا و حينئذ إن قصد في الكلام ترتب الحكم الكلامي على كل فرد من أفراد المفهوم مستقلا سمي ذلك «عاما استغراقيا» كما لو ورد أكرم كل عالم مع كون الفرض إنشاء وجوب مستقل لكل فرد و إن قصد ترتب حكم واحد على الجميع سمي العام مجموعيا.

فظهر مما ذكرنا أن انقسام العام إلى البدلي و الاستيعابي انقسام وضعي نشأ من وضع اللفظ للمعاني المختلفة و لذلك صارت ألفاظهما أيضا مختلفة، و انقسام الاستيعابي إلى الاستغراقي و المجموعي انقسام بلحاظ الحكم المرتب عليه و يشهد لذلك اتحاد ألفاظهما و جواز استعمال كل واحد منها في موضع الآخر.

تنبيه: الفرق بين الأقسام في هذا التقسيم واضح‏

إذ في الحكم المرتب على العام البدلي يتحقق الامتثال بالإتيان و لو في ضمن فرد واحد و يحصل الغرض و يسقط الأمر بخلاف الاستيعابي، و أما الفرق بين الاستغراقي و المجموعي فهو أن في الأول يكون الحكم متعددا بتعدد الأفراد و لكل واحد منها إطاعة مستقلة و عصيان مستقل، فأي فرد من العلماء أكرمه المكلف في المثال السابق استحق ثوابه و أي فرد لم يكرمه استحق عقابه و لا ارتباط بينهما، و في الثاني يكون الحكم واحدا بحيث لو أكرم الجميع حصل امتثال واحد و لو ترك إكرام واحد حصل عصيان الأمر بالكلية.

و منها: تقسيمه إلى العام الأفرادي و العام الأزماني.

فالأول: عبارة عن شمول المفهوم و سريانه بحسب الأفراد.

و الثاني: عبارة عن شموله و سريانه بحسب الأزمان بمعنى لحاظ استمرار المفهوم و بقائه في عمود الزمان.

175

بيان المطلب أن تعلق حكم شرعي بفعل من الأفعال من حيث أخذ الزمان قيدا للحكم أو للموضوع يتصور على أقسام أربعة:

الأول: أن لا يلاحظ الزمان أصلا لا في طرف الحكم و لا في طرف الموضوع بل تلاحظ طبيعة الحكم فترتب على طبيعة الموضوع بلا لحاظ تقيدهما بزمان، كما إذا قال المولى أوجبت عليك الجلوس في المسجد أو صيام يوم، أو قال أعتق رقبة و أكرم عالما، و حكم هذا القسم هو حصول الغرض و سقوط الأمر بإتيان مسمى الجلوس و الصيام و طبيعة العتق و الإكرام.

الثاني: أن يلاحظ مقدار من الزمان محدود كشهر أو سنة أو مستمر دائم، ظرفا لثبوت الحكم على الموضوع بأن يجعل و يرتب طبيعي الحكم على طبيعي الموضوع و يراد بذكر الزمان دوام الحكم عليه و استمراره في تلك المدة في مقابل كونه آنيا من حيث الزمان أو منوطا بمجرد تحقق الطبيعة و لو في ضمن فرد واحد كما لو قال المولى يجب الصدق في الكلام أبدا و إكرام زيد دائما فلا يسقط الأمر بتحقق الصدق و لو دفعة و إكرام زيد و لو مرة.

و نظير التصريح بالدوام استفادة ذلك من الإطلاق فيطلق حينئذ على دوام الوجوب على عنوان الصدق و عنوان الإكرام العموم الأزماني للحكم، و يقال إن لهذا الحكم عموما أزمانيا و يطلق على عموم عنوان الإكرام لمصاديقه كإكرام زيد و إكرام عمرو العموم الأفرادي للموضوع و هذا القسم هو الذي ذكر الشيخ (قدس سره) بأن الزمان فيه لوحظ ظرفا للحكم لا قيدا للموضوع.

الثالث: أن يلاحظ الزمان قيدا للموضوع بنحو المجموع بأن يلاحظ الزمان جميعه و لو كان طويلا و يجعل قيدا واحدا لموضوع التكليف أعني فعل المكلف و يكون المطلوب الفعل المستمر في عمود الزمان بحيث لو ترك الفعل في جزء من الزمان لما امتثل التكليف أصلا، كما إذا أوجب على المعتكف الكون في المسجد أياما أو الكون في عرفات و منى يوما أو أياما و منه الإمساك الواقع بين الطلوع و الغروب و العموم هنا ينسب إلى الموضوع و يقال إن له عموما أزمانيا مجموعيا.

الرابع: لحاظ الزمان قيدا للموضوع بنحو الاستغراق بأن يلاحظ كل جزء من‏

176

أجزائه قيدا مستقلا و يكون الفعل في كل آن أو ساعة مثلا مطلوبا مستقلا بحيث يكون ترك الفعل في جزء من الزمان تفويتا لغرض و عصيانا لطلب و إتيانه في جزء آخر تحصيلا لغرض آخر و امتثالا لطلب كذلك.

مثاله ما لو قال أكرم العلماء أو أكرم زيدا في كل يوم إذا فرضنا أن الإكرام المقيد بكل يوم مطلوب مستقل و يسمى هذا عموما زمانيا استغراقيا في ناحية الموضوع، و هذا القسم هو مراد الشيخ ره من قوله إن الزمان قد يلاحظ قيدا للموضوع و عبر عنه بأن الزمان مفرد للموضوع لتكثر أفراد الموضوع لا محالة بعدد الأيام و كون الإكرام في كل يوم موضوعا مستقلا له حكم مستقل، فكما كان في القسم الثاني طبيعة الإكرام المتعلق بزيد موضوعا مستقلا بحكم مستقل و المتعلق بعمرو موضوعا آخر فكذلك الإكرام المتعلق بزيد في يوم الخميس مثلا موضوع مستقل له حكم مستقل و الإكرام المتعلق به في يوم الجمعة موضوع آخر له حكم آخر.

تنبيه:

إذا عرفت أن العموم الزماني عبارة عن استمرار الشي‏ء في عمود الزمان و طوله و أنه قد يلاحظ في نفس الحكم و قد يلاحظ في الموضوع المترتب عليه الحكم كالجلوس و الإكرام و الوفاء، و عرفت أيضا عدم ملاحظته في المتعلق كالعالم و الخمر و الماء إذ لا معنى له في المتعلق غالبا بأن يقال إن العالم المقيد بيوم الخميس حكمه كذا و بيوم الجمعة كذا.

فاعلم أنه إذا ورد تخصيص على عام و كان المخصص مجملا غير واف لبيان حال المورد في ما بعد الزمان الأول، كما إذا قام الإجماع على عدم وجوب إكرام زيد يوم الجمعة بعد ورود قوله أكرم العلماء على الدوام، ففي لزوم استصحاب حكم‏

177

المخصص فيما بعد الزمان الأول أو لزوم التمسك بالعام خلاف بين الأعلام.

و فصل شيخنا الأعظم (ره) في رسائله و مكاسبه بأنه إن كان الزمان الملحوظ في ناحية العام بنحو القسم الثاني و ملحوظا ظرفا للحكم، فاللازم بعده استصحاب حكم المخصص، إذ المفروض أن في كل فرد من أفراد العلماء كزيد و عمرو و خالد، رتب طبيعة الحكم على طبيعة الموضوع و معنى قيام الإجماع على عدم وجوب إكرامه رفع الحكم عن ذلك الموضوع و حيث ارتفع بالنسبة إلى فرد مثلا طبيعي الحكم عن طبيعي الموضوع في وقت فترتبه عليه ثانيا يحتاج إلى دليل، و إن كان ملحوظا قيدا للموضوع بنحو القسم الأخير فاللازم التمسك بعد الزمان الأول بعموم العام إذ الفرض كما ذكرنا أن الموضوع في كل يوم أمر مستقل له حكم مستقل فتخصيصه لا يستلزم تخصيص موضوع آخر.

178

الغلبة

هى في الاصطلاح عبارة عن مشاركة أغلب أفراد الكلي في صفة من الصفات بحيث يظن بكون ذلك من آثار الطبيعة الصادقة عليها و أنها العلة في اتصاف المصاديق بها.

و ثمرتها أنه إذا شك في وجود هذا الحكم أو الصفة في فرد من أفراد هذا الكلي يحكم على الفرد المشكوك بما وجد في أغلب أفراده من الحكم و الصفة.

فظهر أن انتاج الغلبة موقوف على أمور ثلاثة:

أولها: وجود أفراد غالبة تشترك في صفة من الأوصاف كالبياض و السواد مثلا.

ثانيها: وجود جامع بينها يظن بكونه السبب في اتصاف تلك الأفراد بها بحيث لو وجد فرد على الخلاف لكان على وجه الندرة و الشذوذ.

ثالثها: وجود فرد مشكوك اللحوق بالغالب ليلحق به بواسطة الغلبة.

مثالها في غير الشرعيات أنا إذا رأينا أكثر أفراد الإنسان الزنجي أسود على وجه ظننا إن الزنجية هي العلة في ثبوت السواد فإذا شككنا في زنجي أنه أسود أو أبيض نحكم بكونه أسود و أنه واجد لتلك الصفة إلحاقا له بالأعم الأغلب.

179

و مثالها في الشرعيات أنا إذا وجدنا أغلب أفراد الصّلاة يؤدى إلى القبلة بحيث ظننا إن العلة في ذلك هي الصلاتية فلو شككنا في صلاة كالنافلة المأتي بها قائما مثلا أنها تؤدي إلى القبلة أم لا حكمنا بعدم الجواز إلى غيرها ثم إن الغلبة ليست بحجة ما لم تفد الاطمينان بالحكم الشرعي.

180

الفقه‏

الفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية أو تحصيل الوظائف العملية عن الأدلة التفصيلية.

فخرج بقيد الفرعية العلم بأحكام أصول الدين، كوجوب الاعتقاد بالمبدإ تعالى و صفاته و الاعتقاد بالنبوة و الإمامة و المعاد و نحوها، فإنها تسمى أحكاما شرعية أصولية.

و خرج أيضا العلم بأحكام أصول الفقه كحجية ظواهر الكتاب و خبر العدل و نحوهما فإنه لا يسمى بعلم الفقه بل هو علم الأصول و المراد من الأحكام الشرعية أعم من الواقعية و الظاهرية، فتدخل الأحكام الواقعية المستفادة من نصوص الكتاب الكريم و الأخبار المتواترة و الإجماعات القطعية و نحوها، و الأحكام الظاهرية التكليفية أو الوضعية المستفادة من أخبار الآحاد و سائر الأمارات على السببية و من الأصول العملية الشرعية.

و دخل بعطف الوظائف ما يحصله الفقيه من الأمارات الشرعية بناء على الطريقية و من الأمارات و الأصول العقلية كلزوم اتباع الظن الانسدادي عقلا على الحكومة، و الحكم بعدم فعلية التكليف أو الأمن من العقاب في البراءة العقلية، و لزوم العمل بالاحتياط في مسألة الاشتغال.

181

و التقييد بالأدلة التفصيلية لإخراج علم المقلد بأحكامه و وظائفه فإن علومه مستفادة من التعبد بقول مقلده، و ليست مأخوذة عن الأدلة التفصيلية.

و المراد من تلك الأدلة كتاب اللّه العزيز من نصوصه و ظواهره و السنة الواردة عن المعصوم (عليه السّلام) بشتى أصنافها و الإجماع و العقل و قد مر شرح كل واحد تحت عنوانه.

تنبيهان:

الأول: الفقه و الاجتهاد اصطلاحان مترادفان‏

و قد يفرق بينهما باستعمال كل واحد في معنى يناسب معناه اللغوى، فيقال إن الاجتهاد تحصيل الحجة و إقامتها على الأحكام و الفقه هو العلم بتلك الأحكام في الغالب، فمعناهما متلازمان، و يطلق على المستنبط لعلة جهده و استفراغ وسعه في إقامة الحجة المجتهد، و من جهة حصول العلم له فقيها.

فعلم أن الأصولي و المجتهد و الفقيه عناوين مترتبة حسب الترتيب التكويني، فإن الباحث عن الأحكام يثبت أولا حجية خبر العدل مثلا فيكون أصوليا، ثم يتفحص و يحصل خبرا دالا على وجوب الجمعة فيكون مجتهدا ثم يحصل له العلم بذاك الحكم الشرعي فيكون فقيها.

الثاني: ما عرفنا به الفقه هو تعريف الأكثرين و يخرج عنه جميع المباحث الواقعة في الفقه في تشخيص الموضوعات،

لا سيما الموضوعات المستنبطة، كالبحث عن ماهية العبادات و أجزائها و شرائطها و موانعها و قواطعها، و كذا البحث عن سائر الموضوعات العرفية في موارد الحاجة إلى تشخيص بعض مصاديقها كالمعدن و الوطن و الصعيد و نحوها، مع كون البحث عنها في العبادات أكثر من البحث عن أحكامها غالبا، و الالتزام بالاستطراد فيها بعيد فينبغي القول بدخول تلك البحوث في هذا العلم، و يضاف إلى التعريف قيد- أو موضوعاتها المستنبطة أو ما أشبهها- مثلا.

182

قاعدة التجاوز

هي الحكم بوجود عمل شك في وجوده بعد التجاوز عن محله و الدخول في غيره أو بعد ما خرج وقته، فللقاعدة موضوع و محمول موضوعها الشك في الوجود و أنه هل أوجده أم لا و محمولها الحكم بالوجود و ترتيب آثاره، فإذا شك المصلي في أنه أتى بالقراءة أم لا و هو في الركوع أو شك في الركوع و هو في السجود أو شك في السجود و هو قائم منتصب، يحكم بأنه أوجدها و يمضي في صلاته و الشك حينئذ في الوجود بعد تجاوز محل المشكوك، و كذا لو شك بعد طلوع الشمس في أنه هل أتى بصلاة الصبح أم لا حكم بالإتيان و فراغ الذمة، و هذا من قبيل الشك في الوجود بعد خروج الوقت.

ثم إن الدليل عليها هو بناء العقلاء في أعمالهم و إمضاء الشارع له بقوله: «كل شي‏ء شك فيه مما جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه» و قوله: «يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء» و قوله: «متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة أنك لم تصلها صليتها و إن شككت بعد ما خرج وقت الفوت و قد دخل حائل فلا إعادة عليك».

تنبيهان:

183

الأول: حيث إن مورد هذه القاعدة الشك في الوجود و مورد قاعدة الفراغ الشك في الصحة

كما سيجي‏ء تكون النسبة بين القاعدتين العموم من وجه موردا، فإنه قد يوجد مورد تجري فيه هذه دون تلك القاعدة، كما إذا شك في إتيان الركوع بعد الدخول في السجود و قد يوجد مورد تجري فيه تلك القاعدة دون هذه، كما إذا شك في صحة صلاته من جهة أنه زاد جزء أم لا أو جهر في موضع الإخفات عمدا أم لا، و قد يوجد مورد يمكن التمسك بكلتا القاعدتين كما إذا شك في صحة صلاته من جهة أنه أتى بالركوع أم لا فيحكم بصحة الصلاة بإجراء قاعدة التجاوز في الركوع أو إجراء قاعدة الفراغ في نفس العمل لو لا القول بالسببية و المسببية.

الثاني: لا إشكال في عدم جريان هذه القاعدة في أجزاء الطهارات الثلاث‏

فإذا شك المتوضي في غسل الوجه و قد شرع في غسل اليدين، أو شك الجنب في غسل الرأس و قد دخل في غسل الطرف الأيمن مثلا لا يجوز له عدم الاعتناء، و البناء على إتيانه بالجزء السابق بل اللازم إعادة الجزء على ما يحصل به الترتيب، إلا أن الكلام في أنه هل القاعدة جارية في أجزاء كل عمل ذي أجزاء كجريانها في الصلاة خرج عنها أجزاء الطهارات الثلاث تخصيصا أو أنها مخصوصة بأجزاء الصلاة فقط و لا دليل عليها بنحو العموم، فأجزاء الطهارات كأجزاء غيرها خارجة تخصصا وجهان لا يخلو ثانيهما من رجحان.

184

قاعدة التحسين و التقبيح العقليين‏

وقع الاختلاف بين العلماء في أنه هل يحكم العقل بحسن الأفعال و قبحها أو أنه لا يحكم بشي‏ء من الحسن و القبح، بل هو منعزل عن منصب الحكومة و القضاوة و ليس ذلك من حقه و لا هو من وظيفته.

و المراد من حكم العقل إدراكه فإن المعروف أنه ليس للعقل بعث و زجر بل إنما وظيفته إدراك كون الشي‏ء حسنا و كونه قبيحا.

و المراد من الحسن كون الفعل بحيث يستحق فاعله المدح و من القبح كونه بحيث يستحق فاعله الذم.

و حاصل النزاع حينئذ أنه هل تتصف الأشياء لدى العقل بحسن و قبح يدركهما و يحكم بهما حكما جازما فيمدح فاعل الحسن و يذم فاعل القبيح، أم لا تتصف بهما عنده، و النزاع في هذه المسألة وقع بين أصحابنا الإمامية (ره) و المعتزلة و بين الأشاعرة، فذهب الفريق الأوّل إلى الوجه الأول و الفريق الثاني إلى الوجه الثاني.

قال صاحب الكفاية في مقام إثبات مختار أصحابنا الإمامية ما ملخصه، و الحق الّذي عليه قاطبة أهل الحق هو الأول، فإنه كما يختلف الأحجار و الأشجار و سائر الجمادات و النباتات في الخير و الشر و النفع و الضر تفاوتا فاحشا أكثر مما بين السماء

185

و الأرض، فكذا أفعال الناس بالنسبة إلى حكم العقل فأين الضرب المورث للحزن و الغم من الإحسان الموجب للفرح و السرور، و كما أن المسموعات بعضها يلائم القوة السامعة و بعضها ينافرها و كذا المبصرات و المذوقات و غيرها، فكذلك المدركات بالنسبة إلى القوة العاقلة التي هي رئيس تلك القوى فإن لبعض الأفعال بحسب خصوصيات وجوده نفعا و ضرا و خيرا و شرا موجبة لاختلافها في الملاءمة للقوة العاقلة و المنافرة، و مع هذا لا يبقى مجال لإنكار الحسن و القبح عقلا إذ لا نعني بهما إلا كون الشي‏ء في نفسه ملائما للعقل فيعجبه أو منافرا فيضر به فيوجبان ذلك صحة مدح الفاعل و صحة قدحه انتهى.

و أما الأشاعرة فوجه إنكارهم الحسن و القبح أما في أفعاله تعالى فلبنائهم على أن كل ما فعله تعالى فهو صدر منه في محله، لأنه مالك الخلق كله، فلو أثاب العاصي و عاقب المطيع لم يأت بقبيح لأنه تصرف في مملكته و محل سلطنته‏ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏، و أما في أفعال العباد فلبنائهم على عدم صدور الأفعال منهم بالاختيار بل بالجبر و الاضطرار و لا شي‏ء من أفعال المجبور متصف بحسن و لا قبح، و كلا البناءين باطلان لأن قدرته تعالى لا يصير الحسن العقلي قبيحا و لا القبيح العقلي حسنا و أفعال العباد اختيارية على الغالب كما يشهد به الوجدان.

تنبيه: تنقسم الأفعال الاختيارية للمكلفين بناء على قول الإمامية و المعتزلة إلى أقسام ثلاثة،

ما يدرك العقل حسنه، و ما يدرك قبحه، و ما لا يدرك له حسنا و لا قبحا و لا يحكم فيه بشي‏ء، هذا بالنسبة إلى عقولنا القاصرة غير المحيطة بجهات الخير و الشر و المصلحة و المفسدة، و أما العقول الكاملة المحيطة بجميع جهات الأفعال و ملاكاتها كالموجودة في النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصيائه (عليهم السّلام) فتقسم عندها إلى ما هو حسن واقعا و ما هو قبيح كذلك و ما ليس له حسن و لا قبح، و لعل الصحيفة المكتوبة فيها جميع الأحكام الموروثة من إمام إلى إمام كناية عن عقلهم (عليهم السّلام) المنعكس فيه جميع الكائنات على ما هي عليه و كذا الجفر و غيره.

186

قاعدة تداخل الأسباب و المسببات‏

المراد من تداخل الأسباب صيرورتها كالسبب الواحد في عدم تأثيرها إلا في مسبب واحد، بأن يكون المؤثر هو ما يوجد أولا إن اختلفت في الزمان، و مجموعها إن تقارنت فيه، و من تداخل المسببات كفاية إتيان مصداق واحد جامع لعناوين متعددة في امتثال أوامرها.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنه إذا ثبت سببية شي‏ء لشي‏ء في الشرع، فإن كان كل من السبب و المسبب واحدا فلا إشكال كما لو ورد إذا مات زيد وجب تغسيله، و كذا إذا تعددت الأسباب و المسببات و تباينت، كما إذا ورد إن أفطرت فصم شهرين و إن ظاهرت فأعتق رقبة.

و أما إن كان ظاهر الدليل تعدد الأسباب و وحدة المسبب فهذا يتصور على صور:

الأولى: أن يكون المسبب ماهية واحدة غير قابلة للتكرر كما إذا قال إن قتل زيد مؤمنا فاقتله و إن زنى فاقتله.

و مثله الأسباب و العلل التكوينية المتواردة على مسبب واحد، فلا إشكال حينئذ في تداخل الأسباب، و كون المؤثر منها هو الموجود أولا إن حصلت تدريجا، و مجموعها ان حصلت دفعة، لامتناع توارد علل متعددة على معلول واحد و صدور الواحد عن المتعدد،

187

فهذه الصورة من قبيل تداخل الأسباب تداخلا قهريا عقليا.

الثانية: أن يكون المسبب ماهية واحدة قابلة للتكرار كالوضوء و إعطاء الدرهم كما إذا قال إذا بلت فتوضأ و إذا نمت فتوضأ، أو قال إن جاءك زيد فأعطه درهما و إن سلم عليك فأعطه درهما.

فهل يحكم في هذه الصورة بتعدد المسبب، حسب تعدد السبب، فيجب على المكلف وضوء إذا بال و وضوء آخر إذا نام، و يجب عليه إعطاء درهمين لزيد إذا تحقق منه المجي‏ء و التسليم.

أو يحكم بتداخل الأسباب كالصورة الأولى، فيكون المؤثر في وجوب الوضوء أسبق العلل إذا اختلفت في الوجود و جميعها بالاشتراك إذا تقارنت.

أو يحكم بتداخل المسببات بأن يدعى أن للوضوء مثلا حقائق مختلفة فالمسبب عن البول حقيقة، و المسبب عن النوم حقيقة أخرى كغسل الجنابة و الحيض، إلا أنهما قابلان للانطباق على وجود واحد و فرد خارجي فارد فيتداخل المسببات.

وجوه بل أقوال و على الأخير يكون حكم المثال حكم الصورة الآتية.

الثالثة: أن يكون المسبب ماهيات مختلفة حسب تعدد الأسباب، إلا أنها قابلة للانطباق على الفرد الواحد كالإكرام و الإضافة، كما إذا ورد إن أفطرت فأكرم عالما و إن ظاهرت فأضف فقيرا و لا إشكال في عدم تداخل الأسباب، و إنما الكلام في تداخل المسببات فإنه قد يقال بكفاية الإتيان بالمصداق الواحد الجامع للعنوانين بقصد امتثال أمر كليهما، كما أنه قد يقال بعدم الكفاية ما لم يكن دليل من الخارج على الجواز، و هذا هو محل النزاع في تداخل المسببات.

تنبيهات:

الأول: اختلاف الأقوال في الصورة الثانية مبني غالبا على كيفية استفادتهم السببية من الجملة الشرطية،

فإن ظهورها في حدوث الجزاء المستقل عند حدوث الشرط يثبت القول الأول، و لازم ذلك حمل متعلق الوجوب على الفرد حتى يقبل‏

188

التكرار و التعدد فيحدث وجوب مستقل على فرد من الوضوء عند حدوث البول، و وجوب آخر على فرد آخر عند حدوث النوم و هكذا.

و ظهورها في كون متعلق الوجوب هي الطبيعة الكلية لا الفرد يثبت القول الثاني، فإن الطبيعة بما هي لا تتكرر و إنما التكرر في وجوداتها فلا يعقل عروض حكمين عليها فإن اجتماع المثلين، كالضدين ممتنع، فاللازم القول بتداخل الأسباب.

كما أنه يمكن القول ببقاء ظهور الشرطية في حدوث الجزاء، و ظهور المتعلق في كونه طبيعة كلية، بالقول بتعدد الطبائع و قابليتها للانطباق على الفرد فيجي‏ء القول الثالث.

الثاني: إذا لم يكن دليل لفظي في مورد العلم بالسببية،

فمقتضى الأصل العملي عند الشك في تداخل الأسباب، هو التداخل و عدم وجوب أزيد من مسبب واحد، لرجوع الشك فيه إلى الشك في وحدة التكليف و تعدده، فالزائد عن المعلوم ينفى بالأصل، كما أنك قد عرفت أن مقتضى ظاهر الجملة الشرطية عدم تداخلها.

و مقتضى الأصل في الشك في تداخل المسببات عدم التداخل لقاعدة الاشتغال، لأن كفاية الفعل الواحد في مقام الامتثال غير معلومة فيجب الاحتياط، فعلم أن مقتضى الدليل في الأسباب عدم التداخل، و مقتضى الأصل التداخل، و أن مقتضى الأصل في المسببات عدم التداخل.

الثالث: لم نذكر في ضمن الصور المذكورة وحدة السبب و تعدد المسبب‏

لأجل أنه لا مانع من ذلك عرفا و شرعا و إن استشكل فيه عقلا كما إذا ورد إذا قلت في أثناء الصلاة أعتقت عبدي فصلاتك باطلة و عبدك محرر و إن أفطرت بالحرام فصومك باطل و وجبت عليك الكفارة و أنت ضامن لبدل ما أتلفته و إن قتلت مؤمنا خطأ وجبت عليك الكفارة و ضمنت الدية للولي و على هذه فقس ما سواها.

189

قاعدة التسامح‏

إذا ورد خبر ضعيف غير جامع لشرائط الحجية فدل على ترتب الثواب على فعل من الأفعال، فلا إشكال في ترتب الثواب على ذلك الفعل إذا أتى به بقصد تحصيل ذلك الثواب أو برجاء احتمال المطلوبية.

و أما الحكم باستحباب ذلك الفعل و رجحانه شرعا ففيه اختلاف بين الأصحاب فقال عدة بالاستحباب و آخرون بعدمه.

ثم إنهم يسمون هذا الحكم الكلي بقاعدة التسامح في أدلة السنن يعنون بذلك ثبوت التسامح شرعا في الحكم بالثواب أو الاستحباب و حصولهما بورود خبر في هذا الباب، و لو كان غير حجة في سائر الأبواب.

فللقاعدة موضوع و محمول، موضوعها الفعل الذي بلغك ثواب على إتيانه و محمولها الحكم بكونه ذا مثوبة مطلقا أو بالمقدار الذي بلغ أو الحكم باستحبابه و رجحانه شرعا.

فإذا دل خبر غير حجة على أن من اغتسل في يوم النيروز فله كذا، قلنا إن غسل النيروز مما بلغنا الثواب عليه و كل ما كان كذلك فهو ذو ثواب أو فهو مستحب فغسل النيروز كذلك.

190

تنبيهات:

الأول: استدلوا على هذه القاعدة بروايات كثيرة،

منها قول الصادق (عليه السّلام) في صحيحة هشام بن سالم: «من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له» و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله فإن المراد من الشي‏ء هو العمل ذو الثواب بقرينة رجوع الضمير إليه في قوله فعمله و قوله (عليه السّلام): «كان أجر ذلك له».

و في خبر: «فعمله طلبا لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و في ثالث فعمله التماس ذلك الثواب».

الثاني: وجه الترديد في محمول القاعدة بأنه الحكم بالمثوبة فقط

أو الحكم بالاستحباب هو وقوع الاختلاف في أن المستفاد من روايات الباب هل هو الإخبار عن حصول الانقياد بالفعل المأتي به بداعي الثواب، و أنه لا محالة يترتب الثواب عليه فهي إرشادية حاثّة إلى ما يحكم به العقل و يستقل به فوزانها وزان قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ»*.

أو أن ذكر الثواب على الفعل كناية عن رجحانه و استحبابه فهي دالة على الحكم المولوي الاستحبابي، فوزانها وزان أخبار تعرضت لذكر الثواب على عمل في مورد لم يكن لحكم العقل فيه مسرح كقوله من سرح لحيته فله كذا و المعنى الأول مختار العلامة الأنصاري (قدس سره) و الثاني مختار المحقق الخراسانى (ره).

ثم إنه على المعنى الأول لو كان المراد الوعد على الثواب المطلق لا خصوص الثواب الواصل، كان الكلام مساوقا لما يستقل به العقل من ترتب الثواب على الانقياد بنحو الإجمال، و إن كان المراد الوعد على خصوص الثواب البالغ، فالأخبار مسوقة لبيان تفضل اللّه بثواب خاص على أمر استقل العقل بحسنه فهي نظير قوله تعالى: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها».

الثالث: تظهر الثمرة بين القولين في موارد منها جواز إفتاء الفقيه بالاستحباب على القول الثاني دون الأول،

إذ عليه لا تدل الأخبار على أزيد مما يحكم العقل به من‏

191

حسن الانقياد و ترتب الثواب عليه.

و منها: فيما لو ورد خبر ضعيف على استحباب الوضوء في مورد خاص فعمله المكلف بذلك الداعي فعلى القول الأول لا يرفع الحدث و على الثاني يرفع و غير ذلك و للقاعدة فروع أخر أغمضنا عن ذكرها روما للاختصار.

192

قاعدة التعيين العقلية أو أصالة التعيين‏

إذا تردد أمر المكلف في مورد بين الشيئين أو الأشياء، بمعنى احتماله تعين أحد الأمرين أو الأمور بالخصوص، و احتماله تخييره بينهما أو بينها، فلا محالة يكون أحد الطرفين أو الأطراف حينئذ محتمل التعيين و التخيير، و الطرف الآخر محتمل التخيير فيحكم العقل بلزوم الأول و عدم لزوم الثاني.

و الأصوليون أسموا هذا الحكم الكلي العقلي بقاعدة التعيين أو أصالة التعيين، يعنون بذلك حكم العقل بأخذ محتمل الخصوصية و طرح محتمل التخيير، فللقاعدة موضوع و محمول موضوعها محتمل التعيين و التخيير و محمولها لزوم الأخذ به عقلا.

ثم إن الدوران بذلك النحو قد يكون في المسألة الفرعية، كما إذا حصل للمفطر في شهر رمضان علم إجمالي بوجوب صيام شهرين متتابعين تعيينا أو وجوبه و وجوب إطعام ستين مسكينا تخييرا و قد يكون في المسألة الأصولية، كما إذا شك الفقيه عند تعارض قول العدل و الموثق في حجية الأول تعيينا أو حجية كليهما تخييرا فهذا من الدوران في المسألة الأصولية.

193

قاعدة الجمع مهما أمكن أولى من الطرح‏

مورد القاعدة هو الدليلان المتقابلان و المراد من الجمع هنا الجمع الدلالي أعني أخذ إحدى الدلالتين و التصرف في الأخرى بحيث يرتفع التنافي بينهما، أو التصرف في كلتا الدلالتين كما ستعرف، و من الإمكان الإمكان العرفي بحيث يساعد عليه نظرهم و يكون عليه عملهم، لا الإمكان العقلي و لو عده العرف غير ممكن، و من الأولوية اللزوم كقولك لأن أكون صادقا أولى من أن أكون كاذبا.

فمعنى القاعدة أن الجمع بين دلالة الدليلين فيما أمكن عرفا و ساعد عليه نظرهم لازم فليس المورد داخلا في باب التعارض، و هذه قاعدة مطردة معمول بها بين العقلاء و المتشرعة يسمون هذا النحو من العمل بالجمع الدلالي أيضا و عد الأصوليون من مصاديقها موارد:

الأول: ما إذا كان أحد الدليلين نصا و الآخر ظاهرا كالخاص القطعي الدلالة مع العام‏

فإنه يجمع بينهما بأخذ الخاص و تخصيص العام به كما إذا ورد أكرم العلماء و ورد لا يجب إكرام فساقهم، و كالمقيد القطعي مع المطلق كما إذا ورد أعتق رقبة و ورد أيضا لا يجب إعتاق الكافرة فيحمل المطلق على المقيد، و مثل الأمر أو النهي المتعلقين بشي‏ء مع دليل الترخيص كما إذا ورد صم يوم الخميس و ورد أيضا لا بأس بترك الصوم يوم‏

194

الخميس فيحمل الأمر على الاستحباب، أو ورد لا تشرب العصير العنبي و ورد لا بأس بشربه فيحمل النهي على الكراهة.

الثاني: ما إذا كان أحدهما ظاهرا و الآخر أظهر كالعام مع الخاص الظني‏

الدلالة بحيث يكون أظهر من العام كما إذا ورد أكرم العلماء و ورد ينبغي إكرام فساقهم فإن ظهور ينبغي في الاستحباب أقوى من ظهور هيئة أكرم في الوجوب فيقدم عليه و إن كان حمل كلمة ينبغي على الوجوب ممكنا لكنه مرجوح، فالنتيجة استحباب إكرام الفساق و وجوب إكرام العدول، و كذا المطلق الظاهر و المقيد الأظهر منه، و من هذا القبيل ما إذا ورد اغتسل للجمعة و ورد ينبغي غسل الجمعة.

الثالث: ما إذا كان الدليلان ظاهرين متساويين و كان المورد بحيث يساعد العرف على جعل كل منهما قرينة على التصرف في الآخر

فيجمع بينهما بالتصرف في كليهما كما إذا ورد ثمن العذرة سحت و ورد لا بأس ببيع العذرة، و فرضنا أن العرف يوفقون بينهما بحمل الأول على عذرة غير مأكول اللحم و الثاني على عذرة المأكول.

الرابع: ما إذا كان أحدهما حاكما و الآخر محكوما،

أو كان أحدهما واردا و الآخر مورودا، نصا كان الحاكم و الوارد أو ظاهرا فراجع عنوان الحكومة و الورود.

تنبيهات:

الأول: أن الجمع بين الخبرين كما أشرنا إليه على قسمين دلالي و سندي‏

فالدلالي هو ما ذكرنا من مورد قاعدة الجمع و قلنا بأنه أخذ السندين و تأويل الظاهر إلى ما يوافق النص أو الأظهر.

و أما السندي فهو راجع إلى السند و معناه أخذ سند و دلالة أحد الخبرين و طرح الآخر رأسا سندا و دلالة، و مورد هذا الجمع ما إذا لم يمكن الجمع العرفي في الدلالة بل يبقى أهل العرف متحيرين في حكمهما، و حينئذ فإن كان في أحدهما رجحان أخذ ذلك تعيينا و طرح الآخر، و إن لم يكن رجحان في البين أخذ أحدهما تخييرا و طرح الآخر رأسا فراجع بحث التعارض و عنوان المرجح، و هذا المورد هو الذي تخيل ابن أبي‏

195

جمهور جريان قاعدة الجمع فيه، فإذا ورد يجب إكرام العالم و ورد أيضا لا يجب إكرام العالم فعلى مبنى المشهور يؤخذ أحدهما و يعمل به و يطرح الآخر و على القول المنسوب إلى ابن أبي جمهور يؤخذ كلاهما و يحمل أحدهما على العالم العادل و الآخر على العالم الفاسق مثلا، و هذا النحو من الجمع غير منضبط لا شاهد له و يسمى جمعا تبرعيا أيضا.

الثاني: كان الكلام إلى هنا في أدلة الأحكام و بيان حال الخبرين المتعارضين،

و أما أدلة الموضوعات و تعارض البينات فهي على قسمين:

الأول: أن يكون كلام كل من البينتين قابلا للتبعيض في التصديق بأن يصدق في بعض ما أخبر به و يرتب عليه آثار الصدق، و لا يصدق في البعض الآخر.

كما إذا قامت بينة على كون جميع الدار لزيد و بينة أخرى على كون جميعها لعمرو، و طريق الجمع بينهما حينئذ أحد أمور:

الأول: ترجيح إحداهما بالقرعة.

الثاني: التساقط و الرجوع إلى القرعة.

الثالث: التساقط و الرجوع إلى قاعدة العدل و الإنصاف فيعطى نصف الدار لزيد و نصفها لعمرو.

الرابع: التبعيض في التصديق فتصدق بينة زيد في نصفها و بينة عمرو في نصفها الآخر فيشتركان و هذا ما قواه الشهيد (ره) و مال إليه الشيخ (ره) في رسائله و لا بأس هنا بلزوم المخالفة القطعية للبينتين لمساعدة بناء العقلاء عليها كالسيرة و الرواية.

الثاني: أن لا يكون قابلا للتبعيض كما إذا قامت بينة على بنوة طفل لزيد و الأخرى على بنوته لعمرو أو قامت إحداهما على زوجية امرأة لرجل و الأخرى على زوجيتها لرجل آخر و الحكم حينئذ الأخذ بأحد الأمور المذكورة دون الأخير فإن الزوجية و النسب لا يقبلان التبعيض.

الثالث: المتعارضان من أدلة الأحكام يتصوران على أقسام ثلاثة:

الأول: المتعارضان غير القابلين للتبعيض في التصديق‏

كما إذا أخبر عدل بوجوب الجمعة و عدل آخر بحرمتها.

196

الثاني: المتعارضان القابلان للتبعيض مع كونهما ظاهرين في الدلالة،

كما إذا روى عدل عن المعصوم أنه قال أكرم العلماء و روى آخر أنه قال لا تكرمهم.

الثالث: المتعارضان القابلان للتبعيض مع كونهما نصين‏

كما إذا روى أحدهما أنه قال يجب إكرام جميع العلماء بلا استثناء، و روى آخر أنه قال يحرم إكرام الجميع بلا استثناء.

ثم إن مبنى المشهور كما ذكرنا هو أخذ سند و طرح آخر ترجيحا أو تخييرا في جميع الأمثلة الثلاثة.

و لكن قد وقع الخلاف من بعض في المثال الثاني و الثالث، أما الثاني فقد عرفت أن مذهب ابن أبي جمهور فيه هو الجمع الدلالي، بأن يؤخذ السندان و يؤول الظاهران.

و أما الثالث فحيث إنهما نصان لا يمكن التأويل في دلالتهما فقد ذهب بعض إلى أخذ السندين و الجمع بين الدلالتين بالتبعيض في التصديق كما ذكرنا في البينتين فيصدق كل واحد من العدلين في بعض ما أخبرا به، و تكون النتيجة حينئذ وجوب إكرام البعض كعدولهم مثلا و حرمة إكرام آخرين كفساقهم، إلا أن هذا النحو من الجمع مع أنه لا تساعد عليه الأدلة، يستلزم المخالفة القطعية في أحكام اللّه تعالى بلا قيام دليل عليه و لا يقاس هذا بتعارض البينتين لما ذكرنا من السيرة العقلائية فيه.

197

قاعدة الطهارة

هي الحكم ظاهرا بطهارة موضوع خارجي أو عنوان كلي شك في طهارته و نجاسته في الواقع.

فللقاعدة موضوع و محمول موضوعها المشكوك طهارته في الواقع و محمولها هو الحكم بالطهارة ظاهرا و ترتيب الآثار الشرعية الثابتة للطاهر الواقعى عليه.

تنبيهان:

الأول: الترديد في تعريف القاعدة بين الموضوع الخارجي و العنوان الكلي‏

لبيان أنه لا فرق في جريان القاعدة بين كون الشبهة موضوعية أو حكمية.

و الأول: كما إذا شك في طهارة عين خارجية لأجل اشتباه الأمور الخارجية، كالشك في أن الثوب المعين هل تنجس بملاقات النجس أم لا.

و الثاني: كما إذا شك في طهارة عنوان كلي، و كان منشأ الشك فيها عدم ورود النص أو إجماله أو تعارض بعضه مع البعض الآخر، و ذلك نظير الشك في طهارة العصير العنب المغلي و نجاسته، أو في طهارة خرء الطائر غير المأكول لحمه.

198

الثاني: هذه القاعدة أصل من الأصول المثبتة للحكم الظاهري‏

و ليست بأمارة حاكية عن الواقع فإن ظاهر قوله (عليه السّلام): «كل شي‏ء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر»، كون الغاية قيدا للموضوع، و معنى الرواية أن كل شي‏ء لم تعلم قذراته فهو طاهر، فحكم الطهارة مرتب على الموضوع المشكوك في طهارته و نجاسته في الواقع، و معلوم أن كل حكم رتب على الموضوع المشكوك حكمه فهو حكم ظاهري فمفاد القاعدة حكم ظاهري و هي أصل من الأصول العملية.

199

قاعدة الفراغ‏

هى حكم المكلف بصحة عمله بعد الفراغ عنه و الشك في صحته، فللقاعدة موضوع و محمول، موضوعها العمل المفروغ عنه المشكوك في صحته و فساده، و محمولها الحكم بالصحة و ترتيب آثارها عليه.

فإذا صلى الشخص صلاة الظهر مثلا ثم شك في صحتها و بطلانها من جهة احتماله ترك جزء أو شرط أو إيجاد مانع أو قاطع، حكم بالصحة و رتب آثارها، و كذا لو توضأ أو اغتسل أو غسل ثوبا بقصد تطهيره أو أوقع بيعا أو إجارة أو نكاحا فشك في صحتها بنى على الصحة في الجميع.

و تفترق هذه القاعدة عن أصالة الصحة في فعل الغير بالاختلاف موضوعا، فإن الموضوع في هذه القاعدة عمل نفس الشاك و في تلك القاعدة عمل الغير.

و عن قاعدة التجاوز بالاختلاف موضوعا و محمولا و شرطا فإن الموضوع في تلك القاعدة المشكوك وجوده و المحمول الحكم بالوجود، بشرط الدخول في عمل آخر غير المشكوك، و المحمول فيما نحن فيه الحكم بالصحة بدون ذلك الشرط.

تنبيه: الدليل على هذه القاعدة أمور:

200

أولها: قوله (عليه السّلام) في موثقة محمد بن مسلم: «كلما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو».

ثانيها: قوله (عليه السّلام): «كلما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فأمضه كما هو و لا إعادة عليك».

ثالثها: موثقة ابن أبي يعفور: «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء» بناء على رجوع الضمير في غيره إلى الوضوء.

رابعها: بناء العقلاء عليها في أعمالهم العادية فإنهم لا يحكمون بفساد كل عمل صدر عنهم في الماضي مع عدم خلو الإنسان غالبا عن الشك في الصحة و الفساد.

201

قاعدة القرعة

القرعة في اللغة السهم و النصيب، و في عرف الفقهاء و العرف العام الاحتيال في تعيين المطلوب لدى الشبهة و الإبهام بكتابة و نحوها.

فللقاعدة موضوع و محمول، موضوعها ما عينه الاحتيال و محمولها ترتيب آثار الواقع عليه، أو موضوعها الاحتيال و محمولها إعطاء الطريقية له و جعله كالعلم تعبدا و تنزيلا.

و الأول مبني على كونها أصلا و الثاني على كونها أمارة.

فتشمل القاعدة موارد الاشتباه في الظاهر مع وجود واقع محفوظ، و موارد الإبهام و عدم التعين في الواقع و نفس الأمر.

فإذا أوصى الميت بعتق عبد معين من عبيده فحصل الاشتباه بعد موته في أنه زيد أو عمرو عين المطلوب بالقرعة و حكم بكونه الموصى به واقعا، كما أنه إذا أوصى بعتق عبد من عبيده من غير تعيين عين أحدهم بالقرعة و أعتق، و إن شئت فسم نظائر المثال الأول بالمشتبه و المجمل، و نظائر المثال الثاني بالمبهم و المهمل، و سم كلا القسمين بالمشكل و المجهول.

تنبيهات:

الأول: استدلوا على مشروعية القرعة في الجملة بعدم الخلاف بين المسلمين‏

بل‏

202

إجماعهم عليها، و بقوله تعالى: «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ».

و بقوله تعالى: «وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ». و بأخبار يدعى تواترها، منها قول الكاظم (عليه السّلام): «كل مجهول ففيه القرعة فقلت إن القرعة تخطى‏ء و تصيب فقال كل ما حكم اللّه به فليس بمخطئ».

و قول الصادق (عليه السّلام): «ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى اللّه إلا خرج سهم المحق».

الثاني: أن هذه القاعدة هل هي من الأمارات،

بمعنى أن الشارع جعل الاحتيال بالكتابة و نحوها طريقا إلى إحراز الواقع تأسيسا أو إمضاء.

أو هي أصل من الأصول العملية، بأن حكم الشارع بترتيب آثار الواقع على ما عين بها تعبدا من دون نظر إلى إيصال المكلف إلى واقع محفوظ وجهان أظهرهما الثاني، لشمولها لموارد الإبهام مع عدم وجود واقع محفوظ هناك حتى تكون الأمارة مؤدية إليه، فراجع أخبار الباب.

و تظهر الثمرة في تقدمها على الأصول العملية حكومة أو ورودا و عدمه، فعلى الأمارية تتقدم و على فرض كونها أصلا يتعارضان.

الثالث: لا تشمل قاعدة القرعة للشبهات الحكمية، و الموضوعات المستنبطة،

للإجماع المحقق على ذلك، فليس للفقيه إذا شك في حرمة شرب التتن مثلا و إباحته تعيين الحكم الواقعي بالقرعة، و كذا في موارد الاشتغال و التخيير و نحوهما.

كما أنه ليس له تعيين أجزاء الصلاة و شرائطها لدى الشك بها.

فيختص موردها بالموضوعات الصرفة، كتعيين أن الملك الذي يدعيه زيد و عمرو و لا يد لأحدهما عليه، لزيد أو لعمرو و أن الفرد الموطوء من قطيع غنم هذا أو ذاك.

ثم إنه حيث كانت أدلة القرعة عامة لكل مورد شبهة، حكمية أو موضوعية مع قيام الإجماع على عدم العمل بها على ذلك العموم و الشمول بل كان الخارج من تحتها أكثر من الباقي.

فلا جرم كان دلالتها ضعيفة موهونة و من هنا اشتهر أن التمسك بها في مواردها يحتاج إلى جبر بعمل الأصحاب فراجع.