اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها

- الشيخ علي المشكيني المزيد...
291 /
203

قاعدة لا ضرر

هى إخبار الشارع بعدم جعله الحكم الضرري في شرعه و دينه تكليفيا كان أو وضعيا، أو هي حكمه بانتفاء الموضوع الضرري ادعاء بعناية عدم جعل الحكم له.

فللقاعدة موضوع و محمول، موضوعها الحكم الضرري أو الموضوع الخارجي الضرري، و محمولها الإخبار عن عدم جعل ذلك الحكم حقيقة أو عدم ذلك الموضوع تنزيلا و ادعاء بلحاظ عدم حكمه.

مثلا إذا فرضنا في مورد تضرر المكلف بالتوضؤ فإيجاب الشارع للوضوء حينئذ يكون حكما ضرريا ينشأ منه تضرر المكلف، فنقول حينئذ إن وجوب الوضوء هاهنا حكم ضرري و كل حكم ضرري مرفوع، فالوجوب هنا مرفوع أو نقول الوضوء مثلا موضوع ضرري فهو مرفوع بعناية رفع حكمه، و مثله الغسل و الصوم و القيام في الصلاة و غيرها.

و نقول في رفع حكم الحرمة إن حرمة الكذب أو شرب الخمر ضررية في هذا المورد فهي مرفوعة، أو إن نفس الكذب أو الشرب مرفوع بعناية رفع حكمه أعني الحرمة.

و نقول في رفع الإباحة مثلا إن إباحة إضرار شخص بشخص أو إتلاف ماله حكم ضرري فهي مرفوعة.

و في الحكم الوضعي أن لزوم بيع المغبون حكم وضعي ضرري فهو مرفوع أو أن‏

204

نفس البيع مرفوع بعناية رفع لزومه.

تنبيهات:

الأول: ما ذكرنا من الترديد في كون معنى القاعدة هو نفي الحكم أو نفي الموضوع‏

إنما هو لأجل الاختلاف فيما يستفاد من الأدلة من معناها كما سيجي‏ء في التنبيه الثاني، و المعنيان في الغالب متحدان في النتيجة و قد يختلفان فيها.

ففي الإناءين المشتبه مضافهما بمطلقهما إذا فرضنا أن المكلف لا يتضرر بوضوء واحد و يتضرر بوضوأين، فعلى المعنى الأول يرتفع الوجوب، إذ بقاؤه مستلزم للاحتياط المستلزم للضرر فالضرر ينشأ من الحكم الشرعي فهو ضرري محكوم بالارتفاع بالقاعدة، و على المعنى الثاني فالموضوع الواقعي أعني التوضؤ بالماء ليس ضرريا بنفسه و الضرر إنما ينشأ من ضم غير الموضوع إلى الموضوع فهو غير مرفوع بالقاعدة إلا إذا حكم العقل بعدمه، أو فرض شمول قاعدة الحرج للمورد و هو أمر آخر.

الثاني: أن المدرك للقاعدة، عدة أخبار يشتمل أكثرها على الجملة المشهورة

و هي قوله لا ضرر و لا ضرار إما مطلقا أو مقيدا بقوله على مؤمن أو بقوله في الإسلام، و حيث إن الضرر موجود في الخارج وجدانا وجب التصرف في ظاهر الكلمة، فذهب شيخنا الأنصارى (قدس سره) إلى المجاز في الحذف أي لا حكم ضرري، و صاحب الكفاية إلى المجاز في الإسناد و أن المنفي نفس الضرر و النقص البدني أو المالي بعناية نفي حكمه كقوله (عليه السّلام): «يا أشباه الرجال و لا رجال».

الثالث: تجري القاعدة في رفع الأحكام التكليفية الخمسة كما تجري في الوضعية،

فالبعث المتعلق بالصوم الضرري كالزجر المتعلق بشرب الخمر، يرتفعان عند الضرر.

و أما إباحة الشي‏ء و استحبابه فهما بالنسبة إلى نفس المكلف و ماله لا يكونان ضرريين، فترخيص الشارع للمكلف في قطع يده أو إتلاف ماله بل و طلبهما منه على وجه الاستحباب ليسا بضرريين، إذ الموقع له في الضرر حينئذ إرادته و اختياره لا ترخيص الشارع و طلبه، نعم الشارع لم يمنعه عن الإضرار بنفسه أو ماله فأوقع نفسه فيه‏

205

و هذا غير إيقاع الشارع له في الضرر.

نعم إباحة إضراره للغير في نفسه و ماله أو طلب ذلك منه يكون حكما ضرريا مرفوعا بالقاعدة.

الرابع: النسبة بين هذه القاعدة و الأحكام الأولية الثابتة لموضوعاتها هي نسبة الحاكم إلى المحكوم،

و قد مر تفصيل ذلك تحت عنوان الحكومة.

206

قاعدة المقتضي و المانع‏

هي الحكم بوجود المسبب و المقتضى بالفتح في كل ما أحرز سببه و مقتضيه و شك في وجود مانعه، فللقاعدة موضوع و محمول فموضوعها إحراز المقتضي بالكسر و الشك في وجود المقتضى بالفتح و محمولها هو الحكم بوجوده و ترتيب آثاره، مثلا إذا علمنا بوقوع النار على ثوب أو فراش و شككنا في أنه هل هناك رطوبة مانعة عن الاحتراق أم لا حكمنا بناء على القاعدة بحصول الاحتراق، و كذا إذا علمنا بملاقاة النجاسة للماء المقتضية لتنجسه و شككنا في كريته المانعة و عدمها حكمنا بنجاسة الماء لهذه القاعدة، و مثله ما لو علمنا بوجود مصلحة ملزمة أو مفسدة ملزمة في فعل و شككنا في تعلق الوجوب أو التحريم به و عدمه لاحتمال وجود مانع عن جعل الحكم، حكمنا بوجوبه أو حرمته.

ثم إن المشهور عدم حجية هذه القاعدة و عدم دليل عليها من نقل أو عقل. و أيضا إن هذه القاعدة على فرض تماميتها فيما إذا كان وجود الشرط أيضا معلوما و كان المشكوك هو المانع فقط فلو فرض الشك في الشرط أيضا لم تكن جارية، كما أنه ليس هنا قاعدة تجري فيما إذا علم عدم المانع و شك في وجود الشرط، فلو علم بإرادة زيد الحج في عام معين و حصول شرائطه و شك في المانع جرت القاعدة و رتب آثار الحاج على زيد و لو علم المقتضي و عدم المانع و شك في تحقق بعض الشروط لم تترتب تلك الآثار فليس هنا قاعدة تسمى بقاعدة المقتضي و الشرط. كما أنا لم نقل بالأولى أيضا.

207

قاعدة الملازمة بين حكم العقل و الشرع‏

اعلم أن القائلين بالتحسين و التقبيح العقليين كما مر في تلك المسألة اختلفوا في ثبوت الملازمة بين حكم العقل و الشرع و عدمه.

و هذه المسألة تنقسم إلى مسألتين: الأولى: أن كلما حكم به العقل هل يحكم به الشرع أم لا، و الثانية: أن كلما حكم به الشرع هل يحكم به العقل أم لا.

أما المسألة الأولى: فحاصلها أن كل فعل أدرك العقل حسنه و كونه بحيث يمدح فاعله هل يلازمه حكم الشرع بالوجوب‏

بحيث كلما ثبت الأول كشف عن الثاني، و أن كل فعل أدرك العقل قبحه هل يلازمه حكم الشرع بحرمته ليستكشف الحرمة منه بالملازمة أم لا.

فقال عدة من الأصحاب بالملازمة، بتقريب أن الشارع أعقل العقلاء بل هو العقل كله، و هو العقل من خارج، كما أن العقل شرع من داخل، فلا يعقل تخالفهما في الحكم فما حكم به أحدهما هو ما حكم به الآخر بعينه.

و ذهب عدة أخرى منهم إلى عدمها لأن وجود الحسن و القبح في الفعل لا يستلزم جعل الحكم من الشرع، إذ الملاكات من قبيل المقتضيات للأحكام غالبا لا العلل التامة، فربما يكون وجود الملاك مقارنا لفقد شرط من شرائط جعل التكليف أو

208

وجود مانع من موانعه فيدرك العقل حسنه و قبحه لإدراكه الملاك و لا يحكم الشارع بوجوبه و حرمته لأجل الموانع و لهذه الدعوى شواهد في موارد:

منها: أفعال الصبي المقارن للبلوغ، فإنه لا إشكال في أن صدقه في الكلام و وفاءه بالعهد و إنقاذه الغريق و إنجاءه الحريق مشتملة على مصالح تلك الأفعال الثابتة في حق البالغين الكاملين، و أن كذبه و خيانته و قتله النفوس و إغارته على الأموال مشتملة على المفاسد كذلك. فيدرك العقل في هذه الموارد حسنها و قبحها مع أن الشارع لم يلزمه إيجابا و تحريما، بل الواجبات في حقه مستحبات و المحرمات في حقه مكروهات فأين قولهم كلما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه فظهر الانفكاك بين الحكمين.

و منها: موارد الواجبات المهمة عند تزاحمها مع ما هو أهم منها، كالصلاة المزاحمة بإزالة النجاسة أو كإنقاذ الغريق المهم المزاحم مع الإنقاذ الأهم، فإنه لا حكم إلزامي حينئذ للمهم مع كونه واجدا للملاك الملزم، فالعقل يدرك الحسن و الشارع لا يحكم بالوجوب إذا فلا ملازمة بين الحكمين.

و منها: جل الأحكام الواجبة و المحرمة في بدء حدوث الشرع فإن عدم استعداد العباد حينئذ للتحريم و الإيجاب لقرب عهدهم من الإسلام بحيث ربما كان يوجب بعثهم على الأحكام على نحو الحتم و الإلزام نفرتهم عن دين الإسلام، فلم يكن يلزمهم الشارع، مع أن حكم العقل بالحسن و القبح كان على حاله.

و منها: بعض موارد الحكم الإرشادي كوجوب الإطاعة للأوامر و النواهي و حرمة المخالفة لها فإن عنوان الإطاعة مما يحكم العقل بحسنه و عنوان العصيان مما يحكم العقل بقبحه، مع أنه لا إلزام فيهما شرعا إما للغوية ذلك أو لاستلزامه التسلسل أو غير ذلك.

و أما المسألة الثانية: أعني قاعدة كلما حكم به الشرع حكم به العقل،

فالظاهر من الأصحاب تماميتها و صحتها و كونها مقبولة عند الجل لو لا الكل، فإن معناها كل فعل حكم الشرع بوجوبه لاشتماله على المصلحة الملزمة، أو حكم بحرمته لاشتماله على المفسدة الملزمة لو أدرك العقل ذلك الملاك فلا جرم يحكم بحسن الأول و قبح الثاني و هذا ظاهر.

209

قاعدة الميسور

إذا رتب طلب شرعي على موضوع عام بعموم استغراقي كقوله أكرم العلماء أو على موضوع مركب ذي أجزاء كقوله أكرم هؤلاء العشرة، أو صل صلاة الصبح، فعرض للمكلف عجز عن إتيان ما تعلق به الحكم تاما و كان إتيان بعض المصاديق أو بعض الأجزاء ممكنا، فهل يبقى البعض الميسور على عهدة المكلف، و يكون محكوما بحكم كان عليه عند إمكان الجميع، أم يسقط الميسور أيضا بسقوط المعسور، فيه وجهان:

المشهور عند الأصحاب الأول فإنهم حكموا ببقاء البعض الممكن على عهدة المكلف و عدم سقوطه بطرو العجز عن البعض الآخر، و سموا هذه الكبرى الكلية بقاعدة الميسور تارة و قاعدة ما لا يدرك أخرى و إن شئت فسمها بقاعدة الاستطاعة ثالثة.

يعنون بذلك بقاء المقدار الميسور على ما كان عليه من الطلب الشرعي و عدم سقوطه عن عهدة المكلف.

فللقاعدة موضوع و محمول موضوعها الميسور إتيانه و الممكن إدراكه، من مصاديق الكلي أو أجزاء الكل المرتب عليه الحكم الشرعي، و محمولها البقاء على عهدة المكلف و عدم سقوطه.

210

فإذا تعلق الوجوب بإكرام جميع العلماء فلم يقدر المكلف على إكرام بعضهم لم يسقط إكرام البعض الباقي و إذا تعلق الطلب بالصلاة ذات الأجزاء و الشرائط، و عرض العجز عن إتيان بعض الأجزاء أو الشرائط لم تسقط الأجزاء الميسورة بفقد البعض المعسور.

تنبيهات:

الأول: استدلوا على القاعدة بالنبوي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و العلويين (عليه السّلام) المرويات في غوالي اللئالي،

فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم» و عن علي (عليه السّلام): «الميسور لا يسقط بالمعسور» و عنه (عليه السّلام): «ما لا يدرك كله لا يترك كله» و ضعف هذه الأخبار مجبور بعمل الأصحاب، و دلالتها واضحة الانطباق على ما ذكرنا، فمعنى الخبر الأول إذا أمرتكم بشي‏ء ذي أفراد أو أجزاء فأتوا بالممكن من أفراده أو أجزائه و لا تتركوا ما أمكن لأجل ما لا يمكن.

و معنى الثاني أنه لا يسقط الميسور من الأفراد و الأجزاء بالعجز عن معسورهما، و معنى الثالث أن ما لا يمكن إدراك جميع مصاديقه أو جميع أجزائه أو شرائطه لا ينبغي تركه بالكلية بترك الباقي الممكن.

الثاني: الظاهر شمول القاعدة للمستحبات كشمولها للواجبات،

فإن المراد بعدم السقوط بقاء الميسور على العهدة كما كان قبل العجز، إن واجبا فواجبا و إن ندبا فندبا، كما أن الظاهر شمولها لصورة كون المعسور من الأجزاء و كونه من الشرائط، فحينئذ لو طرأ للمكلف عجز عن إتيان السورة في صلاته أو عن غسل ثوبه لها فريضة كانت الصلاة أو تطوعا، كانت القاعدة في إثبات الباقي على عهدة المكلف محكمة.

الثالث: لا إشكال في اشتراط شمول القاعدة للمركبات بما إذا كان بين الباقي الميسور و المركب المعسور رابطة و تناسب،

لا تخالف و تباين فيشترط أن يعد الباقي لدى العرف ميسورا لذلك المعسور و فردا ناقصا منه مسامحيا بحيث يكتفي العرف بذلك عنه‏

211

لدى العجز و الاضطرار.

فلو قال جئني بحيوان ناطق فعجز عن تحصيل الناطق و أراد المجي‏ء بالناهق عملا بالقاعدة لم يكن مجزيا قطعا إذ الحمار لا يعد ميسورا اضطراريا للإنسان، كما أن السجدة الواحدة أو قراءة الفاتحة فقط لا يعد ميسورا للصلاة، فلا تجري القاعدة لإثبات بقائهما.

212

قاعدة نفي الحرج (أو نفي العسر)

اعلم أنه ينقسم ما يتصور صدوره من العباد من الأفعال و التروك إلى أقسام ثلاثة:

الأول: ما يقدرون عليه و يتمكنون من إتيانه بسهولة و سعة من دون ضيق و حرج، كتكلمهم، بالصدق و الكذب و أكلهم و شربهم.

الثاني: ما لا يقدرون عليه و لا يطيقونه، كطيرانهم إلى السماء و عدم تنفسهم مع حياتهم.

الثالث: ما يقدرون عليه مع ضيق و شدة و عسر و حرج، كصومهم في مرضهم و إنفاقهم جميع ما يملكون و قطعهم لحوم أبدانهم عند تنجسها.

ثم إنه لا إشكال عقلا في جواز كون القسم الأول متعلقا للتكاليف الإلهية بعثا و زجرا و ترخيصا، بل الأحكام التكليفية كلها أو جلها إنما تعلقت بهذا النوع من أفعالهم، فالمطلوبات و المنهيات و المرخصات بحسب الغالب أفعال أو تروك مقدورة للمكلفين بلا عسر في إتيانها و لا حرج.

و أما القسم الثاني فلا إشكال أيضا في عدم تعلق تكليف إلهي بهذا النوع فعلا و تركا، و يدل عليه من العقل حكمه القطعي بقبح أن يكلف العاقل غيره بما لا يقدر عليه، فضلا عن الحكيم تعالى.

213

و من النقل قوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» و الوسع هو الطاقة و صحيحة هشام ... «اللّه أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون».

و خبر الاحتجاج ... «و ذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلف خلقا فوق طاقتهم».

و أما القسم الثالث فالذي يستفاد من الكتاب و السنة و استقر عليه كلمات الأصحاب رضي الله عنهم كون تعلق التكليف الإلزامي بالفعل الذي فيه عسر و حرج منفيا في هذه الشريعة، و سموا هذا الحكم الكلي بقاعدة نفي الحرج أو نفي العسر، فلهذه القاعدة موضوع و محمول، موضوعها كل فعل أو ترك فيه حرج و شدة على المكلف، و محمولها نفي حكمه الإلزامي و الإخبار عن عدم تعلق ذلك به في الشريعة، أو رفع نفس الموضوع الحرجي ادعاء و تنزيلا بلحاظ نفي حكمه.

فالغسل في شدة البرد و القيام للصلاة و الصيام في شهر رمضان بالنسبة إلى المريض و الهرم و نحو ذلك، أفعال حرجية رفع حكمها في هذه الشريعة بأدلة نفي العسر و الحرج.

تنبيهات:

الأول: استدل القوم على هذه القاعدة بأدلة،

فمن الآيات قوله تعالى نقلا لمسألة النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليلة المعراج: «رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا» و الأصر الأمر الشديد العسر.

و قوله تعالى: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ».

و قوله تعالى: «ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ».

و قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ».

و من الأخبار قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حديث الرفع: «رفع عن أمتي الخطاء و النسيان. و ما لا يطيقون» إلى آخره.

و رواية عبد الأعلى فيمن وضع على إصبعه مرارة قال: «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ‏ إلى آخره» امسح على المرارة.

و الحديث المشهور: «بعثت بالشريعة السمحة السهلة» و غير ذلك.

214

الثاني: أدلة نفي الحرج رافعة للأحكام الشرعية في موارد و دافعة لها في أخرى.

فالحكم المجعول الذي لا حرج في أصل جعله و تشريعه إذا عرضت له الحرجية في بعض الموارد تكون حكومة قاعدة الحرج عليه بالرفع، لأجل شمول إطلاق دليل الحكم لذلك المورد.

و الحكم الذي يكون جعله من أصله حرجيا تكون حكومتها عليه بالدفع فلا جعل و لا إنشاء أصلا لمكان الحرج.

ثم إنهم جعلوا من أمثلة الرفع العفو عن دم الجروح و القروح للمصلي و العفو عن نجاسة ثوب المربية للصبي و رفع شرطية الطهارة عن صلاة المبطون و المسلوس في بعض الفروض، و الترخيص في الإفطار للمريض و الحامل و المرضعة و الشيخ و الشيخة و ذي العطاش، و سقوط القيام عن صلاة المريض و الهرم، و إباحة المحرمات عند الاضطرار.

و من أمثلة الدفع.

تشريع القصر في السفر، و تشريع الطلاق، و عدم وجوب السواك، و عدم وجوب صلاة الليل و صلاة الجماعة و غير ذلك.

الثالث: لا إشكال في خروج بعض الموارد من تحت هذه القاعدة و عدم شمولها لها

كوجوب الجهاد للدعوة إلى الإسلام، و وجوب الدفع عن الأهل و المال و لو بالقتال و نحوه على القول به.

فحينئذ نقول هل يكون خروجها من تحت القاعدة بالتخصيص كتخصيص قاعدة نفي الضرر ببعض الأحكام الضررية، أو بالتخصص بدعوى عدم وجود العسر و الحرج فيها حقيقة، فإن أدلة نفي الحرج غير قابلة للتخصيص فهي نظير قوله تعالى: «وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ» و قوله تعالى: «وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» فليس ما تخيل كونه من باب الحرج إلا كما تخيل كونه ظلما للعباد من الأحكام ... فأدلة تلك الموارد كاشفة عن الخروج الموضوعي و إن كنا لم نعرف وجهه، وجهان أظهرهما الأول.

215

قاعدة اليد

هي الحكم بملكية شي‏ء لمن كان مسلطا عليه و متصرفا فيه لدى الشك في الملكية.

فللقاعدة موضوع و محمول موضوعها الاستيلاء الخارجي و التسلط العرفي على ما يشك في كونه ملكا واقعا، و محمولها الحكم بالملكية و ترتيب آثارها شرعا، فإذا وجدنا زيدا مستوليا على عباءة يلبسها و يتصرف فيها حكمنا بأن تلك العباءة ملكه و جاز شراؤها منه و التصرف فيها بإذنه.

تنبيهان:

الأول: أن الدليل على القاعدة هو بناء العقلاء على ذلك مع عدم ردع الشارع عنه،

و قوله (عليه السّلام) في خبر حفص: «حين قال السائل أ رأيت إن رأيت في يد رجل شيئا أ يجوز أن أشهد أنه له، قال نعم إلى أن قال، و لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق» و قوله في موثقة يعقوب: «في متاع البيت المشترك بين الزوج و الزوجة من استولى على شي‏ء منه فهو له».

الثاني: هل القاعدة أمارة أو أصل فيه خلاف‏

و معنى أماريتها أن السلطنة

216

و الاستيلاء على الشي‏ء من لوازم الملكية و آثارها بحسب الغالب، لأن الغالب أن المستولي على الشي‏ء و المتصرف فيه هو المالك و لو قد يتفق كونه غاصبا و نحوه فالاستيلاء كاشف ظني عن الملكية كشف اللازم عن ملزومه و الأثر عن مؤثره و الشارع أتم كشفه الناقص و جعله طريقا إلى الملكية، فهي أمارة موضوعية مصوبة لدى العقلاء ممضاة من جانب الشارع.

و معنى كونها أصلا من أن الشارع لم يلاحظ جهة كشفها بل حكم بترتيب آثار الملكية تعبدا عند الشك فيها فتكون من الأصول المحرزة كالاستصحاب.

217

قاعدة اليقين‏

هو الحكم بوجود الشي‏ء و ترتيب آثار وجوده إذا حصل الشك في الوجود بعد العلم به بأن شك في كون علمه مطابقا للواقع أو مخالفا له فللقاعدة موضوع و محمول موضوعها الشك الساري في وجود ما تيقن به و محمولها الحكم بالوجود بمعنى ترتيب آثاره.

فإذا علمنا بعدالة زيد يوم الخميس فصلينا مؤتمين به صلاة ثم شككنا في يوم الجمعة في عدالته في ذلك اليوم و فسقه، حكمنا بعدالته في ذلك اليوم و صحة تلك الصلاة.

و يتحقق موضوعها بأمور ثلاثة.

تقدم زمان اليقين على زمان الشك، و عدم اجتماع الوصفين في وقت واحد و وحدة المتعلق حتى بلحاظ الزمان، كالعدالة المقيدة بيوم الخميس.

ثم إن في حجية هذه القاعدة مطلقا أو حجيتها في الجملة أو عدم حجيتها مطلقا وجوه بل أقوال:

الأول: الحجية مطلقا و بلحاظ جميع الآثار بمعنى أنه يجب الحكم بثبوت ما شك في ثبوته، بحيث يرتب عليه آثار زمان اليقين و زمان الشك و بعده إلى الأبد، ففي المثال يحكم بصحة تلك الصلاة و بجواز الايتمام بزيد في حال الشك و بعده رعاية لحال‏

218

اليقين السابق و لو كان زائلا فعلا لقوله (عليه السّلام): «من كان على يقين فشك فليبن على يقينه أو فليمض على يقينه».

الثاني: حجيتها في الجملة بمعنى لزوم ترتيب آثار زمان اليقين فقط و لو كان زمان الأثر متأخرا، فيحكم بصحة تلك الصلاة و عدم وجوب قضائها بعد طرو الشك لكنه لا يجوز الاقتداء بزيد فعلا.

الثالث: عدم حجيتها مطلقا، فلا يحكم بكونه موجودا و لا يرتب عليه الأثر مطلقا و لا أثر لذلك اليقين الزائل أصلا، فيرجع في الآثار السابقة و اللاحقة إلى قواعد و أصول أخر، فيحكم بصحة تلك الصلاة لقاعدة الفراغ مثلا و بعدم جواز الايتمام بعد الشك لعدم إحراز عدالة الإمام، و هذا هو المشهور بين الأعلام فلا حجية لقاعدة اليقين، و الخبر المذكور محمول على قاعدة الاستصحاب فراجع بابه.

219

القطع‏

و يرادفه في اصطلاح الأصوليين العلم و اليقين.

و مفهوم هذه الأسماء واضح و لم يثبت لها في هذا الاصطلاح معنى يغاير معناها اللغوي، كما أنه لا إشكال في حجية المفهوم المراد بها أعني الوصف الحاصل في النفس المقابل للظن و الشك حجيّة ذاتيّة يحكم بها العقل غير قابل للجعل التشريعي إثباتا و نفيا، فالحجية بالنسبة إليه كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة يكون جعلها لها تحصيلا للحاصل و نفيها عنها تفكيكا بين الشي‏ء و ذاتياته و لذا قيل (القطع حجة بنفسه بلا)، (جعل و إلا دار أو تسلسلا) و قيل أيضا (و هو بنفسه طريق الواقع)، (و ليس قابلا لجعل الشارع).

ثم إنهم قد قسّموا القطع بتقسيمات:

الأول: تقسيمه إلى القطع الطريقي و القطع الموضوعي.

فالأول: هو الذي يكون طريقا صرفا إلى حكم أو موضوع ذي حكم بحيث لا دخل له في الحكم شرعا و لم يؤخذ في متعلقه بنظر الشارع، فإذا ورد الخمر حرام و البول نجس، فقطعك هنا قطع طريقي سواء تعلق بالحكم الكلي فعلمت بأن الخمر حرام شرعا أو بالموضوع الخارجي فعلمت أن هذا الإناء خمر، إذ الفرض أن الحكم رتب على‏

220

العنوان الواقعي، و لم يلاحظ الشارع في مقام جعله إلا الحكم الكلي على الموضوع الكلي و القطع طريق إليه عند العقل.

و الثاني: هو الذي يكون مأخوذا في الخطاب و يكون له دخل في الحكم أو في موضوعه و هو على أقسام كثيرة بعضها ممكن و بعضها مستحيل.

و توضيحه: أن القطع المأخوذ في الموضوع إما أن يكون قطعا متعلقا بالحكم أو بموضوع ذي حكم أو بموضوع بلا حكم، و على التقديرين الأولين إما أن يقع موضوعا لعين الحكم الذي تعلق به أو بموضوعه أو يقع موضوعا لمثله أو موضوعا لضده أو موضوعا لخلافه، فصارت الأقسام تسعة، ستة منها مستحيلة و ثلاثة منها ممكنة.

أما الستة المستحيلة فهي أن يؤخذ القطع بالحكم أو بموضوع ذي حكم موضوعا لنفس ذلك الحكم أو موضوعا لحكم مثله أو لحكم ضده، و أما الثلاثة الممكنة فهي أن يؤخذ القطع بالحكم أو بموضوع ذي حكم في موضوع حكم مخالف له، أو يؤخذ القطع بموضوع بلا حكم في موضوع أيّ حكم كان.

أما أمثلة الأقسام فالأول و هي ما كان القطع بالحكم مأخوذا في موضوع عين ذلك الحكم كما إذا ورد إذا علمت بوجوب الجمعة فهي تجب عليك بعين ذلك الوجوب و هذا باطل لاستلزامه الدور فإن الوجوب يتوقف على العلم به و العلم به يتوقف على الوجوب.

و الثاني: و هو ما كان القطع بالحكم موضوعا لمثل ذلك كما لو قال إذا علمت بوجوب صلاة الجمعة فهي تجب عليك بوجوب آخر، و هذا باطل لاجتماع المثلين أحدهما الوجوب الذي تعلق به القطع و الآخر الوجوب الذي تعلق هو بالقطع.

الثالث: و هو ما كان القطع بالحكم موضوعا لحكم ضد ذلك كما لو قال إذا علمت بوجوب الجمعة فهي عليك محرمة، و هذا باطل لاجتماع الضدين الوجوب و الحرمة في موضوع واحد.

الرابع: و هو ما كان القطع بالحكم مأخوذا في موضوع حكم مخالف لمتعلقه كما لو قال إذا علمت بوجوب الجمعة يجب عليك التصدق بدرهم، و هذا من قبيل القطع الموضوعي الممكن.

221

الخامس و السادس و السابع: و هي ما كان القطع بموضوع ذي حكم مأخوذا في موضوع نفس ذلك أو مثله أو ضده، كما لو قال إذا علمت بخمرية مائع فهو محرم بعين حرمته السابقة أو بمثلها أو هو واجب، و هذا الثلاثة مستحيلة للدور و اجتماع المثلين و الضدين.

الثامن: و هو ما كان القطع بالموضوع مأخوذا في موضوع حكم مخالف، كما لو قال إذا علمت بخمرية مائع وجب عليك التصدق بدرهم و هذا ممكن.

التاسع: و هو ما كان القطع بموضوع بلا حكم مأخوذا في موضوع أي حكم كان كما لو قال إذا علمت بأن هذا بول يجب عليك الاجتناب عنه بناء على كون الحكم مرتبا على العلم بالبولية لا على الواقع ثم إن الانقسام إلى الطريقي و الموضوعي يجري في الظن أيضا إلا أن له مزيد بحث ذكرناه تحت عنوانه.

تنبيهان:

الأول: الفرق بين الطريقي المحض و الموضوعي في الجملة يظهر في موارد:

أولها: في الإجزاء فإذا قطع بطهارة ثوبه أو القبلة فصلى ثم انكشف الخلاف فعلى فرض كون القطع طريقا محضا أو مأخوذا جزء الموضوع يجب إعادة الصلاة لظهور كون المأمور به غير المأتي به و المأتي به غير المأمور به، و على فرض كونه مأخوذا تمام الموضوع فلا إعادة.

ثانيها: في قيام الأمارة مقامه فإنه إذا قامت الأمارة على حرمة العصير أو الخمر فهي تقوم مقام الطريقي المحض في تنجيز الواقع بلا إشكال، و أما الموضوعي ففيه اختلاف فقال في الكفاية بعدم القيام مطلقا و فصل في الرسائل بين الكشفي بالقيام مقامه و الموضوعي الوصفي بعدم القيام فراجع الكتابين.

ثالثها: أن الطريقي لا فرق فيه بين حصوله من أيّ شخص و أيّ سبب و أيّ زمان بخلاف الموضوعي فإنه تابع لجعل الشارع فراجع تقسيمه إلى قطع القطاع و غيره.

الثاني: قد يتوهم أن كون القطع موضوعا للحكم معناه أنه يعرض الحكم عليه‏

فإذا

222

قلنا إن القطع بالخمرية موضوع للحرمة أو النجاسة فمعناه كون نفس القطع محرما أو نجسا، و لكنه توهم فاسد فإن معنى الموضوع هنا هو ما له دخل في الحكم سواء أ كان شرطا للحكم أم وصفا للموضوع أو المتعلق.

بيانه: أنك قد عرفت في التقسيم الأول للقطع أن القطع الموضوعي الصحيح أصناف ثلاثة، القطع المتعلق بالحكم أو بموضوع ذي حكم المأخوذان في موضوع حكم مخالف، و القطع المتعلق بموضوع لا حكم له.

ففي الجميع يكون معنى الموضوعية هو شرطيته للحكم المتعلق به لأنه إذا قال الشارع إن علمت بوجوب الجمعة أو بخمرية مائع (ذي حكم أو بلا حكم) وجب عليك التصدق، كان موضوع الوجوب حقيقة هو التصدق و القطع بوجوب الجمعة أو بالخمرية شرطا لحدوث الحكم و ترتبه على موضوعه كشرطية الاستطاعة لوجوب الحج.

الثاني: تقسيمه إلى الوصفي و الكشفي،

و كل منهما إلى تمام الموضوع و جزئه.

و هذا التقسيم للقطع الموضوعي فقط دون الطريقي و بيان ذلك يتوقف على مقدمتين:

الأولى: أن القطع أمر قلبي له جهتان، إحداهما كونه صفة من الصفات النفسانية كالسرور و الحزن و الحب و البغض، ثانيتهما كونه كاشفا عن متعلقه كشفا تاما و طريقا إليه طريقا واضحا، و لأجل وجود هاتين الجهتين فيه ينتزع منه بمجرد حصوله و تعلقه بشي‏ء وصفان للقاطع و وصفان للمتعلق، فأنت قاطع بالخمرية بمعنى كونك ذا صفة خاصة و قاطع بمعنى كونك ذا طريق إليها، و هذا الإناء مقطوعا به بمعنى كونه متعلق تلك الصفة الخاصة و مقطوعا به بمعنى كونه منكشفا و مؤدى للطريق.

الثانية: أنه لا إشكال في أن القطع قد يكون مصيبا و مطابقا للواقع و قد يكون مخطئا و جهلا مركبا و إن كان القاطع لا يلتفت إلى ذلك.

إذا عرفت ذلك فنقول الأقسام في هذا التقسيم أربعة:

الأول: الوصفي الموضوعي الملحوظ تمام الموضوع كما لو ورد إذا قطعت بحرمة الخمر وجب عليك التصدق، فيما إذا لاحظ الشارع القطع بعنوان الوصفية، بأن جعل موضوع وجوب التصدق هو عنوان القاطع بالمعنى الوصفي المنطبق على الشخص، أو عنوان المقطوع به بالمعنى المنطبق على الخمر، مع لحاظه له بنحو التمامية بأن أخذه‏

223

موضوعا طابق الواقع أم لا.

الثاني: الكشفي الموضوعي الملحوظ تمام الموضوع ففي المثال السابق إذا جعل الموضوع عنوان القاطع أو المقطوع به بالمعنى الثاني أعنى الكشفية و لاحظه بنحو الإطلاق طابق الواقع أو خالفه كان هذا القطع كشفيا موضوعيا تاما.

الثالث: الوصفي الموضوعي الملحوظ بنحو جزء الموضوع فإذا قال إذا قطعت بوجوب الجمعة وجب عليك التصدق، و لاحظ القطع وصفيا بالمعنى السابق، و لاحظه جزء الموضوع بأن أخذ فيه خصوص القطع المطابق للواقع كان هذا وصفيا موضوعيا جزء الموضوع.

الرابع: الكشفي الموضوعي الملحوظ جزء للموضوع فإذا قال إذا قطعت بوجوب الجمعة وجب عليك التصدق، و لاحظ القطع بنحو الكشف بالمعنى المتقدم و لاحظ خصوص القطع المصيب كان هذا موضوعيا كشفيا جزئيا.

الثالث: تقسيمه إلى قطع القطاع و قطع غير القطاع‏

فالأول: هو القطع الحاصل للشخص بنحو غير متعارف و من سبب لا ينبغي حصوله منه و الثاني هو الحاصل بنحو متعارف و من سبب يليق حصوله منه، فالقطاع هو سريع القطع لا كثير القطع، و حكمها أنه لا فرق بينهما فيما كان طريقا محضا فإنه لا فرق عند العقل في وجوب متابعة القطع بين أفراده كان حصوله من أيّ سبب و لأيّ شخص و في أيّ زمان و إن كان ربما ينسب إلى بعض الأخباريين أن القطع الحاصل بالحكم الشرعي من مقدمات عقلية لا يجب العمل به عقلا و إن كان طريقا محضا.

و أما فيما كان موضوعا فالفرق بينهما واضح إذ القطع حينئذ يكون كسائر الموضوعات، فكما أنه يعقل أن يجعل موضوع وجوب الإكرام مطلق العالم أو العالم العادل فكذا يصح أن يجعل موضوع وجوب التصدق القطع الحاصل للفقيه دون العامي أو القطع الحاصل من خبر العادل دون الفاسق أو الحاصل في زمان البلوغ دون الصغر و هكذا.

الرابع: تقسيمه إلى القطع الإجمالي و القطع التفصيلي‏

و لا يخفى عليك أنه لا يكون الإجمال في نفس القطع أبدا و إنما يتصور في متعلقه،

224

إذ حقيقة العلم التصديقي هو انكشاف النسبة لدى القاطع انكشافا تاما، فإذا حصل القطع بأن أحد الفعلين واجب أو أن أحد الإناءين حرام فالنسبة الملحوظة بين الحكم و موضوعه الذي هو عنوان أحدهما منكشفة لدى القاطع لا إجمال فيها.

نعم انطباق ذلك الموضوع الكلي على هذا المصداق بالخصوص و تعلق الحكم به مجمل مجهول، و هو أمر آخر و نسبة أخرى غير النسبة المنكشفة، فالعلم الإجمالي في الحقيقة عبارة عن انضمام جهل إلى علم و نسبة مجهولة إلى نسبة معلومة، و يكون إسناد الإجمال إلى العلم بلحاظ حصوله في متعلقه لا فيه نفسه، و إن شئت فقل العلم الإجمالي هو العلم المتعلق بعنوان أحد الشيئين أو الأشياء مع كون العنوان غير معين و العلم التفصيلي ما لا يكون كذلك.

تنبيه: إذا حصل العلم الإجمالي بوجوب أحد الفعلين مثلا

فإنه يتصور لكل من امتثال الحكم المعلوم بالإجمال و مخالفته مرتبتان، إذ لا يخلو حال المكلف عن أحد أمور ثلاثة، فعلهما معا و تركهما معا و فعل أحدهما و ترك الآخر، و يسمى الأول بالموافقة القطعية و الثاني بالمخالفة القطعية و الثالث بالموافقة و المخالفة الاحتماليتين، ففعل أحدهما و ترك الآخر هي المرتبة الأولى للموافقة و المخالفة و فعلهما معا المرتبة الثانية للموافقة و تركهما معا المرتبة الثانية للمخالفة.

ثم إن في تأثير العلم الإجمالي في إيجاب الامتثال بالمرتبة الأولى أو الثانية أو عدم تأثيره أصلا أقوال.

الأول: كونه علة تامة في إيجاب المرتبة الثانية و لزوم الموافقة القطعية كالعلم التفصيلي، فلا يجوز حينئذ ترخيص الشارع في ترك البعض فضلا عن الكل و هذا مختار صاحب الكفاية (قدس سره) في باب الاشتغال.

الثاني: كونه مقتضيا بالنسبة إلى كلتا المرتبتين فيصح الترخيص في تركهما فضلا عن ترك أحدهما، و هذا مختاره (قدس سره) في بحث القطع.

225

الثالث: كونه علة تامة بالنسبة إلى المرتبة الأولى و إيجاب الموافقة الاحتمالية و مقتضيا بالنسبة إلى المرتبة الثانية، و هذا مختار الشيخ (رحمه الله) في رسائله.

الرابع: عدم العلية و الاقتضاء بالنسبة إلى المرتبتين فهو يساوق الشك البدوي في عدم التأثير، و لعله مراد من أجاز المخالفة القطعية.

226

القياس‏

هو في الاصطلاح عبارة عن تعدية الحكم من موضوع إلى موضوع آخر بسبب مشاركته له في علة ذلك الحكم، فيطلق على الموضوع الأول الأصل و المقيس عليه و على الثاني الفرع و المقيس، و على الجهة التي بها يحكم بتعدية الحكم الملاك و العلة المشتركة.

ثم إن العلة المشتركة إن كانت مظنونة مستخرجة من الكلام ظنا يطلق عليه القياس المستنبط علته، و إن كانت معلومة مصرحا بها في الكلام فهو القياس المنصوص علته.

و القياس الباطل الذي ليس من مذهبنا هو الأول دون الثاني، فإنه صحيح معمول به على المشهور بل قد يقال إنه ليس بقياس في الاصطلاح.

فإذا ورد أن الخمر حرام و حصل لنا الظن بأن العلة في حرمتها هو الإسكار الموجود في النبيذ و العصير مثلا، يكون تعدية حكم الحرمة من الخمر إلى النبيذ و العصير من قبيل القياس المستنبط علته الباطل عندنا.

و إذا ورد لا تشرب الخمر لأنه مسكر أو ورد لا تبع الحنطة بالحنطة مع التفاضل لأنها مكيل، يكون تعدية الحكم من الخمر إلى النبيذ المسكر، أو من الحنطة إلى‏

227

العدس و الحمص مثلا قياسا منصوص العلة صحيحا عندنا.

ثم إن الفرق بين القياس و الغلبة التي سبق بيانها واضح، إذ المقصود من الغلبة تعيين موضوع الحكم و بيان أنه هو الكلي الشامل لمصاديقه، ليحكم بترتيب ذاك الحكم على كل فرد من أفراد الكلي من دون نظر إلى علة ثبوت الحكم على الموضوع، و هذا بخلاف القياس فإن الموضوع فيه معلوم و إنما المقصود تعيين ملاك الحكم و مناطه ليحكم بسرايته إلى موضوع آخر مباين له بسبب ذلك المناط.

228

الكتاب و القرآن و المصحف و الفرقان‏

هذه الألفاظ الشريفة حقيقة بالفعل في الكلام الذي‏ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ‏ على قلب نبينا الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏ ... لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

و هو يشتمل على آيات محكمات و أخر متشابهات فمحكماته هي النصوص و الظواهر، و متشابهاته ما هو مجمل ليس له ظاهر.

ثم إنه لا إشكال في جواز العمل بالمحكمات، و لا يصغى إلى ما صدر عن بعض من المنع عن التمسك بالكتاب العزيز فإنهم عزلوا العقل أيضا عن الحكم و القضاء، و ليت شعري فما ذا يبقى لنا بعد عزل عقولنا و أخذ كتابنا، و هل هذا إلا جناية على العقل و خيانة للكتاب.

و يستدل على الحجية بأمور:

منها: قول مولانا علي (عليه السّلام) في نهج البلاغة: «و أنزل عليه- أي على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- القرآن ليكون إلى الحق هاديا، و برحمته بشيرا، فالقرآن آمر زاجر و صامت ناطق، حجة اللّه على خلقه أخذ عليهم ميثاقه» إلى آخره.

و منها: خبر الثقلين حيث قال: (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ما إن تمسكتم بهما لن‏

229

تضلوا» فأمر بالتمسك بالكتاب و أهل البيت.

و منها: الأخبار الكثيرة الآمرة: «يعرض كل حديث على كتاب اللّه فما وافقه فخذوه و ما خالفه فاضربوه على الجدار» فلو لم تكن الظواهر حجة فكيف يمكن عرض الأخبار عليه و الحكم بصحتها و سقمها.

و منها: الأخبار الكثيرة الواردة عن الأئمة (عليهم السّلام) إرشادا لأصحابهم إلى التمسك بالقرآن و استفادة الحكم عنه كقول مولانا الصادق (عليه السّلام): «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه»، و غيرها من الأخبار.

تنبيه: حجية ظواهر الكتاب على ما ذكرنا ليست إلا كحجية سائر الأدلة و الأمارات من السنة و الإجماع و العقل،

مشروطة بالفحص عن المعارضات و سائر القرائن الصارفة عن الظهور من الحاكم و المخصص و المقيد و غيرها، فكما أنه لا يجوز للمستدل بتلك الأدلة التمسك بها قبل الفحص و اليأس عن الظفر بالمخالف فكذلك الكتاب العزيز، للقطع بورود التخصيص و التقييد و سائر الصوارف على عدة من ظواهره.

نعم لا بأس بالتمسك بما كان نصا من آياته بلا حاجة إلى الفحص فإن دلالة النصوص كاصل السند غير قابلة لرفع اليد عنها فيحصل القطع بعدم وجود المعارض لها، إلا أن الكلام في تشخيص ما هو نص عما هو ظاهر فعلى المستدل التحري التام حتى لا يقع في الاشتباه و الخطاء.

230

مجاري الأصول‏

اعلم أن المكلف إذا توجه و التفت إلى حكم من أحكام أفعاله فلا يخلو حاله عن أحد أقسام ثلاثة:

الأول: أن يحصل له القطع بذلك الحكم، و وظيفته حينئذ بحكم العقل العمل بقطعه و الجري على وفق علمه و يسمى هذا المكلف بالقاطع و العالم.

الثاني: أن لا يحصل له العلم به بل يقوم عنده طريق معتبر إلى حكمه من خبر عدل أو ثقة أو إجماع أو شبهها، و حكمه أيضا أن يعمل على طبق طريقه و يسمى هذا بمن قام عنده الطريق.

الثالث: أن لا يحصل له العلم و لا يقوم عنده طريق معتبر، و يسمى بالجاهل و الشاك و هو الذي يجري في حقه الأصول العملية، الاستصحاب و البراءة و الاحتياط و التخيير، فإنه إما أن يكون للحكم الذي شك فيه حالة سابقة أم لا فعلى الأول يتحقق مجرى الاستصحاب و على الثاني فإما أن يكون الشك في التكليف أو في المكلف به مع العلم بالتكليف، فعلى الأول يتحقق مجرى البراءة، و على الثاني فإما أن يمكن فيه الاحتياط أم لا فعلى الأول يتحقق مجرى الاحتياط، و على الثاني مجرى التخيير.

231

ثم إنه قد ظهر من هذا التقسيم أن للاستصحاب شرطا واحدا و هو ملاحظة الحالة السابقة، و للبراءة شرطين و هما عدم ملاحظة الحالة السابقة و كون الشك في التكليف، و للاحتياط شروطا ثلاثة، عدم ملاحظة الحالة السابقة و كون الشك في المكلف به و إمكان الاحتياط، و للتخير أيضا شروطا ثلاثة: عدم ملاحظة الحالة السابقة و كون الشك في المكلف به و عدم إمكان الاحتياط.

تنبيهات:

الأول: أن الجاهل و الشاك إما أن يكون شاكا في الحكم التكليفي أو في الحكم الوضعي أو في متعلقات الأحكام.

أما الأول: فهو الذي يجري في حقه الأصول المذكورة، و حصر الأصول العملية في الأربعة المشهورة إنما هو بالنسبة إليه فلا يجري في حقه غير تلك الأصول.

و أما الثاني: كمن شك في الطهارة و النجاسة و الصحة و الفساد و الملكية و الزوجية و الحرية و الرقية و غيرها، فلا يجري في حقه من تلك الأصول غير الاستصحاب و له أصول أخر كأصالة الطهارة و أصالة الصحة و أصالة الفساد و أصالة الحرية و أصالة التحقق المسماة بقاعدة التجاوز، و لم يتعرض بعض المحققين لتلك الأصول و مجاريها في أول الباب زعما منه أن مباحثها قليلة و أنها تختص ببعض الأبواب.

و أما متعلقات الأحكام و موضوعاتها فلا يجري فيها من الأصول الأربعة إلا الاستصحاب، و يجري فيها بعض الأصول الأخر و الأمارات كالقرعة و اليد و خبر العدل و نحوها.

الثاني: أن ما ذكرنا من المجاري للأصول العملية إنما هو بيان لخصوص مجاريها بنحو الإجمال‏

و أما بيان نفس تلك الأصول و أنها أحكام شرعية أو عقلية و بيان مجاريها تحقيقا و تفصيلا فهو موكول إلى شرح حال ذلك الأصل تحت عنوانه الخاص فراجع تلك العناوين لتكون على بصيرة منها.

232

المجمل و المبين و الظاهر و المؤول و المحكم و المتشابه و النص و الصريح‏

أما المجمل:

فهو اللفظ الذي ليس له ظهور بالفعل و لو كان ذلك بسبب اكتنافه بما أوجب إجماله و إبهامه، و أقسامه كثيرة.

فمنها: المجمل بالذات‏

كأوائل السور القرآنية من (ق) و (ن) و غيرهما.

و منها: المشترك اللفظي‏

الذي لا قرينة على تعيين بعض معانية كقوله تعالى:

«وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» فإن لفظة قرء مشتركة بين الطهر و الحيض فلا يدرى من ظاهر القرآن كون أيام التربص و العدة أطهار ثلاثة أو حيضات ثلاث.

و منها: المشترك المعنوي في بعض الموارد،

كقوله تعالى: «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» فلا يعلم أن المراد من الموصول الزوج أو ولي المرأة.

و منها: العام و المطلق المقترنان بمخصص مجمل أو مقيد كذلك‏

كما إذا قال أكرم العلماء إلا فساقهم، و تردد أمر الفاسق بين مرتكب مطلق الذنب و مرتكب الكبيرة فقط فيكون العام بالنسبة إلى أهل الصغائر مجملا.

و منها: كل لفظ اقترن بما يصلح لصرفه عن ظاهره‏

فحصل الإجمال بسببه.

و أما المبين:

فهو ما كان ظاهر الدلالة على المعنى المقصود و ينقسم إلى قسمين:

الأول: النص و هو الظاهر البالغ في ظهور دلالته‏

إلى حيث لا يقبل التأويل عند

233

أهل العرف بل يعدون التأويل له قبيحا خارجا عن رسوم المحاورة كقوله يجب إكرام زيد فحمل الوجوب على الإباحة أو الإكرام على الإهانة أو زيد على عدوه ببعض التأويلات لا يقبله أهل العرف و يرادفه الصريح أيضا.

الثاني: الظاهر و هو اللفظ الذي له ظهور قابل للتأويل بسبب القرائن‏

كالعام و المطلق و نحوهما.

و أما المؤول: فهو اللفظ الذي خرج عن ظهوره الذاتي و أريد منه خلاف ظاهره بواسطة القرينة، فيدخل فيه كل لفظ علم استعماله في غير ما وضع له بقرينة حالية أو مقالية.

فمنه: العام الذي علم تخصيصه، و المطلق الذي علم تقييده.

و منه: أيضا قوله تعالى: «وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» و قوله تعالى: «وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏» و قوله تعالى: «يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ»* و غيرها.

و أما المحكم و المتشابه، فالأول يساوق المبين و الثاني يساوق المجمل.

234

المخصص‏

و يطلق عليه الخاص أيضا و هو في الاصطلاح عبارة عن الدليل الواقع في مقابل ما هو أعم منه موردا عموما مطلقا، بحيث يكون غالبا أقوى دلالة منه و يصير سببا لرفع اليد عن حكمه و ترك العمل به، و قد يطلق على أحد العامين من وجه إذا قدمناه على الآخر و خصصناه به كما إذا قدمنا قوله أكرم العلماء على قوله لا تكرم الفساق لقوة دلالته في مورد الاجتماع.

و ينقسم بتقسيمات:

الأول: تقسيمه إلى المخصص اللفظي و المخصص اللبّي.

فاللفظي هو ما كان لفظا كما إذا ورد لا تكرم فساق العلماء بعد ورود إكرام كل عالم، و اللبي هو ما كان من قبيل المعنى و لا قالب لفظي له فكأنه لب لا قشر له كما إذا قام الإجماع أو دلت سيرة العلماء أو العقلاء على عدم لزوم إكرام الفاسق في المثال السابق، و كذا إذا قال المولى أكرم جيراني و حكم العقل بقبح إكرام من كان منهم عدوا للمولى، فالإجماع و السيرة و حكم العقل من المخصصات اللبية.

الثاني: تقسيمه إلى المبين و المجمل.

و الثاني ينقسم إلى أقسام أربعة لأنه إما أن يكون مجملا مفهوما أو مجملا مصداقا و

235

على التقديرين إما أن يكون مرددا بين الأقل و الأكثر أو مرددا بين المتباينين فجميع الأقسام خمسة فمثال المبين مبين واضح.

و أما مثال المجمل المفهومي المردد بين الأقل و الأكثر فكما إذا ورد أكرم العلماء و ورد أيضا لا تكرم الفساق منهم، و حصل الشك في أن الفاسق هل هو مطلق من ارتكب المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، أو هو خصوص مرتكب الكبيرة، فإذا فرضنا العلماء مائة و المرتكبين للكبيرة منهم عشرين و للصغيرة عشرة، فالمخصص مردد بين عشرين و ثلاثين من حيث إجمال المفهوم و القدر المتيقن عشرون و المشكوك عشرة، و الحكم هنا بناء على المشهور الرجوع إلى عموم العام في غير ما كان متيقنا من المخصص.

و مثال المجمل المفهومي المردد بين المتباينين، كما لو قال المولى لا تكرم زيدا في المثال السابق مع كونه مشتركا بين رجلين، و حكمه عدم جواز التمسك بالعام في كلا الفردين و الرجوع إلى الأصول العملية، من براءة و احتياط و تخيير.

و مثال المجمل المصداق المردد بين الأقل و الأكثر، ما لو علم في المثال الأول بان المراد من الفاسق هو أهل الكبائر دون الصغائر، و علم أيضا بان عشرين منهم قد ارتكبوا للكبيرة و شك في ارتكاب عشرة آخرين فالمخصص مردد بين عشرين و ثلثين من حيث اشتباه المصداق، و في جواز التمسك في العشرة المشكوكة بعموم العام أو عدمه و لزوم الرجوع إلى الأصول العملية وجهان اشهرهما الثاني.

و مثال المجمل المصداقي المردد بين المتباينين، ما لو علم معنى الفاسق و علم إجمالا فسق أحد الرجلين و حكمه حكم المفهومي من المتباينين.

الثالث: تقسيمه إلى المتصل و المنفصل.

و الأول: هو المقارن للعام بنظر العرف من وصف أو بدل أو شرط أو استثناء، كما إذا ورد أكرم كل عالم عادل، أو أكرم كل عالم عدولهم، أو إن كانوا عدولا، أو إلا فساقهم.

و الثاني: ما كان في كلام مستقل بحيث لا يصح عند العرف عده جزء من العام أو من متمماته، سواء أ كان صدوره قبل العام أم بعده، طالت المدة الفاصلة بينهما أو

236

قصرت، كما إذا ورد في خبر أكرم العلماء و ورد في آخر لا تكرم فساق العلماء.

الرابع: تقسيمه إلى المخصص القطعي الدلالة أعني النص و ظنيها أعني الظاهر و إلى المخصص القطعي السند و ظنيه.

توضيح ذلك: أن الخاص و العام إما أن يكونا نصين أو يكون الخاص نصا و العام ظاهرا أو يكونا على عكس ذلك أو يكونا ظاهرين متساويين أو يكون أحدهما أظهر من الآخر، على كل تقدير إما أن يكونا مقطوعي الصدور أو مظنوني الصدور أو يكون الخاص مقطوعا و العام مظنونا أو عكس ذلك فالأقسام عشرون.

و فيما كانا نصّين فإن كان الصدوران أيضا قطعيين فاللازم حمل أحدهما على التقية لعدم إمكان التصرف في الدلالة و السند، و إن كانا مختلفين فاللازم أخذ قطعي الصدور و طرح الظني رأسا، و إن كانا مظنوني الصدور فالحكم ما في المتباينين من أخذ أحدهما تخييرا و طرح الآخر رأسا.

و فيما كان الخاص نصا و العام ظاهرا لا إشكال في تقديم الخاص على العام و تخصيصه به، كما إذا ورد أكرم العلماء و ورد لا يجب إكرام زيد سواء كانا قطعيين سندا أو ظنيين أو مختلفين فهذه أقسام أربعة.

و فيما كان العام نصا و الخاص ظاهرا فلا شبهة في الأخذ بالعام و التأويل في الخاص، كما إذا ورد يجب إكرام العلماء بلا استثناء أحد و ورد ينبغي إكرام زيد، فيحمل ينبغي على الاستحباب، و لا فرق فيه بين قطعيّ السند و ظنيّه و الاختلاف فالأقسام أربعة.

و إن كانا ظاهرين متساويين فإن كانا قطعيين سندا يتساقط الظهوران و يكونان بحكم المجملين و يرجع إلى الأصول العملية، و إن كانا ظنيين يؤخذ بسند أحدهما تخييرا أو ترجيحا و يطرح الآخر رأسا سندا و دلالة، و إن كانا مختلفين يؤخذ المقطوع سندا و يطرح المظنون رأسا على إشكال فيه.

و فيما كان أحدهما أظهر من الآخر يؤخذ به و يؤول الآخر بما يوافقه، مثلا إذا ورد أكرم العلماء و ورد ينبغي إكرام زيد، و فرضنا أن ظهور هيئة أكرم في الوجوب أقوى من ظهور ينبغي في الاستحباب، فيقدم ظهور الهيئة و يؤول ظاهر ينبغي بحمله على‏

237

الوجوب و هذا مورد يقدم فيه العام على الخاص و إن فرضنا أقوائية ظهور ينبغي في الاستحباب يؤخذ به و يخصص العام و لا فرق فيه أيضا بين أقسام السند.

تنبيه: قد عرفت أن إطلاق الخاص و العام فيما ذكر من الأقسام بلحاظ متعلق الحكمين‏

أعنى زيدا و العلماء سواء أ كان التصادم بين ظهور كلمة العلماء و زيد أو ظهور أكرم و لا تكرم، و قد عرفت أيضا أن أقسامهما و كيفية تقدم أحدهما على الآخر مختلفة، فتارة يقدم الخاص على العام ورودا أو حكومة، و أخرى يقدم العام عليه ظهورا، و ثالثة يقدم أحدهما على الآخر سندا ترجيحا أو تخييرا، و رابعة يتساقطان ظهورا فيرجع إلى الأصول، و خامسة يحمل أحدهما على التقية و غير ذلك، و عليك بالتأمّل في الأقسام المذكورة في التقسيم الأخير حتى يتبين لك الحال و إن شئت أن تعرف كيفية ورود الخاص على العام و حكومته فراجع آخر بحث الحكومة.

238

المرجح‏

هو في الاصطلاح أمور و خصوصيات تكون سببا لتقديم أحد المتقابلين على الآخر و مورد لحاظه و محل أعماله تارة السندان، فيحكم لأجل ذلك بأخذ سند و طرح سند آخر، و يسمى بمرجح الصدور لكونه علة للحكم بصدور الدليل الواجد له و عدم صدور الفاقد.

و أخرى: الظاهران المتقابلان فيحكم لأجله بتقديم ظاهر على ظاهر آخر، و يسمى بمرجح الظهور لكونه سببا لترجيح ظهور على ظهور.

و ثالثة: الحكمان المتوجهان على المكلف مع عجزه عقلا أو شرعا عن امتثالهما، فيحكم لأجله بأخذ ذي المزية و ترك الآخر، و هذا يسمى بمرجح الحكم.

فالمرجحات على أقسام ثلاثة: يطلق على القسم الأول مرجح باب التعارض و على القسم الثاني مرجح باب الظواهر و على القسم الثالث مرجح باب التزاحم.

أما القسم الأول: فهو كثير كالشهرة الروائية، و الأعدلية، و الأوثقية، و الأورعية و الأصدقية، و مخالفة العامة، و مخالفة ميل حكامهم، و موافقة الكتاب و موافقة السنة النبوية (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و موافقة الأمارات الظنية، و موافقة الأصول العملية، و الشهرة الفتوائية، و الأفصحية، و النقل باللفظ، و قلة الوسائط في سلسلة السند،

239

و غيرها و كل هذه المرجحات موجبة لتقديم السند فالدليلان المتعارضان إذا كان أحدهما مشتملا على هذه المرجحات كلا أو بعضا و لم يكن الآخر كذلك فهو يؤخذ سندا و دلالة و الآخر يطرح رأسا.

ثم إن العلماء رضي الله عنهم قسموا هذه المرجحات بتقسيمات مختلفة و أدخلوها تحت عناوين متعددة.

منها: تقسيمها باعتبار موردها و محل عروضها، إلى ما يعرض السند و ما يعرض المتن و ما يعرض المضمون.

بيانه: أن كل خبر وارد عن المعصوم (عليه السّلام) مشتمل على أمور أربعة: السند و المتن و الجهة و المضمون، فالسند هو الشخص أو الأشخاص الناقلين له، و المتن هي عبارات الخبر و ألفاظه الحاكية عن المعاني، و الجهة هي علة صدور الكلام عن الإمام (عليه السّلام) من بيان الحكم الواقعي أو التقية و المضمون هو المعنى المراد من الألفاظ.

فحينئذ نقول إن بعض تلك المرجحات يعرض السند كالأعدلية و الأوثقية و غيرهما من صفات الراوي، و بعضها يعرض المتن كالشهرة الروائية و الفصاحة و نحوهما، و بعضها يعرض المضمون كموافقة الكتاب و السنة و الأصل و مخالفة العامة، فإن المتصف بها معنى الخبر لا ألفاظه.

و منها: تقسيمها باعتبار مورد الرجحان أعني ما يكون المرجح سببا لتقديمه على صاحبه إلى ما يرجح الصدور، و ما يرجح الجهة، و ما يرجح المضمون.

فالأصدقية و الأوثقية مثلا ترجحان صدور ما رواه الأصدق و الأوثق بمعنى أنه لو دار الأمر بين الحكم بعدم صدور خبر الصادق أو خبر الأصدق فإنه يقوى في الذهن عدم صدور الأول و صدور الثاني.

و مخالفة العامة ترجح الجهة، بمعنى أن احتمال التقية و عدم الصدور لبيان الحكم الواقعي موجود في الموافق دون المخالف، فهذا المرجح يقوي جهة الخبر المخالف أولا و بالذات و يوجب ثانيا و بالعرض تقوية سنده فيؤخذ هو و يطرح الآخر الموافق سندا و دلالة، لا أنه يؤخذ السند من كليهما و يحكم بصدور الموافق للعامة تقية و المخالف لها لبيان الحكم الواقعي كما توهم.

240

و موافقة الكتاب و السنة و الأصل و حكم العقل و كذا موافقة الشهرة الفتوائية ترجح المضمون و المعنى المراد من اللفظ، فإذا ورد خبر دال على وجوب صلاة الجمعة و آخر دال على وجوب الظهر، و كان ظاهر الكتاب أو مقتضى الاستصحاب وجوب الجمعة فهو يؤيد مضمون الأول و يورث الظن بكونه الحكم الواقعي فيئول الأمر أيضا إلى أخذ سند ما قوي مضمونه و طرح الآخر رأسا.

فعلم مما ذكر أن مرجع جميع المرجحات إلى ترجيح السند و إن كان بعضها يؤيد في ابتداء الأمر الجهة أو المضمون، فتحصل أن المستفاد من أدلة العلاج و أخباره أن كل خبر كان ذات مزية في واحد من نواحيه و أطرافه لم يكن لمقابله تلك المزية يجب أخذه سندا و طرح مخالفه رأسا.

تنبيه: لا يخفى عليك أن الأقسام المذكورة في هذا التقسيم كلها من قبيل المرجحات الداخلية

و أما الخارجية فكلها من المرجحات المضمونية.

و منها: تقسيمها إلى الداخلية، و الخارجية و الخارجية إلى المعتبرة و غير المعتبرة، و إلى المؤثرة في أقربية المضمون و غير المؤثرة، فالأقسام بناء على هذا التقسيم خمسة:

أولها: المرجحات الداخلية، و هي عبارة عن كل مزية غير مستقلة في نفسها متقومة بمعروضها، كصفات الراوي و الفصاحة و النقل باللفظ و قلة الوسائط و نحوها، فإنه لا قوام لها إلا بمعروضها من السند و المتن، فصفات الراوي و قلة الوسائط تعرضان السند أعني الرجال الناقلين للخبر، و الباقي يعرض المتن أعني الألفاظ و المعاني.

ثانيها: المرجحات الخارجية المعتبرة و هي كل أمر معتبر مستقل في نفسه و لو لم يكن هناك خبر، مثل الكتاب و السنة و الأصل العملي، فإذا ورد يحرم شرب العصير و ورد أيضا يحل شربه، فالثاني يرجح على الأول لموافقته لظاهر قوله تعالى: «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» أو موافقته للاستصحاب، أو أصالة الحلية بناء على كون الأصل مرجحا للأمارات.

241

ثالثها: المرجحات الخارجية غير المعتبرة، كالشهرة الفتوائية و الإجماع المنقول و قاعدة أولوية الحرمة للأخذ بها من الوجوب و نحوها، فإذا ورد تجب صلاة الجمعة و ورد أيضا تحرم صلاة الجمعة، فقد يقدم الثاني لموافقته للشهرة أو قاعدة الأولوية.

رابعها: المرجحات الخارجية المؤثرة في أقربية المضمون، كموافقة أحد الخبرين لظاهر الكتاب بناء على حجية الخبر من باب الطريقية، فإن المرجح بالكسر و المرجح بالفتح كليهما حاكيان عن الواقع فيتعاضدان مضمونا.

خامسها: المرجحات الخارجية غير المؤثرة، كموافقة أحد الخبرين للأصل العملي فإن الخبر ناظر إلى الواقع و حاك عنه و الأصل غير ناظر إليه بل هو حكم تعبدي، فلا يعاضد به مضمون الخبر.

في مرجحات باب الظواهر

و أما القسم الثاني: أعني مرجحات باب الظواهر، فهي تلاحظ فيما كان الدليلان ظاهرين في المراد بحيث كان رفع اليد عن ظاهر كل منها ممكنا فيرجح أحدهما على الآخر بتلك المرجحات، و على هذا فيخرج النص و الظاهر عن محل الكلام لعدم احتمال الخلاف في النص، فالمتعين فيها أخذ النص و تأويل الظاهر فحينئذ نقول إن مرجحات هذا الباب على أقسام ثلاثة:

أحدها المرجحات الشخصية، بمعنى ما يوجب تقديم شخص من الظواهر و فرد منها على فرد آخر بالوضع أو قرائن شخصية احتفت بالكلام و جعلته أظهر من صاحبه، و هذا القسم لا يدخل تحت ضابط كلي، بل تلاحظ الموارد الشخصية فيرجح بها، كما في قولك رأيت أسدا يرمي، فإن ظهور يرمي في رمي السهم أقوى من ظهور أسد في الحيوان المفترس، فيحمل على الرجل الشجاع لا أنه يؤخذ بظهور أسد و يحمل الرمي على رمي التراب.

ثانيها: المرجحات النوعية بمعنى ما يوجب تقديم نوع من الظواهر على نوع آخر منها، فترى أن أهل الفن يقدمون نوعا معينا على نوع آخر و ذكروا لها موارد كثيرة:

منها: ترجيح ظهور الكلام في الاستمرار و الدوام أعني عمومه الأزماني على العموم‏

242

الأفرادي، و يعبر عن ذلك بأن التخصيص أولى من النسخ، فإذا ورد خاص متقدم كقوله لا تكرم فساق العلماء، ثم ورد عام متأخر كقوله أكرم العلماء، فللخاص ظهور في الشمول الأزماني و إن حكمه مستمر دائم و لازمه تخصيص العام به، و للعام ظهور في شمول حكمه لجميع أفراده حتى الفساق و لازمه نسخ الخاص به و الحكم بانقضاء مدته، فدار الأمر بين نسخ الخاص و تخصيص العام، فقالوا حينئذ بلزوم ارتكاب الثاني، و كذا الكلام فيما إذا ورد عام ثم ورد خاص بعد العمل به فدار الأمر بين كون العام منسوخا أو مخصصا.

و منها: ترجيح ظهور العام على إطلاق المطلق، فإذا ورد أكرم العالم و ورد لا تكرم الفساق، دار الأمر في العالم الفاسق بين رفع اليد عن الإطلاق أو عن العموم فيرجح ظهور العام فيقيد المطلق.

هذا إذا كان عموم العام المقابل للمطلق وضعيا، و أما إذا كان هو أيضا بالإطلاق فيرجع الكلام إلى تعارض الإطلاق البدلي مع الإطلاق الشمولي، فيكون المورد من تعارض الصنفين من الظهور كما إذا ورد اجتنب يوم الجمعة عن التكسب في مقابل قوله تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ».

و منها: تقديم مفهوم القضية الغائية على مفهوم الشرطية، كما إذا ورد لا تكرم الفساق إلى أن يصيروا علماء و ورد أكرم العلماء إن كانوا عدولا، و هذا ما حكموا به من أظهرية القضية الغائية في دلالتها على المفهوم من القضية الشرطية.

و منها: ترجيح مفهوم القضية الشرطية على مفهوم الوصفية، كما إذا ورد أكرم العلماء إن كانوا عدولا و ورد لا تكرم الفساق الجهال فيقدم الأول على الثاني.

و منها: تقديم الظواهر غير العموم على ظهور المطلق، كما إذا ورد يجب إكرام العالم و ورد ينبغي إكرام زيد فيدور الأمر بين تقييد المطلق و بين حمل كلمة ينبغي على الوجوب و هو خلاف ظاهره.

و منها: ترجيح ظهور الكلام في استمرار الحكم على غيره من الظهورات، كما إذا ورد أكرم العلماء و ورد بعد العمل به ينبغي إكرام العلماء، فرجحوا حمل الثاني على الوجوب حفظا لظهور الأول في الاستمرار.

243

و منها: ترجيح سائر الظواهر على العموم، كما إذا ورد أكرم العلماء و ورد ينبغي إكرام زيد فلا بد من التخصيص حفظا لظهور كلمة ينبغي.

هذه أنواع من الظواهر يقدم بعضها على بعض و المرجح في هذه الموارد هو نفس العنوان الذي قدموه على ما يقابله.

ثالثها المرجحات الصنفية: فترى أن صنفا من المرجحات يرجح على الصنف الآخر و لو كان الصنفان من نوع واحد و عدوا لهذا القسم أيضا موارد:

منها: تقديم ظهور اللفظ في المجاز الراجح على ظهوره في المجاز المرجوح و لذا يحمل الأسد في رأيت أسدا يرمي على الرجل الشجاع دون الرجل الأبخر، و يحمل الأمر المصروف عن معناه الحقيقي على الاستحباب لا الإباحة.

و منها: تقديم بعض أصناف التخصيص على البعض الآخر، فإذا تعارض عموم الجمع المحلى باللام مع عموم المفرد المحلى به بناء على إفادته العموم، يرجح الصنف الأول على الثاني، فإذا ورد أكرم العالم و ورد لا تكرم الفساق يرتكب التخصيص في الأول دون الثاني، و كذا يقدم العموم القليل الأفراد على العموم الكثير الأفراد.

و أما القسم الثالث: أعني مرجحات باب التزاحم فراجع البحث تحت عنوان التزاحم.

244

المشتق‏

هو في الاصطلاح كل لفظ أطلق على الذات باعتبار اتصافها بمبدإ من المبادي، سواء كان مشتقا نحويا أم غيره، و سواء كان اتصاف الذات بتلك الصفة باعتبار حلول الصفة فيها أو صدورها منها أو انتزاعها عنها.

فالعالم و الجاهل مشتقان بهذا الاصطلاح، كما أنهما مشتقان عند أهل الأدب أيضا و الزوج و الزوجة و الحر و العبد مشتقات بهذا الاصطلاح و جوامد عند أهل الأدب و في الحي و الحار مثلا اتصاف الذات بالمبدإ بنحو حلول الصفة في الذات و في الضارب و القاتل بنحو صدورها عن الذات.

و في المالك و المملوك بنحو انتزاع الصفة عنها، إذ الملكية أمر ينتزع عن زيد مثلا و ماله الذي يتصرف فيه.

ثم إن استعمال المشتق في معناه يتصور على أنحاء ثلاثة:

الأول: استعماله في ذات متلبسة بالمبدإ في حال النسبة، كما تقول حاكيا عن زيد المتلبس بالسفر حال تكلمك زيد مسافر، فزمان نسبة السفر إلى زيد هو الآن، و زمان اتصافه بالسفر أيضا ذلك و استعمال المشتق في زيد في هذا الفرض استعمال حقيقي عند الكل.

245

الثاني: استعماله في ذات كانت متلبسة بالمبدإ قبل حال النسبة كما تقول لزيد الوارد من السفر زيد مسافر، فزمان النسبة هو الآن و زمان التلبس بالمبدإ هو الأمس و في كون هذا الاستعمال حقيقة أو مجازا اختلاف بين الأعلام.

الثالث: استعماله في ذات لم تتلبس بعد بالمبدإ و لكنه سيتلبس أو سوف يتلبس، كما تقول لزيد المريد للسفر غدا زيد مسافر فزمان النسبة هو الآن و زمان التلبس هو الغد، و الظاهر الاتفاق على أن إطلاقه بهذا النحو مجاز محتاج إلى القرينة و العناية.

تنبيه: عرّف أهل الأدب المشتق بأنه لفظ مأخوذ من لفظ آخر مع اشتماله على حروفه و موافقته معه في الترتيب أو مطلقا،

و على هذا فالنسبة بين المشتق باصطلاح الأصوليين و بين المشتق عندهم هو العموم من وجه، فالزوج و الزوجة مشتقان بهذا الاصطلاح دون اصطلاحهم، و الماضي و المضارع بل المصدر مشتقات عندهم دون هذا الاصطلاح، لأن الأفعال وضعت لبيان النسبة بين الذات و الصفة لا للذات المتصفة بالصفة و اسم الفاعل و المفعول مشتقان في كلا الاصطلاحين.

246

المطلق و المقيد

أما المطلق: فهو في اللغة بمعنى المرسل و ما لا قيد له و في الاصطلاح هو اللفظ الدال على معنى له نحو شيوع و سريان بالفعل فهو من صفات اللفظ و قد يقع صفة للمعنى أيضا.

و أما المقيد: فهو يقابل المطلق تقابل العدم و الملكة فهو اللفظ الذي لا شيوع له بالفعل مع قابليته لذلك بالذات.

ثم إنهم عدوا للمطلق مصاديق:

منها: أسماء الأجناس من الأعيان و الأعراض و الأفعال، فإذا قال المولى يجب عليك في أول الشهر إعطاء الحنطة للفقير، كان لفظ الشهر و الإعطاء و الحنطة و الفقير كلها مطلقات لوجود الإرسال و الشيوع في معانيها.

و إذا قال يجب عليك في أول الشهر الحرام إعطاء الحنطة الحمراء سرا للفقير العادل كانت تلك الألفاظ مقيدات.

و منها: النكرة و هي عبارة عن اسم الجنس الذي دخل عليه التنوين المستفاد منه الوحدة، فهي أيضا لفظ دال على الشيوع في مصاديق جنسه، سواء أ كان الشيوع بنظر السامع فقط كما في جاءني رجل و قوله تعالى: «وَ جاءَ رَجُلٌ» أو في نظر القائل‏

247

و السامع كليهما كما في جئني برجل، فلو قال جاءني رجل عالم أو جئني برجل شاعر كان اللفظان مقيدين.

تنبيهات:

الأول: أن الإطلاق و التقييد أمران إضافيان بمعنى أنه لا بد من مقايسة مجرى الإطلاق و التقييد بالأمور الخارجية

فكل أمر لم يكن له دخل في مورد الإطلاق فالمورد بالقياس عليه مطلق و كل أمر له دخل فيه فالمورد بالنسبة إليه مقيد فإذا قال أعتق رقبة مؤمنة كانت الرقبة بالنسبة إلى الأيمان مقيدة و بالنسبة إلى العدالة مثلا مطلقة.

الثاني: أن كلا من الإطلاق و التقييد يلاحظ تارة في اللفظ الدال على نفس الحكم الشرعي،

و أخرى فيما دل على موضوعه، و ثالثة في ما دل على متعلقه، فإذا قال المولى يجب إكرام العالم يقال إن الوجوب و البعث غير مقيد لأن كلمة يجب مطلقة، و إن فعل الإكرام أيضا غير مقيد لإطلاق كلمة الإكرام، و كذا لفظ العالم أيضا مطلق غير مقيد، فالألفاظ مطلقات و المعاني أيضا مطلقات، و لو قال يجب في يوم الخميس إكرام العالم أو يجب إكرامه بالضيافة أو يجب إكرام العالم العادل كان اللفظ الدال على الحكم في المثال الأول و على الموضوع في الثاني و على المتعلق في الثالث مقيدات كما أن المعاني أيضا مقيدات.

الثالث: الإطلاق قد يلاحظ بالنسبة إلى أفراد المعنى فيسمى إطلاقا أفراديا،

و قد يلاحظ بالنسبة إلى حالاته فيسمى إطلاقا أحواليا، و المراد من الأول شيوع المعنى الكلي في أفراده و من الثاني شمول المعنى بحسب أحواله.

و بين الإطلاقين عموم من وجه، فقد يتحقق الأحوالي دون الأفرادي كما إذا قال المولى أكرم زيدا، فزيد و إن كان جزئيا لا يتصف بالإطلاق الأفرادي إلا أنه يتصف بالإطلاق الأحوالي، فهو مطلق من هذه الجهة قابل للتقييد بأن يقول أكرمه إذا كان مسافرا أو مريضا.

248

و نظيره ما إذا ورد أكرم العلماء فإن للعلماء و إن كان عموما أفراديا إلا أن لكل واحد من الأفراد إطلاقا أحواليا.

و قد يتحقق الأفرادي دون الأحوالي كما إذا قال أعتق رقبة ثم قال و جميع حالاتها عندي متساوية، أو إنه لم يكن من جهة الحالات في مقام البيان فالرقبة مطلقة من حيث الأفراد و لا إطلاق لها من حيث الأحوال.

و قد يتحققان معا كما إذا قال إن ظاهرت فأعتق رقبة فللرقبة إطلاقان من حيث الأفراد و الأحوال أي أيّة رقبة كانت و في أيّ حال كانت.

الرابع: قد يكون مجرى الإطلاق و التقييد اللفظ و قد يكون الغرض المستفاد من المولى،

فالأول: هو اللفظ المشكوك في شموله لما له من المعنى كالأمثلة السابقة.

و الثاني: هو المعنى المستفاد فإذا استفدنا من ناحية المولى حكما من الأحكام بعثا أو زجرا أو غيرهما بواسطة لفظ أو غير لفظ و شككنا في دخالة شي‏ء في غرضه أو مانعية أمر عن ذلك، و كان في مقام بيان تمام ما له دخل في غرضه و لم يتعرض لشي‏ء و لم ينبه على غير ما علمناه أمكن التمسك حينئذ لعدم دخل شي‏ء في غرضه بأنه لو أراد ذلك لأفاد و أشار إلى ما يبين المراد و يسمى هذا بالإطلاق المقامي في مقابل الإطلاق اللفظي، فإذا قال اغتسل من الجنابة و شككنا في شرطية قصد الأمر في الغسل جاز التمسك لنفي الشرطية بهذا الإطلاق و إن لم يجز التمسك بالإطلاق اللفظي للزوم الدور أو الخلف. و كذا لو كان في مقام بيان شرائط المأمور به مثلا فعدّ شروطا خاصة جاز التمسك بعدم شرطية غيرها بالإطلاق، و يسمى هذا بالإطلاق المقامي.

الخامس: يعرف مما ذكرنا أن ألفاظ المطلق كالمذكورات و غيرها لا دلالة لها وضعا إلا على الماهية المبهمة، فالشيوع و السريان من طواريها و عوارضها الثانوية يكون خارجا عما وضع له و حينئذ فلا بدّ في دلالة اللفظ عليه من قرينة مقالية كقوله: أعتق رقبة، أية رقبة كانت، أو حالية كما إذا علم من حاله أنه يحبّ عتق الرقاب مطلقا، و قد تكون الدلالة بما يسمى مقدمات الحكمة، و هي مركبة من مقدمات ثلاث:

إحداها: إحراز كون المتكلم في مقام بيان المراد لا بيان أمر مجمل و إحالة التوضيح إلى مقام آخر.

249

ثانيتها: عدم وجود قرينة حالية أو مقالية في مقام التخاطب.

ثالثتها: عدم وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب، فإذا قال أعتق رقبة و كان في مقام البيان و لم يقل مؤمنة و لم يعلم من حاله أنه يبغض عتق الكافرة، و لم يرتكز في أذهان السامعين مثلا عدم إمكان عتق الكافرة انعقد الإطلاق للفظ بهذه المقدمات و هي كثيرة التحقق.

250

المفهوم و المنطوق‏

عرفوا المنطوق بأنه حكم مذكور في الكلام لموضوع مذكور.

و المفهوم بأنه حكم غير مذكور تستلزمه خصوصية المعنى المذكور.

و ينقسم المفهوم إلى قسمين: المفهوم الموافق و المفهوم المخالف.

فالأول: هو المعنى غير المذكور الموافق للمعنى المذكور، في الإيجاب و السلب.

و الثاني: هو المعنى غير المذكور المخالف للمذكور فيهما، فظهر أن المنطوق و المفهوم وصفان للمعنى دون اللفظ، و أن الأول من قبيل المداليل المطابقية و التضمنية، و الثاني من قبيل المداليل الالتزامية.

مثال المنطوق و المفهوم الموافق قوله تعالى: «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» فحرمة التأفيف و هو التلفظ بأف حكم مذكور و منطوق، و حرمة الضرب و الشتم حكم غير مذكور يسمى بالمفهوم، و هذا الحكم لازم لخصوصية المعنى الأول و هي كون التأفيف أدنى مرتبة من الإيذاء و العقوق للوالدين، فحرمة الفعل الأدنى بهذه الخصوصية تستلزم حرمة الأعلى.

و مثال المنطوق و المفهوم المخالف ففي مفهوم الشرط، كما إذا ورد: إن جاء زيد فأكرمه، فإن وجوب إكرام زيد عند مجيئه منطوق، و عدم وجوبه عند عدم المجي‏ء مفهوم مخالف و هو لازم لخصوصية في المعنى المذكور و هو انفهام كون المجي‏ء علة

251

منحصرة للوجوب، فلازم العلية المنحصرة انتفاء الحكم عند انتفائها.

و في مفهوم الوصف كما إذا ورد في الغنم السائمة زكاة، فالوجوب الثابت للسائمة منطوق، و عدمه للمعلوفة مفهوم، و الخصوصية هو إشعار الكلام بكون السوم علة منحصرة للوجوب.

و في مفهوم الغاية كما إذا قيل هذا الغذاء حلال لك إلى مجي‏ء زيد، أو قيل سر من البصرة إلى الكوفة، فيكون عدم الحلية بعد مجي‏ء زيد و عدم وجوب السير بعد دخول الكوفة مفهومين لازمين لخصوصية تحديد الحكم بذلك الحد المعين في المثال الأول، و تحديد الموضوع بالحد المذكور في المثال الثاني.

و في مفهوم اللقب: كما إذا قيل أكرم زيدا فإن عدم وجوب إكرام عمرو مفهوم مخالف للزومه لخصوصية حصر الوجوب في زيد و المراد من اللقب الأعلام الشخصية و أسماء الأجناس و غيرها من الجوامد.

و في مفهوم الاستثناء كما إذا قيل جاءني القوم إلا زيدا، فنسبة المجي‏ء إلى قوم ليس فيهم زيد أعني الموضوع المتخصص بتلك الخصوصية تستلزم عدم مجي‏ء زيد و هو مفهوم مخالف، و هذا مبني على كون كلمة الاستثناء حرفا موضوعا للمعنى الآلي، و هو تخصص القوم بخصوصية عدم كون زيد مثلا فيهم، و أما بناء على كونها اسما أو فعلا فيكون الحكم المزبور منطوقا أيضا كقولك أستثني زيدا و قس عليها سائر المفاهيم.

تنبيهان:

الأول: أنك قد عرفت أن المعتبر في المفهوم هو كون الحكم غير مذكور،

سواء كان الموضوع و المتعلق مذكورين أو كانا غير مذكورين، أو كان الأول مذكورا و الثاني غير مذكور أو كان على عكس ذلك، فالأمثلة أربعة.

أولها: كمفهوم الشرط فإن الإكرام الذي هو الموضوع و زيدا الذي هو المتعلق مذكوران في الكلام.

ثانيها: كما إذا ورد لا تقل لأمك أف و استفدنا منه حرمة ضرب الأب أيضا،

252

فالضرب و الأب موضوع و متعلق غير مذكورين.

ثالثها: كوجوب الزكاة في السائمة المستفاد منه عدمها في المعلوفة، فالموضوع أي الزكاة مذكور و المتعلق أعني المعلوفة غير مذكور.

رابعها: كآية التأفيف للأبوين بالنسبة إلى ضربهما، فالموضوع أعني الضرب غير مذكور و المتعلق أعني الأبوين مذكور.

الثاني: هل المفاهيم المذكورة كلها حجة أو ليس شي‏ء منها بحجة، أو الموافق منها حجة دون المخالف،

أو إن الشرط حجة دون غيره، أو إن الغاية حجة دون غيرها وجوه يرجع إلى مظانها.