اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها

- الشيخ علي المشكيني المزيد...
291 /
253

المفهوم المردد و الفرد المردد

يقع التكلم في هذين العنوانين في علم الأصول في باب الاستصحاب فيقال هل يجوز إجراء الاستصحاب في المفهوم المردد أم لا أو هل يجري في الفرد المردد أم لا.

و توضيح العنوان الأول: أنه لو كان هنا لفظ لم يعلم مفهومه على التفصيل و كان مرددا بين أمرين أو أمور كلفظ الكر مثلا إذا فرضنا الجهل بمعناه الشرعي و تردده بين أن يكون ثلاثة و أربعين شبرا تقريبا أو ستة و ثلاثين فمفهوم الكر مردد بينهما، فإذا علمنا بوجود ماء في الحوض بمقدار المفهوم الأول ثم أخذنا منه مقدارا فنقص و صار بمقدار الثاني، فهل يجوز استصحاب بقاء كريته فيقال إنه كان كرا قبل نقصانه فالآن هو أيضا كر، أو لا يجوز الاستصحاب لأن الشك ليس في هذا الموجود بل في تعيين المعنى المراد من اللفظ و أن المستعمل فيه اللفظ هذا أو ذاك و ليس هو بمجرى الاستصحاب، قولان ذكروهما في ذيل مسألة استصحاب الكلي.

و من ذلك أيضا ما لو شككنا في معنى النهار و أنه عبارة عن استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية، فإذا استتر القرص و لم تذهب الحمرة جرت مسألة جواز استصحاب النهار و عدمه، و منه أيضا ما لو شككنا في معنى العدالة و أنها ترك الذنوب كلها أو خصوص ترك الكبائر، فإذا كان زيد عادلا قطعا أي تاركا لجميع الذنوب ثم‏

254

ارتكب ذنبا صغيرا فالكلام في صحة استصحاب العدالة و عدمها هو الكلام في سابقتها.

و الحاصل أن في تلك الأمثلة يشك في بقاء المفهوم لتردده بين ما هو مقطوع الارتفاع و ما هو مقطوع البقاء.

و توضيح العنوان الثاني: أنه لو كان هنا لفظ معلوم المفهوم و وجد له مصداق في الخارج و حصل الشك في أن الموجود هل هو الفرد الفلاني أو فرد غيره و تردد الأمر بينهما تحقق حينئذ معنى الفرد المردد، فإذا علمنا بوجود حيوان في الدار و شككنا في أنه بق أو فيل فمضت ثلاثة أيام فعلمنا أنه لو كان بقا لمات و انعدم و لو كان فيلا كان باقيا، فتارة يتكلم في جواز جريان الاستصحاب في نفس المفهوم الكلي كالحيوان و أخرى يتكلم في جريانه في الفرد المردد، فيقال إن الموجود المردد بين ذاك و ذاك، المعلوم وجوده في الثلاثة باق بعدها أيضا بالاستصحاب، و هذا هو استصحاب الفرد المردد، و المشهور عدم جريانه، و لا فرق في الكلي المرددة أفراده بين الجنس كالمثال أو النوع و الصنف.

255

المقدمة

هى في الاصطلاح مطلق ما يتوقف عليه الشي‏ء فتطلق على العلة التامة و على كل جزء من أجزائها.

و تنقسم بانقسامات:

الأول: انقسامها إلى المقدمة الداخلية و الخارجية.

و الأولى: عبارة عن كل جزء من أجزاء الشي‏ء المركب، فكل جزء مقدمة بالنسبة إلى وجود مجموع ذلك المركب و حصول ماهيته، فللشي‏ء بعدد أجزائه مقدمات داخلية.

فإن قلت يلزم على هذا في المقدمات الداخلية اتحاد المقدمة و ذي المقدمة فإن ذا المقدمة هو المركب و المقدمة هي الأجزاء و هي أيضا عين المركب.

قلت لا يلزم الاتحاد فإن ذا المقدمة هو المجموع و المقدمة كل جزء من الأجزاء و ليس كل جزء عين الكل قطعا، نعم اللازم هنا اتحاد ذي المقدمة مع جميع المقدمات فإن المركب عين جميع الأجزاء فالصلاة ذو المقدمة و الركوع مقدمة و السجود مقدمة و هكذا.

256

و الثانية: عبارة عن الأمور الخارجة عن الشي‏ء مما يتوقف الشي‏ء عليه كالصلاة بالنسبة إلى غسل الثوب فهي مقدمة خارجية لها.

الثاني: انقسامها إلى العقلية و الشرعية و العادية.

فالأولى: كالصعود بالنسبة إلى الكون على السطح، و طي الطريق بالإضافة إلى الكون في مكة مثلا.

و الثانية: كالطهارات الثلاث بالنسبة إلى الصلاة و طهارة الماء و التراب بالنسبة إلى الطهارات.

و الثالثة: كالتلبس بلباس خاص بالنسبة إلى الحضور عند بعض العظماء مثلا أو كالدخول من الباب بالإضافة إلى الكون في داخل البيت مع إمكان الدخول من كوّة في السطح و كركوب خصوص السيارة للكون في مكة فإنه و إن كان الجامع بين الأمرين أو الأمور مقدمة عقلية إلا أن خصوص الدخول من الباب و ركوب السيارة مقدمة عادية لإمكان إيجاد ذي المقدمة بلا إتيان هذه المقدمة عقلا.

الثالث: انقسامها إلى المتقدمة و المقارنة و المتأخرة زمانا بالنسبة إلى ذي المقدمة،

و ينقسم كل منها أيضا إلى ثلاثة أقسام لأن كلا منها إما أن يكون مقدمة للحكم التكليفي أو للحكم الوضعي أو للمأمور به، فالأقسام تسعة ثلاثة للمقدمة المتقدمة زمانا و ثلاثة للمقارنة و ثلاثة للمتأخرة.

فالمقدمة المتقدمة للحكم التكليفي كما إذا ورد إن جاء زيد فأكرمه بعد مجيئه بيوم، فمجي‏ء زيد اليوم مقدمة لحدوث وجوب إكرامه في الغد.

و المقدمة المتقدمة للحكم الوضعي كالعقد في الوصية، فإن ملكية الموصى له للعين الخارجية بعد موت الموصي موقوفة على الإنشاء السابق الواقع من الموصي.

و المقدمة المتقدمة للمأمور به كالطهارات الثلاث بالإضافة إلى الصلاة، و الأغسال الليلية للمستحاضة بالنسبة إلى صوم اليوم البعدي، بناء على كون المقدمة نفس تلك الأفعال لا الحالة الحاصلة منها المقارنة للعمل.

و أما أقسام المقدمة المقارنة، فالمقارنة للحكم التكليفي كالبلوغ و العقل و القدرة بالنسبة إلى وجوب الصلاة و الصيام و نحوهما، فيشترط وجودها حاله و لا يلزم تقدمها

257

زمانا.

و المقارنة للحكم الوضعي كشرائط المتعاقدين من البلوغ و العقل بالنسبة إلى حصول الملكية و الزوجية و غيرهما.

و المقارنة للمأمور به كالاستقبال و الستر و طهارة الثوب بالنسبة إلى الصلاة.

و أما أقسام المقدمة المتأخرة.

فالمتأخرة عن الحكم التكليفي كما إذا ورد إن سافر زيد فأكرمه قبل ذلك بيوم، فسفره في الغد مقدمة لوجوب إكرامه اليوم، و كذا سببية يوم الجمعة لاستحباب غسلها في يوم الخميس لمن لم يتمكن منه يومها، و سببية يوم الفطر لوجوب الفطرة من أول شهر رمضان على القول به.

و المتأخرة عن الحكم الوضعي كإجازة المالك في عقد الفضولي عن القول بالكشف، فإن الملكية الموجودة حال العقد تتوقف على الإجازة المتأخرة بناء على ذلك القول.

و المتأخرة عن المأمور به كالأغسال الليلية للمستحاضة بالإضافة إلى صوم يومها الماضي، فالصوم المتقدم يتوقف على الغسل المتأخر.

الرابع: انقسامها إلى مقدمة الوجود و مقدمة الصحة و مقدمة الوجوب و مقدمة العلم أعني العلم بامتثال التكليف.

فالأول: كالأجزاء و الشرائط الركنية مما له دخل في تحقق مسمى المأمور به بالإضافة إلى المأمور به على القول بالأعم و مثل جميع الأجزاء و الشرائط على القول بالصحيح فالركوع مثلا مقدمة وجودية للصلاة على الأعم و القراءة، و طهارة الثوب أيضا مقدمة وجودية لها على الصحيح.

و الثانية: كالجزء اللازم غير الركني مثل السورة و الذكر في الصلاة فإنه مقدمة للصحة لا للوجود بناء على الأعم إذ الوجود يتحقق بدونه أيضا.

و الثالثة: كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج فإنها شرط لوجوبه لا لوجوده.

و الرابعة: كالعمل على طبق الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي، فإذا علم المكلف إجمالا بوجوب صلاة واحدة يوم الجمعة قبل صلاة العصر، و شك في أنها الظهر

258

أو الجمعة فهو إذا أتى بالظهر مثلا و فرضنا أن الواجب واقعا في حقه هو الظهر، فحينئذ و إن حصل به الامتثال واقعا لكنه لم يحصل له العلم بذلك فإذا أتى بالجمعة يحصل له العلم بالامتثال فيكون إتيان المحتملات مقدمة للعلم بامتثال التكليف لا لنفس الامتثال و العلم بالامتثال واجب عقلا كنفس الامتثال فتكون مقدمته كذلك.

الخامس: انقسامها إلى الموصلة و غير الموصلة.

بيانه: أن القائلين بوجوب المقدمة و كونها واجبة بوجوب غيري مترشح من الوجوب النفسي اختلفوا في إطلاق تعلق الوجوب بها و إطلاق إنصافها بصفة الوجوب أو تقيدهما بقيد على أقوال:

الأول: كون وجوبها الغيري مشروطا بقصد إتيان ذي المقدمة، فإذا قصد المكلف الإتيان بالصلاة مثلا صارت مقدماتها واجبة و إلا فلا، فقصد الإتيان بذي المقدمة بالنسبة إلى وجوب المقدمة من قبيل الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، فعلى هذا يكون وجوب الصلاة بعد دخول الوقت مطلقا و وجوب مقدماتها مشروط بإرادة الصلاة و هذا نوع من القول بالمقدمة الموصلة و معناه أن المقدمة إن قصد بها الوصول إلى ذي المقدمة تعلق بها الوجوب و إلا فلا، و هذا مختار صاحب المعالم (قدس سره).

الثاني: أن الوجوب المتعلق بها و إن كان مطلقا إلا أن اتصافها بصفة الوجوب مشروط بقصد الوصول إلى ذيها، و عليه إذا دخل الوقت لصلاة الظهر مثلا، فكما يتعلق الوجوب النفسي بالصلاة يتعلق الوجوب الغيري أيضا بمقدماتها من غسل الثوب و الوضوء و نحوهما، إلا أنه متعلق بالمقدمة المقصود بها التوصل لا بغيرها، و الفرق بينه و بين سابقه أن قصد الوصول كان هناك شرطا للوجوب فقبل تحقق القصد لا وجوب أصلا و هو هنا شرط للواجب و المقدمة الموصلة و غير الموصلة بهذا المعنى نظير المقدمة المحللة و المحرمة، فكما أن الوجوب الغيري لا يتعلق إلا بالمحللة دون المحرمة فكذا لا يتعلق هنا إلا بالمقصود بها التوصل دون غيرها و هذا مختار الشيخ (رحمه الله).

و تظهر الثمرة بينهما فيما إذا نذر الشخص بأنه متى توجه إليه وجوب غيري تصدق بدرهم، فإذا دخل وقت الصلاة في المثال و لم يقصد إتيانها لم يتوجه إليه وجوب غيري أصلا فلا يجب التصدق على قول صاحب المعالم (رحمه الله)، و توجه إليه ذلك و وجب التصدق‏

259

على مختار الشيخ (رحمه الله).

الثالث: القول بإطلاق الوجوب الغيري كسابقه إلا أن اتصاف المقدمة بالوجوب مشروط بترتب ذي المقدمة عليها و تحققه بعدها، سواء قصد الوصول إليه أم لا و سواء كان تحققه بعدها اتفاقيا أو لأجل كون هذه المقدمة علة تامة لحصوله، و الشرط هنا أيضا من قبيل شرط الواجب لا شرط الوجوب إلا أن الشرط في سابقه كان قصد الوصول و هنا نفسه، فإذا أتى الشخص بالمقدمة مع عدم قصده الإتيان بالواجب كأن غسل ثوبه النجس لا لغرض إتيان الصلاة ثم بدا له في فعلها و أتى بها اتصف الغسل بالوجوب الغيري بناء على هذا الوجه و لم يتصف به على الوجه السابق و هذا مختار صاحب الفصول (رحمه الله).

الرابع: إطلاق الوجوب أيضا إلا أنه مترتب على خصوص المقدمة المستلزمة لوجود ذي المقدمة و العلة التامة له، فيختص الوجوب بالعلة التامة من بين المقدمات، ففي الأفعال الاختيارية لا يتصف بالوجوب من مقدماتها إلّا إرادة المكلف إن قلنا بصحة تعلق الوجوب بها إذ هي العلة التامة للفعل دون غيرها، و في الأفعال التوليدية كالقتل بالتسبيب مثلا تتصف به المقدمة الأخيرة كرمي السهم و الإلقاء في النار و الماء، و هذا هو المعنى الرابع للمقدمة الموصلة و هو الذي أورده صاحب الكفاية على الفصول بأنه يلزمه القول بوجوب ذلك.

260

الموافقة و المخالفة

يلاحظ كل واحد من العنوانين في الاصطلاح منسوبا إلى تكاليف الآمر و مضافا إليها فالمراد بها هاهنا موافقة الأحكام الشرعية و مخالفتها.

ثم إن كلا منهما إما أن يلاحظ في العمل أعني فعل الجوارح أو في الالتزام أعني فعل القلب و الجوانح، و يسمى الأول بالموافقة و المخالفة العمليتين و الثاني بالموافقة و المخالفة الالتزاميتين، و على التقادير إما أن تكون قطعية أو احتمالية فالأقسام ثمانية فإذا اعتقد المكلف بوجوب دفن ميت مثلا فتركه و ذهب بسبيله فهو مخالفة عملية قطعية، و إذا لم يعتقده قلبا لكنه دفنه خوفا منه أو كراهة لرائحته فهو مخالفة قطعية التزامية، و إذا لم يعتقد و لم يدفن مع قيام الدليل على وجوب دفنه فهما مخالفتان قطعيتان عملية و التزامية، و لو اعتقد بعد حصول العلم الإجمالي بوجوب الظهر و الجمعة وجوب إحداهما فأتى بها و لم يعتقد وجوب الأخرى فتركها حصلت الموافقة الاحتمالية العملية و الالتزامية بالنسبة إلى ما أتى بها و المخالفة الاحتمالية كذلك بالنسبة إلى الأخرى.

تنبيهات:

الأول: لا إشكال و لا خلاف في حرمة المخالفة العملية للأحكام الفرعية و استحقاق العقوبة عليها عقلا و هو واضح،

261

كما أنه لا إشكال في حرمة المخالفة الالتزامية للأحكام الأصولية الاعتقادية، فإذا وجب عقد القلب على كون المعاد و المعراج جسمانيين كان ترك الاعتقاد بهما مخالفة التزامية و عصيانا، و أما حرمة المخالفة الالتزامية و وجوب موافقتها بالنسبة إلى الأحكام الفرعية ففيه خلاف و إشكال، و المشهور عدمها إذ لا يستفاد من قوله ادفن الميت مثلا إلا وجوب الدفن خارجا و حرمة تركه عملا لا لزوم الاعتقاد بوجوبه قلبا مضافا إلى العمل خارجا، فلو دفن الميت لم يكن مستحقا للعقاب و لو لم يعتقد قلبا بل فعله اقتراحا، كما أنه لو تركه لم يستحق العقاب إلا على تركه عملا اللهم إلا أن تستلزم المخالفة الالتزامية المخالفة العملية كما في العبادات.

و بعبارة أخرى لا يخلو حال المكلف عن أحد أمور أربعة: العمل خارجا و الالتزام قلبا و ترك العمل و الالتزام معا و فعل الأول و ترك الثاني و عكسه، فعلى القول بوجوب الالتزام مضافا إلى العمل يلزم استحقاقه لثوابين في الأول و لعقابين في الثاني و لثواب و عقاب في الثالث و الرابع، و هذا خلاف عمل العقلاء و بناؤهم في التكليف الواحد فيرون المكلف مستحقا لثواب واحد في الأول و الثالث و لعقاب واحد في الثاني و الرابع، فنعلم حينئذ أن الملاك في الثواب و العقاب هو العمل لا الاعتقاد.

الثاني: المراد من الالتزام المذكور هو البناء الباطني و العقد القلبي‏

و في اتحاد هذا المعنى مع العلم أو مغايرته له أقوال:

أحدها: مغايرته له بمعنى كونه قلبيا اختياريا يجتمع مع العلم بالمعتقد و الشك فيه و يمكن تركه و لو مع وجود اليقين، فالشك في وجوب الجمعة مثلا أمر و عقد القلب عليه أمر آخر، و الأول قهري الحصول و الزوال غالبا و الثاني اختياري دائما، و كذا اليقين بوجوبها أمر و الالتزام به و عدم الالتزام أمر آخر، فبينهما تباين ذاتا و عموم من وجه تحققا.

ثانيها: أنه عين العلم بالحكم و لا نتعقل معنى للالتزام الباطني و عقد القلب على الوجوب مثلا سوى العلم به.

ثالثها: أنه و إن كان غير العلم إلا أنه لا يتحقق إلا في مورد العلم دون الشك‏

262

و الظن فإذا علم بشي‏ء أمكن عقد القلب عليه.

الثالث: لا إشكال في إمكان الموافقة العملية القطعية و مخالفتها في غالب موارد العلم بالتكليف‏

و قد يوجد مورد لا يمكن فيه الموافقة العملية القطعية و لا المخالفة كذلك، و هو مورد دوران الأمر بين وجوب فعل و حرمته، فإذا علم المكلف إجمالا بأن دفن الميت المنافق إما واجب و إما حرام. فلا يعقل أن يعمل عملا تحصل به الموافقة القطعية أو المخالفة القطعية بل هو إما أن يفعل أو أن يترك و على كل منهما يحصل احتمال الموافقة و المخالفة.

و أما الموافقة و المخالفة الالتزاميتان فهما ممكنتان حتى في مورد الدوران بين المحذورين أيضا ففي مثال الدفن يلتزم قلبا بما هو حكم اللّه في الواقع إذ لا يشترط في الالتزام بحكم العلم بذلك تفصيلا فتكفي الموافقة إجمالا.

و لو قلنا باشتراط ذلك و أن الواجب هو الالتزام بحكم معلوم بالتفصيل، فهنا لا يخلو أمر المكلف من أحد أمور ثلاثة: عدم الالتزام بشي‏ء منهما و الالتزام بأحدهما و الالتزام بكليهما، و الصواب هو الأول، إذ على الثاني لو التزم بالوجوب مثلا احتمل أن يكون ما التزم به هو الواقع فيكون التزامه واجبا أو هو ضد الواقع فيكون حراما فالتزامه دائر بين الواجب و الحرام و لا ترجيح في البين، و على الثالث كما أنه يعلم بالالتزام بالواقع يعلم بالالتزام بضده أيضا و هو أيضا باطل فانحصر الأمر في الأول.

263

الموضوع و قد يقابله المتعلق‏

يطلق هذه الكلمة في علم الأصول في موارد:

منها: في مقام بيان موضوع علم الأصول فتستعمل هناك و يراد منها موضوع العلم و حريّ بنا أن نتعرض هنا لبيان كلي الموضوع أولا و لبيان موضوع علم الأصول و مسائله ثانيا فنقول:

أما الأول: فهو الذي يبحث في العلم عن الأوصاف العارضة له حقيقة، كالصحة و المرض للإنسان، و الرفع و النصب للكلمة، و هي التي تسمى بالعوارض الذاتية في مقابل ما ينسب إليه عناية و مجازا كالسرعة المنسوبة إلى الطائر، فإنها عارضة لحركته لا لنفسه و هو المسمى بالعرض الغريب كما سيأتي في عنوان الواسطة.

و أما الثاني: فقد قيل في موضوعه أقوال:

أحدها: أنه ذوات الأدلة الأربعة، أعني الكتاب العزيز و السنة الصادرة عن المعصوم (عليهم السّلام) و الإجماع و العقل، مع قطع النظر عن كونها حجة و دليلا في الفقه، و على هذا فالبحث عن حجية تلك الأمور بحث عن المسألة الأصولية و يكون من مسائل هذا العلم، نعم يخرج عنها عدة من مباحث الألفاظ، كبحث الصحيح و الأعم و المشتق و الأمر و النهي و كذا الظن الانسدادي و الظن الاستصحابي، بل البحث عن‏

264

حجية قول العدل و الثقة، إذ ليس البحث فيها عن أموال الأدلة الأربعة.

ثانيها: أن الموضوع هو الأدلة الأربعة بعد الفراغ عن دليليتها فالموضوع ظاهر الكتاب الثابت حجيته و السنة المفروغ عن حجيتها، و عليه يكون البحث عن حجية ظاهر الكتاب و السنة خارجا عن مسائل هذا العلم داخلا في مباديه، إذ البحث عن وجود الموضوع أو عن جزئه و قيده يكون من المبادي لا المسائل.

ثالثها: أن الموضوع هو عنوان الدليل في الفقه أو عنوان ما يمكن أن يقع في طريق الاستنباط و هذا أعم من سابقيه، فيشمل قول العدل و الظن الانسدادي و الاستصحابي، و يكون البحث عن حجية الشي‏ء في مقام الاستنباط و عدمها من مسائل هذا العلم، إذ البحث عن انطباق عنوان الموضوع على مورد أو عن فعلية ما له شأنية الحجة بحث عن حالاته.

رابعها: أن الموضوع هو كلي موضوعات المسائل و القدر المشترك بينها و لا نعلمه باسمه و عنوانه.

توضيح ذلك أن الغرض من هذا العلم معلوم و هو التمكن من استنباط الأحكام الفرعية، فإذا جمعنا قضايا متشتتة مختلفة الموضوع و المحمول بلحاظ دخالتها في ذلك الغرض، و سميناها بعلم الأصول، تعينت مسائل هذا العلم كتعين غرضه، فحينئذ إذا سئلنا عن موضوعه أشرنا إلى موضوعات تلك المسائل و قلنا إن الموضوع هو القدر الجامع بينها و الكلي المنطبق عليها فسمه بأي اسم شئت و هذا مختار صاحب الكفاية (رحمه الله).

و أما مسائله فهي القضايا المختلفة التي يبحث فيها عن أحوال أدلة الفقه بناء على غير الأخير من الأقوال، كقولك ظاهر الكتاب حجة، أو هي كل مسألة لها دخل قريب في استنباط الحكم الشرعي الفرعي، و بعبارة أخرى كل مسألة تقع كبرى كلية لاستنتاج الحكم الشرعي بناء على القول الأخير كحجية قول العدل فإذا أثبتت حجيته قلت، وجوب الجمعة مما أخبر به العدل و كلما أخبر به العدل ثابت فالوجوب ثابت.

ثم إنه علم مما ذكرنا الغرض من هذا العلم و هو التمكن من الاستنباط.

و منها: ما وقع التعرض له في باب الاستصحاب في مقام بيان اشتراط بقاء

265

الموضوع في استصحاب الحكم، فقسموه إلى موضوع عقلي و دليلي و عرفي.

بيان ذلك أنهم اشترطوا في جواز إجراء استصحاب الحكم إحراز بقاء الموضوع فيلزم في استصحاب كرية الماء إحراز بقاء نفس الماء، و مع القطع بعدم البقاء أو الشك فيه لا يجوز إجراء استصحاب الكرية، ثم إن تشخيص موضوعات الأحكام و تمييز الأوصاف الدخيلة فيها عن غيرها يختلف باختلاف الأنظار، أعني نظر العقل المبني على الدقة، و نظر العرف بما يفهمون الموضوع من ظاهر الدليل، و نظرهم بعد ملاحظة القرائن و المناسبات المغروسة في أذهانهم لدى ترتب الأحكام على الموضوعات، ففي موارد الشك في بقاء الموضوع قد لا يكون باقيا بنظر العقل و لو من جهة انتفاء ما له دخل في موضوعيته، لكنه باق بنظر غيره، فإذا أخذ مقدار من ماء كر ثم شك في بقاء كريته لم يجر الاستصحاب بناء على الموضوع العقلي، فإن الماء الباقي بنظره غير الماء السابق و جرى بناء على الموضوع العرفي فإن الباقي هو السابق ذاتا و إن حصل له تغيير في كميته و وصفه.

و إذا ورد دليل على أن الماء المتغير بأوصاف نجس العين نجس، و كان هناك ماء متغير فزال تغيره من قبل نفسه فشككنا في بقاء نجاسته، لم يكن الموضوع الدليلي باقيا، فإن ظاهر الدليل بنظر العرف البدوي هو الماء المقيد بالتغير، و المقيد ينتفي بانتفاء قيده إلا أن الموضوع العرفي باق في المثال فإن أهل العرف يعدون الموضوع للنجاسة نفس الماء و يحسبون أن التغير من أوصاف الموضوع و له دخل في ترتب الحكم عليه لا أنه قيد للموضوع و معروض للنجاسة، فيجعلون ما هو قيد بحسب الدليل خارجا عن القيدية راجعا إلى حالاته، فيرون الموضوع باقيا فإذا حصل الشك في بقاء الحكم لأجل زوال ما يحتمل دخله فيه جرى الاستصحاب، فالموضوع باق بهذا النظر و إن كان زائلا بالنظرين الأولين.

و منها: موارد يقع التعرض فيها لموضوعات الأحكام الشرعية و متعلقاتها فيقع الكلام هنالك في الفراق بين الموضوع و المتعلق.

بيانه أن الأفعال الصادرة عن المكلف على قسمين: قسم لازم لا يتعدى منه إلى غيره كالصلاة و الصيام و الركوع و القيام، و قسم يتعدى و يتعلق بأمر آخر كالأكل‏

266

و الشرب و التمليك و الغصب فهنا أمران: الفعل الصادر عن الفاعل و الأمر الخارجي المتعلق به الفعل كالطعام و الماء و المال.

فحينئذ نقول إنه قد يطلق كل واحد من الموضوع و المتعلق على كل واحد من الفعل و متعلقه فيقال إن الصلاة و الشرب و الخمر متعلقات أو موضوعات، و قد يطلق الموضوع على خصوص الأفعال الصادرة عن المكلف لازمة أو متعدية و المتعلق على الموضوع الخارجي، و يستعملان ثالثة على عكس ذلك كما أنه قد يطلق المتعلق على نفس المكلف أيضا.

267

الناقل و المقرر و الحاظر و المبيح‏

الناقل و المقرر في اصطلاح الأصوليين وصفان للخبرين المتعارضين أو لمطلق الدليلين كذلك فيما كان أحدهما موافقا للأصل الجاري في موردهما و الأخر مخالفا له، فيطلق على الدليل المخالف للأصل اسم الناقل لاقتضائه نقل المكلف عن مقتضى الأصل إلى التكليف المخالف له، و على الموافق اسم المقرر لتقريره المكلف و تثبيته على طبق الأصل، سواء أ كان تعارضهما في إثبات الوجوب أو في إثبات الحرمة، فإذا أخبر أحد العدلين بوجوب الجمعة و الآخر بعدم وجوبها أو أخبر أحدهما بحرمة شرب العصير و الأخر بعدمها أطلق على الخبر المفيد للوجوب أو الحرمة الناقل و على مقابلهما المقرر.

و أما الحاظر و المبيح فهما أيضا وصفان للدليلين المتعارضين فيما كان مورد تعارضهما الحرمة و الإباحة فيطلق على الخبر المخالف لأصالة الإباحة اسم الحاظر لكونه مانعا عن الفعل و الحظر المنع، و على الموافق لها اسم المبيح لموافقة مضمونه لأصالة الإباحة فموردهما أخص من مورد العنوانين الأولين، فعلم أن بين عنواني الناقل و المقرر و الحاظر و المبيح عموم مطلق.

268

النسخ‏

هو في اللغة بمعنى الإزالة و في الاصطلاح ارتفاع الحكم الكلي المجعول للأمة في الشرعية عن موضوعه الكلي لأجل تمام أمده و انتفاء الملاك في جعله.

فخرج بقيد الكلي ارتفاع الحكم الجزئي، سواء أ كان بانتهاء أمده أو بانعدام موضوعه. فارتفاع وجوب الصوم عن المكلف بعد دخول الليل أو حرمة الاصطياد للمحرم بعد الإحلال لأجل انتهاء الأمد ليس بنسخ.

كما أن ارتفاع وجوب إكرام زيد بموته أو حرمة الشرب من إناء معين بإراقته لانعدام الموضوع ليس بنسخ.

و خرج بقيد المجعول للأمة ارتفاع الحكم الكلي عن موضوعه بالنسبة إلى شخص خاص فارتفاع الأحكام الكلية عن زيد مثلا بسبب عروض جنون أو موت لا يسمى نسخا.

و التقييد بكون الارتفاع بانتهاء الأمد و الملاك لبيان أن النسخ ليس رفعا في الحقيقة، بل هو في مقام الثبوت دفع للحكم و انقضاء لاقتضائه بيانه أنه قد يكون مقتضى المصلحة جعل الحكم على الموضوع محدودا بحد و موقتا بوقت، فيريد الشارع الجاعل للحكم العالم بالملاك إنشاء الحكم الموقت، إلا أنه قد ينشئه مطلقا غير محدود

269

في مقام الإنشاء مع قصده إبلاغ حد الحكم و وقته في مقام آخر. أو عند انتهاء أمد الحكم، فيكون حينئذ مقتضى ظاهر الدليل دوامه و استمراره، فالحكم حينئذ موقت في مرحلة الثبوت مستمر دائم في مرحلة الإثبات.

فإذا ورد دليل النسخ كان ذلك كاشفا عن انتهاء أمد الحكم بتمام مقتضيه و ملاكه فيحسب ذلك دفعا للحكم بالنظر إلى الواقع و رفعا بالنظر إلى الظاهر، و من هنا قيل إن النسخ دفع ثبوتي و رفع إثباتي.

تنبيهان:

أحدهما: في إمكان النسخ و الآخر في وقوعه:

أما الأول:

فقد ادعي استحالته في الأحكام الصادرة عن الحكيم، بتوهم أنه إذا أنشأ حكما كليا ثم أنشأ نسخه بعد مدة، فإن كان لذلك الحكم ملاك و مصلحة في جعله، كان نسخه باطلا قبيحا، و إن لم يكن مصلحة في جعله كان إنشاؤه من أصله لغوا باطلا، فالنسخ من الحكيم يستلزم دائما أحد المحذورين إما خلاف الحكمة في الجعل و إما في النسخ.

و جوابه: أن جعل الحكم ثم نسخه بعد مدة يتصور على قسمين:

أولهما: أن لا تكون هناك مصلحة في جعل الحكم أصلا، أو كانت في جعله موقتا محدودا، فاعتقد الجاعل وجود ملاك دائم فأنشأ حكما مستمرا، ثم ظهر له خطاؤه في اعتقاده فنسخه.

أو كانت المصلحة في جعله دائما مستمرا فاعتقد كونه موقتا فنسخه بعد مدة زعما منه تمام أمد الحكم و هذا القسم هو الذي يلزم منه لغوية الجعل تارة و النسخ أخرى و لا يتصور هذا في الشارع المحيط بجميع الأشياء علما و العالم بملاكات الأمور سعة و ضيقا.

ثانيهما: أن تكون المصلحة في جعل الحكم موقتا محدودا فقصد الجاعل إنشاء حكم كذلك، إلا أنه أنشأه بكلام مطلق من حيث الزمان ظاهر في الاستمرار و الدوام،

270

إما لوجود مانع عن التقييد إثباتا أو لمصلحة في تأخير بيان الأمد، إذ لا يجب عقلا بيان أمد كل حكم عند جعله و تشريعه فالحكم في الفرض موقت ثبوتا ظاهر في الدوام إثباتا، فيكون نسخه دفعا ثبوتيا و رفعا إثباتيا، و هذا القسم لا يقبح من الحكيم تعالى بل قد يحسن و يجب و ما يدعى وقوعه في الشريعة من هذا القسم فلا محذور.

الثاني: لا إشكال في وقوع النسخ بالنسبة إلى أصل شريعة و دين‏

فكلما كانت تحدث شريعة في الأزمنة السابقة كانت تنسخ الشريعة التي قبلها بمعنى رفع عدة من أحكامها لا رفع جميعها، و لذا قيل إن النسخ رفع المجموع لا رفع الجميع.

و أما نسخ بعض الأحكام في شريعة مع بقاء أصلها فقد ادعي وقوعه في شرعنا و عد لذلك موارد لا يسلم أغلبها من الخدشة و المسلم من ذلك قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ أَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فإنها نسخت بقوله تعالى في الآية اللاحقة لها: «أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إلخ».

بيانه أن اللّه تعالى أوجب على كل من أراد التكلم و النجوى مع النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن يتصدق قبل ذلك شيئا على الفقراء، فلما ظهر إشفاق الناس من ذلك و تركوا النجوى و أخذ الأحكام بخلا بالمال نسخ الحكم و تاب على المشفقين فالآية الأولى منسوخة و الثانية ناسخة لها.

و روى الصدوق عن علي (عليه السّلام) أنه قال في عداد مناقبه و أما الرابعة و العشرون فإن اللّه أنزل على رسوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ...» فكان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أتصدق قبل ذلك بدرهم و اللّه ما فعل هذا أحد غيري من أصحابه قبلي و لا بعدي فأنزل اللّه: «أَ أَشْفَقْتُمْ‏ إلخ.»

271

النهي‏

المشهور بين الأصوليين أن النهي عبارة عن الطلب الإنشائي المتعلق بترك الشي‏ء و عدمه، فهو يتحد مع الأمر في الحقيقة النوعية أعني كونه الطلب الإنشائي و يفترق عنه في المتعلق، فإن متعلق الطلب في الأمر هو وجود الشي‏ء و متعلقه في النهي هو عدمه.

فمعنى لا تشرب الخمر و لا تكذب في القول أطلب عدم الشرب و ترك الكذب و عند بعض المحققين هو عبارة عن الزجر الإنشائي المتعلق بوجود الفعل، فعلى هذا يختلف النهي مع الأمر بحسب الحقيقة و الماهية إذ الأمر هو البعث الإنشائي نحو وجود الشي‏ء في مقابل البعث التكويني، و النهي هو الزجر الإنشائي عن الوجود في مقابل الزجر التكويني، و يتحدان في المتعلق فإن المتعلق في كليهما هو الوجود.

ثم إن في بيان حدود ماهيته و تعيين متعلقه على كلا القولين اختلافا من جهات:

الأولى: أنه هل هو عبارة عن مطلق الطلب أو الزجر فيشمل الكراهة، أو هو عبارة عن الطلب أو الزجر الأكيدين فلا يشمل الكراهة.

الثانية: هل يشترط في حقيقته صدوره عن خصوص العالي أو عن خصوص المستعلي أو صدوره عن أحدهما أو لا يشترط شي‏ء منها فيه خلاف و أقوال مضت في باب الأمر.

272

الثالثة: بناء على كون حقيقته هو الطلب، فهل يكون متعلقه مجرد ترك الشي‏ء أو هو كف النفس عن الشي‏ء فعلى الأول يكون معنى لا تشرب الخمر أطلب عدم تحقق شرب الخمر، و على الثاني يكون المعنى أطلب كف النفس عن شربها، و حينئذ لو كف المكلف نفسه عن شربها و تركها عن اشتياق إلى الشرب تحقق الامتثال على كلا القولين و استحق المثوبة و لو تركها مع عدم الميل إليها لم يتحقق الامتثال و استحقاق المثوبة على الثاني إذ كف النفس عن الشي‏ء فرع ميلها و اشتياقها إليه، و يتحقق على الأول.

273

النهي عن الشي‏ء يقتضي الفساد أم لا؟

وقع البحث بين الأصوليين في أن تعلق النهي بشي‏ء هل يقتضي فساده أم لا.

و ليعلم أولا أن مورد الكلام هي الأفعال القابلة لأن تتصف بالصحة بمعنى كونها تامة واجدة للآثار المطلوبة منها، و أن تتصف بالفساد بمعنى كونها ناقصة فاقدة لتلك الآثار، و ذلك كالغسل و الصلاة و سائر العبادات و صيغ العقود و الإيقاعات و كالاصطياد و الذبح و نحوهما من الموضوعات، فإن لها أفرادا جامعة لما له دخل في كمالها فيترتب عليها الآثار المطلوبة منها، و أفرادا فاقدة للكمال و الآثار.

و حينئذ نقول إذا تعلق نهي تحريمي بفعل من تلك الأفعال فيقع الكلام تارة في أنه هل يحكم العقل بالملازمة بين المبغوضية و الفساد فيحكم بفساد المنهي عنه و عدم ترتب الآثار على متعلقه أم لا فالمسألة حينئذ عقلية، و أخرى في أنه هل يدل لفظ النهي على عدم ترتب الآثار على متعلقه أم لا فالمسألة حينئذ لفظية.

و أخصر البيان في تحرير المسألة أن نقول إن كان متعلق النهي عبادة كالصلاة المزاحمة للإزالة و النافلة الواقعة في وقت الفريضة مثلا. فالأظهر القول بالبطلان و عدم الأثر عقلا لكن لا من جهة دلالة اللفظ، و ذلك لحكم العقل بعدم اجتماع المبغوضية المستفادة من النهي مع المقربية التي هي قوام العبادة و إذ لا صحة فلا يترتب أثرها من‏

274

سقوط التكليف و استحقاق الأجر عليها و كونها وفاء للنذر و نحوها من الآثار، هذا إن كان متعلق النهي عبادة.

و إن كان غير عبادة فلا وجه للحكم بالفساد حينئذ لعدم دلالة النهي إلا على مبغوضية الفعل و عدم وجود الملازمة بين المبغوضية و عدم ترتب الآثار عقلا.

فلو غسل ثوبه النجس بالماء المغصوب أو ذبح الحيوان المغصوب أو باع ماله وقت النداء أو اصطاد ما نذر عدم صيده لم تقع تلك الأمور فاسدة و إن وقعت محرمة و في المسألة أقوال أغمضنا عن ذكرها روما للاختصار.

و هنا فرعان:

الأول: أنه لا مجرى لهذا النزاع في الأفعال التي لا تتصف بالصحة و الفساد بل تتصف بالوجود و العدم‏

فهي قد توجد و قد لا توجد كمسببات العقود و الإيقاعات فإذا حرّم الشارع نقل مال أو عتق عبد فباع المكلف و أعتق يحكم بحصول النقل و العتق و تحقق العصيان و لا معنى للنزاع في الصحة و البطلان فيهما.

الثاني: أن محل البحث في المسألة هو النهي المولوي تحريميا كان أو تنزيهيا

و أما النهي الإرشادي أعني الذي سيق لهداية المكلف إلى فساد العمل و بطلانه فلا كلام في دلالته على الفساد كما أنه قد ادعي ظهور النواهي المتعلقة بتلك الأعمال في كونها إرشادا إلى البطلان، و ذلك كما إذا ورد النهي عن الصلاة في أيام الحيض أو في الثوب النجس أو مستدبر القبلة مثلا أو ورد النهي عن غسل الثوب بالماء المضاف أو عن ذبح الحيوان بغير ذكر اسم اللّه تعالى عليه أو بغير الآلة الحديدية و نحو ذلك.

275

الواجب‏

هو كل فعل أو ترك تعلق به البعث الأكيد و قسموه بتقسيمات:

الأول: تقسيمه إلى الموقت و غير الموقت و الموقت إلى الموسع و المضيق.

و منشأ التقسيم هو أن الزمان و إن كان لا بد منه في فعل المكلف عقلا إذ هو زماني لا يوجد إلا فيه، إلا أنه قد لا يكون له دخل في الفعل شرعا و قد يكون له دخل فيه، و على الثاني قد يكون الزمان الدخيل فيه أوسع منه و قد يكون بمقداره.

فالأول: يسمى واجبا غير موقت كالصدق في الكلام و ترك شرب الخمر.

و الثاني: يسمى واجبا موسعا كالصلاة الواجبة لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏.

و الثالث: يسمى واجبا مضيقا كالصوم الواجب بين الطلوع الأول و الغروب.

و الثاني: تقسيمه إلى العيني و الكفائي.

فالأول: هو الفعل المطلوب من شخص خاص.

و الثاني: هو الفعل المطلوب من طبيعي صنف معين أو نوع خاص، و حينئذ فإن كان المأتي به فردا واحدا من طبيعة العمل فلا إشكال سواء أتى به فرد واحد من المكلفين أو أكثر كغسل الميت إذا أوجده شخص أو اشترك فيه أشخاص، و كذا لو كان المأتي به فردين أو أفرادا إذا أتي بها دفعة واحدة سواء كان الآتي شخصا أو

276

أشخاصا، كالإعتاق الواجب كفاية فأعتق شخص واحد عبيدا متعددين دفعة واحدة و كصلاة الميت المأتي بها جماعة، و أما لو كان المأتي به فردين أو أفرادا و أتي بها تدريجا كما لو غسل الميت ثانيا و ثالثا سواء غسله الغاسل الأول أو شخص آخر ففيه خلاف و إشكال من جهة عدم تعقل الامتثال بعد الامتثال.

الثالث: تقسيمه إلى المعلق و المنجز.

أما المعلق: فهو الفعل الذي تعلق به الوجوب فعلا و يتوقف حصوله على أمر غير مقدور زمانا كان أو غيره، أو على أمر مقدور لم يترشح عليه الوجوب و يعبر عنه بأنه ما كان الوجوب فيه فعليا و الواجب استقباليا مثلا إذا استطاع المكلف الحج في شهر شوال و توجه إليه الخطاب بالحج فيقال إن الحج في حقه واجب معلق لعدم مجي‏ء وقته و توقفه على الزمان الذي لا يقدر المكلف على انجازه، و لو فرضنا أن المولى أوجب بالوجوب الفعلي إكرام زيد عند مجيئه مع عدم قدرة المكلف على تحصيل مجيئه فهذا معلق على أمر غير مقدور غير الزمان و إذا أوجب إكرامه و قال أكرم زيدا عند شرائك الدار مع عدم إيجابه شراء الدار بل لو اتفق له الشراء بميله و طيب نفسه فهذا معلق على مقدور لم يترشح عليه الوجوب.

و أما المنجز فهو العمل الواجب مع عدم توقفه على أمر غير مقدور كالصلاة بعد دخول وقتها.

الرابع: تقسيمه إلى التوصلي و التعبدي.

فالأول: ما كان الغرض منه يحصل بمجرد حصوله في الخارج سواء أتى به المكلف بداعي أمر المولى أو بدواع آخر، كغسل الثوب مثلا فإنه يطهر و يحصل الغرض منه بأي قصد غسله، إلا أنه إذا غسله بداعي الأمر و التقرب حصل عنوان الإطاعة و استحق عليه المثوبة و إلا فلا إطاعة و لا مثوبة.

و الثاني: هو الفعل الذي لا تترتب عليه المصلحة و لا يحصل غرض الآمر إلا بإتيانه قربيا، و ذلك كالصلاة و الصيام و سائر العبادات.

ثم إن الإتيان القربي الذي به يكون العمل عباديا و يسمى بالتعبدي على أنحاء:

الأول: الإتيان به بقصد الأمر.

277

الثاني: الإتيان به بقصد أن يتقرب من الآمر.

الثالث: الإتيان به لكون الفعل حسنا ذاتا.

الرابع: الإتيان به لكونه ذا مصلحة.

الخامس: الإتيان به لمجرد كون الآمر مستحقا لأن يطاع و جديرا بأن يعبد.

السادس: الإتيان به رجاء ثوابه و طمعا في أخذ شي‏ء منه تعالى.

السابع: الإتيان به خوفا من عذابه تعالى و فرارا عن عقابه.

الثامن: الإتيان به لكونه شكرا لنعمه تعالى.

و هل يكفي في مقام الامتثال كل واحد من تلك القصود لكن تختلف مراتب الثواب باختلافها، أو أن بعضها غير كاف في تحقيق العبادة وجهان مقرران في الفقه فراجع.

278

الواسطة في العروض و الثبوت و الإثبات‏

إذا فرضنا عروض عارض على شي‏ء أعني صحة حمله عليه فإما أن لا يكون هنا واسطة في البين فهو واضح، كعروض الناطق للحيوان و الحيوان للناطق، و إما أن يكون في البين واسطة فيتحقق حينئذ أمور ثلاثة: الواسطة و العارض و المعروض و يطلق عليه ذو الواسطة أيضا.

ثم إنهم قسموا الواسطة بين العارض و المعروض إلى أقسام ثلاثة:

الأول: الواسطة في العروض، و هي ما كان العارض حقيقة عارضا لنفس الواسطة و يكون نسبته إلى المعروض بالعرض و المجاز، كوساطة الحركة لعروض السرعة على الجسم في قولك الفرس سريع مثلا، فالسرعة عارض و الفرس معروض و الحركة واسطة في العروض مجازا و معروض حقيقة.

الثاني: الواسطة في الثبوت، و هي علة ثبوت العارض لمعروضه خارجا بحيث يكون اتصاف المعروض بذلك العارض حقيقيا سواء كانت الواسطة أيضا متصفة به أم لا، فالأول كوساطة النار لعروض الحرارة على الماء، و الثاني كوساطة الحركة لعروض الحرارة على الجسم و التعجب لعروض الضحك على الإنسان.

الثالث: الواسطة في الإثبات، و هي ما كان علة للعلم بثبوت العارض لمعروضه‏

279

سواء كانت في الخارج أيضا علة أو كانت معلولا أو كانت ملازما.

و الأول: كقولك الصلاة ذات مصلحة ملزمة و كل ما فيه مصلحة ملزمة فهو واجب فالصلاة واجبة فيما إذا صار علمك بالمصلحة سببا للعلم بالوجوب.

و الثاني: كقولك الحج واجب و كل واجب له مصلحة ملزمة فالحج له مصلحة ملزمة فيما إذا صار علمك بالوجوب طريقا إلى علمك بالصلاح.

و الثالث: كقولك الصلاة تنهى عن الفحشاء و كل ما ينهى عن الفحشاء فهو معراج المؤمن فهي معراج بناء على تلازمهما، و من هنا قيل إن الواسطة إن كانت علة في العين و الذهن فهي واسطة في الثبوت و إن كانت علة في الذهن فهي واسطة في الإثبات و هذا يكون في وسائط القياس.

ثم إن النسبة بين الواسطة في العروض و الثبوت هي التباين، فلا شي‏ء من وسائط العروض واسطة في الثبوت و لا شي‏ء من وسائط الثبوت واسطة في العروض، إذ لا يعقل أن يكون شي‏ء معروضا لعرض و علة لثبوت نفس ذلك العرض لمعروض آخر، و النسبة بين الواسطة في العروض و الإثبات عموم مطلق فكل واسطة في العروض يكون العلم بها علة للعلم بالاتصاف المجازي و لا عكس، فتقول هذا الفرس ذو حركة سريعة و كل ما كان كذلك فهو سريع فالفرس سريع.

و النسبة بين الواسطة في الثبوت و الإثبات أيضا كذلك فكل واسطة في الثبوت واسطة في الإثبات أيضا و لا عكس، ففي قولك العالم متغير و كل متغير حادث، المتغير واسطة في الثبوت و الإثبات، و في قولك الصلاة واجبة و كل واجب فيه مصلحة ملزمة، الوجوب واسطة في الإثبات و ليس واسطة في الثبوت.

ثم إن الاحتياج إلى بيان الوسائط في هذا العلم يقع في موارد: منها بيان أن مسائل هذا العلم من قبيل الأمور العارضة لموضوعه مع الوساطة في الثبوت أو الإثبات، فإن الحجية مثلا عارض و خبر العدل معروض و المصلحة الداعية إلى جعل الحجية له واسطة في الثبوت و ما دل على ذلك من الكتاب و السنة واسطة في الإثبات، و كذلك يقال في علم الفقه فالوجوب عارض و صلاة الجمعة مثلا معروض و مصلحة الفعل واسطة في الثبوت و الدليل الدال على الوجوب واسطة في الإثبات و هكذا.

280

الوجوب‏

هو أحد الأحكام الخمسة التكليفية، و حقيقته إما الإرادة الأكيدة الحاصلة في نفس الآمر المتعلقة بفعل المأمور، أو هو أمر انتزاعي ينتزع لدى العرف عن إنشاء الطلب بواسطة لفظ أو غير لفظ مع عدم قرينة على الترخيص في الترك، و اختار الوجه الأول فريق من العلماء و الوجه الثاني فريق آخرون.

ثم إن له عند أهل الفن تقسيمات:

الأول: تقسيمه إلى الوجوب المطلق و المشروط.

فالمطلق هو البعث الأكيد غير المقيد بأمر وجودي أو عدمي، و المشروط هو البعث الأكيد المقيد بقيد بحيث لو لم يوجد القيد لم يوجد البعث.

و اللازم في الحكم بالإطلاق و التقييد هو ملاحظة أمر معين و قياس الوجوب إليه ثم الحكم بأنه مطلق أو مقيد، فكل أمر لم يكن البعث منوطا به كان الوجوب بالنسبة إليه مطلقا، و كلما كان منوطا به كان بالقياس إليه مقيدا، فالإطلاق و التقييد أمران إضافيان فترى أن كل تكليف أكيد بالنسبة إلى الشرائط العامة أعني البلوغ و العقل و القدرة و الالتفات مقيد، و بالنسبة إلى أمور أخر قد يكون مطلقا و قد يكون مقيدا.

مثلا وجوب الصلاة اليومية بالنسبة إلى الوقت مشروط، فما لم يدخل الوقت لم‏

281

يوجد الوجوب، و بالنسبة إلى الوضوء أو عدالة المصلي أو فسقه مثلا مطلق، و وجوب الحج بالنسبة إلى الاستطاعة مشروط و بالنسبة إلى كونه مجتهدا أو مقلدا أو كونه قريبا من مكة أو بعيدا غير مشروط.

و منه يظهر أنه ليس لنا وجوب مطلق على الإطلاق بحيث لم يكن مشروطا بشي‏ء أصلا، إذ لا أقل من اشتراطه بالشرائط العامة و لا مشروط على الإطلاق بحيث كان مشروطا بكل شي‏ء، بل كل بعث مطلق و مشروط بالإضافة، فإطلاق قولهم الوجوب المطلق إنما هو بالنسبة إلى غير الشرائط العامة.

الثاني: تقسيمه إلى الوجوب النفسي و الوجوب الغيري.

فالنفسي: هو الوجوب المتعلق بفعل بداع من الدواعي غير داعي إيصال المكلف إلى واجب آخر، كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما.

و الغيري: هو الوجوب بداعي إيصاله المكلف إلى واجب آخر، كوجوب غسل الثوب و الوضوء و نحوهما، و إن شئت فعبر عن النفسي بأنه الإرادة المستقلة و عن الغيري بأنه الإرادة المترشحة و الطلب المتولد عن الطلب الاستقلالي لمقدمية متعلقه لمتعلق الاستقلالي.

الثالث: تقسيمه إلى الوجوب الأصلي و الوجوب التبعي.

فالأصلي هو البعث الفعلي المستقل الناشي عن توجه الآمر نحو المتعلق و لحاظه له على ما هو عليه.

و التبعي هو البعث التقديري التابع للبعث الأصلي بحيث لو التفت إلى متعلقه لأراده إرادة تبعية.

مثلا إذا التفت الآمر إلى الصلاة و أنها معراج المؤمن و إلى الغسل و أنه مما يتوقف عليه الصلاة و بعث نحوهما، فالوجوب فيهما أصلي و إن كان الأول نفسيا و الثاني غيريا.

و أما إذا توجه نحو الصلاة و طلبها و لم يتوجه إلى الغسل و مقدميته لها فيقال إن وجوبها أصلي و وجوب الغسل تبعي.

و قد يقال إن الأصلي هو الوجوب المقصود بالإفهام من اللفظ، و التبعي ما لم يقصد إفهامه منه و إن فهمه السامع منه بمثل دلالة الإشارة.

282

ثم إن بيان النسبة بين كل من الأصلي و التبعي و النفسي و الغيري هو أن الأصلي أعم من النفسي، فكل نفسي أصلي إذ النفسي لا يكون تقديريا تبعيا فإن التبعية من شئون المقدمة، و ليس كل أصلي نفسيا لشموله للغيري أيضا كما عرفت.

و أما الأصلي و الغيري فبينهما عموم من وجه، فقد يكون الوجوب أصليا و لا يكون غيريا كالأصلي النفسي و قد يكون غيريا و لا يكون أصليا كالتبعي، و قد يكون أصليا و غيريا كما عرفت.

الرابع: تقسيمه إلى الوجوب التعييني و التخييري.

فالتعييني: هو وجوب فعل بخصوصه.

و التخييري: هو وجوب فعلين أو الأفعال على البدل، كما لو ورد إن أفطرت فأعتق رقبة أو أطعم ستين مسكينا أو صم شهرين متتابعين، و يتصور التخييري على وجوه ذهب إلى كل منها فريق.

الأول: أنه سنخ من الوجوب يتعلق بأزيد من فعل واحد بنحو الترديد، و يكون امتثاله بإتيان بعض الأبدال و عصيانه بترك الجميع.

الثاني: أنه الوجوب المتعلق بالجامع بينها و هو عنوان أحد الأشياء القابل للانطباق على كل منها.

الثالث: أنه أبعاث و وجوبات تعيينية متكثرة بتكثر عدد الأبدال، و يسقط الكل بامتثال البعض.

الرابع: أنه الوجوب المتعلق بمعين عند اللّه تعالى المردد عند المكلف بين الأشياء و أيا منها أتى به المكلف ينكشف أنه كان مطلوبا عند اللّه تعالى، أو أنه إن أتى بما وافق الواقع كان امتثالا و إن أتى بما خالفه كان مسقطا و له تصورات آخر أقل نفعا مما ذكرنا.

283

وحدة المطلوب و تعدده‏

إذا تعلق تكليف من ناحية المولى إلزامي كالوجوب أو غير إلزامي كالاستحباب بموضوع مقيد بقيد أو محدود بوقت، فقد يكون الحال في مقام الثبوت، أن للمولى غرضا واحدا مترتبا على الفعل المقيد و المحدود، بحيث إذا حصل المتعلق بقيده و وصفه كان محصلا لذلك الغرض، و إن حصل بدون ذلك القيد كان مساوقا لعدم الحصول و غير محصل للغرض أصلا.

و ذلك نظير جواب السّلام المقيد بالفورية العرفية، فهنا مصلحة واحدة مترتبة على الفعل المقيد تحصل بحصوله و تنعدم بانعدامه و لو كان ذات الفعل موجودا.

و يسمى تعلق الحكم و الغرض بالفعل بهذا النحو من التعلق بوحدة المطلوب. و قد يكون هنا غرضان و صلاحان يترتب أحدهما على ذات الفعل و الآخر عليه بقيده أو وقته، أو يكون هنا مصلحة أكيدة تترتب بمرتبتها الكاملة على الفعل المقيد، و بمرتبتها غير الكاملة على ذات الفعل، بحيث يكون ما به التفاوت أيضا مصلحة ملزمة لا يرضى المولى بتركها، فحينئذ إذا حصل الفعل المقيد مع قيده حصل الغرضان أو الغرض الأكيد و إذا حصل بدون القيد تحقق أحد الغرضين و فات الآخر أو فات المقدار اللازم، و ذلك نظير أداء الدين الحال مع قدرة المدين و مطالبة الغريم، فإنه إذا عصى المدين‏

284

و أخر الأداء مدة من الزمان فات أحد المطلوبين أو مقدار منه و بقي الباقي مرتبا على أصل الأداء.

و يسمى هذا النحو بتعدد المطلوب ثم إن الثمرة بين الوجهين تظهر في موارد:

منها: ما إذا تعلق تكليف بفعل مقيد ثم تعذر القيد، كما في الصلاة المتعذر بعض قيودها و شرائطها، فالصلاة الواجدة للقيود إذا فرض كون مطلوبيتها بنحو وحدة المطلوب يسقط وجوب أدائها و يتحرى الدليل لقضائها، و إذا فرض بنحو التعدد المطلوبي يسقط المعسور و يبقى الميسور.

و منها: ما إذا تعلق تكليف بفعل موقت ففات من المكلف إتيانه في الوقت عصيانا أو نسيانا كالصلاة الموقوتة بوقت، فعلى القول بوحدة المطلوب لا يجب القضاء إلا لدليل خارجي، و على القول بالتعدد يجب.

و منها: ما إذا شك المكلف بعد مضي وقت الفعل الموقت في أنه أتى به في الوقت أم لا، فيجري استصحاب بقاء التكليف الثابت في الوقت بناء على التعدد إذ المورد من قبيل الشك في بقاء التكليف و سقوطه بالامتثال و لا يجري بناء على الوحدة لعدم بقاء الموضوع المترتب عليه الحكم.

285

الورود

هو في الاصطلاح عبارة عن أن يرد دليل و يصير سببا لانعدام موضوع دليل آخر حقيقة بحيث لو لا ورود هذا الدليل لكان المورد مشمولا لذاك و يسمى الأول واردا و الذي انعدم موضوعه مورودا و إليك أمثلة منه.

الأول: الأمارات الشرعية بالقياس إلى الأصول العقلية، و الدليل القطعي كالخبر المتواتر بالقياس إلى الأصول الشرعية، فإذا فرضنا أن موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان و الدليل، و موضوع التخيير هو عدم المرجح، و موضوع الاحتياط هو احتمال العقاب الأخروي، فبمجرد ورود دليل معتبر في موردها ينتفي وجدانا موضوعاتها، فينقلب عدم البيان إلى وجود البيان، و ينتفي عدم الترجيح و يتحقق الترجيح، و يرتفع احتمال العقاب فيحصل إلا من منه، فيقال حينئذ إن الدليل وارد على تلك الأصول.

و كذا القول في الأصول الشرعية، فإن موضوع البراءة الشرعية و الاستصحاب هو الشك في التكليف و الشك في بقاء المتيقن، و كلاهما ينتفيان وجدانا بالدليل القطعي كالخبر المتواتر و المحفوف بالقرائن القطعية.

الثاني: تقدم الاستصحاب على الأصول العقلية كالبراءة العقلية و التخيير و الاحتياط، فإذا أجرينا استصحاب حرمة العصير مثلا فيما إذا ذهب ثلثاه بنفسه أو بالشمس يكون ذلك دليلا شرعيا على الحرمة و بيانا لها فينتفي بالوجدان عدم البيان‏

286

و كذا استصحاب وجوب الجمعة و عدم وجوب الظهر فيما إذا علمنا إجمالا بوجوب إحداهما يكون دليلا شرعيا على جواز ترك الظهر، فينتفي احتمال العقاب على تركه بالوجدان.

و كذا استصحاب بقاء الوجوب و عدم الحرمة في مورد علمنا إجمالا بأن صلاة الجمعة إما واجبة و إما محرمة مرجح شرعي لطرف احتمال الوجوب فينتفي عدم الترجيح.

الثالث: تقدم الاستصحاب أيضا على الأصول الشرعية على قول بعض المحققين بتقريب أن موضوع البراءة الشرعية هو المشكوك حكمه من جميع الجهات، فالمراد من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «رفع عن أمتي ما لا يعلمون» رفع الفعل الذي لا يعلم حكمه من جميع الجهات، و من قوله: «كل شي‏ء لك مطلق» إطلاق ما هو مشكوك من جميع الجهات، فإذا أجرينا استصحاب الحرمة في العصير المشكوك مثلا، يكون شربه معلوم الحرمة من جهة كونه متيقنا سابقا مشكوكا لاحقا فينعدم موضوع البراءة الشرعية بالوجدان و هو الورود.

الرابع: تقدم الخاص على العام ورودا كما تقدم بيانه في آخر بحث الحكومة.

تنبيه: الفرق بين الورود و التخصص هو أنهما يشتركان في أمر و يفترقان في آخر.

أما ما به يشتركان فهو أن موضوع المورود و المتخصص ينتفيان بالوجدان بعد مجي‏ء الوارد و المتخصص.

و أما ما به يفترقان فهو أن انعدام الموضوع في الورود بواسطة التعبد و ورود الدليل و لولاه لكان المورد مشمولا للمورود، و في التخصص خارج عنه بالوجدان لا بالتعبد على الخروج، و بذلك تعرف الفرق بين هذين العنوانين و بين التخصيص و الحكومة، إذ في هذين ينعدم الموضوع وجدانا و في التخصيص و الحكومة موجود وجدانا و المعدوم هو الحكم، فراجع معنى التخصيص و الحكومة ليظهر الفرق بينهما و بين الورود و بينهما في أنفسهما.

287

الوضع‏

هو اصطلاحا ارتباط خاص حاصل بين اللفظ و المعنى بحيث إذا فهم الأول فهم الثاني و ينقسم بتقسيمات:

الأول: تقسيمه إلى الوضع التعييني و التعيني.

فالأول: هو أن يكون حصول ذلك الربط و الاختصاص بوضع الواضع و جعله، كأن يقول وضعت هذا اللفظ بإزاء هذا المعنى، و الثاني أن يكون حصوله بكثرة استعمال اللفظ في معنى بحيث لا يحتاج الانفهام إلى قرينة.

الثاني: تقسيمه إلى الوضع الخاص و الموضوع له الخاص، و الوضع العام و الموضوع له العام، و الوضع العام و الموضوع له الخاص،

و توصيف الوضع الذي هو من فعل الواضع بالعام و الخاص توصيف مسامحي، فإن المتصف بهما حقيقة هو الملحوظ للواضع عند الوضع فالوضع العام معناه الوضع الذي كان الملحوظ عنده عاما.

و بيان الأقسام أنه إذا أراد الواضع وضع لفظ في قبال معنى فعليه أن يتصور اللفظ و المعنى كليهما.

فحينئذ تارة يتصور معنى جزئيا و لفظا معينا، و يقول مثلا وضعت لفظ زيد بإزاء هذا الرجل المعين، فيكون ما لاحظه في ذهنه خاصا و ما وضع له اللفظ خاصا أيضا

288

فيقال إن الوضع و الموضوع له كليهما خاصان.

و أخرى يتصور و يلاحظ معنى كليا عاما و لفظا مخصوصا، فيقول وضعت لفظ الإنسان لهذا المفهوم الكلي فيقال إن الوضع و الموضوع له كليهما عامان، بمعنى أنه وضع اللفظ في قبال عين الكلي الذي لاحظه.

و ثالثة يلاحظ معنى عاما و يجعل ذلك آلة للحاظ مصاديقه و يضع اللفظ في قبال كل فرد فرد من أفراد الملحوظ فإذا لاحظ عنوانا كليا كالمذكر الفرد مثلا فوضع كلمة هذا لكل ما هو مصداق له يقال حينئذ إن الوضع عام و الموضوع له الخاص، و أما الوضع الخاص و الموضوع له العام فهو على المشهور تصور محض لا وقوع له و لا إمكان.

تنبيهان:

الأول: أن الأقوال في الوضع كثيرة.

منها: ما هو المشهور من كون أقسامه في مقام التصور أربعة و في مرحلة الإمكان و الوقوع ثلاثة كما عرفت.

و منها: ما ذكره بعض الأعاظم من أنها في مقام التصور و الإمكان أربعة و في مرحلة الوقوع ثلاثة فذهب (قدس سره) إلى إمكان الوضع الخاص و الموضوع له العام، بأن يرى الواضع شبحا من بعيد و لا يعلم أنه من مصاديق الإنسان مثلا أو البقر، فيعين لفظا و يقول وضعت هذا اللفظ لنوع ذلك الشبح أو لجنسه، فيكون الملحوظ هو ذلك الجزئي و الموضوع له هو الكلي الملحوظ بنحو الإجمال.

و منها: ما ذكره في الكفاية من أنها في مرحلة التصور أربعة و في مقام الإمكان ثلاثة و في مرحلة الوقوع اثنان فأدرج ما هو من القسم الثالث لدى المشهور في القسم الثاني.

الثاني: أنه من القسم الأول الأعلام الشخصية كلها، و من القسم الثاني أسماء الأجناس‏

و مواد الأفعال و أسماء الفاعلين و المفعولين و الصفات المشبهة و نحوها، و من القسم الثالث جميع الحروف و أسماء الإشارة و الضمائر و شبهها.

289

الثالث: تقسيمه إلى الوضع الشخصي و الوضع النوعي.

بيانه أن اللفظ له مادة و هيئة فالمادة هي ذات الحروف المرتبة نحو ض رب بلا شرط لحاظ الإعراب و الحركة، و الهيئة هي الصور العارضة لتلك المواد كضرب و ضارب و مضروب و أيّا منهما لاحظه الواضع تفصيلا في مقام الوضع فالوضع بالنسبة إليه شخصي، و ما لاحظه إجمالا فهو بالإضافة إليه نوعي.

فالأقسام ثلاثة: لحاظ الهيئة و المادة تفصيلا، و لحاظ الأول تفصيلا دون الثاني، و العكس.

فالأول: كوضع الأعلام الشخصية و الجوامد من الألفاظ فإن الواضع لاحظ لفظة إنسان و زيد و حجر و شجر بموادها و هيئاتها و وضعها لمعانيها، و منه الموضوع الأول في المشتقات كما ستعرف.

و الثاني: كوضع سائر المشتقات مما وضع بعد الوضع الأول.

و توضيحه: أن المشتقات على أقسام كثيرة، كاسم الفاعل و المفعول و الصفة المشبهة و الماضي و المضارع و المصدر فإنه أيضا من المشتقات، فلا بد للواضع عند الوضع من تقديم واحد منها و لحاظ كل من هيئة و مادته مستقلا و وضعهما كذلك إذ لا وضع للمادة مجردة عن الهيئات، فأيا منها قدّمه كان وضعه بهيئته و مادته شخصيا فإذا قدم الماضي مثلا و قال وضعت كلمة ضرب لمعنى كذا و سمع لكذا و علم لكذا و هكذا تم حينئذ وضع الماضيات من الأفعال، و بذلك تم وضع نوع من الهيئات و وضع جميع المواد فيكون وضع الماضي شخصيا هيئة و مادة و يقال إن الماضي أصل في الكلام أو في الوضع، فإذا أراد وضع أسماء الفاعلين مثلا فيلاحظ فقط هيئتها معينة تفصيلا، و لا يلزمه حينئذ لحاظ المادة كذلك لثبوت المواد كلها في ضمن الموضوع أولا و هو الماضي من كل فعل، فيكفيه الإشارة الإجمالية إليها فيقول وضعت هيئة الفاعل في ضمن أيّ مادة من المواد الموجودة في ماضيات الأفعال، لذات ثبت لها تلك المادة، فيكون وضع الهيئة شخصيّا و المادة نوعيا، و هكذا سائر المشتقات حتى المصدر و لذلك يقال إن تلك المشتقات فرع للماضي في الوضع، و لو فرضنا كون الملحوظ أولا هو المصادر أو المضارعات، كان ذلك أصلا، و من هنا ذهب طائفة إلى أن المصدر هو الأصل‏

290

و آخرون إلى أن المضارع هو الأصل، و أمّا لحاظ المادة بالخصوص دون الهيئة فلا وجود له على ما قلنا.

تتمة:

كما أن اللفظ هيئة و مادة كذلك للمعنى أيضا هيئة و مادة، فمادة الضرب مثلا هي أصل تصادم جسم مع آخر و هيئته هي الخصوصيات الملازمة له و عوارضه الوجودية من الزمان و المكان و ما منه وجوده أعني الضارب و ما به وجوده أعني آلة الضرب، و مواد الألفاظ تحكي عن مواد المعاني و هيئاتها تحكي عن هيئاتها، فمادة ضرب تحكي عن أصل الضرب و هيئته عن زمانه، و مادة كلمة مضراب عن أصل الضرب و هيئتها عما به يوجد الضرب و هكذا.

هذا كله في الحقائق و أما المجازات ففيها أقوال:

الأول: القول بأن لها وضعا نوعيا من حيث الهيئة و المادة، بمعنى أن الواضع أشار إلى كلتيهما بالإشارة الإجمالية بأن جعل عنوان اللفظ آلة للحاظهما فقال وضعت كل لفظ موضوع لمعنى من المعاني لمشابه ذلك المعنى أو لسببه أو لمسببه أو للحال فيه أو لمحله على اختلاف أنحاء المجازات، فكأنه وضع في ضمن هذا البيان لفظ الأسد للرجل الشجاع مع أنه لم يلاحظ له هيئة و مادة، فاستعمال اللفظ في معناه المجازي أيضا يرجع إلى وضع الواضع و لذلك حصروا المجازات في أقسام تخيلوا تنصيص الواضع عليها.

الثاني: القول بأن استعمالها في المعاني المجازية لا ربط له بالواضع، بل هو منوط باستحسان طبع المستعمل، فأي ربط تصوره المستعمل بين معنى من المعاني و بين المعنى الحقيقي و طاب نفسه باستعمال لفظه فيه فالاستعمال جائز و صحيح، فلا تكون أقسام المجازات محصورة فيما حصروها فيه.

الثالث: القول بأن الألفاظ لم تستعمل في غير ما وضعت له أصلا حتى في المجازات بل هي مستعملة في معانيها الحقيقية بدعوى اتحادها مع المعاني المجازية، مثلا إذا قلت جاءني أسد مريدا به زيدا فإنك لم تستعمل الأسد في زيد ابتداء و بلا واسطة بل كأنك قلت جاءني الحيوان المفترس المعهود و زيد هو ذلك الحيوان، و هذا هو القول الذي‏

291

ذهب إليه السكاكي إلا أنه قال به في خصوص الاستعارة.

و ما بجمعه عنيت قد كمل * * * بحثا على جل المهمات اشتمل‏

و الحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا و صلواته على رسوله الكريم و آله الميامين و لعنة اللّه على مخالفيهم و معانديهم إلى قيام يوم الدين.