أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه‏

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
394 /
51

تنبيه المراد من الآثار الموضوعة، هي الآثار المترتبة على المعنون‏

، أي ما يعرضه الخطأ، أو النسيان، أو الجهل، مثلًا إذا نسي السورة أو غيرها من أجزاء الصلاة فمعنى رفعها رفع وجوبها الضمني، و أمّا الآثار المترتبة على نفس تلك العنوانات العارضة في هذه الظروف فلا ترتفع كسجدتي السهو عند نسيان الأجزاء، لأنّ هذه الآثار أثر نفس العنوانات، فلا يكون طروء الخطأ رافعاً للحكم المترتّب على نفس الخطأ في لسان الدليل.

و مثله النسيان، و إنّما تكون تلك العنوانات سبباً لرفع الآثار المترتبة على معروض النسيان و الخطأ، و لأجل ذلك لو قتل خطأ فالقصاص ساقط و أمّا الدية فلا، لأنّ القصاص مترتب على نفس القتل، بصورة الإطلاق، قال سبحانه: (وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ‏) (1) و يقيّد بغير الخطأ، و أمّا الدية فغير مرفوعة، لأنّها أثر مترتب على عنوان الخطأ في ظرفه فلا يحكم برفعها، قال سبحانه: (وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ‏). (2)

2. مرسلة الصدوق‏

روى الصدوق مرسلًا في» الفقيه «و قال: قال الصادق (عليه السلام):» كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي «. (3) و الحديث و إن كان مرسلًا، و لكن الصدوق يُسنده إلى الإمام الصادق (عليه السلام)

____________

(1) (المائدة: 45.)

(2) (النساء: 92.)

(3) الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 60.

52

بصورة جازمة، و يقول: قال الصادق (عليه السلام)، و هذا يعرب عن يقينه بصدور الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)، نعم لو قال رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) كان الاعتماد على مثله مشكلًا.

أمّا كيفية الاستدلال: فقد دلّ الحديث على أنّ الأصل في كلّ شي‏ء هو الإطلاق و الإرسال حتى يرد فيه النهي بعنوانه، فإنّ الضمير في قوله:» يرد فيه «يرجع إلى الشي‏ء بما هو هو، كأن يقول: الخمر حرام، أو الرشوة حرام، فما لم يرد النهي عن الشي‏ء بعنوانه يكون محكوماً بالإطلاق و الإرسال، و بما أنّ التدخين مثلًا لم يرد فيه النهي بعنوانه الأوّلي فهو مطلق، و على هذا فلا يكفي في رفع الإطلاق ورود النهي بعنوانه الثانوي كأن يقول: إذا شككت فاحتط، بل هو باق على إطلاقه حتى يرد النهي فيه بالعنوان الأوّلي، فتكون الشبهات البدوية التي لم يرد النهي فيها بعنوانها الأوّلي محكومة بالإطلاق و الحليّة.

إلى هنا تمّ الاستدلال على البراءة بالكتاب العزيز و السنّة المطهّرة، بقي الكلام في الاستدلال عليها بالعقل.

الاستدلال بحكم العقل‏

استدلّ القائل بالبراءة بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلف بعد إعمال العبد ما تقتضيه وظيفتُه من الفحص عن حكم الشبهة و اليأس عن الظفر به في مظانّه، و انّ وجود التكليف في الواقع مع عدم وصوله إلى المكلّف غير كاف في صحّة التعذيب، و انّ وجوده بلا وصول إلى المكلّف كعدمه في عدم ترتب الأثر، و ذلك لأنّ فوت المراد مستند إلى المولى في كلتا الصورتين التاليتين:

53

1. ما إذا لم يكن هناك بيان أصلًا فحاله معلوم.

2. ما إذا كان هناك بيان صادر من المولى لكنّه غير واصل إلى العبد، فلأنّ الفوت أيضاً مستند إلى المولى، إذ في وسعه إيجاب الاحتياط على العبد، في كلّ ما يحتمل وجود التكليف، و مع تركه يكون ترك المراد مستنداً إلى المولى، و ذلك لأنّه اقتصر في طلب المقصود، بالحكم على الموضوع بالعنوان الواقعي، و لو كان مريداً للتكليف حتى في ظرف الشك فيه و عدم الظفر به بعد الفحص، كان عليه استيفاء مراده بإيجاب التحفّظ، و مع عدمه يحكم العقل بالبراءة و انّ العقاب قبيح، و يشكَّل قياساً بالشكل التالي:

العقاب على محتمل التكليف بعد الفحص التام و عدم العثور عليه في مظانّه لا بالعنوان الأوّلي و لا بالعنوان الثانوي عقاب بلا بيان.

و العقاب بلا بيان مطلقاً أمر قبيح.

فينتج انّ العقاب على محتمل التكليف أمر قبيح.

الإشكال على كبرى البرهان‏

ثمّ إنّ السيد الشهيد الصدر (قدس سره) استشكل على كبرى هذا البرهان و أنكر قبح العقاب بلا بيان بتأسيس مسلك» حق الطاعة للّه سبحانه «، فقال:

و الذي ندركه بعقولنا أنّ مولانا سبحانه و تعالى، له حقّ الطاعة في كلّ ما ينكشف لنا من تكاليفه بالقطع أو بالظن أو بالاحتمال، ما لم يرخص هو نفسه في عدم التحفّظ.

و على ذلك فليست منجّزية القطع ثابتة له بما هو قطع، بل بما هو انكشاف، و انّ أيّ انكشاف، منجِّز، مهما كانت درجته ما لم يحرز ترخيص الشارع نفسه في عدم الاهتمام به.

54

نعم كلّما كان الانكشاف بدرجة أكبر كانت الإدانة و قبح المخالفة أشد، فالقطع بالتكليف يستتبع لا محالة مرتبة أشدّ من التنجز و الإدانة، لأنّها المرتبة العليا من الانكشاف، و بهذا يظهر انّ القطع لا يتميز عن الظن و الاحتمال في أصل المنجزية، و إنّما يتميز عنهما في عدم إمكان تجريده عن تلك المنجزية (بأن يرخص على خلاف ما قطع)، لأنّ الترخيص في مورده مستحيل، و ليس كذلك في حالات الظن و الاحتمال، فإنّ الترخيص الظاهري فيها ممكن، لأنّه لا يتطلب أكثر من فرض الشك، و الشكّ موجود.

و من هنا صحّ أن يقال بأنّ منجزية القطع غير معلقة، بل ثابتة على الإطلاق، و انّ منجزية غيره من الظن و الاحتمال معلّقة، لأنّها مشروطة بعدم إحراز الترخيص الظاهري في ترك التحفظ. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ القول بأنّ احتمال التكليف منجِّز للواقع عند العقل و إن لم يستوف المولى البيان الممكن غير تام، و ذلك لأنّ الاعتمادَ في التعذيب و المؤاخذة على مثل هذا الحكم العقلي، إنّما يصحّ إذا كان ذلك الحكم من الأحكام العقلية الواضحة لدى العقلاء حتى يعتمد عليه المولى سبحانه في التنجيز و التعذيب و لكن المعلوم خلافها، إذ لو كان حكماً واضحاً لما أنكره العلماء.

و ثانياً: أنّ اتّفاق العقلاء على قبح العقاب بلا بيان نابع عن حكم العقل بأنّ العبد إذا قام بوظيفته في الوقوف على مقاصد المولى و لم يجد بياناً بأحد العنوانين، يُعدُّ العقاب بحكم وحي الفطرة أمراً قبيحاً و إلّا يعود بناء العقلاء إلى أمر تعبدي و هو كما ترى.

و ثالثاً: انّ الظاهر من الذكر الحكيم كون المسألة من الأُمور الفطرية حيث‏

____________

(1) دروس في علم الأُصول: الحلقة الثانية: 32 33.

55

يستدلُّ بها الوحي على الناس و يقول: (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (1)، و يذكر في آية أُخرى انّه سبحانه أبطل ببعث الرسل، حجّة الكفّار و العصاة حيث قال: (وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏) (2). فتبين بذلك انّ الكبرى من الأحكام الواضحة لدى العقل و العقلاء بشرط التقرير على نحو ما ذكرناه.

الإشكال على صغرى البرهان‏

قد عرفت حال الإشكال على الكبرى، و لكنّ هناك إشكالًا آخر يتوجه إلى الصغرى تعرّض إليه المحقّقون، و حاصل الإشكال انّه يكفي في مقام البيان حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، الموجود في مورد الشبهة التحريمية الحكمية، و يكون شكل القياس بالنحو التالي:

في المشتبه التحريمي ضرر محتمل.

و كل ما فيه ضرر محتمل يلزم تركه.

فينتج المشتبه التحريمي يجب تركه.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الضرر في القاعدة أحد الأُمور الثلاثة:

أ. العقاب الأُخروي.

ب. الضرر الدنيوي الشخصي.

ج. المصالح و المفاسد الاجتماعية.

أمّا الأوّل: أي العقاب الأُخروي فهو بين قطعيّ الإحراز، و قطعيّ الانتفاء، و ليس هنا ضرر محتمل؛ فالأوّل كما في مورد العلم الإجمالي بحرمة أحد الأمرين أو

____________

(1) (الاسراء: 15.)

(2) طه: 134.

56

وجوبه، فينطبق الكبرى على الصغرى، و لذلك أطبق العلماء على وجوب الموافقة القطعية.

و أمّا الثاني: أي قطعي الانتفاء كما في المقام، فانّ الضرر بمعنى العقاب قطعي الانتفاء بحكم العقل على قبح العقاب بلا بيان، و مع العلم بعدمه لا يصحّ الاحتجاج بالكبرى المجردة عن الصغرى، و بذلك يعلم أنّه لا تعارض بين الكبريين» قبح العقاب بلا بيان «و» وجوب دفع الضرر المحتمل «و انّ لكلّ موضعاً خاصاً، فمورد الأُولى هو الشبهة البدوية، كما أنّ موضع الثانية إنّما هو صورة العلم بالتكليف إجمالًا أو تفصيلًا.

هذا كلّه حول العقاب الأُخروي، و أمّا الضرر الدنيوي الشخصي فالإجابة عنه واضحة، لأنّ الأحكام الشرعية لا تدور مدار الضرر أو النفع الشخصيين حتى يكون احتمال الحرمة ملازماً لاحتمال الضرر الشخصي على الجسم و الروح، بل الأحكام تابعة لمصالح و مفاسد نوعية، و ربما تكمن المصلحة النوعية في الضرر الشخصي كما في ترك الربا و ترك الظلم على الناس.

نعم ربما يجتمع الضرر الشخصي مع المفسدة النوعية كشرب المسكر لكنّه ليس ضابطة كلية.

سلّمنا انّ في ارتكاب المشتبه احتمالَ ضرر دنيوي لكن إنّما يجب دفعه إذا لم يكن في تجويز الارتكاب مصلحة كما هو المقام، لأنّ في الترخيص دفعَ عسر الاحتياط.

و أمّا الثالث: أي المصالح و المفاسد النوعية، فحكم الشارع بالبراءة يكشف عن أحد الأمرين: إمّا عدم الأهمية، و إمّا لوجود المصلحة الغالبة على المفسدة الحاصلة.

57

الأصل الثاني أصالة التخيير

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: انّ الميزان في جريان أصالة التخيير هو عدم إمكان الاحتياط، أعني الموافقة القطعية، سواء أ كانت المخالفة القطعية أيضاً ممتنعة كما في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة في واقعة واحدة، كشرب مائع مردد بين الحلف على فعله أو تركه في ليلة واحدة، أو كانت ممكنة كتردده بينهما مع تعدد الواقعة ككل ليلة جمعة إلى شهر.

الثاني: انّ دوران الأمر بين المحذورين يجتمع تارة مع الشكّ في التكليف إذا كان نوعه مجهولًا، و مع الشكّ في المكلف به إذا كان نوعه معلوماً و المتعلّق مردداً بين أمرين غير قابلين للاحتياط:

أمّا الأوّل: كتردد العبادة في أيام الاستظهار بين كونها واجبة أو محرمة، فهنا تكليف واحد مجهول نوعه، فلو كانت المرأة حائضاً فنوع التكليف هو الحرمة و لو كانت مستحاضة فنوع التكليف هو الوجوب.

و أمّا الثاني: كما إذا علم أنّ واحدة من الصلاتين واجبة و أُخرى محرمة، و تردد أمرهما بين الظهر و الجمعة، فالنوع هنا معلوم، و هو انّ هنا واجباً و محرماً، غير أنّ‏

58

الموضوع مردد بين الجمعة و الظهر، فالجامع لكلا القسمين عدم إمكان الموافقة القطعية.

الثالث: انّ الكلام يقع في مقامات ثلاثة:

أ. دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التوصلي.

ب. دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التعبدي.

ج. دوران الأمر بين المحذورين مع العلم بنوع التكليف و الشكّ في المكلّف به.

و إليك الكلام في كلّ واحد منها.

المقام الأوّل: دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع الحكم التوصلي‏

إذا دار أمر التكليف بين المحذورين، كما إذا علم إجمالًا بوجوب قتل إنسان أو حرمته، و منشأ التردد كونه مجهول الهوية، فهو دائر بين كونه مؤمناً أو محارباً؛ فعلى الأوّل يحرم قتله، و على الثاني يجب، فأمر القتل دائر بين الحرمة و الوجوب، و لكن الحكم الواقعي الأعم من الوجوب و الحرمة على فرض ثبوته، توصلي.

هذا فيما إذا كانت الشبهة موضوعية، و ربما تكون الشبهة حكمية كالولاية عن الجائر لدفع الظلامة عن الناس، فقالت طائفة بالحرمة، لأنّها إعانة للظالم، و أُخرى بالوجوب، لأنّ فيها التمكّن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حسب المقدرة.

لا شكّ انّ المخالفة و الموافقة القطعيتين غير ممكنة و المكلّف مخيّر تكويناً بين الفعل و الترك، لكن يقع الكلام في الحكم الظاهري و الأصل الجاري في المقام. و الظاهر انّ المقام محكوم بالبراءة العقلية و النقلية.

59

أمّا الأوّل: فلأنّ كلًّا من الوجوب و الحرمة مجهولان فيقبح المؤاخذة عليهما.

و أمّا الثاني: فلعموم قوله: رفع عن أُمّتي ما لا يعلمون.

المقام الثاني: دوران الأمر بين المحذورين مع الجهل بنوع التكليف التعبدي‏

إذا كان أحد الحكمين أو كلاهما تعبديّين كصلاة المرأة في أيام الاستظهار، فلو كانت حائضاً حرمت العبادة حرمة توصلية، و أمّا إذا كانت طاهراً وجبت الصلاة وجوباً تعبدياً، فلا تجري هنا البراءتان العقلية و النقلية لاستلزام الجريان المخالفة القطعيّة، للفرق بين المقام و ما قبله، ففي المقام السابق كانت الموافقة القطعيةَ كالمخالفة القطعية ممتنعة، و أمّا في المقام فالموافقة القطعية و إن كانت ممتنعة لكن المخالفة القطعية ممكنة، فلو صلت بلا نيّة القربة معتمدة على جريان البراءة من الوجوب و الحرمة، فقد أتت بالمبغوض، إذ لو كانت طاهرة فصلاتها باطلة، و لو كانت حائضاً فقد ارتكبت الحرام بناء على أنّ صورة العبادة محرمة عليها.

فالمرجع هو أصالة التخيير إمّا الإتيان بالصلاة مع قصد القربة أو تركها أصلًا، و الميزان في جريان أصالة التخيير هو امتناع الموافقة القطعية، سواء أمكنت المخالفة القطعية كما في المقام، أو لا كما في المقام السابق.

المقام الثالث: دوران الأمر بين المحذورين مع الشكّ في المكلّف به‏

إنّ أصالة التخيير بملاك عدم إمكان الموافقة القطعية كما تجري في الشك في التكليف كما في الصورتين السابقتين، كذلك تجري في الشكّ في المكلّف به كما في المقام، مثلًا:

60

1. إذا علم أنّ أحد الفعلين واجب و الآخر حرام في زمان معيّن و اشتبه أحدهما بالآخر، فهو مخيّر بين فعل أحدهما و ترك الآخر، لأنّ الموافقة القطعية غير ممكنة، نعم ليس له ترك كليهما أو فعل كليهما، إذ تلزم فيه المخالفة القطعية.

2. إذا علم بتعلّق الحلف بإيجاد فعل في زمان، و ترك ذاك في زمان آخر، و اشتبه زمان كلّ منهما كما إذا حلف بالإفطار في يوم، و الصيام في يوم آخر، فاشتبه اليومان فهو مخيّر بين الإفطار في يوم، و الصيام في يوم آخر، لكن ليس له المخالفة القطعية كأن يصومهما أو يفطر فيهما.

نعم لا تجري أصالة التخيير فيما إذا دار أمر شي‏ء بين كونه شرطاً للصحّة أو مانعاً كالجهر، و ذلك لأنّ الموافقة القطعية بإقامة صلاة واحدة و إن كانت غير ممكنة لكنّها ممكنة بإقامة صلاتين يجهر في إحداهما و يخافت في الأُخرى.

و قد عرفت أنّ الملاك لجريان أصالة التخيير امتناع الموافقة القطعية و هو ليس بموجود في هذا المورد.

هذا كلّه في دوران الأمر بين المحذورين عند عدم النص و نظيره إجمال النصّ، و تعارض النصّين أو الشبهة الموضوعية التحريمية، فالحكم في الجميع واحد، و قد استقصينا الكلام في هذه الصور في» الموجز «.

فخرجنا بالنتائج التالية:

1. انّ الميزان في جريان أصل التخيير عدم إمكان الموافقة القطعية سواء أمكنت المخالفة القطعية أو لا.

2. انّ المكلّف في المقام الأوّل مخيّر تكويناً، و الحكم الظاهري هو البراءة، بخلاف المقامين الأخيرين فالحكم الظاهري فيهما هو التخيير.

61

الأصل الثالث أصالة الاحتياط

قد تقدّم في الفصل الأوّل مجرى الاحتياط و هو ما إذا قام دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع، و له صور أربع:

أ. الشبهة التكليفية قبل الفحص.

ب. الشبهة البدوية و لكن كان للمحتمل أهمية بالغة، كما في الدماء و الأعراض و الأموال.

ج. إذا دار الأمر بين وجوب فعل و ترك فعل آخر.

د. إذا علم نوع التكليف و تردّد الواجب بين أمرين، كتردد الفريضة بين الظهر و الجمعة، و الخمر بين الإناءين. و الثلاثة الأُول من قبيل الشك في التكليف مع وجوب الاحتياط فيها، و الرابع من قبيل الشكّ في المكلّف به.

و من هنا علم أنّ مجرى أصالة الاحتياط أعمّ من الشكّ في المكلّف به، و الميزان قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجود العقاب عند المخالفة و الجميع داخل تحت هذا العنوان، و بما انّ حكم الصور الثلاث الأُول واضحة، نكرس البحث في الصورة الرابعة، أي الشكّ في المكلّف به، و الكلام فيه في مقامين:

1. اشتباه الحرام بغير الواجب، و يعبّر عنه بالشبهة التحريمية.

2. اشتباه الواجب بغير الحرام، و يعبّر عنه بالشبهة الوجوبية.

و إليك الكلام في كلا المقامين:

62

المقام الأوّل أصالة الاحتياط [في‏] الشبهة التحريمية

الشبهة التحريمية على قسمين: لأنّ الحرام المشتبه بغيره إمّا مشتبه في أُمور محصورة أو غير محصورة، فيقع الكلام في هذا المقام في موردين:

المورد الأوّل: حكم الشبهة المحصورة

إذا علم المكلّف بتكليف (الحرمة) على وجه لا يرضى المولى بمخالفته، فلا محيص عن وجوب الموافقة القطعية، فضلا عن حرمة المخالفة القطعية، سواء أ كان العلم إجمالياً أم تفصيلياً، فالبحث عن إمكان جعل الترخيص لبعض الأطراف أو لجميعها مع العلم الوجداني بالتكليف الجدي تهافت، لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتضادتين، و هذا كمثل قتل المؤمن إذا اشتبه بغيره، و هذا النوع من العلم الإجمالي غير مراد في المقام.

و أمّا المناسب للمقام، فهو ما إذا قامت الأمارة على حرمة شي‏ء و شمل إطلاق الدليل مورد العلم الإجمالي، كما إذا قال: اجتنب عن النجس، و كان مقتضى إطلاقه شموله للنجس المعلوم إجمالًا أيضاً، فيقع الكلام في أنّه هل يجوز

63

المخالفة الاحتمالية أو لا؟ و على هذا يقع الكلام في أمرين:

الأول: إمكان الترخيص.

الثاني: في وقوعه في الشريعة المطهرة.

الأوّل: إمكان الترخيص‏

فالحقّ إمكانه لأنّك عرفت أنّ ما لا يقبل الترخيص هو العلم الوجداني بالتكليف و هو الذي لا يجتمع مع الترخيص لاستلزامه اجتماع الإرادتين المتناقضتين.

و أمّا لو كان سبب العلم بالتكليف هو إطلاق الدليل أعني: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏) (1) الشامل للصور الثلاث.

أ. المعلوم تفصيلًا.

ب. المعلوم إجمالًا.

ج. المشكوك وجوداً مع وجوده واقعاً.

فكما يصحّ تقييد إطلاقه بإخراج المشكوك و جعل الترخيص فيه، فهكذا يجوز تقييد إطلاقه بإخراج صورة المعلوم بالإجمال، فتكون النتيجة اختصاص حرمة الخمر بصورة العلم به تفصيلًا، فالشكّ في إمكان التقييد كأنّه شكّ في أمر بديهي، إنّما الكلام في الأمر الثاني.

____________

(1) المائدة: 90.

64

الثاني: في ورود الترخيص في لسان الشارع‏

و هذا هو الأمر المهم في هذا الباب، و المتتبع للروايات و فتاوى العلماء يقف على عدم ورود الترخيص لبعض الأطراف، فكيف بجميعها.

نعم ربما استدلّ ببعض الروايات على جعل الترخيص نذكر منها ما يلي:

الأوّل: قوله» كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه «بناء على أنّ قوله» بعينه «تأكيد للضمير في قوله:» انّه «فيكون المعنى حتى تعلم أنّه بعينه حرام، فيكون مفاده انّ محتمل الحرمة ما لم يتعين انّه بعينه حرام فهو حلال فيعم العلم الإجمالي و الشبهة البدوية.

يلاحظ عليه: بأنّ الرواية جزء من رواية مسعدة بن صدقة، و الإمعان في الأمثلة الواردة فيها يورث اليقين بأنّ موردها هو الشبهة البدوية و لا صلة لها بأطراف العلم الإجمالي.

الثاني: ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن عبد اللّه بن سليمان، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجبن، فقال لي:» لقد سألتني عن طعام يُعجبني «ثمّ أعطى الغلام درهماً، فقال:» يا غلام ابتع لنا جبناً «، ثمّ دعا بالغداء، فتغدّينا معه، فأتى بالجبن فأكل و أكلنا، فلمّا فرغنا من الغذاء، قلت: ما تقول في الجبن ... إلى أن قال:» سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّما كان فيه حلال و حرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه «. (1) و ربّما يستدلّ به على جواز الترخيص في أطراف العلم الإجمالي لكن الرواية ناظرة إلى الشبهة غير المحصورة، إذ كان في المدينة المنورة أمكنة كثيرة تُجعل الميتة في الجبن، و كان هذا سببَ السؤال، فأجاب الإمام (عليه السلام) بما سمعت.

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 1.

65

و يشهد على ذلك ما رواه أبو الجارود، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) في الجبن، فقلت له: أخبرني مَنْ رأى أنّه يجعل فيه الميتة فقال:» أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة، حرّم في جميع الأرضين «.

فخرجنا بالنتيجة (1) التالية: انّ الروايتين المرخِّصتين خارجتان عن محطّ البحث، و انّ العلم الإجمالي بالتكليف منجّز مطلقاً سواء أ كان علماً قطعياً، أم حاصلًا من إطلاق الدليل، فتحرم مخالفته القطعية كما تجب موافقته القطعية.

*** المورد الثاني: حكم الشبهة غير المحصورة

قد عرفت أنّ الشبهة التحريمية الموضوعية تنقسم إلى محصورة و غير محصورة، و قد عرفت حكم الأُولى، و إليك الكلام في الثانية، فيقع الكلام تارة في معيار كون الشبهة غير محصورة و أُخرى في حكمها.

أمّا الأوّل: فقد عُرّفت الشبهة غير المحصورة بتعاريف أفضلها كثرة الوقائع المحتملة للتحريم إلى درجة لا يعتني العقلاء بالعلم الإجمالي الحاصل فيها، أ لا ترى أنّ المولى إذا نهى عبده عن المعاملة مع زيد، فعامل مع واحد من أهل قرية كثيرة الأهل يعلم وجود زيد فيها لم يكن ملوماً و إن صادف الواقع، و قد ذكر انّ المعلوم بالإجمال قد يؤثر مع قلّة الاحتمال، ما لا يؤثّر مع الانتشار و كثرة الاحتمال، كما إذا نهى المولى عن سبّ زيد و هو تارة مردّد بين اثنين و ثلاثة، و أُخرى بين أهل بلدة و نحوها. (2) و أمّا الثاني أي حكمها، فإنّ عنواني المحصورة و غير المحصورة لم يردا في‏

____________

(1) (الوسائل: 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 5.)

(2) الفرائد: 261.

66

النصوص لكنّ العنوان الأوّل مشير إلى تنجيز العلم الإجمالي لاعتناء العقلاء بالعلم فيها لقلة الأطراف، و العنوان الثاني مشير إلى عدم تنجيزه لعدم اعتنائهم بالتكليف فيه لصيرورته موهوماً في كلّ طرف، و هذا هو الدليل القاطع على عدم التنجيز.

هذا مضافاً إلى أنّ الاجتناب عن الأطراف في الثاني يوجب العسر، و التبعيض في الارتكاب إلى حدّ العسر غير خال عن العسر أيضاً.

على أنّ هناك روايات في أبواب مختلفة تدلّ على إمضاء الشارع بناء العقلاء، و هذه الروايات مبثوثة في أبواب أربعة.

1. ما ورد حول الجبن. (1) 2. ما ورد حول شراء الطعام و الأنعام من العامل الظالم. (2) 3. ما ورد حول قبول جائزة الظالم. (3) 4. ما ورد حول التصرف في المال الحلال المختلط بالربا. (4) و لعلّ هذه الروايات مع بناء العقلاء و السيرة الجارية بين المتشرعة كافية في رفع اليد عن إطلاق الدليل لو قلنا بأنّ له إطلاقاً لصورة اختلاط الحرام بين كثير من الحلال.

____________

(1) (انظر الوسائل: 7، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.)

(2) (الوسائل: 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1، 3، 5.)

(3) (الوسائل: 12، الباب 52 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4؛ و الباب 53 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2 و 3.)

(4) الوسائل: 12، الباب 5 من أبواب الربا، الحديث 2 و 3.

67

المقام الثاني أصالة الاحتياط [في‏] الشبهة الوجوبية

قد عرفت أنّ الشكّ في المكلّف به ينقسم إلى شبهة تحريمية و إلى شبهة وجوبية، و قد تمّ الكلام في الأُولى.

بقي الكلام في الشبهة الوجوبية من المكلّف به فهي تنقسم إلى قسمين، تارة يكون الشكّ مردداً بين المتباينين كتردد الأمر بين وجوب الظهر أو الجمعة.

و أُخرى بين الأقل و الأكثر كتردد الواجب بين الصلاة مع السورة أو بدونها. و بذلك يقع الكلام في موضعين.

و لما كان حكم المتباينين واضحاً و هو وجوب الاحتياط فيهما نقتصر في المقام من الشبهة الوجوبية على الأقل و الأكثر.

ثمّ إنّ الأقل و الأكثر ينقسمان إلى الاستقلاليين و الارتباطيين، و الفرق بينهما بأنّ الأقل الاستقلالي يغاير الأكثر الاستقلالي على فرض وجوبه حكماً و وجوباً، ملاكاً و غرضاً، طاعة و امتثالًا، كالفائتة المرددة بين الواحد و الكثير، و الدّين المردّد بين الدرهم و الدرهمين، بخلاف الأقل الارتباطي فانّه على فرض وجوب الأكثر، متحد معه حكماً و وجوباً، ملاكاً و غرضاً، طاعة و امتثالًا، و لا استقلال له في‏

68

شي‏ء من الأُمور الثلاثة، كالشكّ في وجوب الصلاة مع السورة و عدمها.

ثمّ إنّ المشكوك في الشبهة الوجوبية يكون تارة الجزء الخارجي كالسورة و القنوت و جلسة الاستراحة بعد السجدتين، و أُخرى الشرط أي الخصوصية المعتبرة في العبادة، المنتزعة من الأمر الخارجي كالطهارة الحاصلة عن الغسلات و المسحات بنيّة التقرب، و ثالثة الخصوصية المتحدة مع المأمور به، كما إذا دار أمر الواجب بين مطلق الرقبة أو الرقبة المؤمنة، أو دار أمر الواجب بين واحد معين من الخصال أو المردد بين الأُمور الثلاثة، و حكم الجميع واحد.

و الأقوال في المقام لا تتجاوز عن ثلاثة:

أ. جريان البراءة العقلية و الشرعية.

ب. القول بالاحتياط و عدم جريانهما.

ج. التفصيل بين العقلية و الشرعية تجري الأُولى دون الثانية.

و لكن الحقّ جريانهما معاً، و قد استدل على البراءة العقليّة بوجوه مختلفة نذكر منها وجهاً واحداً و هو أوضح الوجوه.

و هو انّ الأمر و إن تعلق بعنوان الصلاة لكنّها ليست شيئاً مغايراً للأجزاء، بل هو عبارة أُخرى عن نفس الأجزاء لكن بصورة الجمع و الوحدة في التعبير. و ذلك لأنّ الأجزاء تارة تلاحظ بصورة الكثرة بملاحظة كلّ جزء مستقلًا مع جزء آخر، و أُخرى تلاحظ بنعت الجمع و في لباس الوحدة، و العنوان المشير إلى ذات الأجزاء بهذا النعت هو عنوان الصلاة. و هي نفس الأجزاء في لحاظ الوحدة و على نحو الجمع في التعبير.

إذا علمت ذلك فنقول: إنّ الحجة قامت على وجوب العنوان نحو قوله:» أقم الصلاة «و قيام الحجّة عليه نفس قيامها على الأجزاء، و قد عرفت أنّ‏

69

نسبة الصلاة إليها نسبة المجمل إلى المفصّل لكن الاحتجاج بالعنوان على وجوب الأجزاء إنّما يصحّ فيما إذا علم انحلاله إلى جزء و جزء حتى يكون داعياً إليه، و أمّا إذا جُهلت جزئية الشي‏ء فلا يكون الأمر به، حجّة عليها و داعياً إليها ضرورة انّ قوام الاحتجاج بالعلم، و العلم بتعلّق الأمر المركب، إنّما يكون حجّة على الأجزاء التي علم تركب المركب منها دون ما لا يكون.

و إن شئت نزّل المقام على ما إذا تعلّق الأمر بالأجزاء بلا توسط عنوان، فكما أنّه لا يحتج إلّا على الأجزاء المعلومة دون المشكوكة، فهكذا المقام فانّ الأمر و إن تعلق بالعنوان مباشرة دونها، لكنّك عرفت أنّ نسبة العنوان إليها نسبة المجمل إلى المفصل، فالأجزاء في مرآة الإجمال، عنوان؛ و في مرآة التفصيل، أجزاء.

و على ضوء ذلك: انّ العبد إذا بذل جهده للعثور على الأجزاء التي ينحلّ العنوان إليها، فلم يقف إلّا على التسعة منها دون الجزء العاشر المحتمل، يستقل العقل بأنّه ممتثل حسب قيام الحجة و يعدّ العقاب على ترك الجزء المشكوك عقاباً بلا بيان.

و بعبارة موجزة: انّ العقل يستقل بقبح مؤاخذة مَنْ أمر بمركب لم يُعلَم من أجزائه إلّا عدّة أجزاء، و يشكّ في وجود جزء آخر، ثمّ بذل جهده في طلب الدليل على جزئية ذلك الأمر، فلم يعثر فأتى بما علم و ترك المشكوك، خصوصاً مع اعتراف المولى بعدم نصب قرينة عليه، فكما تقبح المؤاخذة فيما إذا لم ينصب قرينة فهكذا تقبح فيما إذا نصب و لكن لم تصل إلى المكلّف بعد الفحص و هذا تقرير للبراءة العقلية.

و بهذا يعلم جريان البراءة الشرعية حيث إنّ تعلّق الوجوب الشرعي بالنسبة إلى الجزء أو الشرط أو القيد مجهول فيشمله حديث الرفع و غيره من أدلّة البراءة

70

الشرعية.

و من هنا يعلم أنّ المرجع في الأقل و الأكثر هو البراءة من غير فرق بين أن يكون منشأ الشك فقدان النص كما علمت أو إجمال النص، كما إذا دلّ الدليل على غسل ظاهر البدن و يشك في أنّ الجزء الفلاني داخل فيه أو لا، أو تعارض النصين، كما إذا دلّ دليل على جزئية السورة، و أُخرى على عدم جزئيتها، فالمرجع حسب القاعدة الأُولى هو البراءة، غير أنّ الأدلة الشرعية دلّت على التخيير بين الدليلين عند عدم المرجح.

أو كان منشأ الشك خلط الأُمور الخارجية، كما إذا أمر بتكريم مجموع العلماء على نحو العام المجموعي بأن يكون هناك وجوب واحد و إطاعة واحدة فشكّ في كون زيد عالماً أو لا. فالمرجع هو البراءة، لأنّ الشكّ في كون زيد عالماً يرجع إلى الشكّ في كون الموضوع ذا أجزاء كثيرة أو قليلة فيكون حكمه، حكم الأقل و الأكثر الارتباطيين.

خاتمة: في شرائط العمل بالاحتياط و البراءة

و المراد من الشرائط ما هو شرط لجريانهما دون جواز العمل بهما، و الفرق بينهما واضح، لأنّ الشرائط على قسمين:

الأوّل: ما يكون وجوده محقِّقاً لموضوع الأصل بحيث لولاه لما كان هناك محلّ للأصل.

الثاني: ما يكون وجوده شرطاً للعمل بالأصل على وجه يكون الأصل جارياً، و لكن لا يعمل به إلّا مع هذا الشرط، و إليك الكلام في كلا الشرطين على وجه الإيجاز.

71

أصل الاحتياط و شروط جريانه‏

لا شكّ في حسن الاحتياط لكونه طريقاً لتحصيل الحقّ و العمل به و العقل حاكم بحسنه، و لا يشترط فيه سوى أمرين:

1. عدم استلزامه لاختلال النظام.

2. عدم مخالفته لاحتياط آخر.

و أمّا موارده فتنحصر في المواضع التالية:

1. الاحتياط المطلق فيما إذا لم يكن هنا علم إجمالي و لا حجّة شرعية، كالشبهة البدويّة.

2. الاحتياط فيما إذا كان هناك علم وجداني إجمالي.

3. الاحتياط إذا كانت هناك حجّة شرعية لها إطلاق بالنسبة إلى المعلوم بالتفصيل و المعلوم بالإجمال.

أصل البراءة و شرط جريانه‏

لا يشترط في جريان البراءة في الشبهات الحكمية إلّا الفحص عن الدليل الاجتهادي، لأنّ البيان الرافع لقبح العقاب هو البيان الواصل هذا من جانب.

و من جانب آخر ليس المراد من الواصل هو إيصاله إلى كلّ واحد بدقّ باب بيته و إعطائه البيان، بل المراد وجود البيان في مظانّه على وجه لو أراد لوقف عليه، و على هذا فوجود البيان عند الرواة أو حملة العلم أو في الجوامع الحديثية كاف في رفع القبح و مع احتماله فيها لا يستقل العقل بالقبح ما لم يتفحّص.

و أمّا الشبهات الموضوعية، فالظاهر تسالم الأُصوليين على عدم وجوب الفحص، و لكنّه على إطلاقه غير صحيح، و إنّما لا يحتاج إلى الفحص إذا كان‏

72

تحصيل العلم منوطاً بمقدّمات بعيدة.

و أمّا إذا كان العلم بالواقع ممكناً بأدنى نظر، كالنظر إلى الأُفق فيمن شكّ في دخول الفجر فيجب عليه الفحص، و مثله إذا شكّ في بلوغ الأموال الزكوية حدّ النصاب، أو الشكّ في زيادة الربح على المئونة، أو الشكّ في حصول الاستطاعة المالية للحج، أو الشكّ في مقدار الدين مع العلم بضبطه في السجلّات، إلى غير ذلك من الشبهات الموضوعية التي يحصل العلم بها بأدنى تأمّل.

73

الأصل الرابع الاستصحاب‏ (1)

الاستصحاب أحد الأُصول الأربعة العامة الذي له دور كبير في استنباط الوظيفة العملية، و لم يزل يُتمسك به بين الفقهاء من عصر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) إلى يومنا هذا، و يتميز عن سائر الأُصول الثلاثة بوجود الحالة السابقة و ملاحظتها.

أمّا وجود الحالة السابقة فهو أساس الاستصحاب، و أمّا اشتراط كونها ملحوظة، فلأجل انّه ربّما لا تكون الحالة السابقة معتبرة عند الشارع بأن تكون حجة في استنباط الوظيفة العملية كما سيوافيك موارده.

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: الاستصحاب في اللغة أخذ الشي‏ء مصاحَباً أو طلب صحبته، و في الاصطلاح» إبقاء ما كان على ما كان‏

«و المعروف بين المتأخرين أنّ الاستصحاب أصل كسائر الأُصول و إن كانت مرتبته متقدّمة على سائر الأُصول العملية لكن الظاهر من قدماء الأُصوليين أنّه أمارة ظنية، فكأنّ اليقين السابق بالحدوث أمارة ظنية لبقاء الشي‏ء في ظرف الشك، إذ ليس المراد من الشك هو الشكّ المنطقي أعني به تساوي الطرفين حتى ينافي الظن بالبقاء، بل المراد احتمال‏

____________

(1) و هذا الأصل معتبر عند الفريقين فيما لا نصّ فيه.

74

الخلاف الجامع مع الظن بالبقاء.

و أمّا المتأخرون فلم يعتبروه أمارة ظنية بل تلقّوه أصلًا عملياً و حجّة في ظرف الشك، و استدلّوا عليه بروايات ستوافيك.

الثاني: الاستصحاب مسألة أُصولية لا قاعدة فقهية،

و ذلك لأنّ المعيار في تمييز المسائل الأُصولية عن القواعد الفقهية هو محمولاتها.

توضيحه: انّ المحمول في القواعد الفقهية لا يخلو إمّا أن يكون حكماً فرعيّاً تكليفيّاً كالوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة، أو حكماً فرعيّاً وضعيّاً كالضمان و الصحّة و البطلان. مثلًا قوله:» كل شي‏ء حلال حتى تعلم أنّه حرام «قاعدة فقهية بحكم أنّ المحمول هو الحليّة، التي هي من الأحكام الفرعية التكليفية، كما أنّ قوله:» ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده «قاعدة فقهية، لأنّ المحمول فيها هو الضمان و هو حكم وضعي، و مثله قوله:» لا تعاد الصلاة إلّا من خمس: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود «. (1) فإنّ المحمول هو البطلان في الخمسة و الصحّة في غيرها. هذا هو ميزان القاعدة الفقهية.

و أمّا القاعدة الأُصولية فتختلف محمولًا عن القاعدة الفقهية، فالمحمول فيها ليس حكماً شرعياً تكليفياً أو وضعياً، بل يدور حول الحجّية و عدمها، فنقول: الظواهر حجّة، الشهرة العملية حجّة، خبر الواحد حجّة، أصل البراءة و الاحتياط و الاستصحاب، كلٌّ حجّة في ظرف الشك.

و إن شئت قلت: الغاية من إثبات الصغرى هي احتجاج المولى به على العبد. و روح المسألة عبارة عن كون الأمر حجّة في الوجوب أو لا.

الثالث: قد تضافرت الأخبار عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مضمون» أنّ اليقين لا يُنقض بالشك‏

____________

(1) الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 4.

75

«، و ظاهره اجتماعهما في زمان واحد و عدم نقض أحدهما الآخر، و هو في بادئ النظر أمر غريب، لأنّهما لا يجتمعان حتى لا ينقض أحدُهما الآخر، لأنّ اليقين هو الجزم بشي‏ء، و الشكّ هو التردّد و انفصام الجزم، فكيف يجتمعان؟! و الجواب: أنّ اليقين و الشكّ لا يجتمعان إذا كان المتعلّق واحداً ذاتاً و زماناً، كما إذا فرضنا انّه تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثمّ شكّ في نفس ذلك اليوم في عدالته، ففي مثله لا يمكن اجتماع اليقين و الشكّ، فعند ما يكون متيقناً لا يمكن أن يكون شاكاً و بالعكس.

و أمّا إذا كان متعلقاهما متحدين جوهراً، و متغايرين زماناً، فاليقين و الشكّ يجتمعان قطعاً، مثلًا لو تيقن بعدالة زيد يوم الجمعة لكن صدر منه يوم السبت فعلٌ شكَ معه في بقاء عدالته في ذلك اليوم، ففي هذا الظرف يجتمع اليقين و الشكّ فهو في آن واحد متيقن بعدالة زيد يوم الجمعة لا يشك فيه أبداً، و هو في الوقت نفسه شاك في عدالته يوم السبت، و بذلك صحّ اجتماع اليقين و الشكّ في زمان واحد لتغاير المتعلّقين زماناً، و إلى ذلك يؤول قولهم في باب الاستصحاب» اليقين يتعلّق بالحدوث و الشكّ بالبقاء «فمقتضى الاستصحاب إبقاء عدالة زيد يوم الجمعة إلى يوم السبت و ترتيب أثر العدالة في كلا الزمانين.

و بذلك علم أنّ الاستصحاب يتقوّم بأمرين:

أ. فعليّة اليقين في ظرف الشكّ، و وجودهما في آن واحد في وجدان المستصحِب.

ب. وحدة متعلّقهما جوهراً و ذاتاً، و تعدده زماناً بسبق زمان المتيقن على المشكوك.

76

الرابع: الفرق بين الاستصحاب و قاعدة اليقين‏

إنّ في مصطلح الأُصوليين قاعدة موسومة بقاعدة اليقين و الشك الساري لسريان الشكّ إلى نفس اليقين كما إذا تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثم طرأ عليه الشكّ يوم السبت في عدالة زيد في نفس يوم الجمعة (لا السبت) و قد تبيّن بذلك أركان قاعدة اليقين:

أ. عدم فعلية اليقين في ظرف الشك.

ب. وحدة متعلقهما جوهراً و زماناً، حيث تعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين و هو عدالة يوم الجمعة.

و المعروف بين الأصحاب أنّ الاستصحاب حجّة دون قاعدة اليقين. و انّ روايات الباب منطبقة على الأوّل دون الثانية كما ستوافيك.

*** الخامس: انّ هنا قاعدة ثالثة و هي قاعدة المقتضي و المانع‏

التي تغاير القاعدتين الماضيتين و تختلف عنهما باختلاف متعلّق اليقين و الشك جوهراً و ذاتاً فضلًا عن الاختلاف في الزمان.

مثلًا إذا تيقن بصبِّ الماء على اليد للوضوء، و شك في تحقّق الغَسْل للشك في المانع. أو تيقن برمي السهم و شكّ في القتل للشك في وجود المانع، فمتعلّق اليقين غير متعلّق الشكّ بالذات، حيث تعلّق اليقين بصبّ الماء و الرمي، و تعلّق الشكّ بوجود الحاجب و المانع.

نعم يتولد من هذا اليقين و الشكّ، شك آخر، و هو الشكّ في حصول المقتضى أعني: الغَسْل و القَطْع، و القائل بحجّية تلك القاعدة يتمسك بأصالة عدم المانع و الحاجب و يثبت بذلك الغَسل أو القطع. بحجّة انّ المقتضي موجود،

77

و المانع مرفوع بالأصل فيكون» المقتضى «محقّقاً. و ربما حاول تطبيق روايات الباب على تلك القاعدة. (1) و المشهور أعرضوا عن تلك القاعدة بحجّة عدم الدليل عليها.

السادس: تقسيمات الاستصحاب‏

إنّ للاستصحاب تقسيمات، تارة باعتبار المستصحَب، و أُخرى باعتبار الشكّ المأخوذ فيه، و إليك البيان:

1. تقسيمه باعتبار المستصحَب‏

ينقسم الاستصحاب باعتبار المستصحَب إلى الأقسام التالية:

ألف. أن يكون المستصحَب أمراً وجوديّاً أو عدميّاً، كاستصحاب الكرّية إذا كان الماء مسبوقاً بها، أو عدم الكرّية إذا كان مسبوقاً به.

ب. أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً تكليفيّاً سواء أ كان كليّاً كاستصحاب حليّة المتعة، أم جزئياً كاستصحاب وجوب الإنفاق على الزوجة المعيّنة إذا شكّ في كونها ناشزة.

ج. أن يكون المستصحَب حكماً شرعيّاً وضعياً لا تكليفياً كاستصحاب الزوجية، و الجزئية، و المانعية و الشرطية، و السببية عند طروء الشك في بقائها.

د. أن يكون المستصحب موضوعاً لحكم شرعي، سواء كان موضوعاً لحكم شرعي تكليفي، أو موضوعاً لحكم وضعي، و هذا كاستصحاب حياة زيد، فتترتب عليه حرمة قسمة أمواله، و بقاء علقة الزوجية بينه و بين زوجته.

____________

(1) لاحظ تعليقة المحقّق الخراساني على الفرائد: 195 عند البحث عن مفاد» لا تنقض «.

78

2. تقسيمه باعتبار الشك‏

ينقسم الاستصحاب باعتبار الشكّ المأخوذ فيه إلى الأقسام التالية:

أ. أن يتعلّق الشكّ باستعداد المستصحَب للبقاء في الحالة الثانية،

كالشكّ في بقاء نجاسة الماء، المتغيّرِ أحدُ أوصافه الثلاثة، بالنجس، إذا زال تغيره بنفسه، حيث إنّه يتعلّق الشكّ بمقدار استعداد النجاسة للبقاء، بعد زوال تغيّره بنفسه، و مثله الشكّ في بقاء الليل أو النهار، حيث إنّه يتعلّق بمقدار استعدادهما للبقاء من حيث الطول و القِصَر، و هذا ما يسمّى بالشكّ في المقتضي.

ب. و أُخرى يتعلّق بطروء الرافع مع إحراز قابلية بقاء المستصحب و دوامه لولاه، و هو على أقسام:

1. أن يتعلّق الشكّ بوجود الرافع، مع إحراز قابلية بقائه و دوامه لو لا الرافع‏

، كما إذا شكّ في وجود الحدث بعد الوضوء.

2. أن يتعلّق الشكّ برافعية الأمر الموجود للجهل بحكمه،

كالمذي الخارج من الإنسان، فيشك في أنّه رافع للطهارة مثل البول أو لا؟ فيرجع الشكّ إلى رافعية الأمر الموجود للجهل بحكمه.

3. أن يتعلّق الشكّ برافعية الأمر الموجود للجهل بوصفه و حاله،

كالبلل المردّد بين البول و الوذي مع العلم بحكمهما.

هذه هي التقسيمات الرئيسيّة، و هناك تقسيمات أُخرى تركنا ذكرها للاختصار.

[الاخبار التى استدل على حجية الاستصحاب‏]

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه استدلّ على حجّية الاستصحاب بوجوه مختلفة أصحّها هو الأخبار المتضافرة في المقام، منها:

79

1. صحيحة زرارة

روى الكليني، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال:» إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع، و قد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها أُخرى و لا شي‏ء عليه، و لا ينقض اليقين بالشك «. (1) وجه الاستدلال: الظاهر انّ قوله:» و لا ينقض اليقين بالشك «علّة للأمر بإضافة ركعة أُخرى، فكأنّه يقول: يأتي بركعة أُخرى و لا شي‏ء عليه، لأنّه كان على يقين بعدم الإتيان بها فليمض على يقينه.

نعم ظاهر قوله:» فأضاف «أنّه يأتي بالركعة الاحتياطيّة متصلة، مع أنّ الفتوى على الانفصال، فتُرفع اليد عن هذا الظاهر بقرينة إجماع الطائفة على الانفصال.

2. موثّقة إسحاق بن عمّار

روى الصدوق باسناده، عن إسحاق بن عمار، قال: قال لي أبو الحسن الأوّل:» إذا شككت فابن على اليقين «، قال: قلت: هذا أصل؟ قال:» نعم «. (2) وجه الاستدلال: أنّ ظاهر الكلام فعليّة اليقين و الشكّ، فهو في آن واحد ذو يقين و شك، فينطبق على الاستصحاب.

و أمّا قاعدة اليقين، فالشكّ فيها فعلي دون اليقين بل هو زائل كما مرّ في توضيح القاعدة.

____________

(1) (الوسائل: 5، الباب 10 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 3، رواه عن علي بن إبراهيم الثقة عن أبيه، الذي هو فوق الثقة، عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة و كلّهم ثقات.)

(2) الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 2. و سند الصدوق إلى إسحاق بن عمار صحيح في المشيخة.

80

أضف إلى ذلك أنّ الرواية ظاهرة في الاستصحاب بقرينة وحدة لسانها مع سائر الروايات.

3. مكاتبة القاساني‏

كتب علي بن محمد القاساني إلى أبي محمد (عليه السلام)، قال: كتبت إليه و أنا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب:» اليقين لا يدخل فيه الشك، صم للرؤية و أفطر للرؤية «. (1) وجه الاستدلال: أنّ المراد من اليقين، إمّا هو اليقين بأنّ الزمان الماضي كان من شعبان فشكّ في خروجه بحلول اليوم التالي، أو اليقين بعدم دخول رمضان و قد شكّ في دخوله. و على كلا التقديرين لا يكون اليقين السابق منقوضاً بالشك. و هذا هو المراد من قوله:» اليقين لا يدخل فيه الشك «.

4. صحيحة عبد اللّه بن سنان‏

روى الشيخ بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان قال: سأل أبي أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر: إنّي أُعير الذمِّي ثوبي و أنا أعلم أنّه يشرب الخمرَ، و يأكل لحم الخنزير، فيردّها عليّ أ فأغسِلُه قبل أن أُصلّي فيه؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):» صلّ فيه و لا تَغْسله من أجل ذلك، فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر، و لم تستيقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه «. (2)

____________

(1) (الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.)

(2) الوسائل: 2، الباب 74 من أبواب النجاسات، الحديث 1. رواه الشيخ باسناده عن سعد بن عبد اللّه القمي، عن أحمد بن محمد بن عيسى المتوفّى نحو 280 ه، عن الحسن بن محبوب المتوفّى عام 224 ه، عن عبد اللّه بن سنان، و سند الشيخ إلى سعد بن عبد اللّه صحيح في التهذيبين، لاحظ آخر الكتاب الذي ذكر فيه أسانيده إلى أصحاب الكتب التي أخذ الأحاديث منها.

81

وجه الاستدلال: انّ الإمام لم يعلِّل طهارة الثوب بعدم العلم بالنجاسة حتى ينطبق على قاعدة الطهارة، بل علّله بأنّك كنتَ على يقين من طهارة ثوبك و شككتَ في تنجيسه فما لم تستيقن انّه نجّسه فلا يصحّ لك الحكم على خلاف اليقين السابق، و المورد و إن كان خاصّاً بطهارة الثوب لكنه غير مخصِّص و ذلك لوجهين: الأوّل: ظهور الرواية في صدد إعطاء الضابطة الكلّية.

و الثاني: التعليل بأمر ارتكازيّ يورث إسراء الحكم إلى غير مورد السؤال.

5. خبر بكير بن أعين‏

روى بكير بن أعين قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام):» إذا استيقنت أنّك توضّأت، فإيّاك أن تحدث وضوءاً حتى تستيقن أنّك أحدثت «. (1) هذه هي المهمّات من روايات الباب، و فيما ذكرنا غنىً و كفاية.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق الروايات، و كون التعليل (لا تنقض اليقين بالشك) أمراً ارتكازياً، حجّية الاستصحاب في جميع الأبواب و الموارد، سواء أ كان المستصحب أمراً وجودياً أم عدميّاً، و على فرض كونه وجوديّاً لا فرق بين كونه حكماً شرعيّاً تكليفياً أو وضعياً أو موضوعاً خارجياً له آثاره الشرعيّة كالكرّية، و حياة زيد، و غير ذلك.

حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي‏

ذهب بعضهم إلى عدم حجّيته في الشكّ في المقتضي دون الرافع، و لإيضاح‏

____________

(1) الوسائل 1، الباب 1 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث 7. و السند صحيح إلى» بكير «غير أنّ بكيراً لم يوثّق لكن القرائن تشهد على وثاقته.

82

الفرق بين الشكّين نقول:

كلُّ حكم أو موضوع لو ترك لبقي على حاله إلى أن يرفعه الرافع فالشكّ فيه شكّ في الرافع، و أمّا كلّ حكم أو موضوع لو ترك لزال بنفسه و إن لم يرفعه الرافع فالشك فيه من قبيل الشكّ في المقتضي، فمثلًا وجوب الصلاة و الصوم و الحجّ من التكاليف التي لا ترفع إلّا برافع، و ذلك لأنّ الوجوب الجزئي منه لا يُرفع إلّا بالامتثال، و أمّا الوجوب الكلي فبالنسخ، فالشكّ في الامتثال في مورد الحكم الجزئي، أو الشكّ في النسخ في مورد الحكم الكلي، شك في الرافع، لإحراز المقتضي لبقائه.

و هذا بخلاف ما لو شكّ في بقاء الخيار في الآونة المتأخرة، كالخيار المجعول للمغبون بعد علمه بالغبن و تمكّنه من إعمال الخيار، إذا لم يفسخ، فيشكّ في بقاء الخيار، لأجل الشكّ في اقتضائه للبقاء بعد العلم و المساهلة في إعماله، و مثله الشكّ في بقاء النهار إذا كانت في السماء غيوم، فالشكّ في تحقّق الغروب يرجع إلى طول النهار و قصره، فالشكّ فيه شكّ في المقتضي.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه استدل القائل بعدم حجّية الاستصحاب في الشكّ في المقتضي بدليل مبني على أمرين:

الأوّل: أنّ حقيقة النقض هي رفع الهيئة الاتصالية، كما في قوله نقضت الحبل، قال سبحانه: (وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً). (1) الثاني: أنّ إرادة المعنى الحقيقي ممتنعة في المقام لعدم اشتمال اليقين على الهيئة الاتصالية، فلا بدّ من حمله على المعنى المجازي، و أقرب المجازات هو ما إذا تعلّق اليقين بما أحرز فيه المقتضي للبقاء و شك في رافعه، لا ما شكّ في أصل‏

____________

(1) النحل: 92.

83

اقتضائه للبقاء مع صرف النظر عن الرافع، و قد قُرر في محلّه أنّه إذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى.

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت في اللغة كون النقض حقيقة في رفع الهيئة الاتصالية حتى لا تصح نسبته إلى نفس» اليقين «لعدم اشتماله عليها، بل هو عبارة عن نقض الأمر المبرم و المستحكم سواء أ كان أمراً حسيّاً أم قلبيّاً و الشاهد على ذلك صحّة نسبة النقض إلى اليمين و الميثاق و العهد في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها) (1)، و قال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ‏) (2)، و قال سبحانه: (وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ‏) (3)، و اليقين كالميثاق و اليمين و العهد من الأُمور النفسانية المبرمة المستحكمة فتصح نسبة النقض إليه، سواء تعلق بما أحرز فيه المقتضي للبقاء أو لا، و المصحح للنسبة هو كون نفس اليقين أمراً مبرماً مستحكماً، سواء أ كان المتعلّق كذلك، كما في الشكّ في الرافع، أم لم يكن كذلك كما في الشكّ في المقتضي.

اعتذار

هذا موجز الكلام في الأُصول العملية الأربعة التي هي المرجع عند عدم النصّ، و قد اختصرت القول فيها غاية الاختصار، و حذفت كثيراً من المباحث الهامة حولها و التنبيهات التي عقدها الأعلام لكلّ واحد منها.

كلّ ذلك روماً للاختصار و الغاية إيقاف غير العارف بأُصولنا على وجه الإيجاز.

____________

(1) (النحل: 91.)

(2) (النساء: 155.)

(3) الرعد: 25.

84

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

85

الباب الثاني ما هو المرجع فيما لا نصّ فيه عند السنّة؟

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

ظاهرة عدم النص و فقهاء السنّة

قد ظهر ممّا مرّ انّ ظاهرة عدم النصّ في الموضوعات المستجدة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) بل قبله أيضاً، ممّا واجهها فقهاء الفريقين، فعالجها فقه الشيعة بما تقدّم من الضوابط الأربعة.

و أمّا فقهاء السنّة بل كلّ من يؤخذ منه الفتوى منهم فقد لجئوا إلى قواعد اختلفت كلمتهم في عددها. فمنهم من أنهى هذه القواعد إلى سبعة عشر قاعدة أعني: القياس، و الاستحسان، و إجماع أهل المدينة، و إجماع أهل الكوفة، و إجماع العترة، و إجماع العشرة من الصحابة، و إجماع الخلفاء الأربعة، و قول الصحابي، و الاستصحاب، و البراءة الشرعية، و الأخذ بالأخفّ، و الاستقراء، و العوائد، و المصلحة المرسلة، و سدّ الذرائع، و شرع من قبلنا، و العصمة. (1) و منهم جعلها كذلك سبع عشرة قاعدة أيضاً لكن بإضافة الاستدلال.

____________

(1) تقريب الوصول إلى علم الأُصول لأبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي (المتوفّى 741 ه).

88

و حذف» شرع من قبلنا «ذكرها الطوفي (المتوفّى سنة 716 ه) في رسالة نشرها الأُستاذ عبد الوهاب خلاف في مصادر التشريع الإسلامي ص 109.

و منهم الشاطبي فقد جعل الأدلّة الشرعية ضربين:

أحدهما ما يرجع إلى النقل المحض.

و الثاني: ما يرجع إلى الرأي المحض.

أمّا الضرب الأوّل، فالكتاب و السنّة، و يلحق بهما الإجماع، و مذهب الصحابي، و شرع من قبلنا، لأنّ ذلك كلّه و ما في معناه راجع إلى التعبّد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد (بل يكشف الجميع عن الدليل النقلي).

و أمّا الضّرب الثاني، فالقياس و الاستدلال، و يلحق بالضرب الثاني الاستحسان و المصالح المرسلة. (1) و بما أنّ القياس مقبول عند عامّة الفقهاء خصوصاً الأئمّة الأربعة، فلنقدّم البحث فيه على غيره.

____________

(1) الموافقات: 22/ 3، ط دار إحياء الكتب العربية.

89

1 في القياس‏

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً تسلّط الضوء عليه.

1. القياس لغة

القياس لغة يستعمل في معنيين:

1. التقدير: قال في» لسان العرب «: قاس الشي‏ء يقيسه قيساً إذا قدّره على مثاله، و المقياس المقدار. (1) و من ذلك يقال: قاس الثوب بالذراع إذا قدّره به.

2. المساواة: يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي لا يساوى به.

قال الإمام علي (عليه السلام):» لا يقاس ب آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) من هذه الأُمّة أحد «. (2) أي لا يساوى بهم أحد.

و يمكن إرجاع المعنى الثاني إلى المعنى الأوّل، لأنّ الحكم بالمساواة و عدمها

____________

(1) (لسان العرب: مادة» قاس «.)

(2) نهج البلاغة: الخطبة 2.

90

يلازم التقدير قبله، فمعنى قول الإمام: أي لا يقدر أحد ب آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فلا يصحّ أن يقال: علم فلان مثل علم الإمام أو جزء منه، و يؤيد ذلك ما ذكره أبو الحسين أحمد بن فارس في» مقاييس اللغة «الّذي ألّفه لتوحيد أُصول المعاني قال: قوس، أصل واحد يدلّ على تقدير شي‏ء بشي‏ء ثمّ يصرّف فتقلب واوه ياءً، المعنى في جميعه واحد.

فالقوس الذراع، و سمّيت بذلك لأنّه بها يقدر بها المذروع. (1) و بذلك يعلم أنّ ما ذكروه له من معان أُخرى، كالاعتبار و التمثيل و التشبيه و المماثلة كلّها مشتقات من معنى واحد.

2. القياس اصطلاحاً

قد عرّف القياس بتعاريف مختلفة منذ زمن قديم إلى يومنا هذا، و من هذه التعاريف:

1. حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما. (2) 2. مساواة فرع بأصل في علّة حكمه. و هو خيرة الآمدي في» الإحكام «. (3) 3. هو إثبات حكم مثل المقيس عليه للمقيس. و هو خيرة السيّد المرتضى في» الذريعة « (4) و الشيخ الطوسي في» العُدّة «. (5)

____________

(1) (مقاييس اللغة: 40/ 5، مادة» قوس «.)

(2) (تقريب الوصول إلى علم الأُصول: 122. و قد ذكر محقّق الكتاب في الهامش أنّ هذا التعريف لأبي بكر الباقلاني و وافقه عليه أكثر المالكية.)

(3) (الإحكام في أُصول الأحكام: 170/ 3.)

(4) (الذريعة: 669/ 2.)

(5) العدة: 647/ 2.

91

4. إثبات مثل حكم الأصل في الفرع بعلّة جامعة بينهما. و هو خيرة أبي الحسين البصري في» المعتمد «.

5. إثبات‏ (1) حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علّة الحكم. و هو خيرة الغزالي في» شفاء الغليل «. (2) و أوضح التعاريف هو أن يقال: استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصّ عن حكم واقعة ورد فيها نصّ، لتساويهما في علّة الحكم و مناطه و ملاكه.

و عامّة التعاريف تشير إلى حقيقة واحدة، و لا جدوى في النقض و الإبرام و انّها غير جامعة و لا مانعة.

3. اصطلاح آخر في القياس‏

و هناك اصطلاح آخر للقياس صار مهجوراً بين الأُصوليّين، و هو: التماس العلل لغاية تصحيح النصوص و عرضها عليها، و القياس بهذا المعنى كان رائجاً في عصر الإمام الصادق (عليه السلام).

و قد استعمل هذا المصطلح في رواية أبان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع امرأة كم فيها؟ قال:» عشرة من الإبل «، قلت: قطع اثنين؟ قال:» عشرون «. قلت: قطع ثلاثاً؟ قال:» ثلاثون «. قلت: قطع أربعاً؟ قال:» عشرون «. قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، و يقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إنّ هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، و نقول: إنّ الّذي جاء به شيطان.

قال (عليه السلام):» مهلًا يا أبان! هذا حكم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى‏

____________

(1) (المعتمد: 446/ 2.)

(2) شفاء الغليل: 18.

92

ثُلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، و السنّة إذا قيست محق الدين «. (1) و القياس في هذا الحديث هو بهذا المعنى، أي التماس العلل، ثمّ عرض النصوص على العلل المستنبطة و القضاء فيها بالقبول إن وافق، و الرد إن خالف. و هذا النوع من القياس محظور في الشريعة الإسلامية، و أنّى للعقول هذه المنزلة.

و على هذا الأصل رفض الشيطان السجود لآدم قائلًا بأنّه أفضل منه و مخاطباً اللّه سبحانه و تعالى: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏) (2)، و لو قيل: إنّ أوّل من قاس هو الشيطان، فالمراد به، هو القياس بهذا المعنى المهجور.

4. إمكان التعبّد بالقياس‏

اختلفت كلمة الفقهاء بالعمل في القياس، و أهمّ المذاهب في ذلك مذهبان:

الأوّل: القياس أصل من أُصول التشريع و مصدر لاستنباط الأحكام الشرعية يجوز التعبّد به عقلًا و شرعاً. و هو رأي جمهور أهل السنّة سلفاً و خلفاً.

الثاني: جواز التعبّد به عقلًا، و لكنّه ممنوع في الشريعة. و هو مذهب الإمامية.

قال المرتضى: و الّذي نذهب إليه أنّ القياس محظور في الشريعة استعماله، لأنّ العبادة لم ترد به، و إن كان العقل مجوّزاً ورود العبادة باستعماله. (3)

____________

(1) (الوسائل: ج 19، الباب 44 من أبواب ديات الأعضاء، الحديث 1.)

(2) (الأعراف: 12.)

(3) الذريعة في أُصول الشريعة: 675/ 2.

93

و على هذا درج الإمامية عبر العصور، هذا هو الشيخ الطوسي (385 460 ه) و ابن زهرة الحلبي (511 588 ه)، صرّحا بجواز التعبّد به عقلًا بلفظ واحد قالا: و يجوز من جهة العقل التعبّد بالقياس في الشرعيات، لأنّه يمكن أن يكون طريقاً إلى معرفة الأحكام الشرعية و دليلًا عليها، أ لا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم النبيذ المسكر مثلًا بين أن ينصّ الشارع على تحريم جميع المسكر، و بين أن ينصّ على تحريم الخمر بعينها، و ينص على أنّ العلّة في هذا التحريم الشدّة.

و لا فرق بين أن ينص على العلّة، و بين أن يدلّ بغير النص على أنّ تحريم الخمر لشدّتها، أو ينصب لنا أمارة تغلب في الظن عندها انّ تحريم الخمر لهذه العلّة مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلّها، لأنّ كلّ طريق منها، يوصل إلى العلم بتحريم النبيذ المسكر، و من منع من جواز ورود العبادة بأحدها كمن صنع من جواز ورودها بالباقي. (1) هذان المذهبان هما المهمان، و هناك مذاهب أُخرى أشار إليها الشيخ الطوسي في» العدّة «فمن أراد التفصيل فليرجع إليها. (2) و خلاصة الكلام: أنّ القياس دليل ظنّي كسائر الظنون: مثل خبر الواحد، و الإجماع المنقول به، فكما يجوز عند العقل أن يأمر الشارع بالعمل بهما، كذلك القياس، و المحاذير المتوهمة في العمل بالقياس، أعني:

المحاذير الملاكية.

و المحاذير المبادئية.

____________

(1) (غنية النزوع: 386، قسم الأُصول، الطبعة الحديثة. قوله:» يوصل إلى العلم «أي إذا كان الدليل الدالّ على هذه التسوية دليلًا قطعيّاً.)

(2) عدة الأُصول: 650/ 2 692؛ و لاحظ الذريعة: 675/ 2 680.

94

و المحاذير الخطابية. (1) مشتركة بين عامّة الأدلّة الطبيعية، و قد فرغنا من حلّها في أبحاثنا العليا في مبحث الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، و في وسع القارئ أن يرجع إلى المصدر أدناه. (2) و بذلك يعلم عدم صحّة ما ذكره الدكتور عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي مؤلف كتاب» مباحث العلّة في القياس عند الأُصوليّين «حيث نسب إلى جمهور الإمامية و الظاهرية، انّ التعبّد بالقياس مستحيل عقلًا و شرعاً. (3) أمّا الإماميّة فإنّهم مجمعون على الإمكان العقلي، و لكن ينكرون وقوعه شرعاً. و أما الظاهرية، فصحّة النسبة إليهم على عاتق مؤلّف» مباحث العلّة في القياس «.

5. أقسام القياس‏

القياس ينقسم إلى منصوص العلّة و مستنبطها.

فالأوّل: عبارة عمّا إذا نصّ الشارع على علّة الحكم و ملاكه على وجه عُلِم، انّه علّة الحكم الّتي يدور الحكم مدارها، لا حكمتُه الّتي ربّما يتخلّف الحكم‏

____________

(1) (إذا كان الحكم الواقعي هو وجوب شي‏ء، و دلّ خبر الواحد أو القياس على القول بحجّيته على حرمته فتتوهم عندئذ محاذير ثلاثة:

ألف. المحذور الملاكي: اجتماع المصلحة باعتبار كون الحكم الواقعي هو الوجوب و المفسدة، باعتبار كون الحكم المستفاد منهما هو الحرمة.

ب. المحذور المبادئيّ: اجتماع الإرادة أو الحب في نفس المشرّع باعتبار كونه واجباً، و الكراهة و البغض باعتبار كونه حراماً. ج. المحذور الخطابي: اجتماع الوجوب و الحرمة و هو بمنزلة اجتماع الضدين في شي‏ء واحد.)

(2) (إرشاد العقول: 112/ 3 127.)

(3) مباحث العلّة في القياس: 43.

95

عنها.

و الثاني: عبارة عمّا إذا لم يكن هناك تنصيص من الشارع عليها، و إنّما قام الفقيه باستخراج علّة الحكم بفكره و جُهده، فيطلق على هذا النوع من القياس، مستنبط العلّة.

و ينقسم مستنبط العلّة إلى قسمين:

تارة يصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استخرجه علّة الحكم و مناطه، و أُخرى لا يصل إلّا إلى حدّ الظن بكونه كذلك.

و قلّما يتّفق لإنسان عادي أن يقطع بأنّ ما وصل إليه من العلّة هو علّة التشريع و مناطه واقعاً، و انّه ليس فيه ضمائم أُخرى لها مدخلية في الحكم، وراء ما أدرك.

و سيوافيك أنّ القياس في منصوص العلّة خارج عن محط النزاع، إذ ليس هو من باب ضم الفرع إلى الأصل، أو استخراج حكم الفرع من حكم الأصل بجهة جامعة بينهما، بل هو عمل بالنصّ في كلا الموردين، دون أن يتشكل هناك فرع و أصل.

6. الفرق بين علّة الحكم و حكمته‏

التفريق بين العلّة و الحكمة أحد الأُمور الّتي يجب على الفقيه أن يميّز بينهما. و الفرق بينهما كالتالي:

أ. لو كان الحكم دائراً مدار شي‏ء وجوداً و عدماً فهو علّة الحكم و مناطه، كالإسكار بالنسبة إلى الخمر، و لذلك لو انقلب الخمر خلًا لحلّ شربه.

فإن قلت: اتّفق الفقهاء على أنّ ما يُسكِر كثيره فقليله أيضاً حرام. و على هذا فالقليل من الخمر كالقطرة حرام، و لكنّه ليس بمسكر، فصار الحكم أعمّ من‏

96

العلّة.

قلت: قد دلّ الدليل الخارجي على حرمته، و لولاه لما قلنا بحرمته. و إنّما حرّم الشارع القليل منه، لأنّ الإنسان إذا شرب القليل فسوف تدعوه نفسه إلى شرب أكثر و ربّما ينتهي الأمر إلى شرب ما يُسكر.

ب. إذا لم يكن الحكم دائراً مدار ما يتوهم أنّه علّة، بل كان أوسع منها، فهي حكمة الحكم، و هذا كما في المثال التالي:

إنّه سبحانه تبارك و تعالى فرض على المطلّقة تربص ثلاثة قروء بُغية استعلامِ حالها من حيث الحمل و عدمه، و أضاف سبحانه بأنّها لو كانت حاملًا فعدتها وضع حملها. قال تعالى: (وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ). (1) و قال في آية أُخرى: (وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ‏). (2) و لكن ليس استعلام حال المطلقة ملاكاً للحكم و علّة لوجوب الاعتداد، و إنّما هو من حِكَمِ الحُكْم الّتي تلازمه في أكثر موارده. و لذلك لو علم حال المطلقة و خلوّ رحمها عن الحمل بسبب غيبة زوجها عنها مدّة سنة، أو انكشفت حالها بواسطة الطرق العلمية المفيدة لليقين، فمع ذلك كلّه يجب عليها الاعتداد، و ليس لها ترك الاعتداد بحجة أنّ رحمها خال عن الحمل فلا فائدة في الاعتداد.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الاستعلام يمثّل حكمة الحكم لا علّته، فليس الحكم دائراً مداره.

____________

(1) (البقرة: 228.)

(2) الطلاق: 4.

97

قال أبو زهرة: الفارق بين العلّة و الحكمة، هو أنّ الحكمة غير منضبطة، بمعنى أنّها وصف مناسب للحكم يتحقّق في أكثر الأحوال، و أمّا العلّة فهي وصف ظاهر منضبط محدود، أقامه الشارع أمارة على الحكم. (1) و من ذلك يعلم فساد من حرّم المتعة أو الزواج المؤقّت بتوهّم أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكون الأُسرة و إيجاد النسل و هو يختص بالنكاح الدائم دون المنقطع الّذي لا يترتّب عليه سوى الاستجابة للغريزة الجنسية و صبّ الماء و سفحه.

قال الدكتور الدريني: شُرّع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة ترجع كلّها إلى تكوين الأُسرة الفاضلة الّتي تشكّل النواة الأُولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة و الطهر و الولاية و النصرة و التكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: إنّ اللّه إذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الّذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأُسرة الّتي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.

و على هذا الأساس فإنّ الاستمتاع مجرّداً عن الإنجاب و بناء الأُسرة، يُحبط مقصد الشارع من كلّ أصل تشريع النكاح. (2) أقول: عزب عن الدكتور أنّ الإنجاب و تشكيل الأُسرة من فوائد النكاح و مصالحه، و لأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يصحّ الزواج مع القطع بعدم الإنجاب، كما في الصور التالية:

____________

(1) (أُصول الفقه: 223، و لاحظ أيضاً ص 233 منه.)

(2) الدكتور الدريني في تقديمه لكتاب (الأصل في الأشياء الحلية).

98

1. زواج العقيم بالمرأة الولود.

2. زواج المرأة العقيم بالرجل المُنجب.

3. زواج العقيمين.

4. زواج اليائسة.

5. زواج الصغيرة.

6. نكاح الشاب بالشابة مع العزم على عدم الإنجاب إلى آخر العمر.

و لأجل انقسام ما يدلل به الأحكام إلى قسمين: علّة و حكمة، اختلف الفقهاء في تفسير الحكمة الواردة في قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) في الهرّة:» إنّها ليست بنجس، إنّها من الطّوافين عليكم و الطّوافات «. (1) فلو كان المفهوم من الرواية أنّ الطواف علّة الحكم و أنّه يدور مداره صحّ إلحاق الحيوانات الأُخرى كالفأرة و غيرها بها، و أمّا لو قلنا بأنّه حكمة الحكم لا علّته لتوقف الإلحاق.

7. منصوص العلّة و العمل بالسنّة

إذا نصّ الشارع على علّة الحكم و ملاكه، أي ما يدور الحكم مداره على نحو لا يتخلّف الحكم عنه، كما إذا قال الخمر حرام لأنّه مسكر، فإلحاق سائر المسكرات به ليس عملًا بالقياس المصطلح، بل عمل بالسنّة الشريفة و الضابطة الكلية، و لنذكر مثالًا على ذلك:

روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الإمام الرضا (عليه السلام)، أنّه قال:» ماء البئر واسع لا يُفسده شي‏ء، إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فيُنزح حتّى يذهب الريح،

____________

(1) سنن الترمذي: 154/ 1، كتاب الطهارة، رقم الحديث 92.

99

و يطيب طعمه، لأنّ له مادة «. (1) فإنّ قوله:» لأنّ له مادة «بما أنّه تعليل لقوله:» لا يفسده شي‏ء «يكون حجّة في غير ماء البئر أيضاً، فيشمل التعليل بعمومه، ماء البئر، و ماء الحمام و العيون و صنبور الخزّان الكرّ و غيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة، فالعمل عندئذ بظاهر السنّة لا بالقياس، فليس هناك أصل و لا فرع و لا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة و الفروع بأجمعها داخلة تحته دفعة واحدة.

و بعبارة أُخرى: يكون العمل بالملاك المنصوص، عملًا بظاهر السنّة لا بالقياس، و شأن المجتهد و عمله ليس إلّا تطبيق الضابطة الّتي أعطاها الشارع على جميع الموارد دفعة واحدة، فليس هناك أصل و لا فرع، و لا انتقال من حكم الأصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هو العلّة و الفروع بأجمعها داخلة تحتها.

و إن شئت قلت: هناك فرق بين استنباط الحكم عن طريق القياس و بين استنباط الحكم عن طريق تطبيق القاعدة المعطاة على مواردها.

ففي الأوّل أي استنباط الحكم عن طريق القياس يتحمّل المجتهد جُهداً في تخريج المناط، ثمّ يجعل الموضوع الوارد في الدليل أصلًا، و الّذي يريد إلحاقه به فرعاً.

و أمّا الثاني فيكفي فيه فهم النصّ لغة بلا حاجة إلى الاجتهاد، و لا إلى تخريج المناط، فيكون النصّ دالًا على الحكمين بدلالة واحدة.

يقول سبحانه: (وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏) (2) دلّت الآية على وجوب الاعتزال في‏

____________

(1) (وسائل الشيعة 1، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.)

(2) البقرة: 222.

100

المحيض، و علّل بكونه أذى، فلو دلّت الآية على كونه تمام الموضوع للحكم فيتمسّك بها في غير المحيض إذا كان المسّ أذى كالنفاس و ليس ذلك من مقولة العمل بالقياس، بل من باب تطبيق الضابطة على مواردها.

و بذلك يعلم ما في كلام الأُستاذ:» محمد أبو زهرة «حيث زعم أنّ نفاة القياس يرفضون النص و قال: إنّ تعليل النصوص هو أساس الخلاف بين مثبتي القياس و نفاته، فنفاته نفوا التعليل فقصروا النصوص على العبارة، و مثبتوه أثبتوا التعليل، فاعتبروا القياس إعمالًا للنصوص.

و قال أيضاً: و في الحق أنّ نفاة القياس قد أخطئوا إذ تركوا تعليل النصوص، فقد أدّاهم إهمالهم إلى أن قرّروا أحكاماً تُنفيها بداهة العقول، فقد قرّروا أنّ بول الآدمي نجس للنصّ عليه، و بول الخنزير طاهر لعدم النص، و أنّ لعاب الكلب نجس، و بوله طاهر، و لو اتّجهوا إلى قليل من الفهم لفقه النص ما وقعوا في مناقضة البديهيات على ذلك النحو. (1) أقول: ما ذكره من أنّ نفاة القياس تركوا تعليل النصوص، كلام مجمل.

فإن أراد الموضع الّذي كان الحكم معلّلًا في نفس النصّ و دلّ الدليل أو القرائن المفيدة للعلم، بأنّه علّة تامة للحكم و ليس بحكمة، فيعمل به نفاة القياس، إذ لا يرونه من أقسام القياس، بل عملًا بالنص، إذ ليس هناك أصل و لا فرع، بل الجميع داخل تحت التعليل مرة واحدة، فإذا قال: علّة حرمة الخمر هي الإسكار، فالنبيذ و الخمر و غيرهما من المسكرات داخلة تحت التعليل على نسق واحد دون أن يكون هناك أصل و فرع.

و إن أراد الموضع الّذي ورد النص على الحكم و لم يشتمل على التعليل و إنّما

____________

(1) أُصول الفقه: 212.