التعليق والشرح المفيد للحلقة الأولى‏ - ج2

- السيد محمد علي الحسيني المزيد...
160 /
51

و على هذا الأساس نعرف أنّ من المستحيل أن يكون الوجوب داعيا إلى إيجاد موضوعه و محرّكا للمكلّف نحوه، كما يدعو إلى إيجاد متعلّقه، فوجوب الصوم على كلّ مكلّف غير مسافر و لا مريض لا يمكن أن يفرض على المكلّف أن لا يسافر، و إنّما يفرض عليه أن يصوم إذا لم يكن مسافرا، و وجوب الحجّ على المستطيع لا يمكن أن يفرض على المكلّف أن يكتسب، ليحصل على الاستطاعة، و إنّما يفرض الحجّ على المستطيع؛ لأنّ الحكم لا يوجد إلّا بعد وجود موضوعه‏ (1)، فقبل وجود الموضوع لا وجود للحكم، لكي يكون داعيا إلى إيجاد موضوعه، و لأجل ذلك وضعت في علم الأصول القاعدة القائلة: «إنّ كلّ حكم يستحيل أن يكون محرّكا نحو أيّ عنصر من العناصر الدخيلة في تكوين موضوعه، بل يقتصر تأثيره و تحريكه على نطاق المتعلّق».*

* بعد ما عرفت الفرق بين موضوع الحكم و متعلّقه و وظيفة كليهما يتّضح لك استحالة أن يكون الحكم داعيا إلى إيجاد موضوعه، و أنت قد عرفت أنّ فعلية الحكم تتحقّق بموضوعه و ليس العكس، بيد أنّ الحكم يدعو إلى إيجاد متعلّقه، كوجوب الصوم فإنّه يدعو المكلّف إلى الصوم و هو متعلّق الحكم و كذلك الحكم بوجوب الحجّ يدعو المكلّف المستطيع إلى الحجّ، أي وجوب الحكم يدعو إلى متعلّقه، و يستحيل أن يدعو الحكم إلى إيجاد موضوعه أو يكون محرّكا نحوه؛ لأنّ فعلية الحكم مشروطة و متوقّفة على تحقّق موضوعه.

فبعد هذا البيان اتّضح لك معنى العلاقة بين الحكم و متعلّقه.

____________

(1). بمعنى أنّه لا يكون فعليا إلّا بعد تحقّق موضوعه.

52

العلاقات القائمة بين الحكم و المقدّمات: المقدّمات الّتي يتوقّف عليها وجود الواجب على قسمين:

أحدهما: المقدمات الّتي يتوقّف عليها وجود المتعلّق، من قبيل السفر الّذي يتوقّف أداء الحجّ عليه، أو الوضوء الّذي تتوقّف الصلاة عليه، أو التسلّح الّذي يتوقّف الجهاد عليه.

و الآخر: المقدّمات الّتي تدخل في تكوين موضوع الوجوب، من قبيل نيّة الإقامة الّتي يتوقّف عليها صوم شهر رمضان، و الاستطاعة الّتي تتوقّف عليها حجّة الإسلام.*

[4: العلاقات القائمة بين الحكم و المقدّمات:]

* النموذج الرابع هو ماهية العلاقة القائمة بين الحكم و المقدّمات.

فلعلّك تتّفق معي أنّ هذه البحوث بالذات ممنهجة و مترابطة مع بعضها، لذا يجب عليك فهمها و هضمها بشكل جيّد، بحيث تكون متمكّنا منها و تفهمها أينما وجدت معك.

أما بالنسبة لمقدّمات الحكم فقسّمها المصنّف (رحمه اللّه) إلى قسمين:

قسم يختصّ بمتعلّق الحكم، و قسم يتعلّق بموضوع الحكم.

أمّا القسم الأوّل فهو المقدّمات الّتي يتوقّف عليها وجود المتعلّق، و قد عرفت أنّ متعلّق الحكم يعني الفعل الّذي ينصبّ الحكم عليه كما في المثال:

53

«فعل الصلاة» هو متعلّق الحكم و مقدّمته الوضوء. لذا يقال للوضوء هنا في المصطلح الأصولي: متعلّق المتعلّق.

و القسم الثاني: فهو المقدّمات الّتي تكون داخلة في تكوين الموضوع، و قد عرفت أنّ موضوع الحكم عبارة عن مجموعة أشياء تحقّق الفعلية للحكم، كما في المثال: نيّة الإقامة بالنسبة للمسافر تكون كمقدّمة لتحقّق الموضوع.

54

و الفارق بين هذين القسمين أنّ المقدّمة الّتي تدخل في تكوين موضوع الوجوب يتوقّف على وجودها الوجوب نفسه؛ لما شرحناه سابقا من أنّ الحكم الشرعي يتوقّف وجوده على وجود موضوعه، فكلّ مقدمة دخيلة في تحقّق موضوع الحكم يتوقّف عليها الحكم و لا يوجد بدونها، خلافا للمقدمات الّتي لا تدخل في تكوين الموضوع، و إنّما يتوقّف عليها وجود المتعلّق فحسب، فإنّ الحكم يوجد قبل وجودها؛ لأنّها لا تدخل في موضوعه.

و لنوضّح ذلك في مثال الاستطاعة و الوضوء: فالاستطاعة مقدّمة تتوقّف عليها حجّة الإسلام، و التكسّب مقدّمة للاستطاعة، و ذهاب الشخص إلى محلّه في السوق مقدّمة للتكسّب، و حيث إنّ الاستطاعة تدخل في تكوين موضوع وجوب الحجّ، فلا وجوب للحجّ قبل الاستطاعة، و قبل تلك الأمور الّتي تتوقّف عليها الاستطاعة.

و أما الوضوء، فلا يدخل في تكوين موضوع وجوب الصلاة؛ لأنّ وجوب الصلاة لا ينتظر أن يتوضأ الإنسان لكي يتّجه إليه، بل يتّجه إليه قبل ذلك، و إنّما يتوقّف متعلّق الوجوب- أي الصلاة- على الوضوء، و يتوقّف الوضوء على تحضير الماء الكافي، و يتوقّف تحضير هذا الماء على فتح خزان الماء مثلا.

فهناك إذن سلسلتان من المقدّمات: الأولى سلسلة مقدّمات المتعلّق: أي الوضوء الّذي تتوقف عليه الصلاة، و تحضير الماء الّذي يتوقّف عليه الوضوء، و فتح الخزان الّذي يتوقّف عليه تحضير الماء.

55

و الثاني سلسلة مقدّمات الوجوب، و هي: الاستطاعة الّتي تدخل في تكوين موضوع الحجّ، و التكسّب الّذي تتوقّف عليه الاستطاعة، و ذهاب الشخص إلى محلّه في السوق الّذي يتوقّف عليه التكسّب.

و موقف الوجوب من هذه السلسلة الثانية و كلّ ما يندرج في القسم الثاني من المقدّمات سلبيّ دائما؛ لأنّ هذا القسم يتوقّف عليه وجود الحكم، و قد عرفنا سابقا أنّ الوجوب لا يمكن أن يدعو إلى موضوعه.

و تسمّى كلّ مقدّمة من هذا القسم «مقدّمة وجوب» أو «مقدّمة وجوبية».*

* الفكرة واضحة و قد بينها المصنّف (رحمه اللّه) بشكل عميق، لذا لا داعي للتكرار، إنّما المهم أن نعرف بالنسبة لسلسلة مقدّمات الوجوب، أنّ الوجوب يتحقّق بوجود موضوعه، كما مرّ عليك و الوجوب يستحيل أن يدعو إلى موضوعه.

و بالنسبة لمصطلح المقدّمة الوجوبيّة، فهو يعني القيود و الشرائط الّتي أخذت بنحو يكون الوجوب مترتّبا عليها، و يعبّر عنها بقيود الحكم و بشرائط المجعول، و بتعبير آخر: كلّ قيد أخذ مفروض الوجود على نهج القضيّة الحقيقية و الّتي تقتضي أنّه لو اتّفق تحقّق القيد و الشرط خارجا لترتّب على ذلك تحقق الفعلية للحكم، و هذه القيود يعبّر عنها بالمقدّمات الوجوبيّة. و مثاله هنا الاستطاعة بالنسبة للحجّ.

56

و أمّا السلسلة الأولى و المقدّمات الّتي تندرج في القسم الأوّل، فالمكلّف مسئول عن إيجادها، أي أنّ المكلّف بالصلاة مثلا مسئول عن الوضوء لكي يصلّي، و المكلّف بالحجّ مسئول عن السفر لكي يحجّ، و المكلّف بالجهاد مسئول عن التسلّح لكي يجاهد.

و النقطة الّتي درسها الأصوليون هي نوع هذه المسئولية، فقد قدّموا لها تفسيرين:*

* تكلّمنا عن المقدّمات الّتي تدخل في تكوين موضوع الوجوب، و قلنا:

بعدم وجوب إيجاد مقدّماتها.

و أمّا بالنسبة للمقدّمات الّتي يتوقّف عليها وجود المتعلّق، كالوضوء الّذي تتوقّف عليه الصلاة، فهذه المقدّمة تقع مسئولية إيجادها على عاتق المكلّف، فيجب على المكلّف إيجادها.

و هذه المسئولية من ناحية منشأها محلّ كلام عند الأصوليون.

لكنّ المهم الآن أن نميّز بين سلسلة مقدّمات الوجوب و الّتي لا يجب على المكلّف إيجادها، و بين سلسلة مقدّمات المتعلّق و الّتي تقع مسئولية إيجادها على المكلّف.

57

أحدهما أنّ الواجب شرعا على المكلّف هو الصلاة فحسب دون مقدّماتها من الوضوء و مقدّماته، و إنّما يجد المكلّف نفسه مسئولا عن إيجاد الوضوء و غيره من المقدّمات عقلا؛ لأنّه يرى أنّ امتثال الوجوب الشرعي لا يتأتى له إلّا بإيجاد تلك المقدّمات.*

* التفسير الأصولي الأوّل للمسئولية الّتي تقع على عاتق المكلّف لإيجادها هي القول بوجوب المقدّمة عقلا، و المراد منها ما كان وجود ذي المقدمة مستحيلا واقعا بدون وجودها، و بعبارة أخرى إنّ المقدّمة العقلية هي الّتي يتوقّف واقعا وجود ذي المقدّمة عليها، و معه يستحيل عقلا تحصيل ذي المقدّمة دون تحصيلها أو قل دون وجودها.

و نمثّل لذلك بأنّ الشارع أمر بوجوب الصلاة، و الصلاة لا تتمّ، بل لا تصحّ إلّا بالوضوء، فالعقل يدرك وجوب إيجاد الوضوء، فيحمل العقل مسئولية إيجاد سلسلة مقدّمات المتعلّق للمكلّف، بعد إدراك العقل أنّ الوضوء تتوقّف عليه الصلاة، و هذا يعني أنّ العقل فرض علينا هذه المسئولية.

58

و الآخر أنّ الوضوء واجب شرعا (1)؛ لأنّه مقدّمة للواجب، و مقدّمة الواجب واجبة شرعا (2)، فهناك إذن واجبان شرعيان على المكلّف:

أحدهما الصلاة، و الآخر الوضوء بوصفه مقدّمة للصلاة.

و يسمّى الأوّل ب «الواجب النفسي»، لأنّه واجب لأجل نفسه، و يسمّى الثاني ب «الواجب الغيري» لأنّه واجب لأجل غيره، أي لأجل ذي المقدّمة، و هو الصلاة.

و هذا التفسير أخذ به جماعة من الأصوليين إيمانا منهم بقيام علاقة تلازم بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، فكلّما حكم الشارع بوجوب فعل، حكم عقيب ذلك مباشرة بوجوب مقدّماته. (3)*

* و التفسير الثاني للمسئولية هو القول بوجوب المقدّمة شرعا لا عقلا، و المراد منها المقدّمة الّتي علّق الشارع صحّة المأمور به عليها، بحيث لا يكون المأمور به واجدا للصحّة ما لم يكن متوفّرا على هذه المقدّمات، كما هو حال الوضوء الّذي تتوقّف صحّة الصلاة عليه. فالوضوء يكون مقدّمة شرعية لصحّة الصلاة، و هذا القول ناتج عن اعتقادهم و ادّعائهم أنّ هناك تلازما شرعيّا بين وجوب الشي‏ء شرعا و وجوب مقدّمته‏

____________

(1). مقابل القول الأوّل القائل بأنّ الواجب عقليّ.

(2). لما ذا لا نقول: واجبة عقلا، و العقل أدركها فلا حاجة لوجوب شرعي لكي لا يلزم تحصيل الحاصل؟

(3). لما ذا لا نقول: ما حكم به الشرع أدرك العقل وجوب مقدّماته؟

59

شرعا، فكما أنّ الصلاة واجبة شرعا كذلك مسئولية إتيان المكلّف بالوضوء كمقدّمة واجبة شرعا.

و لا يخفى عليكم أنّ هذا الاعتقاد بوجود ملازمة شرعية يحتاج إلى بحث و دراسة و تحليل لطبيعة هذه الملازمة و دليلها، و مكان تطبيقها، بل ما هي فائدتها و حاجتها مع إدراك العقل لوجوب المقدّمة.

إذن فالقول الثاني فسّر المسئولية بوجوب المقدّمة شرعا. و سمّى أصل الوجوب بالواجب النفسي، هو ما وجب لنفسه كالصلاة.

و الواجب الغيري، و هو ما وجب لغيره، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة.

فالنتيجة أنّ هناك من قال بوجوب المقدّمة عقلا، و من قال بوجوبها شرعا.

60

و يمكن الاعتراض على ذلك‏ (1) بأنّ حكم الشارع بوجوب المقدّمة في هذه الحالة لا فائدة فيه و لا موجب له؛ لأنّه إن أراد به إلزام المكلّف بالمقدّمة، فهذا حاصل بدون حاجة إلى حكمه بوجوبها، إذ بعد أن وجب الفعل المتوقّف عليها يدرك العقل مسئولية المكلّف من هذه الناحية، و إن أراد الشارع بذلك مطلبا آخر دعاه إلى الحكم بوجوب المقدّمة، فلا نتعقّله، و على هذا الأساس يعتبر حكم الشارع بوجوب المقدّمة لغوا فيستحيل ثبوته، فضلا عن أن يكون ضروري الثبوت، كما يدعيه القائل بالتلازم بين الشي‏ء و وجوب مقدّمته.*

* لا يخفى عليك و إن كنت مبتدئا أنّ أيّ حكم من أحكام الشارع لا يكون إلّا من أجل مصلحة، و هذا مبدأ الحكم، لذا يستحيل على الشارع أن يحكم بحكم لغويّ.

لذا اعترض المصنّف (رحمه اللّه) على القائلين و المؤمنين بقيام علاقة تلازم بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّمته في محلّه، كما هو واضح و جليّ؛ لما فيه من تحصيل الحاصل بدعوى الإلزام الشرعي بعد ما أدرك العقل مسئولية المكلّف تجاه المقدّمة، و بالتالي لا حكم جديد بالوجوب، و لا تلازم كذلك لما ذكرناه، انتهى.

____________

(1). أي على أنّه كلّما حكم الشارع بوجوب فعل، حكم عقيب ذلك مباشرة بوجوب مقدّماته شرعا.

61

العلاقات القائمة في داخل الحكم الواحد:

قد يتعلّق الوجوب بشي‏ء واحد، كوجوب السجود على كلّ من سمع آية السجدة، و قد يتعلّق بعملية تتألّف من أجزاء و تشتمل على أفعال متعدّدة، من قبيل وجوب الصلاة، فإنّ الصلاة عمليّة تتألف من أجزاء، و تشتمل على أفعال عديدة، كالقراءة و السجود و الركوع و القيام و التشهّد و ما إلى ذلك.*

* النموذج الأخير من النماذج الّتي يوجد في العالم التشريعي علاقات في ما بينها هو العلاقة القائمة في داخل الحكم الواحد.

فمقدّمة المتن توضّح لنا أنّه قد يتعلّق الوجوب بأمر أو شي‏ء واحد، كوجوب السجود على من سمع آية السجدة، فمتعلّق حكم الوجوب هنا واحد و هو السجود. في مقابل تعلّق الوجوب بأجزاء مشتملة على أفعال متعدّدة، كما هو حال وجوب الصلاة، حيث تتألّف من أجزاء و تشتمل على عدّة أفعال.

62

و في هذه الحالة (1) تصبح العملية بوصفها مركّبة من تلك الأجزاء، واجبة، و يصبح كلّ جزء واجبا أيضا، و يطلق على وجوب المركّب اسم «الوجوب الاستقلالي» و يطلق على وجوب كلّ جزء فيه اسم «الوجوب الضمني»؛ لأنّ الوجوب أنّما يتعلّق بالجزء بوصفه جزءا في ضمن المركب، لا بصورة مستقلّة عن سائر الأجزاء، فوجوب الجزء ليس حكما مستقلّا، بل هو جزء من الوجوب المتعلّق بالعملية المركّبة.

و لأجل ذلك كان وجوب كلّ جزء من الصلاة مثلا مرتبطا بوجوب الأجزاء الأخرى؛ لأنّ الوجوبات الضمنية لأجزاء الصلاة تشكّل بمجموعها وجوبا واحدا استقلاليا.*

* بيان لتعلّق الوجوب بعملية تتألّف من أجزاء و تشتمل على أفعال متعدّدة؛ حيث إنّ وصف العملية هذه بالواجبة بمعنى أنّ كلّ جزء منها واجب و الوجوب المركّب يقال له في الاصطلاح الأصولي بالوجوب الاستقلالي، و وجوب الجزء يصطلح عليه بالوجوب الضمني، كما اتّضح ذلك في المتن؛ لأنّ مجموع الواجبات الضمنية المرتبطة لأجزاء الصلاة تشكّل واجبا واحدا استقلاليا.

____________

(1). حالة تعلّق الوجوب بعملية تتألف من أجزاء و تشتمل على أفعال متعدّدة.

63

و نتيجة ذلك قيام علاقة التلازم في داخل إطار الحكم الواحد بين الوجوبات الضمنية فيه.

و تعني علاقة التلازم هذه أنّه لا تمكن التجزئة في تلك الوجوبات أو التفكيك بينها، بل إذا سقط أيّ واحد منها تحتّم سقوط الباقي نتيجة لذلك التلازم القائم بينها.

و مثال ذلك: إذا وجب على الإنسان الوضوء- و هو مركّب من أجزاء عديدة كغسل الوجه و غسل اليمنى، و غسل اليسرى، و مسح الرأس و مسح القدمين- (1) فيتعلّق بكلّ جزء من تلك الأجزاء وجوب ضمنيّ بوصفه جزءا من الوضوء الواجب، و في هذه الحالة إذا تعذّر على الإنسان أن يغسل وجهه لآفة فيه، و سقط- لأجل ذلك- الوجوب الضمنيّ المتعلّق بغسل الوجه، كان من المحتّم أن يسقط وجوب سائر الأجزاء أيضا (2)، فلا يبقى على الإنسان وجوب غسل يديه فقط ما دام قد تراجع عن غسل وجهه؛ لأنّ تلك الوجوبات لا بدّ أن ينظر إليها بوصفها وجوبا واحدا متعلّقا بالعملية كلّها أي بالوضوء، و هذا الوجوب إمّا أن يسقط كلّه أو يثبت كلّه و لا مجال للتفكيك. (3)

____________

(1). قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏.

(2). لأنها وجوبات ضمنية متلازمة.

(3). لأنّ علاقتها التلازم في ما بينها.

64

و على هذا الضوء نعرف الفرق بين ما إذا وجب الوضوء بوجوب استقلاليّ، و وجب الدعاء بوجوب استقلاليّ آخر فتعذّر الوضوء، و بين ما إذا وجب الوضوء فتعذّر جزء منه، كغسل الوجه مثلا، ففي الحالة الأولى لا يؤدّي تعذّر الوضوء إلّا إلى سقوط الوجوب الّذي كان متعلّقا به، و أما وجوب الدعاء فيبقى ثابتا؛ لأنّه وجوب مستقلّ غير مرتبط بوجوب الوضوء، و في الحالة الثانية حين يتعذّر غسل الوجه و يسقط وجوبه الضمنيّ يؤدّي ذلك إلى سقوط وجوب الوضوء، و ارتفاع سائر الوجوبات الضمنية. (1)

* أعتقد أنّ الكلام هنا ليس بحاجة لأيّ تدخل أو شرح، بل المطلب واضح، و خلاصته أنّ ما وصفناه بالوجوب الضمني المحتوي على الأجزاء الواجبة في الحكم الواحد علاقتها في ما بينها علاقة التلازم لا يمكن تفكيكها، بل إذا سقط أيّ جزء منها تحتّم سقوط باقي الأجزاء؛ لعلاقة التلازم القائمة في ما بينها، أوضح المصنّف (رحمه اللّه) ذلك في المتن أيضا من خلال المثال، و الفرق بينه وجوب الوضوء، و ختم بالفرق بين الوجوب الاستقلاليّ و الوجوب الضمني فلا حاجة للتكرار.

____________

(1). لأنّ العلاقة هنا علاقة التلازم، فإذا سقط أيّ من الواجبات الضمنية سقط الباقي.

65

قد تقول: نحن نرى أنّ الإنسان يكلّف بالصلاة، فإذا أصبح أخرس و عجز عن القراءة فيها، كلّف بالصلاة بدون قراءة، فهل هذا إلّا تفكيك بين الوجوبات الضمنية، و نقض لعلاقة التلازم بينها.

و الجواب أنّ وجوب الصلاة بدون قراءة على الأخرس ليس تجزئة لوجوب الصلاة الكاملة، و إنما هو وجوب آخر و خطاب جديد تعلّق منذ البدء بالصلاة الصامتة. فوجوب الصلاة الكاملة و الخطاب بها قد سقط كلّه نتيجة لتعذّر القراءة و خلفه وجوب آخر و خطاب جديد.*

* قد يستشكل البعض بعد ما فهم معنى الوجوب الضمني و أنّه لا ينفكّ بسبب العلاقة القائمة و هي الملازمة، بأنّ الصلاة واجب و متعلّقها أجزاء و أفعال كالقراءة مثلا، و القراءة واجب ضمنيّ لا ينفكّ عن وجوب الصلاة، بل هو لازم فإذا سقطت بالخرس مثلا يلزم سقوط الصلاة.

الجواب على هذا الإشكال تارة نقول: إنّ الواجب الأوّل سقط، و هذا صحيح، و لكن صدر وجوب آخر مراعيا مسألة الأخرس و مسقطا للقراءة عنه دون أن توصف بأنّها واجب؛ لكي لا يلزم محذور الإشكال.

و أخرى نقول بأنّ أصل خطاب الصلاة واجبة و لا تترك على أيّ حال في المرض و السفر و السلم و الحرب، هذا من جهة، و من أخرى مدار الواجب المطلوب بالنسبة لأجزاء الصلاة هو المقدور عليه و المستطاع إتيانه، و القراءة عند الأخرس غير مقدور عليها و لا يستطاع إتيانها فتكون داخلة بأصل الخطاب و لا حاجة لإنشاء خطاب آخر فتدبّر جيدا.

66

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

67

النوع الثاني‏ الأصول العمليّة

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

النوع الثاني‏ الأصول العمليّة تمهيد: استعرضنا في النوع الأوّل‏ (1) العناصر الأصولية المشتركة في الاستنباط الّتي تتمثل في أدلّة محرزة، فدرسنا أقسام الأدلّة و خصائصها و ميّزنا بين الحجّة منها و غيرها.*

[النوع الثاني الأصول العمليّة]

[تمهيد:]

* في مبحث العنصر المشترك، في الجزء الأوّل، قسّمنا العناصر المشتركة في عمليات الاستنباط إلى نوعين، حيث قلنا: إنّ النوع الأوّل من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط هو الأدلّة المحرزة للحكم و بحثنا به و بينّا ما ثبتت حجيته و ما لم تثبت. و بعد الانتهاء من النوع الأوّل نشرع بالحديث عن النوع الثاني عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط الّتي تتمثّل بالأصول العملية، و بشكل إجماليّ يراد

____________

(1). و هو القائم على أساس دليل محرز.

70

بالأصول العملية، القواعد أو الأحكام الّتي تختصّ بحالات الشكّ في الحكم الشرعي، حيث لا يمكن إحراز الحكم الشرعي فيها.

و تسمّى الأحكام الّتي يستفاد منها تعيين الوظيفة العملية في هذه الحالات بالأحكام الظاهرية. و من الأصول العملية أصالة البراءة و الاحتياط و التخيير و الاستصحاب، و سوف يدور البحث عن الأصول العملية بشكل أكثر و أوسع.

71

و نريد الآن أن ندرس العناصر المشتركة في حالة أخرى من الاستنباط، و هي حالة عدم حصول الفقيه على دليل يدلّ على الحكم الشرعيّ، و بقاء الحكم مجهولا لديه، فيتّجه البحث في هذه الحالة إلى محاولة تحديد الموقف العمليّ تجاه ذلك الحكم المجهول بدلا عن اكتشاف نفس الحكم.

و مثال ذلك: حالة الفقيه تجاه التدخين، فإنّ التدخين نحتمل حرمته شرعا منذ البدء، و نتّجه أوّلا إلى محاولة الحصول على دليل يعيّن حكمه الشرعي، فحيث لا نجد نتساءل: ما هو الموقف العملي الّذي يتحتّم علينا أن نسلكه تجاه ذلك الحكم المجهول، و هل يتحتّم علينا أن نحتاط أو لا؟ (1)

و هذا هو السؤال الأساسي الّذي يعالجه الفقيه في هذه الحالة، و يجيب عليه في ضوء الأصول العملية بوصفها عناصر مشتركة في عملية الاستنباط، و هذه الأصول هي موضع درسنا الآن:*

* قلنا بأنّ البحث الآن سوف يكون في الأصول العملية، و الّتي تستعمل كما أوضحنا ذلك في تعريفها، و نضيف على ذلك ما عبّر

____________

(1). بالحقيقة هناك تساؤلان، الأوّل: ما هو العمل عند ما لا نحصل على دليل تجاه واقعة معيّنة؟

و الجواب هو الرجوع إلى الأصول العملية. و التساؤل الثاني: ما هو نوع الأصل الّذي ينبغي العمل به؛ احتياط أم براءة؟

72

عنه المصنّف (رحمه اللّه) بالمثال حيث هناك تساؤلات يجب الإجابة عليها، السؤال الأوّل: هو عند ما لا يصل الفقيه إلى دليل شرعيّ في مسألة التدخين مثلا ما ذا يفعل؟ و كيف يتصرّف تجاه هذه المسألة شرعا؟

الجواب: هو بالرجوع إلى الأصل العمليّ الّذي يحدّد لنا الوظيفة الشرعية تجاه هذه المسألة، إذ عند ما لا نصل إلى دليل في مسألة ما أو نشكّ به نرجع إلى الأصل العمليّ للعمل بالوظيفة الشرعيّة. هذا الجواب الأوّل.

و التساؤل الثاني: ما هو نوع الأصل الّذي ينبغي الرجوع إليه؟ هل الاحتياط أو البراءة أو التخيير مثلا. الجواب عن هذا يأتي من خلال البحوث الآتية معنا إن شاء اللّه.

73

1. القاعدة العملية الأساسيّة و لكي نعرف القاعدة العملية الأساسيّة (1) الّتي نجيب في ضوئها على سؤال:

«هل يجب الاحتياط تجاه الحكم المجهول؟» لا بدّ لنا أن نرجع إلى المصدر الّذي يفرض علينا إطاعة الشارع‏ (2)، و نلاحظ أنّ هذا المصدر هل يفرض علينا الاحتياط في حالة الشكّ و عدم وجود دليل على الحرمة أو لا؟

و لكي نرجع إلى المصدر الّذي يفرض علينا إطاعة المولى سبحانه لا بدّ لنا أن نحدده، فما هو المصدر الّذي يفرض علينا إطاعة الشارع، و يجب أن نستفتيه في موقفنا هذا؟*

[1. القاعدة العملية الأساسيّة]

* من الأمور الأساسيّة الّتي ينبغي أن نعرفها على صعيد الحلقات هنا، هو مخالفة المصنّف (رحمه اللّه) أغلب الأصوليين في تحديد القاعدة العملية الأولى و الأساسيّة، فالمصنّف (رحمه اللّه) يتبنّى مبنى الاحتياط عند الشكّ أو عدم وجود دليل على الحكم. و سوف يأتي تفصيل ذلك بشكل‏

____________

(1). القاعدة الأولى الأساسية هي أصالة الاحتياط، مقابل القاعدة العملية الثانوية، و هي أصالة البراءة؛ على رأي المصنّف (رحمه اللّه).

(2). و هو العقل، فاللّه عرف بالعقل، كما وضّحنا ذلك بالتفصيل في بداية الجزء الأوّل. فراجع.

74

تدريجي كما فعل المصنّف (رحمه اللّه) حيث نسأل من الّذي فرض علينا إطاعة اللّه؟

فبالإجابة على هذا السؤال و تحديد المصدر، يمكننا بعد ذلك سؤاله و المعرفة منه عن مساحة هذه الإطاعة المفروضة، هل هي مختصّة بالأمور المعلومة و المقطوعة فقط؟ أو أنها تشمل المظنونات الّتي جعلها الشارع بمقام المعلومات و المقطوعات؟ كما ذهب إليه أصحاب مسلك قبح العقاب بلا بيان» أو أن الإطاعة المفروضة تشمل بعنوانها الأولي كلّ علم أو احتمال أو ظنّ، و يكون بذلك فرض علينا إطاعة المولى، كما ذهب إليه المصنّف (رحمه اللّه) و جماعة أصحاب مسلك حقّ الطاعة؟

إذا بالإجابة على السؤال يمكننا حلّ مجمل هذه الأمور و الإجابة عن التساؤلات.

75

و الجواب: إنّ هذا المصدر هو العقل‏ (1)؛ لأنّ الإنسان يدرك بعقله أنّ للّه سبحانه حقّ الطاعة على عبيده‏ (2)، و على أساس حقّ الطاعة يحكم العقل على الإنسان بوجوب إطاعة الشارع‏ (3) لكي يؤدّي إليه حقّه، فنحن إذن نطيع اللّه تعالى و نمتثل أحكام الشريعة؛ لأنّ العقل يفرض علينا ذلك؛ لا لأنّ الشارع أمرنا بإطاعته‏ (4)، و إلّا لأعدنا السؤال مرّة أخرى، و لما ذا نمتثل أمر الشارع لنا بإطاعة أوامره؟ و ما هو المصدر الّذي يفرض علينا امتثاله، و هكذا حتى نصل إلى حكم العقل بوجوب الإطاعة القائم على أساس ما يدركه من حقّ الطاعة للّه سبحانه على الإنسان.

و إذا كان العقل هو الّذي يفرض إطاعة الشارع على أساس إدراكه لحقّ الطاعة، فيجب الرجوع إلى العقل في تحديد الجواب على السؤال المطروح‏ (5).*

* هذا السؤال قد أجبنا عليه و فصّلناه في بداية الجزء الأوّل، و إعادة الإجابة عليه هنا لا تخلو من فائدة.

____________

(1). المراد من العقل هو: إدراك الإنسان الشي‏ء بذهنه.

(2). على أساس دليل وجوب معرفة و شكر المنعم، و دفع الضرر المحتمل. فيحكم العقل بوجوب الإطاعة.

(3). و بعد إدراك وجوب الإطاعة يأتي الشارع المقدّس لتحديدها بالشكل الّذي يريده.

(4). لأننا إذا قلنا بأنّ الشارع أمرنا بالإطاعة وقعنا بالدور أو التسلسل.

(5). و هو هل يجب الاحتياط تجاه الحكم المجهول؟

76

لذا نقول: إنّ الّذي فرض علينا إطاعة اللّه هو العقل، و المراد من العقل هو إدراك الإنسان الشي‏ء بذهنه. و العقل أوّل موجود فاض من وجود الباري عزّ و جل. و لو لا العقل لكانت حالتنا حالة البهائم و الأطفال و المجانين. (1)

قال الشيخ المظفر: «نعتقد أنّ اللّه تعالى لمّا منحنا قوة التفكير و وهب لنا العقل، أمرنا أن نتفكّر في خلقه و ننظر بالتأمّل في آثار صنعه.

و في الحقيقة إنّ الّذي نعتقده أنّ عقولنا هي التي فرضت علينا النظر في الخلق و معرفة خالق الكون، كما فرضت علينا النظر في دعوى من يدّعي النبوة و في معجزته. و ما جاء في القرآن من الحثّ على التفكّر و اتّباع العلم و المعرفة فإنّما جاء مقرّرا لهذه الحرية الفطرية في العقول الّتي تطابقت عليها آراء العقلاء» (2).

أقول:

إنّ اللّه عرف بالعقل، فلا يخفى عليك وجوب شكر المنعم و دفع الضرر اللذين حرّكا العقل لمعرفة المنعم، و بعد معرفة المنعم كيفية دفع الضرر بالطاعة و بشكر المنعم.

____________

(1). انظر: شرح المصطلحات الفلسفية: 213.

(2). راجع: عقائد الإمامية: 31.

77

نخرج بنتيجة أدركها العقل أنّه يجب على الإنسان إطاعة ربّه الّذي أوجده و خلقه و أنعم عليه، و هذا الوجوب أدركه العقل، فبعد ما عرف ربّه و خالقه أدرك وجوب طاعته، بعد هذا البيان نقول: إنّ المصدر الّذي عرف و حدّد و هو العقل، يجب الرجوع إليه للردّ و الإجابة عن السؤال هل يجب الاحتياط تجاه الحكم المجهول؟

78

و يتحتّم علينا عندئذ (1) أن ندرس حقّ الطاعة الّذي يدركه العقل و حدوده، فهل هو حقّ اللّه سبحانه في نطاق التكاليف المعلومة فقط (2)- بمعنى أنّ اللّه سبحانه ليس له حقّ الطاعة على الإنسان إلّا في التكاليف الّتي يعلم بها، و أمّا التكاليف الّتي يشكّ فيها و لا علم له بها، فلا يمتدّ إليها حقّ الطاعة- أو أنّ حقّ الطاعة كما يدركه العقل في نطاق التكاليف المعلومة يدركه أيضا في نطاق التكاليف المحتملة- بمعنى أنّ من حقّ اللّه على الإنسان أن يطيعه في التكاليف المعلومة و المحتملة (3)، فإذا علم بتكليف كان من حقّ اللّه عليه أن يمتثله، و إذا احتمل تكليفا كان من حقّ اللّه أن يحتاط، فيترك ما يحتمل حرمته أو يفعل ما يحتمل وجوبه-؟*

* بعد ما عرفنا و حدّدنا المصدر الّذي فرض علينا طاعة اللّه- و هو العقل- جاء السؤال التالي: ما هي حدود وسعة دائرة حقّ الطاعة المفروض من العقل؟

الجواب عليه:

إنّ هناك رأيين في الموضوع؛

____________

(1). بعد ما حددنا أن العقل هو الّذي فرض علينا الطاعة.

(2). هذا مسلك القائلين بقبح العقاب بلا بيان.

(3). هذا مسلك القائلين بحق الطاعة.

79

الرأي الأوّل:

إنّ من المتيقّن أنّ حقّ الطاعة في التكاليف المقطوعة و المجزومة، فلا يتعدّى إلى التكاليف المحتملة أو المظنونة، فتكون دائرة وسعة حقّ الطاعة المفروضة علينا من قبل العقل محصورة و محدّدة في التكاليف المعلومة، و هذا المسلك سمّي ب «بقبح العقاب بلا بيان».

و الرأي الثاني قال:

إنّ حقّ الطاعة لا يكون في التكاليف المعلومة فحسب، بل يشمل أيّ انكشاف للتكاليف، حتى لو كان انكشافا احتماليا أو ظنّيا، و ذلك لسعة دائرة حقّ المولى، و هذا المسلك سمّي «بحقّ الطاعة».

80

و الصحيح في رأينا هو أنّ الأصل في كلّ تكليف محتمل هو الاحتياط نتيجة لشمول حقّ الطاعة للتكاليف المحتملة، فإنّ العقل يدرك أنّ للمولى على الإنسان حقّ الطاعة لا في التكاليف المعلومة فحسب، بل في التكاليف المحتملة أيضا، ما لم يثبت بدليل أنّ المولى لا يهتمّ بالتكليف المحتمل إلى الدرجة الّتي تدعو إلى إلزام المكلّف بالاحتياط، و هذا يعني أنّ الأصل بصورة مبدئية كلّما احتملنا حرمة أو وجوبا هو أن نحتاط، فنترك ما نحتمل حرمته و نعمل ما نحتمل وجوبه، و لا نخرج عن هذا الأصل إلّا إذا ثبت بالدليل أنّ الشارع لا يهتمّ بالتكليف المحتمل إلى الدرجة الّتي تفرض الاحتياط و يرضى بترك الاحتياط، فإنّ المكلف يصبح حينئذ غير مسئول عن التكليف المحتمل.

فالاحتياط إذن واجب عقلا في موارد الشكّ، و يسمّى هذا الوجوب أصالة الاحتياط أو أصالة الاشتغال- أي اشتغال ذمّة الإنسان بالتكليف المحتمل- و نخرج عن الأصل حين نعرف أنّ الشارع يرضى بترك الاحتياط.

و هكذا تكون أصالة الاحتياط هي القاعدة العملية الأساسيّة.*

* بعد ما عرفت أنّ هناك مسلكين في تحديد دائرة سعة حقّ الطاعة للمولى، اختار المصنّف (رحمه اللّه) و جماعة قليلة من الأصوليين المسلك الثاني، و هو أنّ حقّ الطاعة يشمل التكاليف المظنونة و المحتملة

81

فضلا عن التكاليف المقطوعة، و هذا يعود لسعة دائرة حقّ الطاعة، و من يقول بعكس ذلك يكون قد ضيّق حقّ المولى، لكنّ حقّ المولى في التكاليف المظنونة و المحتملة يسقط إذا حصل مؤمّن أو مرخّص من قبل المولى نفسه في تركه بحيث يرخّص المولى في التكاليف المحتملة أو المظنونة، و ذلك بجعل حكم ظاهري ترخيصيّ في مورد الاحتمال أو الظن.

فالنتيجة تكون أنّ الأصل في التكاليف عند الظنّ أو عدم الحصول على دليل هو الاحتياط. فيكون الجواب- على رأي المصنّف- على الحكم المجهول هو الاحتياط و هو الأصل ما لم يرد مرخّص.

82

و يخالف في ذلك كثير من الأصوليين إيمانا منهم بأنّ الأصل في المكلّف أن لا يكون مسئولا عن التكاليف المشكوكة، و لو احتمل أهمّيتها بدرجة كبيرة، و يرى هؤلاء الأعلام أنّ العقل هو الّذي يحكم بنفي المسئولية؛ لأنّه يدرك قبح العقاب من المولى على مخالفة المكلّف للتكليف الّذي لم يصل إليه، و لأجل هذا يطلقون على الأصل من وجهة نظرهم اسم «قاعدة قبح العقاب بلا بيان» أو «البراءة العقلية» أي أنّ العقل يحكم بأنّ عقاب المولى للمكلّف على مخالفة التكليف المشكوك قبيح، و ما دام المكلّف مأمونا من العقاب فهو غير مسئول، و لا يجب عليه الاحتياط.

و يستشهد لذلك بما استقرّت عليه سيرة العقلاء من عدم إدانة الموالي للمكلّفين في حالات الشكّ و عدم قيام الدليل، فإنّ هذا يدلّ على قبح العقاب بلا بيان في نظر العقلاء.

و لكي ندرك أنّ العقل هل يحكم بقبح معاقبة اللّه تعالى للمكلّف على مخالفة التكليف المشكوك أو لا؟ يجب أن نعرف حدود حقّ الطاعة الثابت للّه تعالى، فإذا كان هذا الحقّ يشمل التكاليف المشكوكة الّتي يحتمل المكلّف أهمّيتها بدرجة كبيرة- كما عرفنا- فلا يكون عقاب اللّه للمكلّف إذا خالفها قبيحا؛ لأنّه بمخالفتها يفرّط في حقّ مولاه فيستحقّ العقاب، و أمّا ما استشهد به من سيرة العقلاء فلا دلالة له في المقام؛ لأنّه أنّما يثبت أنّ حقّ الطاعة في الموالي العرفيين يختصّ بالتكاليف‏

83

المعلومة، و هذا لا يستلزم أن يكون حقّ الطاعة للّه تعالى كذلك أيضا، إذ أيّ محذور في التفكيك بين الحقّين و الالتزام بأنّ أحدهما أوسع من الآخر. فالقاعدة الأولية إذن هي أصالة الاحتياط.*

* المسلك الآخر هو القائل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و قد تحدثنا عنه سابقا و أشرنا إليه في عدّة مناسبات و هذا يجعل هذا المسلك بالإضافة إلى كلام المصنّف (رحمه اللّه) في المتن واضحا فلا داعي للحديث عنه أكثر. و أما بالنسبة لمناقشة المصنّف (رحمه اللّه) لهذا المسلك و لهذه القاعدة ففيه وجه وجيه؛ لما يتمتّع من حجّة علمية و دليل، و نحن أتباع الدليل كيفما مال نميل. فالنتيجة هي أنّ الأصل هو الاحتياط.

84

2. القاعدة العمليّة الثانويّة: و قد انقلبت بحكم الشارع‏ (1) تلك القاعدة العملية الأساسيّة إلى قاعدة عملية ثانويّة، و هي أصالة البراءة القائلة بعدم وجوب الاحتياط.

و السبب في هذا الانقلاب أنّا علمنا عن طريق البيان الشرعي، أنّ الشارع لا يهتمّ بالتكاليف المحتملة إلى الدرجة الّتي تحتّم الاحتياط على المكلّف، بل يرضى بترك الاحتياط.

و الدليل على ذلك نصوص شرعية متعدّدة، من أشهرها النصّ النبوي القائل: «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون» (2)، بل استدلّ ببعض الآيات على ذلك، كقوله تعالى: مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (3).

فإنّ الرسول يفهم كمثال على البيان و الدليل، فتدلّ الآية على أن لا عقاب بدون دليل‏ (4)، و هكذا أصبحت القاعدة العملية هي عدم وجوب‏

____________

(1). الانقلاب من أصالة الاحتياط عقلا من عدم رضى و إذن الشارع بترك الاحتياط شرعا.

(2). الوسائل: 11/ 295.

(3). الاسراء: 15.

(4). أي بدون علم.

85

الاحتياط بدلا عن وجوبه، و أصالة البراءة شرعا بدلا عن أصالة الاشتغال عقلا.*

[2. القاعدة العمليّة الثانويّة:]

* و بعد ما عرفت أنّ الأصل العمليّ الأوّل عند الشكّ أو عدم وجود دليل هو الاحتياط بحكم العقل، أشرنا إلى أنّ هذا الاحتياط يسري طالما لم نحصل على ترخيص و مؤمّن من قبل الشارع، لإهمال هذا الاحتياط الناتج عن الظنّ أو الاحتمال، و إلّا إذا ورد دليل شرعيّ يرخّص لنا ترك الاحتياط كأصالة البراءة. فالقول حينئذ على اصالة البراءة الشرعيّة.

و أصالة البراءة تقسّم إلى قسمين هما: البراءة الشرعية و البراءة العقلية.

البراءة الشرعية: «هي الوظيفة الشرعية النافية للحكم الشرعيّ عند الشكّ فيه و اليأس من تحصيله».

حيث إنّ المكلّف عند جهله بالحكم الواقعي و يأسه من العثور عليه يرجع في مقام الامتثال إلى البراءة الشرعية، لتعيّن له وظيفته الشرعية الّتي تتضمّن رفع تكليفه بالحكم الواقعي، تيسيرا من اللّه تعالى على عباده و لطفا بهم.

و استدلّ على حجّية البراءة الشرعية بنصوص من الكتاب و السنّة.

فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما

86

آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (1).

و معناه: إنّ اللّه تعالى لا يكلّف الناس إلّا بالأحكام الواصلة إليهم.

و قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (2).

و المراد بالإضلال في الآية، إمّا تسجيلهم ضالّين و منحرفين، و إمّا نوع من العقاب، كالخذلان و الطرد من أبواب الرحمة. و على أيّ حال، فقد أنيط الإضلال ببيان ما يتّقون لهم، و حيث أضيف البيان لهم فهو ظاهر في وصوله إليهم، فمع عدم وصول البيان لا عقاب و لا ضلال، و هو معنى البراءة.

و قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (3).

فالآية تدلّ أنّ على اللّه تعالى لا يعذّب حتى يبعث الرسول، و ليس الرسول إلّا كمثال للبيان، فكأنّه قال: لا عقاب بلا بيان.

و أمّا السنّة فهناك روايات عديدة منها:

ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) من قوله: «كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (4).

____________

(1). الطلاق: 7.

(2). التوبة: 115.

(3). الاسراء: 15.

(4). الوسائل: 18/ 127.

87

و الإطلاق يساوق السعة و التأمين، و الشاكّ يصدق بشأنه أنّه لم يرده النهي، فيكون مؤمّنا عن التكليف المشكوك و هو المطلوب.

و كذلك ما رواه عبد الأعلى عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) من لا يعرف شيئا هل عليه شي‏ء؟ قال (عليه السلام): لا». (1)

و الظاهر من الشي‏ء الأوّل في كلام السائل هو مطلق ما لا يعرفه من الأحكام، فيستفاد من نفي العقوبة عليه في جواب الإمام (عليه السلام) بقوله:

لا، عدم وجوب الاحتياط.

هذا بالإضافة إلى حديث الرفع الّذي ورد في المتن. (2)

أمّا البراءة العقلية فهي «الوظيفة المؤمّنة من قبل العقل عند عجز المكلّف عن بلوغ حكم الشارع» و هذا تحدثنا به بعنوان قاعدة قبح العقاب بلا بيان واصل من الشارع.

____________

(1). الكافي: 1/ 164.

(2). انظر: كفاية الأصول: 338؛ نهاية الافكار: 3/ 201؛ مصباح الأصول: 2/ 255؛ فرائد الأصول:

2/ 42؛ قواعد أصول الفقه: 390؛ مبادئ أصول الفقه: 118.

88

و تشمل هذه القاعدة العملية الثانوية (1) موارد الشكّ في الوجوب و موارد الشكّ في الحرمة على السواء؛ لأنّ النص النبوي مطلق، و يسمّى الشكّ في الوجوب ب «الشبهة الوجوبية» و الشكّ في الحرمة ب «الشبهة التحريمية».*

* قاعدة البراءة تشمل التكليف المشكوك بوجوبه و المشكوك بحرمته، و هذا الشمول يعود للأدلّة الّتي ذكرناها من الكتاب و السنّة، فإنّه يستدلّ بها على هذا الشمول، و لا حاجة لإيضاح ذلك هاهنا، و بالنسبة لمصطلح الشبهة الوجوبية فالمراد منه الشبهة الّتي يكون متعلّقها الوجوب، و هي تارة تكون حكميّة و أخرى موضوعيّة.

و الشبهة الوجوبية الحكميّة هي: لو كان الشكّ في أصل جعل الوجوب الكلّي لطبيعة كليّة، كما لو وقع الشكّ في جعل الوجوب لطبيعة صلاة الجمعة.

و الشبهة الوجوبية الموضوعية هي: ما لو كان متعلّق الشكّ هو الوجوب الجزئيّ، كما لو كنا نحرز جعل وجوب الصدقة على طبيعة الفقير، إلّا أننا شككنا في وجوب الصدقة على زيد للشكّ في مصداقيته لطبيعة الفقير نتيجة الجهل بحاله مثلا.

فالمهمّ في المسألة أنّه لا خلاف بين الفقهاء في أنّ‏

____________

(1). القاعدة الثانوية البراءة، مقابل القاعدة الأولية و هي الاحتياط.

89

الأصل الجاري في الشبهات الوجوبية الأعمّ من الحكمية أو الموضوعية هو البراءة الشرعية.

و أمّا مصطلح الشبهة التحريمية، و هي الّتي يكون متعلّق الشكّ فيها هو الحرمة، كما لو وقع الشكّ في حرمة العصير العنبي.

و بالنسبة للشبهة التحريمية فيها شبهة تحريمية حكمية، و شبهة تحريمية موضوعية مرّ الكلام عليهما، و هو يجري كما جرى في الشبهة الوجوبية، و المهمّ أنّه لا خلاف بين الفقهاء في جريان أصل البراءة في الشبهة التحريمية الموضوعية و أمّا الشبهة التحريمية الحكمية فقد وقع النزاع بين الأخبارين و الأصوليين حولها، إلّا أنّ المهمّ أنّ الأصوليين ذهبوا إلى جريان أصالة البراءة فيها.

أما بالنسبة لجريان قاعدة البراءة في موارد الشكّ في الاستحباب و الكراهة فقد ذهب المشهور إلى أنّ البراءة لا تجري في موارد الشكّ في حكم غير إلزامي؛ و ذلك لقصور أدلّتها.

90

و لأجل هذا (1) نتمسك بالبراءة إذا شككنا في التكليف، سواء نشأ شكّنا في ذلك من عدم وضوح أصل جعل الشارع للتكليف أو من عدم العلم بتحقّق موضوعه، و مثال الأوّل شكّنا في وجوب صلاة العيد أو في حرمة التدخين، و يسمّى بالشبهة الحكمية.

و مثال الثاني: شكّنا في وجوب الحجّ؛ لعدم العلم بتوفّر الاستطاعة، مع علمنا بأنّ الشارع جعل وجوب الحجّ على المستطيع.

و إن شئت قلت: إنّ المكلّف في الشبهة الحكمية يشكّ في الجعل، و في الشبهة الموضوعية يشكّ في المجعول، و كلّ منهما مجرى للبراءة شرعا.*

* عرفت أنّ دليل قاعدة البراءة الشرعية يشمل الشكّ مهما كان سببه- الوجوب و الحرمة- و كذلك الحال سواء أ كان الشك في الشبهة الوجوبية الحكمية و الموضوعية، أم الشبهة التحريمية الحكمية و الموضوعية.

أمّا المراد من مصطلح الشبهة الحكمية فهو ما يكون متعلّق الشكّ و الشبهة فيها حكما من الأحكام الشرعية الكلية من غير فرق بين أن يكون الحكم المشكوك من سنخ الأحكام التكليفية أو الأحكام الوضعية.

و عادة يكون منشأ الشكّ في مورد الشبهات الحكمية هو فقدان النصّ أو إجماله- لو كان- أو تعارضه مع نصّ آخر. و مثال الشبهة في‏

____________

(1). شمول قاعدة البراءة للشكّ مهما كان سببه- الحرمة و الوجوب-.

91

الأحكام التكليفية هو ما لو وقع الشكّ في وجوب صلاة الجمعة، بمعنى وقوع الشكّ في جعل الشارع الوجوب لصلاة الجمعة.

و مثال الشبهة في الأحكام الوضعية ما لو وقع الشكّ في طهارة الكتابي.

أمّا بخصوص الشبهة الموضوعية فهي ما يكون متعلّق الشكّ في موردها عبارة عن انطباق الحكم الكلّي على واقعة شخصية و يكون منشأ الشكّ في مصداقية تلك الواقعة لموضوع الحكم الكلّي هو اشتباه الأمور الخارجية، فكما مثّل الحجّ في المتن، فإنّ ثبوت أصل وجوب جعل الحجّ على موضوعه محرز، و الشكّ إنّما هو من جهة مصداقية المورد لموضوع الحكم، أي الفرد المتحقّق فيه استطاعة الحج الكلّي نتيجة الجهل بحال المورد. هذا تمام الكلام حول القاعدة العملية الثانوية. انتهى.

92

3. قاعدة منجزية العلم الإجمالي: تمهيد: قد تعلم أنّ أخاك الأكبر قد سافر إلى مكّة، و قد تشكّ في سفره، لكنك تعلم على أيّ حال أنّ أحد أخويك «الأكبر أو الأصغر» قد سافر فعلا إلى مكّة، و قد تشكّ في سفرهما معا و لا تدري، هل سافر واحد منهما إلى مكّة أو لا؟

فهذه حالات ثلاث، و يطلق على الحالة الأولى اسم «العلم التفصيليّ» لأنّك في الحالة الأولى تعلم أنّ أخاك الأكبر قد سافر إلى مكّة، و ليس لديك في هذه الحقيقة أيّ تردّد أو غموض، فلهذا كان العلم تفصيليّا.*

[3. قاعدة منجزية العلم الإجمالي:]

* بعد ما انتهى من بيان القاعدة الاولية و الثانوية شرع في البحث و الكلام عن قاعدة منجزيّة العلم الإجمالي و بدأها بمقدمة تمهيدية تبيّن لنا العلم التفصيلي و العلم الإجمالي و الشكّ البدوي.

[تمهيد:]

و قبل الورود في البحث نذكر مقدّمة هي أنّ القطع إمّا أن يكون أمرا خاصّا لا تردّد فيه فهو قطع تفصيليّ، كالقطع بوجوب صلاة الصبح، و إمّا أن يكون فيه تردّد، كما إذا قطع بأنّه فاته أداء صلاة الصبح أو المغرب، فيقطع بوجوب قضاء الصبح أو المغرب و هو المراد

93

بالعلم الإجمالي هنا، و تارة لا تدري و تشكّ هل عليك قضاء صلاة الصبح؟ فهذا شكّ بدوي، هذا بشكل إجمالي.

أمّا التفصيلي فنقول: المراد من العلم التفصيلي هو العلم بالجامع مع العلم بموضع استقراره، أي العلم بالجامع مع تشخيص متعلّقه، فليس في العلم التفصيلي جهة غموض أصلا، فالعالم بالعلم التفصيلي يعلم بوجوب الصلاة مثلا، كما يعلم بأنّ الصلاة الواجبة هي الظهر مثلا.

فهذا المراد بالعلم التفصيلي. (1)

____________

(1). للتفاصيل أكثر. راجع: المعجم الأصولي: 772.

94

و يطلق على الحالة الثانية (1) اسم «العلم الإجمالي»، لأنّك في هذه الحالة تجد في نفسك عنصرين مزدوجين: أحدهما عنصر الوضوح، و الآخر عنصر الخفاء، فعنصر الوضوح يتمثّل في علمك بأنّ أحد أخويك قد سافر فعلا، فأنت لا تشكّ في هذه الحقيقة، و عنصر الخفاء و الغموض يتمثّل في شكّك و تردّدك في تعيين هذا الأخ، و لهذا تسمّي هذه ب «العلم الإجمالي» فهي علم؛ لأنك لا تشكّ في سفر أحد أخويك، و هي إجمال و شكّ؛ لأنك لا تدري أي أخويك قد سافر.

و يسمّى كلّ من سفر الأخ الأكبر و سفر الأصغر طرفا للعلم الإجمالي؛ لأنك تعلم أنّ أحدهما لا على سبيل التعيين قد سافر بالفعل.

و أفضل صيغة لغوية تمثّل هيكل العلم الإجمالي و محتواه النفسي بكلا عنصريه هي «إمّا و إمّا» إذ تقول في المثال المتقدم:

«سافر إمّا أخي الأكبر، و إمّا أخي الأصغر» فإنّ جانب الإثبات في هذه الصيغة يمثّل عنصر الوضوح و العلم، و جانب التردّد الّذي تصوّره كلمة «إمّا» يمثّل عنصر الخفاء و الشكّ، و كلّما أمكن استخدام صيغة من هذا القبيل دلّ ذلك على وجود علم إجماليّ في نفوسنا.*

* و أمّا العلم الإجمالي، فالمراد منه العلم بوجود جامع في ضمن‏

____________

(1). و هي الشكّ في سفر الأخ الأكبر، لكنك تعلم على أيّ حال أنّ أحد أخويك قد سافر فعلا إلى مكّة.

95

طرف من أطراف متعدّدة مع الجهل بالطرف الّذي يقع واقعا ضمنه.

و بتعبير آخر: هو العلم بالجامع بين أطراف متعدّدة مع الشك فيما هو الطرف الواقع منطبقا لذلك الجامع واقعا.

فالعلم الإجمالي مشتمل على حيثيتين:

الحيثيّة الأولى:

هي العلم بالجامع بين الأطراف. مثل العلم بوجوب صلاة، فإنّ الصلاة جامع ماهويّ لأطراف، مثل صلاة الظهر و المغرب، فالصلاة هي الحقيقة المشتركة القابلة للصدق على كلّ من أطرافها.

الحيثيّة الثانية:

هي الشك في أيّ الأطراف هو منطبق الجامع.

مثل العلم بنجاسة أحد الشيئين إمّا الماء أو الثوب، فإنّ عنوان أحد الشيئين جامع انتزاعيّ انتزع من ملاحظة الماء بالإضافة إلى الثوب.

أما أطراف الجامع- أو طرفا العلم الإجمالي- فهي الأفراد الّتي لو لوحظ كلّ واحد منها على حدة لكان من المحتمل انطباق الجامع عليه. (1) فهذا هو المراد من العلم الإجمالي الّذي سوف يدور البحث حوله.

____________

(1). انظر: نهاية الدراية: 4/ 237؛ فوائد الأصول: 4/ 10؛ قواعد أصول الفقه: 288؛ المعجم الأصولي: 770.

96

و يطلق على الحالة الثالثة اسم «الشك الابتدائي» أو «البدوي» أو «الساذج» و هو شكّ محض غير ممتزج بأيّ لون من العلم، و يسمّى بالشك الابتدائي أو البدويّ تمييزا له عن الشكّ في طرف العلم الإجمالي، لأنّ الشكّ في طرف العلم الإجمالي يوجد نتيجة للعلم نفسه، فأنت تشكّ في أنّ المسافر هل هو أخوك الأكبر أو الأصغر نتيجة لعلمك بأنّ أحدهما لا على التعيين قد سافر حتما، و أمّا الشكّ في الحالة الثالثة فيوجد بصورة ابتدائية دون علم مسبق.*

* و أمّا الحالة الثالثة و هي الشكّ في سفر الأخوين معا، و لا ندري هل سافر واحد منهما إلى مكّة أو لا.

و هنا الشكّ بأصل السفر من دون وجود أيّ علم من جهة، و كذلك عدم العلم و التردد في سفر أحد الأخوين من جهة أخرى.

و هذا ما يصطلح عليه في علم الأصول بالشكّ البدوي، أي الّذي يكون ابتداء من دون وجود أيّ علم مسبق، فهذا هو المراد من الشكّ البدوي.

97

و هذه الحالات الثلاث‏ (1) توجد في نفوسنا تجاه الحكم الشرعي، فوجوب صلاة الصبح معلوم تفصيلا، (2) و وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة مشكوك شكّا ناتجا عن العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة في ذلك اليوم، و وجوب صلاة العيد مشكوك ابتدائي غير مقترن بالعلم الإجمالي. و هذه الأمثلة كلّها من الشبهة الحكمية، و نفس الأمثلة يمكن تحصيلها من الشبهة الموضوعية، فتكون تارة عالما تفصيلا بوقوع قطرة دم في هذا الإناء، و أخرى عالما إجمالا بوقوعها في أحد إناءين، و ثالثة شاكّا في أصل وقوعها شكّا بدويا.*

* بعد ما عرّف لنا العلم التفصيلي و الإجمالي و الشكّ البدوي، أعطى لنا ثلاثة نماذج لهذه الحالات الثلاث الّتي تجري في الشبهة الحكمية و الشبهة الموضوعية، و قد تحدثنا عنها سابقا فلا داعي للتكرار.

____________

(1). العلم التفصيلي و العلم الإجمالي و الشكّ البدوي.

(2). معلوم بالعلم التفصيلي.

98

و نحن في حديثنا عن القاعدة العملية الثانوية (1) الّتي قلبت القاعدة العملية الأساسية كنا نتحدّث عن الثالثة، أي: حالة الشكّ البدوي الّذي لم يقترن بالعلم الإجمالي.

و الآن ندرس حالة الشكّ الناتج عن العلم الإجمالي، أي الشكّ في الحالة الثانية من الحالات السابقة، و هذا يعني أننا درسنا الشكّ بصورته الساذجة و ندرسه الآن بعد أن نضيف إليه عنصرا جديدا و هو العلم الإجمالي، فهل تجري فيه القاعدة العملية الثانوية كما تجري في موارد الشكّ البدوي أو لا؟*

* في بداية البحث تحدّثنا أنّ العلم تارة يكون تفصيليّا و هذا حجّته مفروغ عنها، و تارة نشكّ في أصل الحكم، أي نتردّد فيه، فنجري القاعدة العملية الثانوية، و هي البراءة في المقام- كما ثبت ذلك بالأدلة- و العلم التفصيلي و الشكّ البدوي انتهينا من البحث فيهما، لكن يبقى الكلام حول منجزية العلم الإجمالي، فهل تجري فيه القاعدة الثانوية أي أصالة البراءة؟ أو تجري فيه القاعدة الأولية و هي أصالة الاحتياط؟ فهذا ما سوف نعرفه خلال البحث الآتي في منجزية العلم الإجمالي.

____________

(1). أصالة البراءة.

99

منجزية العلم الإجمالي: و على ضوء ما سبق يمكننا تحليل العلم الإجمالي إلى علم بأحد الأمرين و شكّ في هذا و شكّ في ذاك.

ففي يوم الجمعة نعلم بوجوب أحد الأمرين «صلاة الظهر أو صلاة الجمعة» و نشكّ في وجوب الظهر، كما نشكّ في وجوب الجمعة، و العلم بوجوب أحد الأمرين- بوصفه علما- تشمله قاعدة حجّية القطع الّتي درسناها في بحث سابق، فلا يسمح لنا العقل لأجل ذلك بترك الأمرين معا- الظهر و الجمعة- لأننا لو تركناهما معا لخالفنا علمنا بوجوب أحد الأمرين، و العلم حجّة عقلا في جميع الأحوال، سواء كان إجماليا أو تفصيليا.*

[منجزية العلم الإجمالي:]

* بعد ما اتّضح لك معنى العلم الإجمالي يمكننا القول:

إنّ القطع أي العلم حجّة- كما مرّ تفصيله و بحثه- بمعنى إذا قطعنا بوجوب شي‏ء صار منجّزا علينا، و يجب إتيانه، و إذا قطعنا بعدم الوجوب صار معذّرا لنا و لا يجب إتيانه.

و هذا القطع و هذه الحجّية ليست محصورة بالقطع أو العلم التفصيلي فحسب، بل تشمل العلم الإجمالي، و إن كان الشكّ في طرفيه، لكن المقطوع به هو الجامع كما هو في المثال الّذي المتن.

100

صحيح أنّ الشكّ بين صلاة الظهر و الجمعة، و هذا يمثّل جانب الشكّ و التردّد إمّا بوجوب الظهر و إمّا بوجوب الجمعة، بيد أنّ القطع الموجود في هذه الصيغة يمثّل عنصر الوضوح و العلم و القطع، و هو بالتالي حجّة علينا لا يمكن تركه و مخالفته على أيّ حال من الأحوال، بل يجب إتيانه، و تركه يعني المخالفة القطعية في العلم الإجمالي، و هذا سوف يأتي بيانه.

فمحصّل الكلام هنا أنّ العلم الإجمالي فيه قطع و القطع حجّة لا يجوز مخالفته.