التعليق والشرح المفيد للحلقة الأولى‏ - ج2

- السيد محمد علي الحسيني المزيد...
160 /
101

و يؤمن الرأي الأصولي السائد في مورد العلم الإجمالي- لا بثبوت الحجّية للعلم بأحد الأمرين فحسب- بل بعدم إمكان انتزاع هذه الحجّية منه‏ (1) أيضا و استحالة ترخيص الشارع في مخالفته بترك الأمرين معا (2)، كما لا يمكن للشارع أن ينتزع الحجّية من العلم التفصيلي و يرخّص في مخالفته وفقا لما تقدّم في بحث القطع من استحالة صدور الردع من الشارع عن القطع.*

* و رأي علماء الأصول في المسألة هو أنّ القطع سواء أ كان تفصيليا أم إجماليا، فهو حجّة لا يمكن سلبه و لا الترخيص فيه، بل يجب إتيانه.

لقد مرّ البحث في القطع فلا داعي للتكرار، و يمكنك مراجعته هناك، إذ لا يمكن للشارع أن يسلب أو يرخص في مخالفة القطع، سواء كان تفصيليا أم إجماليا، و السبب يعود إلى ملازمة الحجّية للقطع، و كذلك بقي ترخيص المخالفة بالترك ممّا يعني المخالفة القطعية للقطع و الشرع و هذا ما لا يقول به الشرع و لا يحكم به العقل.

____________

(1). لما مرّ في مبحث القطع استحالة سلب الحجّية عن القطع و القول بأن الحجّية للقطع لازمة.

(2). لأنها تصبح مخالفة قطعية.

102

و أمّا كلّ واحد من طرفي العلم الإجمالي- أي: وجوب الظهر بمفرده، و وجوب الجمعة بمفرده- فهو تكليف مشكوك و ليس معلوما.

و قد يبدو لأوّل وهلة أنّ بالإمكان أن تشمله القاعدة الثانوية، أي:

أصالة البراءة النافية للاحتياط في التكاليف المشكوكة؛ لأنّ كلّا من الطرفين‏ (1) تكليف مشكوك.*

* طالما عرفت أنّه في العلم الإجمالي يوجد قطع مردّد بين طرفين، يأتي السؤال: إذا مع الشكّ بطرفي العلم الإجمالي كما في المسألة هنا- الشكّ بوجوب صلاة الظهر أو وجوب صلاة الجمعة- هل نجري القاعدة العملية الثانوية و نجري البراءة في كلا التكليفين؛ لأنّه شكّ و عند الشكّ في التكاليف المشكوكة نجري البراءة كما عرفت، أم هناك رأي آخر عند الأصوليين في المسألة؟

____________

(1). وجوب صلاة الظهر الطرف الأوّل من العلم الإجمالي، و الطرف الثاني وجوب صلاة الجمعة.

103

و لكن الرأي السائد في علم الأصول يقول بعدم إمكان شمول القاعدة العملية الثانوية لطرف العلم الإجمالي، بدليل أنّ شمولها لكلا الطرفين معا يؤدّي إلى براءة الذمّة من الظهر و الجمعة و جواز تركهما معا، و هذا يتعارض مع حجّية القطع بوجوب أحد الأمرين؛ لأنّ حجّية هذا القطع تفرض علينا أن نأتي بأحد الأمرين على أقلّ تقدير. (1)

فلو حكم الشارع بالبراءة في كلّ من الطرفين لكان معنى ذلك ترخيصا منه في مخالفة العلم، و هو مستحيل كما تقدم.

و شمول القاعدة لأحد الطرفين دون الآخر- و إن لم يؤدّ إلى الترخيص في ترك الأمرين معا- لكنه غير ممكن أيضا؛ لأننا نتساءل حينئذ: أيّ الطرفين نفترض شمول القاعدة له و نرجّحه على الآخر؟

و سوف نجد أنا لا نملك مبررا لترجيح‏ (2) أيّ من الطرفين على الآخر؛ لأنّ صلة القاعدة بهما واحدة. (3)

و هكذا ينتج عن هذا الاستدلال القول بعدم شمول القاعدة العملية الثانوية «أصالة البراءة» لأيّ واحد من الطرفين، و يعني هذا أنّ كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي يظلّ ضمن نطاق القاعدة

____________

(1). و هذا يسمّى بالموافقة الاحتمالية.

(2). لأنّ العمل بالترجيح بين طرفين لا بدّ له من وجود مرجّح، و هنا الطرفان متساويان، فلا يمكن الترجيح بلا مرجّح.

(3). يعني متساوية بين الطرفين لا حجّية لأحدهما على الآخر.

104

العملية الأساسية القائلة بالاحتياط ما دامت القاعدة الثانوية عاجزة عن شموله.*

* رأي علماء الأصول بالمسألة هو عدم جريان القاعدة العملية الثانوية في العلم الإجمالي، و السبب يعود لوجود قطع في البين، و هذا القطع حجّة ينبغي العمل به و إتيانه لبراءة الذمّة، و لا يمكن مخالفته و تركه، و إن كان بين طرفين، و لا يمكن جريان القاعدة كذلك على أحد أطراف العلم الإجمالي؛ لأنّه يكون ترجيحا، و الترجيح بحاجة إلى مرجّح موجود بينهما بينما هما متساويان، فعلى كلّ التقديرات لا يمكن التمسّك بأصالة البراءة في العلم الإجمالي، لما ذكرناه، و لأنه يسبّب المخالفة القطعية بذلك، إذن يجب و يتعيّن العمل على أساس القاعدة العملية الأولى و هي أصالة الاحتياط عند العلم الإجمالي.

105

و على هذا الأساس‏ (1) ندرك الفرق بين الشكّ البدوي و الشكّ الناتج عن العلم الإجمالي، فالأوّل يدخل في نطاق القاعدة الثانوية، و هي أصالة البراءة، و الثاني يدخل في نطاق القاعدة الأولية، و هي أصالة الاحتياط.

و في ضوء ذلك نعرف أنّ الواجب علينا عقلا في موارد العلم الإجمالي هو الإتيان بكلا الطرفين- أي: الظهر و الجمعة في المثال السابق-، لأنّ كلا منهما داخل في نطاق أصالة الاحتياط.

و يطلق في علم الأصول على الإتيان بالطرفين معا (2) اسم «الموافقة القطعية»؛ لأنّ المكلّف عند إتيانه بهما يقطع بأنّه وافق تكليف المولى، كما يطلق على ترك الطرفين معا اسم «المخالفة القطعية».

و أما الإتيان بأحدهما و ترك الآخر (3)، فيطلق عليهما اسم «الموافقة الاحتمالية» و «المخالفة الاحتمالية» لأنّ المكلّف في هذه الحالة يحتمل أنّه وافق تكليف المولى و يحتمل أنّه خالفه.*

* بعد ما اتّضح لك الجواب عن سؤال «هل تجري القاعدة الثانوية في العلم الإجمالي في موارد الشك البدوي؟» فكان الجواب بكلّا، فإنّ‏

____________

(1). إنّ أصالة البراءة لا تجري في العلم الإجمالي، بل يجب الرجوع لأصالة الاحتياط، لوجود القطع في المسألة.

(2). كما في المثال: إتيان الطرفين صلاة الظهر و صلاة الجمعة.

(3). بمعنى إتيان صلاة الظهر و ترك صلاة الجمعة موافقة و مخالفة احتمالية.

106

أصالة البراءة لا تشمل العلم الإجمالي؛ لما عرفت.

فيكون الفرق بين الشكّ البدوي و الشكّ الناتج عن العلم الإجمالي هو التالي: في الشك البدوي لا يوجد علم مسبق فبالتالي تجري فيه القاعدة الثانوية على أساس أنّه لا بيان في المقام و يقبح العقاب بلا بيان، كما عرفت.

و إنّ الشكّ في العلم الإجمالي يكون مقرونا بالعلم و القطع، فلا تشمله أصالة البراءة، بل لا بدّ من الاحتياط و التمسّك بأصالة الاحتياط، فهذا فرق جوهريّ بين الشكّ البدوي و الشكّ في العلم الإجمالي.

فمحصّل الكلام: أنّه عند الشكّ في أطراف العلم الإجمالي لا بدّ من الرجوع إلى الاحتياط، و الاحتياط سبيل النجاة. أما كيفية الاحتياط فهو التالي:

إذا كان العلم الإجمالي بين صلاة الظهر و الجمعة لا بدّ- مع الإمكان- إتيان الصلاتين أي أن تصلّي الظهر و الجمعة، و بذلك تكون قد أدّيت التكليف بشكل قطعي، و يسمّى هذا «الموافقة القطعية».

و أمّا إذا تركت الصلاتين معا فتكون بذلك خالفت التكليف قطعا لتركك الصلاتين، و هذا ما يسمّى بالمخالفة القطعية.

و أما إذا أتيت صلاة الظهر فقط مع العصر، فهذا لا يعني أنك قطعت بإتيان التكليف، بل تحتمل أن يكون هو المقصودة من الوجوب، لذا تسمّى الموافقة الاحتمالية و تركك للظهر أو الجمعة يعني تركك للاحتمال أن تكون هي المقصودة فتسمّى المخالفة الاحتمالية. انتهى.

107

انحلال العلم الإجمالي: إذا وجدت كأسين من ماء قد يكون كلاهما نجسا، و قد يكون أحدهما نجسا فقط، و لكنك تعلم على أيّ حال بأنهما ليسا طاهرين معا، فينشأ في نفسك علم إجمالي بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين، فإذا اتفق لك بعد ذلك أن اكتشفت نجاسة في أحد الكأسين و علمت أنّ هذا الكأس المعيّن نجس، فسوف يزول علمك الإجمالي بسبب العلم التفصيلي؛ لأنك الآن بعد اكتشافك نجاسة ذلك الكأس المعيّن لا تعلم إجمالا بنجاسة أحد الكأسين لا على سبيل التعيين، بل تعلم بنجاسة ذلك الكأس المعيّن علما تفصيليا و تشكّ في نجاسة الآخر.

لأجل هذا لا تستطيع أن تستعمل الصيغة اللغوية الّتي تعبر عن العلم الإجمالي «إمّا و إمّا»، فلا يمكنك أن تقول: «إمّا هذا أو ذاك» بل هذا نجس جزما، و ذاك لا تدري بنجاسته.

و يعبر عن ذلك في العرف الأصولي ب «انحلال العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي بأحد الطرفين و الشكّ البدويّ في الآخر» لأنّ نجاسة ذلك الكأس المعيّن أصبحت معلومة بالتفصيلي، و نجاسة الآخر أصبحت مشكوكة شكا ابتدائيا بعد أن زال العلم الإجمالي، فيأخذ العلم التفصيلي مفعوله من الحجّية و تجري بالنسبة إلى الشكّ الابتدائي أصالة

108

البراءة، أي: القاعدة العملية الثانوية الّتي تجري في جميع موارد الشكّ الابتدائي.*

[انحلال العلم الإجمالي:]

* بعد ما عرفت معنى العلم التفصيلي و العلم الإجمالي و الفرق بينهما، يمكنك عند ذلك العمل على وفق هذه القاعدة إلا و هي:

حيثما كان الشك بدويا يكون الأصل فيه أصالة البراءة.

و حيثما كان الشك في أطراف العلم الإجمالي يكون المرجع فيه أصالة الاحتياط.

لكنّ الشكّ البدوي قد يتحوّل فيما بعد إلى شكّ في أطراف العلم الاجمالي فما ذا نفعل؟

نعمل على وفق القاعدة طالما صار الشك إجماليا فمرجعه إلى أصالة الاحتياط.

و كذلك قد يكون أساس الشكّ في أطراف العلم الإجمالي، ثم نجد إلى تعيين النجاسة و حصرها كما في مثال الكأسين من الماء في المتن، فبعد تشخيص و تحديد و حصر النجاسة في الكأس المعيّن يصبح عند ذلك علما تفصيليا و لا يجري عليه حكم العلم الإجمالي بعد هذا الانحلال. و أما الشكّ في نجاسة الكأس الآخر فهو شكّ بدويّ و مفاده هل الكأس الثاني نجس؟ فالجواب عليه على أساس القاعدة الثانوية و هي البراءة؛ لأنّه شكّ بدوي و المقرر بالشكّ البدوي هو أصالة البراءة فيه.

109

و هذا ما يقال له انحلال العلم الإجمالي فالمراد منه سقوطه عن منجزية تمام أطرافه بقطع النظر عمّا هو المنشأ لسقوطه عن المنجزية، فقد يكون السقوط ناشئا عن زوال العلم بالجامع، إمّا لانقلابه إلى شكّ، و إمّا لانقلابه إلى علم بالنقيض، كما لو كان يعلم بنجاسة أحد الإنائين ثم انكشف له عدم مطابقة معلومة للواقع و أنّ الواقع هو طهارة كلا الإنائين، و أنّ العلم الاجمالي بالنجاسة لم يكن سوى وهم.

و قد يكون زوال العلم بالجامع من جهة سريان المعلوم بالإجمال من الجامع إلى أحد أطرافه المعيّن، كما أنّ سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز لأطرافه قد ينشأ عن قيام الأمارة بتعيين ما هو منطبق الجامع، و قد ينشأ السقوط من عدم جريان الأصول المؤمّنة في بعض الأطراف، فتجري الأصول المؤمّنة في الأطراف الأخر بلا معارض.

و قد ينشأ عن مناشئ أخرى.

و المتحصّل أنّه في كلّ حالة يسقط فيها العلم الإجمالي عن المنجزية لتمام أطرافه يعبّر عن هذه الحالة بانحلال العلم.

110

موارد التردّد: (1) عرفنا أنّ الشكّ إذا كان بدويا حكمت فيه القاعدة العملية الثانوية القائلة بأصالة البراءة، و إذا كان مقترنا بالعلم الإجمالي حكمت فيه القاعدة العملية الأولية.*

[موارد التردّد:]

* للّه الحمد أصبح واضحا و راسخا و بديهيا عندك بعد التكرار أننا إذا صادفنا شكّ و كان واضحا أنّه بدويّ فلا إشكال في أنّ الأصل فيه هو القاعدة الثانوية، أي البراءة، و إذا كان الشكّ في أطراف العلم الإجمالي فيكون المرجع فيه إلى القاعدة الأولية، و هي أصالة الاحتياط.

و هذه القاعدة أصبحت راسخة و تطبق على مصاديقها من دون أيّ حرج أو تردّد؛ لما قد عرفناه و أسّسناه سابقا.

____________

(1). بين الشكّ الابتدائي و الشك المقترن بالعلم الإجمالي.

111

و قد يخفى أحيانا نوع الشكّ، فلا يعلم أ هو من الشكّ الابتدائي أو من الشكّ المقترن بالعلم الإجمالي- أو الناتج عنه بتعبير آخر-؟ و من هذا القبيل مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر كما يسمّيها الأصوليون، و هي أن يتعلّق وجوب شرعي بعملية مركّبة من أجزاء، كالصلاة، و نعلم باشتمال العملية على تسعة أجزاء معيّنة، و نشكّ في اشتمالها على جزء عاشر، و لا يوجد دليل يثبت أو ينفي، ففي هذه الحالة يحاول الفقيه أن يحدّد الموقف العملي فيتساءل هل يجب الاحتياط على المكلّف فيأتي بالتسعة و يضيف إليها هذا العاشر الّذي يحتمل دخوله في نطاق الواجب لكي يكون مؤدّيا على كلّ تقدير، أو يكفيه الإتيان بالتسعة الّتي يعلم بوجوبها و لا يطالب بالعاشر المجهول وجوبه؟ (1)*

* إذا ميزنا الشكّ و عرفناه و حدّدناه فلا توجد مشكلة، فنعمل على وفق القاعدة و نطبّقها، سواء بالشكّ البدوي أو المقرون بالعلم الإجمالي، و هذا مفروغ منه.

لكن الكلام كلّ الكلام في الجهة المشكوك فيها بأنّه هل هو شكّ بدويّ لتشمله أصالة البراءة أو هو شكّ في أطراف العلم الإجمالي لتحكمه أصالة الاحتياط؟ فقد لا يكون الأمر بتلك الدرجة من الوضوح في بعض انحاء الشك كما هو الحال في مسألة دوران.

____________

(1). يعلم على أساس البراءة.

112

الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، حيث إنّ البحث فيها عما هو الأصل الجاري في حالات دوران المركّب الواجب مثلا بين الأقلّ و الأكثر، فهل الأصل الجاري في المقام هو البراءة عن الأكثر- أي البراءة من الجزء العاشر- أو أنّ الأصل الجاري هو الاشتغال و لزوم الإتيان بالأكثر- أي الجزء العاشر- بالإضافة للأقلّ.

و منشأ التعبير عن الأقلّ و الأكثر بالارتباطيين هو أنّ الأكثر على فرض وجوبه مرتبط بالأقلّ في الطاعة و المعصية، فلو كان الأكثر واجبا فإنّ الأقلّ لا يكون امتثاله إلّا بامتثال الأكثر، و يكون عدم امتثال الأكثر معصية لوجوب الأقلّ.

و مثاله ما لو علم المكلّف بوجوب الصلاة، إلّا أنّ الشكّ وقع من جهة أنّ الواجب «الصلاة» هل هو تسعة أجزاء أو عشرة، فالوجوب الثابت للصلاة وجوب واحد ليس له سوى طاعة واحدة و معصية واحدة و لا ينحلّ إلى وجوبات استقلالية.

ثمّ إنّ لدوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين قسمين:

1. دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في الأجزاء، كما في المثال في المتن، بخصوص دوران الأمر بين تسعة أجزاء أو عشرة.

2. دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر في الشرائط، كما لو شكّ في شرطية شي‏ء في الوجوب.

113

و للأصوليين جوابان مختلفان على هذا السؤال يمثّل كلّ منهما اتجاها في تفسير الموقف، (1) فأحد الاتّجاهين يقول بوجوب الاحتياط تطبيقا للقاعدة العملية الأوّلية؛ لأنّ الشكّ في العاشر (2) مقترن بالعلم الإجمالي، و هذا العلم الإجمالي هو علم المكلّف بأنّ الشارع أوجب مركّبا ما، و لا يدرى أ هو المركّب من تسعة أو المركّب من عشرة- أي من تلك أو التسعة بإضافة واحد-؟

و الاتّجاه الآخر يطبّق على الشكّ في وجوب العاشر القاعدة العملية الثانوية بوصفه شكّا ابتدائيا غير مقترن بالعلم الإجمالي؛ لأنّ ذلك العلم الإجمالي الّذي يزعمه أصحاب الاتجاه الأوّل منحلّ بعلم تفصيليّ، و هو علم المكلّف بوجوب التسعة على أيّ حال؛ لأنّها واجبة سواء كان معها جزء عاشر أو لا، فهذا العلم التفصيلي يؤدّي إلى انحلال ذلك العلم الإجمالي، و لهذا لا يمكن أن نستعمل الصيغة اللغوية الّتي تعبر عن العلم الإجمالي، فلا يمكن القول بأن نعلم إمّا بوجوب التسعة أو بوجوب العشرة، بل نحن نعلم بوجوب التسعة على أيّ حال‏ (3) و نشكّ في وجوب العاشر.

و هكذا يصبح الشكّ في وجوب العاشر شكّا ابتدائيا بعد انحلال‏

____________

(1). بين القول بأصالة الاحتياط أو أصالة البراءة في الشكّ لأننا لا نعلم أنّه بدويّ أو مقرون بالعلم الإجمالي.

(2). أي الجزء العاشر في الصلاة.

(3). سواء أ كان جزء عاشر مشكوكا أم لا، لأنّ وجوب الأجزاء التسعة هو قدر متيقّن منه.

114

العلم الإجمالي فتجري البراءة.

و الصحيح هو القول بالبراءة عن غير الأجزاء المعلومة من الأشياء الّتي يشكّ في دخولها ضمن نطاق الواجب كما ذكرناه.*

* اختلف الأصوليون في الجواب على مسألة الشكّ بين الشكّ البدويّ و المقرون بالعلم الإجمالي، فمنهم من تبنّى القول بأصالة الاحتياط و عمل على طبقها على أساس أنها حاكمة في المسألة، و برهن على ذلك أنّه من مصاديق العلم بالجامع و الشكّ و التردّد في الحصّة، و يقول: إنّ الواجب في المركّب إمّا الجزء التاسع أو العاشر، فعند ما لا يمكن أن نقول:

إنّه شكّ بدوي، و نأخذ بأصالة البراءة لما ذا؟ لأنّه لدينا علم بوجوب المركّب و شكّ بعدد المركّب، أ هو تسعة أو عشرة؟ فتكون المسألة من مصاديق الشكّ في أطراف العلم الإجمالي، فنعمل على أساس القاعدة الأولية و نأخذ بالاحتياط.

هذا الرأي الأصولي الأوّل في مسألة الشكّ بين الشكّ البدوي و الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي.

و أمّا الرأي الثاني فهو الّذي تبنّى القول بأصالة البراءة عند الشكّ بين الشكّ البدوي و الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي، و برهن على ذلك أنّ العلم الإجمالي في المسألة قد انحلّ؛ لأننا نعلم أنّ الجزء التاسع من المركّب هو واجب على أيّ حال، و هو مفروغ منه، و الشكّ يكون في الجزء العاشر فقط، فنجري عليه قاعدة الشكّ البدوي، فيكون مصداقا

115

للقاعدة العملية الثانوية، و هي أصالة البراءة، و بعبارة أخرى عند ما شككنا في وجوب المركّب بين الجزء التاسع، و العاشر كان على أساس العلم الإجمالي، لكن عند ما علمنا أنّ القدر المتيقّن من الوجوب هو الجزء التاسع، إذا فالعلم الإجمالي انحلّ؛ لأنّ الجزء التاسع خرج عنه بعلم تفصيليّ، و هو وجوبه و دخوله قطعا بوجوب المركّب.

فينحصر الشكّ البدوي عندئذ بالجزء العاشر فقط، و الجزء العاشر لا علم لنا بوجوبه، بل شكّ، و حكم الشكّ البدوي أصبح واضحا و راسخا عندك، و هو أصالة البراءة، فتكون النتيجة الصحيحة- كما وصفها المصنّف (رحمه اللّه)- القول عند الشكّ بين الشكّ البدوي و الشكّ المقرون بالعلم الإجمالي القاعدة العملية الثانوية، أي الأخذ بأصالة البراءة. انتهى العلم الإجمالي.

116

4. الاستصحاب: على ضوء ما سبق نعرف أنّ أصل البراءة يجري في موارد الشبهة البدوية دون الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي.

و يوجد في الشريعة أصل آخر نظير أصل البراءة، و هو ما يطلق عليه الأصوليون اسم «الاستصحاب».

و معنى الاستصحاب: حكم الشارع على المكلّف بالالتزام عمليا بكلّ شي‏ء كان على يقين منه ثم شكّ في بقائه.

و مثاله: إنّا على يقين من أنّ الماء بطبيعته طاهر، فإذا أصابه شي‏ء متنجّس نشكّ في بقاء طهارته؛ لأننا لا نعلم أنّ الماء هل يتنجس بإصابة المتنجس له أو لا؟

و الاستصحاب يحكم على المكلّف بالالتزام عمليا بنفس الحالة السابقة الّتي كان على يقين بها، و هي طهارة الماء في المثال السابق.

و معنى الالتزام عمليا بالحالة السابقة ترتيب آثار الحالة السابقة من الناحية العملية، فإذا كانت الحالة السابقة هي الطهارة نتصرّف فعلا كما إذا كانت الطهارة باقية، و إذا كانت الحالة السابقة هي الوجوب نتصرف فعلا كما إذا كان الوجوب باقيا، و هكذا، و الدليل على الاستصحاب هو قول‏

117

الإمام الصادق (عليه السلام): في صحيحة زرارة «و لا ينقض اليقين بالشكّ». (1)

و نستخلص من ذلك أنّ كلّ حالة من الشكّ البدوي يتوفّر فيها القطع بشي‏ء أوّلا، و الشكّ في بقائه ثانيا يجري فيها الاستصحاب.*

[4. الاستصحاب:]

* بعد ما عرفت أنّ البراءة تجري في الشكّ البدوي على أساس أنّ هذا الشكّ لم يسبق له علم، نأتي إلى شكّ شبيه له، و لكنه مسبوق بالعلم و اليقين، و شكّ في بقاء المعلوم و استمراره، و هذه المسألة مهمّة و أساسية و كثيرة الاستعمال و مواردها موجودة في شتّى الأبواب، بل قد لا يخلو باب أو مسألة فقهية منها، و هي الأصل العلمي «الاستصحاب» و تعريفه:

هو حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشكّ من حيث الجري العملي.

و بعبارة أوضح إذا كان المكلّف على حالة معيّنة، و كان متيقّنا منها، ثم شكّ في ارتفاعها، فإنّ الشارع المقدّس- هنا- يحكم عليه بإلغاء الشكّ و عدم ترتيب أيّ أثر عليه، و القيام بترتيب آثار اليقين السابق في مجال العمل و الامتثال. كما إذا كان المكلّف على وضوء و كان متيقّنا من ذلك، ثم شكّ في انتقاض وضوئه هذا بنوم أو غيره، فإنّه- هنا- يبني على وضوئه السابق و يرتّب عليه آثاره الشرعية، من جواز الصلاة به و غيره، و يلغي الشكّ الطارئ عليه، بمعنى أنّه لا يرتّب عليه أيّ أثر.

و للاستصحاب أركان نذكرها بالإجمال:

____________

(1). الوسائل: 1/ 174.

118

1. اليقين: و هو العلم- وجدانا أو تعبّدا- بالحالة السابقة على الشكّ.

2. الشكّ: و هو كلّ ما لم يصل إلى مرحلة اليقين- احتمال أو ظنّ الخ ...

3. وحدة المتعلّق في اليقين و الشكّ: أي أنّ ما يتعلّق به اليقين هو نفسه يقع متعلّقا للشكّ.

4. فعليّة الشكّ و اليقين فيه: «فلا عبرة بالشكّ التقديري؛ لعدم صدق النقض به، و لا اليقين كذلك؛ لعدم صدق نقضه بالشكّ».

5. وحدة القضية المتيقّنة و القضية المشكوكة في جميع الجهات.

6. اتصال زمان الشكّ بزمان اليقين.

7. سبق اليقين على الشكّ.

و أمّا حجّية الاستصحاب فالدليل الأوّل هو سيرة العقلاء، و ملخّصه:

إنّ الاستصحاب من الظواهر الاجتماعية العامّة الّتي ولدت مع المجتمعات و درجت معها و ستبقى- ما دامت المجتمعات- ضمانة لحفظ نظامها و استقامتها، و لو قدّر للمجتمعات أن ترفع يدها عن الاستصحاب لما استقام نظامها بحال.

فالشخص الّذي يسافر- مثلا- و يترك بلده و أهله و كلّ ما يتّصل به، لو ترك للشكوك سبيلها إليه- و ما أكثرها لدى المسافرين-

119

و لم يدفعها بالاستصحاب، لما أمكن له أن يسافر عن بلده، بل أن يترك باب بيته أصلا، و لشلّت حركتهم الاجتماعية و فسد نظام حياتهم فيها.

و أما السنّة، فقد استدلّ على الاستصحاب بأحاديث كثيرة، منها ما ذكرها المصنّف (رحمه اللّه) في المتن، و منها موثّقة عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «إذا شككت فابن على اليقين» قلت: هذا أصل؟ قال: نعم. (1)

و الاستصحاب أنواع، منها:

1. استصحاب استقبالي.

2. استصحاب تعليقي.

3. استصحاب تنجيزي.

4. استصحاب العدم الأزلي.

5. الاستصحاب السببي و المسببي.

6. الاستصحاب القهقرائي.

7. الاستصحاب الكلّي.

8. الاستصحاب في الزمان. (2)

____________

(1). الوسائل: 8/ 212.

(2). انظر: القواعد الأصولية: 419؛ فوائد الأصول: 3/ 9؛ أصول المظفر: 3/ 276؛ كفاية الأصول:

387؛ الأصول العامة: 454؛ مبادئ أصول الفقه: 114.

120

الحالة السابقة المتيقّنة: عرفنا أنّ وجود حالة سابقة متيقّنة شرط أساسيّ لجريان الاستصحاب، و الحالة السابقة قد تكون حكما عامّا نعلم بجعل الشارع له و ثبوته في العالم التشريعي، و لا ندري حدود هذا الحكم المفروضة له في جعله و مدى امتداده في عالمه التشريعي، فتكون الشبهة حكمية، و يجري الاستصحاب في نفس الحكم كاستصحاب بقاء طهارة الماء بعد إصابة المتنجس له، و يسمّى بالاستصحاب الحكمي.*

[الحالة السابقة المتيقّنة:]

* قد عرفت و لو إجمالا أنّ للاستصحاب أركانا، و من أركانه الأساسية اليقين بتحقّق المستصحب، و بعبارة أخرى إنّ اليقين بالتحقّق ركن مقوّم للاستصحاب، و معنى ذلك: أنّ مجرّد ثبوت الحالة السابقة في الواقع لا يكفي لفعلية الحكم الاستصحابي لها، إنّما يجري الاستصحاب إذا كانت الحالة السابقة متيقّنة؛ و ذلك لأنّ اليقين قد أخذ في موضوع الاستصحاب في الروايات. حيث جاءت فتوى الإمام الباقر (عليه السلام): «فليس ينبغي لك أن تنقض بالشكّ اليقين». و كذلك كلام الإمام الصادق (عليه السلام) لزرارة: «و لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ».

على أيّ حال فإنّ اليقين السابق قد يكون حكما عاما فنشكّ بزواله فنستصحبه، و يسمّى ذلك بالاستصحاب الحكمي.

121

و قد تكون الحالة السابقة شيئا من أشياء العالم التكويني، علم بوجوده سابقا و لا ندري باستمراره، و هو موضوع للحكم الشرعي، فتكون الشبهة موضوعية، و يجري الاستصحاب في موضوع الحكم، و مثاله استصحاب عدالة الامام الّذي يشكّ في طروء فسقه، و استصحاب نجاسة الثوب الّذي يشك في طروء المطهر عليه، و يسمّى بالاستصحاب الموضوعي؛ لأنّه استصحاب موضوع لحكم شرعي، و هو جواز الائتمام في الأوّل، و عدم جواز الصلاة في الثاني.*

* و اليقين السابق قد يكون موضوعا، كما في مثال المتن حول عدالة الإمام، فإنّ الحالة السابقة في موضوع عدالة الإمام كانت يقينية و نشكّ بزوالها أو بقائها فنستصحب حالة الإمام السابقة المتيقّنة عند الشك فيها ألا و هي العدالة، هذا من ناحية الإتيان، أما من ناحية النفي، كما في المثال، الحالة المتيقّنة من الثوب هي النجاسة، و نشكّ في طروء المطهر و إزالة النجاسة فنستصحب الحالة السابقة المتيقّن بها، ألا و هي النجاسة.

و هذا ما يسمّى بالاستصحاب الموضوعي.

122

و يوجد في عالم الأصول اتجاه ينكر جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية، و يخصّه بالشبهة الموضوعية، و لا شكّ في أنّ الاستصحاب في الشبهة الموضوعية هو المتيقّن من دليله؛ لأنّ صحيحة زرارة الّتي ورد فيها إعطاء الإمام للاستصحاب تتضمن شبهة موضوعية، و هي الشكّ في طروء النوم الناقض‏ (1)، و لكنّ هذا لا يمنع عن التمسك بإطلاق كلام الإمام في قوله: «و لا ينقض اليقين بالشكّ» لإثبات عموم القاعدة لجميع الحالات، فعلى مدعي الاختصاص أن يبرز قرينة على تقييد هذا الإطلاق.*

* في الحقيقة وقع الكلام بين الأصوليين في جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فذهب المشهور و المصنّف (رحمه اللّه) منهم إلى جريانه بدعوى أنّ الدليل مطلق، و كلام الإمام (عليه السلام) عام يشمل جميع حالات الشكّ في المقام، و أي تقييد يحتاج إلى دليل- هذا كلام المشهور، و في مقابله ذهب الشيخ النراقي و السيد الخوئي رحمهما اللّه إلى عدم جريانه.

و محلّ البيان و النقاش في المسألة ليس هنا، إنّما المهم أن نعرف أنّ الاستصحاب يجري في الحكم و الموضوع، و دليله الإطلاق في كلام الإمام (عليه السلام) و عدم وجود مقيّد له.

____________

(1). للوضوء.

123

الشكّ في البقاء: الشكّ في البقاء هو الشرط الأساسي الآخر لجريان الاستصحاب.

و يقسم الأصوليون الشكّ في البقاء إلى قسمين تبعا لطبيعة الحالة السابقة الّتي نشكّ في بقائها؛ لأنّ الحالة السابقة قد تكون قابلة بطبيعتها للامتداد زمانيا، و إنّما نشكّ في بقائها نتيجة لاحتمال وجود عامل خارجي أدّى إلى ارتفاعها.

و مثال ذلك: طهارة الماء، فإنّ طهارة الماء تستمر بطبيعتها و تمتدّ إذا لم يتدخّل عامل خارجيّ، و إنّما نشكّ في بقائها لدخول عامل خارجيّ في الموقف، و هو إصابة المتنجّس للماء.

و كذلك نجاسة الثوب، فإنّ الثوب إذا تنجّس تبقى نجاسته و تمتدّ ما لم يوجد عامل خارجيّ و هو الغسل، و يسمّى الشكّ في بقاء الحالة السابقة الّتي من هذا القبيل ب «الشكّ في الرافع».*

[الشكّ في البقاء:]

* الركن الثاني من أركان الاستصحاب هو الشكّ في البقاء، و هو ركن أساسي لجريان الاستصحاب، و قد قسّم الأصوليون هذا الركن، و هو الشكّ في البقاء إلى قسمين:

كما هو واضح في المتن ما يحتمل وجود عامل خارجي أدّى إلى ارتفاعه: هذا القسم الأوّل، و المهمّ أن نبيّن أنّ معنى الرافع هو ما

124

يحول دون استمرار الوجود للمعلول، و بعبارة أخرى إنّ الرافع هو ما يوجب انتفاء فاعلية المقتضي في بقاء مقتضاه، أو قل: هو ما يحول دون تأثير المقتضي في بقاء أثّره بعد أن أثر في إيجاده و إحداثه، فبعد وجود المعلول و اقتضاء علّته لبقائه و استمراره يكون دور الرافع هو الحيلولة دون تأثير المقتضي في استمرار البقاء لوجود المعلول.

و مثال الرافع هو زوال التغيّر عن الماء، إذ إنّه يحول دون استمرار اتّصاف الماء بالنجاسة بعد أن كانت ملاقاته للنجاسة مقتضية لبقاء اتّصافه بالنجاسة.

125

و قد تكون الحالة السابقة غير قادرة على الامتداد زمانيا، بل تنتهي بطبيعتها دون تدخّل عامل خارجي في الموقف.

و مثاله: نهار شهر رمضان الّذي يجب فيه الصوم إذا شكّ الصائم في بقاء النهار، فإنّ النهار ينتهي بطبيعته و لا يمكن أن يمتدّ زمانيا، فالشكّ في بقائه لا ينتج عن احتمال وجود عامل خارجيّ، و إنّما هو نتيجة لاحتمال انتهاء النهار بطبيعته و استنفاده لطاقته و قدرته على البقاء.

و يسمّى الشكّ في بقاء الحالة السابقة الّتي من هذا القبيل ب «الشكّ في المقتضي» لأنّ الشكّ في مدى اقتضاء النهار و استعداده للبقاء.*

* و القسم الثاني في الشكّ في البقاء هو ما لم يدخل فيه أيّ عامل خارجيّ، و مثاله واضح، المهمّ هو أنّ الشكّ في البقاء ركن أساسيّ من أركان الاستصحاب، و هو على قسمين، قسم يوجد عامل خارجيّ فيه، و قسم بدون تدخّل أيّ عامل خارجيّ فيه، و مثالهما في المتن واضح.

126

و يوجد في علم الأصول اتّجاه ينكر جريان الاستصحاب إذا كان الشكّ في بقاء الحالة السابقة من نوع الشكّ في المقتضي و يخصّه بحالات الشكّ في الرافع.

و الصحيح عدم الاختصاص؛ تمسّكا بإطلاق دليل الاستصحاب.*

* ذهب جماعة من الأصوليين، و منهم الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه اللّه) إلى التفصيل في جريان الاستصحاب بين الشكّ في المقتضي و الشكّ في الرافع، فإنّ الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) يبني على عدم جريان الاستصحاب إلّا إذا كان الشكّ من قبيل الشكّ في الرافع.

بيد أنّ رأي المشهور، و منهم المصنّف (رحمه اللّه) هو جريان الاستصحاب في كلا القسمين بدعوى أنّ الدليل مطلق، و كلام الإمام (عليه السلام) عام يشمل جميع حالات الشكّ و منها حالة الشكّ في المقتضي و أيّ تقيد يحتاج إلى دليل. انتهى.

127

وحدة الموضوع في الاستصحاب: و يتّفق الأصوليون على أنّ من شروط الاستصحاب وحدة الموضوع، و يعنون بذلك أن يكون الشكّ منصبّا على نفس الحالة الّتي كنّا على يقين بها، فلا يجري الاستصحاب إذا كان المشكوك و المتيقّن متغايرين، مثلا: إذا كنّا على يقين بنجاسة الماء، ثم صار بخارا، و شككنا في نجاسة هذا البخار، لم يجر هذا الاستصحاب؛ لأنّ ما كنّا على يقين بنجاسته هو الماء، و ما نشكّ فعلا في نجاسته هو البخار، و البخار غير الماء، فلم يكن مصبّ اليقين و الشكّ واحدا.*

[وحدة الموضوع في الاستصحاب:]

* الركن الثالث من أركان الاستصحاب الأساسية هو وحدة الموضوع في الاستصحاب، بحيث يكون الشكّ و اليقين من موضوع واحد كما الحال في الماء الطاهر المتيقّن من طهارته سابقا، فينبغي لجريان الاستصحاب فيه عند الشكّ في نجاسته أن يكون الشكّ في الماء لا بشي‏ء آخر مغاير له في الموضوع، و إلّا إذا كان مغايرا له كالبخار مثلا فلا يجري الاستصحاب هنا؛ لأنّه يشترط في جريان الاستصحاب وحدة الموضوع فيه.

إذا يمكننا القول هنا على صعيد هذه الحلقة: إنّ أركان الاستصحاب ثلاثة، اليقين بالحالة السابقة، الشكّ في البقاء وحدة الموضوع في الاستصحاب، و نكون بذلك بعون اللّه تعالى قد انتهينا من الأصول العملية لنشرع بإذن اللّه تعالى ببحث التعارض.

128

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

129

تعارض الأدلّة

130

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

131

تعارض الأدلّة عرفنا فيما سبق أنّ الأدلّة على قسمين: و هما الأدلّة المحرزة و الأصول العملية. و من ثمّ يقع البحث تارة في تعارض دليلين من الأدلّة المحرزة، و أخرى في التعارض بين أصلين عمليين، و ثالثة في التعارض بين دليل محرز و أصل عمليّ، فالكلام في ثلاث نقاط نذكرها فيما يلي تباعا إن شاء اللّه تعالى.*

[تعارض الأدلّة]

* بعد ما انتهينا من البحث في الأدلّة المحرزة المتمثّلة بالدليل الشرعي اللفظي و غير اللفظي و الدليل العقلي و الأصول العملية كأصالة الاحتياط و البراءة و الاستصحاب، نأتي إلى ختام هذه الحلقة المباركة بمبحث التعارض بين الأدلّة، و لا يخفى عليكم أنّه قد يكون مؤدّى بعض الأدلّة منافيا لبعضها الآخر، أو قد يكون التنافي بين أفراد الدليل الواحد- كالأخبار المتعارضة فيما بينها- أو الأصول العملية المتنافية.

و هذا المبحث من أهمّ المباحث الأصولية الّتي يتوقّف عليها الاستنباط، لذا يلزم الفقيه أن يفرغ منه في مرحلة سابقة على إعمال ملكته العلمية، لكثرة التنافي بين مؤدّيات الأدلّة الّتي لا تخلو غالبا منها أكثر المسائل الفقهية.

132

و من ثم توجّه أعلام الفقهاء و الأصوليين لبحث ذلك منذ زمان، و إن اختصّت كلمات القدماء- نوعا ما- بالأخبار المتعارضة و علاجها، و إذا تعرّضوا لتقديم دليل على غيره- كتقديم بعض الطرق على الأصول، أو بعض الأصول على بعض- فإنّما يتعرضون له بالعرض.

بينما توسع متأخّر و الأصوليين في هذه الأبحاث، و من ثم جعلوا البحث فيها في قسم مستقلّ في قبال باقي أقسام المباحث الأصولية، أو كما هو الحال في هذه الحلقة، حيث جعل المصنّف (رحمه اللّه) بحث التعارض خاتمة لها بعد معرفة حقيقة كلّ منها.

و المراد من التعارض هو التنافي بين مؤدّى دليلين بنحو يعلم بعدم واقعية أحدهما. و لحلّ هذا التعارض بين الأخبار و الأدلّة الشرعية أو العقلية و الأصول العملية توجد قواعد هنا في هذا المبحث تتكفّل بذلك، منها ترجيح الدليل القطعي على غيره، و منها ترجيح الأدلّة القرآنية على غيرها، و منها الجمع العرفيّ بين الروايات، و منها وجود ملاكات وضعها الشارع، و منها تقديم الأدلّة المحرزة على غيرها، و المصنّف (رحمه اللّه) بحث كلّ هذه الأمور على صعيد هذه الحلقة بشكل نموذجي مفيد للمبتدئين في هذا العلم، لذا نحن نكتفي بهذا المقدار هاهنا، و نختم القول بأنّني لا أدعي لنفسي الكمال، أو الاستيعاب لجميع خصوصيات هذه الحلقة، بل عند ما شرعت بشرح هذه الحلقة اعترفت بقلّة البضاعة لكنه شعور بالحاجة الملحّة، بل بالأهمية لشرح هذه الحلقة على الأقلّ؛

133

لكي لا تبقى يتيمة عن أختيها الحلقة الثانية و الحلقة الثالثة، أملي أن يجد فيها الطلّاب و المبتدءون بهذا العلم مرادهم.

و أسأل اللّه أن يتقبل منا هذا القليل و يعفو عن الكثير، و يكون هذا العمل الصغير خالصا لوجهه تعالى، سائلا ربي و متوسّلا بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و آله الأطهار أن يتغمّد الإمام الشهيد الصدر (قدّس سرّه) برحمته الواسعة.

و أخيرا: ألتمس من كلّ قارئ و مستفيد من هذا الكتاب الدعاء لي و لأهلي بالمغفرة و الرحمة و التوبة و حسن العاقبة، و أن لا يخرجني ربّي من الدنيا الدنية حتى يرضى عني، هذا في حياتي، و أمّا في مماتي فلا تنسونا بالفاتحة و الترحّم.

و السلام على آل يس و الحمد للّه ربّ العالمين‏

قم المقدسة بجوار سيدتنا فاطمة المعصومة (عليها السلام) محمد علي الحسيني‏WWW .banihashem .org تلفون لبنان: 009613961846

134

1 التعارض بين الأدلة المحرزة و التعارض بين دليلين محرزين معناه التنافي بين مدلوليهما، و هو على أقسام، منها أن يحصل في نطاق الدليل الشرعي اللفظي بين كلامين صادرين من المعصوم، و منها أن يحصل بين دليل شرعيّ لفظيّ و دليل عقليّ، و منها أن يحصل بين دليلين عقليين.

حالة التعارض بين دليلين لفظيين‏ في حالة التعارض بين دليلين لفظيين توجد قواعد نستعرض فيما يلي عددا منها:

1. من المستحيل أن يوجد كلامان للمعصوم يكشف كلّ منهما بصورة قطعية عن نوع من الحكم يختلف عن الحكم الّذي يكشف عنه الكلام الآخر، لأنّ التعارض بين كلامين صريحين من هذا القبيل يؤدّي إلى وقوع المعصوم في التناقض، و هو مستحيل.

2. قد يكون أحد الكلامين الصادرين من المعصوم نصّا صريحا

135

و قطعيّا، و يدلّ الآخر بظهوره على ما ينافي المعنى الصريح لذلك الكلام.

و مثاله: أن يقول الشارع في حديث مثلا: «يجوز للصّائم أن يرتمس في الماء حال صومه» و يقول في حديث آخر: «لا ترتمس في الماء و أنت صائم»، فالكلام الأوّل دالّ بصراحة على إباحة الارتماس للصائم، و الكلام الثاني يشتمل على صيغة نهي، و هي تدلّ بظهورها على الحرمة؛ لأنّ الحرمة هي أقرب المعاني إلى صيغة النهي، و إن أمكن استعمالها في الكراهة مجازا، فينشأ التعارض بين صراحة النصّ الأوّل في الإباحة و ظهور النصّ الثاني في الحرمة؛ لأنّ الإباحة و الحرمة لا يجتمعان. و في هذه الحالة يجب الأخذ بالكلام الصريح القطعيّ؛ لأنّه يؤدّي إلى العلم بالحكم الشرعيّ، فنفسّر الكلام الآخر على ضوئه، و نحمل صيغة النهي فيه على الكراهة لكي ينسجم مع النصّ الصريح القطعيّ الدالّ على الإباحة. و على هذا الأساس يتبع الفقيه في استنباطه قاعدة عامّة، و هي الأخذ بدليل الإباحة و الرخصة إذا عارضه دليل آخر يدلّ على الحرمة أو الوجوب بصيغة نهي أو أمر؛ لأنّ الصيغة ليست صريحة، و دليل الإباحة و الرخصة صريح غالبا.

3. قد يكون موضوع الحكم الّذي يدلّ عليه أحد الكلامين أضيق نطاقا و أخصّ دائرة من موضوع الحكم الّذي يدلّ عليه الكلام الآخر.

و مثاله أن يقال في نصّ: «الربا حرام» و يقال في نصّ آخر: «الربا بين الوالد و ولده مباح» فالحرمة الّتي يدلّ عليها النصّ الأوّل موضوعها عامّ؛ لأنّها

136

تمنع بإطلاقها عن التعامل الربويّ مع أيّ شخص، و الإباحة في النصّ الثاني موضوعها خاصّ؛ لأنّها تسمح بالربا بين الوالد و ولده خاصّة، و في هذه الحالة نقدّم النصّ الثاني على الأوّل؛ لأنّه يعتبر بوصفه أخصّ موضوعا من الأوّل قرينة عليه، بدليل أنّ المتكلّم لو أوصل كلامه الثاني بكلامه الأوّل فقال: «الربا في التعامل مع أيّ شخص حرام، و لا بأس به بين الوالد و ولده» لأبطل الخاصّ مفعول العامّ و ظهوره في العموم.

و قد عرفنا سابقا أنّ القرينة تقدّم على ذي القرينة، سواء كانت متّصلة أو منفصلة.

و يسمّى تقديم الخاصّ على العامّ تخصيصا للعامّ إذا كان عمومه ثابتا بأداة من أدوات العموم، و تقييدا له إذا كان عمومه ثابتا بالإطلاق و عدم ذكر القيد. و يسمّى الخاصّ في الحالة الأولى «مخصّصا» و في الحالة الثانية «مقيّدا» و على هذا الأساس يتّبع الفقيه في الاستنباط قاعدة عامّة، و هي الأخذ بالمخصّص و المقيّد و تقديمهما على العامّ و المطلق.

إلّا أنّ العامّ و المطلق يظلّ حجّة في غير ما خرج بالتخصيص و التقييد، إذ لا يجوز رفع اليد عن الحجّة إلّا بمقدار ما تقوم الحجّة على الأقوى على الخلاف، لا أكثر.

4. و قد يكون أحد الكلامين دالّا على ثبوت حكم لموضوع، و الكلام الآخر ينفي ذلك في حالة معيّنة بنفي ذلك الموضوع. و مثاله أن يقال في كلام: «... يجب الحجّ على المستطيع» و يقال في كلام آخر:

137

«المدين ليس مستطيعا» فالكلام الأوّل يوجب الحجّ على موضوع محدّد، و هو المستطيع، و الكلام الثاني ينفي صفة المستطيع عن المدين، فيؤخذ بالثاني و يسمّى «حاكما» و يسمى الدليل الأوّل «محكوما».

و تسمّى القواعد الّتي اقتضت تقديم أحد الدليلين على الآخر في هذه الفقرة و الفقرتين السابقتين بقواعد الجمع العرفيّ.

5. إذا لم يوجد في النصّين المتعارضين كلام صريح قطعيّ، و لا ما يصلح أن يكون قرينة على تفسير الآخر و مخصّصا له أو مقيّدا أو حاكما عليه، فلا يجوز العمل بأيّ واحد من الدليلين المتعارضين؛ لأنّهما على مستوى واحد، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر.

حالات التعارض الأخرى‏ و حالات التعارض بين دليل لفظيّ و دليل من نوع آخر أو دليلين من غير الأدلّة اللفظية لها قواعد أيضا نشير إليها ضمن النقاط التالية:

1. الدليل اللفظيّ القطعيّ لا يمكن أن يعارضه دليل عقليّ قطعيّ؛ لأنّ دليلا من هذا القبيل إذا عارض نصّا صريحا من المعصوم (عليه السلام) أدّى ذلك إلى تكذيب المعصوم (عليه السلام) و تخطئته، و هو مستحيل.

و لهذا يقول علماء الشريعة: إنّ من المستحيل أن يوجد أيّ تعارض بين نصوص الشريعة الصريحة و أدلّة العقل القطعيّة.

و هذه الحقيقة لا تفرضها العقيدة فحسب، بل يبرهن عليها

138

الاستقراء في النصوص الشرعيّة و دراسة المعطيات القطعيّة للكتاب و السنّة، فإنّها جميعا تتّفق مع العقل، و لا يوجد فيها ما يتعارض مع أحكام العقل القطعية إطلاقا.

2. إذا وجد تعارض بين دليل لفظي و دليل آخر ليس لفظيا و لا قطعيا قدّمنا الدليل اللفظي؛ لأنّه حجّة، و أمّا الدليل غير اللفظيّ فهو ليس حجّة ما دام لا يؤدّي إلى القطع.

3. إذا عارض الدليل اللفظي غير الصريح دليلا عقليا قطعيا قدّم العقلي على اللفظي؛ لأنّ العقلي يؤدّي إلى العلم بالحكم الشرعي، و أمّا الدليل اللفظي غير الصريح فهو إنّما يدلّ بالظهور، و الظهور إنّما يكون حجّة بحكم الشارع إذا لم نعلم ببطلانه، و نحن هنا على ضوء الدليل العقلي القطعي نعلم بأنّ الدليل اللفظي لم يرد المعصوم (عليه السلام) منه معناه الظاهر الّذي يتعارض مع دليل العقل، فلا مجال للأخذ بالظهور.

4. إذا تعارض دليلان من غير الأدلّة اللفظية فمن المستحيل أن يكون كلاهما قطعيا؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى التناقض، و إنّما قد يكون أحدهما قطعيا دون الآخر، فيؤخذ بالدليل القطعيّ.

139

2 التعارض بين الأصول‏ و أمّا التعارض بين الأصول فالحالة البارزة له هي التعارض بين البراءة و الاستصحاب، و مثالها أنّا نعلم بوجوب الصوم عند طلوع الفجر من نهار شهر رمضان حتى غروب الشمس، و نشكّ في بقاء الوجوب بعد الغروب إلى غياب الحمرة، ففي هذه الحالة تتوفّر أركان الاستصحاب من اليقين بالوجوب أوّلا و الشكّ في بقائه ثانيا، و بحكم الاستصحاب يتعيّن الالتزام عمليا ببقاء الوجوب.

و من ناحية أخرى نلاحظ أنّ الحالة تندرج ضمن نطاق أصل البراءة؛ لأنّها شبهة بدوية في التكليف غير مقترنة بالعلم الإجمالي، و أصل البراءة ينفي وجوب الاحتياط و يرفع عنّا الوجوب عمليا، فبأيّ الأصلين نأخذ؟

و الجواب أنّا نأخذ بالاستصحاب، و نقدّمه على أصل البراءة، و هذا متّفق عليه بين الأصوليين، و الرأي السائد بينهم لتبرير ذلك أنّ دليل الاستصحاب حاكم على دليل أصل البراءة، لأنّ دليل أصل البراءة هو

140

النصّ النبويّ القائل: «رفع ما لا يعلمون» و موضوعه كلّ ما لا يعلم، و دليل الاستصحاب هو النصّ القائل: «لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ» و بالتدقيق في النصّين نلاحظ أنّ دليل الاستصحاب يلغي الشكّ و يفترض كأنّ اليقين باق على حاله، فيرفع بذلك موضوع أصل البراءة.

ففي مثال وجوب الصوم، لا يمكن أن نستند إلى أصل البراءة عن وجوب الصوم بعدم غروب الشمس بوصفه وجوبا مشكوكا؛ لأنّ الاستصحاب يفترض هذا الوجوب معلوما، فيكون دليل الاستصحاب حاكما على دليل البراءة؛ لأنّه ينفي موضوع البراءة.

141

3 التعارض بين الدليل المحرز و الأصل العملي‏ نصل الآن إلى فرضية التعارض بين دليل محرز و أصل عملي كأصل البراءة أو الاستصحاب.

و الحقيقة أنّ الدليل إذا كان قطعيا فالتعارض غير متصوّر عقلا بينه و بين الأصل؛ لأنّ الدليل القطعي على الوجوب مثلا يؤدّي إلى العلم بالحكم الشرعي و مع العلم بالحكم الشرعي لا مجال للاستناد إلى أيّ قاعدة عملية؛ لأنّ القواعد العملية إنّما تجري في ظرف الشكّ، إذ قد عرفنا سابقا أنّ أصل البراءة موضوعه كلّ ما لا يعلم، و الاستصحاب موضوعه أن نشكّ في بقاء ما كنّا على يقين منه، فإذا كان الدليل قطعيّا لم يبق موضوع هذه الأصول و القواعد العمليّة.

و إنّما يمكن افتراض لون من التعارض بين الدليل و الأصل إذا لم يكن الدليل قطعيا، كما إذا دلّ خبر الثقة على الوجوب أو الحرمة- و خبر الثقة كما مرّ بنا دليل ظنّي حكم الشارع بوجوب اتّباعه و اتّخاذه دليلا- و كان أصل البراءة من ناحية أخرى يوسّع و يرخّص.

142

و مثاله: خبر الثقة الدالّ على حرمة الارتماس على الصائم، فإنّ هذه الحرمة إذا لاحظناها من ناحية الخبر فهي حكم شرعيّ قد قام عليه الدليل الظنّي، و إذا لاحظناها بوصفها تكليفا غير معلوم نجد أنّ دليل البراءة- رفع ما لا يعلمون- يشملها، فهل يحدّد الفقيه في هذه الحالة موقفه على أساس الدليل الظنّي المعتبر أو على أساس الأصل العمليّ؟

و يسمّي الأصوليون الدليل الظنّي بالأمارة، و يطلقون على هذه الحالة اسم التعارض بين الأمارات و الأصول.

و لا شكّ في هذه الحالة لدى علماء الأصول في تقديم خبر الثقة و ما إليه من الأدلّة الظنّية المعتبرة على أصل البراءة و نحوه من الأصول العملية؛ لأنّ الدليل الظنّيّ الّذي حكم الشارع بحجّيته يؤدّي بحكم الشارع هذا دور الدليل القطعيّ، فكما أنّ الدليل القطعي ينفي موضوع الأصل و لا يبقي مجالا لأيّ قاعدة عملية، فكذلك الدليل الظنّي الّذي أسند إليه الشارع نفس الدور و أمرنا باتخاذه دليلا، و لهذا يقال عادة: إنّ الأمارة حاكمة على الأصول العملية.

143

فهرس المصطلحات الأصولية مع شرحها

آية النبأ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1).

آية النفر: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ (2).

اجتماع الأمر و النهي: هو أن يجتمع الوجوب و الحرمة في فعل واحد بعنوان واحد، و هو مستحيل، أو بعنوانين، كالصلاة في المكان الغصبيّ.

الاجتهاد: هو بذل الجهد في دراسة المصادر الشرعيّة و استخراج الفروع منها.

الإجماع: هو اتّفاق جميع الفقهاء في فتوى واحدة لم نعرف مستندها. و بما أنّه طريق إلى معرفة الحكم الشرعي فهو من أقسام الخبر الحدسيّ.

الأحكام الشرعيّة: هي القضايا الّتي تحصل من عمليّة الاستنباط

____________

(1). الحجرات: 6.

(2). التوبة: 122.

144

و تشتمل على الحدود الشرعيّة الّتي تتّصل بتنظيم حياة الإنسان.

الإخبار: هو أنّ معنى الجملة يكون ظاهرا في الإخبار عن الواقع في قبال الإنشاء الّذي لا يحكي عن الواقع بل ظاهر في إنشاء معنى في المستقبل.

الأدلّة الاجتهاديّة: انظر الأدلّة المحرزة.

الأدلّة العمليّة: انظر الأصول العمليّة.

الأدلّة الفقاهتية: انظر الأصول العمليّة.

الأدلّة المحرزة: هي الأدلّة الّتي تحرز لنا الواقع من الأحكام الشرعيّة.

الاستصحاب: هو الوظيفة العمليّة الّتي قرّرها الشارع عند الشكّ المسبوق بيقين، و مقتضاه استمرار الأحكام المترتّبة على اليقين السابق إلى أن يحصل يقين آخر ينقضه.

الاستعمال الحقيقي: هو أن تستعمل الكلمة في معناها الحقيقي.

الاستعمال المجازي: هو أن تستعمل الكلمة في غير معناها الحقيقي.

الاستنباط: هو العمليّة الّتي يطبّقها الفقيه لاستخراج الأحكام الشرعيّة من مصادرها.

الأصول العمليّة: هي الأدلّة الأصوليّة الّتي تعالج حالات الشكّ في الحكم الشرعيّ، حيث لا يمكن إحراز الحكم الواقعي فيها.

145

اقتضاء الحرمة البطلان: هو أنّ الإتيان بالفعل الحرام كالغصب مثلا يقتضي بطلان الفعل الواجب كالصلاة.

الإنشاء: هو أنّ معنى الجملة يكون ظاهرا في إنشاء خبر في المستقبل لا وقوعه في الماضي أو المستقبل و يقابله الإخبار.

أدوات العموم: هي الأدوات الّتي تسبّب دلالة الكلام على شموله لجميع أفراد الموضوع كلفظة «كلّ» و «كافّة» و «جميع» و «أيّ» و «دائما».

أصالة الإطلاق: هي القاعدة الأصوليّة عند الشكّ بين الإطلاق و التقييد عند ما لم تكن في الكلام قرينة على تقييده، فالأصل هو الإطلاق، و عليه يحمل الكلام.

أصالة الحقيقة: هي حمل الكلام على المعنى الحقيقيّ عند الشكّ بينه و بين المعنى المجازيّ، و لم تكن هناك قرينة على المعنى المجازي.

أصالة الظهور: هي الأخذ بالمعنى الظاهر عند الشكّ بينه و بين غيره.

أصالة العموم: و هي حمل الكلام على المعنى العام عند الشكّ بينه و بين الخاصّ، و لم تكن هناك قرينة على الخاصّ.

البراءة الشرعيّة: أصل عمليّ يعالج حالة الشكّ البدويّ في التكليف و مقتضاه عدم التكليف.

التخيير (في التعارض): و هو علاج التعارض بين دليلين في حالات خاصّة.

146

التساقط: و هو العلاج العام للدليلين المتعارضين إذا كانا قطعيّين.

التشريع: هو وضع الحدود على أساس ملاكات من المصالح و المفاسد، من قبل الشارع، و هو اللّه سبحانه و تعالى من خلال كتابه الكريم أو بيان رسوله العظيم أو الأئمّة من بعده (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

التفقّه بالمعنى الخاصّ (في القرآن): معرفة الأحكام بأصولها و أصول تفريعها عن طريق الرجوع إلى المعصوم و الأخذ عنه و يختصّ ببعض التشريع.

التفقّه بالمعنى العام (بعد عصر التشريع): دراسة المصادر و استخراج الأحكام الشرعيّة و الوظيفة العمليّة ببذل الجهد و إقامة الدليل.

تقرير المعصوم: سكوت المعصوم عن عمل الآخرين بما أنّه مسئول عن تعليم الناس.

التواتر اللفظيّ: هو نقل الخبر بطرق عديدة و بلفظ واحد، حيث يوجب القطع بصدور الكلام من المعصوم (عليه السلام).

التواتر المعنويّ: هو نقل الخبر بطرق عديدة، و لكن بلفظ غير متّحد في جميعها، حيث يوجب القطع بصدور المعنى من المعصوم.

الحجّة الشرعيّة: هي ما جعله الشارع حجّة علينا، مع أنّ العقل لم‏

147

يقطع بها، كظهور الكلام في معنى خاصّ أو انتساب خبر الواحد الثقة إلى المعصوم.

الحجّة العقليّة: هي ما يدرك العقل حجّيّتها من دون جعل الشارع كحجّيّة القطع.

الحجّيّة: هي كون الدليل ممّا سيحتجّ به الشارع علينا إن قصّرنا في التكليف، و ما سنحتجّ به على الشارع إنّ أدّينا التكليف، و لكن كنّا قد أخطأنا في معرفته.

حجّيّة الظهور (العرفيّ): هي أنّ ظهور الكلام ممّا سيحتجّ به الشارع على المكلّف إذا لم يكن يعمل به، و للمكلّف الاحتجاج به عند الشارع إذا كان مخطئا فيه.

حجّيّة خبر الواحد: هي أنّ خبر الواحد حجّة على المكلّف عند الشارع.

حديث الرفع: رفع عن أمّتي تسع.

الحرمة: هي حكم تكليفيّ يدلّ على أنّ موضوعه يوجب سخط اللّه بدرجة يلزم على الإنسان تركه.

الحكم التكليفيّ: هو الحكم الشرعيّ الّذي يوجّه سلوك الإنسان مباشرة و يتعلّق بأفعاله.

الحكم الشرعيّ: انظر الأحكام الشرعيّة.

148

الحكم الظاهريّ: هو الحكم الّذي يعيّن الوظيفة العمليّة عند الشكّ في الحكم الواقعيّ.

الحكم الواقعيّ: هو الحكم الشرعيّ الّذي يحكي عن واقع الشريعة، و هي محرزة لنا فيه.

الحكم الوضعيّ: هو الحكم الشرعيّ الّذي يوجّه سلوك الإنسان بنحو غير مباشر، و لا يتعلّق بأفعال الإنسان، بل يوضّح العلاقات بين موضوعات الأحكام التكليفيّة الّتي موضوعها أفعال الإنسان.

الخبر الحدسيّ: هو ما حكى عن المعصوم دليلا لم يصل إلينا، و لكن نعلم بوجوده عن طريق الحدس.

الخبر الحسّيّ: هو ما حكى عن المعصوم قولا أو فعلا أو تقريرا عن طريق الحسّ (السمع أو البصر).

الخبر المتواتر: هو الخبر الّذي قد نقل عن طرق عديدة توجب قطعنا بصدوره عن المعصوم.

خبر الواحد: هو الخبر الّذي قد نقل من طريق واحد أو طرق لا توجب القطع بصدوره عن المعصوم.

خبر الواحد الثقة: هو الخبر الواحد الّذي يرويه ثقة عن ثقة.

الدليل الشرعيّ: هو ما نستخرجه من المصادر الشرعيّة، أي الكتاب و السنّة.

149

الدليل الشرعيّ اللفظيّ: هو كلام الشارع كتابا و سنّة.

الدليل الشرعيّ غير اللفظيّ: هو فعل المعصوم أو تقريره لعمل أو سيرة ممّا له دلالة على الحكم الشرعيّ.

الدليل العقليّ: هو الدليل الّذي يستخرج الحكم الشرعيّ المستمدّ من العقل.

الدليل العقليّ المستقلّ: و هو الدليل الّذي يستقلّ في دلالته على الحكم الشرعيّ.

الدليل العقليّ غير المستقلّ: و هو الدليل العقليّ الّذي لا يستقلّ في دلالته على الحكم الشرعيّ، بل يستمدّ من الدليل الشرعيّ.

الدين: انظر الشريعة.

السيرة العقلائية: هي تعامل العقلاء في موضوع خاصّ، حيث نشأ عن ميل عام عندهم، و لا يتّصل بتأثّرهم من الشرع شيئا.

سيرة المتشرّعة: هي تصرّف المتديّنين في عصر المعصومين (عليهم السلام) على أساس توجيه شرعيّ لم يصل إلينا.

الشارع: هو اللّه سبحانه و تعالى.

الشريعة: هي الحدود الّتي وضعها الشارع لتنظيم حياة الإنسان كمنهج يحقّق له سعادته في الدنيا و الآخرة.

150

الشهرة: هي اتّفاق عدد كبير من الفقهاء في فتوى واحدة لم نعرف مستندها.

الظاهر: هو كلام الشارع الّذي دلالته على أحد معانيه أقوى من دلالته على سائرها.

الظهور العرفيّ: هو كون دلالة اللفظ على معنى واحد أكثر من دلالته على سائر معانيه عند العرف.

العامّ: هو الكلام الّذي وردت فيه إحدى أدوات العموم، و بسببها يدلّ الكلام على شمول الحكم لجميع أفراد الموضوع، و لم تكن هناك قرينة متّصلة أو منفصلة على تخصيصه.

عصر التشريع: و هو عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة (عليهم السلام).

علم الأصول (أصول الفقه): هو العلم بالقواعد العامّة لعمليّة الاستنباط و منهجيّتها.

علم الفقه: هو علم استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها.

القرينة المتّصلة: هي القرينة الّتي تأتي في الكلام مباشرة على خلاف ظهوره.

القرينة المنفصلة: هي القرينة الّتي تأتي على خلاف ظهور الكلام بنحو غير مباشر.