حياة ما بعد الموت

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
318 /
55

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين،و الصلاة و السّلام على أوليائه المقربين محمد و آله الطاهرين.

هذا الكتاب يتضمن رسالة كتبناها في موضوع المعاد 1 ،نخوض فيها-بعون من اللّه سبحانه و تعالى-بحال الإنسان في مرحلة ما بعد الحياة الدنيا،استنادا إلى ما

____________

(1)قال الجوهري:المعاد:المصير و المرجع.

الصحاح،الجوهري:2/514،مادة«عود».

قال الطريحي:المعاد،هو:بعث الأجسام البشرية،و تعلق أنفسها بها للنفع،أو الانتصاف و الجزاء.

مجمع البحرين،الطريحي:3/272،مادة«عود».

قال الشيخ كاشف الغطاء:المعاد،هو:الشخص بعينه و بجسده و روحه،بحيث لو رآه الرائي لقال:هذا فلان.

أصل الشيعة و أصولها،كاشف الغطاء:232،المعاد.

قال الطباطبائي في تفسيره الميزان:«المعاد،هو:رجوع الإنسان بشخصه و عينه لا بمثله فإن مثل الشي‏ء غيره».

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:14/87،تفسير سورة مريم.

56

يوصلنا إليه البرهان‏ 1 ،و ما يقدمه لنا القرآن و السنة في هذا المجال.و قد آثرنا الاختصار و الاقتصار على المفاهيم العامة.ذلك أن المنهج‏ 2 الذي نتبعه،و القائم على تفسير الآية بآية أخرى،و الرواية برواية أخرى‏ 3 ،منهج عميق ليس من السهل بلوغ مداركه‏ 4 .

و طبيعي أن الاكتفاء في هذا الموضوع،بذكر نموذج واحد من بين النظائر 5 المتعددة،لن يساعدنا على بلوغ الفائدة الكاملة.و سيقف القارئ على صحة قولنا خلال قراءته لهذا البحث.

____________

(1)البرهان:بيان الحجة و إيضاحها.

كتاب العين،الفراهيدي:4/49،مادة«بره».

(2)المنهج و المنهاج:الطريق الواضح.

الفروق اللغوية،أبو هلال العسكري:298/الرقم 1196 الفرق بين الشرعة و المنهاج.

(3)أشار السيد المؤلف قدّس سرّه في مقدمة تفسيره الميزان حول أسلوبه و منهجه التفسيري للقرآن، فقال:

«نفسر القرآن بالقرآن،و نستوضح معنى الآية من نظيرتها،بالتدبر المندوب إليه في نفس القرآن، و نشخص المصاديق،و نتعرفها بالخواص التي تعطيها الآيات».

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:1/11.

(4)الدرك:إدراك الحاجة و الطلبة.

كتاب العين،الفراهيدي:5/327،مادة«درك».

(5)نظير الشي‏ء:مثله،لأنه إذا نظر إليها كأنهما سواء في المنظر،و في التأنيث نظيرة،و جمعه:

نظائر.

كتاب العين،الفراهيدي:8/156،مادة«نظر».

57

و لا بد من القول هنا أن مفسري الأخبار و الروايات لم يعتمدوا الأسلوب السالف‏ 1 الذكر،لاستنباط 2 معاني الآيات و الروايات و مكنوناتها 3 .و بالنتيجة، لم يتركوا لنا حتى القليل من الآثار في هذا المجال.

من هنا،فإن من يريد اعتماد هذا الأسلوب سيواجه صعوبة بالغة،و سيكون كالذي يدخل ساحة القتال دون سلاح،و اللّه المستعان.

محمّد حسين الطباطبائي‏

____________

(1)سلف:سلف يسلف سلفا و سلوفا:تقدم.

السالف:المتقدم.

لسان العرب،ابن منظور:9/158،مادة«سلف».

(2)استنبط الفقيه،أي:استخرج الفقه الباطن بفهمه و اجتهاده.

تاج العروس،الزبيدي:5/230.

(3)الكن و الكنة و الكنان:وقاء كل شي‏ء و ستره،و الجمع أكنان و أكنة.

كن الشي‏ء يكنه كنا و كنونا و أكنه و كنه:ستره.

لسان العرب،ابن منظور:13/360،مادة«كنن».

الكن:السترة.

أكننته في نفسي أسررته.

اكتن و استكن أي:استتر.

مجمع البحرين،الطريحي:4/77،مادة«كنن».

58

-

59

الفصل الأوّل الموت و الأجل‏

60

-

61

الموت‏ 1 و الأجل‏ 2

____________

(1)قال ابن الأثير:الموت:النوم الثقيل.

النهاية في غريب الحديث،ابن الأثير:4/369،مادة«موت».

قال الجرجاني:الموت:صفة وجودية خلقت ضدا للحياة.

التعريفات،الجرجاني:129،باب الميم،الموت.

قال الزبيدي:الموت:السكون،يقال مات سكن،و كل ما سكن فقد مات.

تاج العروس،الزبيدي:1/586.

قال الطباطبائي:الموت:زهاق الروح و بطلان حياة البدن.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:4/37،تفسير سورة آل عمران،كلام في الامتحان و حقيقته.

و قال الطباطبائي في كتابه هذا الذي بين أيدينا:الموت:انتقال من عالم إلى آخر.

و قال أيضا،الموت:هو الخروج من النشأة الأولى(الدنيا)،و دخول النشأة الأخرى(الآخرة).

و قال أيضا:الموت:الأجل الثابت الذي هو حق إلهي.

و قال أيضا:الموت:جسر ينقلكم من عالم الشدائد و المصاعب إلى الجنة الواسعة و النعيم الدائم.

و قال أيضا:الموت:هو يوم العودة إلى اللّه سبحانه و تعالى.

و قال أيضا:الموت:جسر يوصل المؤمنين إلى الجنة و الكافرين إلى جهنم.

أنظر:الفصل الأول،الموت انتقال من عالم إلى آخر.

(2)عن حمران قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه: قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى سورة-

62

يقول اللّه سبحانه و تعالى:

مََا خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى 1 .

____________

ق-الأنعام/2،قال:فقال:هما أجلان،أجل موقوف يصنع اللّه ما يشاء،و أجل محتوم.

تفسير العياشي،العياشي:1/354-355،تفسير سورة الأنعام/ح 7.

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في توضيح قوله تعالى: قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ سورة الأنعام/2،قال:الأجل الأول هو ما نبذه إلى الملائكة و الرسل و الأنبياء،و الأجل المسمى عنده هو الذي ستره اللّه عن الخلائق.

تفسير العياشي،العياشي:1/355،تفسير سورة الأنعام/ح 9.

قال الفراهيدي:

الأجل:غاية الوقت في الموت.

كتاب العين،الفراهيدي:6/178،مادة«أجل».

قال الطباطبائي:

أن المراد بالأجل و الأجل المسمى،هو:آخر مدة الحياة لإتمام المدة كما يفيده قوله: فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ سورة العنكبوت/5.

الأجل:أجلان:الأجل على إبهامه،و الأجل المسمى عند اللّه تعالى،و هذا هو الذي لا يقع فيه تغير لمكان تقييده.

إن الأجل المسمى هو:الذي وضع في أم الكتاب،و غير المسمى من الأجل هو المكتوب فيما نسميه بلوح المحو و الإثبات.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:7/9،تفسير سورة الأنعام.

و قال الطباطبائي في كتابه هذا الذي بين أيدينا في الفصل الأول الموت و الأجل:الأجل نوعان، الزماني الدنيوي،و الأمر الإلهي.

(1)سورة الروم/8.

غ

63

و هذه الآية توضح أن لكل موجود،من السماء و حتى الأرض و ما يوجد بينهما،أجل وصفه البارئ عز و جل بأنه«مسمى»أي محدد و مقدّر بحيث لا يتعداه أي موجود 1 ،كما يتضح من الآية الكريمة:

وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ لاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ 2 .

و كذلك الآية:

مََا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهََا وَ مََا يَسْتَأْخِرُونَ 3 .

و الكثير من الآيات الأخرى المنطوية على نفس المعنى‏ 4 .

____________

(1)قال مغنية:الأجل المسمى:الأمد المعلوم.

التفسير الكاشف،ابن مغنية:3/200،تفسير سورة الأنعام.

و قال أيضا:الأجل المسمى:العمر المقدر.

التفسير الكاشف،ابن مغنية:4/203،تفسير سورة هود.

و قال الطباطبائي أيضا،الأجل المسمى:هو الوقت المعلوم عند اللّه الذي لا يتخطاه حياة الإنسان الدنيوية.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:7/130-131،تفسير سورة الأنعام.

قال الطباطبائي:الأجل المسمى:هو الوقت الذي ينتهي إليه الحياة لا تتخطاه البتة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:10/141،تفسير سورة هود.

و قال الطباطبائي في كتابه هذا الذي بين أيدينا في الفصل الأول الموت و الأجل،الأجل:هو من عند اللّه و هو أمر إلهي،و(عند اللّه)،يعني:أنه ثابت و مصون من كل تأثير.

(2)سورة الأعراف/34.

(3)سورة الحجر/5.

(4)ورد ذكر الأجل مكررا في الكتاب العزيز،و من الآيات أوردنا ما يلي:-

64

إن«أجل»الشي‏ء،هو الزمان الذي ينتهي عنده‏ 1 ،و لهذا يستخدم هذا المصطلح في موضوع الدين،الذي يحدد له«أجل مسمى» 2 .و في الآية:

قُلْ لَكُمْ مِيعََادُ يَوْمٍ لاََ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سََاعَةً وَ لاََ تَسْتَقْدِمُونَ 3 ؛ورد الـ«يوم» للدلالة على«الأجل» 4 .

____________

ق-سورة الأنعام/2،و نصها: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ .

سورة الأعراف/34،و نصها: وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ لاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ .

سورة يونس/49،و نصها: قُلْ لاََ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَ لاََ نَفْعاً إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ فَلاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ .

سورة غافر/67،و نصها: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفََّى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .

(1)الأجل:مدة الشي‏ء.

الصحاح،الجوهري:4/1621،مادة«أجل».

(2)إشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة/الآية 282،و نصها: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا تَدََايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... .

(3)سورة سبأ/30.

(4)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: لاََ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سََاعَةً وَ لاََ تَسْتَقْدِمُونَ سورة سبأ/30،-

65

و في الآية الكريمة:

اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ 1 .

يخبرنا الباري عز و جل أن«الأجل المسمى»هو عنده‏ 2 .

ثم نقرأ في آية كريمة أخرى:

____________

ق-أي:لا تتأخرون عن ذلك اليوم،و لا تتقدمون عليه بان يزاد في آجالكم،أو ينقص منها.

تفسير مجمع البيان،الطبرسي:8/217،تفسير سورة الأحزاب.

و قال القرطبي:في تفسير قوله تعالى: لَكُمْ مِيعََادُ يَوْمٍ لاََ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سََاعَةً وَ لاََ تَسْتَقْدِمُونَ سورة سبأ/30،وقت حضور الموت،أي:لكم قبل يوم القيامة وقت معين تموتون فيه فتعلمون حقيقة قولي.

تفسير القرطبي،القرطبي:14/301،تفسير سورة سبأ.

(1)سورة الأنعام/2.

(2)عن حصين عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله: قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ سورة الأنعام/2، قال:الأجل الأول هو ما نبذه إلى الملائكة و الرسل و الأنبياء،و الأجل المسمى عنده هو الذي ستره اللّه عن الخلائق.

تفسير العياشي،العياشي:1/355،تفسير سورة الأنعام/ح 9.

قال ابن شهر آشوب في قوله تعالى: ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ سورة الأنعام/2، الظاهر أنه قضى أجلا و أن عنده أجلا مسمى.

متشابه القرآن،ابن شهر آشوب:2/93،باب المفردات.

قال الطباطبائي:الأجل المسمى:هو الذي لا يقع فيه تغير لمكان تقيده بقوله: عِنْدَهُ سورة الأنعام/2.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:7/9،تفسير سورة الأنعام.

66

مََا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ بََاقٍ 1 ،أي أن الذي عنده،خالد و ثابت لا يتأثر بعوامل الدهر و ظروف الزمان‏ 2 .

يقول اللّه تعالى:

إِنَّمََا مَثَلُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ اَلْأَرْضِ مِمََّا يَأْكُلُ اَلنََّاسُ وَ اَلْأَنْعََامُ حَتََّى إِذََا أَخَذَتِ اَلْأَرْضُ زُخْرُفَهََا وَ اِزَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهََا أَنَّهُمْ قََادِرُونَ عَلَيْهََا أَتََاهََا أَمْرُنََا لَيْلاً أَوْ نَهََاراً فَجَعَلْنََاهََا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ 3 .

فهو يخبرنا أنه حدد أجلا لزينة الأرض،و أن هذا الأجل،إنما هو بأمره، و كذا الحال بالنسبة للحياة الدنيا،أي أن الأجل الدنيوي إنما هو محدد بأمر اللّه.

إذن،فإن الأجل نوعان،أو على الأقل نوع واحد له و جهان:الأجل الزماني الدنيوي،و الأمر الإلهي‏ 4 ،و هما ما تشير إليهما الآية:

____________

(1)سورة النحل/96.

(2)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: مََا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ بََاقٍ سورة النحل/96، إن ما عنده ثابت لا يزول و لا يتغير عما هو عليه،فهذه الخزائن كائنة ما كانت أمور ثابتة غير زائلة و لا متغيرة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:12/145،تفسير سورة الحجر.

(3)سورة يونس/24.

(4)عن قتادة و الحسن في تفسير قوله تعالى: قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ سورة الأنعام/2، قضى أجل الدنيا من يوم خلقك إلى أن تموت،و أجل مسمى عنده:يوم القيامة.-

67

ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ 1 .

من هنا يمكن إدراك حقيقة أن«الأجل المسمى»هو من عند اللّه و هو أمر إلهي،و«عند اللّه»يعني أنه ثابت و مصون من كل تأثير.و هذا ما يتضح في الآية الشريفة:

مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ 2 .

و لهذا فإن الباري عز و جل عبر عن«الأجل»في العديد من الآيات بعبارات «العودة إلى اللّه» 3 و«لقاء اللّه» 4 .

____________

ق-تفسير القرآن،الصنعاني:2/203،تفسير سورة الأنعام.

عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ سورة الأنعام/2، يعني:أجل الموت.و الأجل المسمى:أجل الساعة،الوقوف عند اللّه.

جامع البيان،ابن جرير:7/196،تفسير سورة الأنعام/ح 10177.

(1)سورة الأنعام/2.

(2)سورة العنكبوت/5.

(3)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: لِيُقْضى‏ََ أَجَلٌ مُسَمًّى سورة الأنعام/60،و هو الأجل الذي سماه و ضربه لبعث الموتى و جزائهم على أعمالهم.

تفسير جوامع الجامع،الطبرسي:1/577،تفسير سورة الأنعام.

و الآية 60 من سورة الأنعام فيها إشارة إلى العودة إلى اللّه عز و جل،و نصها: وَ هُوَ اَلَّذِي يَتَوَفََّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مََا جَرَحْتُمْ بِالنَّهََارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى‏ََ أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .

(4)و مضات حول لقاء اللّه في القرآن الكريم:-

68

الموت انتقال من عالم إلى آخر

العودة هي الخروج من النشأة الأولى(الدنيا) 1 ،و دخول النشأة الأخرى

____________

ق-سورة البقرة/223،و نصها: نِسََاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنََّى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاََقُوهُ وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ .

سورة يونس/15،و نصها: وَ إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُنََا بَيِّنََاتٍ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَرْجُونَ لِقََاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هََذََا .

سورة الكهف/110،و نصها: قُلْ إِنَّمََا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ََ إِلَيَّ أَنَّمََا إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً وَ لاََ يُشْرِكْ بِعِبََادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

سورة العنكبوت/5،و نصها: مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ .

سورة فصلت/54،و نصها: أَلاََ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقََاءِ رَبِّهِمْ أَلاََ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ.

سورة الإنشقاق/6،و نصها: يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ .

(1)قال الشوكاني:النشأة الأولى:هي إخراج لهذه المخلوقات من العدم إلى الوجود ابتداعا و اختراعا.

فتح القدير،الشوكاني:3/343،تفسير سورة مريم.

عن قتادة في قوله: عَلِمْتُمُ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولى‏ََ سورة الواقعة/62،قال:هو خلق آدم.

تفسير القرآن،الصنعاني:3/272،تفسير سورة الواقعة.

أنشأه اللّه:خلقه.

أنشأ اللّه الخلق،أي:ابتدأ خلقهم.

لسان العرب،ابن منظور:1/170،مادة«نشأ».

69

(الآخرة) 1 ،إنه الموت الذي يصفه الباري عز و جل،و ليس الذي يعني التوقف عن الحركة و الإحساس،و زوال الحياة الظاهرية.

يقول اللّه سبحانه و تعالى:

وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذََلِكَ مََا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ 2 .

إذ وصف الموت بـ«الحق» 3 في إشارة إلى الأجل الثابت الذي هو حق إلهي.

و كذلك يقول:

____________

(1)قال الطبرسي في قوله تعالى: وَ أَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرى‏ََ سورة النجم/47،أي:الخلق الثاني للبعث يوم القيامة،يعني عليه أن يبعث الناس أحياء للجزاء.

مجمع البيان،الشيخ الطبرسي:9/304،تفسير سورة النجم.

قال القرطبي في قوله تعالى: وَ أَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرى‏ََ سورة النجم/47،أي:إعادة الأرواح في الأشباح للبعث.

تفسير القرطبي،القرطبي:17/118،تفسير سورة النجم.

قال ابن منظور: وَ أَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرى‏ََ سورة النجم/47،أي:البعثة.

لسان العرب،ابن منظور:1/170،مادة«نشأ».

(2)سورة ق/19.

(3)في المجمع:في تفسير قوله تعالى: وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ سورة ق/19،قيل،معناه:

جاءت سكرة الموت بالحق الذي هو الموت.

مجمع البيان،الطبرسي:9/240،تفسير سورة ق.

قال القرطبي:في تفسير قوله تعالى: وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ سورة ق/19،قيل:الحق هو الموت،سمي حقا إما لإستحقاقه و إما لإنتقاله إلى دار الحق.

تفسير القرطبي،القرطبي:17/12،تفسير سورة ق.

70

كَلاََّ إِذََا بَلَغَتِ اَلتَّرََاقِيَ ... إلى أن يقول: وَ اِلْتَفَّتِ اَلسََّاقُ بِالسََّاقِ (29)`إِلى‏ََ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اَلْمَسََاقُ 1 .

و هي إشارة صريحة إلى أن الموت هو يوم العودة إلى اللّه سبحانه و تعالى‏ 2 .

و ينقل الشيخ الصدوق‏ 3 و آخرون‏ 4 رواية عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يؤكد فيها أن الإنسان خلق للبقاء و ليس للفناء،و إنما الموت،انتقال من عالم إلى آخر 5 .

كما يروى عن الإمام الصادق عليه السّلام وصفه للإنسان بأنه خلق بشأنين:الدنيا و الآخرة،فجعل اللّه سبحانه و تعالى،حياة الإنسان على الأرض،بعد ما أنزل هذه

____________

(1)سورة القيامة/26-30.

(2)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: إِلى‏ََ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اَلْمَسََاقُ سورة القيامة/30،المساق مصدر ميمي،بمعنى السوق،و المراد بكون السوق يومئذ إليه تعالى انه الرجوع إليه.

فهو مسوق مسير من يوم موته،حتى يرد على ربه يوم القيامة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/113،تفسير سورة القيامة.

(3)محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي،يكنى أبا جعفر،كان جليلا حافظا للأحاديث بصيرا بالرجال،ناقدا للأخبار،لم ير في القميين مثله في حفظه و كثرة علمه،له نحو من ثلاثمائة مصنف.

الفهرست،الطوسي:156-157،باب الميم/الرقم 695 محمد بن علي بن الحسين.

(4)ذكر المعنى الشيخ الصدوق في المعاني،و الشيخ المفيد في الإرشاد و الشيخ الطوسي في أماليه.

(5)قد أورد مضمون الحديث الشيخ الصدوق كما أشار إلى ذلك المؤلف في معاني الأخبار.

أنظر:معاني الأخبار،الشيخ الصدوق:288-289،باب معنى الموت/ح 3.الإرشاد، الشيخ المفيد:1/238،باب طرف من أخبار أمير المؤمنين عليه السّلام و فضائله.الأمالي، الطوسي:216،المجلس الثامن/ح 29.

71

الحياة من السماء إلى الأرض،و عند ما يوجد الباري عز و جل الفراق بين هذين الشأنين،يحدث الموت،و عند ذاك يعود شأن الآخرة إلى السماء.إذن فالحياة هي على الأرض،و الموت في السماء،ذلك أن الموت يعني الفصل بين الروح و الجسد.

فتعود الروح إلى القدس الأول‏ 1 ،و يبقى الجسد على الأرض لكونه من شأن الدنيا 2 .

ينقل عن الإمام الحسن العسكري قوله عن الإمام علي الهادي عليهما السّلام أنه دخل على أحد أصحابه و كان مريضا يبكي خوفا من الموت.فقال له الإمام:

أنت تخاف الموت لأنك لا تعرفه.أخبرني-لو كان بدنك مليئا بالجراح و الجرب-و تعلم أن علاجه يكمن في استحمامك في حمام معين يريحك من كل ما يؤلمك،أكنت تكره دخول هذا الحمّام،و تفضل البقاء على معاناتك؟.

فقال الرجل:كلا،بل أفضّل الحمّام يا ابن رسول اللّه،فرد عليه الإمام:

إذن،إعلم أن الموت هو ذلك الحمام،و هو آخر فرصة لتطهر نفسك من ذنوبها و ذاتك مما علق بها من سيئات،فإن وردت على الموت،ستنجو من كل همّ

____________

(1)قال المجلسي:القدس الأولى و هو:عالم الأرواح التي هي أولى مخلوقاته تعالى،و هي القدرة الأولى،أي:جوهره الأول قبل الامتزاج لكل من الروح و الجسد.

بحار الأنوار،المجلسي:58/297،كتاب السماء و العالم،باب 47 ما به قوام بدن الإنسان و أجزائه،بيان حديث رقم/6.

(2)أنظر:تحف العقول،الحراني:355،روي عن الإمام الصادق أبي عبد اللّه جعفر بن محمد صلوات اللّه عليهم أجمعين في طوال هذه المعاني،كلامه عليه السّلام في خلق الإنسان و تركيبه.بحار الأنوار، المجلسي:58/295-296،كتاب السماء و العالم،باب 47 ما به قوام بدن الإنسان.

غ

72

و غمّ،و ستبلغ الفرح و البهجة.هنا أحس المريض بالسكون و الاطمئنان و استسلم للموت،و أغمض عينيه و ودع الدنيا 1 .

و في رواية أخرى،ينقل الإمام الجواد عليه السّلام عن آبائه الطاهرين عن الإمام علي بن الحسين عليه السّلام أن الأمر لما اشتد على الإمام الحسين بن علي عليه السّلام في كربلاء 2 .نظر إليه أصحابه،فوجدوه في وضع يختلف تماما عما هم فيه من قلق

____________

(1)أنظر:معاني الأخبار،الشيخ الصدوق:29،باب معنى الموت/ح 9.

(2)عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقبر ابني بأرض يقال لها كربلاء هي البقعة التي كانت فيها قبة الإسلام التي نجا اللّه عليها المؤمنين الذين آمنوا مع نوح في الطوفان.

كامل الزيارات،ابن قولويه:269،الباب الثامن و الثمانون فضل كربلاء و زيارة الحسين عليه السّلام/ح 8.

قال الحموي كربلاء بالمد:و هو الموضع الذي قتل فيه الحسين بن علي رضي اللّه عنه،في طرف البرية عند الكوفة،فالكربلة رخاوة في القدمين.

فيجوز على هذا أن تكون ارض هذا الموضع رخوة فسميت بذلك.

و يجوز أن تكون هذه الأرض منقاة من الحصى و الدغل فسميت بذلك.

معجم البلدان،الحموي:4/445،كربلاء.

قال الخليلي:ذكر السيد العلامة هبة الدين الشهرستاني:ان(كربلاء)منحوتة من كلمتي(كور بابل) بمعنى مجموعة قرى بابلية،و قال الأب اللغوي أنستاس الكرملي:(و الذي نتذكره فيما قرأناه في بعض كتب الباحثين أن كربلاء منحوتة من كلمتين من(كرب)و(إل)أي حرم اللّه أو مقدس اللّه).

موسوعة العتبات المقدسة،الخليلي:8/9-10،كربلاء قديما،معنى كربلاء.

و قال الخليلي أيضا:تصف دائرة المعارف البريطانية كربلا فتقول:إنها بلدة من بلدان العراق الشهيرة تقع على درجة 32 و 40 ثانية شمالا،و 44 ثانية شرقا،و تبعد عن بغداد بمسافة ستين ميلا في اتجاه جنوبي غربي و عن فرع الهندية من الفرات بعشرين ميلا،على حاشية بادية الشام.

و سكانها كلهم من المسلمين الشيعة.-

73

و اضطراب.فكلما كان الأمر يشتد عليهم،كانوا يصابون بالذعر،و ترتجف أرجلهم‏ 1 ،أما الحسين عليه السّلام،و بعض المقربين و القريبين منه،فكانوا على العكس

____________

ق-موسوعة العتبات المقدسة،الخليلي:8/383-384،كربلاء في المراجع الغربية،كربلاء في دائرتي المعارف البريطانية و الإسلامية.

قال أبو لحمة:تقع مدينة كربلاء في جنوب غربي نهر الفرات و تبعد عن بغداد حوالي(105 كم)و الفرق الزمني بينهما أربع دقائق،و تقع على خط الطول 43 درجة و 55 دقيقة شمال خط الاستواء في المنطقة المعتدلة الشمالية،و كما تقع على خط العرض 34 درجة و 45 دقيقة.

كربلاء منذ العهد البابلي حتى استشهاد الإمام الحسين،علي أبو لحمة:10،الموقع الجغرافي لمدينة كربلاء.

قال عامر الكربلائي:كربلاء،إحدى مدن العراق،تقع جنوب بغداد،تتصف بنقاوة هوائها و سماحة نفوس أهلها،و تشغلها عدة أقضية و نواحي،و فيها عدة من الأحياء السكنية و المناطق الخصبة بالزراعة،حيث يجري في وسطها نهر الفرات الذي جعله اللّه شفاء من كل داء.

مزارات الأولياء في ارض كربلاء،عامر الكربلائي:12،كربلاء.

(1)هذه نخبة من الكلمات التي ذكرت أصحاب الإمام الحسين عليه السّلام و فيها بيان حالهم المشهود لهم به:

حدثنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق رضي اللّه عنه قال:حدثنا عبد العزيز ابن يحيى الجلودي قال:حدثنا محمد بن زكريا الجوهري قال:حدثنا جعفر بن محمد ابن عمارة عن أبيه عن ابى عبد اللّه عليه السّلام قال:قلت له اخبرني عن أصحاب الحسين عليه السّلام و اقدامهم على الموت فقال انهم كشف لهم الغطاء حتى رأوا منازلهم من الجنة فكان الرجل منهم يقدم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها و الى مكانه من الجنة.

علل الشرائع،الشيخ الصدوق:1/229 باب 163 علة إقدام أصحاب الحسين عليه السّلام على القتل/ح 1.

ورد في زيارة عاشوراء المروية عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام:

اللهم لك الحمد حمد الشاكرين على مصابهم،الحمد للّه على عظيم رزيتي،اللهم ارزقني-

74

____________

ق-شفاعة الحسين يوم الورود،و ثبت لي قدم صدق عندك مع الحسين و أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السّلام.

مصباح المتهجد،الشيخ الطوسي:776.

قال ابن طاووس:إن الحسين يوم الطف ثبت هو و أصحابه على القتل في اللّه و مكابدة الموت و تقطيع الأعضاء في ذات اللّه و ما كان دون بعض من سماه و غيرهم من الصحابة و التابعين و الصالحين قطعوا أعضاء و عذبوا أحياء و ما ردهم ذلك عن الإيمان و لا ظهر عليهم ضعف في قلب و لا لسان و لا جنان.

سعد السعود،ابن طاووس:136،الباب الثاني فيما وقفناه من كتب تفاسير القرآن الكريم.

سعد،عن ابن عيسى،عن الأهوازي،عن النصر،عن عاصم بن حميد،عن الثمالي قال:

قال علي بن الحسين عليه السّلام:كنت مع أبي في الليلة التي قتل في صبيحتها،فقال لأصحابه:هذا الليل فاتخذوه جنة فان القوم إنما يريدونني،و لو قتلوني لم يلتفتوا إليكم و أنتم في حل وسعة، فقالوا:و اللّه لا يكون هذا أبدا فقال:إنكم تقتلون غدا كلكم و لا يفلت منكم رجل،قالوا:

الحمد للّه الذي شرفنا بالقتل معك.ثم دعا فقال لهم:ارفعوا رؤسكم و انظروا،فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم و منازلهم من الجنة،و هو يقول لهم:هذا منزلك يا فلان،فكان الرجل يستقبل الرماح و السيوف بصدره و وجهه ليصل إلى منزلته من الجنة.

بحار الأنوار،العلامة المجلسي:44/298.

قال الإمام الحسين عليه السّلام يصف أصحابه:أما و اللّه لقد نهرتهم و بلوتهم و ليس فيهم الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دوني أستئناس الطفل بلبن أمه.

الدمعة الساكبة،البهبهاني:4/273،الفصل الحادي عشر فيما وقع بعد نزوله عليه السّلام كربلاء.

حمل شمر بن ذي الجوشن في المسيرة على أهل الميسرة فثبتوا له فطاعنوه و أصحابه و حمل على حسين و أصحابه من كل جانب فقتل الكلبي و قد قتل رجلين بعد الرجلين الاولين و قاتل قتالا شديدا فحمل عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي و بكير بن حي التيمي من تيم اللّه بن ثعلبة فقتلاه و كان القتيل الثاني من أصحاب الحسين و قاتلهم أصحاب الحسين قتالا شديدا و أخذت-

75

من ذلك‏ 1 ...تعلو وجوههم علامات السكون و الاطمئنان‏ 2 ،و كان الأصحاب يقولون:إنه لا يخاف أبدا،فيجيبهم الإمام الحسين عليه السّلام:

أيها العظام،عليكم بالصبر،فما الموت إلا جسر ينقلكم من عالم الشدائد و المصاعب إلى الجنة الواسعة و النعم الدائمة...إنه ينقلكم من السجن إلى قصر كبير،و اعلموا أن الموت لأعدائكم ليس إلاّ جسرا ينقلهم من القصر

____________

ق-خيلهم تحمل و إنما هم اثنان و ثلاثون فارسا و أخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته فلما رأى ذلك عزرة بن قيس و هو على خيل أهل الكوفة أن خيله تنكشف من كل جانب بعث إلى عمر بن سعد عبد الرحمن بن حصن فقال أما ترى ما تلقى خيلي مذ اليوم من هذه العدة اليسيرة ابعث إليهم الرجال و الرماة فقال لشبث بن ربعي ألا تقدم إليهم فقال سبحان اللّه أتعمد إلى شيخ مصر و أهل مصر عامة تبعثه في الرماة لم تجد من تندب لهذا و يجزى عنك غيري.

تاريخ الطبري،الطبري:4/332.

فلما رأى أصحاب الحسين أنهم قد كثروا و أنهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسينا و لا أنفسهم تنافسوا في أن يقتلوا بين يديه فجاءه عبد اللّه و عبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريان فقالا يا أبا عبد اللّه عليك السّلام حازنا العدو إليك فأحببنا أن نقتل بين يديك نمنعك و ندفع عنك قال مرحبا بكما ادنوا منى فدنوا منه فجعلا يقاتلان قريبا منه.

تاريخ الطبري،الطبري:4/337.

(1)قال حميد بن مسلم:فو اللّه ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده و أهل بيته و أصحابه أربط جأشا و لا أمضى جنانا منه عليه السّلام...الحديث.

الإرشاد،المفيد:2/111،باب ذكر الإمام بعد الحسن بن علي عليهما السّلام.

(2)اطمأن الرجل،و اطمأن قلبه،و اطمئنت نفسه:إذا سكن و استأنس.

كتاب العين،الفراهيدي:7/442،مادة«طمن».

76

إلى السجن و العذاب‏ 1 .

____________

(1)معاني الأخبار،الشيخ الصدوق:288-289،باب معنى الموت/ح 3،و فيه النص:«قال علي بن الحسين عليهما السّلام:لما اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السّلام نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم لأنهم كلما اشتد الأمر تغيرت ألوانهم و ارتعدت فرائصهم و وجبت قلوبهم و كان الحسين عليه السّلام و بعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم و تهدئ جوارحهم و تسكن نفوسهم فقال بعضهم لبعض:انظروا لا يبالي بالموت فقال لهم الحسين عليه السّلام:صبرا بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس و الضراء إلى الجنان الواسعة و النعيم الدائمة فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر و ما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن و عذاب إن أبي حدثني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر و الموت جسر هؤلاء إلى جناتهم و جسر هؤلاء إلى جحيمهم ما كذبت و لا كذبت».

سند الرواية التي أوردها العلامة الطباطبائي هو الآتي:حدثنا محمد بن القاسم المفسر الجرجاني رحمه اللّه،قال:حدثنا أحمد بن الحسن الحسيني،عن الحسن بن علي الناصري،عن أبيه،عن محمد بن علي،عن أبيه الرضا،عن أبيه موسى بن جعفر،عن أبيه جعفر بن محمد،عن أبيه محمد بن علي،عن أبيه علي بن الحسين:و قد أوردنا فيما يلي ترجمة المفسر الجرجاني محمد بن القاسم،لبيان حال الرواية،و فيما جمعه السيد الخوئي قدّس سرّه الكفاية في بيان ما أردنا بيانه.

محمد بن القاسم الاسترآبادي:من مشايخ الصدوق-قدّس سرّه-،ذكره في المشيخة،و في باب التلبية.

الفقيه:الجزء 2،الحديث 967.

و ذكره مترضيا عليه في العيون:الجزء 1،الباب 28،فيما جاء عن الامام علي بن موسى عليهما السّلام من الاخبار المتفرقة،الحديث 19.

أقول:هذا هو محمد بن القاسم المفسر الاسترآبادي،الذي روى عنه الصدوق كثيرا،ففي بعض الموارد عبر عنه بمحمد بن القاسم الاسترآبادي كما تقدم،و في بعض الموارد عبر عنه بمحمد بن القاسم المفسر.العيون الجزء 1،الباب 11،فيما جاء عن الرضا علي بن موسى عليهما السّلام،في التوحيد،الحديث 36.-

77

____________

ق-و قد يجمع بين الامرين فيعبر عنه بمحمد بن القاسم الاسترآبادي المفسر.العيون:الجزء 1،الباب 28،الحديث 30.

و قد يعبر عنه بمحمد بن القاسم المفسر،المعروف بأبي الحسن الجرجاني.العيون:الجزء 1، الباب 26،فيما جاء عن الرضا عليه السّلام من الاخبار النادرة في فنون شتى،الحديث 4،و قد جمع بين الجميع،و قال:حدثنا محمد بن القاسم الاسترآبادي المعروف بأبي الحسن الجرجاني المفسر(رضي اللّه عنه).المعاني:باب معنى الحروف المقطعة 16،الحديث 4.و وصفه بالخطيب،كما هو مذكور في أول التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السّلام.

و قال ابن الغضائري:«محمد بن القاسم المفسر الاسترآبادي:روى عنه أبو جعفر بن بابويه، ضعيف كذاب،روى عنه تفسيرا يرويه عن رجلين مجهولين،أحدهما يعرف بيوسف بن محمد بن زياد،و الآخر علي بن محمد بن يسار،عن أبيهما،عن أبي الحسن الثالث عليه السّلام،و التفسير موضوع عن سهل الديباجي،عن أبيه بأحاديث من هذه المناكير».(إنته).

و ذكر العلامة مثل ذلك في(60)من الباب(1).من حرف الميم،من القسم الثاني،و قال:

«محمد بن القاسم،و قيل:ابن أبي القاسم المفسر الاسترآبادي...»(إلى آخر ما ذكرناه).

بقي هنا أمور:الاول:ان محمد بن القاسم تكرر ذكره في رواية الصدوق-قدّس سرّه-عنه في كتبه،و ليس في شي‏ء من هذه الموارد التعبير عنه بمحمد بن أبي القاسم،فلم يظهر وجه لما ذكره العلامة،و قيل:ابن أبي القاسم.الثاني:أن محمد بن القاسم هذا لم ينص على توثيقه أحد من المتقدمين،حتى الصدوق-قدّس سرّه-الذي أكثر الرواية عنه بلا واسطة.و كذلك لم ينص على تضعيفه،إلا ما ينسب إلى ابن الغضائري،و قد عرفت غير مرة أن نسبة الكتاب إليه لم تثبت،و أما المتأخرون فقد ضعفه العلامة،و المحقق الداماد،و غيرهما،و وثقه جماعة آخرون على ما نسب إليهم، و الصحيح أن الرجل مجهول الحال،لم تثبت وثاقته،و لا ضعفه،و رواية الصدوق عنه كثيرا لا تدل على وثاقته،و لا سيما إذا كانت الكثرة في غير كتاب الفقيه،فإنه لم يلتزم بأن لا يروي إلا عن ثقة،نعم لا يبعد دعوى أن الصدوق كان معتمدا عليه لروايته عنه في الفقيه،المؤيد بترضيه و ترحمه عليه كثيرا،و لكن اعتماد الصدوق لا يكشف عن الوثاقة،و لعله كان من جهة أصالة-

78

____________

ق-العدالة،و على كل حال فالتفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السّلام بروايته لم يثبت،فإنه رواه عن رجلين مجهول حالهما،و قد أشرنا إلى ذلك في ترجمة علي بن محمد بن يسار.

الثالث:أن المذكور في كلام ابن الغضائري،و العلامة،أن التفسير رواه يوسف بن محمد بن زياد،و علي بن محمد بن يسار(سيار)،عن أبيهما،عن أبي الحسن الثالث عليه السّلام،و في هذا سهو من جهتين:

الاولى:أن الرجلين رويا هذا التفسير عن الامام عليه السّلام،بلا واسطة أبويهما،و إنما ذكر الصدوق أنهما كانا من الشيعة،عن أبويهما،كما تقدم في ترجمة علي بن محمد بن سيار، و صرح بذلك في أول التفسير الاسترآبادي،عن يوسف بن محمد بن زياد،و علي بن محمد بن سيار،عن أبويهما،عن الحسن بن علي الامام العسكري عليه السّلام،كما في الحديثين المتقدمين من الفقيه و المعاني،و كما في الحديث 1،من الباب 27،فيما جاء عن الرضا عليه السّلام،في هاروت و ماروت من العيون:الجزء 1،و غير بعيد أن تكون كلمة عن أبويهما،في هذه الموارد من زيادة النساخ،أو أن جملة:و كان من الشيعة،ساقطة قبل كلمة:عن أبويهما.

الثانية:أنهما نسبا التفسير إلى أبي الحسن الثالث عليه السّلام،مع أنه منسوب إلى أبي محمد العسكري عليه السّلام.

الرابع:أن المذكور في كلام ابن الغضائري،و العلامة،أن التفسير موضوع عن سهل الديباجي، عن أبيه،بأحاديث من هذه المناكير،و هذه العبارة لا نعرف لها معنى محصلا،فإن سهلا لم يقع في سند هذا التفسير،و إنما رواه الصدوق-قدّس سرّه-،عن محمد بن القاسم،عن يوسف بن محمد بن زياد،و علي بن محمد بن سيار،عن الإمام العسكري عليه السّلام،و غير بعيد أن تكون في العبارة تحريف،أو سقط من النساخ.

معجم رجال الحديث،الخوئي:18/161-164/الرقم 11613 محمد بن القاسم الاسترآبادي.

راجع المقدمة و الرسالة الرجالية في نهاية التفسير المنسوب للإمام العسكري عليه السّلام طبعة مدرسة الإمام المهدي عليه السّلام-الطبعة الأولى-سنة 1409 هـ-قم المقدسة.إذ ورد فيها تحليل و تفصيل مستند حول تفسير الإمام العسكري عليه السّلام و رواته لم نذكره لعدم ارتباطه في بحثنا و تجنبا للإطالة.-

غ

79

و يورد الإمام الحسين لأصحابه ما نقله له أبوه الإمام علي عليه السّلام عن رسول اللّه من إن الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر،و الموت،جسر يوصل المؤمنين إلى الجنة و الكافرين إلى جهنم‏ 1 .

و ينقل الإمام الباقر عليه السّلام أن الإمام السجاد عليه السّلام سئل عن الموت فقال بأنه للمؤمن كخلع ملابس قذرة و فك قيود و سلاسل ثقيلة،و الاستعاضة عنها بملابس نظيفة معطرة و مراكب مريحة و مساكن واسعة.و أنه بالنسبة للكافر،كخلع الملابس الفاخرة و ترك المسكن النظيف الواسع،إلى مسكن بعيد قذر حيث العذاب و اللباس القذر 2 .

و عند ما يسأل الإمام الباقر نفسه عن الموت،يجيب بأنه النوم الذي يأتي الإنسان كل ليلة،إلا أنه أطول منه مدة،بحيث لا يفيق منه الإنسان إلاّ يوم القيامة و يشبّه الإمام،الموت،بما يراه الإنسان في منامه من أحلام جميلة أو كوابيس مرعبة،ثم يدعو الناس إلى التهيؤ له‏ 3 .

____________

ق-و نكتفي بهذا القدر من الإيضاح للتوقف في الرواية؛لعلة راويها دون احتمال الأصالة في العدالة،مع التواتر في جرحه على لسان جهابذة علماء الرجال.

(1)معاني الأخبار،الشيخ الصدوق:288-289،باب معنى الموت/ح 3.

(2)معاني الأخبار،الشيخ الصدوق:289،باب معنى الموت/ح 4،و فيه النص«و قال محمد بن علي عليهما السّلام قيل لعلي بن الحسين عليهما السّلام ما الموت قال:للمؤمن كنزع ثياب و سخة قملة و فك قيود و أغلال ثقيلة و الاستبدال بأفخر الثياب و أطيبها روائح و أوطأ المراكب و آنس المنازل و الكافر كخلع ثياب فاخرة و النقل عن منازل أنيسة و الاستبدال بأوسخ الثياب و أخشنها و أوحش المنازل و أعظم العذاب».

(3)معاني الأخبار،الشيخ الصدوق:289،باب معنى الموت/ح 5،و فيه النص:«و قيل-

80

الروح تنتقل مع الموت‏

إن تشبيه الإمام الباقر عليه السّلام للموت،بالنوم،مستوحى من الآية الكريمة:

اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا فَيُمْسِكُ اَلَّتِي قَضى‏ََ عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ اَلْأُخْرى‏ََ 1 .

إذ نلاحظ أن اللّه عز و جل وصف الحالتين بـ«الوفاة»،ثم استخدم«الإمساك» للتعبير عن الأولى،أي التي تعود فيها الروح إلى ربها،و نلاحظ أنه لم يقل «يقبض»بدلا عن«يمسك» 2 .

____________

ق-لمحمد بن علي عليهما السّلام ما الموت قال:هو النوم الذي يأتيكم كل ليلة إلا أنه طويل مدته لا ينتبه منه إلا يوم القيامة فمن رأى في نومه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره و من أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره فكيف حال فرح في النوم و وجل فيه هذا هو الموت فاستعدوا له».

(1)سورة الزمر/42.

(2)قال القشيري في قوله تعالى: فَيُمْسِكُ اَلَّتِي قَضى‏ََ عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ اَلْأُخْرى‏ََ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى سورة الزمر/42،يقبض اللّه الروح في حالين،في حالة النوم و حالة الموت،فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شي‏ء مقبوض،و ما قبضه في حال الموت فهو يمسكه و لا يرسله إلى يوم القيامة.

و قوله: وَ يُرْسِلُ اَلْأُخْرى‏ََ سورة الزمر/42،أي:يزيل الحابس عنه فيعود كما كان.فتوفي الأنفس في حال النوم بإزالة الحس و خلق الغفلة و الآفة في محل الإدراك.و توفيها في حالة الموت بخلق الموت و إزالة الحس بالكلية.

تفسير القرطبي،القرطبي:15/261،تفسير سورة الزمر.

81

أما قول الأئمة الأطهار أن الروح،تفارق الجسد عند الموت،فهو مستوحى من الآية الكريمة:

اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا 1 ،ذلك أن الباري عز و جل نسب «التوفي»إلى«الأنفس»باعتبار ذلك،استيفاء كاملا للحق المطلوب،و كذلك في الآية: هُوَ اَلَّذِي يَتَوَفََّاكُمْ 2 ،نسب«التوفي»لـ«كم»،و هي الضمير المعبر عن الأنفس و التي يذكرها الإنسان بكلمات«أنا»و«نحن» 3 .إذن فالذي ينتقل من الإنسان إلى النشأة 4 الأخرى‏ 5 -هو الروح‏ 6 -و الآية الكريمة:

____________

(1)سورة الزمر/42.

(2)سورة الأنعام/60.

(3)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: وَ قََالُوا أَ إِذََا ضَلَلْنََا افتراه ...إلى قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى‏ََ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ السجدة/10-11،يقول إنكم بالموت لا تضلون في الأرض و لا تنعدمون بل الملك الموكل بالموت يأخذ الأمر الذي تدل عليه لفظة(كم)و(نا)،و هي:النفوس.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:11/299،تفسير سورة الرعد.

(4)أنشأه اللّه:خلقه.و أنشأ اللّه الخلق أي:ابتدأ خلقهم.

لسان العرب،ابن منظور:1/170،مادة«نشأ».

(5)النشأة الأخرى:مر تعريفها في الفصل الأول،الموت انتقال من عالم إلى آخر.

(6)قال عبد الغفار الأسلمي في قول اللّه عز و جل: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا. ..أَجَلٍ مُسَمًّى سورة الزمر/42،فليس ترى الأرواح كلها تصير إليه عند منامها فيمسك ما يشاء و يرسل ما يشاء،فقال له أبو الحسن عليه السّلام:إنما يصير إليه أرواح العقول فأما أرواح الحياة فإنها في الأبدان لا-

82

يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ 1 .

تشير إلى هذا الأمر بوضوح،فالكدح هو السعي باتجاه شي‏ء،و الإنسان هو الساعي إلى اللّه،و هو الذي يسير إليه منذ بدء خلقه‏ 2 ،و لهذا فإن آيات عدة

____________

ق-تخرج إلا بالموت و لكنه إذا قضى على نفس الموت فقبض الروح الذي فيه العقل...الحديث.

جامع الأخبار،الشعيري:171،الفصل 136 في الروح.

قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا سورة الزمر/42،التي تتوفى عند الموت هي نفس الحياة التي إذا زالت زال معها النفس.

و قال أيضا:قبض النوم يكون الروح معه و قبض الموت يخرج الروح من البدن.

تفسير مجمع البيان،الطبرسي:8/403-404،تفسير سورة الزمر.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ السجدة/11، أن الروح عند الموت مأخوذ من البدن و البدن على حاله من غير أن ينقص منه شي‏ء.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:12/154،تفسير سورة الحجر.

و قال الطباطبائي أيضا في تفسير قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا سورة الزمر/42،المراد بالأنفس الأرواح المتعلقة بالأبدان لا مجموع الأرواح و الأبدان لان المجموع غير مقبوض عند الموت و إنما المقبوض هو الروح.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:17/269،تفسير سورة الزمر.

(1)سورة الإنشقاق/6

(2)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ سورة الانشقاق/6،قال الراغب:الكدح السعي و العناء.ففيه معنى السير،و قيل:الكدح جهد النفس في العمل حتى يؤثر فيها.و على هذا فهو مضمن معنى السير بدليل تعديه بإلى،ففي الكدح معنى السير على أي حال.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/242،تفسير سورة الانشقاق.-

83

تتحدث عن إقامة الإنسان في الدنيا بكلمات«لبث» 1 أو«مكث‏ 2 »كما في الآية:

قََالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ 3 .

____________

ق-قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً سورة الانشقاق/6،الكدح في كلام العرب السعي في الشي‏ء بجهد من غير فرق بين أن يكون ذلك الشي‏ء خيرا أو شرا، و المعنى أنك ساع إلى ربك في عملك أو إلى لقاء ربك.

فتح القدير،الشوكاني:5/406،تفسير سورة الإنشقاق.

(1)وردت في القرآن كلمة(لبث)في أكثر من ثلاثين موضعا،نذكر منها الآتي:

سورة البقرة/259،و نصها: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا قََالَ أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قََالَ كَمْ لَبِثْتَ قََالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قََالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا ثُمَّ نَكْسُوهََا لَحْماً فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ قََالَ أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

سورة يونس/16،و نصها: قُلْ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لاََ أَدْرََاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ .

سورة العنكبوت/14،و نصها: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاََّ خَمْسِينَ عََاماً فَأَخَذَهُمُ اَلطُّوفََانُ وَ هُمْ ظََالِمُونَ .

(2)وردت كلمة(مكث)في كتاب اللّه العزيز في موارد عدة،نذكر منها ما له علاقة بإقامة الإنسان في الأرض:سورة طه/10،و نصها: إِذْ رَأى‏ََ نََاراً فَقََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نََاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهََا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى اَلنََّارِ هُدىً .

سورة النمل/22،و نصها: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقََالَ أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ .

(3)سورة المؤمنين/112.

84

من الذي يتوفى الأنفس؟

يقول الباري عز و جل:

اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا 1 و هي إشارة صريحة إلى أن«لتوفي» منسوب إليه‏ 2 .و في آية أخرى:

قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ 3 .

نجد أن«لتوفي»منسوب إلى ملك الموت‏ 4 .

____________

(1)سورة الزمر/42.

(2)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا سورة الزمر/42،انه تعالى يتوفى الأنفس التي لم تمت.

مجمع البيان،الطبرسي:3/461،تفسير سورة المائدة.

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا سورة الزمر/42، أي:يقبضها عند فناء آجالها.

تفسير القرطبي،القرطبي:15/260،تفسير سورة الزمر.

(3)سورة السجدة/11.

(4)قال الطوسي في تفسير قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ سورة السجدة/11،إن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت بأمر اللّه.

التبيان،الطوسي:9/31،تفسير سورة الزمر.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ سورة السجدة/11،فنسبه(الموت)إلى ملك الموت.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:3/191،تفسير سورة آل عمران.-

85

و في آية ثالثة: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا وَ هُمْ لاََ يُفَرِّطُونَ 1 نجد أن«لتوفي»نسب إلى«الملائكة المرسلين» 2 .

طبيعي أن المرجع و المصدر لكل هؤلاء واحد،ذلك أن جميع ذلك يتم بإرادة اللّه و أمره،لكن التنفيذ يتم على مستويات متعددة،طبقا لمستوى الفئة التي تجرى بحقها عملية«الوفاة» 3 .

____________

ق-و قال أيضا في تفسير قوله تعالى: مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ سورة السجدة/11،أي:

و كل بإماتتكم و قبض أرواحكم،و قد نسب التوفي في الآية إلى ملك الموت.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:16/251،تفسير سورة السجدة.

(1)سورة الأنعام/61.

(2)قال القمي في تفسير قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا سورة الأنعام/61،هم الملائكة.

تفسير القمي،القمي:1/203،تفسير سورة الأنعام.

قال الطوسي في تفسير قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ سورة الأنعام/61،يعني:

وقت الموت، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا سورة الأنعام/61،يعني:قبضت الملائكة روح المتوفي،و هم رسل اللّه الذين عناهم اللّه.

التبيان،الشيخ الطوسي:4/158،تفسير سورة الأنعام.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا سورة الأنعام/61،فنسبه(الموت)إلى جمع من الملائكة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:3/191،تفسير سورة آل عمران.

(3)الوفاة:المنية.و توفي فلان،و توفاه اللّه:إذا قبض نفسه.

كتاب العين،الفراهيدي:8/410،مادة«وفي».-

86

و هناك العديد من الروايات و الأخبار التي تؤيد ذلك،فقد نقل عن الإمام الصادق أن ملك الموت سئل كيف يستطيع قبض أرواح أناس متوزعين على مشارق الأرض و مغاربها فأجاب بأنه يستدعي هذه الأرواح،و هي تستجيب له.

ثم قال‏ 1 أن الدنيا بين يديه،كما الإناء بيد الإنسان يأكل من أي جانب منه يشاء،و أن الدنيا بين يديه(أي:ملك الموت)كما الدرهم بيد الإنسان يديره كيفما يشاء 2 .

و في رواية أخرى أن جماعة من المؤمنين سألوا الإمام الصادق عليه السّلام عن الآيات التالية:

اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا 3 و قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ 4 و اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ 5 و تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا 6 و لَوْ تَرى‏ََ إِذْ يَتَوَفَّى اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْمَلاََئِكَةُ 7

____________

ق-الوفاة:الموت.

لسان العرب،ابن منظور:15/400،مادة«وفي».

(1)أي:«الإمام الصادق عليه السّلام».

(2)أنظر:من لا يحضره الفقيه،الشيخ الصدوق:1/134،باب غسل الميت/ح 12.

(3)سورة الزمر/42.

(4)سورة السجدة/11.

(5)سورة النحل/32.

(6)سورة الأنعام/61.

(7)سورة الأنفال/50.

87

سألوه:كيف يمكن أن تكون هذه الآيات صحيحة،بينما نحن نعرف أنه قد يموت عدد كبير من الناس،من أنحاء العالم،و في آن واحد،فأجاب:

بأن اللّه تبارك و تعالى،جعل لملك الموت مساعدين من الملائكة،يتولون قبض الأرواح مثلما يتخذ قائد الحرس،أفرادا مساعدين له.

فالملائكة المساعدون يقومون بتوفي الأشخاص المختلفين،ثم يقوم ملك الموت باستلامهم إلى جانب الذين يتوفاهم بنفسه،ثم يتوفاهم اللّه عز و جل جميعا 1 .

و قد وردت رواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السّلام تتضمن نفس هذا المعنى، و ورد في نهايتها تأكيد من الإمام بأنه لا يمكن لكل صاحب علم أن يعطي علمه و يشرحه لكل الناس،لأنهم مختلفين في استيعابهم لبعض العلوم و إدراكهم لها، لأن بعض هذه العلوم-و الحديث للإمام علي-لا يقوى على تحملها إلا من أوتي عونا إلهيا خاصا لإدراكها و فهمها.ثم يقدم الإمام علي عليه السّلام نصيحته فيقول بأنه يكفي للإنسان أن يعرف أن اللّه هو المحيي و المميت‏ 2 ،و أنه يتوفى الأنفس‏ 3 ،على يد من يريد،سواء كانوا ملائكة أو غير الملائكة 4 .

____________

(1)أنظر:من لا يحضره الفقيه،الشيخ الصدوق:1/136-137،باب غسل الميت/ح 26.

(2)إشارة إلى قوله تعالى من سورة آل عمران/27.و نصها: تُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهََارِ وَ تُولِجُ اَلنَّهََارَ فِي اَللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ .

(3)إشارة إلى قوله تعالى من سورة الزمر/42.و نصها: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا فَيُمْسِكُ اَلَّتِي قَضى‏ََ عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ اَلْأُخْرى‏ََ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

(4)أنظر:التوحيد،الشيخ الصدوق:268-269،باب 36 الرد على الثنوية و الزنادقة/قطعة من الحديث رقم 5.

غ

88

و للوهلة الأولى يفهم السامع من عبارة«غير الملائكة»الواردة في كلام الإمام عليه السّلام أن اللّه سبحانه و تعالى يمكن أن يتوفى بعض الأنفس أحيانا على يد غير الملائكة،و هذا يحمل علامات استفهام و استغراب.

فقد يكون المقصود بـ«غير الملائكة»هم بعض الأولياء المقربين الذين يتمتعون بمرتبة أعلى من الملائكة 1 .و قد يكون المقصود بذلك،أولئك الذين يتوفاهم اللّه مباشرة دون وساطة الملائكة،هذا مع أن خلفية هذين الاحتمالين واحدة.

لقد ورد في«الكافي»رواية عن الإمام الباقر عليه السّلام يقول فيها أن الإمام علي بن الحسين عليه السّلام كان يقول دائما أن كلام الباري عز و جل:

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا 2 يقصد به موت العلماء 3 .

و قال بعض العلماء أن«أطراف»التي هي جمع«طرف»،يقصد بها العلماء و الأشراف‏ 4 .

____________

(1)عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا وَ هُمْ لاََ يُفَرِّطُونَ سورة الأنعام/61، قال:الرسل توفي الأنفس،و يذهب بها ملك الموت.

جامع البيان،ابن جرير الطبري:7/283،تفسير سورة الأنعام/ح 10386.

و عن قتادة في تفسير قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا سورة الأنعام/61،قال:يلي قبضها الرسل،ثم يدفعونها إلى ملك الموت.

جامع البيان،ابن جرير الطبري:7/284،تفسير سورة الأنعام/ح 10388.

(2)سورة الرعد/41.

(3)أنظر:الكافي،الكليني:1/38،كتاب فضل العلم،باب فقد العلماء/ح 6.

(4)قال الأزهري:أطراف الرجال:أشرافهم.-

89

و عموما،فكما أنّ لـ«الأنفس» 1 ،مراتب و درجات حقيقية بلحاظ قربها من

____________

ق-لسان العرب،ابن منظور:9/218،مادة«طرف».

قال الفيض الكاشاني في تفسير قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا سورة الرعد/41،الأطراف:جمع طرف،أو طرف بالتسكين:بمعنى العلماء و الأشراف.

تفسير الصافي،الفيض الكاشاني:3/76،تفسير سورة يوسف.

(1)عن أمير المؤمنين عليه السّلام انه سأله إعرابي عن النفس فقال عليه السّلام:«أي الأنفس تسأل؟فقال:يا مولاي هل النفس أنفس عديدة؟فقال عليه السّلام:نفس نامية نباتية و حسية حيوانية و ناطقة قدسية و إلهية كلية ملكوتيه،قال:يا مولاي ما النامية النباتية؟قال عليه السّلام:قوة أصلها الطبايع الأربع، بدو إيجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد مادتها من لطايف الأغذية فعلها النمو و الزيادة سبب افتراقها اختلاف المتولدات فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدت عود ممازجة لا عود مجاورة، فقال:يا مولاي ما النفس الحيوانية؟قال عليه السّلام:قوة فلكية و حرارة غريزية أصلها الأفلاك بدو إيجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحياة و الحركة و الظلم و الغلبة و اكتساب الشهوات الدنيوية مقرها القلب سبب افتراقها اختلاف المتولدات فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحل تركيبها،فقال:ما النفس الناطقة القدسية؟قال عليه السّلام:قوة لاهوتية بدو إيجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تحلل الآلات الجسمانية فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدت عود مجاورة لا عود ممازجة،فقال:ما النفس الإلهية الملكوتية الكلية؟فقال عليه السّلام:قوة لاهوتية و جوهرة بسيطة حية بالذات أصلها العقل منه بدت و عنه دعت و اليه دلت و أشارت و عودها إليه إذا كملت و شابهت و منها بدت الموجودات و اليها تعود بالكمال و هي ذات العليا و شجرة طوبى و سدرة المنته و جنة المأوى من عرفها لم يشق أبدا و من جهلها ضل و غوى...الحديث».

شرح الأسماء الحسنى،هادي السبزواري:2/45-46.و أنظر:التعليقة على الفوائد الرضوية،القاضي سعيد القمي:105-115.

90

الباري عز و جل‏ 1 ،فإن الوفاة تتناسب و درجة كل نفس،فبعضها يتوفاها اللّه تعالى بنفسه‏ 2 ،و لذا فإن هذه النفس لا تدرك غير اللّه،و هناك أنفس يتوفاها ملك الموت،و هذه لا تدرك الملائكة الذين هم دون ملك الموت،أما القسم الثالث فيتوفاه الملائكة المساعدون لملك الموت‏ 3 .

و بغض النظر عمّن يتوفى الأنفس،فإن المهم أن الذي«يتوفى»هو«النفس» و ليس البدن‏ 4 ،فاللّه أقرب للنفس،من النفس ذاتها،و الملائكة يأتمرون بأمره، و ينفذون ما يريد.و كذلك النفس،فهي من عالم الأمر 5 ،و ليس في عالم الأمر

____________

(1)حسب ترتيب الأمام أمير المؤمنين عليه السّلام و وصفه للأنفس،تعتبر النفس الإلهية أفضلها و أقربها إلى العلو و الكمال و القرب من اللّه،ثم النفس الناطقة،ثم النفس النباتية،و أخيرا الحيوانية.

(2)أنظر:البحث المتقدم«من الذي يتوفى الأنفس».

(3)راجع البحث السابق.

(4)قال الطبرسي في قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا سورة الزمر/42،أي:

يقبضها إليه وقت موتها و انقضاء آجالها.

التي تتوفى عند الموت هي نفس الحياة التي إذا زالت زال معها النفس.

مجمع البيان،الطبرسي:8/403،تفسير سورة الزمر.

قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا سورة الزمر/42، أي:يقبضها عند حضور أجلها و يخرجها من الأبدان.

فتح القدير،الشوكاني:4/465،تفسير سورة الزمر.

(5)عالم الأمر:ما وجد عن الحق من غير سبب،و يطلق بإزاء الملكوت.

نصوص المصطلح الصوفي في الإسلام،نظلة الجبوري:150.

قال المازندراني:عالم الأمر:و هو عالم الروح و الروحانيات.

شرح أصول الكافي،المازندراني:3/124.

91

حجاب‏ 1 زماني‏ 2 أو مكاني‏ 3 .إذن فالتوفي يتم من داخل النفس و ليس من

____________

(1)الحجاب:الستر.

الصحاح،الجوهري:1/107،مادة«حجب».

الحجاب:كل ما يستر مطلوبك.و هو عند أهل الحق:انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق.

التعريفات،الجرجاني:50،باب الحاء،الحجاب.

الحجاب:حائل يحول بين الشي‏ء المطلوب المقصود و بين طالبه و قاصده.

نصوص المصطلح الصوفي في الإسلام،نظلة الجبوري:40.

(2)الزمان عند المتكلمين:زعموا أن الزمان أمر اعتباري موهوم.و عرفه الأشاعرة بقولهم:إنه متجدد معلوم يقدر به متجدد آخر موهوم.

و قال الرازي:إن للزمان كالحركة معنيين:أحدهما أمر موجود في الخارج،غير منقسم،و هو مطابق للحركة،و ثانيهما أمر متوهم لا وجود له في الخارج.

و الزمان عند بعض الفلاسفة إما ماض أو مستقبل.و ليس عندهم زمان حاضر،بل الحاضر هو الآن الموهوم المشترك بين الماضي و المستقبل.

و من معاني الزمان في الفلسفة الحديثة أنه وسط لا نهائي غير محدود،شبيه بالمكان،تجري فيه جميع الحوادث،فيكون لكل منها تاريخ،و يكون هو نفسه مدركا بالعقل إدراكا غير منقسم، سواء كان موجودا بنفسه كما ذهب إلى ذلك«نيوتون»و«كلارك»،أو كان موجودا في الذهن فقط كما ذهب إلى ذلك«ليبنيز»و«كانت».

قال«ليبنيز»:الزمان تصور مثالي.

و قال«كانت»:إن الزمان صورة قبلية محيطة بالأشياء الحدسية،و إن المقادير المحدودة من الزمان ليست سوى أجزاء لزمان لا نهائي واحد.فكأن الزمان إطار محيط بالأشياء،إلا أنه ذو بعد واحد و هو الطول.

و أكثر العلماء يرمزون إلى الزمان بخط مستقيم غير محدود،كل نقطة من نقاطه مجانسة للأخرى.

المعجم الفلسفي،صليبا:1/637،باب الزاي،الزمان.

(3)قال الجرجاني:المكان عند المتكلمين:«الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم،و ينفذ فيه أبعاده».-

92

خارجها أو من البدن،فاللّه سبحانه و تعالى يقول: إِذْ فَزِعُوا فَلاََ فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكََانٍ قَرِيبٍ 1 و كذلك‏ فَلَوْ لاََ إِذََا بَلَغَتِ اَلْحُلْقُومَ (83)`وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ `وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لََكِنْ لاََ تُبْصِرُونَ 2 .

____________

ق-التعريفات،الجرجاني:125،باب الميم،المكان.

و المكان عند الحكماء الاشراقيين هو:البعد المجرد الموجود،و هو ألطف من الجسمانيات، و أكثف من المجردات،ينفذ فيه الجسم،و ينطبق البعد الحال فيه على ذلك البعد في أعماقه و أقطاره،فعلى هذا يكون المكان بعدا منقسما في جميع الجهات،مساويا للبعد الذي في الجسم، بحيث ينطبق احدهما على الآخر،ساريا فيه بكليته.

و المكان عند المحدثين:وسط مثالي غير متداخل الأجزاء،حاو للأجسام المستقرة فيه،محيط بكل امتداد متناه.و هو متجانس الأقسام.متشابه الخواص في جميع الجهات،متصل،و غير محدود، و له عند علماء الهندسة صفتان أخريان:

الأولى قولهم:إن المكان ذو ثلاثة أبعاد،و معنى ذلك انه لا يلتقي في نقطة واحدة من المكان إلاّ ثلاثة خطوط عمودية.

و الثانية قولهم:إن أجزاء المكان مطابقة بعضها لبعض،بحيث يمكنك،ان تنشئ فيه أشكالا متشابهة على جميع المقاييس،و لا سبيل إلى إنكار هاتين الصفتين الا في الهندسة اللااقليدسية التي تقرر إن للمكان عددا غير محدود من الأبعاد.

و قد فرق«هو فدينغ»بين المكان النفسي و المكان المثالي،فقال ان المكان النفسي الذي ندركه بحواسنا مكان نسبي لا ينفصل عن الجسم المتمكن،على حين ان المكان المثالي الذي ندركه بعقولنا مكان رياضي مجرد و مطلق،و هو وحده متجانس و متصل.

المعجم الفلسفي،صليبا:2/412-413،باب الميم،المكان.

(1)سورة سبأ/51.

(2)سورة الواقعة/83-85.

93

الموت يكشف الحقيقة للإنسان‏

قلنا أن النفس،لا تفنى بالتوفي،و بما أنها عاشت الدنيا و استقرت فيها لفترة،و مرّت بحالة الغرور الدنيوي و تعودت عليه،فإن«الوفاة»ستكشف للنفس،بطلان كل ما كان في الدنيا،من تصورات و أوهام،و بانكشاف الأسباب الظاهرية للأمور،ستتحول كل التطلعات و الطموحات الدنيوية إلى سراب‏ 1 ، فاللّه سبحانه و تعالى يقول:

وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلظََّالِمُونَ فِي غَمَرََاتِ اَلْمَوْتِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ بِمََا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آيََاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ `وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادى‏ََ كَمََا خَلَقْنََاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ مََا خَوَّلْنََاكُمْ وَرََاءَ ظُهُورِكُمْ وَ مََا نَرى‏ََ مَعَكُمْ شُفَعََاءَكُمُ اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكََاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مََا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ 2 إن الإنسان يتعامل مع نوعين من الأمور و الموجودات

____________

(1)السراب:الذي يكون نصف النهار لاطئا بالأرض،لاصقا بها،كأنه ماء جار.

السراب:الذي يجري على وجه الأرض كأنه الماء،و هو يكون نصف النهار.

لسان العرب،ابن منظور:1/465،مادة«سرب».

قال الطريحي في قوله تعالى: كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ سورة النور/39،السراب:ما يرى في شدة الحر كالماء،و يقال:السراب ما رأيته في أول الشمس يسرب كالماء و نصف النهار.

مجمع البحرين،الطريحي:2/356-357،مادة«سرب».

(2)سورة الأنعام/93-94.

94

في الدنيا،الأول:مباهج‏ 1 الحياة و أدواتها التي يتصور أنه يملكها،و أنها توصله إلى طموحاته و أهدافه،و الثاني:الناس الذين يتصورهم شفعاء له،فيتصور أنه لا يستطيع بلوغ حاجاته و مرامه،بدون مساعدة هؤلاء،كالزوجة و الأبناء و الأقرباء و الأصدقاء و كل الذين لهم قوة تأثير في مجرى الأمور.

لكن الباري عز و جل يشير في الآية وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادى‏ََ ... 2 بشكل إجمالي إلى بطلان النوعين‏ 3 ،ففي‏ وَ تَرَكْتُمْ مََا خَوَّلْنََاكُمْ ... 4 يشير

____________

(1)البهجة:السرور.بهجة لا تشبه بهجات الدنيا،أي:مسرة لا تشبه مسرات الدنيا.

مجمع البحرين،الطريحي:1/256،مادة«بهيج».

(2)سورة الأنعام/94.

(3)قال الطباطبائي في الشفعاء:المزاعم التي انضمت إلى حياته من التكثر بالأسباب و الاعتضاد و الانتصار بالأموال و الأولاد و الأزواج و العشائر و الجموع،و كذا الاستشفاع بالأرباب من دون اللّه المؤدى إلى الإشراك كل ذلك مزاعم و أفكار باطلة لا أثر لها.

و في تبيين قوله: وَ تَرَكْتُمْ مََا خَوَّلْنََاكُمْ وَرََاءَ ظُهُورِكُمْ سورة الأنعام/94،بيان لبطلان الأسباب الملهية له عن ربه المتخللة بين أول خلقه و بين يوم يقبض فيه إلى ربه.

و في تفسير قوله: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مََا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ سورة الأنعام/94، بيان لسبب انقطاعه من الأسباب و سقوطها عن الاستقلال و التأثير،و ان السبب في ذلك انكشاف بطلان المزاعم التي كان الإنسان يلعب بها طول حياته الدنيا.فيتبين بذلك أن ليس لهذه الأسباب و الضمائم في الإنسان من النصيب إلا أوهام و مزاعم يتلهى و يلعب بها الانسان.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:7/286-287،تفسير سورة الأنعام.

(4)سورة الأنعام/94.

95

إلى زوال النوع الأول و في‏ وَ مََا نَرى‏ََ مَعَكُمْ شُفَعََاءَكُمُ ... 1 يشير إلى زوال النوع الثاني.

أما لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ... 2 فهي إشارة إلى سبب بطلان النوعين و زوالهما، وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ... 3 إشارة إلى نتيجة هذا البطلان.

المهم،فإن ما في الدنيا يبقى في الدنيا،أما الإنسان فيبدأ منذ وفاته،حياة جديدة،مجردة عما كان في الدنيا-و من هنا وصف الموت بأنه«القيامة الصغرى» 4 التي قال فيها أمير المؤمنين عليه السّلام أن كل من يموت،تقوم قيامته‏ 5 .

____________

(1)سورة الأنعام/94.

(2)سورة الأنعام/94.

(3)سورة الأنعام/94.

(4)قال المازندراني:الموت:و هو القيامة الصغرى.

شرح أصول الكافي،المازندراني:10/440.

قال الفيض الكاشاني:الموت:هو القيامة الصغرى للأكثرين و الكبرى للآخرين.

التفسير الصافي،الفيض الكاشاني:1/120،تفسير سورة البقرة.

(5)إرشاد القلوب،الديلمي:1/18،في الحكم و المواعظ،الباب الثاني في الزهد في الدنيا.

و قد ورد أصل النص عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ضمن حديث طويل نذكر منه موضع الحاجة :«أكثروا من ذكر هادم اللذات فإنكم إن كنتم في ضيق وسعة عليكم فرضيتم به فأثبتم و إن كنتم في غنى نغصه إليكم فجدتم به فأجرتم فإن أحدكم إذا مات فقد قامت قيامته».

غ

96

التبشير بالسعادة أو الشقاء بعد الموت‏

عند ما تغادر«النفس»جسم الإنسان،تفقد صفة الاختيار و القدرة على فعل شي‏ء أو تركه،و هنا يرفع التكليف‏ 1 عن الإنسان-النفس-فاللّه تعالى يقول:

يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً 2 .

و في هذه المرحلة،يقف الإنسان أمام مفترق طريقين،طريق السعادة و طريق الشقاء 3 ،و عندها يتحدد الطريق الذي سيسلكه،فإما أن يتسلم بشارة السعادة،

____________

(1)الكلفة:المشقة و التكليف:الأمر بما يشق عليك و تكلف الشي‏ء:ما يفعله الإنسان بإظهار كلف مع مشقة تناله في تعاطيه و صارت الكلفة في التعارف اسما للمشقة و التكلف:اسم لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع و لذلك صار التكلف على ضربين:محمود و هو ما يتحراه الإنسان ليتوصل به إلى ان يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلا عليه و يصير كلفا به و محبا له و بهذا النظر يستعمل التكليف في تكلف العبادات و الثاني:مذموم و هو ما يتحراه الإنسان مراءة.

و التكاليف:المشاق الواحدة:تكلفة و التكليف:ما كان معرضا للثواب و العقاب و هو في عرف المتكلمين:بعث من تجب طاعته على ما فيه مشقة ابتداء بشرط الإعلام.

القاموس الجامع،عبد اللّه الغديري:2/575-576،باب الكاف،كلف.

(2)سورة الأنعام/158.

(3)عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السّلام أنه قال:حقيقة السعادة أن يختم الرجل عمله بالسعادة و حقيقة الشقاء أن يختم المرء عمله بالشقاء.

الخصال،الشيخ الصدوق:1/5،باب الواحد،حقيقة السعادة واحدة و حقيقة الشقاء واحدة/ح 14.

97

أو وعيد الشقاء 1 ،يقول اللّه تعالى:

وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلظََّالِمُونَ فِي غَمَرََاتِ اَلْمَوْتِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذََابَ اَلْهُونِ 2 و اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 3 و كذلك‏ إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَلاََّ تَخََافُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ 4 .

إن عبارة «كُنْتُمْ تُوعَدُونَ » 5 تعني أن البشارة 6 تتحقق بعد الدنيا،أي في الآخرة.

____________

(1)عن أبي بصير قال كنت بين يدي أبي عبد اللّه عليه السّلام جالسا و قد سأله سائل فقال:جعلت فداك يا ابن رسول اللّه من أين لحق الشّقاء أهل المعصية حتّى حكم اللّه لهم في علمه بالعذاب على عملهم فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام:أيّها السّائل حكم اللّه عزّ و جلّ لا يقوم له أحد من خلقه بحقّه فلمّا حكم بذلك وهب لأهل محبّته القوّة على معرفته و وضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله و وهب لأهل المعصية القوّة على معصيتهم لسبق علمه فيهم و منعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم في علمه و لم يقدروا أن يأتوا حالا تنجيهم من عذابه لأنّ علمه أولى بحقيقة التّصديق و هو معنى شاء ما شاء و هو سرّه.

الكافي،الكليني:1/153،كتاب التوحيد،باب السعادة و الشقاء/ح 2.

(2)سورة الأنعام/93.

(3)سورة النحل/32.

(4)سورة فصلت/30.

(5)سورة الأنبياء/103.

(6)البشارة:الإخبار بما يسر به المخبر به إذا كان سابقا لكل خبر سواه.

الفروق اللغوية،أبو هلال العسكري:100،حرف الباء/الرقم 396 الفرق بين البشارة و الخبر.

98

و طبيعي أن التبشير بشي‏ء يعني الإخبار عن أمر قبل أن يحدث‏ 1 ،و هذا ما يصدق على التبشير بالجنة الذي يحدث قبل دخولها 2 .

من جانب آخر،فإن التبشير،يعني الإخبار عن أمر حتمي الوقوع.و بما أن الإنسان يظل حر الاختيار حتى لحظة وفاته‏ 3 .

____________

(1)قال الرازي في تفسير قوله تعالى: وَ إِذََا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ََ سورة النحل/58،التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور.

تاج العروس،الزبيدي:3/45.

(2)تضمن النص القرآني الكثير من آيات البشرى،نذكر منها ما يلي:

سورة البقرة/25،و نصها: وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ كُلَّمََا رُزِقُوا مِنْهََا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قََالُوا هََذَا اَلَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشََابِهاً وَ لَهُمْ فِيهََا أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ .

سورة التوبة/21،و نصها: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوََانٍ وَ جَنََّاتٍ لَهُمْ فِيهََا نَعِيمٌ مُقِيمٌ .

سورة الحديد/12،و نصها: يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ بُشْرََاكُمُ اَلْيَوْمَ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا ذََلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ .

(3)عن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي قال:دخلت على علي بن موسى الرضا بمرو فقلت له يا ابن رسول اللّه روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام أنه قال:لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين ما معناه فقال:من زعم أن اللّه يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر و من زعم أن اللّه فوض أمر الخلق و الرزق إلى حججه عليهم السّلام فقد قال:بالتفويض و القائل بالجبر كافر و القائل بالتفويض مشرك فقلت يا ابن رسول اللّه فما أمر بين الأمرين فقال:وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به و ترك ما نهوا عنه قلت و هل للّه مشية و إرادة في ذلك فقال:أما الطاعات فإرادة اللّه و مشيته فيها الأمر بها و الرضا لها و المعاونة عليها و إرادته و مشيته في المعاصي النهي عنها-

99

و يظل أمام احتمال سلوكه أحد الطريقين السالفي‏ 1 الذكر،تبعا لعمله و سلوكه،فإن البشارة بالجنة لا يمكن أن تتحقق في الدنيا،و من ملاحظة الآية الكريمة:

أَلاََ إِنَّ أَوْلِيََاءَ اَللََّهِ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)`اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ كََانُوا يَتَّقُونَ (63)`لَهُمُ اَلْبُشْرى‏ََ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ فِي اَلْآخِرَةِ 2 نرى أن الباري عز و جل،يثبت ولايته على هؤلاء،ثم يخبرنا بأنهم لا خوف عليهم و لا يحزنون‏ 3 .و الولاية هذه تعني أن اللّه سبحانه و تعالى هو الذي يتولى تدبير أمور

____________

ق-و السخط لها و الخذلان عليها قلت فلله عز و جل فيها القضاء قال:نعم ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر إلا و للّه فيه قضاء قلت ما معنى هذا القضاء قال:الحكم عليهم بما يستحقونه من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة.

الاحتجاج،الطبرسي:2/414،احتجاج أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السّلام في التوحيد و العدل.

(1)السلف:المتقدم.

قال الجوهري:سلف يسلف سلفا،مثال طلب يطلب طلبا،أي:مضى.

لسان العرب،ابن منظور:9/158،مادة«سلف».

(2)سورة يونس/62-64.

(3)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: أَلاََ إِنَّ أَوْلِيََاءَ اَللََّهِ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ سورة يونس/62،فهؤلاء لا يخافون شيئا و لا يحزنون لشي‏ء لا في الدنيا و لا في الآخرة إلا إن يشاء اللّه،و قد شاء أن يخافوا من ربهم و ان يحزنوا لما فاتهم من كرامته إن فاتهم و هذا كله من التسليم للّه.فإطلاق الآية يفيد اتصافهم بهذين الوصفين:عدم الخوف و عدم الحزن في النشأتين الدنيا و الآخرة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:10/90،تفسير سورة يونس.

100

المؤمنين دون تدخل منهم‏ 1 ،و في هذه الحالة فقط،تكون البشارة في الدنيا لهؤلاء، أمرا صحيحا و منطقيا مادام اللّه تعالى هو المتولي و المدبر لأمور المؤمنين و من هنا نرى أن الباري تعالى يغيّر سياق الآية عند ما يصف تقوى هؤلاء المؤمنين فيقول جل و علا وَ كََانُوا يَتَّقُونَ 2 ،بينما السياق الطبيعي هو آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا 3 ، و هذا التغيير في السياق،إشارة واضحة إلى أن إيمان هؤلاء المؤمنين بعد إيمانهم الأول‏ 4 ،إنما جاء بفعل التقوى،و هو تعبير عن نقاء الإيمان من كل شوائب الشرك المعنوي،الناتجة عن الاعتماد على غير اللّه‏ 5 .

____________

(1)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: أَلاََ إِنَّ أَوْلِيََاءَ اَللََّهِ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ سورة يونس/62،الولاية:لها معاني كثيرة،لكن الأصل في معناها ارتفاع الواسطة الحائلة بين الشيئين.فاللّه سبحانه ولى عبده المؤمن،لأنه يلي أمره و يدبر شأنه فيهديه إلى صراطه المستقيم و يأمره و ينهاه فيما ينبغي له أو لا ينبغي و ينصره في الحياة الدنيا و في الآخرة و المؤمن حقا ولي ربه لأنه يلي منه إطاعته في أمره و نهيه و يلي منه عامة البركات المعنوية من هداية و توفيق و تأييد و تسديد و ما يعقبها من الإكرام بالجنة و الرضوان.فأولياء اللّه-على أي حال-هم المؤمنون فان اللّه يعد نفسه وليا لهم في حياتهم المعنوية.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:10/88-89،تفسير سورة يونس.

(2)سورة يونس/63.

(3)سورة البقرة/103.

(4)في البحار:قيل:إن الاتقاء الأول هو اتقاء المعاصي العقلية التي يختص المكلف و لا يتعداه و الإيمان الأول:الإيمان باللّه تعالى و بما أوجب اللّه الإيمان به و الإيمان بقبح هذه المعاصي و وجوب تجنبها.

بحار الأنوار،المجلسي:62/114،كتاب السماء و العالم،أبواب الصيد و الذبائح و ما يحل و ما يحرم من الحيوان،باب 1 جوامع ما يحل و ما يحرم من المأكولات.

(5)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا سورة النساء/71،فسماهم مؤمنين و«ليسوا-

101

و نفس هذا المعنى نجده في الآية: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ 1 و هذا ما منّ به الخالق عز و جل على المؤمنين.و وصفه بـ«النعمة»ثم يقول سبحانه و تعالى:

اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ إِنَّ اَلنََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزََادَهُمْ إِيمََاناً وَ قََالُوا حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ 2 ،فالمؤمنون يرجعون أمرهم إلى اللّه بشكل كامل دون أن يتدخلوا فيه‏ 3 .

____________

ق-هم بمؤمنين»و لا كرامة،قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبََاتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً.. .إلى قوله‏ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً سورة النساء/71-73،و لو أن أهل السماء و الأرض قالوا قد أنعم اللّه علي إذ لم أكن مع رسول اللّه لكانوا بذلك مشركين(و إذا أصابهم فضل من اللّه)قال:يا ليتني كنت معهم فأقاتل في سبيل اللّه.

تفسير العياشي،العياشي:1/257،تفسير سورة النساء.

قال الطباطبائي في تعليقه على الحديث:عن أبي عبد اللّه عليه السّلام‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا سورة النساء/71،فسماهم مؤمنين و ليسوا هم بمؤمنين و لا كرامة...الحديث.

المراد بالشرك في كلامه عليه السّلام الشرك المعنوي لا الكفر.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:4/421،تفسير سورة النساء.

(1)سورة الحديد/28.

(2)سورة آل عمران/173.

(3)قال الطباطبائي:إن ولاية أمرنا للّه و نحن مؤمنون به،و لازمه أن نتوكل عليه و نرجع الأمر إليه من غير أن نختار لأنفسنا شيئا من الحسنة و السيئة فلو أصابتنا حسنة كان المن له و إن أصابتنا سيئة كانت المشية و الخيرة له.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:9/306،تفسير سورة التوبة.

102

بعد ذلك تقول الآية الكريمة:

فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ 1 ،إذ حالت هذه النعمة التي منحها اللّه للمؤمنين،دون إصابتهم بأي سوء،و صانتهم من كل خطر،و هذا ما لا يدرك إلا في ظل الولاية الإلهية للمؤمنين،الذين يتدبر كل أمورهم.و يتكرر نفس المعنى في الآية الكريمة:

يُثَبِّتُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثََّابِتِ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ فِي اَلْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلظََّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اَللََّهُ مََا يَشََاءُ فعلنا أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ كُفْراً 2 إذ نلاحظ الإشارة إلى الولاية الإلهية و التثبيت الإلهي للمؤمنين بكلمة«النعمة» 3 .

____________

(1)سورة آل عمران/174.

(2)سورة إبراهيم/27-28.

(3)قال الطباطبائي:الآيات تدل على إن هذه الأشياء المعدودة نعما،إنما تكون نعمة إذا وافقت الغرض الإلهي من خلقتها لأجل الإنسان،فإنها إنما خلقت لتكون إمدادا إلهيا للإنسان يتصرف فيها في سبيل سعادته الحقيقية،و هي القرب منه سبحانه بالعبودية و الخضوع للربوبية،قال تعالى: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ سورة الذاريات/56.

و قال الطباطبائي أيضا:فالأشياء في نفسها،عزل،و إنما هي نعمة لاشتمالها على روح العبودية،و دخولها من حيث التصرف المذكور تحت ولاية اللّه التي هي تدبير الربوبية لشؤون العبد،و لازمه أن النعمة بالحقيقة هي الولاية الإلهية،و أن الشي‏ء إنما يصير نعمة إذا كان مشتملا على شي‏ء منها،قال تعالى: اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيََاؤُهُمُ اَلطََّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ اَلنُّورِ سورة البقرة/257.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:5/180-181،تفسير سورة المائدة.

103

و في آية أخرى يخبر الباري بمآل‏ 1 المطيعين لأوامره،حيث يحشرهم مع الذين أنعم عليهم:

وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ وَ اَلصََّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً 2 .

فالشخص المطيع لا يمتلك إرادة فعل شي‏ء،خارج إرادة المطاع،و في النتيجة،يقوم المطاع بالتحكم في إرادة و أفعال المطيع،و ينوب عنه في كل ذلك، و على هذا يكون المطاع وليا للمطيع‏ 3 .كما أن هذا المطيع الخاضع للإرادة الكاملة

____________

(1)آل الشي‏ء يؤول أولا و مآلا:رجع.

أول إليه الشي‏ء:رجعه.

لسان العرب،ابن منظور:11/32،مادة«أول».

(2)سورة النساء/69.

(3)قال السبزواري:المطيع علمه و إرادته و مشيته و قدرته و أفعاله متلاشية في صفة المطاع و فعله و لم يبق لنفسه شيئا من ذلك.

شرح الأسماء الحسنى،السبزواري:1/284.

قال الطباطبائي:يعد المطيع عبدا للمطاع لأنه بإطاعته يتبع إرادته إرادة المطاع فهو مملوكه المحروم من حرية الإرادة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:6/361،تفسير سورة المائدة،الآيات(116-120) هل يعد المطيع عبدا للمطاع(بحث قرآني).

و قال الطباطبائي أيضا:فإن المطيع يجعل إرادته و عمله تبعا لإرادة المطاع،فتقوم إرادة المطاع مقام إرادته و يعود عمله متعلقا لإرادة المطاع صادرا منها اعتبارا.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:19/306،تفسير سورة التغابن.

غ

104

للمطاع،يكون وليا لمن أطاعه و سلم أمره إليه،لأنه سيكون في النتيجة قد أطاع المطاع الأول.و لهذا نرى الباري عز و جل جعل بعض أوليائه،أولياء لآخرين:

إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ 1 و هذه الآية نزلت في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام‏ 2 .

و بالتأكيد ليس المقصود بالولاية هنا،الولاء القلبي و العاطفي،بسبب وجود كلمة «إنما»،و كذلك وجود عبارة«وليكم اللّه...»فالآية إذن تقوم بالتبيين‏ 3 خلافا للآيات:

____________

(1)سورة المائدة/55.

(2)قال فرات:حدثني الحسين بن سعيد عن جعفر عليه السّلام: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سورة المائدة/55،نزلت في علي بن أبي طالب عليه السّلام.

تفسير فرات،فرات الكوفي:125،تفسير سورة المائدة/ح 137-17.

قال أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث طويل:...فهل فيكم أحد أتى الزكاة و هو راكع فنزلت فيه:

إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ سورة المائدة/55،غيري قالوا:لا...الحديث.

إرشاد القلوب،الديلمي:2/260-261،في فضائله من طريق أهل البيت عليهم السّلام.

أخبرنا مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالي: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ سورة المائدة/55،قال:نزلت في علي عليه السّلام.

بناء المقالة الفاطمية،أحمد بن طاووس:269.

(3)بان الشي‏ء يبين بيانا:اتضح،فهو بين،و كذا أبان الشي‏ء فهو مبين،و أبنته أنا،أي:أوضحته.

مختار الصحاح،الرازي:44،مادة«بين».