حياة ما بعد الموت

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
318 /
155

الفصل الثّالث النّفخ في الصّور

156

-

157

النفخ في الصّور يقول الباري عز و جل:

وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ 1 و وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ََ فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يَنْظُرُونَ 2 .

نفهم من الآيتين الكريمتين أن هناك نفختين:الأولى،للإماتة،و الثانية للإحياء 3 ،و لم يأت في الآيات الواردة في هذا الشأن ما يمكننا من تفسير«الصور»

____________

(1)سورة النمل/87.

(2)سورة الزمر/68.

(3)عن ثوير بن أبي فاختة عن علي بن الحسين عليه السّلام قال:سئل عن النفختين كم بينهما قال:ما شاء اللّه،فقيل له:فأخبرني يا ابن رسول اللّه كيف ينفخ فيه،فقال:أما النفخة الأولى فإن اللّه يأمر إسرافيل فيهبط إلى الأرض و معه صور و للصور رأس واحد و طرفان و بين طرف كل رأس منهما ما بين السماء و الأرض قال فإذا رأت الملائكة إسرافيل و قد هبط إلى الدنيا و معه الصور قالوا قد أذن اللّه في موت أهل الأرض و في موت أهل السماء،قال فيهبط إسرافيل بحظيرة بيت-

158

لفظيا،أما معناها اللغوي فهو البوق الذي ينفخ فيه فيعطي صوتا عاليا 1 .

____________

ق-المقدس و يستقبل الكعبة فإذا رأوه أهل الأرض قالوا قد أذن اللّه في موت أهل الأرض،قال:

فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي أهل الأرض فلا يبقى في الأرض ذو روح إلا صعق و مات،و يخرج الصوت من الطرف الذي يلي أهل السماوات فلا يبقى في السماوات ذو روح إلا صعق و مات إلا إسرافيل فيمكثون في ذلك ما شاء اللّه،قال:فيقول اللّه لإسرافيل يا إسرافيل مت فيموت إسرافيل فيمكثون في ذلك ما شاء اللّه ثم يأمر اللّه السماوات فتمور و يأمر الجبال فتسير و هو قوله: يَوْمَ تَمُورُ اَلسَّمََاءُ مَوْراً(9)`وَ تَسِيرُ اَلْجِبََالُ سَيْراً سورة الطور/ 9-10،يعني تبسط و تبدل الأرض غير الأرض،يعني بأرض لم تكسب عليها الذنوب،بارزة ليس عليها جبال و لا نبات كما دحاها أول مرة،و يعيد عرشه على الماء كما كان أول مرة مستقلا بعظمته و قدرته،قال:فعند ذلك ينادي الجبار جل جلاله بصوت من قبله جهوري يسمع أقطار السماوات و الأرضين‏ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ سورة غافر/16،فلا يجيبه مجيب فعند ذلك يقول الجبار مجيبا لنفسه‏ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ سورة غافر/16،و أنا قهرت الخلائق كلهم و أمتهم إني أنا اللّه لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي و لا وزير لي و أنا خلقت خلقي بيدي و أنا أمتهم بمشيتي و أنا أحييهم بقدرتي،قال:فينفخ الجبار نفخة في الصور فيخرج الصوت من أحد الطرفين الذي يلي السماوات فلا يبقى في السماوات أحد إلا حيي و قام كما كان و يعود حملة العرش و تحضر الجنة و النار و تحشر الخلائق للحساب،قال:فرأيت علي بن الحسين عليهما السّلام يبكي عند ذلك بكاء شديدا.

تفسير القمي،القمي:2/252-253،تفسير سورة الزمر،كيفية نفخ الصور.

(1)قال الإمام علي بن الحسين عليهما السّلام في وصف الصور:للصور رأس واحد و طرفان و بين طرف كل رأس منهما ما بين السماء و الأرض.

تفسير القمي،القمي:2/252،تفسير سورة الزمر،كيفية نفخ الصور.

في مجموعة أبي ورام:قيل الصور:هو القرن،و ذلك أن إسرافيل عليه السّلام واضع فاه على القرن-

غ

159

بالنسبة للنفخة الأولى،فإنها وردت في آيتين في سورتي النمل‏ 1 و الزمر 2 السالفتي الذكر فقط،لكن القرآن الكريم عبر عنها في أماكن مختلفة بـ«الصيحة» و«الصاخة»و هي الصيحة القوية 3 و«النقر» 4 :

إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَإِذََا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنََا مُحْضَرُونَ 5 .

فَإِنَّمََا هِيَ زَجْرَةٌ وََاحِدَةٌ (13)`فَإِذََا هُمْ بِالسََّاهِرَةِ 6 فَإِذََا جََاءَتِ اَلصَّاخَّةُ (33) `يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ 7 فَإِذََا نُقِرَ فِي اَلنََّاقُورِ(8)`فَذََلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9)

____________

ق-كهيئة البوق و دائرة رأس القرن كعرض السماوات و الأرض.

مجموعة ورام،ورام ابن أبي فراس:1/292،نفخة الصور.

قال الطوسي:الصور:قرن ينفخ فيه لاجتماع الصورة به.

التبيان،الطوسي:2/329،تفسير سورة البقرة.

(1)سورة النمل/87.

(2)سورة الزمر/68.

(3)قال ابن سيده:الصاخة صيحة تصخ الآذان،أي:تطعنها فتصمها لشدتها،و منه سميت القيامة.

لسان العرب،ابن منظور:3/33،مادة«صخخ».

(4)قال الطريحي:في حديث أهل البيت عليهم السّلام من جملة علومهم:«نقر في القلوب و نقر في الأسماع» أما النكت في القلوب فإلهام و أما النقر في الأسماع فأمر الملك.

مجمع البحرين،الطريحي:4/368،مادة«نكت».

(5)سورة يس/53.

(6)سورة النازعات/13-14.

(7)سورة عبس/33-34.

160

عَلَى اَلْكََافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ 1 .

وَ اِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ مِنْ مَكََانٍ قَرِيبٍ (41)`يَوْمَ يَسْمَعُونَ اَلصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُرُوجِ 2 .

من هنا يمكن إدراك أن المعني بـ«الصور»في النفختين؛هو البوق الذي كان يستخدم في إعطاء الأوامر للجند،للاستعداد للحرب ثم خوضها 3 .

ففي الأولى،ينفخ في«الصور»أن اصمتوا!و«استعدوا للتحرك»ثم ينفخ ثانية أن«أنهضوا»و«ابدأوا الهجوم».

إذن فالصور،حقيقة واقعة،تشهد صيحتان الصيحة المميتة،و الصيحة التي تحيي ثانية 4 5 .

____________

(1)سورة المدثر/8-10.

(2)سورة ق/41-42.

(3)قال الطباطبائي:النفخ في الصور:كناية عن إعلام الجماعة الكثيرين كالعسكر بما يجب عليهم أن يعملوا به جمعا كالحضور و الارتحال و غير ذلك.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:15/399،تفسير سورة النمل.

(4)أنظر:تفسير القمي،القمي:2/252-253،تفسير سورة الزمر،كيفية نفخ الصور.

(5)قال الطباطبائي:

ظاهر ما ورد في كلامه تعالى في معنى نفخ الصور أن النفخ نفختان نفخة للإماتة و نفخة للإحياء.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:17/293،تفسير سورة الزمر.

161

و رغم أن القرآن الكريم لم يقدم تفسيرا كاملا لكلمة«الصيحة» 1 لكنه استخدمها في أكثر من ثمانية عشر حالة 2 .

____________

(1)قال القمي في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يَسْمَعُونَ اَلصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُرُوجِ سورة ق/42، صيحة القائم من السماء.

تفسير القمي،القمي:2/327،تفسير سورة ق،درجة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي عليه السّلام في المحشر.

قال الطوسي في تفسير قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ سورة المؤمنون/41، الصيحة:الصوت الشديد الذي يفزع منها.

التبيان،الطوسي:7/369،تفسير سورة المؤمنون.

الصيحة:العذاب.

الصيحة:الغارة إذا فوجئ الحي بها.

لسان العرب،ابن منظور:2/521،مادة«صيح».

(2)إن آيات الصيحة التي وردت في القرآن عددها 13،و كما يأتي:

سورة هود/67،و نصها: وَ أَخَذَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيََارِهِمْ جََاثِمِينَ .

سورة هود/94،و نصها: وَ لَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا نَجَّيْنََا شُعَيْباً وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنََّا وَ أَخَذَتِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيََارِهِمْ جََاثِمِينَ .

سورة الحجر/73،و نصها: فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ .

سورة الحجر/83،و نصها: فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ .

سورة المؤمنون/41،و نصها: فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنََاهُمْ غُثََاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ .

سورة العنكبوت/40،و نصها: فَكُلاًّ أَخَذْنََا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِ حََاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ اَلصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنََا وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . -

162

و لا مناص‏ 1 من اتخاذ معناها الحقيقي المعروف.كما أن الباري عز و جل عبر عنها أحيانا بـ«النداء» 2 ،و هو ما لا يكون بدون معنى محدد 3 .

____________

ق-سورة يس/29،و نصها: إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَإِذََا هُمْ خََامِدُونَ .

سورة يس/49،و نصها: مََا يَنْظُرُونَ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ .

سورة يس/53،و نصها: إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَإِذََا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنََا مُحْضَرُونَ .

سورة ص/15،و نصها: وَ مََا يَنْظُرُ هََؤُلاََءِ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً مََا لَهََا مِنْ فَوََاقٍ .

سورة ق/42،و نصها: يَوْمَ يَسْمَعُونَ اَلصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذََلِكَ يَوْمُ اَلْخُرُوجِ.

سورة القمر/31،و نصها: إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَكََانُوا كَهَشِيمِ اَلْمُحْتَظِرِ.

سورة المنافقون/4،و نصها: وَ إِذََا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسََامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ اَلْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ .

(1)المناص:المهرب.المناص:الملجأ و المفر.

لسان العرب،ابن منظور:7/102،مادة«نوص».

(2)سورة ق/41،و نصها: وَ اِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ مِنْ مَكََانٍ قَرِيبٍ .

(3)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ سورة ق/41،هو نداء البعث و كلمة الحياة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:18/360-361،تفسير سورة ق.

قال الشوكاني:و في تفسير قوله تعالى: وَ اِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنََادِ اَلْمُنََادِ مِنْ مَكََانٍ قَرِيبٍ سورة ق/41،قيل:استمع النداء أو الصوت أو الصيحة:و هي صيحة القيامة،أعني النفخة الثانية في الصور من إسرافيل.

فتح القدير،الشوكاني:5/81،تفسير سورة ق.

163

و حيث أن الباري عز و جل يتحدث عن سماع الناس للصيحة،و بما أن «السماع»يقوم به الأحياء فقط.و أن اللّه يخبرنا عن صعق‏ 1 هؤلاء،فإننا ندرك أن المقصود بحياة هؤلاء هي مجرد سماع الصيحة،و لما كان من غير المنطقي القول بسماع الصيحة التي تبعث فيهم الحياة،بعد القول أنهم أحياء،إذن،فإن المقصود هو أن الصيحة أو النفخة ليست أكثر من كلمة إلهية تميت الناس ثم تحييهم،فاللّه تعالى يقول:

هُوَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ فَإِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ 2 .

و على هذا فإن النفختين المذكورتين،هما كلمتان إلهيتان،الأولى تميت، و الثانية تحيي.و الأمر الجدير بالملاحظة هو أن الباري عز و جل عبر عن الإماتة بكلمة«صعق»و ليس«الموت»،ربما لأن الموت،لفظة تطلق على خروج الروح من البدن،بينما حكم النفخ،يشمل كل الموجودات في السموات و الأرض،بما في ذلك الملائكة و الأرواح‏ 3 ،و في قوله تعالى:

____________

(1)الصعق:المغشي عليه.

صعق صعقا:غشي عليه من صوت يسمعه أو حس أو نحوه.و صعق صعقا:مات.

كتاب العين،الفراهيدي:1/129،مادة«صعق».

(2)سورة غافر/68.

(3)قال الطوسي في تفسير قوله تعالى: فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ سورة الزمر/68،قيل معناه:يموت من شدة تلك الصيحة التي تخرج من الصور جميع من في السموات و الأرض.

التبيان،الطوسي:9/46،تفسير سورة الزمر.

164

لاََ يَذُوقُونَ فِيهَا اَلْمَوْتَ إِلاَّ اَلْمَوْتَةَ اَلْأُولى‏ََ 1 الذي يصف فيه أصل الجنة،إشارة إلى هذا الأمر.و في مكان آخر وصف الباري عز و جل الصعقة بـ«الموت»،و ذلك في الآية الكريمة:

رَبَّنََا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنََا بِذُنُوبِنََا فَهَلْ إِلى‏ََ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ 2 مع التأكيد بأن«مرتين»لا يقصد منها التكرار.

يقول اللّه سبحانه و تعالى:

وَ مِنْ وَرََائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ 3 ،و هذا يعني أن حكم البرزخ يشمل الجميع،و بناء على هذا،فإن المقصود بـ«من في الأرض» 4 الذين يشملهم «الفزع» 5 و«الصعقة» 6 ،ليس الذين هم على قيد الحياة على الأرض‏ 7 بل

____________

(1)سورة الدخان/56.

(2)سورة غافر/11.

(3)سورة المؤمنون/100.

(4)سورة النمل/87.

(5)الفزع:الذعر.

الصحاح،الجوهري:3/1258،مادة«فزع».

(6)صعق الرجل كسمع صعقا بالفتح،و يحرك و صعقة و تصعاقا بفتحهما،فهو صعق ككتف:إذا غشى عليه و ذهب عقله من صوت يسمعه.

تاج العروس،الزبيدي:6/408.

(7)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ سورة الزمر/68،أنه يصعق فيه جميع من في الدنيا من الأحياء و من في البرزخ من-

165

المقصود به أولئك الذين قال اللّه تعالى عنهم‏

وَ يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يُقْسِمُ اَلْمُجْرِمُونَ مََا لَبِثُوا غَيْرَ سََاعَةٍ كَذََلِكَ كََانُوا يُؤْفَكُونَ (55)`وَ قََالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَ اَلْإِيمََانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتََابِ اَللََّهِ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْبَعْثِ فَهََذََا يَوْمُ اَلْبَعْثِ وَ لََكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ 1 قََالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)`قََالُوا لَبِثْنََا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ اَلْعََادِّينَ (113)`قََالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاََّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 2 .

إِنَّ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ اِسْتَكْبَرُوا عَنْهََا لاََ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوََابُ اَلسَّمََاءِ وَ لاََ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُجْرِمِينَ 3 .

إذن فهؤلاء أهل الأرض،حتى لو كانوا في عالم البرزخ.

أما المقصود بـ«من في السماء» 4 فهم الملائكة و أرواح السعداء 5 .

____________

ق-الأموات و هؤلاء و إن لم يكونوا في الدنيا ففي البرزخ.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:19/23،تفسير سورة الطور.

(1)سورة الروم/55-56.

(2)سورة المؤمنون/112-114.

(3)سورة الأعراف/40.

(4)سورة الملك/16.

(5)قال الفيض الكاشاني في تفسير قوله تعالى: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ سورة الملك/16،يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم.

التفسير الأصفى،الفيض الكاشاني:2/1330،تفسير سورة الملك.-

166

فاللّه تعالى يقول:

وَ فِي اَلسَّمََاءِ رِزْقُكُمْ وَ مََا تُوعَدُونَ 1 و لَكُمْ مِيعََادُ يَوْمٍ 2 و اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جَنََّاتٍ 3 و وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ 4 و إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ 5 و يَرْفَعِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا 6 ، تَعْرُجُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ 7 و آيات أخرى كثيرة 8 .

____________

ق-قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ فَإِذََا هِيَ تَمُورُ سورة الملك/16،المراد بمن في السماء:الملائكة المقيمون فيها الموكلون على حوادث الكون.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:19/358،تفسير سورة الملك.

(1)سورة الذاريات/22.

(2)سورة سبأ/30.

(3)سورة إبراهيم/23.

(4)سورة الأنعام/2.

(5)سورة فاطر/10.

(6)سورة المجادلة/11.

(7)سورة المعارج/4.

(8)هذه نبذة مما ورد من آيات القرآن الكريم في هذا الشأن:

سورة العنكبوت/22،و نصها: وَ مََا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ. -

167

إذن فإن الآيات الدالة على وقوع الصيحة على أهل الأرض،تدل كلها على أنها تؤدي إلى انقلاب الأرض و دمارها على أهلها 1 .

كما يتضح من الآية:

مََا يَنْظُرُونَ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ (49)`فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لاََ إِلى‏ََ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ 2 ،و كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ 3 .

خلاصة الأمر،أن الصيحة الأولى تطلق،فتقلب الدنيا بمن فيها،و يفنى أهلها،ثم ينفخ في الصور،فيموت جميع من في عالم البرزخ،ثم ينفخ ثانية،

____________

ق-سورة الشعراء/206،و نصها: ثُمَّ جََاءَهُمْ مََا كََانُوا يُوعَدُونَ .

سورة الزمر/75،و نصها: وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ .

سورة شورى/5،و نصها: تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ أَلاََ إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ .

(1)قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قوله تعالى: وَ مََا يَنْظُرُ هََؤُلاََءِ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً مََا لَهََا مِنْ فَوََاقٍ سورة ص /15،فيسير اللّه الجبال فتكون سرابا،و ترج الأرض بأهلها رجا،و هي التي يقول اللّه: يَوْمَ تَرْجُفُ اَلرََّاجِفَةُ (6)`تَتْبَعُهَا اَلرََّادِفَةُ (7)`قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وََاجِفَةٌ سورة النازعات/6-8،فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفأ بأهلها.

جامع البيان،ابن جرير الطبري:17/146،تفسير سورة الحج.

(2)سورة يس/49-50.

(3)سورة الرحمن/26.

168

فيبعث الناس جميعا و تقوم القيامة 1 .

و هناك نقطة مهمة و هي أن الآيتين الكريمتين‏ مََا خَلَقَ اَللََّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى 2 و وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ 3 قد قرنتا موت كل الموجودات الحية،بالأجل المحدد،و هذا يعني أنه لا يمكن لأي موت أن يقع بشكل اعتباطي‏ 4 ،إنما بأجل مكتوب.

و هذا ينطبق على الصيحة و النفخ أيضا إذ لا يمكن أن يؤديا إلى الموت إلا بأجل معلوم‏ 5 .

____________

(1)مر تبيان ذلك في بداية الفصل الثالث النفخ في الصور.

(2)سورة الروم/8.

(3)سورة الأنعام/2.

(4)اعتبط فلان:مات فجأة من غير علة و لا مرض.

كتاب العين،الفراهيدي:2/20،مادة«عبط».

قال الطريحي:يقال لكل من مات من غير علة:اعتبط.

مجمع البحرين،الطريحي:3/113،مادة«عبط».

(5)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا سورة الزمر/42، أي:يقبضها إليه وقت موتها،و انقضاء آجالها.

مجمع البيان،الطبرسي:8/403،تفسير سورة الزمر.

قال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا سورة الزمر/42، أي:يقبضها عند حضور آجالها و يخرجها من الأبدان.

فتح القدير،الشوكاني:4/465،تفسير سورة الزمر.

غ

169

الذين يستثنون من حكم النفخ في الصور

و أما فيما يتعلق بعبارة إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ 1 الواردة في آيتي النفخ‏ 2 ،فإنها تدل على استثناء البعض من حكم النفخ في الصور 3 ،و هو ما يتضح من الآية يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ 4 .

____________

(1)سورة النمل/87.

(2)سورة النمل/87،و نصها: وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دََاخِرِينَ .

سورة الزمر/68،و نصها: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ََ فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يَنْظُرُونَ .

(3)قال الطوسي في تفسير قوله تعالى: إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ سورة النمل/87،إن الشهداء من جملة الخلق الذين لا يفزعون ذلك اليوم.

و قيل في تفسير قوله تعالى: إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ سورة النمل/87،يعني من الملائكة الذين يثبت اللّه قلوبهم.و قيل:اسرافيل.

التبيان،الطوسي:8/123-124،تفسير سورة النمل.

عن أنس بن مالك قال:تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذه الآية: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ سورة الزمر/68،قالوا:يا رسول اللّه من هؤلاء الذين استثنى اللّه عز و جل قال:جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و ملك...الحديث.

أعلام الدين،الديلمي:353،باب عدد أسماء اللّه تعالى و هي تسع و تسعون،الحديث الثامن.

(4)سورة النمل/87.

170

لكن ما طبيعة هذا الاستثناء و ما أسبابه؟.

الآية التالية تجيب على السؤال:

مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89)`وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي اَلنََّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاََّ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 1 .

أن المقصود بالحسنة المقرونة بكلمة«أمن»و المضادة في معناها لـ«السيئة».هي الحسنة المطلقة 2 ،و ليست المشوبة بالسيئة،و لهذا لو كانت أعمال إنسان ما، خليط من الحسنات و السيئات،لما كان آمنا من الفزع يوم ينفخ في الصور،بسبب وجود السيئات في أعماله،و الإنسان الوحيد الذي يكون آمنا من الفزع،هو صاحب الحسنات الخالصة الخالية من أية سيئة.

و أحيانا يطلق اللّه تعالى على السيئات اسم«الخبائث» 3 ،فهو القائل وَ يَجْعَلَ اَلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى‏ََ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ 4 .

و كذلك‏ اَلْخَبِيثََاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ اَلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثََاتِ وَ اَلطَّيِّبََاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ اَلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبََاتِ 5 .

____________

(1)سورة النمل/89-90.

(2)أنظر:تفسير روح المعاني،الآلوسي:6/76،تفسير سورة النمل.

(3)الخبائث:يريد بها الأفعال المذمومة و الخصال الرديئة.

لسان العرب،ابن منظور:2/142،مادة«خبث».

(4)سورة الأنفال/37.

(5)سورة النور/26.

171

كما إنه اعتبر الكفر و النفاق في خانة النجاسة و الرجس‏ 1 فقال عز و جل وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مََاتُوا وَ هُمْ كََافِرُونَ 2إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ 3 ،بل إنه اعتبر بعض درجات الإيمان،من الشرك‏ 4 حينما يقول:

____________

(1)الرجس:الشي‏ء القذر.

ترتيب إصلاح المنطق،ابن سكيت:171،مادة«رجس».

الرجس:القذر،و قد يعبر به عن الحرام و الفعل القبيح،و العذاب،و اللعنة،و الكفر.

النهاية في غريب الحديث،ابن الأثير:2/200.

قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ سورة التوبة/125،أي:

نفاقا و كفرا إلى نفاقهم،و كفرهم،لأنهم يشكون في هذه السورة،كما شكوا فيما تقدمها من السور،فذلك هو الزيادة.و سمي الكفر رجسا على وجه الذم له،و انه يجب تجنبه كما يجب تجنب الأرجاس،و أضاف الزيادة إلى السورة،لأنهم يزدادون عندها رجسا.

مجمع البيان في تفسير القرآن،الطبرسي:5/146،تفسير سورة التوبة.

(2)سورة التوبة/125.

(3)سورة التوبة/28.

(4)عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه تبارك و تعالى: وَ مََا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللََّهِ إِلاََّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ سورة يوسف/106،قال:شرك طاعة و ليس شرك عبادة،و المعاصي التي يرتكبون شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشركوا باللّه في الطّاعة لغيره و ليس بإشراك عبادة أن يعبدوا غير اللّه.

تفسير القمي،القمي:1/358،تفسير سورة التوبة،رد شباب زليخا.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: وَ مََا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللََّهِ إِلاََّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ سورة يوسف/106،المراد بالشرك في الآية بعض مراتبه الذي يجامع بعض مراتب الإيمان و هو المسمى-

172

وَ مََا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللََّهِ إِلاََّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ 1 .

إذن،فالذي نفسه طاهرة من الشرك،هو ذلك الذي لا يؤمن بغير اللّه،و لا تطمئن نفسه إلى غيره،فلا يرى للّه شريكا لا في وجوده،و لا في صفاته و لا في أفعاله.هذا هو المقصود بالولاية 2 .

____________

ق-باصطلاح فن الأخلاق بالشرك الخفي.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:11/275-276،تفسير سورة يوسف.

(1)سورة يوسف/106.

(2)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: دَعْوََاهُمْ فِيهََا سُبْحََانَكَ اَللََّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهََا سَلاََمٌ وَ آخِرُ دَعْوََاهُمْ أَنِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ سورة يونس/10،أول ما يكرم به اللّه سبحانه أولياءه-و هم الذين ليس في قلوبهم إلا اللّه و لا مدبر لأمرهم غيره-أنه يطهر قلوبهم عن محبة غيره فلا يحبون إلا اللّه فلا يتعلقون بشي‏ء إلا اللّه و في اللّه سبحانه،فهم ينزهونه عن كل شريك يجذب قلوبهم إلى نفسه عن ذكر اللّه سبحانه،و عن أي شاغل يشغلهم عن ربهم.

و هذا تنزيه منهم لربهم عن كل ما لا يليق بساحة قدسه من شريك في الاسم أو في المعنى أو نقص أو عدم،و تسبيح منهم له لا في القول و اللفظ فقط بل قولا و فعلا و لسانا و جنانا.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:10/17،تفسير سورة يونس.

و قال أيضا في كتابنا هذا في الفصل الثالث ضمن بحث«الذين يستثنون من حكم النفخ في الصور»،الولاية:الذي نفسه طاهرة من الشرك،و ذلك الذي لا يأمن بغير اللّه و لا تطمئن نفسه الى غيره،فلا يرى اللّه شريكا لا في وجوده،و لا في صفاته و لا في أفعاله.

و قال أيضا في كتابنا هذا في الفصل الثالث ضمن بحث«الذين يستثنون من حكم النفخ في الصور»،العباد المخلصين:هم الذين لم تتلوث قلوبهم و نفوسهم بالشرك و هم يرون اللّه وحده-

173

و هؤلاء هم الذين تقول عنهم الآية الكريمة:

اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ 1 .

لأنهم طهّروا أنفسهم بالولاية 2 يَقُولُونَ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ 3 ،و المقصود بالسلام هنا،هو الأمن‏ 4 الذي مضى كحديث عنه.

____________

ق-في كل شي‏ء و لا يملكون من أمر نفعهم أو ضرهم أو حياتهم أو مماتهم شيئا.

(1)سورة النحل/32.

(2)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ سورة النحل/32، أي:طيبي الأعمال،طاهري القلوب من دنس الشرك.

مجمع البيان،الطبرسي:6/153،تفسير سورة النحل.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ اُدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ سورة النحل/32،المراد بكون المتقين طيبين في حال توفيهم خلوصهم من خبث الظلم.

يكون معنى الآية:ان المتقين هم الذين تتوفاهم الملائكة متعرين عن خبث الظلم الشرك و المعاصي.

فالآية تصف المتقين بالتخلص عن التلبس بالظلم.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:12/236،تفسير سورة النحل.

(3)سورة النحل/32.

(4)قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ سورة النحل/32،يحتمل أن يكون تبشيرا لهم بالجنة،لان السّلام أمان.

تفسير القرطبي،القرطبي:10/101،تفسير سورة النحل.

174

على هذا،يظهر لنا أن«الحسنة»هي الولاية 1 و الآية التالية تشير إلى ذلك قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهََا حُسْناً إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ 2 .

و في تفسير القمي‏ 3 للآية الكريمة مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا 4 ورد عن أحد الأئمة قوله:و اللّه إن الحسنة هي الولاية بعينها و أن السيئة هي إتباع أعداء اللّه‏ 5 .و في الكافي ورد عن الإمام الصادق،نقلا عن الإمام علي عليه السّلام أن الحسنة

____________

(1)عن أبى جعفر عليه السّلام في قول اللّه عز و جل: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهََا حُسْناً سورة الشورى/23،قال:من تولى الأوصياء من آل محمد و اتبع آثارهم فذلك يزيده ولاية معي من النبيين و المؤمنين الأولين.

تفسير نور الثقلين،الحويزي:4/342.

(2)سورة الشورى/23.

(3)علي بن ابراهيم بن هاشم أبو الحسن القمي:ثقة في الحديث،ثبت،معتمد،صحيح المذهب، سمع فأكثر و أكثر،و صنف كتبا و أضر في وسط عمره.و له كتاب التفسير،كتاب الناسخ و المنسوخ...إلى آخره.

رجال النجاشي،النجاشي:260/الرقم 680 علي بن إبراهيم بن هاشم أبو الحسن القمي.

(4)سورة النمل/89.

(5)قال القمي في تفسير قوله تعالى: مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا سورة النمل/89،و قوله وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي اَلنََّارِ سورة النمل/90،الحسنة و اللّه ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام و السيئة و اللّه عداوته.

تفسير القمي،القمي:2/131،تفسير سورة النمل.

175

هي معرفة الولاية و حبنا نحن أهل البيت و أن السيئة هي إنكار الولاية و بغض أهل البيت‏ 1 ،ثم تلا الآية 2 التي مرّ ذكرها.

مما تقدم يمكن أن ندرك معنى الآية الكريمة وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ََ فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يَنْظُرُونَ 3 إذ يبدو من ظاهر الآية،أن الذين تصيبهم الصعقة في النفخة الأولى هم أنفسهم الذين يشملهم«القيام» يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ 4 5 ،بدليل الآية الكريمة: إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً فَإِذََا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنََا مُحْضَرُونَ 6 ،

____________

(1)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قال أبو جعفر عليه السّلام:دخل أبو عبد اللّه الجدليّ على أمير المؤمنين فقال عليه السّلام:يا أبا عبد اللّه ألا أخبرك بقول اللّه عزّ و جلّ‏ مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89)`وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي اَلنََّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاََّ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ سورة النمل/89-90،قال:بلى يا أمير المؤمنين جعلت فداك فقال:الحسنة معرفة الولاية و حبّنا أهل البيت و السّيّئة إنكار الولاية و بغضنا أهل البيت ثمّ قرأ عليه هذه الآية.

الكافي،الكليني:1/185،كتاب الحجة،باب معرفة الإمام و الرد عليه/ح 14.

(2)سورة النمل/89.

(3)سورة الزمر/68.

(4)سورة المطففين/6.

(5)أنظر:تفسير القمي،القمي:2/252-253،تفسير سورة الزمر،كيفية نفخ الصور.

قال الطباطبائي:يصعق فيه جميع من في الدنيا من الأحياء و من في البرزخ من الأموات و هؤلاء إن لم يكونوا في الدنيا ففي البرزخ.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:19/23،تفسير سورة الطور.

(6)سورة يس/53.

176

لكن اللّه تعالى يستثني من هؤلاء المحضرين،عباده المخلصين،عند ما يقول عز و جل:

فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ تَنََاصَرُونَ إِلاََّ عِبََادَ اَللََّهِ اَلْمُخْلَصِينَ 1 .

ثم يصف هؤلاء العباد المخلصين،بما جاء على لسان إبليس‏ 2 :

فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)`إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ 3 .

و هكذا فإن اللّه تعالى يؤكد لنا،أن الشيطان لا يجد طريقا إلى هؤلاء العباد، فلا يتمكن من إغوائهم.و هذا الإغواء،جاء بشكل«وعد»من الشيطان‏ 4 :

____________

(1)سورة الصافات/127-128.

(2)أبلس من رحمة اللّه،أي:يئس و ندم.و منه سمي إبليس،و كان إسمه عزازيل.

لسان العرب،ابن منظور:6/29،مادة«بلس».

عن ابن عباس و قتادة و ابن جرير و الزجاج و ابن الانباري:كان إبليس من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن،و كان اسمه بالعبرانية عزازيل.

و بالعربية الحارث،و كان رئيس ملائكة الدنيا و سلطانها و سلطان الأرض،و كان من أشد الملائكة اجتهادا و أكثرها علما،و كان يوسوس بين السماء و الأرض،فيرى بذلك لنفسه شرفا عظيما و عظما،فذلك الذي دعاه إلى الكبر فعصى و كفر،فمسخه اللّه شيطانا رجيما ملعونا.

كنية إبليس أبو مرة.

مجمع البحرين،الطريحي:1/239-240،مادة«بلس».

(3)سورة ص/82-83.

(4)قال الطوسي:ثم استثنى من جملة من يغويهم«عباد اللّه المخلصين»،مع حرصه على إغواء الجميع من حيث أنه يئس منهم من حيث علم انهم لا يقبلون منه و لا ينقادون لإغوائه،و انه ليس-

177

وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ إِنَّ اَللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ إلى أن يقول: تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ مََا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ اَلظََّالِمِينَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ 1 .

و هنا نلاحظ أن الشيطان يرجع لوم أتباعه عليهم،لأن ذنوبهم تعود إلى شركهم باللّه،فظلموا أنفسهم و إن اللّه أعدّ للظالمين عذابا أليما 2 3 .

____________

ق-له عليهم سلطان إلا بالإغواء،فإذا علم أن منهم من لا يقبل منه عرف ذلك عنه ليأسه منه.

التبيان في تفسير القرآن،الطوسي:8/584-585،تفسير سورة ص.

(1)سورة إبراهيم/22.

(2)إشارة إلى قوله تعالى في سورة الإنسان/الآية 31: يُدْخِلُ مَنْ يَشََاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ اَلظََّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً.

(3)قال الطوسي:حكاية عن قول الشيطان لأوليائه انه يقول لهم: إِنِّي كَفَرْتُ سورة إبراهيم/22،بشرككم باللّه و متابعتكم لي قبل هذا اليوم.

التبيان في تفسير القرآن،الطوسي:6/290،تفسير سورة إبراهيم.

قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ سورة إبراهيم/22،أي:كفرت الآن بما كان من إشراككم إياي مع اللّه في الطاعة،أي:جحدت أن أكون شريكا للّه تعالى فيما أشركتموني فيه من قبل هذا اليوم.

مجمع البيان،الطبرسي:6/72،تفسير سورة إبراهيم.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ سورة إبراهيم/22، أي:إذا لم يكن لي عليكم سلطان بوجه من الوجوه كما يدل عليه وقوع النكرة في سياق النفي،و التأكيد بمن في قوله: وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ سورة إبراهيم/22،فلا يعود إلى شي‏ء من اللوم العائد إليكم من جهة الشرك و المعصية فلا يحق لكم أن تلوموني بل الواجب-

غ

178

إذن فالعباد المخلصين هم الذين لم تتلوث‏ 1 قلوبهم و نفوسهم بالشرك، و هم يرون اللّه وحده في كل شي‏ء و لا يملكون من أمر نفعهم أو ضرهم أو حياتهم أو مماتهم شيئا،و هذه هي الولاية 2 .

هؤلاء العباد المخلصين،هم أولياء اللّه،و هم مستثنون من حكم الصعقة و الفزع.ففي حين يموت كل من في الأرض و السماء بنفخة في الصور،يواصل هؤلاء حياتهم.يقول تعالى:

يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمََاءَ كَطَيِّ اَلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 3 و وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ 4 .

و هذا يعني أن السماوات بمن فيها،سيحلّ أجلها و ستطوى‏ 5 .و من هنا

____________

ق-عليكم أن تلوموا أنفسكم لان لكم السلطان على عملكم.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:12/48،تفسير سورة إبراهيم.

(1)التلوث:التلطخ،يقال لاثه في التراب و لوثه.

لسان العرب،ابن منظور:2/185،مادة«لوث».

(2)تقدم بيان ذلك في بداية الفصل الثالث،الذين يستثنون من حكم النفخ في الصور.

(3)سورة الأنبياء/104.

(4)سورة الزمر/67.

(5)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمََاءَ سورة الأنبياء/104،المراد بالطي هنا:هو الطي المعروف،و أن اللّه سبحانه يطوي السماء بقدرته.و قيل:إن طي السماء ذهابها عن الحس.

مجمع البيان،الطبرسي:7/119،تفسير سورة الأنبياء.

و قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمََاءَ سورة الأنبياء/104،أي:نطويها-

179

ندرك أن الذين تستثنيهم الصعقة و الفزع،هم ليسوا في السماء،بل هم في ما وراء السماوات و الأرض مما يعني أنهم معنيون بالآية كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ 1 أي أنهم من الـ«وجه»،و عند ما تقول الآية فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ 2 فإن العباد المخلصين«أولياء اللّه»سيحيطون بالعالم أيضا،و سيرون كل شي‏ء،من خلال إحاطة«وجه اللّه»به.

و في آية أخرى،و بعد أن يبين اللّه تعالى أن أهل الجنة في السماء 3 ،و أهل النار في النار،يأتي إلى توضيحه بشكل آخر فيقول:

وَ بَيْنَهُمََا حِجََابٌ وَ عَلَى اَلْأَعْرََافِ رِجََالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمََاهُمْ 4 و سيأتي تفصيل ذلك في مكان آخر 5 .

إذن يتضح لنا أن العباد المخلصين سيكونون في مأمن من الشدائد و الأهوال التي تقع بين النفختين‏ فَإِذََا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ نَفْخَةٌ وََاحِدَةٌ (13)`وَ حُمِلَتِ اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبََالُ فَدُكَّتََا

____________

ق-فنعيدها إلى الهلاك و الفناء فلا تكون شيئا.

تفسير القرطبي،القرطبي:11/348،تفسير سورة الأنبياء.

(1)سورة القصص/88.

(2)سورة البقرة/115.

(3)في التبيان:قال أبو علي:لا تفتح لهم أبواب السماء لدخول الجنة،لأن الجنة في السماء.

التبيان،الطوسي:4/400،تفسير سورة الأعراف.

(4)سورة الأعراف/46.

(5)أنظر:الفصل الرابع،يوم القيامة و كشف الحجب و الخفايا.

180

دَكَّةً وََاحِدَةً (14)`فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ 1 .

والدك‏ 2 ،بمعنى التدمير،فعندما تقول دككت الشي‏ء يعني أنك دمرته و سويته مع الأرض‏ 3 .

يقول الباري تعالى:

يَوْمَ تَرْجُفُ اَلرََّاجِفَةُ (6)`تَتْبَعُهَا اَلرََّادِفَةُ 4يَوْمَ تَرْجُفُ اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبََالُ وَ كََانَتِ اَلْجِبََالُ كَثِيباً مَهِيلاً 5 و إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسََّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ (1) `يَوْمَ تَرَوْنَهََا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمََّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذََاتِ حَمْلٍ حَمْلَهََا وَ تَرَى اَلنََّاسَ سُكََارى‏ََ وَ مََا هُمْ بِسُكََارى‏ََ وَ لََكِنَّ عَذََابَ اَللََّهِ شَدِيدٌ 6 و وَ إِذَا اَلْجِبََالُ سُيِّرَتْ 7 و وَ تَكُونُ اَلْجِبََالُ

____________

(1)سورة الحاقة/13-15.

(2)الدك:الدق.و قد دككت الشي‏ء أدكة دكا:إذا ضربته و كسرته حتى سويته بالأرض.

الصحاح،الجوهري:4/1583،مادة«دكك».

(3)في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: إِذََا دُكَّتِ اَلْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا سورة الفجر/21،أي:كسر كل شي‏ء على ظهرها من جبل،أو بناء،أو شجر،حتى زلزلت،فلم يبق عليها شي‏ء.عن ابن عباس:دقت جبالها و أنشازها حتى استوت.

مجمع البيان،الطبرسي:10/353،تفسير سورة الفجر.

(4)سورة النازعات/6-7.

(5)سورة المزمل/14.

(6)سورة الحج/1-2.

(7)سورة التكوير/3.

181

كَالْعِهْنِ 1 اَلْمَنْفُوشِ 2 و فَإِذََا بَرِقَ اَلْبَصَرُ(7)`وَ خَسَفَ اَلْقَمَرُ (8)`وَ جُمِعَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ 3 و إِذَا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ 4 و إِذَا اَلْكَوََاكِبُ اِنْتَثَرَتْ 5 و إِذَا اَلْعِشََارُ عُطِّلَتْ 6 و إِذَا اَلْبِحََارُ سُجِّرَتْ 7 .

إن ظاهر هذه الآيات يشير بشكل كبير إلى مقدمات«الساعة»و«القيامة»، و خراب الدنيا،و هلاك أهلها 8 .

____________

(1)العهن:المصبوغ ألوانا من الصوف.و يقال:كل صوف عهن.

كتاب العين،الفراهيدي:1/108،مادة«عهن».

قال الطريحي في تفسير قوله تعالى: وَ تَكُونُ اَلْجِبََالُ كَالْعِهْنِ اَلْمَنْفُوشِ سورة القارعة/5،العهن:الصوف المصبوغ،و القطعة منه:عهنة،شبه الجبال بالصوف المصبغ ألوانه،و بالمنقوش منها،لتفرق أجزائه.

مجمع البحرين،الطريحي:3/270،مادة«عهن».

(2)سورة القارعة/5.

(3)سورة القيامة/7-9.

(4)سورة التكوير/1.

(5)سورة الإنفطار/2.

(6)سورة التكوير/4.

(7)سورة التكوير/6.

(8)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ سورة الزمر/68،و ما في معناه من الآيات الدالة على خراب الدنيا،بتبدل الأرض و السماء و انتثار الكواكب و غير ذلك.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/196،تفسير سورة النازعات.

182

الآخرة بعد الدنيا

النقطة التي يجب الانتباه لها،هي أن حقيقة«فناء الدنيا قبل قيام الساعة» 1 ، يثبت لنا حقيقة أخرى،و هي أن القيامة.تأتي بعد الدنيا،كما هو الموت،الذي يثبت لنا بأن البرزخ يأتي بعد الدنيا،و لو لا ذلك،لكنا اعتمدنا قاعدة«إحاطة عالم المثال‏ 2 ،بالعالم المادي‏ 3 -أي الدنيا-»لنقول أن«البعث و النشور»محيط بالدنيا و البرزخ أيضا.و حتى،لو غضضنا الطرف عن قضية الإحاطة،فإن انقلاب الزمان،و فناء الأشياء،و الحركات في الفترة الفاصلة بين النشأتين‏ 4 ،يوجب بطلان نسبة الزمان و انتفاء موضوع«بعد»و«قبل»الزمانيتين.

____________

(1)تقدم بيان خراب الدنيا و فنائها في الفصل الثالث،الذين يستثون من حكم النفخ في الصور.

(2)مر تعريف أصطلاح عالم المثال في الفصل الثاني،البرزخ.

(3)قال الطباطبائي:العالم المادي:و هو العالم المشهود،أنزل مراتب الوجود و أخسها،و يتميز من غيره بتعلق الصور الموجودة فيه بالمادة و ارتباطها بالقوة و الاستعداد.

هذا العالم،بما بين أجزائه من الارتباط الوجودي،واحد سيال في ذاته متحرك بجوهره.

بداية الحكمة،الطباطبائي:221،المرحلة الثانية عشر فيما يتعلق بالواجب تعالى،الفصل الرابع عشر في العالم المادي.

(4)قال أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث له:و عجبت لمن أنكر النّشأة الأخرى و هو يرى النّشأة الأولى و عجبت لعامر دار الفناء و تارك دار البقاء.

نهج البلاغة،الشريف الرضي:491،حكم أمير المؤمنين/الرقم 126.

قال الراغب الأصفهاني:يعبر بالدار الآخرة عن النشأة الثانية،كما يعبر بالدار الدنيا عن النشأة الأولى.

مفردات غريب القرآن،الراغب الأصفهانى:13.

الدنيا هي النشأة الأولى.و الآخرة النشأة الأخرى،و سميت الدنيا دنيا لدنوها.

التبيان،الشيخ الطوسي:4/417.

183

الآيات الدالة على أحوال القيامة

هناك آيات تشبه في سياقها العام،الآيات التي أسلفنا الحديث عنها،لكنها تشير إلى مضامينها بشكل مختلف.مثلا وَ سُيِّرَتِ اَلْجِبََالُ فَكََانَتْ سَرََاباً 1 إذ يتضح منها أن حركة الجبال و تبعثرها كالحجر و الحصى،ثم تناثرها كالقطن المندوف‏ 2 ، لا يعني أنها تصبح سرابا 3 أبدا،كما يقول اللّه تعالى:

وَ تَرَى اَلْجِبََالَ تَحْسَبُهََا جََامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ صُنْعَ اَللََّهِ اَلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ 4 .

فالرؤية،«و ترى»،أما أن تقع في وقت الخطاب،أو في وقت النفخ‏ 5 ،

____________

(1)سورة النبأ/20.

(2)ندف القطن من باب ضرب:ضربه بالمندف و المندفة.

الصحاح،الجوهري:4/1430،مادة«ندف».

الندف:طرق القطن بالمندف.

لسان العرب،ابن منظور:9/325،مادة«ندف».

(3)السراب:الذي يكون نصف النهار لاطئا بالأرض،لا صقا بها،كأنه ماء جار.

قال ابن السكيت:السراب الذي يجري على وجه الأرض كأنه الماء،و هو يكون نصف النهار.

لسان العرب،ابن منظور:1/465،مادة«سرب».

(4)سورة النمل/88.

(5)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: وَ تَرَى اَلْجِبََالَ تَحْسَبُهََا جََامِدَةً سورة النمل/88،أي:واقفة مكانها،لا تسير،و لا تتحرك في مرأى العين، وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ سورة النمل/88،أي:

تسير سيرا حثيثا مثل سير السحاب.

مجمع البيان،الطبرسي:7/409،تفسير سورة النمل.

قال ابن قتيبة في تفسير قوله تعالى: وَ تَرَى اَلْجِبََالَ سورة النمل/88،هذا يكون إذا نفخ في الصور تجمع الجبال و تسير،فهي لكثرتها تحسب جامدة،أي:واقفة و هي تمر،أي:تسير سير السحاب.-

184

و مجي‏ء هذه الآية 1 ،بعد آية«النفخ» 2 إنما يدعم الاحتمال التالي،و على هذا فإن الآية السالف ذكرها 3 ،تنطبق على زلزلة«الساعة» 4 ،حينما تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمََّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذََاتِ حَمْلٍ حَمْلَهََا وَ تَرَى اَلنََّاسَ سُكََارى‏ََ ... 5 .

لكن هذا المعنى،لا ينسجم مع عبارة تَحْسَبُهََا جََامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ 6 ،لأنها تعني أن الجبال تظل على ما كانت عليه من استقامة و عظمة، كما تدل على ذلك أيضا عبارة صُنْعَ اَللََّهِ اَلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ 7 .التي تشير إلى أن هذه الجبال لا تتصدع بهذه السهولة.إذن فحركة الجبال،لا تتنافى و ثبات الجبال و رسوخها،و تزلزلها يتم بشكل متزامن مع تزايد استحكامها،و على هذا،فإن سرابية حركة الجبال يمكن أن ينسجم مع بقائها و اتقان صنعها و استحكامها.

____________

ق-زاد المسير،ابن الجوزي:6/83،تفسير سورة النمل.

(1)سورة النمل/87.

(2)سورة النمل/88،و نصها: وَ تَرَى اَلْجِبََالَ تَحْسَبُهََا جََامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ صُنْعَ اَللََّهِ اَلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَفْعَلُونَ .

(3)سورة النمل/88.

(4)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: وَ تَرَى اَلْجِبََالَ تَحْسَبُهََا جََامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ سورة النمل/88،بناء على كونه ناظرا إلى صفة زلزلة الساعة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/167،تفسير سورة النبأ.

(5)سورة الحج/2.

(6)سورة النمل/88.

(7)سورة النمل/88.

185

الفصل الرّابع صفات يوم القيامة

186

-

187

صفات يوم القيامة يقول اللّه جل و علا:

يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ لاََ يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ 1 .

و يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مََا لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ عََاصِمٍ 2 .

و مََا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ مََا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ 3 .

و يَوْمَ لاََ يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً 4 .

و لاََ يَكْتُمُونَ اَللََّهَ حَدِيثاً 5 .

و وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ 6 .

____________

(1)سورة غافر/16.

(2)سورة غافر/33.

(3)سورة الشورى/47.

(4)سورة الدخان/41.

(5)سورة النساء/42.

(6)سورة الإنفطار/19.

188

هذه الآيات،تصف يوم القيامة بصفات عديدة قد لا تختص بيوم القيامة فقط.فـ«الملك»و«الأمر»و«القدر»صفات دائمة للّه تعالى،أما المخلوقات فهي مكشوفة له لا ملجأ لها منه لكن اللّه تعالى يقول:

وَ لَوْ يَرَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ اَلْعَذََابَ أَنَّ اَلْقُوَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعَذََابِ (165)`إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا وَ رَأَوُا اَلْعَذََابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبََابُ 1 ، إذ يوضح أن كل السبل و العلاقات تتقطع آنذاك.و ينعدم تأثير كل الارتباطات و تأثيرات الموجودات في نظام الوجود المادي و ما يليه.فلا يعود هناك تأثير لشي‏ء على شي‏ء آخر فلا ينفع شي‏ء شيئا آخر،و لا يضر.و ذلك بسبب الأسباب و الارتباطات‏ 2 .

و يوم القيامة لا يختلف بشي‏ء،فلا شي‏ء يفنى إلا بفناء ذوات الموجودات و انقلاب ماهيتها 3 ،و بما أن كلمات اللّه ثابتة لا تتغير،فلا شي‏ء يتغير مما يرتبط

____________

(1)سورة البقرة/165-166.

(2)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبََابُ سورة البقرة/166،و ظاهر الآية أن يحمل على عمومه،فكأنه قيل:قد زال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به،فلا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة أو قرابة أو مودة أو حلف أو عهد،على ما كانوا ينتفعون بها في الدنيا،و ذلك نهاية في الاياس.

مجمع البيان،الطبرسي:1/465،تفسير سورة البقرة.

(3)ماهية الشي‏ء:حقيقته.و ربما فرق بينها و بين الحقيقة:أن الحقيقة لا تكون إلا للموجودات الخارجية،و الماهية أعم من أن تكون موجودة في الخارج أم لا.

مجمع البحرين،الطريحي:4/164،مادة«ماهى».

غ

189

بها،بل إن الذي يزول هو ما يتعلق بالموجودات السرابية،إذ يزول كل شي‏ء، إلا ارتباط الموجودات باللّه تعالى،و بما أن تلك الارتباطات الأخرى كانت باطلة و سرابية من الأساس،فإن الذي يحدث هو انكشاف بطلانها،و ليس فناؤها.

أي انكشاف حقيقة أن لا وجود و لا تأثير لغير اللّه،فلا مالك غيره،و لا صاحب أمر.

و هذا هو قوله تعالى:

مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ 1 و يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ 2 و لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ 3 .

و ما وصلنا إليه سالفا،من انكشاف بطلان الموجودات السرابية و الأسباب الظاهرية،يرد في قوله تعالى:

وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلظََّالِمُونَ فِي غَمَرََاتِ اَلْمَوْتِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بََاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ حتى قوله‏ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مََا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ 4 .

و في نهج البلاغة،نرى الإمام علي عليه السّلام يؤكد أن وحدانية اللّه تتكشف بعد فناء الدنيا،و ينكشف أنه الواحد الذي لا شريك له،و هو الباقي الواحد بعد فناء

____________

(1)سورة الفاتحة/4.

(2)سورة الإنفطار/19.

(3)سورة غافر/16.

(4)سورة الأنعام/93-94.

190

الدنيا،كما كان الواحد قبل خلقها فينعدم الزمن،و تنتفي الأزمان و السنون،و لا يبقى إلا اللّه الواحد القهار الذي ترجع إليه كل الأمور 1 .

و في«الاحتجاج»ورد أن هشام بن الحكم‏ 2 سأل الإمام الصادق عليه السّلام،عن الروح،هل تفنى بعد خروجها من قالبها«الجسد»أم أنها تبقى؟فأجابه الإمام عليه السّلام أن الروح تبقى حتى ينفخ في الصور و عندها يبطل كل شي‏ء،فلا يبقى حسّ و لا محسوس ثم يعود كل شي‏ء إلى أصله الذي خلقه اللّه عليه،و هذا يتم بعد فترة أربعمائة عام لا يتم فيها خلق شي‏ء،و هذه الفترة رهن الزمن الفاصل بين النفختين‏ 3 .

____________

(1)أنظر:نهج البلاغة،الشريف الرضي:272-277،خطب أمير المؤمنين عليه السّلام،خطبة 186 له عليه السّلام في التوحيد.

(2)هشام بن الحكم أبو محمد:مولى كندة،و انتقل من الكوفة إلى بغداد سنة تسع و تسعين و مائة، و قيل فيها مات،كان يتجر في الكرخ،داره عند قصر و ضاح،كان يرى رأي الجهمية ثم استبصر،و روى عنهما«الإمامين الصادق و الكاظم عليهما السّلام»،فيه مدائح جليلة،و كان ممن فتق الكلام في الإمامة و هذب المذهب بالنظر،و كان حاذقا بصناعة الكلام حاضر الجواب.

كان منقطعا إلى يحيى بن خالد البرمكي،و كان القيم لمجالس نظره و كلامه،و كان نزوله بدرب الجنب من الكرخ.توفي بعد نكبة البرامكة بمدة يسيرة متسترا،و قيل في خلافة المأمون.

رجال ابن داود،ابن داود:367-368،باب الهاء/الرقم 1643.

هشام بن الحكم أبو محمد:مولى كندة،و كان نزيل بني شيبان بالكوفة،و انتقل إلى بغداد سنة تسع و تسعين و مائة.و يقال إن في هذه السنة مات،و مولده كان بالكوفة و منشؤه واسط و تجارته بغداد،ثم انتقل إليها في آخر عمره و نزل قصر و ضاح.

رجال العلامة،العلامة الحلي:178،الفصل السادس و العشرون في الهاء،الباب الأول هشام/الرقم 1.

(3)أنظر:الاحتجاج،الطبرسي:2/350،احتجاج أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام في أنواع شتى من العلوم الدينية.

191

و يضيف الإمام عليه السّلام على ذلك،كما ورد في تفسير القمي:ثم يقول اللّه عز و جل:

لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ 1 ؟.

فيجيب هو بالقول:

لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ 2 3 .

أما في«التوحيد» 4 فورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام‏ 5 أن اللّه تعالى يسأل:لمن الملك اليوم؟فتجيب أرواح الأنبياء و المرسلين و الحجج:للّه الواحد القهار 6 .

____________

(1)سورة غافر/16.

(2)سورة غافر/16.

(3)أنظر:تفسير القمي،القمي:2/256-257،تفسير سورة المؤمن،كيفية موت أهل السماء و الأرض.

(4)التوحيد:للشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفي بالري في (381).طبع بإيران في(1285)و طبع ثانيا في بمبئي في(1321)و له شروح كثيرة.

الذريعة،آقا بزرك الطهراني:4/482.

(5)في التوحيد النص مروي عن الإمام الرضا عليه السّلام،أما النص الذي أورده العلامة الطباطبائي، و هو يرويه عن أمير المؤمنين عليه السّلام فهو عن الصدوق أيضا و قد أورده في كتابه معاني الأخبار و ليس التوحيد.

(6)قال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام:حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين عليه السّلام في ألف ب ت ث أنه قال:الألف آلاء اللّه و الباء بهجة اللّه و التاء تمام الأمر بقائم آل محمد صلوات اللّه عليهم اجمعين...م ن فالميم ملك اللّه يوم لا مالك غيره و يقول عز و جل‏ لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ سورة غافر/16،ثم ينطق أرواح أنبيائه و رسله و حججه فيقولون‏ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ سورة-

192

و ينقل القمي في تفسيره حديثا عن الإمام السجاد يقول فيه:إن اللّه تعالى ينادي حينذاك بصوت عال يملأ أرجاء السماوات و الأرض:لمن الملك اليوم؟و لأنه لا أحد يجيب،يقوم جل و علا بمقام المجيب و يقول:للّه الواحد القهار 1 .

لو أمعنا النظر في أحاديث الأئمة التي هي لغة واحدة و لا حظنا كيفية الجمع بين فناء السماوات و الأرض،و بين زوال السنين و اللحظات و ثباتها،و بين فقدان الجواب على النداء الإلهي و وجوده،ثم تأملنا في جواب الباري عز و جل على نفسه‏ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ، و أمعنا النظر في كل صفة من صفاته‏ اَلْوََاحِدِ و اَلْقَهََّارِ و فهمنا أبعاد ذلك كله،لأمكننا الوصول إلى صحة الاستنباط 2 الذي توصلنا إليه فيما مضى.

____________

ق-غافر/16،فيقول جل جلاله: اَلْيَوْمَ تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ لاََ ظُلْمَ اَلْيَوْمَ إِنَّ اَللََّهَ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ سورة غافر/17،و النون نوال اللّه للمؤمنين و نكاله بالكافرين...الحديث.

معاني الأخبار،الشيخ الصدوق:43-44،باب معاني حروف المعجم/ح 1.و انظر:

التوحيد،الشيخ الصدوق:232-234،باب 32 تفسير حروف المعجم/ح 1.

(1)أنظر:تفسير القمي،القمي:2/252-253،تفسير سورة الزمر،ماذا يعطي اللّه وليه في الجنان،كيفية نفخ الصور.

(2)قال الشريف المرتضى:الاستنباط:استخراج الحكم من فحوى النصوص.

رسائل المرتضى،الشريف المرتضى:2/262،الحدود و الحقايق،حرف الألف.

قال الطبرسي:الاستنباط:الاستخراج.يقال لكل ما استخرج حتى يقع عليه رؤية العين،أو معرفة القلب:قد استنبط.

مجمع البيان،الطبرسي:3/141،تفسير سورة النساء.

193

بطلان الأسباب في يوم القيامة

عند ما تأخذ كل الأشياء،وجودها المستقل،فإن كل الثوابت ستعود إلى مجموعة تحققات سرابية و وهمية،و سينكشف بطلان الأسباب و المسببات‏ 1 ،و هذا هو معنى الكلام الإلهي:

مََا لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ مِنْ عََاصِمٍ 2 و مََا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ مََا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ 3 و مََا أَغْنى‏ََ عَنِّي مََالِيَهْ (28)`هَلَكَ عَنِّي سُلْطََانِيَهْ 4 و يَوْمَ لاََ يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً 5 و لاََ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاََ خِلاََلٌ 6 و وَ لاََ تَنْفَعُهََا شَفََاعَةٌ 7 و ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)`مِنْ دُونِ

____________

(1)قال الطباطبائي في تعليقه على قوله تعالى: وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ...إلى أن قال هُنََالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مََا أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَفْتَرُونَ سورة يونس/28- 30،تسقط الأسباب عما كان يتوهم لها من الاستقلال في نشأة الدنيا،و ينقطع البين و تزول روابط التأثير التي بين الأشياء و عند ذلك تنتثر كواكب الأسباب و تنطمس نجوم كانت تهتدي به الأوهام في ظلماتها،و لا تبقى لذي ملك ملك يستقل به،و لا لذي سلطان و قوة ما يتعزز معه.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:11/11،تفسير سورة هود.

(2)سورة غافر/33.

(3)سورة الشورى/47.

(4)سورة الحاقة/28-29.

(5)سورة الدخان/41.

(6)سورة إبراهيم/31.

(7)سورة البقرة/123.

194

اَللََّهِ قََالُوا ضَلُّوا عَنََّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذََلِكَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلْكََافِرِينَ 1 .

فالآية الأخيرة تدل على أنهم كانوا مخدوعين بسراب الدنيا و لعبها،إذ يقول الباري عز و جل أن اللّه يضل الكافرين بهذا السراب‏ 2 .و في الآية الكريمة التالية، ما يشابه هذا المعنى:

ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكََانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكََاؤُكُمْ فَزَيَّلْنََا بَيْنَهُمْ وَ قََالَ شُرَكََاؤُهُمْ مََا كُنْتُمْ إِيََّانََا تَعْبُدُونَ 3 و تَبَرَّأْنََا إِلَيْكَ مََا كََانُوا إِيََّانََا يَعْبُدُونَ 4

و كل ذلك يعود الكلام الإلهي:

مََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاََّ أَسْمََاءً سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ 5 و مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ 6 .

____________

(1)سورة غافر/73-74.

(2)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: كَذََلِكَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلْكََافِرِينَ سورة غافر/74،أي:

إضلاله تعالى للكافرين و هم الساترون للحق يشبه هذا الضلال و هو أنهم يرون الباطل حقا فيقصدونه ثم يتبين لهم بعد ضلال سعيهم أنه لم يكن إلا باطلا في صورة حق و سرابا في سيماء الحقيقة.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:17/352،تفسير سورة المؤمن.

(3)سورة يونس/28.

(4)سورة القصص/63.

(5)سورة يوسف/40.

(6)سورة الذاريات/56.

195

يوم القيامة و كشف الحجب و الخفايا

عند ما تنتفي كل الأسباب و المسببات و ما يترتب عليها من تأثيرات،فإن ينكشف كل«باطن»ليتحول إلى«ظاهر»،و عند ذاك يتحد الغيب‏ 1 و الشهادة 2 ،لأن كل شي‏ء،هو في حد ذاته،شهادة،أما الغيب فله معنى نسبي،

____________

(1)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله عز و جل: عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ سورة الأنعام/73، فقال:الغيب:ما لم يكن،و الشهادة ما قد كان.

معاني الأخبار،الشيخ الصدوق:146،باب معنى الغيب و الشهادة/ح 1.

قال الطوسي:الغيب هو المعدوم.و قال الحسن،الغيب:السر.

التبيان،الطوسي:6/225،تفسير سورة الرعد.

و قال أيضا: عََالِمُ اَلْغَيْبِ سورة الحشر/22،ما لا يقع عليه حس من المعدوم أو الموجود الذي لا يدرك مما هو غائب عن الحواس كأفعال القلوب و غيرها.

قال الحسن:الغيب ما أخفاه العباد.

التبيان،الطوسي:9/573،تفسير سورة الحشر.

قال الطباطبائي:الغيب:هو ما كان خارجا عن حد الشي‏ء غير داخل فيه،بالنسبة إليه غير مشهود لإدراكه.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:11/307،تفسير سورة الرعد.

(2)قال الطوسي في تفسير قوله تعالى: عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ سورة الحشر/22.

«اَلشَّهََادَةِ» :عالم بما يصح عليه الإدراك بالحواس.

الشهادة:ما أعلنوه«العباد».

التبيان،الطوسي:9/573،تفسير سورة الحشر.

قال الطباطبائي،الشهادة:هو ما كان من الأشياء داخلا في حد الشي‏ء غير خارج عنه،بالنسبة إليه مشهود لإدراكه.-

196

ففقدان الشي‏ء،إنما يتم بالنسبة إلى شي‏ء آخر،و تلاشى‏ 1 شي‏ء يتم بالنسبة إلى آخر أيضا،و لا فرق في ذلك،إن كان عدم الإدراك يتم من قبل الحس‏ 2 أم بسبب آخر.

مع انتفاء الأسباب،ترفع كل الحجب التي تخفي الأشياء عن بعضها،و هذا هو معنى قوله تعالى:

يَوْمَ هُمْ بََارِزُونَ لاََ يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْهُمْ شَيْ‏ءٌ 3 و بَرَزُوا لِلََّهِ جَمِيعاً 4 و فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ 5 و في هذا السياق أيضا تأتي الآيات:

يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ 6 و أَ فَلاََ يَعْلَمُ إِذََا بُعْثِرَ مََا فِي اَلْقُبُورِ(9)`وَ حُصِّلَ مََا

____________

ق-الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:11/307،تفسير سورة الرعد.

(1)تلاشى الشي‏ء:اضمحل.

تاج العروس،الزبيدي:10/326.

(2)الحس:من أحسست بالشي‏ء.حس بالشي‏ء.يحس حسا و حسا و حسيسا و أحس به و أحسه:

شعر به.

يقال حست بالشي‏ء:إذا علمته و عرفته.

لسان العرب،ابن منظور:6/49،مادة«حس».

(3)سورة غافر/16.

(4)سورة إبراهيم/21.

(5)سورة ق/22.

(6)سورة الطارق/9.

197

فِي اَلصُّدُورِ(10)`إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ 1 و يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ مََالٌ وَ لاََ بَنُونَ (88)`إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ 2 .

و قد يمكن تفسير الآيات الواردة حول بروز الأرض،على أساس الآيات السالفة الذكر.

ورد في«الكافي»،نقلا عن الإمام الصادق عليه السّلام الذي يقول حول الآية يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ مََالٌ وَ لاََ بَنُونَ 3 أنّ المراد بالقلب السليم‏ 4 ،هو ذلك الذي يلقى اللّه تعالى دون ان يكون فيه مكان لغيره،و ما يعنيه الأنبياء و الأولياء بالزهد 5 بالدنيا،هو أن

____________

(1)سورة العاديات/9-11.

(2)سورة الشعراء/88-89.

(3)سورة الشعراء/88.

(4)قال القطب الرّاونديّ في لبّ اللّباب،عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه سئل:ما القلب السّليم فقال:دين بلا شكّ و هوى و عمل بلا سمعة و رياء.

مستدرك الوسائل،المحدث النوري:1/113،مقدمة العبادات،باب 12 بطلان العبادة المقصود بها الرياء/ح 11.

قال الطباطبائي:القلب السليم:هو النفس السالمة من وصمة الظلم و هو الشرك و المعصية.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:15/289،تفسير سورة الشعراء.

(5)عن حفص بن غياث النخعي القاضي قال:قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السّلام ما الزهد في الدنيا فقال:قد حد اللّه عز و جل ذلك في كتابه فقال: لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ سورة الحديد/23.

كتاب الأمالي،الصدوق:616،المجلس التسعون/ح 3.-

غ

198

تخلو القلوب من أي مشاغل غير الآخرة 1 .

و طبيعي أن القول الإلهي‏ كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ 2 لا يتعارض مع ما بيناه آنفا.

فهذه الآية تنفي عن غير المؤمنين،التكريم الذي يخص المؤمنين و الواقع أن هذه الآية،تصديق للقانون الإلهي‏ لاََ تُجْزَوْنَ إِلاََّ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 3 ، و بما أن غير المؤمنين،وضعوا في حياتهم حجابا بينهم و بين خالقهم،و لا بد أن يجدد مصداق ذلك يوم القيامة 4 ،و هذا ما يتضح من الآية يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ (42)`خََاشِعَةً أَبْصََارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كََانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سََالِمُونَ 5 .

____________

ق-قال المازندراني:الزهد:جعل القلب حيا بمشاهدة أحوال الآخرة و عدم الغفلة عنها.

شرح أصول الكافي،المازندراني:1/231.

(1)أنظر:الكافي،الكليني:2/16،كتاب الإيمان و الكفر،باب الإخلاص/ح 5.

(2)سورة المطففين/15.

(3)سورة يس/54.

(4)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ سورة المطففين/15، المراد بكونهم محجوبين عن ربهم يوم القيامة حرمانهم من كرامة القرب و المنزلة،و من قال:إن المراد كونهم محجوبين عن رحمة ربهم.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/234.

(5)سورة القلم/42-43.

199

«القيامة»محيطة بالدنيا و البرزخ‏

إن انتفاء الأسباب و زوال الحجب‏ 1 ،و انكشاف البواطن المحيطة بالظواهر، كلها تدل على أن القيامة محيطة بالدنيا 2 ،و محيطة بما فيها هي بالذات،و ما سيأتي بعدها.فالباطن يضم الظاهر،الذي هو حاضر فيه،لكن عكس ذلك غير صحيح،و هذا هو مفاد القول الإلهي... وَ يَقُولُونَ مَتى‏ََ هُوَ قُلْ عَسى‏ََ أَنْ يَكُونَ قَرِيباً 3 و وَ أُخِذُوا مِنْ مَكََانٍ قَرِيبٍ 4 و فَلَمََّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ اَلَّذِينَ

____________

(1)الحجب:كل شي‏ء منع شيئا من شي‏ء فقد حجبه حجبا.

كتاب العين،الفراهيدي:3/86،مادة«حجب».

قال حسين الشاكري:الحجب:هي التي تمنع النفس من التحلي ثم التجلي إلى عالم الملكوت و مصاف الأولياء و الصالحين.

الكشكول المبوب،حسين الشاكري:215.

الحجاب:المنع من الوصول،يقال حجبه حجبا و حجابا،و حجاب الجوف ما يحجب عن الفؤاد،و قوله تعالى: وَ بَيْنَهُمََا حِجََابٌ سورة الأعراف/46،ليس يعنى به ما يحجب البصر، و إنما يعني ما يمنع من وصول لذة أهل الجنة إلى أهل النار و أذية أهل النار إلى أهل الجنة.

مفردات غريب القرآن،الراغب الاصفهاني:108،كتاب الحاء.

(2)في سؤال سأل جاثلق أمير المؤمنين عليه السّلام قال:أين الآخرة من الدنيا قال عليه السّلام:الدنيا في الآخرة و الآخرة محيطة بالدنيا إذ كانت النقلة من الحياة إلى الموت ظاهرة و كانت الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون و ذلك أن الدنيا نقلة و الآخرة حياة و مقام.

إرشاد القلوب،الديلمي:2/309،فضائله من طريق أهل البيت عليهم السّلام.

(3)سورة الإسراء/51.

(4)سورة سبأ/51.

200

كَفَرُوا 1 و وَ مََا أَمْرُ اَلسََّاعَةِ إِلاََّ كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ 2 و يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مََا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ مََا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ 3 .

و في هذا السياق أيضا وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ 4 .

فالـ«سبق»بالنسبة إلى شي‏ء معين،يعني أنه يؤدي إلى«الحيلولة» 5 ،فمثلا عند ما تقول«سبقت إلى مكان كذا»يعني أن هناك شي‏ء آخر،يمكن أن يصل إلى هذا المكان،و أنت أصبحت حائلا بينه و بين المكان عند ما سبقته إليه،إذن كلمة اللّه سبقت فحالت بينهم و بين الأجل المسمى الذي هو وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ 6 كل هذا يدل على أن القيامة محيطة بهؤلاء،و لو لا الحائل الإلهي الذي حال بينهم و بين«الأجل»،لشملهم جميعا الحكم القطعي‏ 7

____________

(1)سورة الملك/27.

(2)سورة النحل/77.

(3)سورة آل عمران/30.

(4)سورة الشورى/14.

(5)الحول:كل شي‏ء حال بين اثنين،يقال هذا حوال بينهم،أي:حائل بينهما كالحاجز و الحجاز.

قال الليث:يقال حال الشي‏ء بين الشيئين يحول حولا و تحويلا،أي:حجز.

لسان العرب،ابن منظور:11/187،مادة«حول».

(6)سورة البقرة/36.

(7)الحكم القطعي:و هو الحكم الذي تحقق القطع فيه من طرفي الثبوت و الدلالة.

فأما أنه قطعي الثبوت،فلأنه قرآن و هو متواتر،و أما القطع في الدلالة،فلأن الألفاظ و نسبتها-

201

للقيامة 1 .و الآيات التالية تأتي في نفس السياق:

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهََا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحََاهََا 2 و كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مََا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنْ نَهََارٍ 3 و قََالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)`قََالُوا لَبِثْنََا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ اَلْعََادِّينَ (113)`قََالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاََّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ 4 و وَ قََالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَ اَلْإِيمََانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتََابِ اَللََّهِ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْبَعْثِ 5 .

____________

ق-ليست لها إلا دلالة واحدة في لسان العرب.

معجم مصطلح الأصول،هيثم هلال:131،حرف الحاء،الحكم القطعي.

(1)قال الفيض الكاشاني في تفسير قوله تعالى: وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ سورة يونس/19،بتأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ سورة يونس/19،عاجلا فيما فيه يختلفون و لتميّز المحقّ من المبطل،و لكنّ الحكمة أو جبت أن تكون هذه الدّار للتّكليف و الاختبار،و تلك للثّواب و العقاب.

الأصفى في تفسير القرآن،الفيض الكاشاني:1/507،تفسير سورة يونس.

و قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ سورة الشورى/14،معناه:و لو لا وعد اللّه تعالى و إخباره بتبقيتهم إلى وقت معلوم و تأخر العذاب عنهم في الحال لفصل بينهم الحكم و أنزل عليهم العذاب الذي استحقوه عاجلا.

مجمع البيان،الطبرسي:9/42،تفسير سورة الشورى.

(2)سورة النازعات/46.

(3)سورة الأحقاف/35.

(4)سورة المؤمنون/112-114.

(5)سورة الروم/56.

202

ظهور الباري عز و جل في ذلك اليوم‏

إن انكشاف الباطن،و انتفاء الظاهر الذي تحدثنا عنه،يؤدي إلى أن يظهر الباري عز و جل في ذلك اليوم‏ 1 ،فالحجب ترفع،و الحق يكشف،و يصل الجميع إلى غاية الغايات،و يبلغون في سعيهم منته النهايات،و هذا هو البيان الإلهي:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ أَيََّانَ مُرْسََاهََا(15)`فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرََاهََا(43)`إِلى‏ََ رَبِّكَ مُنْتَهََاهََا 2وَ أَنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‏ََ 3يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ 4إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 5 .

و إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ 6أَلاََ إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ 7وَ يَقُولُونَ مَتى‏ََ هََذَا اَلْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (25)`قُلْ إِنَّمَا اَلْعِلْمُ عِنْدَ اَللََّهِ 8 .

____________

(1)قال البحراني:أما الظاهر فليس من أجل أنه ظهر على الأشياء بركوب فوقها و قعود عليها و تسنم لذراها،و لكن ذلك لقهره و لغلبته الأشياء و قدرته عليها،كقول الرجل:ظهرت على أعدائي،و أظهرني اللّه على خصمي،يخبر عن الفلج و الغلبة،و هكذا ظهور اللّه على الأشياء.

البرهان في تفسير القرآن،البحراني:2/465،تفسير سورة الأنعام.

(2)سورة النازعات/42-44.

(3)سورة النجم/42.

(4)سورة الانشقاق/6.

(5)سورة البقرة/28.

(6)سورة المائدة/18.

(7)سورة الشورى/53.

(8)سورة الملك/25-26.

203

و يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ أَيََّانَ مُرْسََاهََا قُلْ إِنَّمََا عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي لاََ يُجَلِّيهََا لِوَقْتِهََا إِلاََّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ لاََ تَأْتِيكُمْ إِلاََّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهََا قُلْ إِنَّمََا عِلْمُهََا عِنْدَ اَللََّهِ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَعْلَمُونَ 1 .

إن هؤلاء السائلين،تصوروا أن القيامة أمر زماني تمتد جذوره في زمانهم،فسألوا:متى ذلك؟!فأراد اللّه صرف اهتمامهم إلى موضوع آخر يمكن لهم إدراكه،و لما أصروا في سؤالهم،أجابهم جل و علا بأن علم القيامة عنده.

و لا يمكن أن يكشف ليس بسبب معلوماتنا الناقصة،بل لمصلحة خفية 2 ، و لهذا فإن اللّه تعالى أتبع الجواب بعبارة وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَعْلَمُونَ 3 .

____________

(1)سورة الأعراف/187.

(2)قال الطوسي:و في قوله أول الآية: قُلْ إِنَّمََا عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي سورة الأعراف/187،يعني:

علم وقت قيامها.و قوله في آخرها قُلْ إِنَّمََا عِلْمُهََا عِنْدَ اَللََّهِ سورة الأعراف/187،معناه:

علم كيفيتها و شرح هيئتها و تفصيل ما فيها لا يعلمه إلا اللّه.

التبيان،الطوسي:5/48،تفسير سورة الأعراف.

و قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: قُلْ إِنَّمََا عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي لاََ يُجَلِّيهََا لِوَقْتِهََا إِلاََّ هُوَ سورة الأعراف/187،فإنه أمر من اللّه لنبيه محمدا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بأن يجيب سائليه عن الساعة بأنه لا يعلم وقت قيامها إلا اللّه الذي يعلم الغيب،و أنه لا يظهرها لوقتها و لا يعلمها غيره جل ذكره.

جامع البيان،إبن جرير الطبري:9/185،تفسير سورة الأعراف.

(3)سورة الأعراف/187.

204

تبدد الظلمة يوم القيامة

عند ما ترفع حجب الدرجات و المستويات و الخفايا يوم القيامة،و لا يبقى شي‏ء خافيا على آخر،سيمتلئ الفضاء بالنور.ذلك أن حقائق الأمور قد تجلت‏ 1 ، و هذا هو قوله تعالى‏ وَ فُتِحَتِ اَلسَّمََاءُ فَكََانَتْ أَبْوََاباً 2 و يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ 3 وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهََا 4 و وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ 5 و وَ إِذَا اَلْأَرْضُ مُدَّتْ (3)`وَ أَلْقَتْ مََا فِيهََا وَ تَخَلَّتْ 6 و وَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقََالَهََا 7 .

و قد ورد في تفسير القمي،حديث عن الإمام السجاد عليه السّلام،حول‏ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ 8 ،يقول فيه أن المقصود ب غَيْرَ اَلْأَرْضِ ، هي أرض لا

____________

(1)أمر جلي:واضح.و تقول أجل لنا هذا الأمر،أي:أوضحه.

كتاب العين،الفراهيدي:6/180،مادة«جلو».

جلا الأمر و جلاه و جلى عنه:كشفه و أظهره.

لسان العرب،ابن منظور:14/150،مادة«جلا».

(2)سورة النبأ/19.

(3)سورة إبراهيم/48.

(4)سورة الزمر/69.

(5)سورة العنكبوت/64.

(6)سورة الإنشقاق/3-4.

(7)سورة الزلزلة/2.

(8)سورة إبراهيم/48.