حياة ما بعد الموت

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
318 /
205

يرتكب عليها ذنب،أرض ظاهرة مكشوفة،لا يشاهد عليها أي نبات أو جبل، كما خلقها اللّه تعالى مستوية أول مرة،أما عرشه فيكون على الماء،كما كان أول مرة،قائما على العظمة و القدرة الإلهية 1 .

و ليس هناك تناقض بين ما فهمناه عن نورانية الموجودات يوم القيامة، و الآيات التي تتحدث عن حرمان الكفار من النور،مثل‏ وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ 2 و يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلْمُنََافِقََاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونََا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ 3 و وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أَعْمى‏ََ 4 .

بينما قال اللّه تعالى عن المؤمنين:

يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ 5 و لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ 6 و كَمَنْ

____________

(1)عن الإمام علي بن الحسين عليه السّلام: يَوْمَ تَمُورُ اَلسَّمََاءُ مَوْراً(9)`وَ تَسِيرُ اَلْجِبََالُ سَيْراً سورة الطور/9-10،يعني تبسط و تبدل الأرض غير الأرض،يعني:بأرض لم تكسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال و لا نبات كما دحاها أول مرة و يعيد عرشه على الماء كما كان أول مرة مستقلا بعظمته و قدرته...الحديث.

تفسير القمي،القمي:2/252،تفسير سورة الزمر،ماذا يعطي اللّه وليه في الجنان،كيفية نفخ الصور.

(2)سورة النور/40.

(3)سورة الحديد/13.

(4)سورة طه/124.

(5)سورة الحديد/12.

(6)سورة الحديد/19.

206

مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمََاتِ لَيْسَ بِخََارِجٍ مِنْهََا 1 و أَوْلِيََاؤُهُمُ اَلطََّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمََاتِ 2 .

إن الظلمات التي يعانيها الكفار يوم القيامة،هي نفس الظلمات التي اشتروها في حياتهم،فتجلت لهم يوم القيامة.و في ذلك نعرف أن كلا الظلمة و النور موجودان يوم القيامة،فالمؤمنون ينعمون بالنور،بينما يحرم المشركون منه.

و على نفس السياق،فقد مر الحديث آنفا عن رفع الحجب بين الإنسان و خالقه‏ 3 .

و في القرآن الكريم آيات أخرى في نفس:

فَأَلْقَوُا اَلسَّلَمَ مََا كُنََّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى‏ََ إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 4 و فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمََا يَحْلِفُونَ لَكُمْ 5 .

و بهذا الصدد توجد روايات تفيد بأن المشركين يكذبون يوم القيامة 6 ،و هذا

____________

(1)سورة الأنعام/122.

(2)سورة البقرة/257.

(3)أنظر:الفصل الرابع،ظهور الباري عز و جل في ذلك اليوم.

(4)سورة النحل/28.

(5)سورة المجادلة/18.

(6)قال القمي في تفسير قوله تعالى: اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ََ أَفْوََاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنََا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ سورة يس/65،إذا جمع اللّه الخلق يوم القيامة دفع إلى كل إنسان كتابه فينظرون فيه فينكرون أنهم عملوا من ذلك شيئا فتشهد عليهم الملائكة فيقولون يا رب ملائكتك يشهدون لك ثم يحلفون أنهم لم يعملوا من ذلك شيئا،و هو قوله‏ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمََا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ أَلاََ إِنَّهُمْ هُمُ اَلْكََاذِبُونَ سورة المجادلة/18،فإذا فعلوا ذلك ختم اللّه على-

غ

207

ما يعتبر،ظهورا للمعصية التي قاموا بها في حياتهم،و بالتالي فإن ذلك لا يتنافى مع مقولة أن الكذب غير ممكن يوم القيامة.ذلك أن كل عمل يقوم به الإنسان في حياته،سواء كان طاعة أم معصية،لابد و أن ينكشف يوم القيامة 1 .و اللّه تعالى يقول‏ وَ لاََ يَكْتُمُونَ اَللََّهَ حَدِيثاً 2 .

____________

ق-ألسنتهم و تنطق جوارحهم.

تفسير القمي،القمي:2/216،تفسير سورة يس،قصة أبي سعيد مع الرضا عليه السّلام.

قال إبن طاووس في قوله تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ سورة الأنعام/24،يدل على تعجبه منهم كيف أنكروا أنهم أشركوا.

الطرائف،إبن طاووس:2/318،بيان أقوال الطائفة المجبرة وردها.

(1)قال عبد الكريم الخطيب:ينكشف يوم القيامة للخليقة بأجمعهم،حين يجمعهم فى صعيد واحد،و يوصّل لكل نفس ما ينبغي إيصاله إليها من الخير و الشرّ،و اللذة و الألم،حتى مثقال الذّرة،و يوصّل كلّ نفس إلى غاياتها التي تشهد هى أنّها أولى بها.

التفسير القرآني للقرآن،عبد الكريم الخطيب:8/693،تفسير سورة الكهف.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنََّاسُ أَشْتََاتاً لِيُرَوْا أَعْمََالَهُمْ ، سورة الزلزلة/6،إراءتهم أعمالهم:إراءتهم جزاء أعمالهم بالحلول فيه أو مشاهدتهم نفس أعمالهم بناء على تجسم الأعمال.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/343،تفسير سورة الزلزلة.

(2)سورة النساء/42.

208

-

209

الفصل الخامس بعث الإنسان للمساءلة

210

-

211

بعث الإنسان للمساءلة لما كان المعاد،هو عودة الأشياء،بكل وجودها،إلى مصدرها الأول، و حيث أن هذه العودة،أمر ضروري،كما مر ذكره‏ 1 ،فإنها يجب أن تتم بكل وجود الأشياء،بما يتضمنه هذا الوجود من مراتب و درجات و اتجاهات مختلفة.

و على هذا فإن التحاق الجسم بـ«النفس»عند المعاد،أمر ضروري.فالنشأة الأولى (الدنيا)تتبدل إلى النشأة الأخرى،التي فيها آخر مراحل الكمال و الحياة،و فيها يعود البدن إلى«النفس»،فتعود إليه الحياة و النورانية 2 .

____________

(1)أنظر:المعاد في المقدمة لهذا السفر الجليل.

(2)قال صدر المتألهين:المعاد:هو بعينه بدن الإنسان المشخص الذي مات بأجزائه بعينها لا مثله، بحيث لو رآه أحد يقول أنه بعينه فلان الذي كان في الدنيا.

المبدأ و المعاد،صدر المتألهين الشيرازي:490،المقالة الثانية في المعاد الجسماني،فصل في تفصيل الأقوال في المعاد.

قال المجلسي:المعاد الجسماني:عبارة عن عود النفس إلى بدن،هو ذلك البدن بحسب الشرع و العرف.

بحار الأنوار،المجلسي:7/50،كتاب العدل و المعاد،باب 3 إثبات الحشر و كيفيته و كفر من أنكره.

قال كاشف الغطاء:المعاد الجسماني:بأنه تعالى يعيد الأبدان بعد الخراب و يرجع هيئتها الأولى بعد-

212

و في حديث الإمام الصادق عليه السّلام إلى الزنديق‏ 1 المعروف-كما ورد في «الاحتجاج»-إشارة لهذا الموضوع إذ يقول له أن الروح تسكن في قالبها،فروح المحسن و المطيع تسكن في نور و راحة،بينما تسكن روح المذنب في الظلمة و الشقاء.

أما الجسم فيعود ترابا كما خلق أول مرة،و ما تأكله الحيوانات المفترسة و الحشرات يتحول إلى فضلات تظل في التراب أيضا.و لن يخفى على اللّه،و لو مثقال ذرة في ظلمات الأرض،فهو الذي لا تخفى عليه خافية،مهما صغرت حجما و وزنا.

و يظل تراب الموجودات ذات الروح،بين باقي التراب،كالذهب المدفون في الأرض.و عند ما يحين وقت البعث،تمطر السماء،مطرا للبعث،بعد ما تربت الأرض و تهتز،فيتميز تراب البشر عن باقي التراب،فيطفو و كأنه الذهب المغسول،ثم يتجمع التراب،كل في قالبه،و ينتقل،بإذن ربه،إلى حيث الأرواح،و بإذن اللّه المصور تعود الأجسام إلى شكلها السابق،و تحلّ فيها الأرواح.

فيكتمل الأمر،و تعود الأجسام و كأن شيئا لم يتغير منها 2 .

____________

ق-ان صارت إلى التراب و يحل بها الأرواح على نحو ما كانت و يضمها إليها بعد ما انفصلت و بانت فكان الناس نيام انتبهوا فإذا هم قيام ينظرون إلى عالم جديد لا يحيط به التوصيف و التحديد.

كشف الغطاء،جعفر كاشف الغطاء:1/5،في أصول العقائد.

(1)عن علي بن منصور،قال:قال لي هشام بن الحكم:كان بمصر زنديق...كان اسمه عبد الملك و كنيته أبو عبد اللّه فآمن الزنديق على يدي أبي عبد اللّه عليه السّلام فعلّمه هشام فكان معلّم أهل الشّام و أهل مصر الإيمان و حسنت طهارته حتى رضي بها أبو عبد اللّه.

الكافي،الكليني:1/72-74،كتاب التوحيد،باب حدوث العالم و إثبات المحدث/ح 1.

(2)أنظر:الاحتجاج،الطبرسي:2/350،احتجاج أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام في أنواع شتى من العلوم الدينية على أصناف كثيرة من أهل الملل و الديانات.

213

و هذه الصورة يمكن ملاحظتها في التمثيل القرآني للبعث،بأنه كإحياء الأرض‏ وَ أَحْيَيْنََا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذََلِكَ اَلْخُرُوجُ 1 و وَ تَرَى اَلْأَرْضَ هََامِدَةً فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)`ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ وَ أَنَّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ(6)`وَ أَنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ لاََ رَيْبَ فِيهََا وَ أَنَّ اَللََّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ 2 .

إذ نلاحظ هنا أن الإنسان المادي(أي البدن) 3 عند ما يصل إلى الغاية التي حددها اللّه تعالى،يطرأ عليه التبدل و التغيير،و هذا هو قول اللّه:

وَ ضَرَبَ لَنََا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قََالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ (78)`قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهََا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)`اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ 4 .

فالآية الكريمة تؤكد أن الذي يقدر على إضرام النار في الشجر الأخضر 5 -

____________

(1)سورة ق/11.

(2)سورة الحج/5-7.

(3)البدن من الجسد ما سوى الشوى و الرأس.

كتاب العين،الفراهيدي:8/51،مادة«بدن».

قال الطريحي:البدن:ما سوى الرأس و الأطراف.

مجمع البحرين،الطريحي:1/166،مادة«بدن».

(4)سورة يس 78-80.

(5)قال القمي في تفسير قوله: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ -

214

رغم التضاد الموجود-لهو قادر أيضا على إحياء العظام و هي رميم‏ 1 .و بنفس المضمون تأتي الآية الكريمة نَحْنُ قَدَّرْنََا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60)`عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثََالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي مََا لاََ تَعْلَمُونَ 2نَحْنُ خَلَقْنََاهُمْ وَ شَدَدْنََا أَسْرَهُمْ وَ إِذََا شِئْنََا بَدَّلْنََا أَمْثََالَهُمْ تَبْدِيلاً 3 .

____________

ق-سورة يس/80،و هو المرخ و العفار و يكون في ناحية بلاد الغرب،فإذا أرادوا أن يستوقدوا أخذوا من ذلك الشجر ثم أخذوا عودا فحركوه فيه فيستوقدون منه النار.

تفسير القمي،القمي:2/218،تفسير سورة يس،قصة أبي سعيد مع الرضا عليه السّلام.

و قال النحاس في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ سورة يس/80،هو المرخ و العفار تستعمل الأعراب منه الزنود.

معاني القرآن،النحاس:5/520-521،تفسير سورة يس.

(1)قال الفيض الكاشاني في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ سورة يس/80،أي:إذا تكن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدر.

تفسير الصافي،الفيض الكاشاني:3/163-164،تفسير سورة النحل.

قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نََاراً فَإِذََا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)`أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‏ََ وَ هُوَ اَلْخَلاََّقُ اَلْعَلِيمُ سورة يس/80-81،يقول:الذي أخرج لكم من الشجر الأخضر نارا تحرق الشجر،لا يمتنع عليه فعل ما أراد،و لا يعجز عن إحياء العظام التي قد رمت،و إعادتها بشرا سويا،و خلقا جديدا،كما بدأها أول مرة.

جامع البيان،ابن جرير الطبري:23/39،تفسير سورة يس.

(2)سورة الواقعة/60-61.

(3)سورة الإنسان/28.

215

و المقصود في«تبديل الأمثال»،هو الخلق المتكرر،حيث ورد في الآية بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ 1 و كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ 2 .

و المقصود بـ«الأمثال» 3 هو ذلك المصطلح المستخدم في العلوم العقلية 4 ،أي

____________

(1)سورة ق/15.

(2)سورة الرحمن/29.

(3)المثال:صورة الشي‏ء الذي تمثل صفاته،و القالب أو النموذج الذي يقر على مثله.

المثال عند إفلاطون:صورة مجردة،و حقيقة معقولة،أزلية ثابتة،قائمة بذاتها،لا تتغير،و لا تدثر،و لا تفسد.

المعجم الفلسفي،صليبا:2/335،باب الميم،المثال.

المثال:هو الفكرة المجردة التي تكون نموذجا تأتي على غراره أفراد النوع الواحد.

الموسوعة العربية الميسرة و الموسعة،صلاواتي:7/3140،حرف الميم«مثال».

(4)قال ابن خلدون:

العلوم الحكمية الفلسفية:و هي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره و يهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها و مسائلها و أنحاء براهينها و وجوه تعليمها حتى يقفه نظره و يحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر.

تاريخ ابن خلدون،ابن خلدون:1/435،الفصل الرابع في أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد.

قال جميل صليبا:قسم ابن خلدون العلوم إلى قسمين:

الأول-قسم العلوم العقلية:

و هي طبيعية للإنسان من حيث هو ذو فكر،و تسمى بالعلوم الحكمية،و تشتمل على أربعة علوم:المنطق،و العلم الرياضي،و العلم الطبيعي،و العلم الإلهي.

المعجم الفلسفي،جميل صليبا:2/100،باب العين،العلم.

216

«الاتحاد النوعي» 1 و الاختلاف الشخصي.باعتبار أن مثل الشي‏ء،هو غير الشي‏ء نفسه‏ 2 و لهذا لا يمكن الاستدلال بالآية أَ وَ لَيْسَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى‏ََ وَ هُوَ اَلْخَلاََّقُ اَلْعَلِيمُ 3 .

للرد على منكري الحشر 4 ،لأن«خلق مثلها»لا يعني إعادتها ثانية.إذن

____________

(1)الاتحاد:في الجنس يسمى المجانسة،و في النوع مماثله،و في الخاصة مشاكلة،و في الكيف مشابهة، و في الكم مساواه،و في الأطراف مطابقة،و في الإضافة مناسبة،و في وضع الأجزاء موازنه.

التعريفات،الجرجاني:13-14،باب الألف،الإتحاد.

الاتحاد:هو صيرورة الشيئين المختلفين شيئا واحدا.و له عدة درجات:أدناها درجة الأشتراك البسيط في أمور عرضية،و أعلاها درجة الأتحاد الصوفي.

و ليس المقصود بالاتحاد أن يصير الشي‏ء شيئا آخر،و لا إن يزول أحد الشيئين و يبقى الآخر،و إنما المقصود به أن يكون بين الشيئين علاقة يشتركان فيها مع احتفاظ كل منهما بهويته.

مثال ذلك:الاتحاد بطريق التركيب،و هو ان ينضم شي‏ء الى آخر،فيحصل منهما شي‏ء ثالث.

لذلك قال ابن سينا:«الاتحاد هو حصول جسم واحد بالعدد من اجتماع اجسام كثيرة».

(رسالة الحدود).و كل اتحاد يوجب بقاء الذوات الداخلة فيه متميزة الوجود بعضها عن بعض،كاتحاد النفس بالبدن،فهو اتحاد جوهري لا يمنع عقولنا من تصور حدوده تصورا واضحا و متميزا.

المعجم الفلسفي،صليبا:1/34-35،باب الألف،الاتحاد.

(2)قال العيني في العمدة:مثل الشي‏ء غيره.

عمدة القاري‏ء،العين:10/93،باب الدعاء عند الجمرتين.

(3)سورة يس/81.

(4)قال الزحيلي،منكري الحشر القائلين:لا فائدة في التكاليف إذ لا مرجع بعد الهلاك و الزوال.

التفسير المنير،الزحيلي:20/182،تفسير سورة العنكبوت.

قال السبزواري:منكري الحشر و النّشر و هم الدهريّون الذين قالوا و ما يهلكنا إلا الدّهر.-

217

فالمقصود بـ«يخلق مثلهم» 1 أو بـ«تبديل أمثالهم»هي التغييرات التي تجرى عليهم دون أن تخرج من إطار وجودهم الأصلي.و في هذا السياق،نجد الكلام الإلهي أحيانا،يستبدل«مثل»بـ«عين»كما في قوله:

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتى‏ََ 2 و(ليس عند ربك ) 3 .

إذن فالمقصود بـ«مثل الشي‏ء»،هو الشي‏ء نفسه‏ 4 و هذا الاستخدام هو نوع من الاستعارات‏ 5 اللغوية 6 .

____________

ق-الجديد في تفسير القرآن المجيد،السبزواري:6/17،تفسير سورة يس.

قال الفخر الرازي:منكري الحشر يقولون لا فائدة في التكاليف فإنها مشاق في الحال و لا فائدة لها في المآل إذ لا مآل و لا مرجع بعد الهلاك و الزوال.

مفاتيح الغيب،فخر الدين الرازي:25/23،تفسير سورة العنكبوت.

(1)سورة يس/81.

(2)سورة الأحقاف/33.

(3)سورة الشورى/11.

(4)المثل:شبه الشي‏ء في المثال و القدر و نحوه حتى في المعنى.

كتاب العين،الفراهيدي:8/228،مادة«مثل».

قال الزركشي:المراد مثل الشي‏ء:ذاته و حقيقته.

البرهان،الزركشي:4/310،الكاف.

(5)الاستعارة:ادعاء معنى الحقيقة في الشي‏ء للمبالغة في التشبيه مع طرح ذكر المشبه من البين،ثم إذا ذكر المشبه به مع ذكر القرينة يسمى استعارة تصريحية و تحقيقية.

التعريفات،الجرجاني:19،مادة«الاستعارة».

(6)من الاستعارات اللغوية:-

218

و خلاصة الأمر،أن جميع الآيات السالفة الذكر 1 تؤكد أن الأجسام في حالة تغير دائم من حال إلى حال،حتى تصل إلى يوم القيامة و تلتحق بالأرواح ثانية.يقول اللّه تعالى:

وَ إِذَا اَلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ 2 و أَ فَلاََ يَعْلَمُ إِذََا بُعْثِرَ مََا فِي اَلْقُبُورِ 3 حيث استخدم «ما»للتدليل على الأجسام‏ 4 ،و كذلك‏ فَإِنَّمََا هِيَ زَجْرَةٌ وََاحِدَةٌ (13)`فَإِذََا هُمْ بِالسََّاهِرَةِ 5 .

____________

ق-أ-الاستعارة التخييلية:ان يستعمل مصدر الفعل في معنى غير ذلك المصدر على سبيل التشبيه ثم يتبع فعله له في النسبة إلى غيره.

أيضا:هي إضافة لازم المشبه به إلى المشبه.

ب-الاستعارة بالكناية:و هي إطلاق لفظ المشبه و إرادة معناه المجازي،و هو لازم المشبه به.

ج-الاستعارة المكنية:هي تشبيه الشي‏ء على الشي‏ء في القلب.

د-الاستعارة الترشيحية:هي إثبات ملائم المشبه به للمشبه.

التعريفات،الجرجاني:19،باب الألف.

(1)سورة ق/11.سورة الحج/6-7.سورة يس/78-79.

سورة الواقعة/61.سورة الإنسان/28.سورة ق/15.

سورة الرحمن/27.سورة يس/81.سورة الأحقاف/33.سورة الشورى/11.

(2)سورة الانفطار/4.

(3)سورة العاديات/9.

(4)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: إِذََا بُعْثِرَ مََا فِي اَلْقُبُورِ سورة العاديات/9،و المراد بما في القبور الأبدان.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/347.

(5)سورة النازعات/13-14.

غ

219

سير الأرواح إلى خالقها

على الرغم مما تحدثنا عنه،فإن الروح تتحرك نحو خالقها 1 ،و اللّه تعالى يقول:

مِنَ اَللََّهِ ذِي اَلْمَعََارِجِ(3)`تَعْرُجُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كََانَ مِقْدََارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ 2 .

إذن فالروح،كالملائكة،تعرج إلى اللّه و كذا الأمر 3 في قوله تعالى:

رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ ذُو اَلْعَرْشِ يُلْقِي اَلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ 4 .

____________

(1)قال مكارم الشيرازي:و لا فرق في توجيه معنى«اللقاء»سواء كان لقاء يوم القيامة و الوصول إلى عرصة حاكمية اللّه المطلقة،أو بمعنى لقاء جزاء اللّه من عقاب أو ثواب،أو بمعنى لقاء ذاته المقدسة عن طريق الشهود الباطني.

الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل،مكارم الشيرازي:20/56،تفسير سورة الإنشقاق.

(2)سورة المعارج/3-4.

(3)قال ابن أبي الحديد:و في قوله تعالى: تَعْرُجُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كََانَ مِقْدََارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ سورة المعارج/4،قالوا:اليوم هو إشارة إلى الدنيا و فيها يكون عروج الملائكة و الروح إليه و اختلافهم بالأمر من عنده إلى خلقه و إلى رسله قالوا و ليس قول بعض المفسرين أنه عنى يوم القيامة بمستحسن لأن يوم القيامة لا يكون للملائكة و الروح عروج إليه سبحانه لانقطاع التكليف.

شرح نهج البلاغة،ابن أبي الحديد:10/195،اختلاف الأقوال في عمر الدنيا.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: تَعْرُجُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ سورة المعارج/4،بعروج الملائكة و الروح إليه يومئذ رجوعهم إليه تعالى عند رجوع الكل.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/8.

(4)سورة غافر/15.

220

و في آية أخرى يتحدث تعالى عن أهل السعادة،و أهل الشقاء فيقول:

وَ لِكُلٍّ دَرَجََاتٌ مِمََّا عَمِلُوا 1

و وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجََاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلاً 2 .

و عن أهل الجنة يقول:

كُلَّمََا رُزِقُوا مِنْهََا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قََالُوا هََذَا اَلَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشََابِهاً 3 ،أما عن أهل جهنم فيقول تعالى: مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمََا خَبَتْ زِدْنََاهُمْ سَعِيراً 4 ،و قد قال جل و علا أن أهل جهنم هم حطبها،و بهم يزداد سعيرها،و انطفاؤها يعني احتراق أهلها جميعا 5 .

____________

(1)سورة الأحقاف/19.

(2)سورة الإسراء/21.

(3)سورة البقرة/25.

(4)سورة الإسراء/97.

(5)عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: كُلَّمََا خَبَتْ زِدْنََاهُمْ سَعِيراً سورة الإسراء/97، يقول:كلما أحرقتهم تسعر بهم حطبا،فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئا صارت جمرا تتوهج، فذلك خبوها،فإذا بدلوا خلقا جديدا عاودتهم.

جامع البيان،ابن جرير الطبري:15/210،تفسير سورة الإسراء/الآية 97.

221

الفصل السّادس الصّراط

222

-

223

الصراط يقول اللّه سبحانه و تعالى:

إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اَللََّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لاََ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً(168) `إِلاََّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ 1 و اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوََاجَهُمْ وَ مََا كََانُوا يَعْبُدُونَ (22) `مِنْ دُونِ اَللََّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْجَحِيمِ (23)`وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) `مََا لَكُمْ لاََ تَنََاصَرُونَ 2 .

في هذه الآيات،يخبرنا الباري عز و جل،أنه يهدي الظالمين و أزواجهم-أي شياطينهم-إلى جهنم.و المقصود بـ«أزواجهم»هو الشياطين‏ 3 ،و هو ما يفهم من

____________

(1)سورة النساء/168-169.

(2)سورة الصافات/22-25.

(3)قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوََاجَهُمْ سورة الصافات/22،يعنى قرناءهم من الشياطين.

تفسير القرطبي،القرطبي:9/385،تفسير سورة إبراهيم.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: اُحْشُرُوا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْوََاجَهُمْ ...الآية سورة الصافات/22،الظاهر:إن المراد به(أزواجهم):قرناءهم من الشياطين.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:17/130-131،تفسير سورة الصافات.

224

الآية الكريمة:

فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ اَلشَّيََاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا إلى أن يقول‏ وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا كََانَ عَلى‏ََ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا(71)`ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ نَذَرُ اَلظََّالِمِينَ فِيهََا جِثِيًّا 1 .

إذن،و كما تشير هذه الآيات،فإن الصراط هو طريق يقع على جهنم أو في داخلها 2 ،ذلك أن الباري عز و جل يخبرنا هنا عن الـ«ورود»إليها و الـ«نجاة»منها.

و في آية أخرى يخبرنا القرآن عن«الامتلاء الحتمي»لجهنم:

وَ لَوْ شِئْنََا لَآتَيْنََا كُلَّ نَفْسٍ هُدََاهََا وَ لََكِنْ حَقَّ اَلْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ 3 .

____________

(1)سورة مريم/68-72.

(2)قال الشيخ المفيد:الصراط:جسر بين الجنة و النار تثبت عليه أقدام المؤمنين و تزل عنه أقدام الكفار إلى النار.

أوائل المقالات،الشيخ المفيد:79،القول في الحساب و ولاته و الصراط و الميزان.

قال المازندراني:الصراط جسر ممدود على جهنم و الأشقياء يتساقطون منه و السعداء يمرون عليه.

شرح أصول الكافي،المازندراني:10/472.

قال الطباطبائي:الصراط:انه جسر ممدود على النار يؤمر بالعبور عليها البر و الفاجر فيجوزه الأبرار و يسقط فيها الفجار.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:14/94،تفسير سورة مريم.

و قال الطباطبائي في كتابنا هذا في الفصل السادس،بحث الصراط:الصراط:انه يقع على جهنم او في داخلها.

(3)سورة السجدة/13.

225

و هذا الطريق الذي يقام على طول جهنم،هو ممر لكل الخلق،الصالح منهم و المسيئ،إذ ينجي اللّه المتقين منهم،و يترك الظالمين إلى سعير النار.و الملفت أن كلمة«الظلم»تتكرر عدة مرات و كذلك«الطغيان» 1 ،مثل:

اَلَّذِينَ طَغَوْا فِي اَلْبِلاََدِ 2 و هو الإفراط في الظلم و الاستكبار 3 فَأَكْثَرُوا فِيهَا اَلْفَسََادَ(12)`فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذََابٍ (13)`إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ 4 و إِنَّ جَهَنَّمَ كََانَتْ مِرْصََاداً 5 .

____________

(1)قال ابن سيده:طغى يطغي طغيا و يطغو طغيانا:جاوز القدر و ارتفع و غلا في الكفر.

لسان العرب،ابن منظور:15/7،مادة«طغي».

طغي كرضي طغيا و طغيانا بالضم و الكسر:جاوز القدر و ارتفع و غلا في الكفر و أسرف في المعاصي و الظلم.

القاموس المحيط،الفيروز آبادي:4/356.

(2)سورة الفجر/11.

(3)قال الطوسي في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِينَ طَغَوْا فِي اَلْبِلاََدِ سورة الفجر/11،معناه:إن هؤلاء الذين ذكرناهم تجاوزوا في الظلم الحد في البلاد،و خرجوا عن حد القلة و فسر ذلك بقوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا اَلْفَسََادَ سورة الفجر/12،يعني:أكثروا في البلاد الفساد.

التبيان،الطوسي:10/343،تفسير سورة الفجر.

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِينَ طَغَوْا فِي اَلْبِلاََدِ سورة الفجر/11،يعني عادا و ثمودا و فرعون«طغوا»،أي:تمردوا و عتوا و تجاوزوا القدر في الظلم و العدوان.

تفسير القرطبي،القرطبي:20/49،تفسير سورة الفجر.

(4)سورة الفجر/12-14.

(5)سورة النبأ/21.

226

إن الظلم و التفريط بحق الناس،و التفريط بحق النفس أو في حق اللّه تعالى، إنما يحدث باتباع الشيطان و هوى النفس،و تمتد جذور ذلك في تعلق الإنسان بالدنيا و انخداعه بزينتها و بالاوهام التي تشكل بمجموعها ما يسمى بالتمدن‏ 1 ،و هي أوهام لا حقيقة لها،و لعل ذلك ما يسألون عنه كما في‏ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) `مََا لَكُمْ لاََ تَنََاصَرُونَ (25)`بَلْ هُمُ اَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ 2 .

و حول تفسير«أنهم مسؤولون» 3 روي عن الإمام الصادق(صلوات اللّه عليه)بأن العبد لا يخطو يوم القيامة خطوة قبل أن يسأل عن أربعة أشياء:عن شبابه كيف عاشه،و عن عمره كيف قضاه،و عن ماله كيف جمعه و كيف صرفه، و عن حبّنا نحن أهل البيت‏ 4 .

و يورد«القمي»في تفسيره رواية عن الإمام الصادق عليه السّلام‏ 5 يقول فيها أن الذي هم عنه«مسؤولون» 6 هو ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام‏ 7 .

____________

(1)التمدن:هو إجتماع الإنسان مع بني نوعه للتعاون و التشاور في تحصيل الملائم و الحاجات.

شرح أصول الكافي،المازندراني:1/245،كتاب العقل و الجهل.

(2)سورة الصافات/24-26.

(3)سورة الصافات/24.

(4)أنظر:الخصال،الشيخ الصدوق:1/253،لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع/ح 125.

(5)تفسير الآية لعلي بن إبراهيم القمي صاحب التفسير.

(6)سورة الصافات/24.

(7)أنظر:تفسير القمي،القمي:2/222،سورة الصافات،خبر عمران الكواكب.و 2/440، تفسير سورة التكاثر.

227

و في حديث شريف،يقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏ 1 :إن الناس كلهم يدخلون النار،ثم يبدأون بالخروج منها حسب أعمالهم فأول من يخرج،يكون خروجه كضوء البرق،و الثاني يخرج كما تهب الريح،و الثالث كركض الحصان،و الأخير كالسير على الأقدام‏ 2 .

و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا:إنّ النار تقول للمؤمن يوم القيامة«أعبر بسرعة، فنورك يكاد يخمد لهيبي» 3 .و عند ما يسأل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن آية وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا 4 .

يقول عند ما يدخل الصالحون الجنة،تسأل مجموعة،مجموعة أخرى:ألم يعدنا ربنا بأن ندخل النار جميعا؟فتجيب المجموعة الأخرى،لقد دخلتم لكن النار كانت قد بردت‏ 5 .

____________

(1)الحديث مروي عن الإمام الصادق عليه السّلام.

(2)أنظر:تفسير القمي،القمي:1/29،تفسير سورة الفاتحة.

(3)قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إذا مر المؤمن على الصراط فيقول: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ سورة الفاتحة/1، طفئت لهب النيران و تقول جز يا مؤمن فإن نورك قد أطفأ لهبي.

جامع الأخبار،الشعيري:42-43،الفصل الثاني و العشرون.

(4)سورة مريم/71.

(5)عن جابر:أنّه النبي عليه السّلام سئل عن‏ وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا سورة مريم/71،فقال:إذا دخل أهل الجنّة الجنّة قال بعضهم لبعض أ ليس قد وعدنا ربّنا أن نرد النّار فيقال لهم قد وردتموها و هي خامدة.

بحار الأنوار،المجلسي:8/250،كتاب العدل و المعاد،باب 24 النار أعاذنا اللّه و سائر المؤمنين من لهبها.

228

-

229

الفصل السّابع الميزان‏

230

-

231

الميزان‏ يقول الباري عز و جل:

وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ (8)`وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمََا كََانُوا بِآيََاتِنََا يَظْلِمُونَ 1 .

في هذه الآيات يبين اللّه تعالى أن«الوزن»هو من الحقائق الثابتة يوم القيامة 2 ،و لعل المقصود بالجمع(الموازين)في عبارة فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ 3 ، و وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ 4 هو عدد المرات التي يتم فيها الوزن،كما توضح هذه الآيات أن ثقل الوزن هو في الحسنات،و خفة الوزن في السيئات،رغم أن ظاهر

____________

(1)سورة الأعراف/8-9.

(2)قال الثعالبي في تفسير قوله عز و جل: وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ سورة الأعراف/8،التقدير و الوزن الحق ثابت أو ظاهر،يومئذ،أي:يوم القيامة.

تفسير الثعالبي،الثعالبي:3/9،تفسير سورة الأعراف.

(3)سورة الأعراف/8.

(4)سورة الأعراف/9.

232

الأمر يفترض أن يكون عكس ذلك‏ 1 ،كما يبدو من قوله تعالى:

وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ 2 و يَرْفَعِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا 3 و ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ 4 .

إن ثقل وزن الأعمال الصالحة،و خفة وزن السيئة،كما بينها الباري عز و جل،يعود إلى بقاء الحسنات و الأعمال الصالحة،و فناء الأعمال السيئة فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً وَ أَمََّا مََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ 5 .

____________

(1)قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ سورة الأعراف/9،أي:ثقلت سيئاته على حسناته.

تفسير ابن كثير،بن كثير:3/267،تفسير سورة الأنبياء.

قال الطباطبائي:أما قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ سورة الأعراف/8،و خَفَّتْ مَوََازِينُهُ سورة الأعراف/9،فإنما يعني الحسنات توزن الحسنات و السيئات،فالحسنات ثقل الميزان و السيئات خفة الميزان.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:8/17،تفسير سورة الأعراف.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ ...الآية سورة الأعراف/8،ان الميزان الذي يذكره إما أن يثقل و هو رجحان الحسنات أو يخف و هو رجحان السيئات.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:8/143،تفسير سورة الأعراف.

(2)سورة فاطر/10.

(3)سورة المجادلة/11.

(4)سورة التين/5.

(5)سورة الرعد/17.

233

و في آية أخرى يقول اللّه تعالى‏ وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فَلاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كََانَ مِثْقََالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنََا بِهََا وَ كَفى‏ََ بِنََا حََاسِبِينَ 1 إذ وصف الموازين بالقسط،و بين الفرق في الوزن بين الحسنات و السيئات‏ 2 .

و يروى عن أمير المؤمنين عليه السّلام فيما يتعلق ب فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ 3 قوله أن المقصود بذلك الحسنات.فالحسنات و السيئات يجري وزنها،فتكون الأولى هي الثقل في الميزان أما الثانية«فوزنها قليل» 4 .

أما في«الاحتجاج»فورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام أن المقصود بذلك،هو زيادة الحسنات أو قلتها 5 .

____________

(1)سورة الأنبياء/47.

(2)قال الطبري في تفسير قوله تعالى: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فَلاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ...الآية سورة الأنبياء/47،و نضع الموازين العدل و هو القسط،و جعل القسط و هو موحد من نعت الموازين و هو جمع لأنه في مذهب عدل و رضا و نظر.

عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ ...إلى آخر سورة الأنبياء/47،يعني بالوزن:القسط بينهم بالحق في الأعمال و الحسنات و السيئات فمن أحاطة حسناته بسيئاته ثقلت موازينه.و من أحاطة سيئاته بحسناته فقد خفة موازينه.

تفسير الطبري،الطبري:17/33،تفسير سورة النبأ.

(3)سورة المؤمنون/102.

(4)أنظر:التوحيد،الصدوق:268،باب 36 الرد على الثنوية و الزنادقة/قطعة من حديث 5.

(5)الاحتجاج،الطبرسي:1/244،احتجاجه عليه السّلام على زنديق جاء مستدلا عليه بآي من القرآن و نصه:

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ سورة الأعراف/8-9،فهو قلة الحساب و كثرته.

غ

234

مما مضى يتضح معنى الآية التالية:

أُولََئِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ رَبِّهِمْ وَ لِقََائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فَلاََ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَزْناً 1 ،أي أن الأعمال إذا حبطت،فلن يظل مبرر لإقامة ميزان العدل الإلهي، و هذا الأمر يوضح لنا حقيقة مهمة و هي أن ميزان العدل يوم القيامة،يختص بالأعمال التي لم تحبط فقط 2 ،و من هنا فإن الآية الواردة آنفا 3 ،لا تتنافى مع هذه الآية فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ (102)`وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خََالِدُونَ (103)`تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ اَلنََّارُ وَ هُمْ فِيهََا كََالِحُونَ (104)`أَ لَمْ تَكُنْ آيََاتِي تُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهََا تُكَذِّبُونَ قََالُوا رَبَّنََا غَلَبَتْ عَلَيْنََا شِقْوَتُنََا وَ كُنََّا قَوْماً ضََالِّينَ 4 .

إن هذا المبحث يساعدنا على إدراك معنى الروايات الواردة في هذا الشأن.فقد رود في الاحتجاج،أنه عند ما سئل،الإمام الصادق عليه السّلام من قبل الزنديق المشهور:

____________

(1)سورة الكهف/105.

(2)قال الفيض الكاشاني في تفسير قوله تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِ رَبِّهِمْ وَ لِقََائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ سورة الكهف/105،بكفرهم فلا يثابون عليها، فَلاََ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَزْناً سورة الكهف/105،فنزدري بهم و لا نجعل لهم مقدارا و اعتبارا أو لا نضع لهم ميزانا يوزن به أعمالهم لا نحباطها.

التفسير الصافي،الفيض الكاشاني:3/267،تفسير سورة الكهف.

(3)سورة الأنبياء/47.

(4)سورة المؤمنون/102-106.

235

هل توزن الأعمال؟أجابه الإمام بالنفي،و برر ذلك أن الأعمال ليست أجسام مادية، كما أن الذي يحتاج إلى وزن الأشياء،إنما هو الذي لا يعرف عددها أو وزنها،أما الباري عز و جل،فلا تخفى عليه خافية.فسأله الزنديق:إذن ما معنى«الميزان»؟، أجابه الإمام:يعني العدل،فسأله الزنديق مرة أخرى:إذن فما معنى عبارة فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ 1 الواردة في القرآن؟أجابه الإمام:يعني الذي يرجح عمله‏ 2 .

و في«التوحيد»،ورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام أن المقصود ب وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ 3 ،إنما هو ميزان العدل الذي به يجرى تقييم أعمال كل العباد،و به يأخذ لكل ذي حق حقه،و يجازي الظالم و الغاصب‏ 4 .

و في«الكافي»ورد أن الإمام الصادق عليه السّلام سئل عن‏ وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ 5 فأجاب أن الموازين القسط هم الأنبياء و الأوصياء 6 .

____________

(1)سورة المؤمنون/102.

(2)أنظر:الاحتجاج،الطبرسي:2/351،احتجاج أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام في أنواع شتى من العلوم الدينية.

(3)سورة الأنبياء/47.

(4)التوحيد،الصدوق:268،باب 36 الرد على الثنوية و الزنادقة/قطعة من حديث 5،و فيه النص:«قال الإمام علي عليه السّلام في تفسير قوله تبارك و تعالى: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فَلاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً سورة الأنبياء/47،فهو ميزان العدل يؤخذ به الخلائق يوم القيامة يدين اللّه تبارك و تعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين».

(5)سورة الأنبياء/47.

(6)عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في تفسير قوله تعالى: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ سورة الأنبياء-

236

و فيما تقدم من بحث،نجد الدليل على كلام الإمام عليه السّلام.

و يروي صاحب الكافي‏ 1 عن الإمام السجاد عليه السّلام أن ميزان العدل الإلهي لا يقام للمشركين و لا تفتح صحائف أعمالهم،بل يرمون في جهنم جميعا،و يؤكد الإمام أيضا،أن ميزان العدل الإلهي لا يقام و صحائف الأعمال لا تفتح إلا للمسلمين‏ 2 .

____________

ق-/47،قال:الأنبياء و الأوصياء عليهم السّلام.

الكافي،الكليني:1/419،كتاب الحجة،باب فيه نكت و نتف من التنزيل في الولاية/ح 36.

(1)هو:محمد بن يعقوب الكليني،و قد مرت ترجمته.

(2)أنظر:الكافي،الكليني:8/75،كتاب الروضة،كلام علي بن الحسين عليه السّلام/ح 29.

237

الفصل الثّامن صحيفة الأعمال‏

238

-

239

صحيفة الأعمال‏ يقول اللّه تعالى:

وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً يَلْقََاهُ مَنْشُوراً(13)`اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفى‏ََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً 1 .

يبين اللّه تعالى في هاتين الآيتين،أن«طائر»الإنسان،هو عمله الذي قام به في حياته‏ 2 ،و هو مثبت و ملازم للإنسان،و لذلك يعبّر عنه القرآن الكريم بـ«في عنقه» 3 .فجميع أعمال الإنسان،سواء السيئ منها أو الحسن،يجري تسجيلها، دون أن يشعر بذلك في الدنيا،ذلك أن حواس الإنسان‏ 4 تحس بما هو ظاهر

____________

(1)سورة الإسراء/13-14.

(2)في التبيان:قال ابن عباس،و مجاهد و قتادة في معنى«طائره»،عمله من خير أو شر.

التبيان،الطوسي:6/455،تفسير سورة الإسراء.

في المجمع:قيل عن الحسن،طائره:يمنه و شؤمه،و هو ما يتطير منه.

تفسير مجمع البيان،الطبرسي:6/230،تفسير سورة الإسراء.

(3)سورة الإسراء/13.

(4)قال الراغب الأصفهاني في الحاسة:القوة التي بها تدرك الأعراض الحسية،و الحواس-

240

و مكشوف من الأحداث و الحركات و الأعمال،أما باطن الأمور،فيدركها من خلال الآثار و العلامات الدالة عليها 1 .

____________

ق-المشاعر الخمس.

مفردات غريب القرآن،الراغب الأصفهاني:116،كتاب الحاء و ما يتصل بها،مادة«حس».

قال الطريحي:الحواس:جمع حاسة كدواب جمع دابة،و هي المشاعر الخمس:السمع، و البصر،و الشم،و الذوق،و اللمس.و هذه الحواس الظاهرة.

أما الحواس الباطنة فهي:الخيال،و الوهم،و الحس المشترك و الحافظة،و المتصرفة.

مجمع البحرين،الطريحي:1/511،باب الحاء،مادة«حسس».

(1)عن هشام بن الحكم قال الأشياء كلّها لا تدرك إلا بأمرين بالحواس و القلب،و الحواسّ إدراكها على ثلاثة معان،إدراكا بالمداخلة و إدراكا بالمماسّة و إدراكا بلا مداخلة و لا مماسّة، فأمّا الإدراك الّذي بالمداخلة فالأصوات و المشامّ و الطّعوم و أمّا الإدراك بالمماسّة فمعرفة الأشكال من التّربيع و التّثليث و معرفة اللّيّن و الخشن و الحرّ و البرد،و أمّا الإدراك بلا مماسّة و لا مداخلة فالبصر فإنّه يدرك الأشياء بلا مماسّة و لا مداخلة في حيّز غيره و لا في حيّزه و إدراك البصر له سبيل و سبب فسبيله الهواء و سببه الضّياء فإذا كان السّبيل متّصلا بينه و بين المرئيّ و السّبب قائم أدرك ما يلاقي من الألوان و الأشخاص فإذا حمل البصر على ما لا سبيل له فيه رجع راجعا فحكى ما وراءه كالنّاظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة فإذا لم يكن له سبيل رجع راجعا يحكي ما وراءه و كذلك النّاظر في الماء الصّافي يرجع راجعا فيحكي ما وراءه إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره فأمّا القلب فإنّما سلطانه على الهواء فهو يدرك جميع ما في الهواء و يتوهّمه فإذا حمل القلب على ما ليس في الهواء موجودا رجع راجعا فحكى ما في الهواء فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على ما ليس موجودا في الهواء من أمر التّوحيد جلّ اللّه و عزّ فإنّه إن فعل ذلك لم يتوهّم إلا ما في الهواء موجود كما قلنا في أمر البصر تعالى اللّه أن يشبهه خلقه.

الكافي،الكليني:1/99-100،كتاب التوحيد/ح 12.

241

أما في النشأة الأخرى(الآخرة) 1 فإن بواطن الأمور و خفاياها،تتكشف جميعها حيث‏ وَ بَرَزُوا لِلََّهِ جَمِيعاً 2 و من هنا وصف القرآن،الطائر،بالكتاب الذي يفتحه الإنسان و يقرأ ما في داخله‏ 3 .

يقول اللّه تعالى:

أَحْصََاهُ اَللََّهُ وَ نَسُوهُ 4 .

____________

(1)قال الطوسي،الآخرة:النشأة الأخرى.

التبيان،الشيخ الطوسي:4/417.

قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: وَ أَنَّ عَلَيْهِ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرى‏ََ سورة النجم/47،أي:الخلق الثاني للبعث يوم القيامة،يعني عليه أن يبعث الناس أحياء للجزاء.

مجمع البيان،الشيخ الطبرسي:9/304،تفسير سورة النجم.

(2)سورة إبراهيم/21.

(3)عن ابن عباس في تفسير قوله: وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً يَلْقََاهُ مَنْشُوراً سورة الإسراء/13، قال:هو عمله الذي عمل،أحصى عليه فاخرج له يوم القيامة ما كتب عليه من العمل فقرأه منشورا.

الدر المنثور،السيوطي:4/167،تفسير سورة الإسراء.

قال الطباطبائي:

في تفسير قوله تعالى: وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً سورة الإسراء/13،إشارة إلى إن كتاب الأعمال بحقائقها مستور عن إدراك الإنسان محجوب وراء حجاب الغفلة و إنما يخرجه اللّه سبحانه للإنسان يوم القيامة فيطلعه على تفاصيله.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:13/55-56،تفسير سورة الإسراء.

(4)سورة المجادلة/6.

242

كما يقول:

بَلْ بَدََا لَهُمْ مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ 1 .

و هنا نلاحظ استخدام«أبدا»و«أحصاه».و هي تخص أعمال الإنسان،لأن صحيفة الأعمال،لا تعني أنها قائمة تدرج فيها الأعمال،بل أن الأعمال تتجلى أمامهم بذاتها و حقيقتها 2 .

____________

(1)سورة الأنعام/28.

(2)في التبيان:قيل في تفسير قوله تعالى: بَلْ بَدََا لَهُمْ مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ سورة الأنعام/28، معناه بل بدا من أعمالهم ما كانوا يخفونه،فأظهره اللّه و شهدت به جوارحهم.

التبيان،الطوسي:4/111،تفسير سورة الأنعام.

و قال ابن عجيبة في تفسير قوله تعالى: بَلْ بَدََا لَهُمْ سورة الأنعام/28،أي:ظهر لهم يوم القيامة فى صحائفهم ما كانوا يخفون من قبل فى دار الدنيا من عيوبهم و قبائح أعمالهم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد،ابن عجيبة:2/110،تفسير سورة الأنعام.

و قال السدي في تفسير قوله تعالى: بَلْ بَدََا لَهُمْ سورة الأنعام/28،بدت لهم أعمالهم في الآخرة.

و عنه أيضا في قوله تعالى: مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ سورة الأنعام/28،بدت أعمالهم في الآخرة التي أخفوها في الدنيا.

تفسير القرآن العظيم،ابن أبي حاتم:4/1279.

و قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنََّاسُ أَشْتََاتاً لِيُرَوْا أَعْمََالَهُمْ سورة الزلزلة/6،و إراءتهم أعمالهم إراءتهم جزاء أعمالهم بالحلول فيه أو مشاهدتهم نفس أعمالهم بناء على تجسم الأعمال.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/343،تفسير سورة الزلزلة.

243

و في هذه الآية يقول اللّه سبحانه و تعالى:

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنََّاسُ أَشْتََاتاً لِيُرَوْا أَعْمََالَهُمْ (6)`فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ `وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 1 .

كما يقول تعالى:

وَ لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمََالَهُمْ وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ 2 و آيات أخرى تؤدي نفس المعنى مثل:

يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ وَ أَنََّى لَهُ اَلذِّكْرى‏ََ 3 و يُنَبَّؤُا اَلْإِنْسََانُ يَوْمَئِذٍ بِمََا قَدَّمَ وَ أَخَّرَ 4 .

لقد أسلفنا الحديث عن حقيقة أن يوم البعث و النشور محيط بجميع مراتب الوجود و درجاته.

و كما أن الأعمال تتجلى،فإن حقيقتها تتجلى أيضا.

يقول اللّه تعالى:

وَ تَرى‏ََ كُلَّ أُمَّةٍ جََاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا اَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 5

____________

(1)سورة الزلزلة/6-8.

(2)سورة الأحقاف/19.

(3)سورة الفجر/23.

(4)سورة القيامة/13.

(5)سورة الجاثية/28.

244

و«الكتاب»المذكور في هذه الآية،هو ذلك المتضمن أعمالهم‏ 1 .

كما يقول أيضا:

هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 2 .

و هذا الكتاب هو(الكتاب المكنون) 3 الذي سجل فيه ما حدث و ما يحدث و ما سيحدث‏ 4 .

____________

(1)قال الفيض الكاشاني في معنى قوله تعالى: كُلَّ أُمَّةٍ جََاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا سورة الجاثية/28،صحيفة أعمالها.

التفسير الأصفى،الفيض الكاشاني:2/1162،تفسير سورة الجاثية.

و قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: وَ تَرى‏ََ كُلَّ أُمَّةٍ جََاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا سورة الجاثية/28،ترى أنت و غيرك من الرائين كل أمة من الأمم جالسة على الجثو،جلسة الخاضع الخائف كل أمة منهم تدعى إلى كتابها الخاص بها و هي صحيفة الأعمال.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:18/176-177،تفسير سورة الجاثية.

(2)سورة الجاثية/29.

(3)إشارة إلى قوله تعالى في سورة الواقعة/الآية 78،و نصها: فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ .

(4)قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ سورة الجاثية/29،هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم.

جامع البيان،ابن جرير الطبري:25/203،تفسير سورة الجاثية.

و قال الزركشي في تفسير قوله تعالى: هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ سورة الجاثية/29،المراد جميع الكتب التي اقتضت فيها أعمالهم.

البرهان،الزركشي:2/7،النوع الثاني و الثلاثون.

245

و قد ورد في الأخبار،أن نسخا تأخذ من هذا الكتاب،و منه أيضا تؤخذ الأعمال،و هو كتاب يضم حقيقة الأعمال،و هو الحجة و المرجع لباقي الكتب‏ 1 و لعله هو المذكور في الآية الشريفة:

وَ أَشْرَقَتِ اَلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهََا وَ وُضِعَ اَلْكِتََابُ 2 .

ورد في«الكافي» 3 عن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام،ضمن أحد أحاديثه حول اللوح المحفوظ،أن اللوح هو الكتاب المكنون الذي تؤخذ عنه باقي النسخ‏ 4 .

و الاستنساخ هنا،يعني نقل الشي‏ء من مصدره الأصلي،و هذا معنى الكلام الإلهي:

إِنََّا كُنََّا نَسْتَنْسِخُ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 5 .

____________

(1)أنظر:تفسير القمي،القمي:2/379-380،تفسير سورة القلم.بحار الأنوار،المجلسي:

54/366-367،كتاب السماء و العالم،باب 4 القلم و اللوح المحفوظ و الكتاب المبين و الإمام المبين و أم الكتاب/ح 3.

(2)سورة الزمر/69.

(3)أورد هذا المعنى علي بن ابراهيم القمي باسناده عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عبد الرحيم القصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.

(4)أنظر:تفسير القمي،القمي:2/379-380،تفسير سورة القلم.بحار الأنوار،المجلسي:

54/366-367،كتاب السماء و العالم،باب 4 القلم و اللوح المحفوظ و الكتاب المبين و الإمام المبين و أم الكتاب/ح 3.

(5)سورة الجاثية/29.

غ

246

كما ينقل«العياشي» 1 في تفسيره،عن الإمام الصادق عليه السّلام أن كتاب الإنسان(صحيفة أعماله)،تعطى له يوم القيامة فيقال له:إقرأ!و هنا يسأل الراوي،الإمام عليه السّلام:و هل يتذكر الإنسان كل ما هو موجود في صحيفته،فيجيب الإمام:اللّه يذكره بها،فيتذكر كل رمشة عين أو خطوة قدم،أو قول أو عمل، و كأنه قام بها في تلك اللحظة،و لهذا يقول الإنسان حينذاك:

يََا وَيْلَتَنََا مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا 2 3 .

و في نفس التفسير 4 رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السّلام أيضا،تحمل مضمونا مقاربا لما جاء في الرواية الآنفة الذكر 5 .

و الجدير بالملاحظة هنا أن الإمام يفسر في هذه الرواية،مفردة«القراءة»بمعنى «التذكر» 6 .الموضوع الآخر هو أن اللّه تعالى يقول:

____________

(1)مرت ترجمته.

(2)سورة الكهف/49.

(3)أنظر:تفسير العياشي،العياشي:2/328،تفسير سورة الكهف/ح 34.

(4)أي:تفسير العياشي.

(5)عن خالد بن نجيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله: اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفى‏ََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ سورة الإسراء/14،قال:يذكر العبد جميع ما عمل و ما كتب عليه كأنه فعله تلك الساعة،فلذلك قالوا: يََا وَيْلَتَنََا مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا سورة الكهف/49.

تفسير العياشي،العياشي:2/328،تفسير سورة الكهف/ح 35.

(6)الذكر:الحفظ للشي‏ء،تذكره،و هو مني على ذكر.

كتاب العين،الفراهيدي:5/346،مادة«ذكر».

247

نَحْنُ نُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ وَ نَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا وَ آثََارَهُمْ 1 و هذا يعني أن ما يحصى على الإنسان و يسجل في كتابه،هي أعماله و أفعاله التي يرتكبها،إضافة إلى الآثار المترتبة على هذه الأعمال،و في النتيجة،فإن المحاسبة تكون على جميع ذلك‏ 2 ،و على أساس هذا المفهوم يتوضح لنا معنى الآية:

يُنَبَّؤُا اَلْإِنْسََانُ يَوْمَئِذٍ بِمََا قَدَّمَ وَ أَخَّرَ 3 .

و يورد«القمي» 4 في تفسيره،رواية عن الإمام الباقر عليه السّلام،حول كلمتي «قدم»و«أخر»الواردين في الآية السابقة 5 ،أن المقصود بها هي ما فعل بنفسه من خير و شر،و كذلك،ما ترتب على فعله فيما بعد،من آثار إيجابية أو سلبية،و أن

____________

(1)سورة يس/12.

(2)قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَ نَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا سورة يس/12،أي:من الأعمال،و في قوله تعالى‏ وَ آثََارَهُمْ سورة يس/12،قولان أحدهما نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم و آثارهم التي آثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا إن خيرا فخير و إن شرا فشر.

تفسير ابن كثير،ابن كثير:3/572،تفسير سورة يس.

قال الطباطبائي:في تفسير قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ سورة يس/12، و المعنى كل شي‏ء أحصيناه إحصاء أو كل شي‏ء كتبناه كتابا.و المعنى الجزاء موافق لإعمالهم لأنهم كانوا على حال كذا و كذا و قد حفظناها عليهم فجزيناهم بها جزاء وفاقا.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/169،تفسير سورة النبأ.

(3)سورة القيامة/13.

(4)علي بن ابراهيم القمي صاحب التفسير،مرت ترجمته.

(5)سورة القيامة/13.

248

الحساب يتم عليها جميعها،فإن كان قد سن سنة حسنة،فله أجرها و أجر من عمل بها،فيحصل هو على أجر،بمقدار ما يحصل عليه المتبع لتلك السنة الحسنة 1 .

بعد آية وَ نَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا وَ آثََارَهُمْ 2 يتبعها الباري عز و جل بقوله:

وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ 3 و هنا يتضح أن اللوح المحفوظ(الذي عبر عنه القرآن هنا بالإمام المبين)هو أيضا مرجع و حكم في محاسبة العباد،كما في صحائف أعمالهم‏ 4 .كما يتضح أن المقصود بـ«الكتاب»في آية هََذََا كِتََابُنََا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ 5 هو نفسه اللوح المحفوظ،لأن الكتاب وصف هنا بالإمامة،أي التابعية،و في الآية السالفة 6 ،وصفه القرآن بهذه الصفة،حيث منه تؤخذ الأعمال...إذن فالإثنان،لها معنى واحد.

____________

(1)أنظر:تفسير القمي،القمي:2/397-398،تفسير سورة القيامة.

(2)سورة يس/12.

(3)سورة يس/12.

(4)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ سورة يس/12، قيل:معناه و كل شي‏ء من أعمالهم حفظناه لنجازيهم به.

تفسير مجمع البيان،الطبرسي:10/245،تفسير سورة يس.

و قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ سورة يس/12، المراد و كل شي‏ء حفظناه حال كونه مكتوبا،أي:في اللوح المحفوظ أو في صحائف الأعمال.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:20/169،تفسير سورة النبأ.

(5)سورة الجاثية/29.

(6)سورة الجاثية/29.

249

و فضلا عن توضيح العديد من صفات هذا الكتاب،فأن القرآن وضح لنا حقيقة مهمة و هي أن العباد يأخذون كتابهم بطريقتين،تبعا لصنف العباد،فقد جاء:

يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاََ تَخْفى‏ََ مِنْكُمْ خََافِيَةٌ (18)`فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ (19)`إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاََقٍ حِسََابِيَهْ ...إلى قوله وَ أَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِشِمََالِهِ فَيَقُولُ يََا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتََابِيَهْ (25)`وَ لَمْ أَدْرِ مََا حِسََابِيَهْ 1 .

فالمقصود باليمين و الشمال هنا كما يبدو،طرفا الإنسان من حيث تفاوتهما في القوة،على أساس حقيقة أن اليد اليمنى أقوى من اليسرى،أو طرفا السعادة و الشقاء.و المؤكد أن المقصود ليس اليدان(اليمين و اليسار)،كما تصوره بعض الرواة و المحدثين‏ 2 الذين يأخذون بظاهر الآية 3 ،ذلك أن اللّه تعالى لم يقل«أوتى

____________

(1)سورة الحاقة/18-26.

(2)الراوي:هو الذي ينقل الحديث بإسناده،سواء أكان رجلا أم إمرأة.

علوم الحديث،صبحي صالح:107،الباب الثاني التصنيف في علوم الحديث،الفصل الأول.

يقال للرجل الصادق الظن محدث،بفتح الدال مشددة.

الصحاح،الجوهري:1/279،مادة«حدث».

و رجال حدث و حدث و حدث و حديث و محدث،بمعنى واحد:كثير الحديث،حسن السياق له كل هذا على النسب و نحوه.

لسان العرب،ابن منظور:2/133،مادة«حدث».

(3)الظاهرية:أتباع أبي سليمان داود بن علي الأصبهاني،و كان أول من أنتحل الظاهر،و أخذ بالكتاب و السنة،و ألغى ما سوى ذلك من الرأي و القياس.و الظاهرية،دين اللّه تعالى ظاهر لا باطن فيه،و جهر لا سرّ تحته،كله برهان لا مسامحة فيه.و كل من إدعى أن للديانة سرا و باطنا، فهي دعاوى و مخارق.و قالوا:لم يكتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الشريعة كلمة فما فوقها.

موسوعة الفرق و الجماعات،الحفني:471،باب الظاء،الظاهرية.

250

كتابه ليمينه أو شماله»بل قال:بيمينه و بشماله.و الباء هنا سببية تفيد الواسطة، و لعل الآية الشريفة التالية خير دليل على ما نقول‏ فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ (7) `فَسَوْفَ يُحََاسَبُ حِسََاباً يَسِيراً(8)`وَ يَنْقَلِبُ إِلى‏ََ أَهْلِهِ مَسْرُوراً(9)`وَ أَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ وَرََاءَ ظَهْرِهِ (10)`فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً 1 ،إذ ورد فيها«وراء ظهره»بدل«بشماله»و هذا دليل على أن المقصود هو ليس اليد اليسرى،إذ لا يمكن أن يعني تعبير«وراء ظهره» ذلك.

و الدليل الآخر،هو الآية الشريفة:

يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولََئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتََابَهُمْ وَ لاََ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً(71)`وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً 2 ،إذ نلاحظ أن القول الإلهي جاء«بإمامهم»و ليس«لإمامهم» بينما تستخدم آيات أخرى«اللام»بدل«الباء»عند ما لا يراد معنى الواسطة،فمثلا كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا 3 و لم يقل اللّه تعالى:«بكتابها».و خلاصة الأمر أن «الدعوة بالإمام»هي غير«الدعوة إلى الكتاب» 4 .

____________

(1)سورة الانشقاق/7-11.

(2)سورة الإسراء/71-72.

(3)سورة الجاثية/28.

(4)قال الطوسي:اختلفوا في الإمام الذي يدعون به يوم القيامة،فقال مجاهد و قتادة:إمامه:نبيه.

و قال ابن عباس:إمامه كتاب علمه.و روي ايضا أن إمامهم:كتابهم الذي انزل اللّه إليهم فيه الحلال و الحرام و الفرائض و الأحكام.-

251

و بعد أن يدعو اللّه تعالى‏ كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ 1 ،يأتي على تفاصيل ذلك فيقول تعالى أن مجموعة من هؤلاء يؤتون كتابهم بيمينهم،إذن،فهذا اليمين،هو ذاته الإمام الحق الذي يدعي به هؤلاء 2 يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ 3 و بدل أن يقول اللّه بأن المجموعة الأخرى تؤتى كتابها بشمالها،جاء القول الإلهي:

وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً 4 .

و من تغيير السياق هذا،ندرك أن إعطاء الكتاب بواسطة اليمين،يوم القيامة،يعني ذلك النور المضي‏ء 5 ،فاللّه يقول:

____________

ق-التبيان،الطوسي:6/504،تفسير سورة الإسراء.

و قال أيضا:في تفسير قول اللّه عز و جل: كُلَّ أُمَّةٍ جََاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى‏ََ إِلى‏ََ كِتََابِهَا سورة الجاثية/28،معناه إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها و يثبت فيه أعمالها.

التبيان،الطوسي:9/261-262،تفسير سورة الجاثية.

(1)سورة الإسراء/71.

(2)قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ سورة الإسراء/71،أن اليمين هو الإمام الحق.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:19/128،تفسير سورة الواقعة.

(3)سورة الإسراء/71.

(4)سورة الإسراء/72.

(5)قال الطوسي:في تفسير قوله تعالى: نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ سورة الحديد/12،قال ابن عباس:معناه يسعى نور كتابهم الذي فيه البشرى.

التبيان،الطوسي:10/51،تفسير سورة التحريم.

252

يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ 1 و وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَدََاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَ نُورُهُمْ 2 .

و هنا يتبين أن النور،هو ذلك الإمام،و المقصود بمناداة الناس به،هو التحاق كل مجموعة بإمامها 3 .

و الحديث في هذا الموضوع يطول كثيرا،و لا مجال له في هذا البحث،لكن الخلاصة هي أن المقصود بـ«اليمين»و«الشمال»،يمكن أن يكون السعادة و الشقاء، و ليس اليد اليمنى و اليسرى‏ 4 .

____________

(1)سورة الحديد/12.

(2)سورة الحديد/19.

(3)قال البلخي في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ سورة الإسراء/71،بما كانوا يعبدونه،و يجعلونه إماما لهم.قال أبو عبيد:بما كانوا يأتمون به في الدنيا.

التبيان،الطوسي:6/503-504،تفسير سورة الإسراء.

(4)قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ (8)`وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ سورة الواقعة/8-9،أصحاب اليمين و الشؤم فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم و الأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم.

أنوار التنزيل و أسرار التأويل،البيضاوي:5/178،تفسير سورة الواقعة.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ سورة الواقعة/8، فأصحاب الميمنة أصحاب السعادة و اليمن مقابل أصحاب المشأمة أصحاب الشقاء و الشؤم.

قال أيضا في قوله تعالى: وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ سورة الواقعة/9،المشأمة مصدر كالشؤم مقابل اليمين،و الميمنة و المشأمة السعادة و الشقاء.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:19/116،تفسير سورة الواقعة.

253

و لعل في سورة الواقعة ما يدلل على ما نقول:

وَ أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ مََا أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ 1 و وَ أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ مََا أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ 2 ، و مرة أخرى يتحدث عنهم القرآن الكريم بعبارات أخرى‏ فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ (8)`وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ 3 .

ثم تأتي الآيات الشريفة لتوضح ذلك أكثر وَ أَمََّا إِنْ كََانَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ (90)`فَسَلاََمٌ لَكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ (91)`وَ أَمََّا إِنْ كََانَ مِنَ اَلْمُكَذِّبِينَ اَلضََّالِّينَ (92)`فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93)`وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ 4 .

إذ جاء «اَلْمُكَذِّبِينَ اَلضََّالِّينَ» بدل‏ «أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ» .و من هنا ندرك أن أصحاب الشمال هم أهل الشقاء،و المكذبون للحق،و الضالون.

و يبدو أن هذه الآية فيها إشارة إلى‏ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ . ..أَ لَمْ تَكُنْ آيََاتِي تُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهََا تُكَذِّبُونَ (105)`قََالُوا رَبَّنََا غَلَبَتْ عَلَيْنََا شِقْوَتُنََا وَ كُنََّا قَوْماً ضََالِّينَ 5 إذ هي إشارة إلى الذين كذبوا و ضلوا و اختاروا الشقاء لأنفسهم‏ 6 .

____________

(1)سورة الواقعة/27.

(2)سورة الواقعة/41.

(3)سورة الواقعة/8-9.

(4)سورة الواقعة/90-94.

(5)سورة المؤمنون/103-106.

(6)قال فتح اللّه الكاشاني في تفسير قوله تعالى: قََالُوا رَبَّنََا غَلَبَتْ عَلَيْنََا شِقْوَتُنََا سورة المؤمنون/106،استعلت علينا سيّئاتنا الّتي أوجبت لنا الشقاوة.و هي:سوء العاقبة و المضرّة-

254

لقد قلنا فيما مضى أن هذه الآية 1 تخص أهل الشقاء من أتباع الأديان الضالين أو الناكثين لعهد أئمة الحق.أما الكفار المنكرين للّه تعالى و الأديان،فلا تشملهم هذه الآية.لأن اللّه لا يضع لهؤلاء ميزانا أو قيمة،لذلك،لا يوجد لهؤلاء كتاب،و لا حساب،بل يأخذون طريقهم إلى العذاب مباشرة 2 .

____________

ق-اللاحقة.و لّما كانت سيّئاتهم الّتي شقوا بها سبب شقاوتهم سمّيت شقاوة توسّعا.

زبدة التفاسير،فتح اللّه الكاشاني:4/467،تفسير سورة المؤمنون.

قال الآلوسي في تفسير قوله تعالى: قََالُوا رَبَّنََا غَلَبَتْ عَلَيْنََا شِقْوَتُنََا سورة المؤمنون/106،أي:

استولت علينا و ملكتنا شقاوتنا التي اقتضاها سوء استعدادنا كما يومى‏ء إلى ذلك إضافتها إلى أنفسهم.

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم،الآلوسي:9/266،تفسير سورة المؤمنون.

قال الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: غَلَبَتْ عَلَيْنََا شِقْوَتُنََا سورة المؤمنون/106،أن الشقوة غلبت فأشغلت المحل و كانت الشقوة شقوة أنفسهم،أي شقوة لازمة لسوء اختيارهم و سيئات أعمالهم لأنهم فرضوا أنفسهم خالية عن السعادة و الشقوة لذاتها فانتساب الشقوة إلى أنفسهم و ارتباطها بهم إنما هي من جهة سوء اختيارهم و سيئات أعمالهم.

الميزان في تفسير القرآن،الطباطبائي:15/70،تفسير سورة المؤمنون.

(1)سورة المؤمنون/106.

(2)قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى: فَلاََ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَزْناً سورة الكهف/105،أي:لا قيمة لهم عندنا،و لا كرامة،و لا نعتد بهم،بل نستخف بهم،و نعاقبهم.

مجمع البيان،الطبرسي:6/392،تفسير سورة الكهف.

قال القرطبي في تفسير قول اللّه عز و جل: فَلاََ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَزْناً سورة الكهف/105، أنهم لا ثواب لهم،و أعمالهم مقابلة بالعذاب،فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة و من لا حسنة له فهو في النار.

تفسير القرطبي،القرطبي:11/66،تفسير سورة الكهف.

غ