نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
55

ذلك، و أنّ أكثر الداعين بهذه الأسماء المسطورة غير مجابين؛ فعلمنا أنّ «الأعظم» ليس من جملتها.

فإذا قيل لنا: فلم خصّ اللّه تعالى بهذا الاسم قوما دون قوم، و لم يجره مجرى سائر أسمائه؟

فالجواب أنّه تابع للمصلحة، و إذا كان المعلوم أنّ كلّ سائل بذلك الاسم مجاب لا محالة، فمن علم أنّ في إجابته مفسدة لا يجوز أن يمكّن من ذلك الاسم.

فإذا قيل: فينبغي لمن يسأله تعالى، و قال: بحقّ اسمك الأعظم، أعطني كذا أن يجاب لا محالة؛ و قد علمنا خلاف ذلك؟

فالجواب أنّه غير ممتنع أن تكون الإجابة إنّما تكون واجبة عند التصريح و التلفّظ بهذا الاسم دون الكناية عنه.

فأمّا تسميته بأنّه أعظم، و أنّ ذلك يقتضي أن يكون من أسمائه ما ليس بأعظم؛ فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: أن تكون لفظة «أفعل» هنا راجعة إلى باقي أسمائه؛ و الوجه الآخر: أن ترجع إلى أسماء و صفات غيره.

و بيان الوجه الأوّل: أنّ معنى «أعظم» هو اختصاصه بفضيلة أن الدّعاء به مجاب، و هذه المزية ليست في باقي الأسماء؛ فكأنّه أعظم منها لاختصاصه برتبة عالية ليست لباقيها.

و أما الوجه الثاني: فيكون المعنى أنّه أعظم بالإضافة إلى أسمائكم و صفاتكم؛ لأنّه ليس لشي‏ء من صفاتنا هذه المزيّة؛ و لم تجعل هذه المزيّة لأجل فقد المشاركة في المعنى؛ فيلزم عليه إله و قديم و رحمن؛ على ما مضى في السؤال؛ بل لأن اللّه تعالى خصّ هذا الاسم بهذه المزيّة لما علم من المصلحة.

فأمّا إلزامنا أن يكون في أسمائه تعالى ما هو أصغر فلا يلزم على الجواب الثاني؛ فإذا ألزمنا ذلك على الجواب الأوّل قلنا: إذا كان قولنا «أعظم» بالإضافة

56

إلى أسمائة تعالى معناه أنّ له هذه المزية و الرتبة، فلا محالة أنّه يجب فيما ليس له هذه المزيّة من أسمائه ألاّ يكون الأعظم. و لا يجوز أن نقول: أصغر و أحقر و ما يجري مجرى ذلك؛ لأنّه يوهم المهانة و ما لا تجوز في شي‏ء من أسمائه.

و أمّا قوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا فإنّما سمّاها كلّها الحسنى؛ و ليس يمتنع أن يكون فيما هو حسن تفاضل و تزايد، و كذلك قوله تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا معناه التخيير لنا بين أن ندعوه بأيّ الاسمين شئنا؛ و الأشبة أن يراد باللّفظتين معنى واحد.

و أمّا تكريم لفظ «الأعظم» فهو على سبيل التأكيد و التفخيم؛ لا لأنّ «الأعظم» مرّة واحدة غير «الأعظم» مرّتين، و باللّه التوفيق‏ (1) .

[الثاني: ]و ممّا ظنّ انفراد الإمامية به و هو مذهب مالك‏ (2) جواز الدعاء في الصلاة المكتوبة أين شاء المصلّي منها...

و الحجة لنا إجماع طائفتنا و ظاهر أمر اللّه تعالى بالدعاء مثل قوله تعالى:

قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ و قوله تعالى: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (3) (4) .

- وَ قُلِ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي اَلْمُلْكِ... [الإسراء: 111]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) الأمالي، 2: 270 و 273.

(2) المجموع، 3: 471.

(3) سورة غافر، الآية: 60.

(4) الانتصار: 47.

57

سورة الكهف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) `قَيِّماً... [الكهف: 1-2].

أنظر البقرة: 102 من الأمالي، 1: 399 و البقرة: 72، 73 من الأمالي، 2: 192.

- سَيَقُولُونَ ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ... [الكهف: 22].

أنظر البقرة: 177 من الأمالي، 1: 207 و آل عمران: 7 من الأمالي، 1:

418.

- وَ لاََ تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فََاعِلٌ ذََلِكَ غَداً (23) `إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [الكهف: 23- 24].

[إن سأل سائل‏]فقال: ما تنكرون أن يكون ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون جميع ما نفعله يشاؤه و يريده؟لأنّه لم يخصّ شيئا من شي‏ء؛ و هذا بخلاف مذهبكم. و ليس لكم أن تقولوا: إنّه خطاب للرسول «عليه و آله السلام» خاصّة؛ و هو لا يفعل إلاّ ما يشاء اللّه؛ لأنّه قد يفعل المباح بلا خلاف؛ و يفعل الصغائر عند أكثركم؛ فلا بدّ من أن يكون في أفعاله تعالى ما لا يشاؤه عندكم، و لأنّه أيضا تأديب لنا، كما أنّه تعليم له عليه السّلام؛ و لذلك يحسن منا أن نقول ذلك فيما يفعله.

الجواب: قلنا: تأويل هذه الآية مبنيّ على وجهين:

أحدهما: أن يجعل حرف الشرط الذي هو «إن» متعلّقا بما يليه و بما هو متعلّق به في الظاهر من غير تقدير محذوف؛ و يكون التقدير: و لا تقولنّ إنّك تفعل إلاّ ما يريد اللّه.

58

و هذا الجواب ذكره الفراء، و ما رأيته إلاّ له. و من العجب تغلغله إلى مثل هذا؛ مع أنّه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل. و على هذا الجواب لا شبهة في الآية، و لا سؤال للقوم علينا.

و في هذا الوجه ترجيح لغيره من حيث اتّبعنا فيه الظاهر، و لم نقدّر محذوفا، و كلّ جواب مطابق الظاهر و لم يبن على محذوف كان أولى.

و الجواب الآخر: أن نجعل «أن» متعلّقة بمحذوف؛ و يكون التقدير: و لا تقولنّ لشي‏ء إنّي فاعل ذلك غدا إلاّ أن تقول: «إن شاء اللّه» لأنّ من عاداتهم إضمار القول في مثل هذا الموضع، و اختصار الكلام إذا طال و كان في الموجود منه دلالة على المفقود.

و على هذا الجواب يحتاج إلى الجواب عما سئلنا عنه، فنقول: هذا تأديب من اللّه تعالى لعباده، و تعليم لهم أن يعلّقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة؛ حتى يخرج من حدّ القطع.

و لا شبهة في أنّ ذلك مختصّ بالطاعات، و أنّ الأفعال القبيحة خارجة عنه؛ لأنّ أحدا من المسلمين لا يستحسن أن يقول: إنّي أزني غدا إن شاء اللّه، أو أقتل مؤمنا، و كلّهم يمنع من ذلك أشدّ المنع؛ فعلم سقوط شبهة من ظنّ أنّ الآية عامة في جميع الأفعال.

و أمّا أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب فإنّه ذكر في تأويل هذه الآية ما نحن ذاكروه بعينه، قال: «إنّما عنى بذلك أنّ من كان لم يعلم أنّه يبقى إلى غد حيّا فلا يجوز أن يقول: إنّي سأفعل غدا و كذا و كذا، فيطلق الخبر بذلك و هو لا يدري، لعلّه سيموت و لا يفعل ما أخبر به؛ لأنّ هذا الخبر إذا[لم يوجد مخبره على ما أخبر به‏]فهو كذب؛ و إذا كان المخبر لا يأمن أن لا يوجد مخبره لحدوث أمر من فعل اللّه نحو الموت أو العجز أو بعض الأمراض، أو لا يحدث ذلك بأن يبدو له هو في ذلك، فلا يأمن من أن يكون خبره كذبا في معلوم اللّه عزّ و جلّ، و إذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به؛ و لا يسلم خبره هذا من الكذب إلاّ بالاستثناء

59

الذي ذكره اللّه تعالى؛ فإذا قال: إنّي صائر غدا إلى المسجد إن شاء اللّه فاستثنى في مصيره بمشيئة اللّه تعالى؛ أمن أن يكون خبره في هذا كذبا؛ لأنّ اللّه تعالى إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأه إلى ذلك؛ و كان المصير منه لا محالة؛ فإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يكن خبره هذا كذبا؛ و إن لم يوجد منه المصير إلى المسجد؛ لأنّه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشيئة اللّه تعالى» .

قال: «و ينبغي أن لا يستثني مشيئة دون مشيئة، لأنّه إن استثنى في ذلك مشيئة اللّه لمصيره إلى المسجد على وجه التعبّد، فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأنّ الإنسان قد يترك كثيرا ممّا يشاؤه اللّه تعالى منه و يتعبّده به، و لو كان استثناء مشيئة اللّه لأن يبقيه و يقدّره و يرفع عنه الموانع كان أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأنّه قد يجوز ألاّ يصير إلى المسجد مع تبقية اللّه تعالى له قادرا مختارا، فلا يأمن من الكذب في هذا الخبر دون أن يستثني المشيئة العامة التي ذكرناها، فإذا دخلت هذه المشيئة في الاستثناء فقد أمن أن يكون خبره كذبا إذا كانت هذه المشيئة متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لا محالة» .

قال: «بمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمّن حلف فقال: و اللّه لأصيرنّ غدا إلى المسجد إن شاء اللّه، لأنّه إن استثنى على سبيل ما بيّنا لم يجز أن يحنث في يمينه، و لو خصّ استثناءه بمشيئة بعينها ثمّ كانت و لم يدخل معها إلى المسجد حنث في يمينه» .

و قال غير أبي عليّ: إن المشيئة المستثناة هاهنا هي مشيئة المنع و الحيلولة؛ فكأنّه قال: إن شاء اللّه يخلّيني و لا يمنعني.

و في الناس من قال: القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع و إن لم يلزم به ما كان يلزم لو لا الاستثناء، و لا ينوي في ذلك إلجاء و لا غيره؛ و هذا الوجه يحكى عن الحسن البصريّ.

و اعلم أنّ للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة:

فقد يدخل على الأيمان و الطلاق و العتاق و سائر العقود و ما يجري مجراها من الأخبار، فإذا دخل ذلك اقتضى التوقيف عن إمضاء الكلام و المنع من لزوم‏

60

ما يلزم به إزالته عن الوجه الذي وضع له؛ و لذلك يصير ما تكلّم به كأنّه لا حكم له؛ و لذلك يصحّ على هذا الوجه أن يستثنى في الماضي فيقول: قد دخلت الدار إن شاء اللّه، ليخرج بهذا الاستثناء من أن يكون كلامه خبرا قاطعا أو يلزمه حكم.

و إنّما لم يصحّ دخوله في المعاصي على هذا الوجه؛ لأنّ فيه إظهار الانقطاع إلى اللّه تعالى؛ و المعاصي لا يصحّ ذلك فيها؛ و هذا الوجه أحد ما يحتمله تأويل الآية. و قد يدخل الاستثناء في الكلام فيراد به اللطف و التسهيل.

و هذا الوجه يخصّ الطاعات، و لهذا الوجه جرى قول القائل: لأقضينّ غدا ما عليّ من الدين، و لأصلّينّ غدا إن شاء اللّه مجرى أن يقول: إنّي أفعل ذلك إن لطف اللّه تعالى فيه و سهّله؛ فعلم أنّ المقصد واحد، و أنّه متى قصد الحالف فيه هذا الوجه لم يجب إذا لم يقع منه هذا الفعل أن يكون حانثا و كاذبا، لأنّه إن لم يقع علمنا أنّه لم يلطف له، لأنّه لا لطف له.

و ليس لاحد أن يعترض هذا بأن يقول: الطاعات لا بدّ فيها من لطف؛ و ذلك لأنّ فيها ما لا لطف فيه جملة، فارتفاع ما هذه سبيله يكشف عن أنّه لا لطف فيه، و هذا الوجه لا يصحّ أن يقال في الآية أنّه يخص الطاعات؛ و الآية تتناول كلّ ما لم يكن قبيحا؛ بدلالة إجماع المسلمين على حسن الاستثناء ما تضمّنته في كلّ فعل لم يكن قبيحا.

و قد يدخل الاستثناء في الكلام و يراد به التسهيل و الإقدار و التخلية و البقاء على ما هي عليه من الأحوال؛ و هذا هو المراد به إذا دخل في المباحات.

و هذا الوجه يمكن في الآية إلاّ أنه يعترضه ما ذكره أبو عليّ ممّا حكيناه من كلامه.

و قد يذكر استثناء المشيئة أيضا في الكلام و إن لم يرد به في شي‏ء ممّا تقدم؛ بل يكون الغرض إظهار الانقطاع إلى اللّه تعالى من غير أن يقصد إلى شي‏ء من الوجوه المتقدّمة. غ

61

و قد يكون هذا الاستثناء غير معتدّ به في كونه كاذبا أو صادقا؛ لأنّه في الحكم كأنّه قال: لأفعلنّ كذا إذ وصلت إلى مرادي مع انقطاعي إلى اللّه تعالى و إظهاري الحاجة إليه؛ و هذا الوجه أيضا ممّا يمكن في تأويل الآية.

و من تأمّل جملة ما ذكرناه من الكلام عرف منه الجواب عن المسألة التي لا يزال يسأل عنها المخالفون من قولهم: لو كان اللّه تعالى إنّما يريد العبادات من الأفعال دون المعاصي لوجب إذا قال من لغيره عليه دين طالبه به: «و اللّه لأعطينّك حقّك غدا إن شاء اللّه» أن يكون كاذبا أو حانثا إذا لم يفعل؛ لأنّ اللّه تعالى قد شاء ذلك منه عندكم، و إن كان لم يقع فكان يجب أن تلزمه الكفّارة؛ و أن لا يؤثر هذا الاستثناء في يمينه، و لا يخرجه عن كونه حانثا؛ كما أنّه لو قال: و اللّه لأعطينّك حقّك غدا إن قدم زيد فقدم و لم يعطه يكون حانثا؛ و فى إلزام هذا الحنث خروج عن إجماع المسلمين، فصار ما أوردناه جامعا لبيان تأويل الآية، و للجواب عن هذه المسألة و نظائرها من المسائل، و الحمد للّه وحده‏ (1) .

- وَ قُلِ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنََّا أَعْتَدْنََا لِلظََّالِمِينَ نََاراً أَحََاطَ بِهِمْ سُرََادِقُهََا وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغََاثُوا بِمََاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي اَلْوُجُوهَ بِئْسَ اَلشَّرََابُ وَ سََاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف: 29].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- كِلْتَا اَلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهََا وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً... [الكهف: 33].

أنظر ص: 21، 24 من التنزيه: 126.

- قََالَ لَهُ صََاحِبُهُ وَ هُوَ يُحََاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّاكَ رَجُلاً [الكهف: 37].

أنظر التوبة: 40 من الشافي، 4: 25.

- وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنََّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوََاقِعُوهََا... [الكهف: 53].

أنظر ص: 21، 24 من التنزيه: 126.

____________

(1) الأمالي، 2: 104.

62

- فَإِنِّي نَسِيتُ اَلْحُوتَ وَ مََا أَنْسََانِيهُ إِلاَّ اَلشَّيْطََانُ أَنْ أَذْكُرَهُ... [الكهف: 63]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- فَوَجَدََا عَبْداً مِنْ عِبََادِنََا آتَيْنََاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنََا وَ عَلَّمْنََاهُ مِنْ لَدُنََّا عِلْماً (65) `قََالَ لَهُ مُوسى‏ََ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ََ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمََّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) `قََالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) `وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ََ مََا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68) `قََالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ صََابِراً وَ لاََ أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69) `قََالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلاََ تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتََّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) [الكهف: 65-70]إلى آخر الآيات المتضمّنة لهذه القصّة.

[فإن قيل: فما وجه قوله تعالى فيما حكاه عن موسى عليه السّلام و العالم الّذي كان صحبه و قيل: إنّه الخضر عليه السّلام‏]و أوّل ما تسألون عنه في هذه الآيات أن يقال لكم: كيف يجوز أن يتّبع موسى عليه السّلام غيره و يتعلّم منه، و عندكم أنّ النبي عليه السّلام لا يجوز أن يفتقر إلى غيره؟و كيف يجوز أن يقول له: انك لن تستطيع معي صبرا، و الاستطاعة عندكم هي القدرة و قد كان موسى عليه السّلام على مذهبكم قادرا على الصبر؟و كيف قال موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ صََابِراً وَ لاََ أَعْصِي لَكَ أَمْراً ، فاستثنى المشيئة في الصبر و أطلق فيما ضمنه من طاعته و اجتناب معصيته؟و كيف قال: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (1) و شَيْئاً نُكْراً (2) و ما أتى العالم منكرا في الحقيقة؟و ما معنى قوله: لاََ تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ (3) و عندكم أنّ النسيان لا يجوز على الأنبياء عليهم السّلام؟و لم نعت موسى عليه السّلام النفس بأنّها زكيّة و لم تكن كذلك على الحقيقة؟و لم قال في الغلام: فَخَشِينََا أَنْ يُرْهِقَهُمََا طُغْيََاناً وَ كُفْراً (4) فإن كان الّذي خشيه اللّه تعالى على ما ظنّه قوم، فالخشيّة لا يجوز عليه تعالى؟و إن كان هو الخضر عليه السّلام فكيف يستبيح دم الغلام لأجل الخشيّة و الخشيّة لا تقتضي علما و لا يقينا؟.

____________

(1) سورة الكهف، الآية: 71.

(2) سورة الكهف، الآية: 74.

(3) سورة الكهف، الآية: 73.

(4) سورة الكهف، الآية: 80.

63

الجواب: قلنا: إنّ العالم الّذي نعته اللّه تعالى في هذه الآيات فلا يجوز إلاّ أن يكون نبيّا فاضلا، و قد قيل: إنّه الخضر عليه السّلام، و أنكر أبو علي الجبّائيّ ذلك و زعم أنّه ليس بصحيح قال: لأنّ الخضر عليه السّلام يقال: إنه كان نبيّا من أنبياء بني إسرائيل الذين بعثوا من بعد موسى عليه السّلام. و ليس يمتنع أن يكون اللّه تعالى قد أعلم هذا العالم ما لم يعلمه موسى عليه السّلام، و أرشد موسى عليه السّلام إليه ليتعلّم منه، و إنّما المنكر أن يحتاج النبيّ عليه السّلام في العلم إلى بعض رعيته المبعوث إليهم، فأمّا أن يفتقر إلى غيره ممّن ليس له برعية فجائز، و ما تعلّمه من هذا العالم إلاّ كتعلّمه من الملك الّذي يهبط عليه بالوحي، و ليس في هذا دلالة على أنّ ذلك العالم كان أفضل من موسى في العلم؛ لأنّه لا يمتنع أن يزيد موسى عليه السّلام في سائر العلوم الّتي هي أفضل و أشرف ممّا علّمه، فقد يعلم أحدنا شيئا من سائر المعلومات و إن كان ذلك المعلوم يذهب إلى غيره ممّن هو أفضل منه و أعلم.

و أمّا نفي الاستطاعة فإنّما أراد بها أن الصبر لا يخفّ عليك انّه يثقل على طبيعتك، كما يقول أحدنا لغيره: «إنّك لا تستطيع أن تنظر إلي» ، و كما يقال للمريض الّذي يجهده الصوم و إن كان قادرا عليه: إنّك لا تستطيع الصيام و لا تطيقه، و ربّما عبّر بالاستطاعة عن الفعل نفسه، كما قال اللّه تعالى حكاية عن الحواريين: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ (1) فكأنّه على هذا الوجه قال: «إنّك لن تصبر و لن يقع منك الصبر» . و لو كان إنّما نفى القدرة على ما ظنّه الجهّال، لكان العالم و هو في ذلك سواء، فلا معنى لاختصاصه بنفي الاستطاعة، و الّذي يدلّ على أنّه نفى عنه الصبر لاستطاعته قول موسى عليه السّلام في جوابه: سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ صََابِراً و لم يقل: ستجدني إن شاء اللّه مستطيعا.

و من حقّ الجواب أن يطابق الإبتداء، فدلّ جوابه على أنّ الاستطاعة في الابتداء هي عبارة عن الفعل نفسه.

و أمّا قوله: وَ لاََ أَعْصِي لَكَ أَمْراً فهو أيضا مشروط بالمشيئة، و ليس بمطلق

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 112.

64

على ما ذكر في السؤال، فكأنّه قال ستجدني صابرا و لا أعصي لك أمرا إن شاء اللّه. و إنّما قدّم الشرط على الأمرين جميعا و هذا ظاهر في الكلام.

و أمّا قوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً فقد قيل: إنّه أراد شيئا عجبا، و قيل: إنّه أراد شيئا منكرا، و قيل: إنّ الأمر أيضا هو الداهية. فكأنّه قال: جئت داهية.

و قد ذهب بعض أهل اللغة إلى أنّ الإمر مشتقّ من الكثرة من أمر القوم إذا كثروا، و جعل عبارة عمّا كثر عجبه، و إذا حملت هذه اللفظة على العجب فلا سؤال فيها، و إن حملت على المنكر كان الجواب عنها و عن قوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً واحدا.

و في ذلك وجوه:

منها: انّ ظاهر ما أتيته المنكر و من يشاهده ينكره قبل أن يعرف علّته.

و منها: أن يكون حذف الشرط فكأنّه قال: إن كنت قتلته ظالما فقد جئت شيئا نكرا.

و منها: أنّه أراد أنّك أتيت أمرا بديعا غريبا؛ فإنّهم يقولون فيما يستغربونه و يجهلون علته: إنّه نكر و منكر، و ليس يمكن إن يدفع خروج الكلام مخرج الاستفهام و التقرير دون القطع. ألا ترى إلى قوله: أَ خَرَقْتَهََا لِتُغْرِقَ أَهْلَهََا (1) و إلى قوله: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ (2) . و معلوم أنّه إن كان قصد بخرق السفينة إلى التغريق، فقد أتى منكرا. و كذلك إن كان قتل النفس على سبيل الظلم.

و أمّا قوله: لاََ تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ (3) فقد ذكر فيه وجوه ثلاثة:

أحدها: أنّه أراد النسيان المعروف، و ليس ذلك بعجب مع قصر المدّة، فإنّ الإنسان قد ينسى ما قرب زمانه لما يعرض له من شغل القلب و غير ذلك.

و الوجه الثاني: انّه أراد لا تأخذني بما تركت. و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ (4) أي ترك، و قد روي هذا الوجه عن

____________

(1) سورة الكهف، الآية: 71.

(2) سورة الكهف، الآية: 74.

(3) سورة الكهف، الآية: 73.

(4) سورة طه، الآية: 115.

65

ابن عبّاس، عن أبيّ بن كعب، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: قال موسى: لاََ تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ يقول: بما تركت من عهدك.

و الوجه الثالث: انّه أراد لا تؤاخذني بما فعلته مما يشبه النسيان فسمّاه نسيانا للمشابهة، كما قال المؤذّن لأخوة يوسف عليه السّلام: إنّكم لسارقون، أي إنّكم تشبهون السرّاق، و كما يتأوّل الخبر الّذي يرويه أبو هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «كذب إبراهيم عليه السّلام ثلاث كذبات في قوله: سارة اختي، و في قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذََا و قوله: إِنِّي سَقِيمٌ ، و المراد بذلك-إن كان هذا الخبر صحيحا-أنّه فعل ما ظاهره الكذب. و اذا حملنا هذه اللفظة على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها. و إذا حملناها على النسيان في الحقيقة كان الوجه فيه أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إنّما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه عن اللّه تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه فأمّا فيما هو خارج عمّا ذكرناه فلا مانع من النسيان، ألا ترى أنّه إذا نسي أو سهى في مأكله أو مشربه على وجه لا يستمرّ و لا يتّصل، ينسب إلى أنّه مغفل، فإنّ ذلك غير ممتنع. و أمّا وصف النفس بأنّها زكية فقد قلنا: إنّ ذاك خرج مخرج الاستفهام لا على سبيل الإخبار. و إذا كان استفهاما فلا سؤال على هذا الموضع. و قد اختلف المفسّرون في هذه النفس، فقال أكثرهم: إنّه كان صبيّا لم يبلغ الحلم، و أنّ الخضر و موسى عليهما السّلام مرّا بغلمان يلعبون، فأخذ الخضر عليه السّلام منهم غلاما فأضجعه و ذبحه بالسكين. و من ذهب إلى هذا الوجه يجب أن يحمل قوله زكية على أنّه من الزكاة الذي هو الزيادة و النماء؛ لأنّ الطهارة في الدين من قولهم: زكت الأرض تزكو: إذا زاد ريعها.

و ذهب قوم إلى أنه كان رجلا بالغا كافرا و لم يكن يعلم موسى عليه السّلام باستحقاقه القتل، فاستفهم عن حاله. و من أجاب بهذا الجواب إذا سئل عن قوله تعالى: حَتََّى إِذََا لَقِيََا غُلاََماً فَقَتَلَهُ (1) يقول لا يمتنع تسمية الرجل بأنه غلام على مذهب العرب و إن كان بالغا.

____________

(1) سورة الكهف، الآية: 74.

66

فأمّا قوله: فَخَشِينََا أَنْ يُرْهِقَهُمََا طُغْيََاناً وَ كُفْراً فالظاهر يشهد أنّ الخشية من العالم لا منه تعالى. و الخشية ههنا قيل: العلم، كما قال اللّه تعالى: وَ إِنِ اِمْرَأَةٌ خََافَتْ مِنْ بَعْلِهََا نُشُوزاً أَوْ إِعْرََاضاً (1) و قوله تعالى: إِلاََّ أَنْ يَخََافََا أَلاََّ يُقِيمََا حُدُودَ اَللََّهِ (2) و قوله عزّ و جلّ: وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً (3) و كل ذلك بمعنى العلم.

و على هذا الوجه كأنّه يقول: إنّني علمت بإعلام اللّه تعالى لي أنّ هذا الغلام متى بقي كفر أبواه، و متى قتل بقيا على إيمانهما، فصارت تبقيته مفسدة و وجب اخترامه، و لا فرق بين أن يميته اللّه تعالى و بين أن يأمر بقتله.

و قد قيل: إنّ الخشية هاهنا بمعنى الخوف الّذي لا يكون معه يقين و لا قطع. و هذا يطابق جواب من قال: إنّ الغلام كان كافرا مستحقّا للقتل بكفره، و انضاف إلى استحقاقه ذلك بالكفر خشية إدخال أبويه في الكفر و تزيينه لهما.

قال قوم: إنّ الخشية ههنا هي الكراهية، يقول القائل: فرّقت بين الرجلين خشية أن يقتتلا، أي كراهة لذلك، و على هذا التأويل و الوجه الّذي قلنا: انّه بمعنى العلم، لا يمتنع أن تضاف الخشية إلى اللّه تعالى.

فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكََانَتْ لِمَسََاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ (4) و السفينة البحرية تساوي المال الجزيل، و كيف يسمّى مالكها بأنّه مسكين و المسكين عند قوم شرّ من الفقير؟و كيف قال: وَ كََانَ وَرََاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (5) و من كان وراءهم قد سلموا من شرّه و نجوا من مكروهة و إنّما الحذر ممّا يستقبل. قلنا: أما قوله: لِمَسََاكِينَ ففيه أوجه:

منها: أنّه لم يعن بوصفهم بالمسكنة، الفقر، و إنّما أراد عدم الناصر و انقطاع الحيلة، كما يقال لمن له عدوّ يظلمه و يهضمه: إنّه مسكين و مستضعف و إن كان كثير المال واسع الحال؛ و يجري هذا مجرى ما روي عنه عليه السّلام من قوله:

____________

(1) سورة النساء، الآية: 128.

(2) سورة البقرة، الآية: 229.

(3) سورة التوبة، الآية: 28.

(4) سورة الكهف، الآية: 79.

(5) سورة الكهف، الآية: 79.

67

«مسكين مسكين رجل لا زوجة له» و إنّما أراد وصفه بالعجز و قلّة الحيلة، و إن كان ذا مال واسع.

و وجه آخر: و هو أنّ السفينة الواحدة البحرية الّتي لا يتعيش إلاّ بها و لا يقدر على التكسّب إلاّ من جهتها كالدار الّتي يسكنها الفقير هو و عياله و لا يجد سواها، فهو مضطرّ إليها و منقطع الحيلة إلاّ منها، فإذا انضاف إلى ذلك أن يشاركه جماعة في السفينة حتّى يكون له منها الجزء اليسير، كان أسوأ حالا و أظهر فقرا.

و وجه آخر: أنّ لفظة المساكين قد قرئت بتشديد السين و فتح النون، فإذا صحّت هذه الرواية فالمراد بها البخلاء. و قد سقط السؤال.

فأما قوله تعالى: وَ كََانَ وَرََاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً فهذه اللفظة يعبّر بها عن الأمام و الخلف معا، فهي هاهنا بمعنى الامام. و يشهد بذلك قوله تعالى: مِنْ وَرََائِهِ جَهَنَّمُ يعني من قدّامه و بين يديه. و قال الشاعر:

ليس على طول الحياة ندم # و من وراء المرء ما لا يعلم‏

و قال الآخر:

أ ليس ورائي إن تراخت منيتّي # لزوم العصى تحنى عليها الأصابع‏

و لا شبهة في أنّ المراد بجميع ذلك: القدّام.

و قال بعض أهل العربية إنّما صلح أن يعبّر بالوراء عن الأمام إذا كان الشي‏ء المخبر عنه بالوراء يعلم أنّه لا بدّ من بلوغه ثمّ يسبقه و يخلفه، فتقول العرب:

«البرد وراءك» و هو يعني قدّامك؛ لأنّه قد علم أنّه لا بدّ من أن يبلغ البرد ثمّ يسبق.

و وجه آخر: و هو أنّه يجوز أن يريد أنّ ملكا ظالما كان خلفهم، و في طريقهم عند رجوعهم على وجه لا انفكاك لهم منه، و لا طريق لهم إلاّ المرور به، فخرق السفينة حتّى لا يأخذها إذا عادوا عليه؛ و يمكن أن يكون وراءهم على وجه الاتباع و الطلب و اللّه أعلم بمراده‏ (1) .

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 118.

غ

68

- قََالَ لاََ تُؤََاخِذْنِي بِمََا نَسِيتُ [الكهف: 73].

تقدّم تفسيرها في الآية السابقة.

- فَانْطَلَقََا حَتََّى إِذََا لَقِيََا غُلاََماً فَقَتَلَهُ قََالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [الكهف: 74].

إن سأل سائل فقال: أ لستم تزعمون أنّ ما كان في عقولنا حسنا فهو عند اللّه حسن؟و ما كان قبيحا فهو عند اللّه تعالى كذلك؟و لا يجوز أن يكون حسن شي‏ء هو عنده يفيده و لا قبح أمر هو عنده بخلافه.

قلنا: الأمر كذلك.

فان قال: أ ليس اللّه تعالى قد قال: وَ لاََ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللََّهُ إِلاََّ بِالْحَقِّ (1) و قال: اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ (2) و قد أمر أن يقتل غلام زكي لم يجب عليه أن يقتل، و قصته في سورة الكهف‏ (3) ، و ذلك الفعل في الظاهر كان عند موسى فظيعا قبيحا و عند اللّه حسنا.

فيقال له: لمّا تضمّن قتل هذه النفس أمرين حسنتين و مصلحتين عظيمتين، تناسب كلّ واحد من أبوي الغلام على الإيمان، و بعدهما من الكفر و الطغيان حسن قتله.

فيقول هذا السائل: و إن كان الأمر كذلك، فليس ذلك بمدخل للغلام في وجوب قتله، و لا كفر أبويه يلزمه ذنبا، و قد قال اللّه تعالى: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ (4) و قال: مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ (5) .

ألا ترون هذا الغلام إذا قال يوم القيامة: بأيّ ذنب قتلت، لم يكن ذلك ذنبا قد اكتسبه، و قد كان اللّه قادرا على إماتة هذا الغلام، ليكون الغلام بما قضى عليه من منيته داخلا فيما حتمه من الموت على دينه، و يصير الموت لنفسه

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 151.

(2) سورة المائدة، الآية: 45.

(3) سورة الكهف، الآية: 74.

(4) سورة فاطر، الآية: 18.

(5) سورة الروم، الآية: 44.

69

مرهقا، و لا يكون بقاؤه بالكفر لأبويه مرهقا، و ليس له بالإماتة أن يقول يوم القيامة: ربّ لم أمتني، و له أن يقول: إنّي لم قتلت و لا ذنب لي.

و يجي‏ء من هذا أنّ للسلطان إذا علم أنّ في قتل من لم يجب قتله مصلحة، لا بل مصالح كثيرة، أن يقتله، و إذا علم أيضا أن مع الإنسان ما لا يرهقه الطغيان و الاستعلاء على ما هو دونه، و الاستذلال للناس أن يأخذ ماله، لما في ذلك من المصلحة، و ليس الأمر كذلك.

فدلّ هذا على أنّ اللّه تعالى فاعل ما يشاء و أراد، و ليس لأحد أن يقول: لم لا؟ و كيف؟، و لا يعارض و لا يعجب، قال اللّه تعالى: حَتََّى إِذََا رَكِبََا فِي اَلسَّفِينَةِ خَرَقَهََا (1) و قال: حَتََّى إِذََا لَقِيََا غُلاََماً فَقَتَلَهُ (2) و قال: حَتََّى إِذََا أَتَيََا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَمََا أَهْلَهََا (3) فعطف القتل على لقاء الغلام بالفاء، و لم يدخل في خرق السفينة على الركوب حرف عطف، و لا في الاستطعام على إتيان أهل القرية عطفا، لأيّ معنى دخلت الفاء في موضع دون موضع؟فلا بدّ لذلك في معنى يخصّه.

الجواب: إنّ العلم بحسن الحسن و قبح القبيح لا يختلف بالإضافة إلى العالمين، و لا فرق في هذا العلم بين القديم تعالى و المحدث.

فأمّا موسى عليه السّلام فإنّما استقبح على البديهة قتل الغلام؛ لأنّه لم يعرف الوجه الذي هو عليه حسن قتله و قبح تبقيته، و لو علم ذلك لعلم حسن القتل و قبح التبقية.

و إنّما وجب قتل الغلام؛ لأنّ في تبقيته على ما ذكر اللّه تعالى في القرآن مفسدة من حيث علم اللّه تعالى أنّه يدعو أبويه إلى الكفر فيجيبان له، و المفسدة وجه قبيح، و ليس كلّ وجوه وجوب القتل للاستحقاق بجناية تقدّمت، بل المفسدة وجه من وجوه القبح. و إذا علم اللّه تعالى أنّ في التبقية مفسدة وجب القتل.

فأمّا ما مضى في السؤال من أنّه تعالى كان قادرا على إزالة الحياة بالموت من غير ألم، فتزول التبقية التي هي المفسدة من غير إدخال إيلام عليه بالقتل.

____________

(1) سورة الكهف، الآية: 71.

(2) سورة الكهف، الآية: 74.

(3) سورة الكهف، الآية: 77.

70

فالجواب عنه من وجهين:

أحدهما: أن يكون اللّه تعالى علم أن أبويه لا يثبتان على الإيمان و يعدلان عن الكفر، إلاّ بأن يقتل هذا الغلام، فيكون هذا وجه وجوب القتل خاصّة دون غيره.

و الوجه الاخر: أنّ التبقية إذا كانت هي المفسدة، و اللّه تعالى مخيّر في إزالتها باتضاد (1) الحياة بالموت من غير المراد بالقتل أيضا؛ لأنّ القتل و إن كان فيه ألم يلحق المقتول، فبأزاء ذلك الألم أعواض عظيمة يوازي الإنتفاع بها المضرة بالقتل، و يزيد عليه أضعاف مضاعفة، فيصير القتل بالأعواض المستحقّة عليه كأنّه ليس بألم، بل هو نفع و احسان، و يجري ذلك مجرى من علم اللّه تعالى أنّه يؤمن إن فعل به ألما، كما يؤمن إذا فعل به ما ليس بألم.

فالمذهب الصحيح أنّه تعالى مخيّر في استصلاح هذا المكلّف، و فعل ما هو لطف له في الإيمان، بين فعل الآلام و فعل ما ليس بألم، و إن كان قد ذهب قوم إلى أنّه تعالى-و الحال هذه-لا يفعل به إلاّ ما ليس بألم، و أخطأوا.

و قد بيّنا الكلام في هذه المسألة و استقصيناه في مواضع من كتبنا.

فأمّا إلزامنا أن يكون السلطان متى علم أنّ في قتل بعض الناس مصلحة أن يقتله، و كذلك في أخذ المال فغير لازم؛ لأنّ أحدا منّا لا يجوز أن يعلم قطعا المصلحة و المفسدة و انّما يظنّ ذلك و اللّه تعالى يعلمه. ثم إنّ اللّه تعالى إذا قتل من ذكرنا حاله أو يأمر بقتله، لضمن إيصاله إلى الاعواض الزائدة النفع على ما دخل عليه من ضرر القتل؛ لأنّه عالم بذلك و قادر على إيصاله. و أحدنا لا يعلم ذلك و لا يقدر أيضا على إيصاله، فصادفت حالنا في هذه المسألة حال القديم تعالى.

و أمّا دخول الفاء في قوله تعالى: حَتََّى إِذََا لَقِيََا غُلاََماً فَقَتَلَهُ (2) و سقوطها من

____________

(1) كذا في المطبوعة.

(2) سورة الكهف، الآية: 74.

71

قوله تعالى: حَتََّى إِذََا رَكِبََا فِي اَلسَّفِينَةِ خَرَقَهََا (1) و من قوله: حَتََّى إِذََا أَتَيََا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَمََا أَهْلَهََا (2) فقد قيل: إنّ الوجه فيه أنّ اللقاء لما كان سببا للقتل أدخلت الفاء إشعارا بذلك، و لمّا لم يكن في السفينة الركوب سببا للخرق و لا إتيان القرية سببا للاستطعام لم يدخل الفاء، و هذا وجه صحيح‏ (3) .

- قََالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف: 77]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكََانَتْ لِمَسََاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهََا وَ كََانَ وَرََاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: 79].

أنظر الكهف: 56، 70 من التنزيه: 118.

- قََالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [الكهف: 96]

أنظر المائدة: 6، الأمر الثاني من الرسائل، 3: 161.

- قََالَ هََذََا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي... [الكهف: 98].

أنظر هود: 118، 119 من الأمالي، 1: 94.

____________

(1) سورة الكهف، الآية: 71.

(2) سورة الكهف، الآية: 77.

(3) الرسائل، 3: 177.

72

سورة مريم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ إِنِّي خِفْتُ اَلْمَوََالِيَ مِنْ وَرََائِي وَ كََانَتِ اِمْرَأَتِي عََاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) `يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) [مريم: 5-6].

[قال السيّد: ]فخبر أنه خاف من بني عمّه؛ لأنّ الموالي هاهنا هم بنو العم بلا شبهة، و إنّما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد؛ لأنّه كان يعرف ذلك من خلائقهم و طرائقهم، فسأل ربّه ولدا يكون أحقّ بميراثه منهم، و الذي يدلّ على أن المراد بالميراث المذكور في الآية ميراث المال دون العلم و النبوّة- على ما يقولون-إن لفظة الميراث في اللغة و الشريعة جميعا لا يعهد إطلاقها إلاّ على ما يحق و أن ينتقل على الحقيقة من المورث إلى الوارث كالأموال و ما في معناها، و لا يستعمل في غير المال إلاّ تجوازا و اتساعا، و لهذا لا يفهم من قول القائل: لا وارث لفلان إلاّ فلان، و فلان يرث مع فلان بالظاهر، و الإطلاق إلاّ ميراث الأموال و الأعراض دون العلوم و غيرها، و ليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام و حقيقته إلى مجازه بغير دلالة، و أيضا فإنه تعالى خبر عن نبيّه صلوات اللّه عليه أنه اشترط في وارثه أن يكون رضيّا، و متى لم يحمل الميراث في الآية على المال دون العلم و النبوّة لم يكن للاشتراط معنى، و كان لغوا عبثا؛ لأنّه إذا كان إنّما سأل من يقوم مقامه و يرث مكانه فقد دخل الرضا و ما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه و سؤاله، فلا معنى لاشتراطه، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول:

«اللّهمّ ابعث إلينا نبيّا و اجعله عاقلا و مكلّفا» فإذا ثبتت هذه الجملة صحّ أن زكريا موروث ماله، و صحّ أيضا بصحّتها أن نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ممن يورث المال؛ لأن الإجماع واقع على أن حال نبيّنا عليه السّلام لا يخالف حال الأنبياء المتقدّمين في ميراث المال، فمن مثبت للأمرين و ناف للأمرين.

73

و ممّا يقوي ما قدّمناه أنّ زكريّا خاف بني عمّه فطلب وارثا لأجل خوفه، و لا يليق خوفه منهم إلاّ بالمال دون النبوّة و العلم؛ لأنّه عليه السّلام كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيّا من ليس بأهل للنبوّة و أن يورث علمه و حكمه من ليس أهلا لها، و لأنه إنّما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.

فإن قيل: فهذا يرجع عليكم في الخوف من وراثة المال؛ لأن ذلك غاية الضنّ و البخل.

قلنا: معاذ اللّه أن يستوي الحال؛ لأن المال قد يصحّ أن يرزقه اللّه تعالى المؤمن و الكافر، و العدوّ و الولي، و لا يصحّ ذلك في النبوّة و علومها. و ليس من الضنّ أن يأسى على بني عمه-و هم من أهل الفساد-أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي، و يصرفوه في غير وجوهه المحبوبة، بل ذلك هو غاية الحكمة و حسن التدبير في الدين؛ لأن الدين يحظر تقوية الفساق و إمدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة، و ما يعد ذلك شحّا و لا بخلا إلاّ من لا تأمل له.

فإن قيل: فألاجاز أن يكون خاف من بني عمّه أن يرثوا علمه و هم من أهل الفساد على ما ادّعيتم، فيستفسدوا به الناس و يموهونه عليهم؟.

قلنا: لا يخلو هذا العلم الذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه و صحف حكمته؛ لأن ذلك قد يسمّى علما على طريق المجاز، أو أن يكون هو العلم الذي يحل القلوب، فإن كان الأول: فهو يرجع إلى معنى المال و يصحّح أن الأنبياء عليهم السّلام يورثون أموالهم و ما في معناها، و إن كان الثاني: لم يخل هذا العلم من أن يكون هو العلم الذي بعث النبيّ صلوات اللّه عليه بنشره و أدائه، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلّق بالشريعة، و لا يجب اطلاع جميع الأمة عليه، كعلم العواقب و ما يجري في المستقبل من الأوقات و ما جرى مجرى ذلك، و القسم الأول لا يجوز على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يخاف من وصوله إلى بني عمّه و هم من جملة أمّته الذين بعث إلى أن يطلعهم على ذلك و يؤديه إليهم، و كأنّه على هذا

74

الوجه يخاف ممّا هو الغرض في بعثته. و القسم الثاني فاسد أيضا؛ لأن هذا العلم المخصوص إنّما يستفاد من جهته و يوقف عليه باطلاعه و إعلامه، و ليس هو ممّا يجب نشره في جميع الناس، فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فسادا أن لا يلقيه إليه؛ فإن ذلك في يده و لا يحتاج إلى أكثر من ذلك، و ممّا يدلّ على أن الأنبياء عليهم السّلام يورثون قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمََانُ دََاوُدَ (1) و الظاهر من إطلاق لفظ الميراث يقتضي الأموال و ما في معناها على ما دلّلنا عليه من قبل، و يدل أيضا على ذلك قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ (2) الآية و قد أجمعت الأمّة على عموم هذه اللفظة إلاّ من أخرجه الدليل، فيجب أن يتمسّك بعمومها لمكان هذه الدلالة، و لا يخرج عن حكمها إلاّ من أخرجه دليل قاطع‏ (3) .

- يََا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هََذََا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا [مريم: 23].

و معلوم أن ذلك لم يكن منها على سبيل التوبة من قبيح، و أنها خافت الضرر العاجل بالتهمة (4) .

- يََا أُخْتَ هََارُونَ مََا كََانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَ مََا كََانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) `فَأَشََارَتْ إِلَيْهِ قََالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا (29) [مريم: 28-29].

[إن سأل سائل‏]فقال: من هارون الذي نسبت مريم إلى أنّها أخته؟و معلوم أنّها لم تكن أختا لهارون أخي موسى. و ما معنى‏ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ، و لفظة «كان» تدلّ على ما مضى و عيسى عليه السّلام في حال قولهم ذلك كان في المهد؟.

الجواب: قلنا: هارون الذي نسبت إليه مريم قد قيل فيه أقوال:

منها: أن هارون المذكور كان رجلا فاسقا مشهورا بالعهر و الشرّ و فساد

____________

(1) سورة النمل، الآية: 16.

(2) سورة النساء، الآية: 11.

(3) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 63.

(4) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 360.

75

الطريقة، فلما أنكروا ما جاءت به من الولد، و ظنّوا بها ما هي مبرأة منه نسبوها إلى هذا الرجل تشبيها و تمثيلا؛ و كان تقدير الكلام: يا شبيهة هارون في فسقه و قبح فعله؛ و هذا القول يروى عن سعيد بن جبير.

و منها: أن هارون هذا كان أخاها لأبيها دون أمّها؛ و قيل: إنّه كان أخاها لأبيها و أمها، و كان رجلا معروفا بالصلاح و حسن الطريقة و العبادة و التألّه.

و قيل: إنّه لم يكن أخاها على الحقيقة؛ بل كان رجلا صالحا من قومها، و إنّه لما مات شيّع جنازته أربعون ألفا، كلّهم يسمّى هارون، من بني إسرائيل، فلمّا أنكروا ما ظهر من أمرها قالوا لها: يََا أُخْتَ هََارُونَ ؛ أي يا شبيهته في الصلاح، ما كان هذا معروفا منك، و لا كان والدك ممّن يفعل القبيح، و لا تتطرّق عليه الرّيب!.

و على قول من قال إنّه كان أخاها يكون معنى قولهم: إنّك من أهل بيت الصلاح و السداد؛ لأنّ أباك لم يكن امرأ سوء، و لا كانت أمك بغيّا، و أنت مع ذلك أخت هارون المعروف بالصلاح و العفة، فكيف أتيت بما لا يشبه نسبك، و لا يعرف من مثلك!.

و يقوّي هذا القول ما رواه المغيرة بن شعبة قال: لمّا أرسلني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى أهل نجران قال لي أهلها: أ ليس نبيّكم يزعم أن هارون أخو موسى، و قد علم اللّه تعالى ما كان بين موسى و عيسى من السنين!فلم أدر ما أردّ عليهم حتى رجعت إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فذكرت ذلك فقال لي: «فهلاّ قلت إنّهم كانوا يدعون بأنبيائهم و الصالحين قبلهم» !.

و منها: أن يكون معنى قوله: يََا أُخْتَ هََارُونَ يا من هي من نسل هارون أخي موسى؛ كما يقال للرجل: يا أخا بني تميم، و يا أخا بني فلان.

و ذكر مقاتل بن سليمان في قوله تعالى: يََا أُخْتَ هََارُونَ [قال: روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «هارون الذي ذكروه هو هارون أخو موسى عليهما السّلام» .

قال مقاتل: تأويل‏] يََا أُخْتَ هََارُونَ يا من هي من نسل هارون كما قال‏

76

تعالى: وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً (1) ، وَ إِلى‏ََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً (2) يعني بأخيهم أنّه من نسلهم و جنسهم.

و كلّ قول من هذه الأقوال قد اختاره قوم من المفسّرين.

فأمّا قوله تعالى: مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا فهو كلام مبنيّ على الشرط و الجزاء، مقصود به إليهما؛ و المعنى: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلّمه! و وضع في ظاهر اللفظ الماضي موضع المستقبل، لأن الشارط لا يشرط إلاّ فيما يستقبل، فيقول القائل: إن زرتني زرتك؛ يريد إن تزرني أزرك؛ قال اللّه تعالى:

إِنْ شََاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذََلِكَ (3) يعني إن يشأ يجعل.

و قال قطرب: معنى «كان» هاهنا معنى صار؛ فكأنّ المعنى: و كيف نكلّم من صار في المهد صبيا، و يشهد بذلك قول زهير:

أجزت إليه حرّة أرحبيّة # و قد كان لون اللّيل مثل الأرندج‏ (4)

و قال غيره: «كان» هاهنا بمعنى خلق و وجد؛ كما قالت العرب: كان الحرّ، و كان البرد؛ أي وجدا و حدثا.

و قال قوم: لفظة «كان» و إن أريد بها الماضي فقد يراد بها الحال و الاستقبال؛ كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ (5) ، أي أنتم كذلك، و كذلك قوله تعالى: هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً (6) و قوله تعالى: وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً حَكِيماً (7) ؛ و إن كان قد قيل في هذه الآية الأخيرة غير هذا؛ قيل: إنّ

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 65.

(2) سورة الأعراف، الآية: 73.

(3) سورة الفرقان، الآية: 10.

(4) ديوانه: 333؛ و الرواية فيه:

زجرت عليه حرّة أرحبيّة # و قد كان لون الليل مثل اليرندج‏

-الضمير يعود إلى الطريق في البيت قبله، و الحرة: الكريمة، و الأرحبية: منسوب إلى أرحب؛ و هو بطن من همدان تنسب إليه النجائب؛ لأنها من نسله. و الأرندج و اليرندج: السواد، يسود به الخفّ.

(5) سورة آل عمران، الآية: 110.

(6) سورة الإسراء، الآية: 93.

(7) سورة النساء، الآية: 17.

غ

77

القوم شاهدوا من آثار علمه و حكمته تعالى ما شاهدوا، فأخبرهم تعالى أنّه لم يزل عليما حكيما، أي فلا تظنّوا أنّه استفاد علما و حكمة لم يكن عليهما.

و ممّا يقوي مذهب من وضع لفظة الماضي في موضع الحال و الاستقبال قوله تعالى: إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ (1) و قوله تعالى: وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ (2) ؛ و قولهم في الدعاء: غفر اللّه لك، و أطال بقاك!و ما جرى مجرى ذلك.

و معنى الكلّ يفعل اللّه ذلك بك؛ إلاّ أنّه لمّا أمن اللبس وضع لفظ الماضي في موضع المستقبل، قال الشاعر:

فأدركت من قد كان قبلي و لم أدع # لمن كان بعدي في القصائد مصعدا

أراد لمن يكون بعدي.

و ممّا جعلوا فيه المستقبل في موضع الماضي قول الصّلتان العبديّ يرثي المغيرة بن المهلّب:

قل للقوافل و الغزاة إذا غزوا # و الباكرين و للمجدّ الرّائح

إنّ الشّجاعة و السّماحة ضمّنا # قبرا بمرو على الطّريق الواضح

فإذا مررت بقبره فأعقر به # كوم الجلاد و كلّ طرف سابح

و انضح جوانب قبره بدمائها # فلقد يكون أخا دم و ذبائح‏

معناه: فلقد كان كذلك‏ (3) .

- أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [مريم: 38].

[إن سأل سائل‏]فقال: ما تأويل هذه الآية؟فإن كان المراد بها التعجّب من قوّة أسماعهم و نفاذ أبصارهم؛ فكيف يطابق ما خبّر به عنهم في مواضع كثيرة من الكتاب بأنّهم لا يبصرون و لا يسمعون و أنّ على أسماعهم و أبصارهم غشاوة؟

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 110.

(2) سورة الأعراف، الآية: 44.

(3) الأمالي، 2: 170.

78

و ما معنى قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ ؟أيّ يوم هو اليوم المشار إليه؟و ما المراد بالضلال المذكور؟.

الجواب: قلنا: أمّا قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ؛ فهو على مذهب العرب في التعجّب؛ و يجري مجرى قولهم: ما أسمعه!و ما أبصره!و المراد بذلك الإخبار عن قوّة علومهم باللّه تعالى في تلك الحال؛ و أنّهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه؛ و هذا يدلّ على أنّ أهل الآخرة عارفون باللّه تعالى ضرورة؛ و لا تنافي بين هذه الآية و بين الآيات التي أخبر تعالى عنهم فيها بأنّهم لا يسمعون و لا يبصرون؛ و بأنّ على أبصارهم غشاوة؛ لأنّ تلك الآيات تناولت أحوال التكليف، و هي الأحوال التي كان الكفّار فيها ضلاّلا عن الدين، جاهلين باللّه تعالى و صفاته. و هذه الآية تتناول يوم القيامة؛ و هو المعنى بقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتُونَنََا ؛ و أحوال القيامة لا بدّ فيها من المعرفة الضرورية. و تجري هذه الآية مجرى قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ (1) .

فأمّا قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ فيحتمل أن يريد تعالى بقوله: اَلْيَوْمَ الدّنيا و أحوال التكليف؛ و يكون الضلال المذكور إنّما هو الذّهاب عن الدين و العدول عن الحقّ، فأراد تعالى أنّهم في الدنيا جاهلون، و في الآخرة عارفون؛ بحيث لا تنفعهم المعرفة. و يحتمل أن يريد تعالى باليوم يوم القيامة؛ و يعنى تعالى «بالضلال» العدول عن طريق الجنّة و دار الثواب إلى دار العقاب؛ فكأنّه قال: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ غير أنّهم مع معرفتهم هذه و علمهم يصيرون في هذا اليوم إلى العقاب؛ و يعدل بهم عن طريق الثواب.

و قد روي معنى هذا التأويل عن جماعة من المفسّرين فروي عن الحسن في قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا قال: يقول تعالى: هم يوم القيامة سمعاء بصراء؛ لكن الظالمون اليوم في الدنيا ليسوا سمعاء و بصراء؛ و لكنّهم في ضلال عن الدين مبين.

____________

(1) سورة ق، الآية: 22.

79

و قال قتادة و ابن زيد: ذلك و اللّه يوم القيامة؛ سمعوا حين لم ينفعهم السمع، و أبصروا حين لم ينفعهم البصر.

و قال أبو مسلم بن بحر في تأويل هذه الآية كلاما جيّدا قال: معنى‏ أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ما أسمعهم!و ما أبصرهم!و هذا على طريق المبالغة في الوصف؛ يقول: فهم يوم يأتوننا أي يوم القيامة سمعاء بصراء؛ أي عالمون و هم اليوم في دار الدنيا في ضلال مبين، أي جهل واضح. قال: و هذه الآية تدلّ على أنّ قوله:

بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ (1) ليس معناه الآفة في الأذن، و العين و الجوارح؛ بل هو أنّهم لا يسمعون عن قدرة، و لا يتدبّرون ما يسمعون، و لا يعتبرون بما يرون؛ بل هم عن ذلك غافلون؛ فقد نرى أنّ اللّه تعالى جعل قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ مقابلا لقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا ، أي ما أسمعهم!و ما أبصرهم!فأقام تعالى السمع و البصر مقام الهدى؛ إذ جعله بإزاء الضلال المبين.

و أمّا أبو علي بن عبد الوهّاب فإنّه اختار في تأويل هذه الآية غير هذا الوجه، و نحن نحكي كلامه على وجهه، قال: و عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ أي أسمعهم و بصّرهم و بيّن لهم أنّهم إذا أتوا مع الناس إلى موضع الجزاء سيكونون في ضلال عن الجنّة و عن الثواب الذي يناله المؤمنون و الظالمون الذين ذكرهم اللّه تعالى هم هؤلاء توعّدهم بالعذاب في ذلك اليوم.

و يجوز أيضا أن يكون عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ، أي أسمع الناس بهؤلاء الأنبياء و أبصرهم بهم؛ ليعرفوهم و يعرفوا خبرهم، فيؤمنوا بهم، و يقتدوا بأعمالهم.

و أراد بقوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ لكن من كفر بهم من الظالمين اليوم- و هو يعني يوم القيامة-في ضلال عن الجنّة، و عن نيل الثواب، مبين.

و هذا الموضع من جملة المواضع التي استدركت على أبي علي، و ينسب

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 171.

80

فيها إلى الزلل؛ لأنّ الكلام و إن كان محتملا لما ذكره بعض الاحتمال من بعد، فإنّ الأولى و الأظهر في معنى ما تقدّم ذكره من المبالغة في وصفهم و قوله تعالى:

لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ بعد ما تقدّم لا يليق إلاّ بالمعنى الذي ذكرناه؛ لا سيما إذا حمل اليوم على أنّ المراد به يوم القيامة؛ على أنّ أبا عليّ جعل قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ من صلة قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ و تأوّله على أنّ المعنيّ به أعلمهم و بصرّهم بأنّهم يوم القيامة في ضلال عن الجنّة. و الكلام يشهد بأنّ ذلك لا يكون من صلة الأوّل و أنّ قوله تعالى:

لََكِنِ استئناف لكلام ثان.

و ما يحتاج أبو عليّ إلى هذا؛ بل لو قال على ما اختاره من التأويل: أنّه أراد أسمعهم و أبصرهم يوم يأتوننا أي ذكّرهم بأهواله، و أعلمهم بما فيه؛ ثمّ قال مستأنفا. لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ لم يحتج إلى ذكره؛ و كان هذا أشبه بالصواب.

فأمّا الوجه الثاني الذي ذكره فباطل، لأنّ قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ إذا تعلّق بالأنبياء الذين ذكرهم اللّه تعالى بقي قوله‏ يَوْمَ يَأْتُونَنََا بلا عامل و محال أن يكون ظرف لا عامل له؛ فالأقرب و الأولى أن يكون على الوجه الأوّل مفعولا.

و وجدت بعض من اعترض على أبى عليّ يقول رادّا عليه: لو كان الأمر على ما ذهب إليه أبو عليّ لوجب أن يقول تعالى: أسمعهم و أبصرهم بغير باء، و هذا الردّ غير صحيح؛ لأنّ الباء في مثل هذا الموضع غير منكر زيادتها؛ و ذلك موجود كثير في القرآن و الشعر؛ قال اللّه تعالى: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ (1) ، عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ (2) ، وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ (3) ، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ (4) .

و قال الأعشى:

ضمنت برزق عيالنا أرماحنا

____________

(1) سورة العلق، الآية: 1.

(2) سورة الإنسان، الآية: 6.

(3) سورة مريم، الآية: 25.

(4) سورة الممتحنة، الآية: 1.

81

و قال امرؤ القيس:

هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال‏ (1)

و أظنّ أبا عليّ إنّما أنّسه بهذا الجواب أنّه وجد تاليا للآية لفظ أمر؛ و هو قوله تعالى: وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْحَسْرَةِ ، فحمل الأوّل على الثاني؛ و الكلام لا تشتبه معانيه من حيث المجاورة؛ بل الواجب أن يوضع كلّ منه حيث يقتضيه معناه‏ (2) .

- فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: 59]

أنظر هود: 34 من الأمالي، 2: 211.

- وَ قََالُوا اِتَّخَذَ اَلرَّحْمََنُ وَلَداً (88) `لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) `تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ وَ تَخِرُّ اَلْجِبََالُ هَدًّا (90) `أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمََنِ وَلَداً (91) [مريم: 88-91]

أنظر الحشر: 21 من الأمالي، 1: 408 و البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) ديوانه: 19؛ و صدره:

فلما تنازعنا الحديث و أسمحت‏

تنازعنا: تعاطينا. أسمحت: لانت و انقادت؛ و يريد بالشماريخ هاهنا خصائل الشعر؛ و أصل الشمراخ: الغصن.

(2) الأمالي، 2: 87.

82

سورة طه‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ [طه: 5].

و في موضع آخر ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ (1) ، المراد به الاستيلاء، كما يقال:

«استوى فلان على كذا» أي استولى عليه، قال الشاعر:

فلمّا علونا و استوينا عليه # تركناهم صرعى كسير و كاسر

قيل: إنّ العرش هاهنا الملك و استشهد بقول الشاعر:

إذا ما بنو مرون ثلّث عروشهم # و أوذوا كما أوذت أياد و حمير (2)

و قيل: بل هو اللّه الذي أخبر اللّه تعالى بأنّ الملائكة تحمله، و إنّما خصّه بالذكر مع استيلائه تعالى على كلّ شي‏ء، من حيث كان أعظم شي‏ء خلقه، و إذا كان مستوليا على الأعظم، فبأن يكون مستوليا على الأصغر أولى، كما خصّ العالمين بقوله تعالى: رَبِّ اَلْعََالَمِينَ (3) من حيث كانوا أعظم الخلق و أشرفه، و إن كان ربّ كلّ شي‏ء.

و قوله: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ المراد به ثمّ خلق العرش و هو مستو عليه، أي مستولي، كما قال تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ اَلْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ (4) أي حتّى تجاهدوا و نحن نعلم ذلك، و مجاز هذا مشهور في اللغة.

و قيل أيضا: لا يمتنع أن يريد بقوله جلّ و عزّ: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ

____________

(1) سورة يونس، الآية: 3.

(2) تصحيح الاعتقاد: 59.

(3) سورة الفاتحة، الآية: 2.

(4) سورة محمّد، الآية: 31.

83

اَلْأَمْرَ أي ثمّ يدبّر الأمر و هو مستولي على العرش؛ لأنّ التدبير حادث فيصحّ أن يعلّق به لفظ الاستقبال‏ (1) .

- إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً [طه: 12].

و حكي أنّ واصلا كان يقول: أراد اللّه من العباد أن يعرفوه ثمّ يعملوا، ثمّ يعلّموا، قال اللّه تعالى: يََا مُوسى‏ََ (11) `إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ، فعرّفه نفسه، ثمّ قال:

فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ (2) ، فبعد أن عرّفه نفسه أمره بالعمل. قال: و الدليل على ذلك قوله تعالى: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ (2) `إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا (يعني صدقوا) وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ وَ تَوََاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) علموا و عملوا و علّموا (4) .

- إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا... [طه: 15]

أنظر الأحزاب: 10 من الأمالي، 1: 321.

- فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏ََ (67) `قُلْنََا لاََ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلى‏ََ (68) [طه: 67، 68].

فإن قيل: فمن أيّ شي‏ء خاف موسى عليه السّلام حتّى حكى اللّه تعالى عنه الخيفة في قوله «عز و جل» : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏ََ (67) أو ليس خوفه يقتضي شكّه في صحّة ما أتى به؟

الجواب: قلنا: لم يخف من الوجه الّذي تضمّنه السؤال، و إنّما رأى من قوّة التلبيس و التخييل ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم يمعن النظر، فآمنه اللّه تعالى من ذلك و بيّن له أن حجّته ستتضح للقوم بقوله تعالى: قُلْنََا لاََ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْأَعْلى‏ََ (5) .

- وَ أَلْقِ مََا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا إِنَّمََا صَنَعُوا [طه: 69].

أنظر الصافات: 95، 96 من الأمالي، 2: 203.

____________

(1) الملخص، 2: 211.

(2) سورة طه، الآية: 12.

(3) سورة العصر، الآيات: 1-3.

(4) الأمالي، 1: 179.

(5) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 106.

84

- وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ.. [طه: 71].

أنظر الصافات: 88، 89 من التنزيه: 45.

- وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ اَلصََّالِحََاتِ فَأُولََئِكَ لَهُمُ اَلدَّرَجََاتُ اَلْعُلى‏ََ [طه: 75].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- فَغَشِيَهُمْ مِنَ اَلْيَمِّ مََا غَشِيَهُمْ [طه: 78].

[إن سأل سائل‏]فقال: ما الفائدة في قوله: مََا غَشِيَهُمْ ، و قوله: غَشِيَهُمْ يدل عليه، و يستغنى به عنه، لأنّ‏ غَشِيَهُمْ لا يكون إلاّ الذي غشيهم، و ما الوجه في ذلك؟

قلنا: قد ذكر في هذا أجوبة:

أحدها: أن يكون المعنى: فغشيهم من اليمّ البعض الذي غشيهم، لأنّه لم يغشهم جميع مائه، بل غشيهم بعضه، فقال تعالى: مََا غَشِيَهُمْ ؛ ليدلّ على أنّ الذي غرّقهم بعض الماء، و أنّهم لم يغرقوا بجميعه؛ و هذا الوجه حكي عن الفرّاء، و ذكره أبو بكر الأنباريّ، و اعتمده، و غيره أوضح منه.

و اليم هو البحر، قال الشاعر:

و بنى تبّع علي اليمّ قصرا # عاليا مشرفا على البنيان‏

و ثانيها: أن يكون المعنى: فغشيهم من اليمّ ما غشى موسى و أصحابه؛ و ذلك أنّ موسى عليه السّلام و أصحابه، و فرعون و أصحابه سلكوا جميعا البحر، و غشيهم كلّهم؛ إلاّ أنّ فرعون و قومه لمّا غشيهم غرّقهم، و موسى عليه السّلام و قومه جعل لهم في البحر طريق يبس، فقال تعالى: فغشى فرعون و قومه من ماء اليم ما غشى موسى و قومه، فنجا هؤلاء، و هلك هؤلاء. و على هذا الوجه و التأويل تكون الهاء في قوله: مََا غَشِيَهُمْ كناية عن غير من كنّي عنه بقوله: فَغَشِيَهُمْ ؛ لأنّ الأولى كناية عن فرعون و قومه، و الثانية كناية عن موسى و قومه.

و ثالثها: أنّه غشيهم من عذاب اليمّ و إهلاكه لهم ما غشى الأمم السالفة من العذاب و الهلاك عند تكذيبهم أنبياءهم، و إقامتهم على ردّ أقوالهم و العدول عن

85

إرشادهم، و الأمم السالفة؛ و ان لم يغشهم العذاب و الإهلاك من قبل البحر، فقد غشيهم عذاب و إهلاك استحقّوهما بكفرهم و تكذيبهم أنبياءهم، فشبّه بينه و بين هؤلاء من حيث اشتمال العذاب على جميعهم عقوبة على التكذيب.

و رابعها: أن يكون المعنى: فغشيهم من قبل اليمّ ما غشيهم من العطب و الهلاك؛ فتكون لفظة «غشيهم» الأولى للبحر و الثانية للهلاك و العطب اللذين لحقاهم من قبل البحر.

و يمكن في الآية وجه آخر لم يذكر فيها، يليق بمذاهب العرب في استعمال مثل هذا اللفظ، و هو أن تكون الفائدة في قوله تعالى: مََا غَشِيَهُمْ تعظيم الأمر و تفخيمه؛ كما يقول القائل: فعل فلان ما فعل، و أقدم على ما أقدم، إذا أراد التفخيم و كما قال تعالى: وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اَلَّتِي فَعَلْتَ (1) ، و ما يجري هذا المجرى؛ و يدخل في هذا الباب قولهم للرجل: هذا هذا، و أنت أنت. و في القوم: هم هم؛ قال الهذليّ‏ (2) :

رفوني و قالوا: يا خويلد لا ترع # فقلت، و أنكرت الوجوه: هم هم‏ (3)

و قال أبو النجم:

أنا أبو النّجم، و شعري شعري‏ (4)

كلّ ذلك أرادوا تعظيم الأمر و تكبيره‏ (5) .

- وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ مََا هَدى‏ََ [طه: 79]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) سورة الشعراء، الآية: 19.

(2) هو أبو خراش الهذلي.

(3) ديوان الهذليين: 2/144. و رفوني: سكنوني، و أصلها: «رفئوني» ، بالهمز.

(4) معاهد التنصيص، و بعده:

للّه درّي ما يجنّ صدري‏

(5) الأمالي، 1: 339.

86

- وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى‏ََ [طه: 82]

أنظر البقرة: 225 من الذخيرة: 603.

- وَ أَضَلَّهُمُ اَلسََّامِرِيُّ [طه: 85]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177: إلى 247.

- قََالُوا مََا أَخْلَفْنََا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنََا وَ لََكِنََّا حُمِّلْنََا أَوْزََاراً مِنْ زِينَةِ اَلْقَوْمِ فَقَذَفْنََاهََا فَكَذََلِكَ أَلْقَى اَلسََّامِرِيُّ (87) `فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوََارٌ فَقََالُوا هََذََا إِلََهُكُمْ وَ إِلََهُ مُوسى‏ََ فَنَسِيَ (88) [طه: 87-88].

[فيها أمران: ]

[الأوّل: ان سأل سائل: ]إذا كان اتيان اللّه تعالى الآية بمن يعلم أنّه يستفسد بها العباد و يدعوهم لأجلها إلى الضلال و الفساد، مستحيلا في العقول لما يؤدي إليه من انسداد الطريق إلى معرفة الصادق من الكاذب عليه، و لكون ذلك وهنا في حكمته تعالى و علمه بالقبح و غناه عنه.

فكيف جاز أن يمكّن السامري من أخذ القبضة التي فعل اللّه تعالى الخوار في العجل عند إلقائه لها فيه، و قد كان مغويا لاتّباع بني إسرائيل له بطاعتهم إياه و قبولهم منه و إذعانهم إليه؟

و قد نطق القرآن بذلك في قوله سبحانه: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوََارٌ فَقََالُوا هََذََا إِلََهُكُمْ وَ إِلََهُ مُوسى‏ََ (1) إلى آخر القول، و قال سبحانه حكاية عن موسى عليه السّلام: فَمََا خَطْبُكَ يََا سََامِرِيُّ (95) `قََالَ بَصُرْتُ بِمََا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ اَلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهََا وَ كَذََلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) (2) .

و جاءت الاخبار بأنّه أخذ هذه القبضة من تحت قدمي الملك، و قال: إنّه رآه و قد وطى‏ء مواتا فعاش‏ (3) .

و كيف ساغ تمكينه من ذلك؟فقد استدعى به بني إسرائيل إلى الضلال و كان

____________

(1) سورة طه، الآية: 88.

(2) سورة طه، الآيتان: 95، 96.

(3) الدرّ المنثور 4/305.

87

معلها (1) كونه منه بهذه القبضة للّه تعالى. و هل يجي‏ء من كون ذلك قادحا في حكمة اللّه سبحانه كون العقول دالّة على بطلان ما دعى اليه و فعل الآية مع المبطل من فاعلها، سواء كان ما ادعى إليه جائزا في العقول، أو في حيّز المحال؛ لأنّها ينوب في التصديق له مناب قوله: قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا (2) .

و اذ لا فرق بين تصديقه فعلا و قولا، و من صدق كاذبا فليس بحكيم. و هل يجي‏ء من ذلك ما يمكن بتجويزه من تقدّم القاء القبضة و الخوار من دعوى السامري.

و أيّ فرق بين كون ذلك الذي ادّعاه شافعا للخوار و بين تقدّمه له في قبح تمكينه منه، مع العلم أنّه يستند به لكون القبضة و الالقاء معلومين للناس من جهته و صنعه؟

و ليس يجري ذلك مجرى ما يشاهده الناس من أن يتقدّم على دعواه داع إلى الباطل أو يتأخّر عنها؛ لأنّ ذلك لا يكون معلوما وقوعه منه و حصوله من فعله، كما حصل القاء القبضة معلوما من جهة السامري، و شفع إلقاءه لها الخوار الذي وقع الفتنة به. فلينعم بما عنده في ذلك.

الجواب:

إعلم أنّ العلماء قد تأوّلوا هذه الآية على وجهين، كلّ واحد منهما يزيل المعترضة فيها:

أحدهما-و هو الأقوى و الارجح-: أن يكون الصوت المسموع من العجل ليس بخوار على الحقيقة، و إن أشبه في الظاهر ذلك. و إنّما احتال السامري بأن جعل في الذي صاغه من الحلي على هيئة العجل فرجا و منافذ و قابل به الريح، فسمعت تلك الأصوات المشبهة للخوار المسموعة من الحيّ‏

و إنّما أخذ قبضة التراب من أثر الملك و ألقاها فيما كان سبك من الحلي

____________

(1) كذا في النسخة.

(2) سورة الصافات، الآية: 105.

88

ليوهمهم أنّ القبضة هي التي أثّرت كون العجل حيّا مسموع الاصوات، و هذا مسقط للشبهة.

و الوجه الآخر: أنّ اللّه تعالى كان أجرى العادات في ذلك الوقت، بأنّ من أخذ مثل تلك و ألقاها في شي‏ء فعل اللّه تعالى فيه الحياة بالعادة، كما أجرى العادة في حجر المغناطيس، بأنّه إذا قرب من الحديد فعل اللّه تعالى فيه الحركة إليه. و إذا وقعت النطفة في الرحم فعل اللّه تعالى فيها الحياة.

و على الجوابين معا ما فعل اللّه تعالى آية معجزة على يد كذّاب و من ضلّ عن القوم عند فعل السامري، إنّما أتى من قبل نفسه.

أمّا على الجواب الأوّل أنّه كان ينبغي أن يتنبّه على الحيلة التي نصبت حتى أوهمت أنّه حيّ و أنّ له خوار، و إذا لم يبحث عن ذلك فهو القاصر.

و على الجواب الثاني قد كان يجب أن يعلم أنّ ذلك إذا كان مستندا إلى عادة جرت بمثله، فلا حجّة فيه و ليس بمعجزة. و لم يبق مع ما ذكرناه شبهة (1) .

[الثاني: أقول: حكى السيّد عن القاضي كلاما يردّ فيه وجود نصّ على إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام حيث قال: «إنّ الاختلاف في هذا النص في عصر الصحابة غير جائز؛ لأنّه لو توفّر النصّ عندهم و كان معلوما لجميعهم لما جرت الأمور في الإمامة على الحدّ الذي جرت عليه، بل كان يجب أن يكونوا مضطرّين إلى معرفة إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام، و لو كان كذلك لما صحّ ما قد ثبت عنهم من مواقف الإمامة» (2) انتهى ملخصا، ثمّ نقل السيّد كلاما طويلا عن أبي جعفر ابن قبّة رحمه اللّه في كتابه «الانصاف» يعالج فيه مشكلة ما جرى في الإمامة مع وجود النص، و أضاف إليه أمورا أخر، ثمّ بدأ بنقض ما ادّعاه القاضي «من انه مع وجود النصّ يجب أن يكونوا مضطرّين إلى معرفة إمامة أمير المؤمنين» بأنه لا ملازمة بين العلم بالنصّ و عدم وقوفهم في أمر الإمامة تلك المواقف؛ إذ يمكن أن يدفعوا الضرورة في النص و يعملوا بخلافه لا على جهة

____________

(1) الرسائل، 1: 420.

(2) المغني، 20: 119.

89

التعمّد، بل لدواع أخر-إلى أن قال: -] (1) و قد جرت العادات التي لا يتمكّن أحد من دفعها بعمل الجماعات بخلاف ما نعلمه لبعض الأغراض و كتمان ما نعرفه لمثل ذلك، و قد نطق الكتاب بمثله قال اللّه تعالى مخبرا عن أهل الكتاب:

يَعْرِفُونَهُ كَمََا يَعْرِفُونَ أَبْنََاءَهُمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (2) و قال جل ذكره: وَ جَحَدُوا بِهََا وَ اِسْتَيْقَنَتْهََا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا (3) . و قد علمنا من جهة القرآن أيضا و الأخبار ما وقع من ضلال قوم موسى عند دعاء السامري لهم إلى عبادة العجل، و كثرة من اغترّ به و مال إلى قوله مع قرب عهدهم بنبيهم صلى اللّه عليه و سلّم و كثرة ما تكرر على أسماعهم من بيانه و حججه التي يقتضي جميعها توقي الشبهة بنفي التشبيه عن ربّه تعالى، و لعلّ من ضلّ بعبادة العجل من قوم موسى عليه السّلام كانوا أكثر من جميع المسلمين الذين كانوا في المدينة لما قبض الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و إذا جاز الضلال و العدول عن المعلوم على أنّه من الأمم فهو على جماعة من جملة أمّة أجوز، و الذي يقوله المخالفون عند احتجاجنا بقصة السامري من أنّ ضلال قوم موسى لعبادة العجل إنّما كان للشبهة لا على طريق التعمّد و العناد، و قولكم في النصّ يخالف هذا؛ لأنّه كان معلوما لهم عندكم فعدلوا عنه و عملوا بخلافه، غير صحيح؛ لأنّ القوم الذين ضلّوا بالسامري قد كانوا من أمّة موسى عليه السّلام و ممن سمع حججه و بيّناته، و عرف شرعه و دينه، و ما كان يدعو إليه، و نحن نعلم أن المعلوم من دين موسى لهم نفي التشبيه عن خالقه، و أنّه دعاهم إلى عبادة من لا يشبه الأجسام و لا يحلّها (4) ، و إذا كانوا عارفين بهذا من دينه ضرورة، فليس تدخل عليهم شبهة فيه إلاّ من حيث شكّوا في نبوته، و اعتقدوا أنّ ما دعاهم إليه ليس بصحيح، و لم يكن القوم الذين ضلّوا بالسامري ممن أظهر الشكّ في نبوّة موسى عليه السّلام و الخروج عن دينه، بل الظاهر عنهم أنّهم كانوا مع عبادتهم له متمسّكين بشريعته، و لهذا قال لهم السامري:

____________

(1) الشافي في الإمامة و ابطال العامّة، 2: 125، 132.

(2) سورة البقرة، الآية: 146.

(3) سورة النمل، الآية: 14.

(4) أي يحلّ فيها.

90

هََذََا إِلََهُكُمْ وَ إِلََهُ مُوسى‏ََ مشيرا إلى العجل، فلم يبق مع ضلالهم بالعجل و عبادتهم له، إلاّ العمل بخلاف المعلوم لبعض الأغراض‏ (1) .

- وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ إِلََهِكَ اَلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عََاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي اَلْيَمِّ نَسْفاً [طه: 97].

... لم يكن الهه على الحقيقة، بل كان كذلك فى اعتقاده‏[و اراد اللّه ذمه و الازراء على اعتقاده‏] (2) .

- وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:

114].

[إن سأل سائل‏]فقال: ما معنى هذه الآية؟فإنّ ظاهرها لا يدلّ على تأويلها.

الجواب: قلنا: قد ذكر المفسّرون في هذه الآية وجهين نحن نذكرهما، و نوضّح عنهما، ثمّ نتلوهما بما خطر لنا فيهما زائدا على المسطور.

و أحد ما قيل في هذه الآية: أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان إذا نزل عليه القرآن و سمعه من جبرائيل قرأ عليه السّلام معه ما يوحى به إليه من القرآن أوّلا قبل استتمامه و الانتهاء إلى المنزّل منه في الحال، و قطع الكلام عليها، و إنّما كان يفعل النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ذلك حرصا على حفظه و ضبطه، و خوفا من نسيان بعضه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ليثبت النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في تلاوة ما يسمعه من القرآن، حتّى ينتهي إلى غايته لتعلّق بعض الكلام ببعض.

قالوا: و نظير هذه الآية قوله تعالى: لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) `إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ (17) `فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) `ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ (19) (3) ؛ فضمن اللّه تعالى أن يجمع له عليه السّلام حفظ القرآن، ثمّ يثبته في صدره، ليؤدّيه إلى أمّته،

____________

(1) الشافي في الإمامة و ابطال حجج العامة، 2: 133، 134.

(2) الشافي في الإمامه و إبطال حجج العامّة، 3: 113 و راجع أيضا الرسائل، 1: 433.

(3) سورة القيامة، الآيات: 16-19.

91

و أسقط عنه كلفة الاستعجال بترداد تلاوته، و المسابقة إلى تلاوة كلّ ما يسمعه منه؛ تخفيفا عنه و ترفيها له، و أكّدوا ذلك بقوله تعالى: فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أي إذا انتهينا إلى غاية ما تريد إنزاله في تلك الحال، فحينئذ اتّبع قراءة ذلك و تلاوته، فلم يبق منه ما ينتظر في الحال نزوله.

و الوجه الآخر أنهم قالوا: إنّما نهى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن تلاوة القرآن على أمّته و أداء ما يسمعه منه إليهم، قبل أن يوحى اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ببيانه، و الإيضاح عن معناه و تأويله؛ لأنّ تلاوته على من لا يفهم معناه، و لا يعرف مغزاه لا تحسن.

قالوا: و معنى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ المراد به: قبل أن يقضي إليك وحي بيانه، و تفسير معناه؛ لأنّ لفظة «القضاء» و إن كانت على وجوه معروفة في اللغة، فهي هاهنا بمعنى الفراغ و الانتهاء إلى الغاية؛ كما قال تعالى:

فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (1) .

و كما قال الشاعر:

و لمّا قضينا من منى كلّ حاجة # و مسّح بالأركان من هو ماسح‏ (2)

أي فرغنا من حاجاتنا، و انتهينا إلى غاية الوطر منها.

فأمّا الجواب الثالث الزائد على ما ذكر: فهو أنّه غير ممتنع أن يريد: لا تعجل بأن تستدعي من القرآن ما لم يوح إليك به؛ فإنّ اللّه تعالى إذا علم مصلحة في إنزال القرآن عليك أمر بإنزاله، و لم يدّخره عنك؛ لأنّه لا يدخّر عن عباده الاطّلاع لهم على مصالحهم.

فإن قيل على هذا الوجه: إنّه يخالف الظاهر؛ لأنّه تعالى قال: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ و لم يقل بطلبه و استدعائه، و الظاهر يقتضي أنّ الاستعجال بنفس القرآن لا بغيره.

قلنا: الأمر على ما ظنّه السائل. و على الوجوه الثلاثة في تأويل الآية لا بدّ من تقدير ما ليس في الظاهر؛ لأنّ على الوجهين الأولين المذكورين لا بدّ من أن

____________

(1) سورة فصلت، الآية: 12.

(2) البيت ينسب لكثير؛ و انظر الجزء الأول.

92

يقدّر: لا تعجل بتلاوة القرآن؛ إمّا على سبيل الدرس و التحفّظ على ما ذكر في الوجه الأول، و[إمّا]أن يتلوه على أمّته قبل إنزال البيان‏[على الوجه الثاني‏].

و أيّ فرق في مخالفة الظاهر؛ بين أن يقدّر: و لا تعجل بتلاوة القرآن، أو يقدّر:

لا تعجل بطلب القرآن و استدعاء نزوله؟.

فإن قيل: هذا يدلّ على وقوع معصية من النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في استدعائه ما لم يكن له أن يستدعيه من القرآن؛ لأنّ النهي لا يكون إلاّ عن قبيح.

قلنا: النهي لا يكون إلاّ عن قبيح لا محالة؛ لكنّ النهي لا يدلّ على وقوع الفعل المنهيّ عنه؛ لأنّه قد ينهى عن الفعل من لم يواقعه قطّ و لا يواقعه، ألا ترى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم نهي عن الشرك و سائر القبائح؛ كما نهينا، و لم يدلّ ذلك على وقوع شي‏ء ممّا نهي عنه منه!.

و هذا أيضا يمكن أن يكون جوابا لمن اعتمد على الوجهين الأوّلين إذا قيل له: أفوقع منه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم تلاوة القرآن على أمّته قبل نزول بيانه، أو عجل بتكريره على سبيل الدرس كما نهي عنه؟.

و يمكن من اعتمد على الوجه الأوّل في تأويل الآية أن يقول في قوله تعالى: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ و إن كان ظاهره النهي ليس بنهي على الحقيقة؛ و قد يرد ما هو بلفظ النهي و هو غير نهي على التحقيق، كما يرد ما هو بصفة الأمر و ليس بأمر؛ و إنّما ذلك تخفيف عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و ترفيه، و رفع كلفة المشقّة، فقيل له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا تتكلّف المسابقة إلى تكرير ما ينزل عليك خوفا من أن تنساه؛ فإنّ اللّه تعالى يكفيك هذه المؤونة، و يعينك عن حفظه و ضبطه؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ ؛ أي جمعه في حفظك و تأمورك‏ (1) .

و بعد؛ فإنّ الأولى التوقّف عن معرفة غاية الكلام التي ينتهي إليها، و يقطع عليها. و التلاوة لما يرد منه الأوّل فالأوّل؛ تلاوة لما لا يعرف معناه؛ لتعلّق الكلام بعضه ببعض؛ فندب صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى الأولى من التوقّف على غايته.

____________

(1) التأمور: القلب.

غ

93

و أمّا الوجه الثاني الذي اعتمد فيه على أنّ النهي إنّما هو عن تلاوته على الأمة قبل نزول بيانه؛ فإن كان المعتمد على ذلك يقول: ليس يمتنع أن تكون المصلحة في التوقّف عن الأداء قبيل البيان؛ فنهي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن ذلك؛ لأنّ المصلحة في خلافه؛ فهذا جائز لا مطعن فيه؛ و إن كان القصد إلى أنّ الخطاب لا يحسن إلاّ مع البيان؛ على مذهب من يرى أنّ البيان لا يتأخّر عن الخطاب؛ فذلك فاسد، لأنّ الصحيح أنّ البيان يجوز أن يتأخّر عن وقت الخطاب؛ و إنّما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.

و قد بيّنّا الكلام في هذه المسألة، و الأدلّة على صحّة ما ذهبنا إليه منها في مواضع من كتبنا، و تكلّمنا على فساد قول من أوجب اقتران البيان بالخطاب، على أنّ من اعتمد على هذه الطريقة في هذا الموضع فقد غلط؛ لأنّ الآية تدلّ على أنّ اللّه تعالى قد خاطب نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بما يحتاج إلى بيان من غير انضمام البيان إليه. و إذا جاز ذلك في خطابه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم جاز مثله في خطاب النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لأمته؛ لأنّ من أبطل تأخير البيان عن زمان الخطاب يوجب ذلك في كلّ خطاب.

و ليس يمكن أن يدّعى أنّه تعالى قد بيّن له؛ لأنّ تأويلهم يمنع من ذلك؛ لأنّه قيل له على هذا الوجه: لا تعجل بتلاوة القرآن على أمّتك قبل أن يقضى إليك وحيه؛ يعني قبل أن ينزل إليك بيانه؛ فالبيان متأخّر عنه على ذلك الوجه؛ و ذلك قبيح على مذهب من منع من تأخير البيان من وقت الخطاب.

و التأويل الذي ذكرناه زائدا على الوجهين المذكورين يمكن أن تفسّر به الآية الأخرى التي هي قوله تعالى: لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ ، بطلب ما لم ينزل عليك من القرآن؛ فإنّ علينا إنزال ما تقتضي المصلحة إنزاله عليك و جمعه لك؛ و قوله تعالى: فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) `ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ (19) ، يدلّ ظاهره على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنّه تعالى أمره: إذا قرأ عليه الملك و أوحى به إليه أن يقرأه، ثمّ صرّح بأنّ البيان يأتي بعده؛ فإنّ «ثمّ» لا يكون إلاّ للتراخي، و ما هو مقترن بالشي‏ء لا تستعمل فيه لفظة «ثمّ» ألا ترى أنّه لا يقال: أتاني زيد

94

ثمّ عمرو، و إنّما حضرا في وقت واحد! (1) .

- وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115]

أنظر البقرة: 286 من الأمالي، 2: 114 و الكهف: 56، 70 من التنزيه:

118.

- وَ عَصى‏ََ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ََ [طه: 121].

قالوا: و هذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلاّ قبيحة، و أكدّه بقوله:

فَغَوى‏ََ ، و هذا تصريح بوقوع المعصية، و الغيّ ضدّ الرشد.

الجواب: يقال: لهم أمّا المعصية فهي مخالفة الأمر، و الأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب و بالمندوب معا، فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم عليه السّلام مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة، و يكون بمواقعتها تاركا نفلا و فضلا و غير فاعل قبيحا، و ليس يمتنع أن يسمّى تارك النفل عاصيا، كما يسمّى بذلك تارك الواجب؛ فإن تسمية من خالف ما أمر به سواء كان واجبا أو نفلا بأنّه عاص ظاهرة، و لهذا يقولون: «أمرت فلانا بكذا و كذا من الخير فعصاني و خالفني» ، و إن لم يكن ما أمره به واجبا، و أما قوله «فغوى» ، فمعناه أنّه خاب؛ لأنّا نعلم أنّه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لأستحقّ الثواب العظيم، فإذا خالف الأمر و لم يصر إلى ما ندب إليه، فقد خاب لا محالة، من حيث أنّه لم يصر إلى الثواب الّذي كان يستحقّ بالامتناع، و لا شبهة في أنّ لفظ «غوى» يحتمل الخيبة. قال الشاعر:

فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره # و من يغو لا يعدم على الغيّ لائما (2) (3)

[على‏]انّ قوله تعالى: فَغَوى‏ََ بعد قوله: وَ عَصى‏ََ آدَمُ رَبَّهُ لا يليق إلاّ بالخيبة، و لا يليق بالغي الّذي هو القبيح و ضدّ الرشد؛ لأنّ الشي‏ء يعطف على

____________

(1) الأمالي، 2: 300.

(2) البيت للمرقش الأصغر راجع الأغاني 2: 158.

(3) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 25.

95

نفسه، و لا يكون سببا في نفسه، و محال أن يقال: عصى فعصى. و لا بدّ أن يراد بما عطف بالفاء غير المعنى الأوّل.

و الخيبة هي حرمان الثواب بالمعصية الّتي هي ترك المندوب و سبب فيها، فجاز أن يعطف عليها. و الغي الّذي هو الفعل القبيح، و لا يجوز عطفه على المعصية و لا أن يكون سببا فيه.

فإن قالوا: ما المانع من أن يريد بعصى أي لم يفعل الواجب من الكف عن الشجرة. و الواجب يستحقّ بالإخلال به حرمان الثواب، كالفعل المندوب إليه، فكيف رجحتم ما ذهبتم إليه على ما ذهبنا نحن إليه؟

قلنا: الترجيح لقولنا ظاهر. إذ الظاهر من قوله تعالى: «عصى فغوى» أن الذي دخلته الفاء جزاء على المعصية، و أنه كلّ الجزاء المستحقّ بالمعصية؛ لأنّ الظاهر من قول القائل: سرق فقطع، و قذف فجلد ثمانين، أن ذلك جميع الجزاء لا بعضه.

و كذا إذا قال القائل: من دخل داري فله درهم، حملناه على أن الظاهر يقتضي أن الدرهم جميع جزائه، و لا يستحقّ بالدخول سواه.

و من لم يفعل الواجب استحقّ الذمّ و العقاب و حرمان الثواب، و من لم يفعل المندوب إليه فهو غير مستحقّ لشي‏ء كان تركه للندب سببا تامّا فيه إلاّ حرمان الثواب فقط. و بينا أن من لم يفعل الواجب ليس كذلك، و إذا كان الظاهر يقتضي أن ما دخلته الفاء جميع الجزاء على ذلك السبب لم يلق إلاّ بما قلناه دون ما ذهبوا إليه، و هذا واضح لمن تدبّره‏ (1) .

فإن قيل: كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية؟أو ليس هذا يوجب أن توصف الأنبياء عليه السّلام بأنّهم عصاة في كلّ حال، و أنّهم لا ينفكّون من المعصية؛ لأنّهم لا يكادون ينفكّون من ترك الندب؟.

قلنا: وصف تارك الندب بأنّه عاص توسّع و تجوّز، و المجاز لا يقاس عليه

____________

(1) الرسائل، 1: 123.

96

و لا يعدّى به عن موضعه. و لو قيل: إنّه حقيقة في فاعل القبيح و تارك الأولى و الأفضل، و لم يجز إطلاقه أيضا في الأنبياء عليهم السّلام إلاّ مع التقييد؛ لأنّ استعماله قد كثر في القبائح، فإطلاقه بغير تقييد موهم، لكنا نقول: ان أردت بوصفهم بأنّهم عصاة أنّهم فعلوا القبائح، فلا يجوز ذلك، و إن أردت انّهم تركوا ما لو فعلوه استحقّوا الثواب و كان أولى، فهم كذلك.

فإن قيل: فأيّ معنى لقوله تعالى: ثُمَّ اِجْتَبََاهُ رَبُّهُ فَتََابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏ََ (1) و أيّ معنى لقوله تعالى: فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ فَتََابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ (2) فكيف تقبل توبة من لم يذنب؟أم كيف يتوب من لم يفعل القبيح؟

قلنا: أمّا التوبة في اللغة: الرجوع، و يستعمل في واحد منّا و في القديم تعالى. و الثاني: أنّ التوبة عندنا و على أصولنا فغير موجبة لاسقاط العقاب، و إنّما يسقط اللّه تعالى العقاب عندها تفضّلا، و الذي توجبه التوبة و تؤثّره هو استحقاق الثواب، فقبولها على هذا الوجه إنّما هو ضمان الثواب عليها. فمعنى قوله تعالى: «تاب عليه» أنّه قبل توبته و ضمن له ثوابها، و لا بدّ لمن ذهب إلى أنّ معصية آدم عليه السّلام صغيرة من هذا الجواب؛ لأنّه إذا قيل له: كيف تقبل توبته و تغفر له و معصيته قد وقعت في الأصل مكفّرة لا يستحقّ عليها شيئا من العقاب؟ لم يكن له بدّ من الرجوع إلى ما ذكرناه، و التوبة قد تحسن أن تقع ممّن لا يعهد من نفسه قبيحا على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى و الرجوع إليه، و يكون وجه حسنها في هذا الموضع إستحقاق الثواب بها أو كونها لفظا، كما يحسن أن تقع ممّن يقطع على أنّه غير مستحقّ للعقاب، و أنّ التوبة لا تؤثّر في اسقاط شي‏ء يستحقّه من العقاب، و لهذا جوّزوا التوبة من الصغائر و إن لم تكن مؤثّرة في إسقاط ذمّ و لا عقاب.

فإن قيل: الظاهر من القرآن بخلاف ما ذكرتموه؛ لأنّه أخبر أنّ آدم عليه السّلام منهي عن أكل الشجرة بقوله: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ (3) و بقوله:

____________

(1) سورة طه، الآية: 122.

(2) سورة البقرة، الآية: 37.

(3) سورة البقرة، الآية: 35.

97

أَ لَمْ أَنْهَكُمََا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ ؟ (1) و هذا يوجب بأنّه عليه السّلام عصى بأن فعل منهيا عنه و لم يعص بأن ترك مأمورا به.

قلنا: أما النهي و الأمر معا فليسا يختصّان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال و لا اشتراك، و قد يؤمر عندنا بلفظ النهي و ينهى بلفظ الأمر، فإنّما يكون النهي نهيا بكراهة المنهّي عنه. فإذا قال تعالى: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ ، و لم يكره قربها، لم يكن في الحقيقة ناهيا، كما أنّه تعالى لمّا قال: اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ (2) وَ إِذََا حَلَلْتُمْ فَاصْطََادُوا (3) ، و لم يرد ذلك، لم يكن أمرا. فإذا كان قد صحّ قوله وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ إرادة لترك التناول، فيجب أن يكون هذا القول أمرا، و إنّما سماه منهيا عنه، و يسمّى أمره له بأنّه نهي من حيث كان فيه معنى النهي؛ لأنّ‏[في‏]النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل، و تزهيدا في الفعل نفسه. و لمّا كان الأمر ترغيبا في الفعل المأمور به و تزهيدا في تركه، جاز أن يسمّى نهيا.

و قد يتداخل هذان الوصفان في الشاهد فيقول أحدنا: «قد أمرت فلانا بأن لا يلقى الأمير» و إنّما يريد أنّه نهاه عن لقائه، و يقول: «نهيتك عن هجر زيد» و إنّما معناه أمرتك بمواصلته.

فإن قيل: ألاّ جعلتم النهي منقسما إلى منهي قبيح و منهي غير قبيح، بل يكون تركه أفضل من فعله، كما جعلتم الأمر منقسما إلى واجب و غير واجب؟

قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهر؛ لأنّ انقسام المأمور به في الشاهد إلى واجب و غير واجب غير مدفوع، و لا خاف، و ليس يمكن أحدا أن يدفع أنّ في الأفعال الحسنة التي يستحقّ بها المدح و الثواب ما له صفة الوجوب، و فيها ما لا يكون كذلك، فإذا كان الواجب مشاركا للندب في تناول الارادة له و استحقاق الثواب و المدح به، فليس يفارقه إلاّ بكراهة الترك؛ لأنّ الواجب تركه مكروه و النفل ليس كذلك. فلو جعلنا الكراهة تتعلّق بالقبيح و غير القبيح من الحكيم

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 22.

(2) سورة فصلت، الآية: 40.

(3) سورة المائدة، الآية: 2.

98

تعالى، و كذلك النهي، كما جعلنا الأمر منه يتعلّق بالواجب و غير الواجب، لارتفع الفرق بين الواجب و الندب مع ثبوت الفصل بينهما في العقول.

فإن قيل: فما معنى حكايته تعالى عنهما قولهما: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا (1) و قوله تعالى: فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ (2) ؟

قلنا: معناه أنّا نقصنا أنفسنا و بخسناها ما كنّا نستحقّه من الثواب بفعل ما أريد منا من الطاعة، و حرمناها الفائدة الجليلة من التعظيم من ذلك الثواب، و إن لم يكن مستحّقا قبل أن يفعل الطاعة الّتي يستحقّ بها، فهو في حكم المستحقّ، فيجوز أن يوصف بذلك من فوّت نفسه بأنّه ظالم لها، كما يوصف من فوّت نفسه المنافع المستحقّة. و هذا معنى قوله تعالى: فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ .

فإن قيل: فإذا لم تقع من آدم عليه السّلام على قولكم معصية، فلم أخرج من الجنّة على سبيل العقوبة و سلب لباسه على هذا الوجه لو لا أن الاخراج من الجنّة و سلب اللباس على سبيل الجزاء على الذنب، كما قال اللّه تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطََانُ لِيُبْدِيَ لَهُمََا مََا وُورِيَ عَنْهُمََا مِنْ سَوْآتِهِمََا (3) و قال تعالى في موضع آخر:

فَأَخْرَجَهُمََا مِمََّا كََانََا فِيهِ (4) ؟

قلنا: نفس الاخراج من الجنة لا يكون عقابا؛ لأنّ سلب اللّذات و المنافع ليس بعقوبة، و إنّما العقوبة هي الضرب و الألم الواقعان على سبيل الاستخفاف و الاهانة، و كذلك نزع اللباس و إبداء السوأة، فلو كانت هذه الأمور ممّا يجوز أن تكون عقابا و يجوز أن يكون غيره لصرفناها عن باب العقاب إلى غيره، بدلالة أنّ العقاب لا يجوز أن يستحقّه الأنبياء عليهم السّلام. فإذا فعلنا ذلك فيما يجوز أن يكون واقعا على سبيل العقوبة، فهو أولى فيما لا يجوز أن يكون كذلك.

فإن قيل: فما وجه ذلك إن لم تكن عقوبة؟

قلنا: لا يمتنع أن يكون اللّه تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية آدم عليه السّلام

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 23.

(2) سورة البقرة: 35، سورة الأعراف، الآية: 19.

(3) سورة الأعراف، الآية: 20.

(4) سورة البقرة، الآية: 36.

غ

99

في الجنّة و تكليفه فيها متى لم يتناول من الشجرة، فمتى تناول منها تغيّرت الحال في المصلحة و صار إخراجه عنها و تكليفه في دار غيرها هو المصلحة. و كذلك القول في سلب اللباس حتّى يكون نزعه بعد التناول من الشجرة هو المصلحة كما كانت المصلحة في تبقيته قبل ذلك، و إنّما وصف إبليس بأنّه مخرج لهما من الجنّة من حيث وسوس إليهما و زيّن عندهما الفعل الّذي يكون عنده الاخراج، و إن لم يكن على سبيل الجزاء عليه لكنّه يتعلّق به تعلّق الشرط في مصلحته، و كذلك وصف بأنّه مبدى‏ء لسوآتهما من حيث أغواهما، حتّى أقدما على ما سبق في علم اللّه تعالى بأنّ اللباس معه ينزع عنهما، و لا بدّ لمن ذهب إلى أنّ معصية آدم عليه السّلام صغيرة لا يستحقّ بها العقاب من مثل هذا التأويل، و كيف يجوز أن يعاقب اللّه تعالى نبيّه بالاخراج من الجنة أو غيره من العقاب، و العقاب لا بدّ من أن يكون مقرونا بالاستخفاف و الاهانة؟و كيف يكون من تعبّدنا اللّه فيه بنهاية التعظيم و التبجيل مستحّقا منا و منه تعالى الاستخفاف و الاهانة؟و أيّ نفس تسكن إلى مستخفّ بقدره مهان موبّخ مبكت؟و ما يجيز مثل ذلك على الأنبياء عليه السّلام إلاّ من لا يعرف حقوقهم و لا يعلم ما تقضيه منازلهم‏ (1) .

- وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أَعْمى‏ََ (124) قََالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ََ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) `قََالَ كَذََلِكَ أَتَتْكَ آيََاتُنََا فَنَسِيتَهََا وَ كَذََلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسى‏ََ (126) [طه: 124-126]

أنظر الإسراء: 72 من الأمالي، 1: 108.

- وَ لَوْ لاََ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكََانَ لِزََاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى [طه: 129].

[ان سأل سائل فقال: ما معنى هذه الآية].

الجواب: معنى هذه الآية أنّه لو لا ما أخبر اللّه تعالى به و خبّر به من الآجال التي تبقي عباده إليها، لكان الهلاك الذي قد تقدّم ذكره، و أنّ اللّه تعالى أوقعه بالأمم السالفة.

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 24.

100

يشهد لذلك قوله تعالى قبل هذه الآية: أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنَ اَلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسََاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِأُولِي اَلنُّهى‏ََ (1) .

و يكون تقدير الأية: لو لا الاجال المضروبة للتبقية و استمرار التكلّف لكان الهلاك مستقرّا لازما (2) .

____________

(1) سورة طه، الآية: 128.

(2) الرسائل، 3: 128.

101

سورة الأنبياء

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء: 2].

[هذه الآية صريحة في حدوث كلامه و مثله قوله تعالى: وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ اَلرَّحْمََنِ مُحْدَثٍ إِلاََّ كََانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) (1) و ذلك بعد أن بيّن تعالى أن الذكر هو «القرآن» في قوله جلّ اسمه: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ (9) (2) و وَ هََذََا ذِكْرٌ مُبََارَكٌ أَنْزَلْنََاهُ (3) ].

و ليس لأحد أن يقول: إنّما أراد به هاهنا الرسول لا القرآن، مستشهدا بقوله تعالى: قَدْ أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10) `رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيََاتِ اَللََّهِ مُبَيِّنََاتٍ (4) .

و ذلك أنّ «الذكر» لا يعرف استعماله في الرسول، و الآية التي تلاها (5) أكثر المفسّرين على أنّ «الذكر» فيها إنّما أراد به القرآن، و إنّما نصب رسولا بإضمار فعل، فكأنّه قال: و أرسل رسولا، و لا يقوّي ذلك أنّه قال: أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10) `رَسُولاً ، و الإنزال لا يوصف به الرسول و إنّما هو من أوصاف القرآن، و كيف يحمل ذلك على غير القرآن مع قوله تعالى: إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ و ظاهر قوله تعالى: وَ مََا يَأْتِيهِمْ لا يستعمل إلاّ فيما يتكرّر إيتانه، و الرسول إلى أمّتنا واحد، فلا يليق معنى «الذكر» في الآية إلاّ بالقرآن.

و بعد، فلو سلم أنّ «الذكر» ممّا يعبّر به من الرسول في بعض المواضع، كان من المعلوم أنّه مجاز و توسّع و الأصل أن يكون عبارة عن الكلام.

____________

(1) سورة الشعراء، الآية: 5.

(2) سورة الحجر، الآية: 9.

(3) سورة الأنبياء، الآية: 50.

(4) سورة الطلاق، الآيتان: 10-11.

(5) في الأصل: تلوها.

102

فإن قالوا: الإتيان لا يليق بالكلام و إنّما يليق بالرسول.

قلنا: قد يستعمل ذلك في الكلام أيضا بالعرف، و إذا سلّمنا أنّه مجاز كان حمل الآية عليه أولى من العدول فيها إلى ضروب من المجازات‏ (1) .

أنظر أيضا البقرة 26 و 27 من الرسائل 2: 177 إلى 247.

- لاََ يُسْئَلُ عَمََّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: 23]

أنظر البقرة: 212 من الأمالي، 1: 376.

- وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ [الأنبياء: 28]

أنظر فاطر: 32 من الأمالي، 2: 303 و الزخرف: 86 من الأمالي، 2:

306 و غافر: 18 من الذخيرة: 504.

- وَ جَعَلْنَا اَلسَّمََاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: 32].

أنظر المؤمنون: 17 من الرسائل، 3: 140.

- وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنََا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: 35]

أنظر البقرة: 49 من الأمالي، 2: 94.

- خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيََاتِي فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء: 37].

[إن سأل السائل عن تأويل هذه الآية: ]

قيل له: قد ذكر في هذه الآية وجوه من التأويل نحن نذكرها، و نرجّح الأرجح منها:

أوّلها: أن يكون معنى القول المبالغة في وصف الإنسان بكثرة العجلة، و أنّه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور، لهج باستدناء ما يجلب إليه نفعا، أو يدفع عنه ضررا؛ و لهم عادة في استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة؛ كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: «ما خلقت إلاّ من نوم» و «ما خلق فلان إلاّ من شرّ» ؛ إذ أرادوا كثرة وقوع الشرّ منه؛ و ربّما قالوا: ما أنت إلاّ أكل و شرب، و ما أشبه ذلك، قالت الخنساء تصف بقرة:

____________

(1) الملخص، 2: 423.

103

ترتع ما غفلت حتّى إذا ادكّرت # فإنّما هي إقبال و إدبار (1)

و إنّما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الإقبال و الإدبار منها.

و يشهد لهذا التأويل قوله تعالى في موضع آخر: وَ كََانَ اَلْإِنْسََانُ عَجُولاً (2) ، و يطابقه أيضا قوله تعالى: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ ؛ لأنّه وصفهم بكثرة العجلة و أنّ من شأنهم فعلها، توبيخا لهم و تقريعا، ثمّ نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من حيث كانوا متمكّنين من مفارقة طريقتهم في الاستعجال، و قادرين على التثّبت و التأيّد.

و ثانيها: ما أجاب به أبو عبيدة و قطرب بن المستنير و غيرهما من أنّ في الكلام قلبا، و المعنى: خلق العجل من الإنسان، و استشهد على ذلك بقوله تعالى: وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ (3) ، أي قد بلغت الكبر، و بقوله تعالى: مََا إِنَّ مَفََاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ (4) ؛ و المعنى: إنّ العصبة تنوء بها، و تقول العرب:

«عرضت الناقة على الحوض» ، و إنّما هو عرضت الحوض على الناقة، و قولهم:

«إذا طلعت الشّعرى استوى العود على الحرباء» ؛ يريدون استوى الحرباء على العود؛ و بقول الأعشى:

لمحقوقة أن تستجيبي لصوته # و أن تعلمي أنّ المعان موفّق‏ (5)

يريد أن الموفّق لمعان.

و بقول الآخر:

على العيارات هدّاجون قد بلغت # نجران، أو بلغت سوءاتهم هجر (6)

و المعنى: أنّ السوءات هي التي بلغت هجر.

____________

(1) ديوانها: 38، و اللسان (سوا) ؛ و في ف، و حاشية بعض النسخ (من نسخة) : «ما رتعت» ؛ و هي رواية الديوان.

(2) سورة الإسراء، الآية: 11.

(3) سورة آل عمران، الآية: 40.

(4) سورة القصص، الآية: 76.

(5) ديوانه: 149.

(6) البيت للأخطل، ديوانه: 10، و الهدج: مشى في ارتعاش.

104

و بقول خداش بن زهير:

و نركب خيلا لا هوادة بينها # و تشقى الرّماح بالظياطرة الحمر (1)

يريد تشقى الضّياطرة بالرماح.

و بقول الآخر:

تمشي به عوذ النّعاج كأنّها # عذارى ملوك في بياض ثياب‏

يريد في ثياب بيض.

و بقول الآخر:

حسرت كفّي عن السربال آخذه # فردا يحزّ علي أيدي المفيضينا (2)

يريد حسرت السّربال عن كفّي.

و بقول ابن أحمر:

و جرد طار باطلها نسيلا # و أحدث قمؤها شعرا قصارا (3)

أراد طار نسيلها باطلا.

و بقول الآخر:

و قسورة أكتافهم في قسّيهم # إذا ما مشوا لا يغمزون من النّسا

أي قسيّهم في أكتافهم.

و بقول الآخر:

و هنّ من الإخلاف و الولعان‏ (4)

أي الإخلاف و الولعان منهن.

____________

(1) جمهرة الأشعار: 193، و اللسان (ضطر) .

(2) البيت لابن مقبل في الميسر و القداح: 141.

(3) اللسان (قمأ) . النسيل: ما ينسل من شعرها و قمؤها: سمنها.

(4) البيت في اللسان (ولع) ، و صدره:

لخلاّبة العينين كذّابة المنى‏

قال في اللسان: «أي من أهل الخلف و الكذب، و جعلهن من الأخلاف لملازمتهن له» .