نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
105

و يبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضي له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له: و ما المعنى و الفائدة في قوله تعالى: خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ ؟أ تريدون بذلك أنّ اللّه تعالى خلق في إنسان العجلة؟و هذا لا يجوز؛ لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف يكون مخلوقة فيه لغيره!و لو كان كذلك ما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال في الآية فيقول: سَأُرِيكُمْ آيََاتِي فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ ، لأنّه لا ينهاهم عمّا خلقه فيهم.

فإن قالوا: لم يرد أنّه تعالى خلقها؛ لكنّه أراد كثرة فعل الإنسان لها؛ و أنّه لا يزال يستعملها.

قيل لهم: هذا هو الجواب الذي قدّمناه من غير حاجة إلى القلب و التقديم و التأخير؛ و إذا كان هذا المعنى يتمّ و ينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه.

و قد ذكر أبو القاسم البلخيّ هذا الجواب في تفسيره، و اختاره و قوّاه، و سأل نفسه عليه فقال: كيف جاز أن يقول: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ ، و هو خلق العجلة فيهم!و أجاب بأنّه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طباعهم و كفّها، و قد يكون الإنسان مطبوعا عليها و هو مع ذلك مأمور بالتثبّت، قادر على أن يجانب العجلة، و ذلك كخلقه في البشر شهوة النكاح، و أمره في كثير من الأوقات بالامتناع منه.

و هذا الذي ذكره البلخيّ تصريح بأنّ المراد بالعجل غيره، و هو الطبع الداعي إليه، و الشهوة المتناولة له، و يجب أيضا أن يكون المراد بـ «من» هاهنا «في» ؛ لأنّ شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الإنسان، و إنّما تكون فيه. و هذا تجوّز على تجوّز، و توسّع على توسّع، لأنّ القلب أوّلا مجاز، ثمّ هو من بعيد المجاز؛ و ذكر العجل و المراد به غيره مجاز آخر، و إقامة «من» مقام «في» كذلك؛ على أنّه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ أيّ معنى لتقديم قوله: إنّي خلقت شهوة العجلة فيهم، أو الطبع الداعي إليها؛ على ما عبّر

106

به البلخيّ. و هذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجّة عليم؛ و أيسر الأحوال ألاّ يكون عذرا و لا احتجاجا، فلا يكون لتقديمه معنى.

و في الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذّم و التوبيخ و التقريع من غير إضافة إليه عزّ و جلّ؛ و الجواب الأول أوضح و أصحّ.

و ثالثها: جواب روي عن الحسن، قال: يعني بقوله: مِنْ عَجَلٍ ، أي من ضعف، و هي النّطفة المهينة الضّعيفة، و هذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل عبارة عن الضّعف أو معناه.

و رابعها: ما حكي أنّ أبا الحسن الأخفش أجاب به، و هو: أن يكون المراد أنّ الإنسان خلق من تعجيل من الأمر؛ لأنّه تعالى قال: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (1) .

فإن قيل: كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ ؟

قلنا: يمكن أن يكون وجه المطابقة أنّهم لمّا استعجلوا بالآيات و استبطؤوها أعلمهم تعالى أنّه ممّن لا يعجزه شي‏ء إذا أراده، و لا يمتنع عليه؛ و أنّ من خلق الإنسان بلا كلفة و لا مؤونة بأن قال له: كن فكان، مع ما فيه من بدائع الصنعة، و عجائب الحكمة التي يعجز عنها كلّ قادر، و يحار فيها كلّ ناظر، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات.

و خامسها: ما أجاب به بعضهم من أنّ العجل الطين، فكأنّه تعالى قال:

خلق الإنسان من طين، كما قال تعالى في موضع آخر: وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسََانِ مِنْ طِينٍ (2) ، و استشهد بقول الشاعر:

و النّبع ينبت بين الصّخر ضاحية # و النخل ينبت بين الماء و العجل‏ (3)

و وجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب، و يقولون: ليس بمعروف أنّ العجل هو الطين، و قد حكي صاحب كتاب «العين» عن بعضهم أنّ العجل الحمأة، و لم

____________

(1) سورة النحل، الآية: 40.

(2) سورة السجدة، الآية: 7.

(3) البيت في اللسان (عجل) .

107

يستشهد عليه، إلاّ أنّ البيت الذي أوردناه يمكن أن يكون شاهدا له، و قد رواه ثعلب عن ابن الأعرابيّ، و خالف في شي‏ء من ألفاظه فرواه:

و النّبع في الصّخرة الصّماء منبته # و النّخل ينبت بين الماء و العجل‏

و إذا صحّ هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك و بين قوله تعالى: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ على نحو ما ذكرناه، و هو أنّ من خلق الإنسان-مع الحكمة الظاهرة فيه-من الطين، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات؛ أو يكون المعنى أنّه لا يجب لمن خلق من الطين المهين، و كان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل اللّه و آياته و شرائعه؛ لأنّه تعالى قال قبل هذه الآية: وَ إِذََا رَآكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاََّ هُزُواً أَ هََذَا اَلَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (1) .

و سادسها: أن يكون المراد بالإنسان آدم عليه السّلام، و معنى «من عجل» أي من سرعة من خلقه، لأنّه لم يخلقه من نطفة، ثمّ من علقة، ثمّ من مضغة كما خلق غيره، و إنّما ابتدأه اللّه تعالى ابتداء، و أنشأه إنشاء، فكأنّه تعالى نبّه بذلك على الآية العجيبة في خلقه له، و أنه عزّ و جلّ يرى عباده من آياته و بيناته أوّلا أولا ما تقتضيه مصالحهم و تستدعيه أحوالهم.

و سابعها: ما روي عن مجاهد و غيره أنّ اللّه تعالى خلق آدم بعد خلق كلّ شي‏ء آخر، نهار يوم الجمعة على سرعة، معاجلا به غروب الشمس.

و روي أنّ آدم عليه السّلام لما نفخت فيه الروح و بلغت إلى أعالي جسده، و لم تبلغ أسافله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.

و ثامنها: ما روي عن ابن عباس و السّدّي أنّ آدم عليه السّلام لمّا خلق و جعلت الروح في أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى أثمار الجنّة-و قال قوم بل همّ بالوثوب-فهذا معنى قوله تعالى: خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ .

و هذه الأجوبة المتأخّرة مبنيّة على أنّ المراد بالإنسان فيها آدم عليه السّلام دون غيره‏ (2) .

____________

(1) سورة الأنبياء، الآية: 36.

(2) الأمالي، 1: 144.

غ

108

- وَ هََذََا ذِكْرٌ مُبََارَكٌ أَنْزَلْنََاهُ [الأنبياء: 50].

أنظر الأنبياء: 2 من الملخص، 2: 423.

- قََالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هََذََا بِآلِهَتِنََا يََا إِبْرََاهِيمُ (62) `قََالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذََا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كََانُوا يَنْطِقُونَ (63) [الأنبياء: 62-63].

[فإن قيل: ]و إنّما عنى بالكبير الصنم الكبير. و هذا كذب لا شكّ فيه؛ لأنّ إبراهيم عليه السّلام هو الّذي كسّر الأصنام، فإضافته تكسيرها إلى غيره ممّا لا يجوز أن يفعل شيئا لا يكون إلاّ كذبا.

الجواب: قيل له: الخبر مشروط غير مطلق؛ لأنّه قال: إِنْ كََانُوا يَنْطِقُونَ و معلوم أنّ الأصنام لا تنطق، و انّ النطق مستحيل عليها، فما علّق بهذا المستحيل من الفعل أيضا مستحيل. و إنّما أراد إبراهيم بهذا القول تنبيه القوم و توبيخهم و تعنيفهم بعبادة من لا يسمع و لا يبصر و لا ينطق و لا يقدر أن يخبر عن نفسه بشي‏ء. فقال: إن كانت هذه الأصنام تنطق فهي الفاعلة للتكسير؛ لأنّ من يجوز أن ينطق يجوز أن يفعل. و إذا علم استحالة النطق عليها علم إستحالة الفعل عليها، و علم باستحالة الأمرين أنّها لا يجوز أن تكون آلهة معبودة، و أنّ من عبدها ضالّ مضلّ، و لا فرق بين قوله: إنّهم فعلوا ذلك ان كانوا ينطقون، و بين قوله: انّهم ما فعلوا ذلك و لا غيره؛ لأنهم لا ينطقون و لا يقدرون.

و أمّا قوله عليه السّلام: فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كََانُوا يَنْطِقُونَ ، فإنّما هو أمر بسؤالهم أيضا على شرط، و النطق منهم شرط في الأمرين، فكأنّه قال: ان كانوا ينطقون فاسألوهم؛ فإنّه لا يمتنع ان يكونوا فعلوه. و هذا يجري مجرى قول احدنا لغيره:

«من فعل هذا الفعل» ؟فيقول: زيد إن كان فعل كذا و كذا» و يشير إلى فعل يضيفه السائل إلى زيد، و ليس في الحقيقة من فعله. و يكون غرض المسؤول نفي الأمرين جميعا عن زيد، و تنبيه السائل على خطئه في إضافة ما أضافه إلى زيد، و قد قرأ بعض القرّاء و هو محمد بن علي السميفع اليماني: فعلّه كبيرهم بتشديد

109

اللام، و المعنى فلعلّه، إي فلعلّ فاعل ذلك كبيرهم. و قد جرت عادة العرب بحذف اللاّم الأولى من لعلّ فيقولون علّ، قال الشاعر (1) :

علّ صروف الدهر أو دولاتها # تديلنا اللمّة من لمّاتها

فتستريح النّفس من زفراتها

أي لعلّ صروف الدهر.

و قال الآخر (2) :

[تقول بنتى قد أنى إناكا] # يا أبتا علّك أو عساكا

تسقيني الماء الّذي سقاكا

فإن قيل: فأيّ فايدة في أن يستفهم عن أمر يعلم إستحالته، و أيّ فرق في المعنى بين القراءتين؟

قلنا: لم يستفهم و لا شكّ في الحقيقة، و إنّما نبّههم بهذا القول على خطيئتهم في عبادة الأصنام، فكأنّه قال لهم: إن كانت هذه الاصنام تضرّ و تنفع و تعطي و تمنع، فلعلّها هي الفاعلة لذلك التكسير؛ لأنّ من جاز منه ضرب من الأفعال جاز منه ضرب آخر، و إذا كان ذلك الفعل الّذي هو التكسير لا يجوز على الأصنام عند القوم، فما هو أعظم منه أولى بأن لا يجوز عليها و أن لا يضاف إليها، و الفرق بين القراءتين ظاهر؛ لأنّ القراءة الأولى لها ظاهر الخبر، فاحتجنا إلى تعليقه بالشرط ليخرج من أن يكون كذبا، و القراءة الثانية تتضمّن حرف الشكّ و الاستفهام، فهما مختلفان على ما ترى.

فإن قيل: أ ليس قد روى بشر بن مفضّل، عن عوف، عن الحسن قال:

«بلغني انّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: انّ إبراهيم عليه السّلام ما كذب متعمدا قط إلاّ ثلاث مرّات كلّهنّ يجادل بهنّ عن دينه، قوله: إِنِّي سَقِيمٌ ، و إنما تمارض عليهم؛

____________

(1) لسان العرب 12: 547 و فيه أنشد الفراء.

(2) و هو رؤبة بن العجاج، راجع الكتاب 1: 167 و قيل الشعر لأبيه، راجع لسان العرب 11: 467.

110

لأنّ القوم خرجوا من قريتهم لعيدهم و تخلف هو ليفعل بآلهتهم ما فعل، و قوله:

بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ، و قوله لسارة: «انها اختي» لجبّار من الجبابرة لمّا أراد اخذها» .

قلنا: قد بيّنا بالأدلة العقلية التي لا يجوز فيها الاحتمال و لا خلاف الظاهر، انّ الأنبياء عليهم السّلام لا يجوز عليهم الكذب، فما ورد بخلاف ذلك من الأخبار لا يلتفت إليه، و يقطع على كذبه إن كان لا يحتمل تأويلا صحيحا لائقا بأدلّة العقل، فإن احتمل تأويلا يطابقها تأوّلناه و وافقنا بينه و بينها، و هكذا نفعل فيما يروى من الأخبار الّتي تتضمّن ظواهرها الجبر و التشبيه.

فأمّا قوله عليه السّلام‏ إِنِّي سَقِيمٌ ، فسنبيّن بعد هذه المسألة بلا فصل وجه ذلك، و أنّه ليس بكذب‏ (1) ، و قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ قد بيّنا معناه و أوضحنا عنه.

و أمّا قوله عليه السّلام لسارة: «أنّها أختي» فإن صحّ فمعناه انّها أختي في الدين، و لم يرد أخوّة النسب.

و أمّا ادّعائهم على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: ما كذب إبراهيم عليه السّلام إلاّ ثلاث مرات، فالأولى ان يكون كذبا عليه؛ لأنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان أعرف بما يجوز على الأنبياء عليهم السّلام و ما لا يجوز عليهم، و يحتمل-إن كان صحيحا-أن يريد: ما اخبر بما ظاهره الكذب إلاّ ثلاث دفعات، فأطلق عليه اسم الكذب لأجل الظاهر، و إن لم يكن على الحقيقة كذلك‏ (2) .

- وَ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ إِذْ يَحْكُمََانِ فِي اَلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ اَلْقَوْمِ وَ كُنََّا لِحُكْمِهِمْ شََاهِدِينَ [الأنبياء: 78].

أنظر البقرة: 36 من الأمالي، 2: 135 و البقرة: 72، 73 من الأمالي، 2: 192.

- وَ أَيُّوبَ إِذْ نََادى‏ََ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرََّاحِمِينَ (83) `فَاسْتَجَبْنََا لَهُ

____________

(1) يأتي في سورة «الصافات» ان شاء اللّه تعالى.

(2) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 42.

111

فَكَشَفْنََا مََا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْنََاهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنََا وَ ذِكْرى‏ََ لِلْعََابِدِينَ (84) [الأنبياء: 83-84].

أنظر ص: 41 من التنزيه: 90.

- وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغََاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنََادى‏ََ فِي اَلظُّلُمََاتِ أَنْ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنْتَ سُبْحََانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ [الأنبياء: 87].

[فان قيل: ]و ما معنى غضبه و على من كان غضبه و كيف ظنّ أنّ اللّه تعالى لا يقدر عليه؟و ذلك مما لا يظنّه مثله، و كيف اعترف بأنّه من الظالمين و الظلم قبيح؟

الجواب: قلنا: أمّا من‏[ظنّ أنّ‏]يونس عليه السّلام خرج مغاضبا لربّه من حيث لم ينزل بقومه العذاب، فقد خرج في الافتراء على الأنبياء عليهم السّلام و سوء الظن بهم عن الحدّ، و ليس يجوز أن يغاضب ربّه إلاّ من كان معاديا له و جاهلا بأنّ الحكمة في سائر أفعاله، و هذا لا يليق بأتباع الأنبياء عليه السّلام من المؤمنين فضلا عمّن عصمه اللّه تعالى و رفع درجته.

و أقبح من ذلك ظنّ الجهّال و إضافتهم إليه عليه السّلام أنّه ظنّ أنّ ربّه لا يقدر عليه من جهة القدرة الّتي يصحّ بها الفعل، و يكاد يخرج عندنا من ظنّ بالأنبياء عليهم السّلام مثل ذلك عن باب التمييز و التكليف؛ و إنّما كان غضبه عليه السّلام على قومه لبقائهم على تكذيبه و إصرارهم على الكفر و يأسه من إقلاعهم و توبتهم، فخرج من بينهم خوفا من أن ينزل العذاب بهم و هو مقيم بينهم.

و أمّا قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ، فمعناه أن لا نضيق عليه المسلك و نشدّد عليه المحنة و التكليف؛ لأنّ ذلك ممّا يجوز أن يظنّه النبيّ، و لا شبهة في أن قول القائل قدرت و قدّرت-بالتخفيف و التشديد-معناه التضييق.

قال اللّه تعالى: وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمََّا آتََاهُ اَللََّهُ (1) .

____________

(1) سورة الطلاق، الآية: 7.

112

و قال تعالى: اَللََّهُ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ (1) . أي يوسّع و يضيّق.

و قال تعالى: وَ أَمََّا إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (2) أي ضيّق.

و التضييق الّذي قدره اللّه عليه هو ما لحقه من الحصول في بطن الحوت و ما ناله في ذلك من المشقّة الشديدة إلى أن نجّاه اللّه تعالى منها.

و أمّا قوله تعالى: فَنََادى‏ََ فِي اَلظُّلُمََاتِ أَنْ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنْتَ سُبْحََانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ فهو على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى و الخشوع له و الخضوع بين يديه؛ لأنّه لما دعاه لكشف ما امتحنه به و سأله أن ينجّيه من الظلمات الّتي هي ظلمة البحر و ظلمة بطن الحوت و ظلمة الليل، فعل ما يفعله الخاضع الخاشع من الانقطاع و الاعتراف بالتقصير.

و ليس لأحد أن يقول: كيف يعترف بأنّه كان من الظالمين و لم يقع منه ظلم؟ و هل هذا إلاّ الكذب بعينه؟و ليس يجوز أن يكذب النبي عليه السّلام في حال خضوع و لا غيره، و ذلك أنّه يمكن أن يريد بقوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ أي من الجنس الّذي يقع منهم الظلم، فيكون صدقا، و إن ورد على سبيل الخضوع و الخشوع؛ لأنّ جنس البشر لا يمتنع منه وقوع الظلم.

فإن قيل: فأيّ فايدة في أن يضيف نفسه إلى الجنس الذي يقع منهم الظلم إذا كان الظلم منتفيا عنه في نفسه؟

قلنا: الفايدة في ذلك التطامن للّه تعالى و التخاضع و نفي التكبر و التجبر؛ لأنّ من كان مجتهدا في رغبة إلى مالك قدير، فلا بدّ من أن يتطأطأ[له‏]، و يجتهد في الخضوع بين يديه، و من أكبر الخضوع أن يضيف نفسه إلى القبيل الذين يخطئون و يصيبون كما يقول الإنسان-إذا أراد أن يكسر نفسه و ينفي عنها دواعي الكبر و الخيلاء-: إنّما أنا من البشر و لست من الملائكة، و أنا ممّن يخطي‏ء و يصيب. و هو لا يريد إضافة الخطأ إلى نفسه في الحال، بل يكون الفايدة ما ذكرناها.

____________

(1) سورة الرعد، الآية: 26.

(2) سورة الفجر، الآية: 16.

113

و وجه آخر: و هو أنّا قد بيّنا في قصة آدم عليه السّلام لمّا تأولنا قوله تعالى: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا (1) أنّ المراد بذلك أنّا نقّصناها الثواب و بخسناها حظّها منه؛ لأنّ الظلم في أصل اللغة هو النقص و الثلم، و من ترك المندوب إليه-و هو لو فعله لاستحقّ الثواب-يجوز أن يقال: إنّه ظلم نفسه من حيث نقّصها ذلك الثواب.

و ليس يمتنع أن يكون يونس عليه السّلام أراد هذا المعنى؛ لأنّه لا محالة قد ترك كثيرا من المندوب، فإنّ استيفاء جميع الندب يتعذّر.

و هذا أولي ممّا ذكره من جوّز الصغائر على الأنبياء عليهم السّلام؛ لأنّهم يدّعون أنّ خروجه كان بغير إذن من اللّه تعالى له فكان قبيحا صغيرا و ليس ذلك بواجب على ما ظنّوه؛ لأنّ ظاهر القرآن لا يقتضيه. و إنّما أوقعهم في هذه الشبهة قوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ و قد بيّنا وجه ذلك و أنّه ليس بواجب أن يكون خبرا عن المعصية.

و ليس لهم أن يقولوا كيف يسمّى من ترك النفل بأنّه ظالم؟و ذلك أنا قد بيّنا وجه هذه التسمية في اللغة و إن كان إطلاق اللفظة في العرف لا يقتضيه.

و على من سأل عن ذلك مثله إذا قيل له كيف يسمّي كل من فعل معصية بأنّه ظالم، و إنّما الظلم المعروف هو الضرر المحض الموصل إلى الغير؟فإذا قالوا:

إنّ في المعصية معنى الظلم و إن لم يكن ضررا يوصل إلى الغير، من حيث نقصت ثواب فاعلها.

قلنا: و هذا المعنى يصحّ في الندب، على أن يجري ما يستحق من الثواب مجرى المستحق.

و بعد فإنّ أبا علي الجبّائيّ و كلّ من وافقه في الامتناع من القول بالموازنة في الإحباط لا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب، فعلى أيّ وجه-يا ليت شعري- يجعل معصية يونس عليه السّلام ظلما، و ليس فيها من معنى الظلم شي‏ء؟

و أمّا قوله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاََ تَكُنْ كَصََاحِبِ اَلْحُوتِ (2) فليس على ما

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 23.

(2) سورة القلم، الآية: 48.

114

ظنّه الجهّال من أنّه عليه السّلام ثقل عليه أعباء النبوّة لضيق خلقه فقذفها، و إنّما الصحيح أنّ يونس لم يقو على الصبر على تلك المحنة الّتي ابتلاه اللّه تعالى بها و عرّضه لنزولها به لغاية الثواب، فشكا إلى اللّه تعالى منها و سأله الفرج و الخلاص، و لو صبر لكان أفضل. فأراد اللّه تعالى لنبيّه عليه السّلام أفضل المنازل و أعلاها (1) .

- قََالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ... [الأنبياء: 112]

أنظر البقرة: 286 من الأمالي، 2: 114.

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 141.

115

سورة الحجّ‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ [الحج: 6].

و يوصف تعالى بأنه «حق» ، بمعنى أن عبادته حقّ، فهو مجاز على كلّ حال‏ (1) .

- ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ [الحج: 10].

أنظر ص: 75 من الأمالي، 1: 532.

- مَنْ كََانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اَللََّهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى اَلسَّمََاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مََا يَغِيظُ [الحج: 15].

أنظر الملك: 15 من الأمالي، 2: 146.

- وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ أَنْ لاََ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطََّائِفِينَ وَ اَلْقََائِمِينَ وَ اَلرُّكَّعِ اَلسُّجُودِ (26) `وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجََالاً وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) [الحج: 26-27].

[ان سأل سائل عن معنى هذه الآية فقال: ]هل خصّ بالنداء أمّة دون أمّة، أم عمّ الأمم كلّها؟و هل بلغهم نداؤه و دخلت فيه أمة محمد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

الجواب:

أمّا قوله تعالى: وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ فمعناه جعلناه منزلا و وطئناه و مهّدناه، و المباءة المنزل.

____________

(1) الذخيرة: 589.

غ

116

و قال قوم: إنّ أصل اشتقاق هذه الكلمة من الرجوع، و منه قوله تعالى:

وَ بََاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ (1) أي رجعوا منه، و قول الحارث بن جواد:

بوأ... فعل كليب‏ (2)

أي أرجع بذلك.

فلمّا جعل اللّه تعالى البيت منزلا و مزيلا و ملاذا و مرجعا لإبراهيم، جاز أن يقول: «بوأه» .

فأمّا قوله تعالى: تُشْرِكْ بِي شَيْئاً قال قوم: معناه و قلنا له لا تشرك بي شيئا، و أجرى مجرى قوله تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ (23) `سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ (24) (3) و المعنى: قائلين سلام عليكم.

و الكلام مفتقر بلا شكّ إلى محذوف، و هذا الذي ذكرناه من حذف لفظة «و قلنا» يضعف من جهة أنّ ظاهر الاية تدلّ على تعلّق الكلام بعضه ببعض، و أنّ الغرض في تبوئة إبراهيم البيت ألاّ تشرك و أن تطهّر البيت للطائفين و القائمين.

و إذا كان هذا المعنى هو لم يطابقه أن يقدر لفظة «و قلنا» ثم يحذفها؛ لأنّ هذا التقدير يقع‏ (4) الكلام الثاني عن حكم الأوّل و يجعله أجنبيا منه. و الظاهر أنّه متعلّق به.

فالأولى أن يكون تقدير الكلام: و إذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، لأن نقول له لا يشرك بي شيئا، فيصحّ معنى البيت و مطابقة البيت فيه، و هو تبوئة البيت.

فأمّا قوله تعالى: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ فقيل: إنّه أراد من عبادة الأوثان. و قيل:

من ذبائح المشركين و سائر الادناس، و الكلام يحتمل لكلّ ذلك.

فأمّا قوله تعالى: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ فمعناه أعلمهم و أشعرهم بوجوبه و أعلمت و أذنت هاهنا بمعنى واحد، و الأذان بالصلاة هو الإعلام بدخول وقتها.

و قال قوم: إنّ أذان إبراهيم هو إذ وقف في المقام، فنادى: أيّها الناس أجيبوا

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 61.

(2) كذا في المطبوعة.

(3) سورة الرعد، الآية: 23.

(4) كذا و الظاهر: «يرفع» .

117

داعي اللّه يا عباد اللّه أطيعوا اللّه. فاستمع من بين السماء و الارض، فأجابه من في الاصلاب، فمن كتب له الحجّ و كلّ من حجّ، فهو من أجاب إبراهيم عليه السّلام.

و قال قوم آخرون: إنّ المخاطب و المأمور به بقوله تعالى: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ هو محمد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و لم يلزمهم شريعة فكيف يدعوهم إلى الحجّ و هو غير مرسل إليهم؟

و أخبار الاحاد في هذا الباب غير معتمد، فلا يجوز على هذا أن يحمل قوله تعالى: فِي اَلنََّاسِ على كلّ من يأتي إلى يوم القيامة؛ لأنّه عليه السّلام‏[ما]كان مبعوثا إلى جميع الأمم المستقبلة، فجعلناه متوجّها إلى أمته و من تلزمهم شريعته.

فأمّا الوجه الثاني الذي حكيناه من توجّه تكليف الأذان بالحجّ إلى نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فجائز غير ممتنع، و لا يضعفه أنّه معطوف على الأوامر المتوجّهة إلى إبراهيم عليه السّلام من قوله: أَنْ لاََ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ ؛ لأنّه غير ممتنع أن ينفصل هذا التكليف من الأوّل و إن كان له مجاورا و مقارنا، و يتوجّه إلى غير من توجّه التكليف الأوّل إليه.

فأمّا قوله تعالى: يَأْتُوكَ رِجََالاً فمعناه على أرجلهم، و هو في مقابلة من يأتي راكبا على كلّ ضامر.

و معنى‏ كُلِّ ضََامِرٍ أي على كلّ جمل ضامر أو ناقة ضامرة، و لهذا قال تعالى: يَأْتِينَ و لم يقل يأتون، كناية عن الركاب دون الركب. و قد قرئت:

«يأتون» على أنّه كناية عن الركبان.

و هذا القدر كاف في الجواب عن المسألة (1) .

- فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ [الحج: 30].

أنظر الأنفال: 11 من الانتصار: 15.

- وَ لَوْ لاََ دَفْعُ اَللََّهِ اَلنََّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الحجّ: 40].

أنظر المائدة: 28، 29 من الأمالي، 2: 43.

____________

(1) الرسائل، 3: 117.

118

- وَ لََكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ [الحج: 46].

أنظر النحل: 26 من الأمالي، 1: 340.

- وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللََّهُ آيََاتِهِ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: 52].

[فإن قيل: ما معنى هذه الآية]أو ليس قد روي في ذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لما رأى تولّي قومه عنه شقّ عليه ما هم عليه من المباعدة و المنافرة، و تمنّى في نفسه أن يأتيه من اللّه تعالى ما يقارب بينه و بينهم، و تمكّن حبّ ذلك في قلبه، فلمّا أنزل اللّه تعالى عليه‏ وَ اَلنَّجْمِ إِذََا هَوى‏ََ و تلاها عليهم، ألقى الشيطان على لسانه-لمّا كان تمكّن في نفسه من محبّة مقاربتهم-: «تلك الغرانيق العلى و إنّ شفاعتهنّ لترتجى» ، فلمّا سمعت قريش ذلك سرّت به و أعجبهم ما زكّى به آلهتهم، حتّى انتهى إلى السجدة فسجد المؤمنون و سجد أيضا المشركون لمّا سمعوا من ذكر آلهتهم بما أعجبهم، فلم يبق في المسجد مؤمن و لا مشرك إلاّ سجد، إلاّ الوليد ابن المغيرة؛ فإنّه كان شيخا كبيرا لا يستطيع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثمّ تفرّق الناس من المسجد و قريش مسرورة بما سمعت، و أتى جبرائيل عليه السّلام إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم معاتبا على ذلك، فحزن له حزنا شديدا، فأنزل اللّه تعالى عليه معزّيا له و مسليا وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ الآية.

الجواب: قلنا: أمّا الآية فلا دلالة في ظاهرها على هذه الخرافة الّتي قصّوها و ليس يقتضي الظاهر إلاّ أحد أمرين:

إمّا أن يريد بالتمنّي التلاوة كما قال حسّان بن ثابت:

تمنّى كتاب اللّه أوّل ليله # و آخره لاقى حمام المقادر

أو يريد بالتمنّي تمنّي القلب، فإن أراد التلاوة، كان المراد[أنّ‏]من أرسل قبلك من الرسل كان إذا تلا ما يؤدّيه إلى قومه حرّفوا عليه و زادوا فيما يقوله و نقصوا، كما فعلت اليهود في الكذب على نبيّهم، فأضاف ذلك إلى الشيطان؛

119

لأنّه يقع بوسوسته و غروره، ثمّ بيّن أنّ اللّه تعالى يزيل ذلك و يدحضه بظهور حجّته و ينسخه و يحسم مادّة الشبهة به. و إنّما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج التسلية له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لمّا كذب المشركون عليه، و أضافوا إلى تلاوته مدح آلهتهم ما لم يكن فيها.

و إن كان المراد تمنّي القلب، فالوجه في الآية أنّ الشيطان متى تمنّى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بقلبه بعض ما يتمّناه من الأمور، يوسوس إليه بالباطل و يحدّثه بالمعاصي و يغريه بها و يدعوه إليها، و أنّ اللّه تعالى ينسخ ذلك و يبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان و عصيانه و ترك إسماع غروره.

و أمّا الأحاديث المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما قد نزهت العقول الرسل عليهم السّلام عنه. هذا لو لم يكن في أنفسها مطعونة مضعفّه عند أصحاب الحديث بما يستغني عن ذكره. و كيف يجيز ذلك على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من يسمع اللّه تعالى يقول: كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ (1) يعني القرآن. و قوله تعالى:

وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ (44) `لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) `ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ (46) (2) .

و قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ (3) ؟على أنّ من يجيز السهو على الأنبياء عليهم السّلام يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنكرة لما فيها من غاية التنفير عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؛ لأنّ اللّه تعالى قد جنّب نبيه من الأمور الخارجة عن باب المعاصي، كالغلظة و الفظاظة و قول الشعر و غير ذلك مما هو دون مدح الأصنام المعبودة دون اللّه تعالى، على أنّه لا يخلو صلّى اللّه عليه و اله و سلّم-و حوشي ممّا قذف به-من أن يكون تعمّد ما حكوه و فعله قاصدا أو فعله ساهيا، و لا حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب و العمد لظهوره، و إن كان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة و طريقها ثمّ لمعنى ما تقدّمها من الكلام؛ لأنّا نعلم ضرورة أن من كان ساهيا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتّى يتفق منه بيت شعر

____________

(1) سورة الفرقان، الآية: 22.

(2) سورة الحاقّة، الآيات: 44-47.

(3) سورة الأعلى، الآية: 6.

120

في وزنها و في معنى البيت الّذي تقدّمه و على الوجه الّذي يقتضيه فائدته، و هو مع ذلك يظنّ أنّه من القصيدة الّتي ينشدها. و هذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على أنّ الموحى إليه من اللّه النازل بالوحي و تلاوة القرآن جبرائيل عليه السّلام، و كيف يجوز السهو عليه؟على أنّ بعض أهل العلم قد قال: يمكن أن يكون وجه التباس الأمر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لمّا تلا هذه السورة في ناد غاص بأهله و كان أكثر الحاضرين من قريش المشركين، فانتهى إلى قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى (1) و علم في قرب مكانه منه من قريش أنّه سيورد بعدها ما يسوأهم به فيهنّ، قال كالمعارض له و الرّادّ عليه: «تلك الغرانيق العلى و ان شفاعتهن لترتجى» فظنّ كثير ممّن حضر أنّ ذلك من قوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و اشتبه عليهم الأمر؛ لأنّهم كانوا يلغون عند قراءته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و يكثر كلامهم و ضجاجهم طلبا لتغليطه و إخفاء قراءته.

و يمكن أن يكون هذا أيضا في الصلاة؛ لأنّهم كانوا يقربون منه في حال صلاته عند الكعبة، و يسمعون قراءته و يلغون فيها.

و قيل أيضا: إنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان إذا تلا القرآن على قريش توقّف في فصول الآيات و أتى بكلام على سبيل الحجاج لهم، فلمّا تلا أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاََّتَ وَ اَلْعُزََّى (19) وَ مَنََاةَ اَلثََّالِثَةَ اَلْأُخْرى‏ََ (20) قال: «تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى» على سبيل الانكار عليهم، و أنّ الأمر بخلاف ما ظنّوه من ذلك.

و ليس يمتنع ان يكون هذا في الصلاة؛ لأنّ الكلام في الصلاة حينئذ كان مباحا، و إنّما نسخ من بعد.

و قيل: إنّ المراد بالغرانيق الملائكة، و قد جاء مثل ذلك في بعض الحديث فتوّهم المشركون أنّه يريد آلهتهم.

و قيل: إنّ ذلك كان قرآنا منزلا في وصف الملائكة فتلاه الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؛ فلمّا ظنّ المشركون أنّ المراد به آلهتهم نسخت تلاوته.

و كلّ هذا يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله: إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي

____________

(1) سورة النجم، الآية: 19.

121

أُمْنِيَّتِهِ؛ لأنّ بغرور الشيطان و وسوسته أضيف إلى تلاوته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ما لم يرده بها.

و كلّ هذا واضح بحمد اللّه تعالى‏ (1) .

- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِرْكَعُوا وَ اُسْجُدُوا وَ اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77].

[فيها أمور:

الأوّل: قال الناصر رحمه اللّه: ] «الطمأنينة بعد الاستواء من الركوع و السجود واجبة» . هذا صحيح و هو مذهب أصحابنا... دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع المتقدّم، ما روي من قوله عليه السّلام في خبر رفاعة: «ثمّ ليكبر و ليركع حتى يطمئنّ راكعا» ثمّ قال في آخر الخبر: «فإذا فعل ذلك فقد تمّت صلاته» (2) .

فجعل تمام الصلاة يتعلّق بالطمأنينة في الركوع.

فإن قالوا: قال اللّه تعالى: اِرْكَعُوا وَ اُسْجُدُوا » و الركوع في اللغة هو الانحناء، و الطمأنينة ليست مشروطة في تعلّق الاسم.

قلنا: إنّما أوجب اللّه تعالى الركوع إيجابا مطلقا، و النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بين كيفية السجود في الخبر الذي ذكرناه‏ (3) .

[الثاني: قال الناصر رحمه اللّه: ] «السجود على سبعة أعضاء شرط في صحّة الصلاة» .

هذا صحيح و هو مذهبنا... دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه بعد الإجماع الذي راعيناه، ما رواه ابن عباس قال: «أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يسجد على سبع؛ يديه و ركبتيه و أطراف أصابعه و جبهته» (4) ... فإن تعلقوا بقوله: اِرْكَعُوا وَ اُسْجُدُوا .

و قول النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم للأعرابي: «ثمّ اسجد» (5) .

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 151.

(2) جامع الأصول، 5: 420.

(3) الناصريات: 223.

(4) صحيح البخاري، 3: 383 مع اختلاف يسير.

(5) جامع الأصول، 5: 420.

122

فالجواب عن ذلك: أنّ ذلك كلّه كالمجمل، لم يبين فيه كيفية السجود، و الخبر الّذي رويناه قد ثبت فيه كيفيّة السجود فهو أولى‏ (1) .

[الثالث: ]و ممّا انفردت به الإمامية: القول بأن من وطئ أمته و هي حائض أن عليه أن يتصدق بثلاثة أمداد من طعام على ثلاث مساكين. و خالف باقي الفقهاء في ذلك.

دليلنا بعد الإجماع المتردّد، أنا قد علمنا أن الصدقة برّ و قربة و طاعة للّه تعالى فهي داخلة تحت قوله تعالى: وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ ، و أمره بالطاعة فيما لا يحصى من الكتاب، و ظاهر الأمر يقتضي الإيجاب في الشريعة، فينبغي أن تكون هذه الصدقة واجبة بظاهر القرآن، و إنّما يخرج بعض ما يتناوله هذه الظواهر عن الوجوب و يثبت له حكم الندب بدليل قاد إلى ذلك و لا دليل هاهنا يوجب العدول عن الظاهر (2) .

[الرابع: ]و ممّا انفردت به الإمامية القول: بأن من نام عن صلاة العشاء الآخرة حتّى يمضي النصف الأوّل من الليل وجب عليه أن يقضيها إذا استيقظ و أن يصبح صائما كفارة عن تفريطه، و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك.

دليلنا على صحّة قولنا: -بعد الإجماع الذي يتردّد-الطريقة الّتي ذكرناها قبل هذه المسألة بلا فصل من قوله تعالى: وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ و أمره جلّ و عزّ بالطاعة على الترتيب الذي بيّنّاه‏ (3) .

[الخامس: ]و ممّا ظنّ انفراد الإمامية به القول بوجوب العقيقة و هي الذبيحة الّتي تذبح عن المولود ذكرا كان أو أنثى. و خالف باقي الفقهاء في ذلك فقال الشافعي و مالك: مستحبّة (4) ، و قال أبو حنيفة ليست بمستحبة (5) ، و حكي عن الحسن البصري القول بوجوبها و هو مذهب أهل الظاهر (6) و هذه موافقة للإمامية.

دليلنا بعد الإجماع المتردّد أن العقيقة نسك و قربة بلا خلاف و إيصال منفعة

____________

(1) الناصريات: 225.

(2) الانتصار: 165.

(3) الانتصار: 165.

(4) اختلاف الفقهاء (للطحاوي) ، 1: 89-90.

(5-6) المغني (لابن قدامة) ، 11: 120.

غ

123

إلى المساكين و تدخل في عموم قوله تعالى: وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ و ما أشبه هذه الآية من الأمر بالطاعات و القربات، و ظاهر الأمر في الشريعة يقتضي الوجوب.

فإن قيل: على الاستدلال بقوله تعالى: وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ في هذا الموضع و أشباهه من المسائل الّتي استدللنا بهذا العموم فيها: ما أنكرتم من فساد الاستدلال بذلك من جهة أن الخير لا نهاية له، و محال أن يوجب اللّه تعالى علينا ما لا يصحّ أن نفعله، و إذا لم يصحّ إيجاب الجميع و ليس البعض بذلك أولى من البعض بطل الاستدلال بالآية.

قلنا: لا شبهة في أنّ إيجاب ما لا يتناهى لا يصحّ غير أنّا نفرض المسألة فنقول: قد ثبت أن من عقّ دفعة واحدة عن ولده يكون فاعلا لخير و فعل المرّة صحيح غير محال فيجب تناول الآية له، و هكذا نفرض في كلّ مسألة. و موضع استدلالنا بعموم هذه الآية على وجوب شي‏ء من العبادات و القربات و أن نعين على ما يصحّ تناول الإيجاب له ثم ندخله في عموم الآية.

و يمكن أن نذكر للمخالف على سبيل المعارضة بما يروونه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال في المولود: «أهريقوا عنه دما» (1) ، و في خبر آخر: «يعقّ عن الغلام شاتان» (2) .

و عن عائشة أنها قالت: أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «أن نعقّ عن الغلام بشاتين و عن الجارية بشاة» (3) .

و روي عن ابن عبّاس: «أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عقّ عن الحسن و الحسين صلّى اللّه عليهما كبشا كبشا» (4) فجمع عليه السّلام في إيجاب العقيقة بين القول و الفعل.

و ليس لهم أن يتعلّقوا بما يروونه عن النبيّ عليه و آله السلام من قوله: «ليس في المال حقّ سوى الزكاة» (5) .

____________

(1) صحيح البخاري، 7: 109.

(2) جامع الأصول، 8: 315.

(3) جامع الأصول، 8: 316.

(4) جامع الأصول، 8: 316.

(5) سنن ابن ماجة، 1: 570.

124

و بما روي عنه عليه و آله السلام من قوله: «من أحبّ أن ينسك عن المولود فلينسك عن الغلام بشاتين، و عن الجارية بشاة» (1) فعلّق ذلك بالمحبّة، و ما كان واجبا لا يعلّق بالمحبّة.

و بما يروونه عن فاطمة صلوات اللّه عليها قالت: «يا رسول اللّه أعقّ عن ابني الحسن؟فقال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إحلقي رأسه و تصدقي بزنة شعره فضّة» (2) ، و لو كانت واجبة لأمرها عليها السّلام بها.

و الجواب عن ذلك كلّه: أنّ هذه أخبار آحاد تنفردون بها و لا نعرف عدالة رواتها و لا صفاتهم و بإزائها من الأخبار الّتي تقدّمها ننفرد برواياتها ما لا يحصى و ما تنفردون أيضا بروايته ما قد ذكرنا بعضه.

و لو عدلنا عن هذا كلّه و سلّمت هذه الأخبار من كلّ قدح و جرح أوجبت غالب الظنّ أ ليس من مذهبنا أنّ أخبار الآحاد لا توجب العمل في الشريعة بها؟ و إنّما جاز لنا أن نعارضهم بأخبار الآحاد، لأنّهم بأجمعهم يذهبون إلى وجوب العمل بأخبار الآحاد.

ثمّ نستظهر متبرّعين بذكر تأويل هذه الأخبار. أمّا الخبر الأوّل فلا دلالة لهم فيه؛ لأنّه نفي أن يكون في المال حقّ سوى الزكاة و العقيقة عند من أوجبها تجب في ذمّة الوالدين لا في المال.

و أمّا الخبر الثاني فلا حجّة فيه؛ لأنّه إنّما علّق الفضل في ذلك بالمحبّة لا الأصل و الفضل في أن يعقّ بشاتين و قد تجزئ الواحدة و يجري مجرى ذلك قول القائل من أحبّ أن يصلّي فليصلّ في المساجد و في الجماعات، و إنّما يريد الفضل و إن كان أصل الصلاة واجبا.

و أمّا الخبر الثالث فغير ممتنع أن يكون عليه السّلام عتق عنه أو عزم على أن يتولّى ذلك فعدل عن أمرها بذلك إلى قربة أخرى لهذه العلّة (3) .

____________

(1) جامع الأصول، 8: 314.

(2) سنن البيهقي، 9: 304.

(3) الانتصار: 191.

125

- وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ... [الحجّ: 78].

[هنا مسألتان: ]

[الاولى: ]و ممّا انفردت به الإمامية القول: بأنّ من تمضمض لطهارة فوصل الماء إلى جوفه لا شي‏ء عليه من قضاء و لا غيره، و إن فعل ذلك لغير طهارة من تبردّ بالماء أو غيره فعليه القضاء خاصة و لا غيره...

و الحجّة في مذهبنا الاجماع المتكرّر، و يمكن أن يتعلّق في ذلك بقوله تعالى: وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، و كلّ الحرج أن يأمرنا بالمضمضة و الاستنشاق في الصوم، و يلزمنا القضاء إذا سبق الماء إلى أجوافنا من غير تعمّد، و لا يلزم على ذلك التبرّد بالمضمضة؛ لأنّ ذلك مكروه في الصوم و الامتناع منه أولى فلا حرج عليه فيه‏ (1) .

[الثانية: ]و ممّا إنفردت به الإمامية القول: بأنّ من صام من شهر الثاني يوما أو أكثر من صيام الشهرين المتتابعين و أفطر من غير عذر كان مسيئا. و جاز له أن يبني على ما تقدم من غير استيناف، و خالف باقي الفقهاء في ذلك دليلنا بعد الاجماع الذي المتكرّر قوله تعالى: وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و قوله تعالى: يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ (2) ، و قد علمنا أنّ إلزام من ذكرناه الاستيناف مشقّة شديدة، و حرج عظيم‏ (3) .

- وَ تَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ [الحج: 78].

أنظر النساء: 115 من الشافي، 1: 216.

____________

(1) الانتصار: 64 و 65 و راجع أيضا الناصريات: 294 و أضاف هناك: «إن من فعل دواعي الوطي التي يقترن بها الإنزال فانزل غير مستدع للإنزال لم يفطر» .

(2) سورة النساء، الآية 28.

(3) الانتصار: 167.

126

سورة المؤمنون‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ (5) `إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) [المؤمنون: 5-6].

[و فيها أمور: الأوّل: ]اعلم أنّ في الشافعيّة (1) من يلحق‏[هذه الآية] بالمجمل و[كذا]قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ (2) من حيث خرج الكلام مخرج المدح في إحدى الآيتين، و مخرج الذم في الأخرى.

و هذا باطل؛ لأنّه لا تنافي بين وجه المدح و الذّمّ و بين ما يقتضيه العموم من الحكم الشامل، و إذا كان الرجوع في دلالة العموم إلى ظاهر اللفظ فبكونه مدحا أو ذمّا لا يتغيّر الظاهر، كما أن قوله تعالى: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ عموم و غير مجمل، و إن كان القصد به الزجر و التخويف، من حيث لا تنافي بين ذلك و بين عموم الحكم، فكذلك الأوّل‏ (3) .

[الثاني: انظر البقرة: 275 من الانتصار: 176].

[الثالث: انظر النساء: 24 المسألة الثانية من الانتصار: 109].

[الرابع: ممّا عاب به النظام امير المؤمنين عليه السّلام من الأحكام الّتي ادعى انه خالف فيها جميع الأمّة، بيعه أمّهات الأولاد.

و الجواب: ]أمّا بيع أمّهات الأولاد فلم يسر فيهنّ إلاّ بنصّ الكتاب و ظاهره، قال اللّه تعالى: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ (5) `إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا

____________

(1) نسبه الآمدي إلى الشافعي نفسه، الأحكام، 3: 384.

(2) سورة التوبة، الآية: 34.

(3) الذريعة، 1: 345.

127

مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) `فَمَنِ اِبْتَغى‏ََ وَرََاءَ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلعََادُونَ (7) و لا شبهة في أن أمّ الولد يطؤها سيّدها بملك اليمين؛ لأنها ليست زوجة و لا هو عاد في وطئها إلى ما لا يحلّ، و إذا كانت مملوكة مسترقة بطل ما يدعونه من أن ولدها أعتقها، و يبيّن ذلك أيضا أنه لا خلاف في أن لسيّدها أن يعتقها. و لو كان الولد قد أعتقها لما صح ذلك؛ لأن عتق المعتق محال.

و هذه الجملة توضح عن بطلان ما يروونه من أن ولدها أعتقها، ثمّ يقال لهم أ ليس هذا الخبر لم يقتض أن لها جميع أحكام المعتقات؛ لأنه لو اقتضى ذلك لما جاز أن يعتقها السيّد، و لا أن يطأها إلاّ بعقد، و إنّما اقتضى بعض أحكام المعتقات. فلا بدّ من مزيل فيقال لهم: فما أنكرتم من أن مخالفكم يمكنه أن يستعمله أيضا على سبيل التخصيص كما استعملتموه، فنقول انه لو أراد بيعها لم يجز إلاّ في دين، و عند ضرورة، و عند موت الولد. فكأنها يجري مجرى المعتقات فيما لا يجوز بيعها فيه، و ان لم يجز من كلّ وجه كما أجريتموها مجراهن في وجه دون آخر (1) .

- وَ لَقَدْ خَلَقْنََا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرََائِقَ وَ مََا كُنََّا عَنِ اَلْخَلْقِ غََافِلِينَ [المؤمنون: 17].

استدلّ جمهور المسلمين على أنّ السماوات سبع و أنّ الأرضين سبع، [بهذه الآية]و بقوله تعالى: اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ (2) .

قالوا: و جاءت الأخبار بشرح ما في السماوات سماء سماء. و احتجّوا بأنّها غير كروية بقوله: وَ جَعَلْنَا اَلسَّمََاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (3) و بقوله: وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ (4) `وَ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ (5) (4) .

____________

(1) تنزيه الأنبياء: 213. انظر تفصيل الكلام في نقد الأخبار الواردة في ذلك في الانتصار: 176 إلى 182.

(2) سورة الطلاق، الآية: 12.

(3) سورة الانبياء، الآية: 32.

(4) سورة الطور، الآيتان: 4، 5.

128

قالوا: و ليس يجوز أن يكون ما هو فوقنا يحاذي أقدامنا، و لا أن يحول بيننا و بين الأرض التي تحتنا.

قالوا: و قد وافقنا الفلاسفة على أنّ السماء فوقنا، و الفوق لا يكون مقابلا لطرف الأقدام.

و احتجّوا في أنّ الأرض مسطوحة بقول اللّه تعالى: وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ بِسََاطاً (1) و البساط لا يكون كرويا و لا معادلا ذات تحديب، و قال: وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا (2) أي بسطها، و قال: أَ لَمْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهََاداً (3) و هذا انّما هو احتجاجهم على أهل الملّة و إبانة عن البيت الذي زعموا أنّ الفلك و الارض غير كريين لا على من خالف الإسلام‏ (4) .

- مَا اِتَّخَذَ اَللََّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مََا كََانَ مَعَهُ مِنْ إِلََهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلََهٍ بِمََا خَلَقَ وَ لَعَلاََ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ سُبْحََانَ اَللََّهِ عَمََّا يَصِفُونَ (91) [المؤمنون: 91].

أنظر البقرة: 202 من الأمالي، 1: 374 و البقرة: 255 من الذخيرة:

581.

- وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ لاََ بُرْهََانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمََا حِسََابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ... [المؤمنون: 117].

أنظر آل عمران: 21 من الأمالي، 1: 233 و الإسراء: 70 من الرسائل، 2: 164 و الأعراف: 146 من الأمالي، 1: 304.

____________

(1) سورة نوح، الآية: 19.

(2) سورة النازعات، الآية: 30.

(3) سورة النبأ، الآية: 6.

(4) الرسائل، 3: 140.

129

سورة النّور

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ... [النور: 2].

[فيها أمور: الأوّل: ]و ممّا ظنّ انفراد الإمامية به و أهل الظاهر يوافقونهم فيه، القول: بأنّه يجمع على الزاني المحصن بين الجلد و الرجم، يبدأ بالجلد و يثني بالرجم، و داود مع أهل الظاهر يوافقونهم على ذلك‏ (1) ، و خالف باقي الفقهاء و قالوا: لا يجتمع الجلد و الرجم بل يقتصر في المحصن على الرجم‏ (2) ، دليلنا على ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، و أيضا لا خلاف في استحقاق المحصن الرجم، و إنّما الخلاف في استحقاق الجلد، و الذي يدلّ على إستحقاقه إياه قوله تعالى: اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ (3) و المحصن يدخل تحت هذا الاسم فيجب أن يكون مستحقا للجلد، و كأنّه تعالى قال: اجلدوهما لأجل زناهما، و إذا كان الزنا علّة في استحقاق الجلد وجب في المحصن، كما وجب في غيره، و استحقاقه للرجم غير مناف لاستحقاقه للجلد؛ لأنّ إجتماع الاستحقاقين لا يتنافى، و ليس يمكنهم أن يدّعوا دخول الجلد في الرجم، كما يدّعون دخول المسح في الغسل؛ لأنّ من المفهوم أنّه متميّز منه و غير داخل فيه.

فإن قالوا هذه الآية محمولة على الأبكار، قلنا: هذا تخصيص بغير دليل، فان عوّلوا في تخصيصه على ما رووه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: فان اعترفت فارجموها (4) و لم يذكر الجلد.

____________

(1) المغني (لابن قدامة) ، 10: 124.

(2) المجموع، 20: 7.

(3) سورة النور، الآية: 2.

(4) صحيح البخاري، 8: 208.

130

قلنا: هذا أولا خبر واحد غاية حاله-إذا سلم من كلّ قدح-أن يوجب الظنّ، و أخبار الآحاد لا يخصّ بها ظواهر الكتاب الموجبة للعلم، و إذا سلّمناه فليس فيه أكثر من خلّو الخبر من ذكر الجلد، و ذلك لا يسقط وجوبه، ألا ترى أنّهم كلّهم يدفعون استدلال من استدلّ على أنّ الشهادة في النكاح ليست بواجبة بأن يقول: إنّ اللّه تعالى ذكر النكاح في مواضع من الكتاب، و لم يذكر الشهادة في آيات النكاح، و لا شرطها بأن يقولوا عدم ذكر الشهادة في آيات النكاح لا يدلّ على أنّها ليست بواجبة، و ما سبيل المحتجّ بذلك إلاّ كسبيل من قال: إنّ الوضوء ليس بواجب؛ لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها (1) ، و لم يذكر الوضوء و لم يشرطه هاهنا، و لم يدلّ نفي إشتراطه على نفي وجوبه.

فإن احتجّ المخالف بما رواه قتادة، عن سمرة عن الحسن بن محمد أنّ جابرا قال: كنت فيمن رجم ماعزا و لم يجلده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم‏ (2) فالجواب عن ذلك: أنّ هذا أيضا خبر واحد لا يخصّص به ظواهر الكتاب الموجبة للعلم، و قد طعن في هذا الخبر؛ لأنّ قتادة دلسه، و قال عن سمرة و لم يقل: حدثني، و بعد فإنّ هذه شهادة بنفي و لا يتعلّق إلاّ بعلمه، كأنّه قال: لم أعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم جلده، و فقد علمه بذلك لا يدلّ على أنّه لم يكن، و غير ممتنع أن يجلده من حيث لا يعلم، فظاهر الخبر أنّ جابر عني بقوله: كنت فيمن رجم ماعزا، و لم يجلده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إنّما أراد لم يجلده في المجلس الذي رجم فيه؛ لأنّه قال: «كنت فيمن رجم و لم يجلده النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» و لو كان قصده إلى نفي الجلد على كلّ حال لم يكن في قوله: «كنت فيمن رجم» معنى؛ ألا ترى أنّ رجلا لو قال: ما أكل عمرو الطعام و هو يريد منذ ثلاثة أيّام لم يجز أن يقوي قوله: فانّي كنت معه طول البارحة فلم يطعم، و إنّما يحسن هذا القول منه إذا كان يريد نفي أكله مدّة ملازمته له.

____________

(1) سنن ابن ماجة، 1: 228 ح 698.

(2) المغني (لابن قدامة) ، 10: 125.

غ

131

و قد قيل: إنّ غاية ما في الخبر أنّ ظاهره يقتضي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ما باشر جلده بنفسه، و ذلك لا يدلّ على أنّه لم يأمر غيره بجلده.

و القول في الخبر الذي يرويه نافع عن ابن عمر أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم رجم اليهوديين و لم يجلدهما (1) يجري مجرى الكلام في هذا الخبر، على أنّ هذا الخبر الذي رووه معارض بما يروونه هم عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: الثيّب بالثيّب تجلد مائة و الرجم‏ (2) (3) ، و هذا يعارض رواياتهم و يسقط الرجوع عن ظاهر الكتاب بها، و إذا كان هذا موجودا في رواياتهم فما ترويه الشيعة من ذلك لا يحصى كثرة من اجتماع الجلد و الرجم‏ (4) .

[الثاني: ]و ممّا انفردت به الإمامية القول: بأنّ الإحصان الموجب في الزاني الرجم هو أن يكون له زوجة؛ أو ملك يمين يتمكّن من وطئها متى شاء من غير حايل عن ذلك بغيبة؛ أو مرض منهما، أو حبس دونه، سواء كانت الزوجة حرّة، أو أمة ملّية، أو ذمّية، لأنّ هذه الصفات إذا ثبتت فهو مستغن بالحلال عن الحرام، و نكاح المتعة عندنا لا يحصن على أصحّ الأقوال؛ لأنّه غير دائم و معلق بأوقات محدودات، و فرّقوا بين الغيبة و الحيض؛ لأنّ الحيض لا يمتدّ و ربّما امتدّت الغيبة، و لأنّه قد يتمتّع من الحائض بما دون موضع الحيض و ليس كذلك الغيبة... دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه: بعد إجماع الطائفة أنّ الإحصان اسم شرعي تحته حكم شرعي بغير شبهة، و لا خلاف في أنّ الحرّ المسلم إذا كان عنده زوجة، كذلك يتمكّن من وطئها بغير مانع عنه؛ فإنّه محصن‏ (5) .

[الثالث: ]و الشافعي و من وافقه من أبي يوسف و محمد، يجرون اللواط مجرى الزنا في جميع الأحكام، فيا ليت شعري من أين لهم ذلك؟و كيف حكموا فيه بحكم الزنا؟و اسم الزنا لا يتناوله في الشرع، فإن قالوا اسم الزنا و إن لم يتناوله فاسم الفاحشة عامّ في اللواط و الزنا، قلنا: إنّما علّق النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم

____________

(1) سنن ابن ماجة، 2: 854 ح 2556.

(2) سنن ابن ماجة، 2: 852 ح 2550.

(3) الوسائل، 18: 348 و 349 ح 7، 8، 9، 15.

(4) الانتصار: 254.

(5) الانتصار: 258 و 259.

132

الأحكام المخصوصة بأسم الزنا، فلمّا لم يقع عليه هذا الاسم المعيّن لم يتعلّق به الأحكام و اسم الفاحشة، و إن عمّ اللواط فهو يعمّ الزنا، و السرقة، و كلّ القبائح فيجب أن يجعل‏ (1) بجميع هذه الجنايات أحكام الزنا؛ لأنّ اسم الفاحشة يقع عليها، قال اللّه تعالى: قُلْ إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ (2) و إنّما أراد جميع القبائح و المعاصي.

[الرابع: ]و ممّا ظنّ إنفراد الإمامية به و أهل الظاهر يوافقونها فيه القول: بأنّ للامام و الحكّام من قبله أن يحكموا بعلمهم في جميع الحقوق و الحدود من غير إستثناء، و سواء علم الحاكم ما علمه و هو حاكم أو علمه قبل ذلك، و قد حكي أنّه مذهب لأبي ثور (3) .

و خالف باقي الفقهاء في ذلك... (4)

و الذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه-زائدا على الاجماع المتردد-قوله تعالى: اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ (5) ، و قوله تعالى: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا (6) ، فمن علمه الإمام سارقا أو زانيا قبل القضاء أو بعده، فواجب عليه أن يقضي فيه بما أوجبته الآية من إقامة الحدود، و إذا ثبت ذلك في الحدود فهو ثابت في الأموال، لأنّ من أجاز ذلك في الحدود أجازه في الأموال، و لم يجزه أحد من الأمّة في الحدود دون الأموال.

فإن قيل: لم زعمتم أنّه أراد بقوله: اَلزََّانِيَةُ وَ اَلزََّانِي وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ من علمتموه كذلك، دون أن يكون أراد من أقرّ عندكم بالسرقة، أو زنا، أو شهد عليه الشهود.

قلنا: من أقرّ بزنا أو شهد عليه الشهود لا يجوز أن يطلق القول بأنّه زان، و كذلك السارق، و إنّما حكمنا فيهما بالأحكام المخصوصة اتّباعا للشرع، و إن

____________

(1) يحصل لجميع خ ل.

(2) سورة الأعراف، الآية: 33.

(3) المغني (لابن قدامة) ، 11: 400.

(4) الانتصار: 236.

(5) سورة النور، الآية: 2.

(6) سورة المائدة، الآية: 38.

133

جوّزنا أن يكونا ما فعلا شيئا من ذلك، و الزاني في الحقيقة من فعل الزنا، و علم ذلك منه.

و كذلك السارق فحمل الآيتين على العلم أولى من حملهما على الشهادة و الإقرار... (1)

و وجدت لابن الجنيد كلاما في هذه المسألة غير محصّل‏ (2) ؛ لأنّه لم يكن في هذا دلالة، و لا إليه دراية، يفرّق بين علم النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بالشي‏ء و بين علم خلفائه و حكامه، و هذا غلط منه؛ لأنّ علم العالمين بالمعلومات لا يختلف، فعلم كلّ واحد بمعلوم بعينه كعلم كلّ عالم به، و كما أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أو الإمام إذا شاهدا رجلا يزني أو يسرق فهما عالمان بذلك علما صحيحا، و كذلك من علم مثل ما علماه من خلفائهما، و التساوي في ذلك موجود، و وجدته يستدلّ على بطلان الحكم بالعلم بأن يقول: وجدت اللّه تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقا أبطلها فيما بينهم و بين الكفّار و المرتدين، كالمواريث و المناكحة و أكل الذبائح، و وجدنا اللّه تعالى قد اطلع رسوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على من كان يبطن الكفر و يظهر الاسلام، و كان يعلمه و لم يبيّن صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحتهم و أكل ذبائحهم، و هذا غير معتمد؛ لأنّا أولا لا نسلّم له أنّ اللّه تعالى قد أطلع النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على مغيب المنافقين و كلّ من كان يظهر الإيمان و يبطن الكفر من أمّته، فإن استدلّ على ذلك بقوله تعالى: وَ لَوْ نَشََاءُ لَأَرَيْنََاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمََاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ (3) فهذا لا يدلّ على وقوع التعريف و إنّما يدلّ على القدرة عليه.

و معنى قوله: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ أي ليستقر ظنّك، أو وهمك من غير ظنّ، و لا يقين. ثمّ لو سلمنا على غاية مقترحة أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قد اطلع على البواطن لم يلزم ما ذكره؛ لأنّه غير ممتنع أن يكون تحريم المناكحة و الموارثة و أكل الذبائح إنّما يختص بمن أظهر كفره وردّته دون من أبطنها، و أن تكون المصلحة

____________

(1) الانتصار: 241.

(2) مختلف الشيعة، 8: 406.

(3) سورة محمّد، الآية: 30.

134

التي يتعلّق بها التحريم و التحليل اقتضت ما ذكرناه، فلا يجب على النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يبيّن أحوال من أبطن الردّة و الكفر لأجل هذه الأحكام التي ذكرناها، لأنّها لا تتعلّق بالمبطن و إنّما تتعلّق بالمظهر.

و ليس كذلك الزنا، و شرب الخمر، و السرقة؛ لأنّ الحدّ في هذه الأمور يتعلّق بالمبطن و المظهر على سواء، و إنّما يستحقّ بالفعلية التي يشترك فيها المعلن و المسرّ (1) .

- وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدََاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمََانِينَ جَلْدَةً وَ لاََ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهََادَةً أَبَداً وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ (4) `إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) [النور: 4، 5].

[فيها أمران: الأوّل: أن سأل سائل فقال: ]هل الاستثناء بالتوبة عائد إلى جميع الجمل، و مؤثّر فيها، أو هو مختصّ بما يليه.

قلنا: إنّ القاذف عندنا إذا تاب و كذّب نفسه في القذف تقبل شهادته، و هذا إنّما قلناه بدليل هو غير ظاهر الاستثناء؛ لأنّا قد بيّنّا أن تعقّب الاستثناء للجمل لا يجب القطع على عوده إليها أجمع إلاّ بدلالة، و قد أجمعت الإماميّة على الحكم الّذي ذكرناه في الآية، و إجماعهم حجّة، على ما دللنا عليه في غير موضع، و لو لم يثبت ذلك و ثبت أنّ إجماع المؤمنين حجّة بالآيات، أو بغيرها على ما يذهب إليه مخالفونا، لكان إجماع الإماميّة هو الحجّة؛ لأنّ الحقّ فيهم، و المؤمنون هم، و لمّا أجمعوا على أن الاستثناء بالتوبة يزيل اسم الفسق، و هذا لا خلاف بين أحد فيه، و أجمعوا أيضا على أنّه يفيد حكم قبول الشهادة، قلنا به، و لمّا لم يجمعوا على أن التوبة تزيل الحدّ، و تسقطه، لم نجعل الاستثناء راجعا إلى إقامة الحدّ خاصة.

و ممّا يمكن الاستدلال به على قبول شهادة القاذف بعد توبته-لا من جهة الإجماع الّذي أشرنا إليه-كلّ ظاهر في القرآن يقتضي قبول شهادة الشاهدين

____________

(1) الانتصار: 242.

135

العدلين، مثل قوله تعالى: وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ (1) و قوله تعالى:

مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَدََاءِ (2) و كلّ هذا يتناول القاذف بعد توبته، و إذا تناوله، صار هذا العموم بظاهره دليلا على أنّ اشتراط التوبة و إن كان متأخّرا فهو عائد إلى قبول الشهادة؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ استثناء التوبة في آخر الكلام يقتضي وجوب تعليقه بما يليه، و يجب التوقّف عن رجوعه إلى ما يصحّ عوده إليه من الجمل المتقدّمة إلاّ بدليل، فظاهر الآيات الّتي تلوناها يقتضي قبول شهادة القاذف بعد التوبة لتناول الظاهر له، فيقطع بذلك على عود الاستثناء إليه، لا من حيث الظاهر.

و يمكن أيضا أن يستدلّ على أن الاستثناء راجع إلى قبول الشهادة بقوله تعالى: إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ وَ أَصْلَحُوا و معلوم أنّ التوبة كافية في إسقاط حكم الفسق، و أنّ إصلاح العمل ليس بشرط في ذلك، و هو شرط في قبول الشهادة، فيجب أن يعود الاستثناء أيضا إلى قبول الشهادة.

فإن قيل: قوله تعالى: فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يليق إلاّ بإسقاط عقاب الفسق، دون قبول الشهادة.

قلنا: وصفه تعالى بالغفران و الرحمة ممّا يستحقّه جل اسمه على كلّ حال، و لا يحتاج فيه إلى مطابقة بعض ما يتعقّبه من الكلام.

على أنّ الرحمة هي النعمة، و اللّه تعالى منعم بالأمر بقبول شهادة التائب من القذف بعد أن كانت مردودة، و الغفران في الأصل مأخوذ من الغفر الّذي هو الستر، و منه المغفر؛ لأنّه ساتر، و إنّما سمّي الإسقاط للعقاب غفرانا، من حيث كان الساتر للشي‏ء المخفي له كأنّه مزيل له، و ماح لرسمه، و اللّه تعالى إذا أمرنا بقبول شهادة التائب من القذف، فقد أسقط ما كان تعبّد به قبل التوبة من ردّ شهادته، و أزاله، و هذا كلّه بيّن‏ (3) .

[الثاني: ]واصل هو أوّل من أظهر المنزلة بين المنزلتين؛ لأنّ الناس كانوا

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 282.

(2) نفس المصدر.

(3) الذريعة، 1: 269.

136

في أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال: كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر و الشرك، و المرجئة تسمّيهم بالإيمان، و كان الحسن و أصحابه يسمّونهم بالنفاق، فأظهر واصل القول بأنّهم فسّاق غير مؤمنين، و لا كفّار، و لا منافقين.

و كان عمرو بن عبيد من أصحاب الحسن و تلاميذه، فجمع بينه و بين واصل ليناظره فيما أظهر من القول بالمنزلة بين المنزلتين، فلمّا اتفقوا على الاجتماع ذكر أنّ واصلا أقبل و معه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن، و فيها عمرو بن عبيد جالس، فلمّا نظر إلى واصل، و كان في عنقه طول و اعوجاج قال: أرى عنقا لا يفلح صاحبها!فسمع ذلك واصل فلمّا سلّم عليه قال له: يابن أخي، إنّ من عاب الصنعة عاب الصانع، للتعلّق الذي بين الصانع و المصنوع؛ فقال له عمرو بن عبيد: يا أبا حذيفة، قد وعظت فأحسنت، و لن أعود إلى مثل الذي كان مني.

و جلس واصل في الحلقة، و سئل أن يكلّم عمرا فقال واصل لعمرو: لم قلت: إنّ من أتى كبيرة من أهل الصلاة استحقّ اسم النفاق؟فقال عمرو: لقول اللّه تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدََاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمََانِينَ جَلْدَةً وَ لاََ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهََادَةً أَبَداً وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ (1) ، ثمّ قال في موضع آخر: إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ (2) ، فكان كلّ فاسق منافقا؛ إذ كانت ألف المعرفة و لام المعرفة موجودتين في الفاسق؛ فقال له واصل: أ ليس قد وجدت اللّه تعالى يقول: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ (3) ، و أجمع أهل العلم على أنّ صاحب الكبيرة استحقّ اسم ظالم، كما استحقّ اسم فاسق؛ فألاّ كفّرت صاحب الكبيرة من أهل الصلاة بقول اللّه تعالى: وَ اَلْكََافِرُونَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ (4) ، فعرّف بألف و لام التعريف اللتين في قوله: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ كما قال في القاذف: وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ ، فسميّته منافقا لقوله تعالى: إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ !فأمسك عمرو، ثمّ قال له واصل: يا

____________

(1) سورة النور، الآية: 4.

(2) سورة التوبة، الآية: 67.

(3) سورة المائدة، الآية: 45.

(4) سورة البقرة، الآية: 254.

137

أبا عثمان؛ أيّما أولى أن يستعمل في أسماء المحدثين من أمّتنا ما اتفق عليه أهل الفرق من أهل القبلة، أو ما اختلف فيه؟فقال عمرو: بل ما اتفقوا عليه أولى، فقال له واصل: أ لست تجد أهل الفرق على اختلافهم يسمّون صاحب الكبيرة فاسقا، و يختلفون فيما عدا ذلك من أسمائه؛ لأنّ الخوارج تسمّيه مشركا فاسقا، و الشيعة تسمّيه كافر نعمة فاسقا!قال سيّدنا الشريف المرتضى أدام اللّه علوّه:

يعني بالشيعة الزّيدية-و الحسن يسمّيه منافقا فاسقا، و المرجئة (1) تسمّيه مؤمنا فاسقا؟فاجتمعوا على تسميته بالفسق، و اختلفوا فيما عدا ذلك من أسمائه، فالواجب أن يسمّى بالاسم الذي اتّفق عليه و هو الفسق؛ لاتّفاق المختلفين عليه، و لا يسمّى بما عدا ذلك من الأسماء التي اختلف فيها، فيكون صاحب الكبيرة فاسقا، و لا يقال فيه: إنّه مؤمن و لا منافق، و لا مشرك و لا كافر نعمة، فهذا أشبه بأهل الدين.

فقال له عمرو بن عبيد: ما بيني و بين الحقّ عداوة، و القول قولك، فليشهد عليّ من حضر أنّي تارك المذهب الذي كنت أذهب إليه؛ من نفاق صاحب الكبيرة من أهل الصلاة، قائل بقول أبي حذيفة في ذلك، و أنّي قد اعتزلت مذهب الحسن في هذا الباب. فاستحسن الناس هذا من عمرو.

و قيل: إنّ اسم الاعتزال اختصّت به هذه الفرقة لاعتزالهم مذهب الحسن بن أبي الحسن في تسمية مرتكب الكبيرة من أهل الصلاة بالنفاق؛ و حكي غير ذلك.

و قيل: إن قتادة بعد موت الحسن البصري كان يجلس مجلسه، و كان هو و عمرو بن عبيد جميعا رئيسين متقدّمين في أصحاب الحسن، فجرت بينهما نفرة، فاعتزل عمرو مجلس قتادة، و اجتمع عليه جماعة من أصحاب الحسن، فكان قتادة إذا جلس مجلسه سأل عن عمرو و أصحابه فيقول: ما فعل المعتزلة؟فسمّوا بذلك.

قال سيّدنا الشريف المرتضى ذو المجدين أدام اللّه علوه: أمّا ما ألزمه واصل بن عطاء لعمرو بن عبيد أوّلا فسديد لازم، و أمّا ما كلّمه به ثانيا فغير

____________

(1) بعض النسخ: «المرجئة في القديم غير الذين لا يؤيدون العقاب؛ بل هم الذين كان يؤخرون عليا عليه السّلام من غيره من الصحابة؛ و الإرجاء: التأخير» .

غ

138

واجب و لا لازم؛ لأنّ الإجماع و إن لم يوجد في تسمية صاحب الكبيرة بالنفاق أو غيره من الأسماء كما وجد في تسميته بالفسق فغير ممتنع أن يسمّى بذلك لدليل غير الإجماع، و وجود الإجماع في الشي‏ء، و إن كان دليلا على صحّته، فليس فقده دليلا على فساده؛ و واصل إنّما ألزم عمرا أن يعدل عن التسمية بالنفاق للاختلاف فيه، و يقتصر على التسمية بالفسق للاتّفاق عليه، و هذا باطل، و لو لزم ما ذكره للزمه أن يقال: قد اتّفق أهل الصلاة على استحقاق صاحب الكبيرة من أهل القبلة الذمّ و العقاب، و لم يتّفقوا على استحقاقه التخليد في العقاب، أو نقول إنّهم اجمعوا على استحقاقه العقاب، و لم يجمعوا على فعل المستحق به، فيجب القول بما اتفقوا عليه، و نفي ما اختلفوا فيه.

فإذا قيل استحقاقه للخلود، أو فعل المستحقّ به من العقاب، و ان لم يجمعوا عليه، فقد علم بدليل غير الإجماع؛ قيل له مثل ذلك فيما عوّل عليه، و بطل على كلّ حال أن يكون الاختلاف في القول دليلا على وجوب الامتناع منه، و هذا ينتقض بمسائل كثيرة ذكرها يطول.

على أنّ المقدمة التي قدّمها لا تشبه ما ألزم عليها، لأنّ الإجماع أولى من الاختلاف فيما يتعارض و يتقابل، و الإجماع و الاختلاف في الموضع الذي كلّم عليه واصل عمرا في مكانين؛ لأنّ الإجماع هو على تسميته بالفسق، و الاختلاف هو في تسميته بما عداه من الأسماء، فلا تعارض بينهما؛ و له أن يأخذ بالإجماع في موضعه، و يعوّل فيما الاختلاف فيه على دلالة غير الإجماع، لأنّ فقد الإجماع من القول لا يوجب بطلانه‏ (1) .

- وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ أَنَّ اَللََّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [النور: 20]

أنظر يوسف: 24 من التنزيه: 73.

- يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [النور: 24].

اعلم أن اللّه تعالى و ان كان عالما بجميع المعلومات و غير مستفيد بالمسائلة

____________

(1) الأمالي، 1: 177.

139

و المواقفة علما، فليس يمتنع أن يكون في ذلك أغراض و فوائد يفعل لأجلها؛ لأن بالمحاسبة و المسائلة و شهادة الجوارح تنكشف حال أهل الجنّة و حال أهل النار، و يتميّز كلّ فريق من صاحبه، فيسّر بذلك أهل الجنّة و الثواب، و يشتدّ إليه سكونهم و به انتفاعهم، و يغتمّ به أهل العقاب و يعظم لأجله انزعاجهم و قلقهم بانتظار وقوع العقاب بهم. و غير ممتنع أن يكون في العلم بذلك و التوقّع له في أحوال التكليف زجر عن القبيح، و بعث في فعل الواجب.

و قد نطق القرآن بالمحاسبة (1) ، و اجتمعت الأمّة على وقوعها، فلا وجه للشكّ فيها، و كذلك نشر المصحف‏ (2) ، و شهادة الجوارح.

غير أن المسألة و ان كانت عامّة فإنّها مترتّبة، فتكون للمؤمنين سهلة خفيفة لا إيلام فيها، و للكافر على سبيل المناقشة و التبكيت و التهجين، و قد فصل القرآن بتصريحه بين الحسابين.

و أمّا كيفيّة شهادة الجوارح، فقيل إن اللّه تعالى بناها بنية حيّ منفصل فتشهد بذلك. و قيل: إنّه تعالى يفعل الشهادة فيها، و أضافها إلى الجوارح مجازا.

و في الوجه الأوّل من المجاز مثل ما في الثاني؛ لأن الأوّل يقتضي أن اليد و الرجل خرجت من كونها يدا و رجلا إذا بنيت بنية حيّ منفصل، و الظاهر إضافة الشهادة إلى الجوارح.

و قد قيل: إن الشهادة وقعت من العاصي نفسه، و أحوج إلى أن يشهد بما فعل و يقرّبه، و بنى اللّه تعالى جوارحه بنيّة يمكن أن يستعمل في الكلام، و يكون آلة فيه.

و يقوي هذا الوجه قوله تعالى: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ ، و معلوم أن شهادة اللسان هي فعل صاحب اللسان، و كذلك باقي الجوارح، و قد يقول أحدنا لغيره: «أقرّ لسانك بكذا» و إنّما الإقرار بالحيّ، و كلّ هذا جائز.

____________

(1) مثل آية 40 سورة رعد.

(2) مثل آية 10 سورة تكوير.

140

و يمكن أن يكون ذلك عبارة عن وضوح الأمر في لزوم الحجّة لهم و العلم بما فعلوه و كسبوه، فعبّر عن قوّة العلم بشهادة الجوارح، كما يقول العربي:

«شهدت عيناك بكذا و أقرّت بأنّك فعلت كذا» ، و إنما يريد العلم الّذي ذكرنا.

و اللّه أعلم بمراده.

فأمّا الموازين‏ (1) فذهب قوم إلى أنها عبارة عن العدل و التسوية الصحيحة و القسمة المنصفة، كما يقولون: «أفعال فلان موزونة» و «كلامه بميزان» ، و هذا الوجه أشبه بالفصاحة.

و ذهب قوم آخرون إلى أن المراد به الميزان ذو الكفتين، و أن الأعمال و ان لم توزن في نفسها فالصحف المكتوب فيها هذه الأعمال يصحّ الوزن عليها.

و قيل: يجعل النور في احدى الكفّتين علامة للرجحان، و الظلمة في الأخرى علامة للنقصان.

و الوجه في حسن ذلك و حسن ما تقدّمه من شهادة الجوارح ما قدّمنا ذكره في وجه حسن المحاسبة و المواقفة.

و أمّا الصراط فقيل: إنّه طريق أهل الجنّة و أهل النار، و انه يتّسع لأهل الجنّة و يتسهّل سلوكه لهم، و يضيق على أهل النار و يشقّ سلوكه حتّى يتعثروا، و لا يجوز أن يكون شاقّا على الجميع كما يقوله الجهّال.

و قيل أيضا: إنّ المراد به الحجج و الأدلّة المفرقة بين أهل الجنّة و أهل النار، و المميّزة بينهم‏ (2) .

- وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ وَ اَلصََّالِحِينَ مِنْ عِبََادِكُمْ وَ إِمََائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرََاءَ يُغْنِهِمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ [نور: 32].

[فيها أمران:

الأوّل: قال الناصر رحمه اللّه: ] «الكفاءة معتبرة في النكاح و الكفؤ في الدين و في النسب روايتان» (3) .

____________

(1) مثل آية 9 سورة الأعراف.

(2) الذخيرة: 530.

(3) أفاد في البحر: أنهما قولان للناصر في اعتبار الكفاءة النسب و عدمه، 3: 49.

141

الذي يذهب إليه أصحابنا أنّ الكفاءة في الدين معتبرة؛ لأنّه لا خلاف بين الأمّة في أنّه لا يجوز أن يزوّج المرأة المسلمة المؤمنة بالكفّار.

و أمّا الكفاءة في النسب فليست شرطا في النكاح، و لم يختلف الفقهاء في أنّ عدم الكفاءة لا يبطل النكاح إلاّ ما حكي عن ابن الماجشون‏ (1) ، فإنّه ذهب إلى أنّها شرط في صحّته... و الذي يحتاج إليه أن يدلّ على أنّه لا اعتبار بالنسب في الكفاءة و صحّة العقد، و الذي يدلّ على ذلك الإجماع المتكرّر ذكره.

و أيضا ما روي من أنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد و لم يكن كفؤا لها، لأنّه مولى و هي حرة عربية (2) .

و أيضا ما روي من أنّ سلمان خطب إلى عمر بنته فأنعم له بذلك و كان سلمان عجميا (3) ، فدلّ على أنّ الكفاءة في النسب غير معتبرة.

و أيضا قوله تعالى: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ و كلّ ظاهر في القرآن يقتضي الأمر بالنكاح هو خال من الاشتراط في النسب.

فإن قيل: هو أيضا خال من اشتراط الدين.

قلنا: إنّما اشترطنا الدين بالدليل و الاجماع، و إلاّ فالظاهر لا يقتضي اشتراطه‏ (4) .

[الثاني: ]و ممّا ظنّ إنفراد الإمامية به، و شنّع عليهم لأجله القول بأنّ الشهادة ليست بشرط في النكاح، و قد وافق داود في ذلك‏ (5) ، و قال مالك: إذا لم يتواصوا بالكتمان صحّ النكاح و إن لم يحضروا الشهود (6) ؛ و باقي الفقهاء جعلوا الشهادة في النكاح شرطا (7) و الحجّة لقولنا إجماع الطائفة، و أيضا فانّ اللّه

____________

(1) المجموع، 16: 185.

(2) أحكام القرآن (للجصّاص) ، 2: 128.

(3) المبسوط، 5: 23.

(4) الناصريات: 327.

(5) نيل الأوطار، 6: 127.

(6) قال في الرسائل 1: 237 قال مالك: و شرط النكاح أن لا يتواصوا بأعلم يصحّ و إن حضر الشهود و ان لم يتواصوا بالكتمان صحّ و ان لم يحضر الشهود.

(7) المغني (لابن قدامة) ، 7: 339.

142

تعالى أمر بالنكاح في مواضع كثيرة من الكتاب و لم يشرط بالشهادة، و لو كانت شرطا لذكرت، على أنّ أبا حنيفة عنده أنّ كلّ زيادة في القرآن توجب النسخ‏ (1) ، فلو زاد الشهادة لكان ذلك نسخا للكتاب، و الكتاب لا ينسخ بأخبار الآحاد.

و ممّا يمكن أن يعارض المخالف به ما رووه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: «إنّ النساء عندكم عوار أخذتموهنّ بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه» (2) ، و ليس هاهنا كلام يستباح به فرج المرأة غير قول المزوّج قد زوّجت و قول المتزوّج قد تزوجت و ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّ الاستباحة حصلت بهذا الكلام بلا شرط زائد من شهادة و لا غيرها.

فإن قيل: إنّما أراد بكلمة اللّه قوله تعالى: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ و ما جرى مجراه من الألفاظ المبيحة للعقد على النساء؟

قلنا: تحليل الفرج لم يحصل بهذا القول، و لو كان حاصلا به لاستغنى عن العقد و الايجاب و القبول في الاباحة، و إنّما آيات القرآن استفيد (3) منها الاذن فيما يقع به التحليل و الاباحة و هو العقد و الايجاب و القبول.

فان احتجوا بما يروونه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: «لا نكاح إلاّ بولي و شاهدي عدل» (4) ، فالجواب عنه: أنّ هذا الخبر واحد، و هو مع ذلك مطعون في طريقه، و الزهري‏ (5) قد أنكره، و مداره عليه و في تضعيفه وجوه كثيرة لا نطوّل بذكرها، و مع ذلك فانّ النفي داخل في اللفظ على النكاح، و المراد حكمه؛ و ليس هم بأن يحملوه على نفي الصحة و الأجزاء بأولى منّا إذا حملناه على نفي الفضل و الكمال‏ (6) ، و أجريناه مجرى قوله عليه السّلام: لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد، و لا صدقة و ذو رحم محتاج‏ (7) .

____________

(1) المحصول، 1: 564.

(2) المبسوط (للسرخسي) ، 5: 59.

(3) يستفاد خ ل.

(4) سنن البيهقي، 7: 124، 126.

(5) المغني (لابن قدامة) ، 8: 338.

(6) قال في الرسائل 1/237: فكانه قال: لا نكاح فاضلا إلاّ بوليّ و شهود.

(7) الانتصار: 118 و راجع أيضا الرسائل: 1/236. و الناصريات: 319.

143

- وَ اَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ اَلْكِتََابَ مِمََّا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ فَكََاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [النور:

33].

و ممّا انفردت به الإمامية أنّه لا يجوز أن يكاتب العبد الكافر، و أجاز باقي الفقهاء ذلك‏ (1) ، و قد دللنا على نظير هذه المسألة في مسائل العتق و التدبير، و ما دللنا به هناك هو دليل في هذا الموضع‏ (2) .

و يمكن أن يستدل على ذلك أيضا بقوله تعالى: فَكََاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً فلا يخلو المراد بالخير أن يكون المال أو الصناعة و حسن التكسّب على ما قاله الفقهاء أو المراد به الخير الذي هو الدين و الإيمان، و لا يجوز أن يراد بذلك المال و لا المكتسب؛ لأنّه لا يسمّى الكافر و المرتد إذا كانا موسرين أو متكسبين، خيّرين، و لا أنّ فيهما خيرا؛ و يسمّى ذو الإيمان و الدين خيرا، و إن لم يكن موسرا و لا متكسبا، فالحمل على ما ذكرناه أولى، و لو تساوت المعاني في الاحتمال لوجب الحمل على الجميع‏ (3) .

- اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [النور: 35].

و يوصف تعالى بأنه «منوّر» على وجهين: أحدهما: أنه تعالى فاعل النور، و الآخر: بمعنى أنه ناصب للدلالة على الحق.

و لا يوصف تعالى بأنه «نور» على سبيل الحقيقة، و قوله تعالى: اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ معناه أنه منوّرها، أو فاعل لأهل السماوات و الأرض من الدلالة و البيان ما يستضيؤن به، كما يستضاء بالنور (4) .

- أَوْ كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشََاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحََابٌ ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا فَوْقَ بَعْضٍ إِذََا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) [النور: 40]

أنظر الأحزاب: 10 من الأمالي، 1: 321.

____________

(1) أحكام القرآن (للجصّاص) ، 3: 322.

(2) راجع الانتصار: 168 و 169 و 172.

(3) الانتصار: 174.

(4) الذخيرة: 595.

144

- أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ يُزْجِي سَحََاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكََاماً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاََلِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ (43) `يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ (44) [النور: 43-44].

[أقول: ]أمّا قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ فالمراد: ألم تعلم؛ و إن كان هذا اللفظ مشتركا بين الإدراك و العلم؛ و إنّما اختصّ هنا بالعلم دون الإدراك؛ لأنّ إضافة إزجاء السحاب و تأليفه و جميع ما ذكر في الآية إلى اللّه تعالى ممّا لا يستفاد بالإدراك؛ و إنّما يعلم بالأدلّة.

فأمّا قوله تعالى: يُزْجِي سَحََاباً فمعناه يسوق؛ و لا بدّ أن يلحظ في هذا الموضع السوق الضعيف الرفيق؛ يقال منه: أزجى يزجى إزجاء، و زجّى يزجّي تزجية، إذا ساق؛ و منه إزجاء الكسير من الإبل إذا سقته سوقا رفيقا حتّى يسير؛ و منه قوله تعالى: بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ (1) أي مسوقة شيئا بعد شي‏ء على ضعف و قلّة، قال عديّ بن الرقاع:

تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه # قلم أصاب من الدّواة مدادها (2)

و قال الأعشى:

الواهب المائة الهجان و عبدها # عوذا تزجّي خلفها أطفالها (3)

أراد بالعوذ الحديثة النتاج؛ و معنى «تزجّي» أي تسوق أطفالها وراءها سوقا رفيقا؛ لأنّها تحنّ فتتبع أطفالها؛ و قال مالك بن الرّيب المازنيّ:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة # بوادي الغضى أزجي القلاص النّواجيا (4)

____________

(1) سورة يوسف، الآية: 88.

(2) الطرائف الأدبية: 88؛ و الضمير في «تزجي» يعود إلى ظبية ترتعي و معها شادنها، و أغنّ: في صوته غنة؛ و هو الصوت الرخيم يخرج من الخياشيم، و الروق هنا: القرن؛ و إبرته: طرفه المحدد.

(3) ديوانه: 25.

(4) جمرة الأشعار: 296.

غ

145

و السحاب: جمع سحابة؛ و لهذا قال: يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ، أي بين كلّ سحابة و أخرى، و لو كان هاهنا أيضا اسما للجنس لجاز؛ لأنّ الجنس يوصل بعضه ببعض، و يؤلّف بعضه ببعض؛ و إنّما لا يصحّ ذلك في العين الواحدة.

فأمّا الرّكام فهو الذي جعل بعضه فوق بعض؛ و منه قوله تعالى: سَحََابٌ مَرْكُومٌ (1) ؛ و قوله تعالى‏ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً (2) .

فأمّا الودق فهو المطر؛ يقال ودق يدق ودقا؛ و كلّ ما قطر منه ماء أو رشح فهو وادق؛ و يقال: استودقت الفرس و الأتان إذا حنّت إلى الفحل و استدعت ماءه؛ و يقال أيضا: أودقت؛ و أتان وديق و ودوق؛ إذا أرادت إنزال الفحل الماء فيها.

و خلال الشي‏ء: خروقه و فروجه؛ و قد قرى‏ء: «من خلله» بغير ألف.

فأمّا قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ فإنّني وجدت جميع المفسّرين على اختلاف عباراتهم يذهبون إلى أنّه أراد أنّ في السماء جبالا من برد؛ و فيهم من قال: ما قدره قدر جبال؛ قال: يراد به مقدار جبال من كثرته.

و أبو مسلم بن بحر الأصبهانيّ خاصّة انفرد في هذا الموضع بتأويل طريف؛ و هو أن قال: الجبال ما جبل اللّه من برد، و كلّ جسم شديد مستحجر فهو من الجبال؛ ألم تر إلى قوله تعالى في خلق الأمم: وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ (3) و الناس يقولون: فلان مجبول على كذا.

و وجدت أبا بكر محمّد بن الحسن بن مقسم النحويّ يقول في كتابه المعروف بالأنوار: «و أمّا مِنْ الأولى؛ و الثانية فبمعنى حدّ التنزيل؛ و نسبته إلى الموضع الذي نزّل منه؛ كما يقال: جئتك بكذا، و من بلد كذا؛ و أمّا الثالثة فبمعنى التفسير و التمييز، لأنّ الجبال تكون أنواعا في ملك اللّه تعالى؛ فجاءت مِنْ لتمييز البرد من غيره؛ و تفسير معنى الجبال التي أنزل منها. و قد يصلح في

____________

(1) سورة الطور، الآية: 44.

(2) سورة الأنفال، الآية: 3.

(3) سورة الشعراء، الآية: 184.

146

مثل هذا الموضع من الكلام أن يقال: «من جبال فيها برد» بغير «من» ، يترجم برد عن جبال؛ لأنّها مخلوقة من برد، كما يقال: الحيوان من لحم و دم، و الحيوان لحم و دم؛ بـ «من» و بغير «من» .

و وجدت علي بن عيسى الرمانيّ يقول في تفسيره: إنّ معنى‏ مِنْ الأولى ابتداء الغاية؛ لأنّ السماء ابتداء الإنزال، و الثانية للتبعيض؛ لأنّ البرد بعض الجبال التي في السماء، و الثالثة لتبيين الجنس؛ لأنّ جنس الجبال جنس البرد» .

و هذه التفاسير على اختلافها غير شافية و لا كافية؛ و أنا أبيّن ما فيها من خلل، ثمّ أذكر ما عندي أنّه الصحيح:

أمّا من جعل في السماء جبال برد، أو ما مقداره مقدار الجبال-على اختلاف عباراتهم-فيدخل عليه أن يبقي عليه قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ بغير مفعول؛ و لا ما يتعلّق به؛ لأنّ تقدير الكلام على هذه التفاسير: و ينزّل من جبال برد في السماء؛ فما الشي‏ء الذي أنزل به!فما تراه مذكورا في الآية؛ و الكلام كلّه خال منه على هذا التأويل.

فأمّا أبو مسلم فيلزمه هذا الكلام بعينه، و يلزمه زائدا عليه أنّه جعل الجبال اسما للبرد نفسه؛ من حيث كان مجبولا مستحجرا.

و هذا غلط؛ لأنّ الجبال و إن كانت في الأصل مشتقّة من الجبل و الجمع فقد صارت اسما لذي هيئة مخصوصة.

و لهذا لا يسمّي أحد من أهل اللغة كلّ جسم ضمّ بعضه إلى بعض-مع استحجار أو غير استحجار-بأنّه جبل، و لا يخصّون بهذا اللفظ إلاّ أجساما مخصوصة.

و ليس يعترض على هذه التأويلات التي ذكرناها ما يظنّه بعض الناس من أنّه لا يجوز أن يكون في السماء جبال برد، أو ما قدره قدر الجبال من البرد؛ لأنّ ذلك غير ممتنع و لا مستحيل.

فإن قالوا: كيف لا تهوي تلك الجبال من البرد؟.

147

قلنا: يمسكها اللّه تعالى، و يسكّنها كما يمسك الأرض و الفلك.

و إنّما ينكر هذا أصحاب الطبائع، الذين لا يقرّون بالخالق جلّت عظمته، فيذكرون في سبب وقوف الأرض المركز و هو لا يعقل؛ و لو أثبتوا الصانع جلّت عظمته نسبوا سكون الأرض إليه، و استغنوا عن تكلّف ما لا يعقل و لا يفهم.

و الأولى في تفسير هذا الموضع أن تكون «من» الأولى و الثانية لابتداء الغاية، و الثالثة زائدة لا حكم لها؛ و يكون تقدير الكلام: و ينزّل من جبال في السماء بردا، فزاد «من» كما يزاد في قولهم: ما في الدار من أحد، و كم أعطيتك من درهم!و ما لك عندي من حقّ؛ و ما أشبه ذلك.

و علامة زيادتها في هذه المواضع أنّك إذا أخرجتها أو ألغيتها كان الكلام مستقلاّ لا يتغيّر معناه، و جرى قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ مجرى قول القائل: كم حملت لك من الكوفة من سوقها من ثوب!و المعنى:

كم حملت لك من سوق الكوفة ثوبا!.

و الأولى أن يريد بلفظة «السّماء» هنا ما علا من الغيم و ارتفع فصار سماء لنا؛ لأنّ سماء البيت و سماوته ما ارتفع منه؛ و لأنّ السحاب لا يكون في السماء التي هي الفلك للكواكب؛ و إنّما هو تحته، و أراد بالجبال التشبيه، لأنّ السحاب المتراكب المتراكم تشبّهه العرب بالجبال و الجمال؛ و هذا شائع في كلامها، كأنّه تعالى قال:

و ينزّل من السحاب الذي يشبه الجبال في تراكمه بردا؛ قد ظهر على هذا التأويل مفعول صحيح لـ «ننزّل» و لا مفعول لهذا الفعل على التأويلات المتقدّمة.

فإن قيل: إذا جاز أن تجعلوا مِنْ الأخيرة زائدة حتى يكون المنزّل هو البرد، فألاّ جعلتم‏ مِنْ الثانية هي الزائدة، و يكون تقدير الكلام: و ننزّل من السماء جبالا من برد!.

قلنا: ليس يشبه البرد في نزوله الجبال على وجه و لا سبب؛ و السّحاب المتراكم يشبه الجبال، و قد جرت عادة العرب بتشبيهه بها، فيجب أن تكون الثانية غير زائدة لما ذكرناه، و تكون الأخيرة زائدة؛ و إلاّ بقيتا بلا مفعول؛ و لأنّه‏

148

تعالى قال: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ ، و ما رأينا أحدا من المفسّرين لهذه الآية-على اختلافهم و ذكر أكثرهم كلّ ما تقتضيه وجوه الإعراب في آيات القرآن-تعرّض لذكر المفعول، و لا قال: إنّه ظاهر و لا مقدّر محذوف يدلّ الكلام عليه. و هذا على كلّ حال تقصير ظاهر.

فأمّا قوله تعالى: فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ فالمراد به:

فيصيب بضرره من يشاء، و يصرف ضرره عمّن يشاء؛ فإنّ العادة جارية بأنّ البرد يصيب أرضا و يتعدّى ما يجاورها و يلاصقها.

فأمّا قوله تعالى: يَشََاءُ يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ فسنا البرق ضوءه، و هو مقصور، و سناء المجد و الشرف ممدود، و الهاء في «برقه» راجعة إلى البرد أو السحاب؛ فقد جرى ذكر كلّ واحد منهما؛ و يجوز إضافة البرق إليهما.

فأمّا قوله: يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ و قد قرى‏ء «يذهب» بضمّ الياء؛ فالمراد به أنّ البرق من شدّة ضوئه يكاد يذهب بالعيون؛ لأنّ النظر إلى ماله شعاع شديد يضرّ بالعين؛ كعين الشمس و ما أشبهها؛ و القراءة بفتح الهاء أجود مع دخول الباء؛ تقول العرب: ذهبت بالشي‏ء؛ فإذا أدخلوا الألف أسقطوا الباء فقالوا: أذهبت الشي‏ء؛ بغير بإء.

فأمّا قوله‏ يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ فإنّما أراد أنّه يأتي بكلّ واحد منهما بدلا من صاحبه، و معاقبا له؛ لما في ذلك من المصلحة و المنفعة.

فأمّا قوله تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ فإنّما أراد بالعبرة العظة و الاعتبار، و روي عن الحسن أنّه قال: إنّما أراد ذوي أبصار القلوب لا العيون؛ لأنّ العين لا تضاف إليها العبرة و العظة.

و قال الكلبيّ: لأولي الأبصار في الدين. و ردّ قوم على الكلبيّ بأن قالوا:

لو أراد ذلك لقال: لأولي البصائر، لأنّ الدين يقال: فيه بصيرة لا بصر.

و الأولى أن يكون المراد بالأبصار هاهنا العيون، لأنّ بالعيون ترى هذه العجائب التي عدّدها اللّه تعالى، ثمّ يكون الاعتبار و العظة في القلب بها، و يكون‏

149

من لا موعظة له و لا اعتبار كأنّه لا بصر له؛ من حيث لم ينتفع ببصره، فجعل أولي الأبصار هم أولي الاعتبار من حيث انتفع أولو الاعتبار بأبصارهم، و إن لم ينتفع صمّا و بكما و عميا؛ من حيث أشبهوا بإعراضهم عن الفكر و التأمّل و الاعتبار من لا جوارح له. و هذا بيّن لمن تأمّله‏ (1) .

- وَ اَللََّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مََاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اَللََّهُ مََا يَشََاءُ إِنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ [النور: 45].

أنظر البقرة: 31 من الرسائل، 3: 112.

- وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‏ََ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاََ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [نور: 55].

[حكى القاضي استدلال شيخه «أبي عليّ» بهذه الآية على أن أبا بكر يصلح للإمامة، قال: ]فلم نجد هذا التمكين و الاستخلاف في الأرض الذي وعده اللّه من آمن و عمل صالحا من أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلاّ في أيّام أبي بكر و عمر؛ لأنّ الفتوح كانت في أيّامهم و أبو بكر فتح بلاد العرب، و صدرا من بلاد العجم. و عمر فتح مدائن كسرى و إلى حد (2) خراسان و الشام و مصر[ثمّ كان من عثمان فتح ناحية المغرب‏] (3) و خراسان و سجستان و غيرها، و إذا كان التمكين و الاستخلاف الذي تضمنته الآية لهؤلاء الأئمة و أصحابهم علمنا أنّهم محقّون، فلو لم يكن لهؤلاء لم يصحّ؛ لأنّه لم يكن لغيرهم الفتوح، و لو كان لغيرهم أيضا لوجب كون الآية متناولة للجميع‏ (4) و قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ (5) و لو كان الأمر على ما يقوله كثير من الإمامية أنّهم ارتدّوا بعد نبيّهم صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و خالفوا النصّ الجلي لما كانوا خير أمة؛ لأنّ أمّة موسى لم يرتدّوا بعد موسى بل كانوا متمسّكين به مع يوشع» .

____________

(1) الأمالي، 2: 260. و راجع أيضا الرسائل، 4: 18.

(2) في المغني «إلى جهة» .

(3) ما بين المعقوفتين ساقط من «المغني» .

(4) العبارة في «المغني» ناقصة و مشوشة.

(5) سورة آل عمران، الآية: 110.

150

و قال حاكيا عن أبي علي: «و كيف يتصوّر عاقل مع عظم حال الإسلام عند موت الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يكون الجميع ينقادون لأبي بكر و لا ينكرون إمامته، و قد نصّ رسول اللّه نصّا ظاهرا على واحد بعينه فلا يتّخذه أحد إماما و لا يذكرون ذلك. و لو جاز ذلك لجاز أن يكون للرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ولد و لا نصّ عليه، و لم يذكر ذلك و كيف يكونون مرتدّين مع أنّه تعالى أخبر أنّه جعلهم‏ أُمَّةً وَسَطاً و كيف يصحّ مع قوله عزّ و جلّ: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهََاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصََارِ وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسََانٍ رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ (1) و كيف يقول تعالى: لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ أُولََئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قََاتَلُوا (2) و كيف يصحّ ذلك مع قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ (3) الآية، فشهد بمدحهم و بأنّهم غيظ الكفّار، و نحن نعلم أنّه لا يغيظ الكفّار بستّة نفر على ما يقوله الإمامية، و كيف يصحّ ما قالوه مع قوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «خير الناس قرني ثمّ الذين يلونهم» و كلّ ذلك يبيّن بطلان قولهم: إنه لم يصلح للإمامة، و إنه مشكوك في فضله و إيمانه، ... » (4) .

[يقال له‏]فأوّل ما في ذلك أن الآية مشروطة بالإيمان، فيجب على من ادّعى تناولها القوم أن يبيّن إيمانهم بغير الآية و ما يقتضيه ظاهرها، ثمّ المراد بالاستخلاف هاهنا ليس هو الإمامة و الخلافة على ما ظنّوه، بل المعنى فيه بقاؤهم في أثر من مضى من الفرق و جعلهم عوضا منهم و خلفا.

و من ذلك قوله: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ فِي اَلْأَرْضِ (5) و قوله: عَسى‏ََ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (6) و قوله تعالى:

وَ رَبُّكَ اَلْغَنِيُّ ذُو اَلرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مََا يَشََاءُ (7) و قد ذكر أهل التأويل في قوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرََادَ

____________

(1) سورة التوبة، الآية: 100.

(2) سورة الحديد، الآية: 10.

(3) سورة الفتح، الآية: 29.

(4) المغني، 20: 326.

(5) سورة فاطر، الآية: 39.

(6) سورة الأعراف، الآية: 129.

(7) سورة الأنعام، الآية: 133.

151

أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرََادَ شُكُوراً (1) أن المراد به كون كلّ واحد منهما خلف صاحبه، و أنشدوا في ذلك قول زهير بن أبي سلمى:

بها العين و الآرام يمشين خلفة # و أطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم‏ (2)

و هذا الاستخلاف و التمكين في الدين لم يتأخّر إلى أيّام أبي بكر و عمر على ما ظنّه القوم بل كان في أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم حين قمع اللّه أعداءه، و أعلى كلمته، و نشر رايته، و أظهر دعوته، و أكمل دينه، و نعوذ باللّه أن نقول: إنّ اللّه لم يكن أكمل دينه لنبيّه في حياته حتى تلافى ذلك متلاف بعد وفاته، و ليس كلّ التمكين هو كثرة الفتوح و الغلبة على البلدان؛ لأن ذلك يوجب أن دين اللّه تعالى لم يتمكّن إلى اليوم لعلمنا ببقاء ممالك الكفرة كثيرة لم يفتحها المسلمون، و لأنه أيضا يوجب أن الدين تمكّن في أيّام معاوية و من بعده من بني أميّة أكثر من تمكّنه في أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و أبي بكر و عمر؛ لأنّ بني أميّة افتتحوا بلادا لم تفتتح قبلهم.

ثمّ يقال له: من أي وجه أوجبت كون التمكين فيمن ادّعيت؟فإن قال: لأني لم أجد هذا التمكين و الاستخلاف إلاّ في أيّامهم، و قد بيّنا ما في ذلك، و ذكرنا أن التمكين كان متقدّما و كذلك الاستخلاف على المعنى الذي ذكرناه، و إن قال:

لأنا لم نجد من خلف الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و قام مقامه إلاّ من ذكرته.

قيل له: أ ليس قد بيّنا أن الاستخلاف هاهنا يحتمل غير معنى الإمامة فلم حملته على الإمامة؟و بعد فإن حمله على المعنى الذي ذكرناه أقرب إلى مذهبك و أجرى على أصولك؛ لأنّه إذا حملته على الإمامة لم يعم جميع المؤمنين و إذا حمل على المعنى الذي ذكرناه عمّ جميع المؤمنين.

و بعد، فإذا سلم لك أن المراد به الإمامة لم يتمّ ما ادّعيته إلاّ بأن تدلّ من

____________

(1) سورة الفرقان، الآية: 62.

(2) البيت من المعلقة و العين-بالكسر-: بقر الوحش، و الآرام: الظبآء واحدها ريم بالفتح، و خلفة واحدة بعد واحدة، و الاطلاء جمع طلا و هو ولد الظبي الصغير، و المجثم: الموضع الذي يجثم فيه الطائر، أو بمعنى الجثوم-مصدر-أراد إن الدار اقفرت حتّى صارت مجثما لضروب الوحش.

غ

152

غير جهة الآية على أنّ أصحابك كانوا أئمّة على الحقيقة، و خلفاء للرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم حتّى تتناولهم الآية.

فإن قال: دليلي على تناولها لهم قول أهل التفسير.

قيل له، ليس كل أهل التفسير قال ما ادّعيت؛ لأن ابن جريح‏ (1) روى عن مجاهد في قوله تعالى: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ (2) قال: هم أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

و روي عن ابن عبّاس رضي اللّه عنه و غيره قريب من ذلك، و قد تأوّل هذه الآية علماء أهل البيت صلوات اللّه عليهم و حملوها على وجه معروف، فقالوا:

هذا التمكين و الاستخلاف و إبدال الخوف بالأمن إنّما يكون عند قيام المهدي عليه السّلام‏ (3) ، فليس على تأويلك إجماع من المفسّرين، و قول بعضهم ليس بحجّة.

فأمّا تعلقه بقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ (4) و إنّهم لو كانوا خالفوا النص الجلي لم يكونوا خير أمّة أخرجت للناس، فقد تقدّم من كلامنا على هذه الآية و كلامه أيضا على من استدلّ بها على صحّة الإجماع، فإنه ضعف الاستدلال بها، بما فيه كفاية، لكنّا نقول له هاهنا: أ لست تعلم أن هذه الآية لا تتناول جميع الأمة؛ لأن ما اشتملت عليه من الأوصاف من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غيرهما ليس موجودا في جميع الأمة.

فإن قال: هي متوجهة إلى الجميع كان علمنا بأن أكثرهم لا يأمر بالمعروف و لا ينهى عن المنكر دافعا لقوله، و إن اعترف بتوجهها إلى البعض. قيل له: فما المانع على هذا أن يكون الدافع للنصّ بعض الأمة ممن لم تتوجّه إليه الآية.

فإن قال: إنّما بنيت كلامي على أن الأمة كلّها لم تصل بدفع النصّ فلهذا استشهدت بالآية؟

____________

(1) هو عبد الملك بن جريح المكّي الأموي بالولاء من المفسّرين في أوائل القرن الثاني.

(2) سورة النور، الآية: 55.

(3) انظر مجمع البيان 7: 267.

(4) سورة آل عمران، الآية: 110.

153

قيل له: و من هذا الذي يقول: إن الأمة كلّها ضلّت بدفع النصّ حتّى يحتاج إلى الاستدلال عليه، و قد مضى في هذا المعنى عند الكلام في النصّ ما فيه كفاية.

فإن قال: فأيّ فضل يكون لهذه الأمّة على الأمم قبلها إذا كان أكثرها قد ضلّ و خالف النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و يجب أن يكون أمّة موسى أفضل منهم و خيرا؛ لأنّهم لم يرتدّوا بعد موسى عليه السّلام.

قيل له: أمّا لفظة «خير» و هي عندنا و عندك تبنى على الثواب و الفضل، و ليس يمتنع أن يكون من لم يخالف النصّ من الأمّة أكثر ثوابا و أفضل عملا من الأمم المتقدّمة و إن كان في جملة المسلمين من عدل عن النصّ، و ليس بمنكر أن يكون من قلّ عدده أكثر ثوابا ممن كثر عدده، ألا ترى أن أمّتنا بلا خلاف أقلّ عددا من أمم الكفر، و لم يمنع هذا عندك من أن يكونوا خير أمّة و لم يعتبر بقلّتهم و كثرة غيرهم، فكذلك لا يمنع ما ذكرناه من كون أهل الحق خيرا من سائر الأمم المتقدّمين و إن كانوا بعض الأمّة أقلّ عددا ممّن خالفهم، على انّك تذهب إلى أن قوما من الأمّة ارتدّوا بعد الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و طوائف من العرب رجعوا عن أديانهم حتّى قوتلوا على الردة، و لم يكن هذا في أمّة موسى و عيسى عليهما السّلام، و لم يوجب ذلك أن تكون أمّة موسى و عيسى عليهما السّلام خيرا من أمّتنا و لا مانع من أن تكون أمّتنا خيرا منهم، و إن كان من تقدّم قد سلم من الردّة بعد نبيّه و لم تسلم أمّتنا من ذلك. فظهر أنه لا معتبر في الردّة، بل المعتبر بالفضل و زيادة الجزاء على الأعمال.

فأما قوله: «كيف ينقادون لأبي بكر و قد نصّ عليه السّلام على غيره» فقد مضى في هذا من الكلام ما لا طائل في إعادته‏ (1) .

و قوله: «لو جاز ذلك لجاز أن يكون للرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ولد نصّ عليه و لم يذكر ذلك» فقد مضى في هذا الجنس من الكلام الكثير (2) ، على أنا نقول له: إنّما

____________

(1) راجع الشافي، 2: 126 أيضا تفسير الآية 87 و 88 من سورة «طه» في هذا الكتاب.

(2) راجع في ذلك «الشافي» ترى الوصف بالكثرة في محلّه.

154

تكون المعارضة بولد لم يذكر و لم ينقل النصّ عليه، في مقابلة من قال بنصّ لم يذكره ذاكر، و لم ينقله ناقل، و هذا ما لم نقل به نحن و لا أحد (1) ، و إنّما يكون عروضا لنصّ مذكور معروف تذهب إليه طائفة من الأمّة منتشرة في البلاد، و القول بنصّ على ولد له بهذه الصورة يجري مجراها (2) و معلوم فقد ذلك.

ثمّ يقال له: إذا جرى عندك القول بالنصّ الذي تذهب إليه مجرى النصّ على الولد فلم كان أحد الأمرين معلوما نفيه‏ (3) لكلّ عاقل ضرورة، و الآخر تختلف فيه العقلاء و تصنف فيه الكتب، و تنتحل له الأدلّة، و هذا يدلّ على افتراق الأمرين و بعد ما بينهما.

فأما قوله: «فكيف يكونون مرتدين مع أنه تعالى أخبر أنه جعلهم‏ أُمَّةً وَسَطاً (4) فقد مضى أيضا من الكلام في هذه الآية عند استدلاله بها في صحّة الإجماع ما فيه كفاية (5) ، و الكلام فيها يقرب من الكلام على قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ و جملة الأمر أنّه تعالى نعتهم بأنّهم خيار، و هذا نعت لا يجوز أن يكون لجميعهم، بل يتناول بعضهم و وصف بعضهم بأنّه خيار لا يمنع من ردّة بعض آخر.

فأمّا قوله تعالى: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهََاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصََارِ (6) فلنا في الكلام عليه وجهان: أحدهما: أن ننازع في أنّ السبق هاهنا السبق إلى الاسلام، و الوجه الآخر: أن نسلم ذلك فنبيّن أنّه لا حجّة في الآية على ما ادّعوه، و الوجه الأوّل بيّن؛ لأنّ لفظة «السابقين» في الآية مطلق غير مضاف، و يحتمل أن يكون مضافا إلى إظهار الإسلام، و اتباع النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بل المراد به السبق إلى الخيرات و التقدّم في فعل الطاعات، و يكون قوله: «الأولون» تأكيدا لمعنى السبق، كما

____________

(1) يريد الذاهبين إلى النصّ.

(2) يعني إذا كان النصّ على ولد له بالصورة التي يذهب إليها القائلون بالنصّ فإنّه يجري هذا المجرى و لكن ذلك مفقود.

(3) أي النصّ على الولد.

(4) سورة البقرة، الآية: 143.

(5) راجع تفسير الآية في هذا الكتاب.

(6) سورة التوبة، الآية: 100.