نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
155

يقولون: فلان سابق في الفضل إلى الخيرات سابق فيؤكّدون باللفظين المختلفين، و قد قال اللّه تعالى: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ (10) `أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ (11) (1) و قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ بِإِذْنِ اَللََّهِ (2) .

فإن قيل: إذا كان المراد ما ذكرتم فأي معنى لتخصيص المهاجرين و الأنصار و لو لا أنّه أراد السبق إلى الاسلام.

قلنا: لم نخصّ المهاجرين و الأنصار دون غيرهم؛ لأنه تعالى قال: وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسََانٍ (3) ، و هو عام في الجميع، على أنه لا يمتنع أن يخصّ المهاجرين و الأنصار بحكم هو لغيرهم، إمّا لفضلهم و علوّ قدرهم أو لغير ذلك من الوجوه.

فأمّا الوجه الثاني فالكلام فيه أيضا بيّن؛ لأنّه إذا سلم أن المراد بالسبق هو السبق إلى إظهار الاسلام فلا بدّ من أن يكون مشروطا بالاخلاص في الباطن؛ لأنّ اللّه تعالى لا يعد بالرضا من أظهر الاسلام و لم يبطنه، فيجب أن يكون الباطن معتبرا و مدلولا عليه فيمن يدّعي دخوله تحت الآية حتّى يتناوله الوعد بالرضا، و ممّا يشهد بأن الإخلاص مشروط مع السبق إلى إظهار الإسلام قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسََانٍ فشرط الإحسان الذي لا بدّ أن يكون مشروطا في الجميع على أنّ اللّه تعالى قد وعد الصابرين و الصادقين بالجنان، فقال: هََذََا يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (4) و قوله تعالى: وَ بَشِّرِ اَلصََّابِرِينَ (155) `اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قََالُوا إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ (156) `أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوََاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ (157) (5) و لم يوجب ذلك أن يكون كلّ صابر و صادق مقطوعا له بالجنّة، بل لا بدّ من شروط مراعاة، فكذلك القول في السابقين، على أنه لا

____________

(1) سورة الواقعة، الآيتان: 10، 11.

(2) سورة فاطر، الآية: 32.

(3) سورة التوبة، الآية: 100.

(4) سورة المائدة، الآية: 119.

(5) سورة البقرة، الآيات: 155-157.

156

يخلو المراد بالسابقين من أن يكون هو الأول الذي لا أول قبله أو يكون من سبق غيره و إن كان مسبوقا، و الوجه الأول هو المقصود؛ لأنّ الوجه الثاني يؤدّي إلى أن يكون جميع المسلمين سابقين إلاّ الواحد الذي لم يكن بعده إسلام أحد، و معلوم خلاف هذا، فلم يبق إلاّ الوجه الأول و لهذا أكّده تعالى بقوله:

«الأوّلون» لأنّ من كان قبله غيره لا يكون أولا بالإطلاق، و من هذه صفته بلا خلاف أمير المؤمنين عليه السّلام و حمزة و جعفر و خبّاب بن الأرت و زيد بن ثابت و عمار، و من الأنصار سعد بن معاذ و أبو الهيثم بن التيهان و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين فأمّا أبو بكر ففي تقدّم إسلامه خلاف معروف‏ (1) فعلى من ادّعى تناول الآية أن يدلّ أنه من السابقين‏ (2) .

فأمّا قوله تعالى: لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ (3) الآية فالاعتبار و هو بمجموع الأمرين يعني القتال و الانفاق، و معلوم أن أبا بكر لم يقاتل قبل الفتح و لا بعده، و هذا القدر يخرجه من تناول الآية، ثمّ في إنفاقه خلاف قد بيّنا من قبل الكلام فيه و أشبعناه، على أنّه لو سلّم لأبي بكر إنفاق و قتال-على بعدهما-لكان لا يكفي في تناول الآية له؛ لأنّه معلوم أن اللّه تعالى لا يمدح و لا يعد بالجنّة على ظاهر الانفاق و القتال، و إن كان الباطن بخلافه، و لا بدّ من اعتبار الباطن و النيّة و القصد إلى اللّه تعالى بالفعل، فعلى من ادّعى تناول الآية لمن ظهر منه إنفاق و قتال أن يدل على حسن باطنه و سلامة غرضه، و هذا لا يكون مفهوما من الآية و لا بدّ من الرجوع فيها إلى غيرها.

فأما قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ (4) الآية فأوّل ما يقال فيها أنّ الألف و اللاّم إذا لم تفد الاستغراق بظاهرها من غير دليل، لم يكن للمخالف متعلّق بهذه الآية؛ لأنها حينئذ محتملة للعموم و غيره على سواء و قد بيّنا أن الصحيح غير ذلك، و أن هذه الألفاظ مشترك الظاهر، و دلّلنا عليه في غير

____________

(1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، 13: 215.

(2) راجع تفسير هذه الآية أيضا في الرسائل، 3: 86.

(3) سورة الحديد، الآية: 10.

(4) سورة الفتح، الآية: 29.

157

موضع، و لو سلّمنا مذهبهم في العموم أيضا لم نسلم أما قصدوه؛ لأن قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ لا يعدو أحد أمرين: أحدهما: من كان في عصره و زمانه و صحبته، و الآخر: من كان على دينه و ملّته، و الأول يقتضي عموم أوصاف الآية و ما تضمّنته من المدح لجميع من عاصره و صحبه عليه السّلام، و معلوم أن كثيرا من هؤلاء كان منافقا خبيث الباطن لا يستحقّ شيئا من المدح و لا يليق به هذه الأوصاف، فثبت أن المراد بالذين معه من كان على دينه و متمسكا بملّته، و هذا يخرج الظاهر من يد المخالف و ينقض غرضه في الاحتجاج به؛ لأنا لا نسلم له أنّ كلّ من كان بهذه الصفة فهو ممدوح مستحق لجميع صفات الآية، و عليه أن يبيّن أن من خالفناه فيه له هذه الصفة حتى يحصل له التزاحم، و ليس لهم أن يقولوا: نحن نحمل اللّفظ (1) على الصّحبة و المعاصرة، و نقول إن الظاهر و العموم يقتضيان حصول جميع الصفات لكلّ معاصر مصاحب إلاّ من أخرجه الدليل، فالذي ذكرتم ممّن يظهر نفاقه و شكه نخرجه بدليل؛ و ذلك أنها إذا حملت على الصحبة و المعاصرة و أخرج بالدليل بعض من كان بهذه الصفة كانت الآية مجازا؛ لأنا إنّما نتكلّم الآن على أن العموم هو الحقيقة و الظاهر، و متى حملناها على أن المراد بها من كان على دينه عمّت كلّ من كان بهذه الصفة، فكانت الآية حقيقة على هذا الوجه، و صار ذلك أولى مما ذكروه، و ليس لهم أن يقولوا: إنّ الظاهر من لفظة «معه» يقتضي الزمان و المكان دون المذهب و الاعتقاد؛ لأنا لا نسلم ذلك، بل هذه اللفظة مستعملة في الجميع على سواء، و لهذا يحسن استفهام من قال: فلان مع فلان عن مراده، و قد يجوز أن يكون في أصل اللغة للمكان أو الزمان، و يكون العرف و كثرة الاستعمال قد أثر في احتمالها لما ذكرناه، على إنا لو سلّمنا ذلك أيضا لكان التأويلان جميعا قد تعادلا في حصول وجه من المجاز في كل واحد منهما، و ليس المخالف بأن يعدل إلى تأويله هربا من المجاز الذي في تأويلنا بأولى ممن عكس ذلك، و عدل

____________

(1) أي‏ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ .

158

عن تأويله للمجاز الذي فيه، و إذا تجاذب التأويلان و تعادلا بطل التعلّق بالظاهر، و لم يكن في الآية دليل للمخالف على الغرض الذي قصده، على انا قد بيّنا فيما تقدّم ما يقتضي خروج القوم عن مثل هذه الآية؛ لأن الشدّة على الكفّار إنّما تكون ببذل النفس في جهادهم و الصبر على ذلك، و أنه لا حظّ لمن يعنون فيه.

فأمّا قوله: «فكيف يغتاظ الكفّار من ستّة نفر» فأوّل ما فيه أنه بني من حكاية مذهبنا على فساد، فمن الذي قال له منا: إنّ المتمسكين بالحق بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كانوا ستّة أو ستين أو ستمائة؟و من الذي حصر له عددهم؟و ليس يجب إذا كنا نذهب إلى أنّهم قليل بالإضافة إلى مخالفيهم أن يكونوا ستّة؛ لأنّا نقول جميعا إن المسلمين بالإضافة إلى أمم الكفر قليل، و ليس هم ستّة و لا ستّة آلاف، على أنه قد فهم من قوله «و الذين معه» ما ليس مفهوما من القول؛ لأنّه حمله على من عاصره و كان في حياته، و ليس الأمر على ما توهّم؛ لأن المراد بذلك من كان على دينه و ملّته و سنّته إلى أن تقوم الساعة، و هؤلاء ممن يغيظ الكفار بلا شبهة، على إنا لو سلّمنا أن المراد به من كان في حياته في عصره لم يلزم أيضا ما ظنّه؛ لأنّه قد قتل و مات في حياة الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قبل الهجرة و بعدها ممّن كان على الحقّ عدد كثير و جم غفير يغيظ بعضهم الكفار فضلا عن كلّهم‏ (1) .

- لَيْسَ عَلَى اَلْأَعْمى‏ََ حَرَجٌ [النور: 61]

أنظر البقرة: 177 من الأمالي، 1: 207.

- أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبََائِكُمْ... [النور: 61]

أنظر البقرة: 74 من الأمالي، 2: 50.

- لاََ تَجْعَلُوا دُعََاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعََاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوََاذاً فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ [النور: 63].

[استدلّ بآيات قرآنية على أنّ الأمر دالّ على الوجوب لغة] (2) .

____________

(1) الشافي في الإمامة، 4: 36 و 45.

(2) الذريعة، 1: 36.

غ

159

فأوّلها ذيل هذه الآية؛ قالوا: لأنّ قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخََالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ، و التحذير يقتضي وجوب الامتثال.

و ثانيها قوله تعالى: فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاََ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمََّا قَضَيْتَ (1) .

و ثالثها قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (2) .

و رابعها قوله تعالى: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ (3) .

و خامسها قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ (4) .

و يقال لهم في أوّل ما تعلّقوا به من القرآن: أوّل ما نقوله: أنّه لو ثبت في القرآن أو السنّة ما يدلّ على وجوب المأمور به، لم يكن ذلك نافعا لمخالفنا، و لا ضارّا لنا؛ لأنّنا لا ننكر على الجملة أن يدلّ دليل على وجوب الأمر، و إنّما ننكر أن يكون ذلك يجب بوضع اللّغة. و إنّما نتكلّم فيما استدلّوا به من قرآن أو سنّة على وجوب الأمر، لا لأنّه إن صحّ قدح فيما أصّلناه، و إنّما نتكلّم فيه لأنّه لا يدلّ على المقصود. و هذه جملة يجب أن تكون محصّلة مراعاة.

ثمّ نقول: اقتران الوعيد بهذا الأمر هو الدلالة على وجوبه، فمن أين لكم أنّ الأمر المطلق يدلّ على الوجوب.

ثمّ إنّ المراد ظاهر، و هو أنّه أراد الخلاف على الرسول عليه السّلام على سبيل جحد النبوّة، بدلالة أوّل الآية بقوله تعالى: لاََ تَجْعَلُوا دُعََاءَ اَلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعََاءِ بَعْضِكُمْ ، و هذا إنكار على من لم يلتزم الانقياد له لأجل النبوّة، و لا محالة إنّ خلافه على هذا الوجه كفر.

و بعد، فإنّ مخالفة الأمر هو ضدّ الموافقة، و فعل ما ندب إليه على وجه الوجوب مخالفة له، كما أنّ فعل ما أوجبه مقصودا به إلى الندب مخالفة أيضا،

____________

(1) سورة النساء، الآية: 65.

(2) سورة الأحزاب، الآية: 36.

(3) سورة النساء، الآية: 59.

(4) سورة الجن، الآية: 23.

160

و الآية تضمّنت التحذير من المخالفة فمن أين لهم وجوب ما أمر به، حتّى يكون من فعله على غير هذا الوجه مخالفا. فعلم أنّ ظاهر الآية مشترك بيننا و بينهم، و أنّه لا حجّة فيها لهم‏ (1) .

و يقال لهم فيما تعلّقوا به ثانيا: ليس المراد بالقضاء هيهنا الأمر المطلق، بل الإلزام، كما نقول: قضى القاضي بكذا و كذا، بمعنى حكم و ألزم، و لهذا لا تسمّى الفتوى قضاء.

و الكلام فيما تعلّقوا به ثالثا، كالكلام في هذه الآية، فلا معنى لإعادته.

و يقال لهم فيما تعلّقوا به رابعا، من قوله تعالى: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ إنّ هذا أمر، و الخلاف فيه نفسه، فكيف يستدلّ به على نفسه. و الطاعة هي امتثال الأمر، و قد بيّنّا أنّ الطاعة تدخل في الندب و الإيجاب جميعا، فكيف يعقل من الظاهر أحدهما.

و أيضا؛ فإنّ الطاعة هي امتثال الأمر على الوجه الّذي تعلّق به الأمر إمّا بإيجاب أو ندب، حسبما مضى من الكلام في المخالفة، فمن أين لهم أن أمره على الوجوب، حتّى يكون من فعله على هذا الوجه مطيعا له، و إلاّ كان على الندب، و طاعته إنّما هي فعله على هذا الوجه.

و يقال لهم فيما تعلّقوا به خامسا: إنّا قد بيّنّا أن المعصية قد تدخل في الندب كما تدخل في الواجب، و أنّه قد يكون عاصيا لمخالفة الأمر على وجه لا يستحقّ به الوعيد، فيجب أن تحمل الآية لأجل الوعيد على مخالفة الأمر الواجب‏ (2) .

____________

(1) راجع أيضا الذريعة، 2: 583.

(2) الذريعة، 1: 66.

161

سورة الفرقان‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- تَبََارَكَ اَلَّذِي إِنْ شََاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذََلِكَ... [الفرقان: 10]

أنظر مريم: 28، 29 من الأمالي، 2: 170.

- قُلْ أَ ذََلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ كََانَتْ لَهُمْ جَزََاءً وَ مَصِيراً [الفرقان: 15]

[إن سأل سائل فقال: كيف‏]أدخل لفظة «أفعل» فيما لم يشتركا في الصفة؟

[الجواب‏]ذلك أنّ الكلام قد يخرج كثيرا في لسان العرب على حسب اعتياد المخاطب، و إذا كان العامل أعمال أهل النار و الموثّر لها على ما يعقبه الجنّة، كأنّه قد اعتقد أنّ الذي عمل له خير ممّا لم يعمل له، جاز أن يقال:

الذي اعتقدته و عملت له خيرا أنّ كذا و كذا، و قد قيل في ذلك أنّ لفظة «أفعل» يقتضي ما ذكرناه إذا كانت خيرا، فأمّا إذا خرجت مخرج التقريع و التهديد، جاز أن يراد بها خلاف ذلك على جهة المجاز (1) .

[انظر أيضا الفرقان: 15 من التنزيه: 82].

- وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذََاباً كَبِيراً [الفرقان: 19].

أنظر غافر: 18 من الذخيرة: 504.

- وَ قَدِمْنََا إِلى‏ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنََاهُ هَبََاءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23].

و يوصف تعالى بأنه يقدم على الفعل فهو قادم بمعنى عمد، قال اللّه تعالى:

____________

(1) الملخص، 2: 219.

162

وَ قَدِمْنََا إِلى‏ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنََاهُ هَبََاءً مَنْثُوراً ، و القادم من سفره متعمّدا للعود يوصف بذلك. و لا على هذا أنه قد يسمّى قادما من سفره و ان كان نائما أو مغمى عليه؛ لأن ذلك مجاز و حقيقته قدم به و أقدم من سفره، كما يسمّون من سير به و لا يشعر سائرا مجازا، فنقلوا اسم الفاعل فيه إليه مجازا (1) .

- وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ وَ رَتَّلْنََاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان: 32].

[سئل‏]ما القول عنده فيما ذهب إليه أبو جعفر ابن بابويه رضى الله عنه من أنّ القرآن نزل جملة واحدة على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى أن يعلم به جملة واحدة، و انصرف على قوله سبحانه: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً الآية، إلى أنّ العلم به جملة واحدة، انتفى على الذين حكى اللّه سبحانه عنهم هذا لا عنه عليه السّلام بقول اللّه تعالى: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ (2) .

و ذلك على مقتضى ثبوت هذه الصفة للعموم المستغرق يدلّ على ما ذهب إليه، إذ ظاهره أقوى من الظاهر المتقدّم. و لو تكافئا في الظاهر، لوجب تجويز ما ذهب إليه، إلاّ أن يصرف عنه دليل قاطع يحكم على الآيتين جميعا، و ليس للعقل في ذلك مجال، فلا بدّ من سمع لا يدخله الاحتمال.

و يلزم تجويز ما ذهب إليه أيضا على مقتضى ثبوت هذه الصورة مشتركة بين العموم و الخصوص على سواء.

و قد جاءت روايات إن لم يوجب القطع بهذا الجائز أوجبت ترجيحه و نحوها، يقتضي أنّ اللّه سبحانه أنزل القرآن على نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم جملة واحدة، ثم كان جبرئيل عليه السّلام يأتيه عن اللّه سبحانه، بأن يظهر في كلّ زمان ما يقتضيه الحوادث و العبادات المشروعة فيه، و أشهد على ذلك بقوله تعالى: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (3) .

____________

(1) الذخيرة: 594.

(2) سورة البقرة، الآية: 185.

(3) سورة طه: 114.

163

فإن يكن القطع بذلك صحيحا على ما ذهب إليه أبو جعفر رحمه اللّه أنعم بذكره و تصرّفه، و إن يكن عنده باطلا تطوّل بالإبانة عن بطلانه و كذب روايته، و إن كان الترجيح له أولى ذكره، و إن كان الصحيح عنده تكافى‏ء الجائزين نظره إن شاء اللّه تعالى.

[قال: ]الجواب:

أمّا إنزال القرآن على النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في وقت واحد أو في أوقات مختلفة، فلا طريق إلى العلم به إلاّ السمع؛ لأنّ البيانات العقلية لا تدلّ عليه و لا تقتضيه. و إذا كان الغرض بإنزال القرآن أن يكون علما للنبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و معجزا لنبوّته و حجّة في صدقه، فلا حجّة في هذا الغرض بين أن ينزل مجتمعا أو متفرّقا.

و ما تضمّنه من الأحكام الشرعية فقد يجوز أن تكون مترتّبة في أزمان مختلفة، فيكون الاطلاع عليها و الاشعار بها مترتّبين في الأوقات بترتيب العبادات.

و كما أنّ ذلك جائز، فجائز أيضا أن ينزّل اللّه تعالى جملة واحدة على النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و إن كانت العبادات التي فيه تترتّب و تختصّ بأوقات مستقبلة و حاضرة.

و الذي ذهب إليه أبو جعفر ابن بابويه رحمه اللّه من القطع على أنّه أنزل جملة واحدة، و إن كان عليه السّلام متعبّدا بإظهاره و أدائه متفرّقا في الأوقات. إن كان معتمدا في ذلك على الأخبار المروية التي رواها فتلك أخبار آحاد لا توجب علما و لا تقتضي قطعا، و بأزائها أخبار كثيرة أشهر منها و أكثر، تقتضي أنّه أنزل متفرّقا، و أنّ بعضه نزل بمكّة و بعضه بالمدينة، و لهذا نسب بعض القرآن إلى أنّه مكّي و بعضه مدني.

و أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان يتوقّف عند حدوث حوادث، كالظهار و غيره، على نزول ما ينزل إليه من القرآن، و يقول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما أنزل إلى في هذا شي‏ء.

و لو كان القرآن أنزل جملة واحدة لما جرى ذلك، و لكان حكم الظهار

164

و غيره ممّا يتوقّف فيه معلوما له، و مثل هذه الأمور الظاهرة المنتشرة لا يرجع عنها بأخبار الآحاد خاصة.

فأما القرآن نفسه فدالّ على ذلك، و هو قوله تعالى: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً و لو كان أنزل جملة واحدة لقيل في جوابهم قد أنزل على ما اقترحتم، و لا يكون الجواب كذلك‏ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ وَ رَتَّلْنََاهُ تَرْتِيلاً .

و فسّر المفسّرون كلّهم ذلك بأن قالوا: المعنى إنّا أنزلناه كذلك أي متفرّقا يتمهل على أسماعه، و يتدرج إلى تلقّيه.

و الترتيل أيضا إنّما هو ورود الشي‏ء في أثر الشي‏ء، و صرف ذلك إلى العلم به غير صحيح؛ لأنّ الظاهر خلافه.

و لم يقل القوم لو لا أعلمنا بنزوله جملة واحدة، بل قالوا: لو لا أنزل إليك جملة واحدة، و جوابهم إذا كان أنزل كذلك أن يقال: قد كان الذي طلبتموه، و لا يحتج لإنزاله متفرّقا بما ورد بنزوله في تمام الآية.

فأمّا قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ فإنّما يدلّ على أنّ جنس القرآن نزل في هذا الشهر، و لا يدلّ على نزول الجميع فيه.

ألا ترى أنّ القائل يقول: كنت أقرأ اليوم القرآن، و سمعت فلانا يقرأ القرآن، فلا يريد جميع القرآن على العموم، و إنّما يريد الجنس.

و نظائره في اللغة لا تحصى، ألا ترى أنّ العرب يقول: هذه أيّام آكل فيها اللحم، و هذه أيام آكل فيها الثريد، و هو لا يعني جميع اللحم و أكل الثريد على العموم، بل يريد الجنس و النوع.

و قد استقصيت هذه النكتة في مواضع كثيرة من كلامي.

فأمّا قوله تعالى: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ (1) فلا ندري من أيّ وجه دلّ على أنّه أنزل جملة واحدة و قد كان أنّه رحمه اللّه يبيّن وجه

____________

(1) سورة طه، الآية: 114.

165

دلالته على ذلك. و هذه الآية بأن تدلّ على أنّه ما أنزل جملة واحدة أولى؛ لأنّه تعالى قال: قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ََ إِلَيْكَ وَحْيُهُ و هذا يقتضي أنّ في القرآن منتظرا ما قضى الوحي به وقوع منه، فإنّ نزول ذلك على أنّ المراد به قبل أن يوحى إليك بأدائه، فهو خلاف الظاهر.

و قد كنا سئلنا إملاء تأويل هذه الآية قديما، فأملينا فيها مسألة مستوفاة، و ذكرنا عن أهل التفسير فيها وجهين، و ضممنا إليهما وجها ثالثا تفرّدنا به‏ (1) .

و أحد الوجهين المذكورين فيها: أنّه كان عليه السّلام إذا نزل عليه الملك بشي‏ء من القرآن قرأه مع الملك المؤدي له إليه قبل أن يستتمّ الأداء حرصا منه عليه السّلام على حفظه و ضبطه، فأمر عليه السّلام بالتثبّت حتى ينتهي غاية الأداء، لتعلّق الكلام بعضه ببعض.

و الوجه الثاني: أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم نهي أن يبلغ شيئا من القرآن قبل أن يوحى إليه بمعناه و تأويله و تفسيره.

و الوجه الذي انفردنا به: أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم نهي عن أن يستدعي من القرآن ما لم يوح إليه به؛ لأنّ ما فيه مصلحة منه لا بدّ من إنزاله و إن لم يستدع؛ لأنّه تعالى لا يدخّر المصالح عنهم و ما لا مصلحة فيه لا ينزله على كلّ حال، فلا معنى للاستدعاء و لا تعلّق للآية بالموضع الذي وقع فيه‏ (2) .

- وَ أَنْزَلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً طَهُوراً [الفرقان: 48].

[فيها أمران: ]

[الأوّل: قال الناصر رحمه اللّه: ] «إن وقعت النجاسة في ماء كثير لم ينجس، ما لم يتغيّر أحد أوصافه، و الكثير ما بلغ قلّتين فصاعدا» .

قد اختلف الفقهاء في هذه المسألة:

فقالت الشيعة الإماميّة: إنّ الماء الكثير لا ينجس بحلول النجاسة فيه إلاّ بأن يغيّر لونه أو طعمه أو رائحته.

____________

(1) تقدّم في سورة طه.

(2) الرسائل، 1: 401.

166

و حدّ الكثير عندهم ما بلغ كرّا فصاعدا.

و حدّ الكرّ ما وزنه ألف و مائتا رطل بالرطل المدنيّ، و الرطل المدنيّ مائة و خمسة و تسعون درهما...

دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً طَهُوراً .

و قد علمنا أنّ الماء الكثير إذا خالطته نجاسة فلم يتغيّر أحد أوصافه، لم يخرجه من أن يكون منزلا من السماء و من أن يكون مستحقّا لهذا الوصف، فيجب أن يكون الحكم المقترن بهذا الاسم (لازما له ما لزمه هذا الاسم) .

و قد روى أصحاب الحديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا» (1) .

و روت الشيعة الإمامية عن أئمّتها عليهم السّلام بألفاظ مختلفة، و وجوه مختلفة: أنّ الماء إذا بلغ كرّا لم ينجّسه ما يقع فيه من نجاسة، إلاّ بأن يغيّر أحد أوصافه.

و أجمعت الشيعة الإماميّة على هذه المسألة (2) ، و إجماعها هو الحجّة فيها.

و أمّا الكلام في تصحيح الحدّ الذي ذكرناه من الكرّ و تعيّنه بالأرطال، فالحجّة في صحّته إجماع الإماميّة عليه و إجماعها هو الحجّة (3) .

[الثاني: قال الناصر رحمه اللّه: ] «سؤر السّباع نجس» .

الصحيح عندنا أنّ سؤر جميع البهائم من ذوات الأربع و الطيور-ما خلا الكلب و الخنزير-طاهر يجوز الوضوء به.

و يكره سؤر ما يأكل الجيف و الميتة من هذه الجملة، و كذلك يكره سؤر الجلاّل... دليلنا على كراهية سؤر ما ذكرناه و جواز الوضوء، قوله تعالى:

وَ أَنْزَلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً طَهُوراً .

و قوله تعالى: وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ، و قد علمنا أنّ

____________

(1) انظر النهاية، 4: 162.

(2) انظر الكافي، 3: 2 ح 2.

(3) الناصريات: 68.

غ

167

شرب البهائم منه لا يخرجه من أن يكون منزّلا من السماء، فيجب بقاؤه على أصل الطهارة (1) .

[انظر أيضا المقدّمة الثانية، الأمر السادس‏].

- وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرََادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرََادَ شُكُوراً [الفرقان: 62].

أنظر النور: 55 من الشافي، 4: 36: و 45.

- وَ مَنْ تََابَ وَ عَمِلَ صََالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اَللََّهِ مَتََاباً [فرقان: 71].

أي عظيما مقبولا (2) .

- قُلْ مََا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاََ دُعََاؤُكُمْ... [الفرقان: 77]

أنظر الزخرف: 86 من الأمالي، 2: 306.

____________

(1) الناصريات: 81.

(2) الرسائل، 4: 241.

168

سورة الشعراء

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ [الشعراء: 4]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177: إلى 247.

- وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ اَلرَّحْمََنِ مُحْدَثٍ إِلاََّ كََانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [الشعراء: 5]

أنظر الأنبياء: 2 من الملخص، 2: 423.

- أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى اَلْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [الشعراء: 7].

[إن سأل سائل‏]روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه لمّا افتتح خيبر وقعوا في الثوم فأكلوه، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: من أكل هذه البقلة الخبيثة فلا يقربنّ مسجدنا حتّى يذهب ريحها (1) .

و قد قال اللّه عزّ و جلّ: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى اَلْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ و ما سمّاه اللّه تعالى كريما كيف يصحّ أن يسمّى خبيثا.

و روي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال لجابر بن سليمان: يا جابر لا تسبنّ شيئا، فكان جابر لا يسبّ شيئا. و قوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم للثوم «البقلة الخبيثة» ضرب من السبّ.

الجواب: إعلم أنّ أخبار الأحاد غير معلوم و لا مقطوع على صحّتها، و الصدق فيها أقلّ كثيرا من الكذب. و إنّما يجب أن نتأوّل من الأخبار ما علمناه و قطعنا على صحّته، و جائز كونه كذبا.

غير أنّا نخرج له وجها تطوّعا، و هو أن يريد عليه السّلام بالخبيثة المنتنة الريح،

____________

(1) صحيح البخاري، 1: 207.

169

و معلوم أنّ المجاور لمن أكل الثوم يتأذّى برائحته شديدا، فنهى النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم آكلها من دخول المساجد؛ لئلا يؤذّي أهله و المصلّين فيه.

و ليس ينافي وصف هذا النبات بأنّه كريم وصفه بأنّه منتن الرائحة؛ لأنّ معنى كريم أنّه دال على اللّه تعالى، و أنّه لطف في مصالح كثيرة دينية، و هذا المعنى لا ينافي نتن الريح.

ألا ترى أنّ اللّه قد وصف كلّ ما خلقه بالحسن و التمام و الاحكام، و ممّا خلق القرد و الخنزير و كثير من الخلق الذي يستقذر، و ذلك لا ينافي الحسن و الحكمة و إن نفر كثير من الطباع عنها.

و يمكن وجه آخر: و هو أن يريد بقوله تعالى‏ كَمْ أَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ الخصوص دون العموم. و الوجه الأوّل أقوى‏ (1) .

- وَ إِذْ نََادى‏ََ رَبُّكَ مُوسى‏ََ أَنِ اِئْتِ اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ (10) `قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لاََ يَتَّقُونَ (11) `قََالَ رَبِّ إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) `وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لاََ يَنْطَلِقُ لِسََانِي فَأَرْسِلْ إِلى‏ََ هََارُونَ (13) [الشعراء: 10-13].

فإن قيل: كيف جاز لموسى عليه السّلام و قد قال تعالى: أَنِ اِئْتِ اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ أن يقول في الجواب: إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) `وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لاََ يَنْطَلِقُ لِسََانِي فَأَرْسِلْ إِلى‏ََ هََارُونَ (13) و هذا استعفاء عن الرسالة.

الجواب: أنّ ذلك ليس باستعفاء كما تضمّنه السؤال، بل كان عليه السّلام قد أذن له في أن يسأل ضمّ أخيه في الرسالة إليه قبل هذا الوقت، و ضمنت له الإجابة، ألا ترى إلى قوله تعالى: وَ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ مُوسى‏ََ (9) `إِذْ رَأى‏ََ نََاراً فَقََالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا (2) إلى قوله: وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) `هََارُونَ (3) فأجابه اللّه تعالى إلى مسألته بقوله: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يََا مُوسى‏ََ (4) . و هذا يدلّ على أنّ ثقته بالإجابة إلى مسألته الّتي قد تقدّمت، و كان مأذونا له فيها. فقال: إِنِّي أَخََافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12)

____________

(1) الرسائل، 3: 125.

(2) سورة طه، الآيتان: 9، 10.

(3) سورة طه، الآيتان: 29-30.

(4) سورة طه، الآية: 36.

170

وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لاََ يَنْطَلِقُ لِسََانِي شرحا لصورته و بيانا عن حاله المقتضية لضمّ أخيه إليه في الرسالة، فلم يكن مسألته إلاّ عن أذن و علم و ثقة بالإجابة (1) .

- وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اَلَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ (19) `قََالَ فَعَلْتُهََا إِذاً وَ أَنَا مِنَ اَلضََّالِّينَ (20) [الشعراء: 19، 20]

فإن قيل: فما معنى قول فرعون لموسى عليه السّلام: وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اَلَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنْتَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ إلى قوله عليه السّلام: فَعَلْتُهََا إِذاً وَ أَنَا مِنَ اَلضََّالِّينَ و كيف نسب عليه السّلام الضلال إلى نفسه، و لم يكن عندكم في وقت من الأوقات ضالاّ؟.

الجواب: قلنا: أمّا قوله: وَ أَنْتَ مِنَ اَلْكََافِرِينَ فإنّما أراد به من الكافرين لنعمتي، فإنّ فرعون كان المربي لموسى عليه السّلام إلى أن كبر و بلغ، ألا ترى إلى قوله تعالى حكاية عنه: أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينََا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينََا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (2) .

و أمّا قول موسى عليه السّلام‏ فَعَلْتُهََا إِذاً وَ أَنَا مِنَ اَلضََّالِّينَ ، فإنّما أراد به الذاهبين عن أنّ الوكزة تأتي على النفس، أو أنّ المدافعة تفضي إلى القتل. و قد يسمّى الذاهب عن الشي‏ء أنّه ضالّ و يجوز أيضا أن يريد أنّني ضللت عن فعل المندوب إليه من الكفّ عن القتل في تلك الحال و الفوز بمنزلة الثواب‏ (3) .

- فَأَلْقى‏ََ عَصََاهُ فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ [الشعراء: 32] (4) .

[إن سأل سائل فقال: ما تقولون في هذه الآية حكاية عن موسى عليه السّلام‏]و قال في موضع آخر: وَ أَنْ أَلْقِ عَصََاكَ فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ (5) .

و الثّعبان هو الحيّة العظيمة الخلقة، و الجانّ الصغير من الحيّات، فكيف اختلف الوصفان و القصة واحدة؟و كيف يجوز أن تكون العصا في حالة واحدة بصفة ما عظم خلقه من الحيّات، و بصفة ما صغر منها؟و بأيّ شي‏ء تزيلون التناقض عن هذا الكلام؟

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 104.

(2) سورة الشعراء، الآية: 19.

(3) تنزية الأنبياء و الأئمّة: 103.

(4) سورة الشعراء، الآية: 32.

(5) سورة القصص، الآية: 31.

171

الجواب: أوّل ما نقوله: إنّ الذي ظنّه السائل من كون الآيتين خبرا عن قصة واحدة باطل، بل الحالتان مختلفتان؛ فالحال‏[التي أخبر عن العصا فيها بصفة الجانّ‏]كانت في ابتداء النبوّة، و قبل مصير موسى عليه السّلام إلى فرعون، و الحال التي صار العصا عليها ثعبانا كانت عند لقائه فرعون و إبلاغه الرسالة؛ و التلاوة تدلّ على ذلك؛ و إذا اختلفت القصّتان فلا مسألة.

على أن قوما من المفسّرين قد تعاطوا الجواب على هذا السؤال: إمّا لظنّهم أنّ القصة واحدة، أو لاعتقادهم أنّ العصا الواحدة لا يجوز أن تنقلب في حالين: تارة إلى صفة الجانّ، و تارة إلى صفة الثعبان؛ أو على سبيل الاستظهار في الحجّة، و أنّ الحال لو كانت واحدة على ما ظنّ لم يكن بين الآيتين تناقض؛ و هذا الوجه أحسن ما تكلّفوا الجواب لأجله؛ لأنّ الأولين لا يكونان إلاّ عن غلط أو غفلة، و ذكروا وجهين تزول بكلّ واحد منهما الشبهة من تأويلها:

أحدهما: أنّه تعالى إنّما شبّهها بالثعبان في إحدى الآيتين لعظم خلقها، و كبر جسمها، و هول منظرها؛ و شبّهها في الآية الأخرى بالجانّ لسرعة حركتها و نشاطها و خفّتها؛ فاجتمع لها-مع أنّها في جسم الثعبان و كبر خلقه-نشاط الجانّ، و سرعة حركته؛ و هذا أبهر في باب الإعجاز، و أبلغ في خرق العادة؛ و لا تناقض معه بين الآيتين؛ و ليس يجب إذا شبّهها بالثعبان أن يكون لها جميع صفات الثعبان، و إذا شبّهها بالجانّ أن يكون لها جميع صفاته، و قد قال اللّه تعالى: وَ يُطََافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوََابٍ كََانَتْ قَوََارِيرَا (15) `قَوََارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ (1) . و لم يرد تعالى أنّ الفضّة قوارير على الحقيقة؛ و إنّما وصفها بذلك لأنّه اجتمع لها صفاء القوارير و شفوفها و رقّتها، مع أنّها من فضّة؛ و قد تشبّه العرب الشي‏ء بغيره في بعض وجوهه؛ فيشبّهون المرأة بالظّبية و بالبقرة و نحن نعلم أنّ في الظباء و البقر من الصّفات ما لا يستحسن أن يكون في النساء، و إنّما وقع التشبيه في صفة دون صفة، و من وجه دون وجه.

____________

(1) سورة الإنسان، الآيتان: 15، 16.

172

و الجواب الثاني: أنّه تعالى لم يرد بذكر الجانّ في الآية الأخرى الحيّة؛ و إنّما أراد أحد الجنّ؛ فكأنّه تعالى خبّر بأنّ العصا صارت ثعبانا في الخلقة و عظم الجسم؛ و كانت مع ذلك كأحد الجنّ في هول المنظر و إفزاعها لمن شاهدها؛ و لهذا قال تعالى: فَلَمََّا رَآهََا تَهْتَزُّ كَأَنَّهََا جَانٌّ وَلََّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ .

و يمكن أن يكون في الآية تأويل آخر استخرجناه؛ إن لم يزد على الوجهين الأوّلين لم ينقص عنهما؛ و الوجه في تكلّفنا له ما بيّناه من الاستظهار في الحجّة، و أنّ التناقض الذي توهّم زائل على كل وجه؛ و هو أنّ العصا لمّا انقلبت حيّة صارت أولا بصفة الجانّ و على صورته، ثمّ صارت بصفة الثّعبان على تدريج، و لم تصر كذلك ضربة واحدة؛ فتتفق الآيتان على هذا التأويل، و لا يختلف حكمهما، و تكون الآية الأولى تتضمّن ذكر الثعبان إخبارا عن غاية حال العصا، و تكون الآية الثانية تتضمّن ذكر الحال الّتي ولّى موسى فيها هاربا؛ و هي حال انقلاب العصا إلى خلقة الجانّ؛ و إن كانت بعد ذلك الحال انتهت إلى صورة الثعبان.

فإن قيل على هذا الوجه: كيف يصحّ ما ذكرتموه مع قوله تعالى: فَإِذََا هِيَ ثُعْبََانٌ مُبِينٌ ؛ و هذا يقتضي أنّها صارت ثعبانا بعد الإلقاء بلا فصل؟

قلنا: تفيد الآية ما ظنّ؛ و إنّما فائدة قوله تعالى: فَإِذََا هِيَ الإخبار عن قرب الحال التي صارت فيها بتلك الصّفة، و أنّه لم يطل الزّمان في مصيرها كذلك، و يجري هذا مجرى قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسََانُ أَنََّا خَلَقْنََاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (1) ؛ مع تباعد ما بين كونه نطفة و كونه خصيما مبينا، و قولهم: ركب فلان من منزله فإذا هو في ضيعته، و سقط من أعلا الحائط فإذا هو في الأرض؛ و نحن نعلم أنّ بين خروجه من منزله و بلوغه ضيعته زمانا، و أنّه لم يصل إليها إلاّ على تدريج؛ و كذلك الهابط من الحائط؛ و إنّما فائدة الكلام الإخبار عن تقارب الزّمان؛ و أنه لم يطل و لم يمتدّ (2) .

____________

(1) سورة يس، الآية: 77.

(2) الأمالي، 1: 52.

173

- وَ لاََ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء: 87]

أنظر البقرة: 286 من الأمالي، 2: 114.

- فَكُبْكِبُوا فِيهََا هُمْ وَ اَلْغََاوُونَ [الشعراء: 94].

و معناه فكبّوا، كقولك: «فتّحت الأبواب» إذا أردت تكثير الفعل. و يجوز أن يكون المعنى: ألقوا على وجوههم فيها.

و يمكن أيضا أن يكون اشتقاق «كبكب» من المتكبب، و هو المجتمع المتلون‏ (1) .

- وَ مََا أَضَلَّنََا إِلاَّ اَلْمُجْرِمُونَ [الشعراء: 99]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- إِنْ هََذََا إِلاََّ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ [الشعراء: 137]

أنظر الأنبياء: 2 من الملخص، 2: 423.

- أَ تَأْتُونَ اَلذُّكْرََانَ مِنَ اَلْعََالَمِينَ (165) `وَ تَذَرُونَ مََا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عََادُونَ (166) [الشعراء: 165، 166].

أنظر البقرة: 223 من الانتصار: 125.

- وَ اِتَّقُوا اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلْجِبِلَّةَ اَلْأَوَّلِينَ [الشعراء: 184].

أنظر النور: 43، 44 من الأمالي، 2: 260.

- بِلِسََانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: 195].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

____________

(1) الرسائل، 4: 54.

174

سورة النّمل‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ وَرِثَ سُلَيْمََانُ دََاوُدَ وَ قََالَ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ [النمل: 16].

[ههنا أمران:

الأوّل: إن سأل سائل فقال: ]ما القول في الأخبار الواردة في عمدة كتب من الأصول و الفروع بمدح أجناس من الطير و البهائم و المأكولات و الأرضين، و ذمّ أجناس منها كمدح الحمام و البلبل و القنبر و الحجل و الدّرّاج و ما شاكل ذلك من فصيحات الطير؛ و ذمّ الفواخت و الرّخم؛ و ما يحكى من أنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المحمودة ينطق بثناء على اللّه تعالى و على أوليائه، و دعاء لهم، و دعاء على أعدائهم؛ و أنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المذمومة ينطق بضدّ ذلك من ذمّ الأولياء عليهم السّلام، و كذمّ الجرّيّ‏ (1) و ما شاكله من السمك، و ما نطق به الجرّي من أنّه مسخ بجحده الولاية، و ورود الآثار بتحريمه لذلك؛ و كذم الدّبّ و القرد و الفيل و سائر المسوخ المحرّمة؛ و كذمّ البطّيخة التي كسرها أمير المؤمنين عليه السّلام فصادفها مرّة فقال: «من النار إلى النار» ، و رمى بها من يده، ففار من الموضع الذي سقطت فيه دخان؛ و كذمّ الأرضين السّبخة، و القول بأنّها جحدت الولاية أيضا. و قد جاء في هذا المعنى ما يطول شرحه؛ و ظاهره مناف لما تدلّ العقول عليه من كون هذه الأجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه، و يسوغ أمره و نهيه.

____________

(1) الجرّيّ: ضرب من السماك.

175

و في هذه الأخبار التي أشرنا إليها أنّ بعض هذه الأجناس يعتقد الحقّ و يدين به، و بعضها يخالفه؛ و هذا كلّه مناف لظاهر ما العقلاء عليه.

و منها ما يشهد أنّ لهذه الأجناس منطقا مفهوما، و ألفاظا تفيد أغراضا، و أنّها بمنزلة الأعجميّ و العربيّ اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، و أنّ شاهد ذلك من قول اللّه سبحانه فيما حكاه عن سليمان عليه السّلام: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ (1) . و كلام النملة أيضا ممّا حكاه سبحانه، و كلام الهدهد و احتجاجه و جوابه و فهمه.

و الجواب: [قلنا: ]و باللّه التوفيق:

إعلم أنّ المعوّل فيما يعتقد على ما تدلّ الأدلّة عليه من نفي و إثبات؛ فإذا دلّت الأدلة على أمر من الأمور وجب أن نبني كلّ وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه؛ و نسوقه إليه، و نطابق بينه و بينه، و نجلّي ظاهرا إن كان له، و نشرط إن كان مطلقا، و نخصّه إن كان عامّا، و نفصّله إن كان مجملا؛ و نوفّق بينه و بين الأدلّة من كل طريق اقتضى الموافقة و آل إلى المطابقة؛ و إذا كنّا نفعل ذلك و لا نحتشمه في ظواهر القرآن المقطوع على صحّته، المعلوم وروده؛ فكيف نتوقّف عن ذلك في أخبار آحاد لا توجب علما؛ و لا تثمر يقينا!فمتى وردت عليك أخبار فأعرضها على هذه الجملة و ابنها عليها؛ و افعل فيها ما حكمت به الأدلّة، و أوجبته الحجج العقلية؛ و إن تعذّر فيها بناء و تأويل و تخريج و تنزيل؛ فليس غير الإطراح لها، و ترك التعريج عليها؛ و لو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبّر و يتفكّر.

و قد يجوز أن يكون المراد بذمّ هذه الأجناس من الطير أنّها ناطقة بضد الثناء على اللّه و بذمّ أوليائه، و نقص أصفيائه معناه ذمّ متّخذيها و مرتبطيها، و أنّ هؤلاء المغرين بمحبّة هذه الأجناس و اتّخاذها هم الذين ينطقون بضدّ الثناء على اللّه، و يذمّون أولياءه و أحبّاءه؛ فأضاف النطق إلى هذه الأجناس، و هو لمتّخذيها أو

____________

(1) سورة النمل، الآية: 16.

غ

176

مرتبطيها؛ للتجاور و التقارب، و على سبيل التجوّز و الاستعارة؛ كما أضاف اللّه في القرآن السؤال إلى القرية؛ و إنّما هو لأهل القرية، و كما قال تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَ رُسُلِهِ فَحََاسَبْنََاهََا حِسََاباً شَدِيداً وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً `فَذََاقَتْ وَبََالَ أَمْرِهََا وَ كََانَ عََاقِبَةُ أَمْرِهََا خُسْراً (1) ؛ و في هذا كلّه حذوف. و قد أضيف في الظاهر الفعل إلى من هو في الحقيقة متعلّق بغيره؛ و القول في مدح أجناس من الطير، و الوصف لها بأنّها تنطق بالثناء على اللّه تعالى و المدح لأولياءه يجري على هذا المنهاج الذي نهجناه.

فإن قيل: كيف يستحقّ مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها، و مرتبط بعض آخر ذمّا بارتباطه؛ حتى علّقتم المدح و الذمّ بذلك؟

قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظّا في استحقاق مرتبطيها مدحا و لا ذمّا؛ و إنّما قلنا: إنّه غير ممتنع أن تجري عادة المؤمنين الموالين لأولياء اللّه تعالى و المعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير. و كذلك تجري عادة بعض أعداء اللّه تعالى باتّخاذ بعض أجناس الطير فيكون متّخذ بعضها ممدوحا؛ لا من أجل اتّخاذه؛ لكن لما هو عليه من الاتّخاذ الصحيح؛ فيضاف المدح إلى هذه الأجناس و هو لمرتبطيها، و النطق بالتسبيح و الدعاء الصحيح إليها و هو لمتّخذها تجوّزا و اتّساعا. و كذلك القول في الذمّ المقابل للمدح.

فإن قيل: فلم نهي عن اتّخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذمّ لا يتعلّق باتّخاذها، و إنّما يتعلّق ببعض متّخذيها لكفرهم و ضلالهم؟.

قلنا: يجوز أن يكون في اتّخاذ هذه البهائم المنهيّ عن اتخاذها و ارتباطها مفسدة، و ليس يقبح خلقها في الأصل لهذا الوجه؛ لأنّها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط و الاتّخاذ الذي لا يمتنع تعلّق المفسدة به.

و يجوز أيضا أن يكون في اتّخاذها هذه الأجناس المنهيّ عنها شؤم و طيرة؛ فللعرب في ذلك مذهب معروف. و يصحّ هذا النهي أيضا على مذهب من نفى

____________

(1) سورة الطلاق، الآيتان: 8-9.

177

الطيرة على التحقيق؛ لأنّ الطّيرة و التشاؤم-و إن كان لا تأثير لهما على التحقيق -فإنّ النفوس تستشعر ذلك، و يسبق إليها ما يجب على كل حال تجنّبه و التوقّي عنه؛ و على هذا يحمل معنى قوله عليه السّلام: «لا يورد ذو عاهة على مصحّ» .

فأمّا تحريم السمك الجرّي و ما أشبهه فغير ممتنع لشي‏ء يتعلّق بالمفسدة في تناوله؛ كما نقول في سائر المحرّمات. فأمّا القول بأن الجرّيّ نطق بأنّه مسخ لجحده الولاية فهو ممّا يضحك منه و يتعجّب من قائله، و الملتفت إلى مثله.

فأمّا تحريم الدبّ و القرد و الفيل فكتحريم كلّ محرّم في الشريعة، و الوجه في التحريم لا يختلف؛ و القول بأنّها ممسوخة إذا تكلّفنا حملناه على أنّها كانت على خلق حميدة غير منفور عنها، ثمّ جعلت على هذه الصّور الشّنيئة على سبيل التنفير عنها، و الزيادة في الصّدّ عن الانتفاع بها؛ لأنّ بعض الأحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة. و الفرق بين كل حيين معلوم ضرورة، فكيف يجوز أن يصير حيّ حيا آخر غيره؟و إذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، و إن أريد غيره نظرنا فيه.

و أمّا البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السّلام لما ذاقها و نفر عن طعمها؛ و زادت كراهيّته له قال: «من النار و إلى النار» ؛ أي هذا من طعام أهل النار، و ما يليق بعذاب أهل النار، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبئه و يكرهه.

و يجوز أن يكون فوران الدخان عند الإلقاء لها على سبيل التصديق، لقوله عليه السّلام: «من النار و إلى النار» و إظهار معجز له.

و أمّا ذمّ الأرضين السّبخة، و القول بأنّها جحدت الولاية؛ فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدّمناه من جحد هذه الأرض و سكّانها الولاية لم يكن معقولا؛ و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَ رُسُلِهِ .

و أمّا إضافة اعتقاد الحقّ إلى بعض البهائم و اعتقاد الباطل و الكفر إلى بعض آخر فممّا تخالفه العقول و الضرورات؛ لأنّ هذه البهائم غير عاقلة و لا كاملة و لا

178

مكلّفة، فيكف تعتقد حقّا أو باطلا!و إذا ورد أثر في ظاهره شي‏ء من هذه المحالات؛ إما اطّرح أو تؤوّل على المعنى الصحيح. و قد نهجنا طريق التأويل، و بيّنا كيف التوصّل إليه.

فأمّا حكايته تعالى عن سليمان عليه السّلام: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ فالمراد به أنّه علّم ما يفهم به ما ينطق به الطير؛ و تتداعى في أصواتها و أغراضها و مقاصدها؛ بما يقع منها من صياح؛ على سبيل المعجزة لسليمان عليه السّلام.

فأمّا الحكاية عن النملة بأنّها قالت: يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ (1) فقد يجوز أن يكون المراد به أنّه ظهر منها دلالة القول على هذا المعنى؛ و أشعرت باقي النمل؛ و خوّفتهم من الضرر بالمقام، و أنّ النجاة في الهرب إلى مساكنها؛ فتكون إضافة القول إليه مجازا و استعارة؛ كما قال الشاعر:

و شكا إليّ بعبرة و تحمحم‏ (2)

و كما قال الآخر:

و قالت له العينان سمعا و طاعة

و يجوز أيضا أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة-كما يتكلّم أحدنا-يتضمّن المعاني المذكورة، و يكون ذلك معجزة لسليمان عليه السّلام؛ لأنّ اللّه تعالى سخّر له الطّير، و أفهمه معاني أصواتها على سبيل المعجز له. و ليس هذا بمنكر؛ فإنّ النطق بمثل هذا الكلام المسموع منّا لا يمتنع وقوعه ممّن ليس بمكلّف و لا كامل العقل؛ ألا ترى أنّ المجنون و من لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلّمون بالكلام المتضمّن للأغراض؛ و إن كان التكليف و الكمال عنهم زائلين.

____________

(1) سورة النمل، الآية: 18.

(2) لعنترة العبسي: من المعلقة ص 204-بشرح التبريزي:

فازورّ من وقع القنا بلبانه‏

و التحمحم: صوت مقطع ليس بالصهيل.

179

و القول فيما حكي عن الهدهد يجري على الوجهين اللذين ذكرناهما في النملة؛ فلا حاجة بنا إلى إعادتهما.

و أمّا حكاية أنّه قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ (1) ، و كيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد و هو غير مكلّف و لا يستحقّ مثله العذاب.

فالجواب: أنّ العذاب اسم للضّرر الواقع، و إن لم يكن مستحقّا؛ و ليس يجري مجري العقاب الذي لا يكون إلاّ جزاء على أمر تقدّم. و ليس بممتنع أن يكون معنى «لأعذّبنّه» أي لأؤلمنّه، و يكون اللّه تعالى قد أباحه الإيلام له؛ كما أباحه الذبح له لضرب من المصلحة، كما سخّر له الطير يصرفها في منافعه و أغراضه؛ و كلّ هذا لا ينكر في نبيّ مرسل تخرق له العادات؛ و تظهر على يده المعجزات؛ و إنّما يشتبه على قوم يظنّون أنّ هذه الحكايات تقتضي كون النملة و الهدهد مكلّفين؛ و قد بيّنّا أنّ الأمر بخلاف ذلك‏ (2) .

[الثاني: استدلّ القاضي بذيل الآية أي قوله تعالى‏ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ الآية على ان سليمان ورث داود علمه دون ماله و إلاّ لم يكن لهذا القول تعلّق بالأوّل.

قال السيّد: أما استدلاله هذا]فليس بشي‏ء يعوّل عليه؛ لأنّه لا يمتنع أن يريد أنّه ورث المال بالظاهر و العلم بهذا المعنى من الاستدلال، فليس يجب إذ دلّتنا الدلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على الحقيقة التي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع، على أنّه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصة ثم يقول: إنا مع ذلك علمنا منطق الطير، و يشير بالفضل المبين إلى العلم و المال جميعا، فله بالأمرين جميعا فضل على من لم يكن عليهما و قوله: وَ أُوتِينََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ، يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص ما ظنّه‏ (3) .

____________

(1) سورة النمل، الآية: 18.

(2) الأمالي، 2: 293.

(3) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامة، 4: 79.

180

- حَتََّى إِذََا أَتَوْا عَلى‏ََ وََادِ اَلنَّمْلِ قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ [النمل: 18].

هذه المسألة تضمّنت الاعتراض على تأويلنا السابق فيما حكاه تعالى عن النملة و الهدهد بقوله.

أمّا الكلام فيما يخصّ الهدهد فقد استقصيناه في جواب المسائل الواردة في عامنا هذا، و أجبنا عن كلّ شبهة ذكرت فيه، و لا معنى لإعادته‏ (1) .

فأمّا الاستبعاد في النملة أن تنذر باقي النمل بالانصراف عن الموضع، و التعجّب من فهم النملة عن الأخرى، و من أن يخبر عنها بما نطق القرآن به، من قوله: يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ (2) .

فهو في غير موضعه؛ لأنّ البهيمة قد تفهم عن الأخرى بصوت يقع منها، أو فعل كثيرا من أغراضها. و لهذا نجد الطيور و كثيرا من البهائم يدعو الذكر منها الأنثى بضرب من الصوت، يفرق بينه و بين غيره من الأصوات التي لا تقتضي الدعاء.

و الأمر في ضروب الحيوانات و فهم بعضا عن بعض مرادها و أغراضها بفعل يظهر أو صوت يقع، أظهر من أن يخفى، و التغابي عن ذلك مكابرة.

فما المنكر على هذا أن يفهم باقي النملة من تلك النملة التي حكي عنها ما حكى، الانذار و التخويف فقد نرى مرارا نملة تستقبل أخرى و هي متوجهة إلى جهة، فإذا حاذتها و باشرتها عادت عن جهتها و رجعت معها؟

و تلك الحكاية البليغة الطويلة لا تجب أن تكون النملة قائلة لها و لا ذاهبة إليها، و أنّهما لمّا خوّفت من الضرر الذي أشرف النمل عليه، جاز أن يقول الحاكي لهذه الحال تلك الحكاية البليغة المرتّبة؛ لأنّها لو كانت قائلة ناطقة و مخوّفة بلسان و بيان لما قالت إلاّ مثل ذلك.

____________

(1) يعني بذلك جواب المسائل الطرابلسيات الأولى لكنّه مفقود و يأتي في تفسير الآية: 22 الجواب عن اعتراض آخر أورد على ما أجاب به هناك فانتظر.

(2) سورة النمل، الآية: 18.

181

و قد يحكي العربي عن الفارسي كلاما مرتّبا مهذّبا ما نطق به الفارسي و إنّما أشار إلى معناه.

فقد زال التعجب من الموضعين معا، و أيّ شي‏ء أحسن و أبلغ و أدلّ على قوّة البلاغة و حسن التصرّف في الفصاحة من أن تشعر نملة لباقي النمل بالضرر لسليمان و جنده بما تفهم به أمثالها عنها، فتحكي هذا المعنى الذي هو التخويف و التنفير بهذه الألفاظ المونقة و الترتيب الرائق الصادق. و إنّما يضلّ عن فهم هذه الأمور و سرعة الهجوم عليها من لا يعرف مواقع الكلام الفصيح و مراتبه و مذاهبه‏ (1) .

- وَ تَفَقَّدَ اَلطَّيْرَ فَقََالَ مََا لِيَ لاََ أَرَى اَلْهُدْهُدَ أَمْ كََانَ مِنَ اَلْغََائِبِينَ (20) `لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ (21) `فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقََالَ أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) [النمل: 20-22].

ما يحيل لكون هدهد سليمان عليه السّلام عاقلا من طريقة العقول؟ليسوغ الانصراف عن ظواهر ما حكاه اللّه تعالى عنه من الأقوال و الأفعال الدالّة بظاهرها القوي أنّه ذو عقل يساوي عقول المكلفين.

و أقوى ذلك قول سليمان عليه السّلام: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ و هذا وعيد عظيم لا يجوز توجّهه إلى غير ملوم على الخطأ، المقصور فهمه عن فهم المكلّفين.

و كيف يجوز أن يوجب عليه مثل ذلك؟لعدم البرهان المبين، و هو الحجّة الواضحة التي يقيم عذره، و يسقط الملامة عنه، و قد كان له أن يذبحه من غير هذا الشرط على مقتضى ما أجاب به سيدنا «حرسه اللّه تعالى» من قبل، أنّ ذلك كان مباحا له.

فلو لا أنّ العذاب هاهنا و الذبح جاريان مجرى العقاب، لما اشترطه في وجوبهما عليه عدم البرهان، و في سقوطهما عند حصوله.

____________

(1) الرسائل، 1: 355.

182

و هذا يدلّ على أنّه ذو عقل يوجب التكليف له، و لو لا ذلك ما حسن هذا الوعيد العظيم على هذا الشرط و الترتيب.

و يدلّ على ذلك أيضا أنّ سليمان عليه السّلام أهلّه لحمل كتابه و الإعادة عليه بما يراه من القوم و ما يقولون بقوله: اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مََا ذََا يَرْجِعُونَ (1) و لو أمن أحدنا من يقصر عقله عن عقل المكلّفين على مثل هذا المهم العظيم لكان سفيها.

و قوله من قبل: أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إلى قوله: وَ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ و ما في هذا القصص من جودة اعتباره و حسن تدبيره، كقوله: أَلاََّ يَسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْ‏ءَ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ (2) الآية.

فهل يسوغ الانصراف عن هذه الظواهر الغريبة بغير دلالة عقلية تحيل أن يعطي اللّه سبحانه العقل حيوانا مثله، و ما أولاه «كبت اللّه أعداءه» يذكر ما عنده في ذلك إن شاء اللّه.

الجواب:

إنّا قد كنّا ذكرنا في جواب المسائل الاولى الواردة في معنى ما حكي عن النملة و الهدهد ما قد عرف و وقف عليه. و نحن نجيب الآن عمّا في هذا السؤال المستأنف، و نزيل هذه الشبهة المعترضة، و أوّل ما نقوله:

إنّ في الناس من ذهب إلى أنّه لا يجوز أن يكون الهدهد و ما أشبهه من البهائم كامل العقل، و هو على ما هو عليه من الهيئة و البنية، و عدّ ذلك في جملة المستحيل و هذا ليس بصحيح‏[و]لا دلالة عقلية تدلّ على ذلك.

و من أين لنا أن بنية قلب الهدهد و ما جرى مجراه لا تحتمل العلوم التي هي كمال العقل، و إذا كان العقل من قبل‏ (3) العلوم و الاعتقادات، و قلب البهيمة يحتمل الاعتقادات لا محالة، بل كثيرا من العلوم و إن لم يكن تلك العلوم عقلا.

____________

(1) سورة النمل، الآية: 28.

(2) سورة النمل، الآية: 25.

(3) كذا و الظاهر «قبيل» .

183

فأيّ فرق بين العلم الذي هو عقل، و بين العلم الذي ليس بعقل في احتمال القلب له؟و ما احتمل الجنس الذي هو الاعتقاد، لا بدّ أن يكون محتملا للنوع الذي هو العلوم.

فإن قيل لنا: على هذا فإذا جوّزتم أن يكون البهائم-و هي على ما هي عليه -في قلوبها علوم هي كمال العقل، و التكليف تابع لكمال العقل، فألاّ جوزتم أن تكون مكلّفة و هي على ما هي عليه، كما جوّزتم أن تكون عاقلة.

قلت: الصحيح أن نقول: إنّ ذلك جائز لو لا الدلالة على خلافه، و المعوّل في ذلك على إجماع المسلمين على أنّ البهائم ليست بكاملة العقول و لا مكلّفة و هذا أيضا معلوم من دين النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و لهذا روي عنه عليه السّلام أنّه قال: «جرح العجماء جبار» (1) . و إنّما أراد أنّ جنايات البهائم لا شي‏ء فيها.

و لا اعتبار بقول طائفة من أهل التناسخ بخلاف ذلك؛ لأنّ أصحاب التناسخ لا يعدّون من المسلمين، و لا ممّن يدخل قوله في جملة الإجماع، لكفرهم و ضلالهم و شذوذهم من البين.

و إنّما قلنا: إنّ الهدهد الذي خاطبه سليمان عليه السّلام و أرسله بالكتاب لم يكن عاقلا؛ لأنّ اسم الهدهد في لغة العرب و عرف أهلها اسم لبهيمة ليست بعاقلة، كما أنّه اسم لما كان على صورة مخصوصة و هيئة معينة.

فلو كان ذلك الهدهد عاقلا لما سمّاه اللّه تعالى، و هو يخاطبنا باللغة العربية هدهدا، لأنّ هذا الاسم وضع لما ليس بعاقل، و إجراؤه على من هو عاقل خروج عن اللغة، فأحوجنا اتّباع هذا الظاهر إلى أن نتأوّل ما حكى عن هذا الهدهد من المحاورة، و نبيّن كيفية انتسابه إلى ما ليس بعاقل.

و قد قلنا في ذلك وجهين ذكرناهما في جواب المسائل الاولى:

أوّلهما: أن ليس يكون ما وقع منه قول، و لا نطق بهذا الخطاب المذكور،

____________

(1) نهاية ابن الأثير، 3: 187.

غ

184

و إنّما كان منه ما يدلّ على معنى هذا الخطاب، أضيف الخطاب إليه مجازا، و هو على مذهب العرب معروف، قد امتلأت به أشعارها و كلامها، فمنه قول الشاعر:

امتلأ الحوض و قال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني‏

و نحن نعلم أنّ الحوض لا يقول شيئا، و أنّه لمّا امتلأ و لم يبق فيه فضل لزيادة، صار كأنه قائل: حسبي فلم يبق فيّ فضل لشي‏ء من الماء.

و قد تحاوروا هذا في قول الشاعر:

و أحصت لذي بال حين رأيته # و كبر للرحمن حين رآني

فقلت له أين الذي عهدتهم # بحينك في خصب و طيب زمان

فقال حصل و استودعوني بلادهم # و من ذا الذي يبقى على الحدثان‏

له بهذه المعاني المحكية عند رؤيته خاليا من أهله، حكى ما استفاده من هذه المعاني عنه توسّعا و تفاصحا.

و الوجه الآخر: أن يكون وقع من الهدهد كلام منظوم له هذه المعاني المحكية عنه بالهام اللّه تعالى له ذلك، على سبيل المعجزة لسليمان عليه السّلام كما جعل من معجزته فهمه لمنطق الطير و أغراضها في أصواتها.

و ليس بمنكر أن يقع الكلام الذي فيه بعض الأغراض ممّن ليس بعاقل و لا مكلّف. ألا ترى أنّ الصبي الذي لم يبلغ الحلم و لا دخل في التكليف قد يتكلّم بكلام فيه أغراض مفهومة و كذلك المجنون؟

و ليس يجب إذا حكى اللّه تعالى عن الهدهد ذلك الكلام المرتب المتسق أن يكون الهدهد نطق على هذا الترتيب و التنضيد، بل يجوز أن يكون نطق بما له ذلك المعنى، فحكاه اللّه تعالى بلفظ فصيح بليغ مرتّب مهذّب.

و على هذا الوجه يحكي العربي عن الفارسي، و الفارسي عن العربي، و إن كان الفارسي لا ينطق بالعربية.

و على هذا الوجه حكى اللّه تعالى عن الأمم الماضية من القبط و غيرهم، و عن موسى عليه السّلام و فرعون-و لغتهما لغة القبط-ما حكاه من المراجعات‏

185

و المحاورات، و هم لم ينطقوا بهذه اللغة، و إنّما نطقوا بمعانيها بلغتهم، فحكاه اللّه تعالى باللغة العربية و عفتها و قدسها.

و هذا مزيل العجب من نطق الهدهد بذلك الكلام المرتّب؛ لأنّه لا يمتنع أن يكون ما نطق به بعينه، و إنّما نطق بماله معناه.

فإن قيل: فقد رجعتم في الجوابين معا عن مطلق القرآن؛ لأنّ حمل القول المحكي على أنّ المراد به ما ظهر من العلامات و الدلالات، على ما أنشدتموه من الشعر مجاز غير حقيقة، و كذلك إضافة القول المترتّب إلى من لم يقله من ترتيبه، و إنّما قال ما له معناه أيضا مجاز، فقد هربتم من مجاز إلى مجاز، من أنّكم امتنعتم من أن تسمّوا هدهدا عاقلا كاملا بمخالفة اللغة، و أنّه عدول عن مقتضاها، فما أجبتم به أيضا بهذه الصفة.

قلنا: الفرق بين الأمرين واضح؛ فإنّ العادة قد جرت للعرب بما ذكرناه في الجواب الأوّل من المجاز، و هو في كلامهم و أشعارهم ظاهر شائع، حتى كاد يلحق بالحقيقة، و ما جرت عادتهم باسم الهدهد و ما أشبهه من البهائم شخصا عاقلا مكلّفا على سبيل الإفادة و لا التلقيب، فعدلنا عن مجاز[غير]معهود و لا مألوف إلى مجاز معهود مألوف.

و أمّا الجواب الثاني فلا نسلم أنّه مجاز، و لا فيه من الاستعارة؛ لأنّ من حكى معاني كلام غيره بلغة أخرى، أو على ترتيب آخر بعد أن لا يتجاوز تلك المعاني و لا يتعداها، و إن عبّر عنها بغير تلك العبارة لا يقول أحد: انّه متجوز و لا مستعير، فبان الفرق بين الموضعين.

فإن قيل: قد شبهتم شيئا و بما لا يشبهه؛ لأن القائل:

امتلأ الحوض و قال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني‏

إنّما مراده امتلاء حتى لو كان ممن يقول لقال كذا، و كذلك الجبل إنّما حكي عنه ما لو كان قائلا لقاله.

و قوله:

و شكى إليّ بعبرة و تحمحم‏

186

أي فهمت من عبرته و حمحمته التألم و الشكوى، فأين نظير ذلك في الهدهد.

قلنا: مثل هذا قائم في الحكاية عن الهدهد؛ لأنّ سليمان عليه السّلام لمّا رأى أنّ الهدهد إنّما ورد إليه من مدينة سبأ حكي عنه ما لو كان قائلا لقاله من أحوالها و صفة ملكها، و معلوم أنّ الأمر كذلك؛ لأنّ الهدهد لو كان قائلا لقال-و قد عاين ذلك الملك-: «إنّني علمت ما لم تعلم و أنّي وجدت امرأة تملكهم و لها عرش عظيم» (1) و العرش هاهنا هو الملك أو الكرسي الذي حكيناه.

و قد جاء في القرآن و أخبار النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لذلك نظائر كثيرة، فمن ذلك قوله تعالى حكاية عن السماء و الأرض: قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ (2) و المعنى لو كانتا ممّا يقولان لقالتا.

و قوله جلّ اسمه: إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً (3) أنّها لو كنّ يشفقن و يأبين لأبين و يشفقن.

و قوله: «لو كتبت القرآن في أهاب ثم ألقي في النار لما احترق» (4) و على هذا معناه و تقديره: لو كانت النار لا تحرق شيئا لجلالته و عظيم قدره لكانت لا تحرقه.

و لا يجعل على هذا الوجه سليمان عليه السّلام مستفيدا من الهدهد خبر سبأ، بل كان سليمان عليه السّلام بذلك عالما قبل حضور الهدهد، فلمّا حضر الهدهد بعد غيبته و علم أنّه من تلك البلدة ورد، أضاف إليه من القول و الخبر ما لو كان مخبرا لقاله، كما قيل في الحوض و الجبل.

فإن قيل: ألاّ جوزتم أن يكون اللّه تعالى فعل في الهدهد كلاما هذه صفته، و كذلك في النملة.

____________

(1) النمل: 23 و الآية كذا: إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَهََا عَرْشٌ عَظِيمٌ .

(2) سورة فصلت، الآية: 11.

(3) سورة الأحزاب، الآية: 72.

(4) النهاية لإبن الأثير 1/83.

187

قلنا: إضافة القول إليهما دونه تعالى يمنع من ذلك، و القائل هو فاعل القول دون محلّه.

فأمّا قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً فالعذاب هو الألم و الضرر، و ليس [يجري‏]مجرى العقاب الذي لا يكون إلاّ على سبب متقدّم و لا يكون مبتدءا.

ألا ترى أنّهم يقولون ابتدأه بالعذاب، و لا يقولون ابتدأه بالعقاب؟و قد يبيح اللّه تعالى من إيلام البهائم ما تضمّن هو العوض عنه، كما أباح ركوبها و الحمل عليها و أن ألمها و يثق‏ (1) عليها و أباح ذبحها.

و قد روي أنّ العذاب الذي ذكره سليمان عليه السّلام إنّما كان نتف ريشه.

و ليس قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ وعيدا على ما جرى في المسألة؛ لأن القائل قد يقول و هو غير متوعّد: إن كان كذا ذبحت شاتي، و إن لم يطر طائري إلى الموضع الفلاني ذبحته؛ لأنّه مخيّر في أوقات هذا الذبح المباح، و كان عليه السّلام يخبر عن ذبح الهدهد أو نتف ريشه إن لم يعلم من حاله ما يصرفه عن هذا الداعي، فلمّا علم وروده من تلك الجهة، انصرف عن داعي الذبح أو الايلام. و معنى‏ بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ أي يأتي بأمر يصرفني عمّا عزمت عليه، فكأنّه حجّة و سلطان.

و سليمان عليه السّلام لم يجعل على الحقيقة الهدهد رسولا متحمّلا لكتاب، و لا قال له: اذهب بكتابي هذا[و]ألقه إليهم، ثمّ تولّ فانظر ما ذا يرجعون، بل لمّا ظهر منه عليه السّلام ما فيه معاني هذه الحكاية و فوائدها، جاز على مذهب العرب أن يضاف إليه أنّه قال ذلك.

ألا ترى أنّ أحدنا قد يكتب كتابا مع طائر، و يرسله إلى بعض البلدان، ليعرف أخبار تلك البلدة و أحوالها، فيجوز أن يقول هذا و يحكي عنه غيره: أنّه أرسل الطائر، و قال‏[له‏]: عرّفني ما في ذلك البلد وصف لي أحوال كذا و أخبار كذا، و يجعل ما هو غرضه كأنّه ناطق به و ما يوصل به إلى هذا الغرض، كأنّه رسول مخاطب بالتي سئل.

____________

(1) كذا في الأصل.

188

و لذلك يقول الفصيح منهم ركبت فرسي أو جملي، فقلت له: اذهب بي إلى البلد الفلاني و أسرع بي إليه و هو ما قال شيئا، و أنّ المعنى ما ذكرناه.

و من أنس بفصيح كلام العرب و لطيف إشاراتها و سرائر فصاحاتها، تمّهدت هذه الأجوبة التي ذكرناها تولية و تحقّقها لمطابقة طريقة القوم و مذاهبهم‏ (1) .

- اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مََا ذََا يَرْجِعُونَ [النمل: 28].

أنظر التوبة: 55 من الأمالي، 1: 488.

- وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنََاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ اَلْمُرْسَلُونَ [النمل: 35].

أنظر القيامة: 22، 23 من الملخص، 2: 257.

- صُنْعَ اَللََّهِ اَلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ... [النمل: 88].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) الرسائل، 1: 423.

189

سورة القصص‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاََ فِي اَلْأَرْضِ... [القصص: 4].

أنظر البقرة: 255 من الذخيرة: 581.

- فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً... [القصص: 8].

أنظر يونس: 88 من التنزيه: 106.

- وَ دَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلى‏ََ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهََا فَوَجَدَ فِيهََا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاََنِ هََذََا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هََذََا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغََاثَهُ اَلَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى اَلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى‏ََ فَقَضى‏ََ عَلَيْهِ قََالَ هََذََا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) `قََالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ (16) [قصص: 15، 16].

فإن قيل: فما الوجه في قتل موسى عليه السّلام للقبطيّ و ليس يخلو من أن يكون مستحّقا للقتل أو غير مستحقّ، فإن كان مستحقا فلا معنى لندمه عليه السّلام، و قوله:

هََذََا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ (1) و قوله: قََالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي (2) ، و إن كان غير مستحقّ فهو عاص في قتله، و ما بنا حاجة إلى أن نقول: إنّ القتل لا يكون صغيرة لأنّكم تنفون الصغير و الكبير من المعاصي عنهم عليهم السّلام.

الجواب: قلنا: ممّا يجاب به عن هذا السؤال إنّ موسى عليه السّلام لم يعتمد القتل و لا أراده، و إنّما اجتاز فاستغاث به رجل من شيعته على رجل من عدوّه بغى عليه و ظلمه و قصد إلى قتله، فأراد موسى عليه السّلام أن يخلّصه من يده و يدفع عنه مكروهه، فأدّى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه، فكلّ ألم يقع على سبيل

____________

(1) سورة القصص، الآية: 15.

(2) سورة القصص، الآية: 16.

190

المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح و لا يستحقّ عليه العوض به، و لا فرق بين أن تكون المدافعة من الإنسان عن نفسه، و بين أن يكون عن غيره في هذا الباب، و الشرط في الأمرين أن يكون الضرر غير مقصود، و أن يكون القصد كلّه إلى دفع المكروه و المنع من وقوع الضرر، فإن أدّى ذلك إلى ضرر فهو غير قبيح.

و من العجب، أنّ «أبا علي الجبّائيّ» ذكر هذا الوجه في تفسيره، ثمّ نسب مع ذلك موسى عليه السّلام إلى أنّه فعل معصية صغيرة، و نسب معصيته إلى الشيطان، و قد قال في قوله: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي أي في هذا الفعل الّذي لم تأمرني به، و ندم على ذلك و تاب إلى اللّه منه؛ فيا ليت شعري، ما الّذي فعل بما لم يؤمر به، و هو إنّما دافع الظالم و مانعه، و وقعت الوكزة منه على وجه الممانعة من غير قصد. و لا شبهة في أنّ اللّه تعالى أمره بدفع الظلم عن المظلوم، فكيف فعل ما لم يؤمر به؟و كيف يتوب من فعل الواجب؟و إذا كان يريد أن ينسب المعصية إليه فما الحاجة به إلى ذكر المدافعة و الممانعة، و له أن يجعل الوكزة مقصودة على وجه تكون المعصية به صغيرة؟

فإن قيل: أ ليس لا بدّ أن يكون قاصدا إلى الوكزة و إن لم يكن مريدا بها إتلاف النفس؟

قلنا: ليس يجب ما ظننته، و كيف يجعل الوكزة مقصودة؟و قد بيّنا الكلام علي أن القصد كان إلى التخليص و المدافعة، و من كان إنّما يريد المدافعة لا يجوز أن يقصد إلى شي‏ء من الضرر، و إنّما وقعت الوكزة و هو لا يريدها، إنّما أراد التخليص، فأدّى ذلك إلى الوكزة و القتل.

و وجه آخر: و هو أنّ اللّه تعالى كان عرّف موسى عليه السّلام استحقاق القبطيّ للقتل بكفره، و ندبه إلى تأخير قتله إلى حال التمكّن، فلمّا رأى موسى عليه السّلام منه الإقدام على رجل من شيعته تعمّد قتله تاركا لما ندب إليه من تأخير قتله.

فأما قوله: هََذََا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ ففيه وجهان:

191

أحدهما: أنّه أراد أنّ تزيين قتلي له و تركي لما ندبت إليه من تأخيره و تفويتي ما استحقه عليه من الثواب، من عمل الشيطان.

و الوجه الآخر: أنّه يريد أنّ عمل المقتول من عمل الشيطان، مفصحا بذلك عن خلافه للّه تعالى و استحقاقه للقتل.

و أمّا قوله: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ، فعلى معنى قول آدم عليه السّلام‏ رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ (1) و المعنى أحد وجهين:

إمّا على سبيل الانقطاع و الرجوع إلى اللّه تعالى و الاعتراف بالتقصير عن حقوق نعمه و إن لم يكن هناك ذنب، أو من حيث حرّم نفسه الثواب المستحقّ بفعل الندب.

و أمّا قوله: فَاغْفِرْ لِي فإنّما أراد به: «فاقبل منّي هذه القربة و الطاعة و الانقطاع» . ألا ترى أنّ قبول الاستغفار و التوبة يسمّى غفرانا؟و إذا شارك هذا القبول غيره في معنى استحقاق الثواب و المدح به جاز أن يسمّى بذلك، ثمّ يقال لمن ذهب إلى أنّ القتل منه عليه السّلام كان صغيرة: ليس يخلو من أن يكون قتله متعمّدا و هو مستحقّ للقتل، و قتله عمدا و هو غير مستحقّ، أو قتله خطأ، و هو مستحقّ. و القسم الأول يقتضي أن لا يكون عاصيا جملة و الثاني لا يجوز مثله على النبي عليه السّلام؛ لأنّ قتل النفس عمدا بغير استحقاق لو جاز أن يكون صغيرة على بعض الوجوه جاز ذلك في الزنا و عظائم الذنوب، فإن ذكروا في الزنا و ما أشبهه التنفير، فهو في القتل أعظم. و إن كان قتله خطأ غير عمد و هو مستحقّ أو غير مستحق، ففعله خارج من باب القبيح جملة. فما الحاجة إلى ذكر الصغيرة (2) ؟.

[انظر أيضا البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247، رسالة انقاذ البشر من الجبر و القدر].

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 23.

(2) تنزية الأنبياء و الأئمّة: 100.

غ

192

- فَأَصْبَحَ فِي اَلْمَدِينَةِ خََائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا اَلَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قََالَ لَهُ مُوسى‏ََ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص: 18].

فإن قيل: كيف يجوز لموسى عليه السّلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه:

إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ؟.

الجواب: إنّ قوم موسى عليه السّلام كانوا غلاظا جفاة، ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات لما رأوا من يعبد الأصنام: اِجْعَلْ لَنََا إِلََهاً كَمََا لَهُمْ آلِهَةٌ و إنّما خرج موسى عليه السّلام خائفا على نفسه من قوم فرعون بسبب قتله القبطي، فرأى ذلك الرجل يخاصم رجلا من أصحاب فرعون فاستنصر موسى عليه السّلام، فقال له عند ذلك: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ و أراد: إنّك خائب في طلب ما لا تدركه و تكلّف ما لا تطيقه، ثمّ قصد إلى نصرته كما نصره بالأمس على الأوّل، فظنّ أنّه يريده بالبطش لبعد فهمه، فقال له: أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمََا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاََّ أَنْ تَكُونَ جَبََّاراً فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْمُصْلِحِينَ (1) . فعدل عن قتله، و صار ذلك سببا لشيوع خبر القبطيّ بالأمس‏ (2) .

- قََالَتْ إِحْدََاهُمََا يََا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلْأَمِينُ [القصص:

26].

فإن قيل: فما الوجه في عدول شعيب عليه السّلام عن جواب ابنته إلى قوله لموسى عليه السّلام: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هََاتَيْنِ و هي لم تسأل النكاح و لا عرضت به، فترك إجابتها عن كلامها و خرج إلى شي‏ء لم يجر ما يقتضيه.

الجواب: إنّها لمّا سألته أن يستأجره و مدحته بالقوة و الأمانة، كان كلامها دالاّ على الترغيب فيه و التقريب منه و المدح له بما يدعو إلى إنكاحه، فبذل له النكاح الّذي يقتضي غاية الاختصاص، فما فعله شعيب عليه السّلام في غاية المطابقة لجوابها و لما يقتضيه سؤالها (3) .

____________

(1) سورة القصص، الآية: 19.

(2) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 103.

(3) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 97.

193

- قََالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هََاتَيْنِ عَلى‏ََ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمََانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّالِحِينَ [القصص: 27].

فان قيل: ما معنى قول شعيب عليه السّلام و كيف يجوز في الصداق هذا التخيير و التفويض؟و أيّ فايدة للبنت فيما شرط هو لنفسه و ليس يعود عليها من ذلك نفع؟.

الجواب: قلنا: يجوز أن تكون الغنم كانت لشعيب عليه السّلام، و كانت الفايدة باستيجار من يرعاها عائدة عليه، إلاّ أنّه أراد أن يعوّض بنته عن قيمة رعيها فيكون ذلك مهرا لها؛ و أمّا التخيير فلم يكن إلاّ ما زاد على ثماني حجج و لم يكن فيما شرطه مقترحا تخييرا، و إنّما كان فيما تجاوزه و تعدّاه.

و وجه آخر: أنّه يجوز أن تكون الغنم كانت للبنت و كان الأب المتولّي لأمرها و القابض لصداقها؛ لأنّه لا خلاف أنّ قبض الأب مهر بنته البكر البالغ جائز، و أنه ليس لأحد من الأولياء ذلك غيره، و أجمعوا أنّ بنت شعيب عليه السّلام كانت بكرا.

و وجه آخر: و هو أن يكون حذف ذكر الصداق، و ذكر ما شرطه لنفسه مضافا إلى الصداق؛ لأنّه جائز أن يشترط الولي لنفسه ما يخرج عن الصداق. و هذا الجواب يخالف الظاهر؛ لأنّ قوله تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هََاتَيْنِ عَلى‏ََ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمََانِيَ حِجَجٍ [القصص: 27]يقتضي ظاهره أنّ أحدهما جزاء على الآخر.

و وجه آخر: و هو أنّه يجوز أن يكون من شريعته عليه السّلام العقد بالتراضيّ من غير صداق معيّن، و يكون قوله: عَلى‏ََ أَنْ تَأْجُرَنِي على غير وجه الصداق، و ما تقدّم من الوجوه أقوى‏ (1) .

- إِنَّكَ لاََ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ... [القصص: 56]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 98.

194

- وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص: 73].

أنظر البقرة: 202 من الأمالي، 1: 374.

- وَ آتَيْنََاهُ مِنَ اَلْكُنُوزِ مََا إِنَّ مَفََاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي اَلْقُوَّةِ [القصص: 76]

أنظر الأنبياء: 37 من الأمالي، 1: 441.

- كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88].

[إن سأل سائل عن معنى هذه الآية]و قوله تعالى: إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ (1) .

و قوله تعالى: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ (2) . و ما شاكل ذلك من آي القرآن المتضمّنة لذكر الوجه.

الجواب: قلنا: الوجه في اللغة العربية ينقسم إلى أقسام:

فالوجه: المعروف المركّب فيه العينان من كلّ حيوان.

و الوجه أيضا: أوّل الشي‏ء و صدره؛ و من ذلك قوله تعالى: وَ قََالَتْ طََائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ وَ اُكْفُرُوا آخِرَهُ (3) أي أوّل النهار؛ و منه قول الربيع بن زياد:

من كان مسرورا بمقتل مالك # فليأت نسوتنا بوجه نهار (4)

أي غداة كلّ يوم. و قال قوم: وجه نهار: موضع.

و الوجه: القصد بالفعل؛ من ذلك قوله تعالى: وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللََّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ (5) ؛ معناه: من قصد بأمره و فعله إلى اللّه سبحانه، و أراده بهما.

و كذلك قوله تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلََّهِ (6) ؛ و قال الفرزدق:

____________

(1) سورة الإنسان، الآية: 9.

(2) سورة الرحمن، الآية: 27.

(3) سورة آل عمران، الآية: 72.

(4) الحماسة-بشرح المرزوقي: 995؛ و في بعض النسخ: «فليأت ساحتنا» ؛ و هي رواية الحماسة؛ و هو مالك بن زهير العبسي قتل في بني فزارة؛ فرثاه الربيع بأبيات منها هذا البيت.

(5) سورة لقمان، الآية: 22.

(6) سورة النساء، الآية: 125.

195

و أسلمت وجهي حين شدّت ركائبي # إلي آل مروان بناة المكارم‏

أي جعلت قصدي و إرادتي لهم، و أنشد الفرّاء:

أستغفر اللّه ذنبا لست محصيه # ربّ العباد إليه الوجه و العمل‏

أي القصد؛ و منه قولهم في الصلاة: وجّهت وجهي للذي فطر السموات و الأرض؛ أي قصدت قصدي بصلاتي و عملي؛ و كذلك قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ اَلْقَيِّمِ (1) .

و الوجه: الاحتيال للأمر؛ من قولهم كيف الوجه لهذا الأمر؟و ما الوجه فيه؟أي ما الحيلة؟

و الوجه: المذهب و الجهة و الناحية، قال حمزة بن بيض الحنفيّ:

أيّ الوجوه انتجعت؟قلت لهم: # لأيّ وجه إلاّ إلى الحكم‏ (2)

متى يقل صاحبا سرادقه: # هذا ابن بيض بالباب يبتسم‏

و الوجه: القدر و المنزلة؛ و منه قولهم: لفلان وجه عريض، و فلان أوجه من فلان، أي أعظم قدرا و جاها، و يقال: أوجهه السلطان إذا جعل له جاها؛ قال امرؤ القيس:

و نادمت قيصر في ملكه # فأوجهني و ركبت البريدا (3)

و الوجه: الرئيس المنظور إليه؛ يقال: فلان وجه القوم، و هو وجه عشيرته.

و وجه الشي‏ء: نفسه و ذاته؛ قال أحمد بن جندل السّعديّ:

و نحن حفزنا الحوفزان بطعنة # فأفلت منها وجهه عتد نهد (4)

____________

(1) سورة الروم، الآية: 43.

(2) الأغاني: 15/14.

(3) اللسان (وجه) : و هو من أبيات أربعة في الأغاني: 8/196 (طبعة دار الكتب المصرية) .

(4) حفزنا: طعنا. و يقال فرس عتد، بفتح التاء و كسرها: إذا كان شديدا تام الخلق سريع الوثبة، ليس فيه اضطراب و لا رخاوة و النهد من نعت الخيل: الجسيم المشرف. و الحوفزان هو الحارث بن شريك طعنه قيس بن عاصم يوم جدود؛ و المشهور في ذلك قول سوار بن حيان المنقريّ: -

196

أراد أفلته و نجّاه و منه قولهم: إنّما أفعل ذلك لوجهك، و يدلّ أيضا على الوجه يعبّر به عن الذات قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ (22) `إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ (23) `وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بََاسِرَةٌ (24) `تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهََا فََاقِرَةٌ (25) (1) ، و قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاعِمَةٌ (8) `لِسَعْيِهََا رََاضِيَةٌ (9) (2) ، لأن جميع ما أضيف إلى الوجوه في ظاهر الآي، من النظر، و الظنّ، و الرّضا لا يصحّ إضافته على الحقيقة إليها و إنّما يضاف إلى الجملة، فمعنى قوله تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ ؛ أي كلّ شي‏ء هالك إلاّ هو، فكذلك قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ (26) `وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ؛ (27) لمّا كان المراد بالوجه نفسه لم يقل «ذي الجلال» كما قال: تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ (3) : لما كان اسمه غيره.

و يمكن في قوله تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ وجه آخر؛ و قد روي عن بعض المتقدّمين، و هو أن يكون المراد بالوجه ما يقصد به إلى اللّه تعالى و يوجّه نحو القربة إليه جلّت عظمته؛ فيقول: لا تشرك باللّه، و لا تدع إلها غيره؛ فإنّ كلّ فعل يتقرّب به إلى غيره، و يقصد به سواه فهو هالك باطل؛ و كيف يسوغ للمشبّهة أن يحملوا هذه الآية و التي قبلها على الظاهر!أو ليس ذلك يوجب أنّه تعالى يفني و يبقى وجهه: و هذا كفر و جهل من قائله.

فأما قوله تعالى: إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ (4) ، و قوله: إِلاَّ اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلى‏ََ (5) ، و قوله: وَ مََا آتَيْتُمْ مِنْ زَكََاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللََّهِ (6) ؛ فمعلوم على أن هذه الأفعال مفعولة له؛ و مقصود بها ثوابه، و القربة إليه، و الزلفة عنده.

فأما قوله تعالى: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ (7) ، فيحتمل أن يراد به: فثمّ

____________

ق-

و نحن حفزنا الحوفزان بطعنة # سقته نجيعا من دم الجوف اسكلا

و حمران قسرا أنزلته رماحنا # فعالج غلا في ذراعيه مقفلا

و انظر شرح المفضليات: 470.

(1) سورة القيامة، الآيات: 22-25.

(2) سورة الغاشية، الآيتان: 8، 9.

(3) سورة الرحمن، الآية: 78.

(4) سورة الإنسان، الآية: 9.

(5) سورة الليل، الآية: 20.

(6) سورة الروم، الآية: 39.

(7) سورة البقرة، الآية: 115.

197

اللّه، لا على معنى الحلول، و لكن على معنى التدبير و العلم، و يحتمل أن يراد به: فثمّ رضا اللّه و ثوابه و القربة إليه.

و يحتمل أن يكون المراد بالوجه الجهة، و يكون الإضافة بمعنى الملك و الخلق و الإنشاء و الإحداث؛ لأنّه عزّ و جلّ قال: وَ لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ ؛ أي أنّ الجهات كلّها للّه تعالى و تحت ملكه؛ و هذا واضح بيّن بحمد اللّه‏ (1) .

____________

(1) الأمالي، 1: 554.

198

سورة العنكبوت‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً [العنكبوت: 17].

أنظر الأنبياء: 2 من الملخص، 2: 423.

- وَ مََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتََابَ اَلْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: 48]

[ان سأل سائل فقال: ]ما الذي يجب أن يعتقد في النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، هل كان يحسن الكتابة و قراءة الكتب أم لا؟.

الجواب:

و باللّه التوفيق الذي يجب اعتقاده في ذلك التجويز لكونه عليه السّلام عالما بالكتابة و قراءة الكتب، و لكونه غير عالم بذلك، من غير قطع على أحد الأمرين.

و إنّما قلنا ذلك؛ لأنّ العلم بالكتابة ليس من العلوم التي يقطع على أنّ النبيّ و الإمام عليهما السّلام لا بدّ من أن يكون عالما بها و حائزا لها؛ لأنّا إنّما نقطع في النبيّ و الإمام على أنّهما لا بدّ أن يكون كلّ واحد عالما باللّه تعالى و أحواله و صفاته، و ما يجوز عليه و ما لا يجوز، و بجميع أحوال الديانات و بسائر أحكام الشريعة التي يؤدّيها النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم يحفظها الإمام عليه السّلام و يتقدّمها، حتى لا يشذّ على كلّ واحد منهما من ذلك الشي‏ء يحتاج فيه إلى استفتاء غيره، كما يذهب المخالفون لنا.

أمّا ما عدا ذلك من الصناعات و الحرف، فلا يجب أن يعلم نبي أو إمام‏

199

شيئا من ذلك. و الكتابة صنعة كالنساجة و الصياغة، فكما لا يجب أن يعلم ضروب الصناعات، فكذلك الكتابة.

و قد دللنا على هذه المسألة، و استقصينا الجواب عن كلّ ما يسأل عنه فيها في مسألة مفردة أمليناها جوابا لسؤال بعض الرؤساء عنه، و انتهينا إلى أبعد الغايات.

و قلنا: إنّ إيجاب ذلك يؤدّي إلى إيجاب العلم بسائر المعلومات الغائبات و الحاضرات، و أن يكون كلّ واحد من النبي و الإمام محيطا بمعلومات اللّه تعالى كلّها.

و بيّنا أنّ ذلك يؤدّي إلى أن يكون المحدث عالما لنفسه كالقديم تعالى؛ لأنّ العلم الواحد لا يجوز أن يتعلّق بمعلوم على جهة التفصيل، و كلّ معلوم مفصّل لا بدّ له من علم مفرد يتعلّق به، و أنّ المحدث لا يجوز أن يكون عالما لنفسه، و لا يجوز أن يكون أيضا وجود ما لا نهاية له من المعلوم، و يبطل قول من ادعى أنّ الإمام محيط بالمعلومات.

فإن قالوا: الفرق بين الصناعات و بين الكتابة، أنّ الكتابة قد تتعلّق بأحكام الشرع، و ليس كذلك باقي الصناعات.

قلنا: لا صناعة من نساجة أو بناء أو غيرهما إلاّ و قد يجوز أن يتعلّق به حكم شرعي كالكتابة.

ألا ترى أن من استأجر بناءا على مخصوص، و أيضا النساجة قد يجوز أن يختلف، فيقول الصانع: قد وفيت العمل الذي استؤجرت له، و يقول المستأجر:

ما وفيت بذلك.

فمتى لم يكن الإمام عالما بتلك الصناعات و منتهيا إلى أبعد الغايات لم يمكنه أن يحكم بين المختلفين.

فإن قيل: يرجع إلى أهل تلك الصناعة فيما اختلفا فيه.

قلنا: في الكتابة مثل ذلك سواء.

200

و بيّنا في تلك المسألة التي أشرنا إليها، بأنّ هذا يؤدي إلى أنّ علم الإمام تصديق الشهادة أو كذبه فيما يشهد به؛ لأنّه إذا جاز أن يحكم بشهادة مع تجويز كونه كاذبا...

و إلاّ جاز أن يحكم بقول ذي الصناعات في قيم المتلفات و أروش الجنايات و كلّ شي‏ء اختلف فيه فيما له تعلّق بالصناعات و إن جاز الخطأ على المقوّمين.

و بيّنا أن ارتكاب ذلك يؤدّي إلى كلّ جهالة و ضلالة.

فإن قيل: أ ليس قد روى أصحابكم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في يوم الحديبية لما كتب معينة بين سهيل بن عمرو كتاب مواعدة، و جرى من سهيل ما جرى من إنكار ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بالنبوّة، و امتنع أمير المؤمنين عليه السّلام ممّا اقترح سهيل كتب عليه السّلام في الكتاب.

قلنا: هذا قد روي في أخبار الآحاد و ليس بمقطوع عليه، و إنّما أنكرنا القطع و نحن مجوزون-كما ذكرنا-أن يكون عليه السّلام كان يحسن الكتابة، كما يجوز أن لا يكون يحسنها.

فإن قيل: أ ليس اللّه تعالى يقول: وَ مََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ وَ لاََ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتََابَ اَلْمُبْطِلُونَ .

قلنا: إنّ هذا الآية إنّما تدلّ على أنّه عليه السّلام ما يحسن الكتابة قبل النبوّة و إلى هذا يذهب أصحابنا، فإنّهم يعتمدون أنّه عليه السّلام ما كان يحسنها قبل البعثة، و أنّه تعلّمها من جبرئيل بعد النبوّة، و ظاهر الآية تقتضي ذلك؛ لأنّ النفي تعلّق بما قبل النبوّة دون ما بعدها؛ و لأنّ التعليل أيضا يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوّة؛ و لأنّ المبطلين و المشككين إنّما يرتابون في نبوّته عليه السّلام لو كان يحسن الكتابة قبل النبوّة و أمّا بعد النبوّة فلا تعلّق له بالريبة و التهمة.

فإن قيل: من أين يعلم أنّه عليه السّلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة، و إذا كان عندكم أنّه قد أحسنها بعد النبوّة، و لعل هذا العلم كان متقدّما.

فإن قلت: فلم نعلم أنّه عليه السّلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة بهذه الآية. غ

201

قيل لكم: هذه الآية إنّما تكون حجّة و موجبة للعلم إذا صحّت النبوّة، فكيف يجعل نفي الآية دلالة على النبوّة و هو مبنيّ عليها؟

قلنا: الذي يجب أن يعتمد عليه في أنّه عليه السّلام لا يحسن الكتابة و القراءة قبل النبوّة هو أنّه عليه السّلام لو كان يحسنها و قد نطق القرآن الذي أتى بنفي ذلك عنه عليه السّلام قبل النبوّة، لما جاز له أن يخفي الحال فيه مع التتبع و التفتيش و التنقير؛ لأنّ هذه الأمور كلّها إنّما يجوز أن تخفى مع عدم الدواعي إلى كشفها، و مع الغفلة عنها و الإعراض عن تأمّل أحوالها.

و أمّا إذا قويت الدواعي و توفّرت البواعث على كشف حقيقة الحال و تعلّق بذلك دعوى مدّع لمعجزة، فلا بدّ من الفحص و التفتيش، و معها لا بدّ من ظهور حقيقة الحال.

و من كان يحسن القراءة و الكتابة لا بدّ من أن يكون قد تعلّمها أو أخذها من موقف و معرف، و الذين كانوا يحسنون الكتابة من العرب في ذلك الزمان معدودون قليلون فمن تعلم من أحدهم و كشف عن أمره على طول الأيّام، لا بدّ من ظهور حاله بمقتضى العادة. و هذه الجملة تدلّ على أنّه عليه السّلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوّة.

فإن قيل: فقد وصف اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بأنّه أمّي في مواضع من القرآن‏ (1) .

و الامّي: «الذي لا يحسن الكتابة» فكيف تقولون أنّه عليه السّلام أحسنها بعد النبوّة؟

قلنا: أمّا أصحابنا القاطعون على أنّه عليه السّلام كان يحسن الكتابة بعد النبوّة، فإنّهم يجيبون عن هذا السؤال بأن يقولوا: لم يرد اللّه تعالى بقوله؛ «أمّي» أنّه لا يحسن الكتابة، و إنّما أراد اللّه تعالى نسبته إلى أمّ القرى؛ لأنّه من أسماء مكّة «أمّ القرى» ، فإن كانت هذه النسبة محتملة لأمرين، لم يجز أن يقطعوا على أحدهما بغير دليل‏ (2) .

____________

(1) سورة الأعراف، الآيتان: 157، 158.

(2) الرسائل، 1: 104.

202

سورة الرّوم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: 17].

أنظر إبراهيم: 25 من الانتصار: 160.

- وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا... [الروم: 21]

أنظر الأعراف: 189، 190 من الأمالي، 2: 202.

- وَ مِنْ آيََاتِهِ خَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاََفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوََانِكُمْ [الروم: 22].

[إن سأل سائل و قال: ]هل يوجب قوله: وَ اِخْتِلاََفُ أَلْسِنَتِكُمْ أن يكون كلامنا على ظاهر الآية خلقا له تعالى؟

[قلنا: ]في هذه الشبهة ثلاثة أجوبة:

منها: أنّ معنى اختلاف ألسنتكم، أي اختلاف لغاتكم في البيان أو الأشكال.

و منها: اختلاف مخارج الكلام من ألسنتكم؛ ككلام الألثغ و الأليغ و الأرتّ و التّمتام و نحوهم.

و منها: اختلاف ألسنتكم في خلقها و أشكالها و صيغها، كالطّويل منها و القصير و العريض و الدقيق. و اللّه تعالى الموفّق للصواب‏ (1) .

- وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ... [الروم: 27].

أنظر الإسراء: 72 من الأمالي، 1: 108.

____________

(1) الأمالي، 2: 278.

203

- وَ مََا آتَيْتُمْ مِنْ زَكََاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اَللََّهِ... [الروم: 39]

أنظر القصص: 88 من الأمالي 1: 554.

- فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ اَلْقَيِّمِ [الروم: 43].

أنظر القصص: 88 من الأمالي، 1: 554.

204

سورة لقمان‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- يََا بُنَيَّ لاََ تُشْرِكْ بِاللََّهِ إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13].

أنظر غافر: 18 من الذخيرة: 504.

- وَ اِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنََابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:

15]

و ممّا اعتمد عليه‏[القاضي‏]في الاستدلال على صحّة الاجماع و إن كان قد ضعفه بعض التضعيف قوله: وَ اِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنََابَ إِلَيَّ (1) إلى أن قال: لأنّ من أناب إلى اللّه تعالى هم المؤمنون؛ لأنّهم هم المختصون بهذه الطريقة (2) ، و سلك في ترتيب الاستدلال بها المسلك في الآية المتقدمة.

و هذه الآية لا دلالة فيها على ما يذهبون إليه في صحّة الاجماع، و أكثر الوجوه التي ذكرناها في الآية المتقدمة (3) يبطل الاحتجاج بهذه الآية.

و أنت إذا تصفّحتها وقفت على الفصل بين ما يختصّ إحدى الآيتين من الوجوه و ما يمكن أن يكون كلاما على الجميع، فلهذا لم نتشاغل بإعادة شي‏ء ممّا مضى.

و ممّا يخصّ هذه الآية أنّ الإنابة حقيقتها في اللغة هي الرجوع، و إنّما تستعمل في التائب من حيث رجع عن المعصية إلى الطاعة، و ليس يصحّ إجراؤها

____________

(1) سورة لقمان، الآية: 15.

(2) كلام القاضي هنا نقله السيد بتصرف لم يخرجه عن معناه.

(3) تقدم في سورة النساء: 115.