نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
205

على التمسّك بطريقة واحدة لم يرجع إليها عن غيرها على سبيل الحقيقة، و لو استعمل فيمن ذكرناه لكان مستعملها متجوّزا عند جميع أهل اللغة، و إذا كانت حقيقة الإنابة في اللغة هي الرجوع لم يصحّ إجراء قوله تعالى: وَ اِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنََابَ إلى جميع المؤمنين حتّى يعمّ بها من كان متمسّكا بالإيمان، و غير خارج عن غيره إليه، و من رجع إلى اعتقاده و أناب إليه بعد أن كان على غيره؛ لأنّا لو فعلنا ذلك لكنّا عادلين باللّفظ عن حقيقتها (1) من غير ضرورة، و الواجب أن يكون ظاهرها متناولا للتائبين من المؤمنين الذين أنابوا إلى الإيمان، و فارقوا غيره، و إذا تناولت هؤلاء لم يكن دلالة على مكان الخلاف بيننا و بين خصومنا في الاجماع‏ (2) .

- وَ مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اَللََّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقى‏ََ [لقمان:

22].

أنظر قصص: 88 من الأمالي، 1: 554.

____________

(1) أي حقيقة الإنابة.

(2) الشافي في الإمامة و ابطال حجج العامّة، 1: 228.

206

سورة السّجدة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ... [السجدة: 7].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- وَ لَوْ شِئْنََا لَآتَيْنََا كُلَّ نَفْسٍ هُدََاهََا... [السجدة: 13].

أنظر هود: 118، 119 من الأمالي، 1: 94.

- فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17]

أنظر الإسراء: 72 من الأمالي، 1: 108.

- أَ فَمَنْ كََانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كََانَ فََاسِقاً لاََ يَسْتَوُونَ [سجدة: 18].

فالمؤمن هاهنا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و الفاسق الوليد على ما ذكره أهل التأويل‏ (1) .

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 252.

207

سورة الأحزاب‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللََّهَ وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً حَكِيماً (1) `وَ اِتَّبِعْ مََا يُوحى‏ََ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) [الأحزاب: 1-2]

أنظر الزخرف: 45 من الأمالي، 2: 71.

- مََا جَعَلَ اَللََّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَ مََا جَعَلَ أَزْوََاجَكُمُ اَللاََّئِي تُظََاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهََاتِكُمْ وَ مََا جَعَلَ أَدْعِيََاءَكُمْ أَبْنََاءَكُمْ ذََلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوََاهِكُمْ وَ اَللََّهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي اَلسَّبِيلَ [الأحزاب: 4].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ فِيمََا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب: 5].

[و فيها أمران:

الأوّل: ]و ممّا ظنّ إنفراد الإمامية به-و هو أحد قولي الشافعي-أنّ من وطى‏ء ناسيا لم يفسد ذلك حجّه و لا كفارة عليه.

و ذهب أبو حنيفة إلى أنّه مع النسيان يفسد الحج و فيه الكفارة، و هو أحد قولي الشافعي. دليلنا الاجماع المتردد، و يجوز أن يعارضوا بما يروونه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: رفع عن أمتي الخطأ و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و معلوم أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لم يرد رفع هذه الأفعال و إنّما أراد رفع أحكامها؛ فان حملوا ذلك على رفع الأثم و هو حكم.

قلنا: هذا تخصيص بغير دليل، على أنّ رفع الاثم عن الخاطى‏ء مستفاد من‏

208

قوله تعالى: وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ فِيمََا أَخْطَأْتُمْ بِهِ و حمل كلامه تعالى على فائدة و لم تستفد أولى‏ (1) .

[الثاني: ]و ممّا يظنّ أنّ الإمامية انفردت به، و للشافعي‏ (2) فيه قولان:

أحدهما موافق للامامية، أنّ من حلف باللّه تعالى أن لا يدخل دارا أو لا يفعل شيئا ففعله مكرها أو ناسيا فلا كفارة عليه، و ألزمه باقي الفقهاء الكفّارة (3) إلاّ على أحد قولي الشافعي الذي ذكرناه، دليلنا على صحة ما ذكرناه و ذهبنا إليه الاجماع المتكرر، و أيضا قوله تعالى: وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ فِيمََا أَخْطَأْتُمْ بِهِ فإذا قيل: الجناح هو الاثم، قلنا: قد يعبّر به في القرآن و الشريعة عن الاثم و عن كلّ فعل فيجب حمله على الأمرين ما لم يقم دلالة أيضا؛ فانّ النسيان و الاكراه يرفعان التكليف العقلي فكيف لا يرفعان التكليف الشرعي، و أيضا، فانّ الكفارة وضعت في الشريعة لازالة الاثم المستحق، و قد سقط الاثم عن الناسي بلا خلاف فلا كفّارة عليه‏ (4) .

- اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ... [الأحزاب: 6]

أنظر المائدة: 67 من الشافي، 2: 258.

- وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ [الأحزاب: 6].

و فسّر ذلك بتفسيرين: أحدهما: أنه تعالى أراد أنهن يحرمن علينا كتحريم الأمّهات، و الآخر: أنه يجب علينا من تعظيمهن و توقيرهن مثلما يجب علينا في أمّهاتنا. و يجوز أن يراد الأمران معا فلا تنافي بينهما.

و من ذهب لأجل تسميته بأنهن أمّهات المؤمنين إلى أن معاوية خال المؤمنين فقد ذهب مذهبا بعيدا، و حاد عن رأي الصواب السديد؛ لأن أخا الأم إنما يكون خالا إذا كانت الأمومة من طريق النسب، و أما إذا كانت على سبيل التشبيه

____________

(1) الانتصار: 99.

(2) المغني (لابن قدامة) ، 11: 289.

(3) المغني (لابن قدامة) ، 11: 174.

(4) الانتصار: 159.

209

و الاستعارة فالقياس غير مطرد فيها، و لهذا لا يسمى آباء أزواج النبيّ أجدادا لنا، و لا أخواتهن لنا خالات، و لا يجري القياس في هذا الموضع مجراه في النسب.

و كيف اختص بالخؤولة معاوية دون كلّ إخوة أزواج النبيّ؟و هلا وصف محمّد بن أبي بكر و عبد اللّه بن عمر بالخؤولة إن كان القياس مطردا؟و لكن العصبية تعمي و تصم‏ (1) .

- إِذْ جََاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زََاغَتِ اَلْأَبْصََارُ وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا [الأحزاب: 10].

[إن سأل سائل فقال‏]كيف يجوز أن تبلغ القلوب الحناجر مع كونهم أحياء، و معلوم أنّ القلب إذا زال عن موضعه المخلوق فيه مات صاحبه؟و عن أيّ شي‏ء زاغت الأبصار؟و بأيّ شي‏ء تعلّت ظنونهم باللّه تعالى؟

الجواب: قيل له في هذه الآية وجوه:

منها: أن يكون المراد بذلك أنّهم جبنوا و فزع أكثرهم لمّا أشرف المشركون عليهم، و خافوا من بوائقهم و بوادرهم، و من شأن الجبان عند العرب إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، و لهذا يقولون للجبان: انتفخ سحره، أي رئته، و ليس يمتنع أن تكون الرئة إذا انتفخت رفعت القلب، و نهضت به إلى نحو الحنجرة. و هذا التأويل قد ذكره الفرّاء و غيره، و رواه الكلبيّ عن أبي صالح ابن عبّاس.

و منها: أنّ القلوب توصف بالوجيب و الاضطراب في أحوال الجزع و الهلع؛ قال الشاعر:

كأنّ قلوب أدلاّئها # معلقة بقرون الظّباء (2)

____________

(1) الرسائل، 4: 65.

(2) الأدلاء: جمع دليل؛ و البيت في وصف فلاة مخيفة، ذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص 488، و نسبه إلى المرار، و قال في شرحه: «يريد أن القلوب تنزو و تجب؛ فكأنّها معلقة بقرون الظباء؛ لأن الظباء لا تستقر؛ و ما كان على قرونها فهو كذلك» .

210

و قال امرؤ القيس:

و لا مثل يوم في قداران ظلته # كأنّي و أصحابي علي قرن أعفرا (1)

و يروى: «في قدار ظللته» ؛ أراد المبالغة في وصف نفسه و أصحابه بالقلق و الاضطراب و مفارقة السّكون و الاستقرار؛ و إنّما خصّ الظّبي؛ لأنّ قرنه أكثر تحرّكا و اضطرابا؛ لنشاطه و مرحه و سرعته.

و قد قال بعض الناس: إنّ امرأ القيس لم يصف شدّة أصابته في هذا البيت فيليق قوله: «على قرن أعفرا» بالتأويل المذكور؛ بل وصف أماكن كان فيها مسرورا متنعّما؛ ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت بلا فصل:

ألا ربّ يوم صالح قد شهدته # بتاذف ذات التلّ من فوق طرطرا

فيكون معنى قوله: «على قرن اعفرا» على هذا الوجه، أنّه كان على مكان عال مشرف؛ شبّهه لارتفاعه و طوله بقرن الظبي؛ و هذا القول لابن الأعرابيّ و الأول للأصمعيّ؛ فأمّا قول الآخر:

ألا قلّ خير الشّام كيف تغيّرا # فأصبح يرمي النّاس عن قرن أعفرا

فلا يحتمل إلاّ الشدة و الحال المذمومة، و يجوز أنّ يريد أن الناس فيه غير مطمئنين بل هم منزعجون قلقون؛ كأنّهم على قرن ظبي، و يحتمل أنّه يطعنهم بقرن ظبيّ، كقولك: رماه بداهية، و يكون معنى «عن» هاهنا معنى الباء، فقال:

«عن قرن أعفرا» و هو يريد بقرن أعفرا، و قد ذكر في هذا البيت الوجهان معا، فيكون معنى الآية على هذا التأويل أنّ القلوب لمّا اتصل وجيبها و اضطربت بلغت الحناجر لشدة القلق.

و منها: أن يكون المعنى: كادت القلوب من شدة الرّعب و الخوف تبلغ

____________

(1) ديوانه: 106، قداران: قرية بالشام؛ و أعفر؛ أراد قرن ظبي أعفر. و في حواشي بعض النسخ:

«في نسخة الوزير الكامل أبي القاسم المغربي رحمه اللّه: «قذاران» ، بالذل المعجمة و فتح القاف، و ضب عليه» .

غ

211

الحناجر، و ان لم تبلغ في الحقيقة، فألقى ذكر «كادت» لوضوح الأمر فيها، و لفظة «كادت» هاهنا للمقاربة؛ مثل قول قيس بن الحطيم:

أ تعرف رسما كاطّراد المذاهب # لعمرة وحشا غير موقف راكب‏ (1)

ديار الّتي كادت و نحن على مني # تحلّ بنا لو لا نجاء الرّكائب‏

معناه: قاربت أن تحلّ بنا، و ان لم تحلل في الحقيقة.

و قوله: «غير موقف راكب» فيه وجهان: أحدهما: أنه ليس بموضع يقف فيه راكب لخلوّه من الناس و وحشته، و الآخر: أن يكون أراد أنّه وحش؛ إلاّ أن راكبا واقف به، يعني نفسه.

و قال نصيب:

و قد كدت يوم الحزن لمّا ترنّمت # هتوف الضّحى محزونة بالترنّم

أموت لمبكاها أسى إنّ لوعتي # و وجدي بسعدى شجوه غير منم‏

معنى المنجم: المقلع.

و قال ذو الرّمة:

وقفت علي ربع لميّة ناقتي # فما زلت أبكي عنده و أخاطبه‏ (2)

و أسقيه حتى كاد ممّا أبثّه # تكلّمني أحجاره و ملاعبه‏

و كل هذا معنى «كاد» فيه المقاربة.

و متى أدخلت العرب على «كاد» جحدا، فقالوا: ما كاد عبد اللّه يقوم، و لم يكد عبد اللّه يقوم؛ كان فيه وجهان:

أجودهما: قام عبد اللّه بعد إبطاء و لأي، و مثله قوله تعالى: فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ (3) ؛ أي بعد إبطاء و تأخير، لأنّ وجدان البقرة عسر عليهم.

____________

(1) ديوانه: 100، و الرسم: ما شخص من آثار الديار بعد البلى، و المذاهب؛ جمع مذهب؛ و هي جلود تجعل فيها خطوط فيرى بعضها في إثر بعض، و أطرادها: تتابعها.

(2) ديوانه: 35.

(3) سورة البقرة، الآية: 71.

212

و روي أنّهم أصابوها ليتيم لا مال له غيرها، فاشتروها من وليّه بمل‏ء جلدها ذهبا، فقال تعالى: وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ ، إمّا لأنّهم لم يقفوا عليها، أو لغلائها و كثرة ثمنها.

و الوجه الآخر في قولهم: ما يكاد عبد اللّه يقوم، أي ما يقوم عبد اللّه، و تكون لفظة يكاد على هذا المعنى مطّرحة لا حكم لها، و على هذا يحمل أكثر المفسرين قوله تعالى: إِذََا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا ، أي لم يرها أصلا؛ لأنّه جلّ و عزّ لمّا قال: أَوْ كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشََاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحََابٌ ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا فَوْقَ بَعْضٍ (1) كأنّ بعض هذه الظلمات يحول بين العين و بين النظر إلى اليد و سائر المناظر؛ ف يَكَدْ على هذا التأويل زيدت للتوكيد، و المعنى: إذا أخرج يده لم يرها.

و قال قوم: معنى الآية: إذا أخرج يده رآها بعد إبطاء و عسر؛ لتكاثف الظلمة، و ترادف الموانع من الرؤية؛ ف يَكَدْ على هذا الجواب ليست بزائدة.

و قال آخرون: معنى الآية إذا أخرج يده لم يرد أن يراها، لأنّ الّذي شاهده من تكاثف الظلمات أيأسه من تأمّل يده، و قرّر في نفسه أنه لا يدركها ببصره.

و حكي عن العرب: أولئك أصحابي الذين أكاد أنزل عليهم، أي أريد أن أنزل عليهم؛ قال الشاعر:

كادت و كدت و تلك خير إرادة # لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى‏ (2)

أي أرادت و أردت، و قال الأفوه الأوديّ:

فإن تجمّع أوتاد و أعمدة # و ساكن بلغوا الأمر الذي كادوا

أي أرادوا.

و قال بعضهم: معنى قوله تعالى: كَذََلِكَ كِدْنََا لِيُوسُفَ (3) ، أي أردنا ليوسف.

____________

(1) سورة النور، الآية: 40.

(2) ديوانه: 10 (ضمن مجموعة الطرائف) .

(3) سورة يوسف، الآية: 76.

213

و قال الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: معناه كذلك صنعنا ليوسف.

و مما يشهد لمن جعل لفظة يَكَدْ زائدة في الآية قول الشاعر:

سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه # فما إن يكاد قرنه يتنفّس‏

أي فما إن يتنفّس قرنه، و «يكاد» مزيدة للتوكيد، و قال حسّان:

و تكاد تكسل أن تجئ فراشها # في جسم خرعبة و حسن قوام‏

معناه و تكسل أن تجئ فراشها، و قال الآخر:

و ألاّ ألوم النّفس فيما أصابني # و ألاّ أكاد بالذي نلت أنجح‏

أي لا أنجح بالذي نلت؛ و لو لم يكن الأمر على هذا لم يكن البيت مدحا.

و روى عبد الصمد بن المعذّل بن غيلان، عن أبيه، عن جدّه غيلان قال:

قدم علينا ذو الرّمة الكوفة، فأنشدنا بالكناسة-و هو على راحلته-قصيدته الحائية؛ التي يقول فيها:

إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد # رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح‏ (1)

فقال له عبد اللّه بن شبرمة (2) : قد برح يا ذا الرّمة، ففكّر ساعة ثمّ قال:

إذا غيّر النّأي المحبّين لم أجد # رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح‏

قال: فأخبرت أبي بما كان من قول ذي الرّمة و اعتراض ابن شبرمة عليه، فقال: أخطأ ذو الرّمة في رجوعه عن قوله الأوّل، و أخطأ ابن شبرمة في اعتراضه عليه؛ هذا كقوله عزّ و جلّ: إِذََا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا ، أي لم يرها.

فأمّا قوله عزّ و جلّ: إِنَّ اَلسََّاعَةَ آتِيَةٌ أَكََادُ أُخْفِيهََا (3) ، فيحتمل أن يكون

____________

(1) ديوانه: 78.

(2) حواشي بعض النسخ: ت، ف: «هو شبرمة بن الطفيل» بكسر الطاء و سكون الفناء، الذى يقول:

و يوم كظلّ الرّمح قصّر طوله # دم الزّقّ عنّا و اصطفاق المزاهر

و البيت من أبيات ثلاثة، ذكرها أبو تمام في الحماسة-بشرح التبريزي 3/236.

(3) سورة طه، الآية: 15.

214

المعنى: أريد أخفيها لكي تجزى كلّ نفس بما تسعى. و يجوز أن تكون زائدة و يكون المعنى إنّ الساعة آتية أخفيها لتجزى كلّ نفس.

و قد قيل فيه وجه آخر: و هو أن يتمّ الكلام عند قوله تعالى: آتِيَةٌ أَكََادُ ، و يكون المعنى: أكاد آتي بها، و يقع الابتداء بقوله: أُخْفِيهََا لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ ؛ و ممّا يشهد لهذا الوجه قول ضابئ البرجميّ:

همتت و لم أفعل و كدت و ليتني # تركت علي عثمان تبكي حلائله‏ (1)

أراد: و كدت أقتله، فحذف الفعل لبيان معناه.

و روي عن سعيد بن جبير أنّه كان يقرأ: أَكََادُ أُخْفِيهََا ، [بفتح الألف‏] فمعنى أخفيها على هذا الوجه أظهرها؛ قال عبدة بن الطبيب يصف ثورا:

يخفي التّراب بأظلاف ثمانية # في أربع مسّهنّ الأرض تحليل‏ (2)

أراد أنّه يظهر التراب و يستخرجه بأظلافه، و قال امرؤ القيس:

فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه # و إن تبعثوا الحرب لا نقعد (3)

أي لا نظهره؛ و قال النابغة:

تخفي بأظلافها حتّى إذا بلغت # يبس الكثيب تداعى التّرب فانهدما (4)

و قد روى أهل العربية: أخفيت الشي‏ء يعني سترته، و أخفيته بمعنى أظهرته، و كأنّ القراءة بالضمّ تحتمل الأمرين: الإظهار و الستر، و القراءة بالفتح لا تحتمل

____________

(1) الشعر و الشعراء: 310.

(2) من قصيدة مفضلية 268-293 بشرح ابن الأنباري. يصف شدّة عدو الثور، و أنه يثير الغبار بأظلاف ثمانية و أربع قوائم، مقدار مسهن الأرض تحليل، أي قول الرجل في يمينه إن شاء اللّه.

و في حواشي بعض النسخ؛ التحليل ضدّ التحريم؛ يقال حللته تحليلا و تحلة؛ و تقول لم أفعل ذلك إلاّ تحلة القسم؛ أي القدر الّذي لا أحنث معه، و لم أبالغ فيه؛ ثمّ توسع فيه؛ فقيل لكلّ شي‏ء لم يبالغ فيه تحليل؛ يقال ضربته تحليلا.

(3) مختار الشعر الجاهلي: 131.

(4) البيت ليس في ديوانه.

215

غير الإظهار؛ و إذا كانت بمعنى الإظهار كان الكلام في «كاد» و احتمالها للوجوه الثلاثة التي ذكرناها كالكلام فيها إذا كانت بمعنى الستر و التغطية.

فإن قيل: فأيّ معنى لقوله: إنّي أسترها لتجزى كل نفس بما تسعى، و أظهرها على الوجهين جميعا؟و أيّ فائدة في ذلك؟

قلنا: الوجه في هذا ظاهر، لأنّه تعالى إذا ستر عنّا وقت الساعة كانت دواعينا إلي فعل الحسن و القبيح متردّدة، و إذا عرّفنا وقتها بعينه كنا ملجئين إلى التوبة، بعد مقارفة الذنوب و نقض ذلك الغرض بالتكليف و استحقاقّ الثواب به، فصار ما أريد به من المجازاة للمكلّفين بسعيهم، و اتصال ثواب أعمالهم يمنع من اطلاعهم على وقت انقطاع التكليف عنهم.

فأما إذا كانت لفظة «أخفيها» بمعنى الإظهار فوجهه أيضا واضح؛ لأنه تعالى إنّما يقيم القيامة، و يقطع التكليف ليجازى كلاّ باستحقاقه، و يوفّي مستحق الثواب ثوابه، و يعاقب المسي‏ء باستحقاقه، فوضح وجه قوله تعالى: أَكََادُ أُخْفِيهََا لِتُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا تَسْعى‏ََ على المعنيين جميعا.

[أقول‏]وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنباري يطعن على جواب من أجاب في قوله: وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ بأنّ معناه كادت تبلغ الحناجر، و يقول: «كاد» لا تضمر، و لا بدّ من أن يكون منطوقا بها، و لو جاز ضميرها لجاز: قام عبد اللّه بمعنى كاد عبد اللّه يقوم، فيكون تأويل قام عبد اللّه لم يقم عبد اللّه؛ لأنّ معنى كاد عبد اللّه يقوم لم يقم، و هذا الذي ذكره غير صحيح. و نظّنّ أنّ الذي حمله على الطّعن في هذا الوجه حكايته له عن ابن قتيبة، لأنّ من شأنه أن يرّد كل ما يأتي به ابن قتيبة، و إن تعسّف في الطعن عليه. و الذي استبعده غير بعيد؛ لأنّ «كاد» قد تضمر في مواضع يقتضيها بعض الكلام و إن لم تكن في صريحه؛ ألا ترى أنّهم يقولون: أوردت على فلان من العتاب و التوبيخ و التقريع ما مات عنده، و خرجت نفسه، و لمّا رأى فلان فلانا لم يبق فيه روح، و ما أشبه‏

216

ذلك؛ و معنى جميع ما ذكرناه المقاربة، و لا بدّ من إضمار «كاد» فيه؟و قال جرير:

إنّ العيون التي في طرفها مرض # قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا (1)

و إنّما المعنى أنّهن كدن يقتلننا؛ و هذا أكثر في الشعر و الكلام من أن نذكره.

فأمّا قوله: «يحيين قتلانا» فالأظهر في معناه أنّهن لم يزلن يفعلن ما قاربنا عنده الموت و القتل من الصدود و الهجر و ما أشبه ذلك، و سمّى هذه الأمور حياة كما سمّى أضدادها قتلا، و قد قيل إنّ معنى «يحيين قتلانا» أنّهن لم يدين قتلانا، من الدّية، لأنّ دية القتيل عند العرب كالحياة له، و قد روى: «ثم لم يجنينّ قتلانا» ، و هذه رواية شاذة لم تسمع من عالم و لا محصّل و معناها ركيك ضعيف؛ و إذا كان الأمر على ما ذكرناه لم يمتنع أن يقال: قام فلان بمعنى كاد يقوم، إذا دلّت الحال على ذلك؛ كما يقال: مات بمعنى كاد يموت.

فأمّا قوله: «فيكون تأويل قوله: قام عبد اللّه، لم يقم عبد اللّه» فخطأ؛ لأنّه ليس معنى كاد يقوم إنّه لم يقم كما ظنّ بل معناه. أنّه قارب القيام و دنا منه، فمن قال: قام عبد اللّه و أراد كاد يقوم؛ فقد أفاد ما لا يفيده لم يقم.

و أمّا قوله تعالى: زََاغَتِ اَلْأَبْصََارُ فمعناه زاغت عن النظر إلى كلّ شي‏ء فلم تلتفت إلاّ إلى عدوها، و يجوز أن يكون المراد ب زََاغَتِ ، أي جارت و مالت عن القصد في النظر دهشا و تحيّرا.

فأمّا قوله تعالى: وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا ، معناه أنّكم تظنّون مرّة أنّكم تنصرون و تظهرون على عدوّكم، و مرّة أنّكم تبتلون و تمتحنون بالتخلية بينكم و بينهم.

و يجوز أيضا أن يريد اللّه تعالى أنّ ظنونكم اختلفت، فظنّ المنافقون منكم خلاف ما وعدكم اللّه تعالى به من النصر، و شكّوا في خبره عزّ و جلّ كما قال تعالى حكاية عنهم: مََا وَعَدَنَا اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاََّ غُرُوراً ، فظنّ المؤمنون ما طابق وعد اللّه

____________

(1) ديوانه: 595.

217

تعالى لهم كما حكى عزّ و جلّ عنهم في قوله: هََذََا مََا وَعَدَنَا اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ .

و كلّ ما ذكرناه واضح في تأويل الآية و ما تعلّق بها (1) .

- لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كََانَ يَرْجُوا اَللََّهَ وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ وَ ذَكَرَ اَللََّهَ كَثِيراً [الأحزاب: 21].

اعلم أنّه لا خلاف بين الأمّة في الرجوع إلى أفعاله عليه السّلام في أحكام الحوادث، كالرجوع إلى أقواله، فيجب أن يكون كلّ واحد من الأمرين حجّة، و المعتمد إنّما هو على هذا الإجماع الظاهر الّذي لا شبهة فيه، دون الأخبار المرويّة في هذا الباب، فهي مع الكثرة أخبار آحاد. و قد يجوز أن يستدلّ على ذلك بقوله: لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (2) و بقوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ (3) .

و اعلم أنّ التأسّي به عليه السّلام إنّما يكون فيما يعلم حكمه بفعله، دون ما لم يكن له هذا الحكم. و إذا فعل عليه السّلام فعلا على جهة الامتثال؛ فحكمنا فيه كحكمه، و ماله فعله هو الّذي له نفعله، فلا تأسّي به عليه السّلام في ذلك، كما أنّا لا نتأسّى به في العقليّات لهذه العلّة و ما يفعله ابتداء شرع، ففعله هو الحجّة فيه، فالتأسّي به عليه السّلام في ذلك. فأمّا ما يفعله عليه السّلام بيانا لمجمل فله شبهان؛ لأنّه من حيث كان امتثالا لدليل سابق، يشبه ما يفعله امتثالا، و من حيث تضمّن بيان صفات و كيفيّات لهذه العبادات، كالصلاة و الطهارة و غيرهما؛ جرى مجرى ابتداء الشرع، فالتأسّي به إنّما هو في الكيفيّة و الصفة اللّتين فعله عليه السّلام هو الحجّة فيهما. هذا كلّه فيما يفعله عليه السّلام على جهة العبادة، أو ما يجري مجراها. و أمّا المباحات الّتي تخصّه عليه السّلام كالأكل و النوم فخارج من هذا الباب. فأمّا صغائر الذّنوب، فإنّا لا نجوّزها على الأنبياء عليهم السّلام فلا نحتاج إلى استثنائها، كما يحتاج إلى ذلك من جوّز الصغائر عليهم‏ (4) .

____________

(1) الأمالي، 1: 321.

(2) سورة الأحزاب، الآية: 21.

(3) سورة الأنعام، الآية: 153.

(4) الذريعة، 2: 576.

218

[و استدلّ بالآيتين أيضا على أن أفعاله عليه السّلام على الوجوب، قال السيّد: ]

و يقال لهم في قوله: فَاتَّبِعُوهُ هذه الآية قد بيّنّا أنّها توجب التأسّي به عليه السّلام، و أنّ التأسّي لا بدّ فيه من اعتبار وجه الفعل، و ما يفعله عليه السّلام ندبا لا نكون متّبعين له فيه بأن نفعله واجبا، بل نكون مخالفين له، فالآية دليل لنا على هذا الترتيب.

و يقال لهم في قوله: «لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» هذه الآية أيضا تدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه، و الكلام على الآيتين واحد في اعتبار شرط التأسّي فيهما، فبطل تعلّق مخالفينا بها (1) .

- يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرََاحاً جَمِيلاً (28) `وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللََّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنََاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29) [الأحزاب: 28-29].

[قيل: ]إن التخيير باطل لا يقع به فرقة و كذلك التمليك. و هذا سهو من قائله؛ لأنّ فقهاء الشيعة الإمامية يفتون بجواز التخيير، و أنّ الفرقة تقع به، مشحونة به أخبارهم و رواياتهم عن أئمتهم عليهم السّلام متظافرة فيه.

و قد تبيّنوا في مصنّفاتهم بقية هذا التخيير، فقالوا: إذا أراد الرجل أن يخيّر امرأة اعتزلها شهرا، و كان ذلك على طهر من غير جماع في مثل الحال التي لو أراد أن يطلّقها فيها طلّقها، ثم خيّرها فقال لها: قد خيّرتك أو قد جعلت أمرك إليك، و يجب أن يكون قولك بشهادة، فإن اختارت نفسها من غير أن تتشاغل بحديث من قول أو فعل كان يمكنه أن لا تفعله، صحّ اختيارها.

و إن اختارت بعد تشاغلها بفعل لم يكن اختيارها ماضيا، فإن اختارت في جواب قوله لها ذلك و كانت مدخولة و كان تخييره إيّاها عن غير عوض أخذه منها، كانت كالمطلّقة الواحدة التي هي أحقّ برجعتها في عدّتها، و إن كانت غير مدخول بها فهي تطليقة بائنة، و إن كان تخييره إيّاها عن عوض أخذه منها، فهي

____________

(1) الذريعة، 2: 583.

غ

219

بائن، و هي أملك بنفسها. و إن جعل الاختيار إلى وقت بعينه، فاختارت قبله، جاز اختيارها، و إن اختارت بعده لم يجز.

و روى ابن بابويه عن عمر بن أذينة، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السّلام: إذا خيّرها و جعل‏ (1) أمرها بيدها في غير قبل عدّة من غير أن يشهد شاهدين فليس بشي‏ء، فإن خيّرها و جعل‏ (2) أمرها بيدها بشهادة شاهدين في قبل عدّتها فهي بالخيار ما لم يفترقا، فإن اختارت نفسها فهي واحدة و هو أحقّ برجعتها، و إن اختارت زوجها فليس بطلاق‏ (3) .

و لم نذكر هذا الخبر احتجاجا بأخبار الآحاد التي لا حجّة في مثلها.

و إنّما؛ أوردناه ليعلم أنّ المذهب في جواز التخيير بخلاف ما حكي، و الروايات في هذا الباب كثيرة ظاهرة، و لو لا الإطالة لذكرناها.

و قد ذكر أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمّي رحمه اللّه: إنّ أصل التخيير هو أنّ اللّه تعالى أنف لنبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على مقالة قالتها بعض نسائه، و هي قول بعضهن: أيرى محمد أنّه إذا طلّقنا لا نجد أكفاءنا من قريش يتزوجّنا، فأمر اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن يعتزل نساءه تسعة و عشرين ليلة فاعتزلهن، ثمّ نزلت هذه الآية يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا وَ زِينَتَهََا فَتَعََالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرََاحاً جَمِيلاً (28) `وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللََّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنََاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29) فاخترن اللّه و رسوله، فلم يقع الطلاق، و لو اخترن أنفسهن لبن، انقضت الحكاية من ابن بابويه‏ (4) .

و لست أدري ما السبب في إنكار من أنكر المتخيّر للمرأة، و هل هو إلاّ توكيل في الطلاق، فالطلاق ممّا يجوز الوكالة، فإن فرّق بين أن يوكل غيرها في طلاقها و يجعل إليه إيقاع فرقتها، و بين أن يوكّل نفسها في ذلك‏ (5) .

- وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاََ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجََاهِلِيَّةِ اَلْأُولى‏ََ وَ أَقِمْنَ اَلصَّلاََةَ وَ آتِينَ

____________

(1-2) في المصدر «أو جعل» .

(3) من لا يحضره الفقيه، 3: 335.

(4) نفس المصدر، 3: 334.

(5) الرسائل، 1: 241.

220

اَلزَّكََاةَ وَ أَطِعْنَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: 33].

[فيها أمور:

الأوّل: كيف ترك حجر أزواج النبيّ في أيديهن، مع أن أبا بكر روى متفرّدا بأن الأنبياء لا يورثون و ما تركوه صدقة، و بذلك استند في أخذه فدك عن يد فاطمة سلام اللّه عليها؟]أجاب القاضي: «فأمّا حجر أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فإنّمإ؛ تركت في أيديهن؛ لانها كانت لهن، و نصّ الكتاب يشهد بذلك، و هو قوله:

«و قرن في بيوتكن» و روى في الاخبار ان النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قسّم ما كان له من الحجر على نسائه و بناته‏ (1) .

[قال السيّد: فأمّا استدلاله بهذه الآية على ان حجر أزواج النبيّ كانت لهن‏] فمن عجيب الاستدلال؛ لأن هذه الاضافة لا تقتضي الملك، بل العادة جارية فيها بأنّها تستعمل من جهة السكنى، و لهذا يقال: «هذا بيت فلان و مسكنه» و لا يراد بذلك الملك، و قد قال اللّه تعالى: لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاََ يَخْرُجْنَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (2) و لا شبهة في انّه تعالى أراد منازل الأزواج التي يسكنون فيها زوجاتهم، و لم يرد بهذه الاضافة الملك.

فأمّا ما رواه من أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قسم حجره على بناته و نسائه فمن أين له إذا كان هذا الخبر صحيحا أن هذه القسمة على جهة التملّك دون الإسكان و الإنزال؟و لو كان قد ملكهن ذلك لوجب أن يكون ظاهرا مشهورا (3) .

[الثاني: كيف دفن أبو بكر و عمر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في بيته و قد منع اللّه تعالى لكلّ من ذلك في حال حياته فكيف بعد الممات بقوله تعالى: لاََ تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ إِلاََّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (4) ].

____________

(1) المغني، 20: 334.

(2) سورة الطلاق، الآية: 1.

(3) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 104.

(4) سورة الأحزاب، الآية: 53.

221

و أجاب‏[القاضي‏]عن ذلك: «بأن الموضع كان ملكا لعائشة و هي حجرتها التي كانت معروفة بها» قال: «و قد بيّنا أن هذه الحجر كانت أملاكا لنساء الرسول، و أن القرآن ينطق بذلك‏[في قوله تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ]و ذكر أن عمر استأذن عائشة في أن يدفن في ذلك الموضع حتى قال: إن لم تأذن فادفنوني في البقيع، و على هذا الوجه يحمل ما روي عن الحسن عليه السّلام أنه لما مات أوصى أن يدفن إلى جنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فإن لم يترك ففي البقيع، فلما كان من مروان و سعيد بن العاص ما كان دفن بالبقيع، و إنّما أوصى بذلك بإذن عائشة، و يجوز أن يكون علم من عائشة أنّها جعلت الموضع في حكم الوقف فاستباحوا ذلك لهذا الوجه، قال: و في دفنه عليه السّلام في ذلك ما يدل على فضل أبي بكر؛ لأنّه عليه السّلام لما مات اختلفوا في موضع دفنه و كثر القول حتى روى أبو بكر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنه قال: ما يدلّ على أن الأنبياء إذا ماتوا دفنوا حيث ماتوا فزال الخلاف في ذلك» (1) .

[قال السيّد: ]يقال له: ليس يخلو موضع قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من أن يكون باقيا على ملكه أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة على ما ادّعاه، فإن كان الأول لم يخل من أن يكون ميراثا بعده أو صدقة، فإن كان ميراثا فما كان يحل لأبي بكر و لا لعمر من بعده أن يأمرا بدفنهما فيه إلاّ بعد إرضاء الورثة الذين هم على مذهبنا فاطمة عليه السّلام و جماعة الأزواج، و على مذهبهم هؤلاء و العبّاس، و لم نجد واحدا منهما خاطب أحدا من هؤلاء الورثة عن ابتياع هذا المكان، و لا استنزله عنه بثمن و لا غيره، و إن كان صدقة فقد كان يجب أن يرضى عنه جماعة المسلمين و ابتياعه منهم، هذا إن جاز الابتياع لما يجري هذا المجرى، و إن كان انتقل في حياته فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله و الحجة فيه؛ فإن فاطمة عليها السّلام لم يقنع منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها و لا شهادة من شهد لها، فأما تعلّقه بإضافة البيوت إلى ملكهن بقوله تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فمن

____________

(1) المغني، 20: 356.

222

ضعيف الشبهة؛ لأنا قد بيّنا فيما مضى أن هذه الإضافة لا تقتضي الملك و إنّما تقتضي السكنى، و العادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة قال اللّه تعالى: لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاََ يَخْرُجْنَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ و لم يرد تعالى إلاّ حيث يسكنّ و ينزلنّ دون حيث يملكن بلا شبهة، و أطرف من كلّ شي‏ء تقدم قوله: «إن الحسن عليه السّلام استأذن عائشة في أن يدفن في البيت حتّى منعه مروان و سعيد بن العاص» ؛ لأن هذه مكابرة منه ظاهرة؛ فإن المانع للحسن من ذلك لم يكن إلاّ عائشة و لعلّ من ذكر من مروان و سعيد و غيرهما أعانها، و اتبع في ذلك أمرها، و روي أنّها خرجت في ذلك اليوم على بغل حتى قال ابن عبّاس: «يوما على بغل و يوما على جمل» فكيف تأذن عائشة و هي في ذلك مالكة للموضع على قولهم، و يمنع منه مروان و غيره ممن لا ملك له في الموضع، و لا شركة و لا يد، و هذا من قبيح ما يرتكب، و أي فضل لأبي بكر في روايته عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم حديث الدفن، و عملهم بقوله إن صح، فمن مذهب صاحب الكتاب و أصحابه العمل بخبر الواحد العدل في أحكام الدين العظيمة، فكيف لا يعمل بقول أبي بكر في الدفن، و هم يعملون بقول من هو دونه فيما هو أعظم من ذلك و هذا بيّن‏ (1) .

[الثالث: ربّما تعلقوا بقوله: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ إلى آخر الآية و قالوا: ]إن ذلك يدل على عصمتهم، و بعدهم من الضلال و الخطأ، فإذا صحّ ذلك فيجب أن يكون الإمام فيهم دون غيرهم ممن لم يثبت له العصمة ثمّ قال: «و هذا أبعد ممّا تقدّم؛ لأنّه إنّما يدلّ على أنه جلّ و عزّ يريد أن يطهرهم و يذهب الرجس عنهم، و لا يدلّ على أن ما أراده ثابت فيهم، فكيف يستدلّ بالظاهر على ما ادّعوه فقد صحّ أن اللّه تعالى يريد تطهير كل المؤمنين‏ (2) و إزالة الرجس عنهم؛ لأنّه متى لم نقل بذلك أدى إلى أنه تعالى يريد خلاف التطهير بالمؤمنين و بعد فليس يخلو من

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 170.

(2) في المغني «أن يطهر كلّ مؤمن» .

223

أن يريد بذلك المدح و التعظيم، أو يريد به الأفعال التي يصير بها طاهرا زاكيا، فإن أريد الأول فكل المؤمنين فيه شرع سواء، و إن أريد الثاني فكل المكلّفين‏ (1) يتفقون فيه، و أكثر ما تدلّ الآية عليه أن لأهل البيت مزية في باب الألطاف، و ما يجري مجراها، فلذلك خصّهم بهذا الذكر، و لا مدخل للإمامة فيه، و لو دلّ على الإمامة لم يدلّ على واحد دون آخر بعينه، و لاحتيج في التعليل إلى دلالة مبتدأة، و لكانت كافية مغنية عن هذه الجملة، و لأن الكلام يتضمن إثبات حال لأهل البيت و لا يدلّ على أن غيرهم في ذلك بخلافهم‏ (2) ، و كذلك القول فيما تقدم؛ لأنه إذا قال في عترته إن من تمسّك بها لم يضل، و إنها لا تفارق الكتاب، فإنما يدلّ ذلك على إثبات هذا الحكم لها و لا يدلّ على نفيه عن غيرها (3) فقد يجوز في غيرها أن يكون محقّا و لمن تمسّك به هاديا، ... » (4) .

يقال له: هذه الآية تدلّ على عصمة أهل البيت المختصين بها عليهم السّلام، و على أن أقوالهم حجّة، ثمّ تدلّ من بعد على إمامة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين عليهم السّلام بضرب من الترتيب، فأمّا وجه دلالتها على العصمة، فهو ان قوله تعالى: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لا يخلو من أن يكون معناه الإرادة المحضة التي لم يتبعها الفعل و إذهاب الرجس، أو أن يكون أراد ذلك و فعله، فإن كان الأول فهو باطل من وجوه؛ لأنّ لفظ الآية يقتضي اختصاص أهل البيت بما ليس لغيرهم، ألا ترى أنه قال: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ و هذه اللفظة تقتضي ما ذكرنا من التخصيص؟ألا ترى أن القائل إذا قال: إنما العالم فلان، و إنّما الجواد حاتم، و إنّما لك عندي درهم، فكلامه يفيد التخصيص الذي ذكرناه، و الإرادة للطّهارة من الذنوب من غير أن يتبعها فعل لا تخصيص لأهل البيت عليهم السّلام بها، بل اللّه يريد من كل مكلّف مثل ذلك، و أيضا فإن الآية تقتضي مدح من تناولته، و تشريفه، و تعظيمه، بدلالة ما روي من أن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لما جلّل عليا و فاطمة

____________

(1) في المغني «فكلّ المطيعين» .

(2) في المغني «و لا ينفي ذلك عن غيرهم» .

(3) في المغني «فأمّا أن يدلّ على نفيه فلا» .

(4) المغني، 2/193.

224

و الحسن و الحسين عليهم السّلام بالكساء و قال: «اللّهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا» فنزلت الآية، و كان ذلك في بيت أمّ سلمة رحمة اللّه عليها، فقالت له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أ لست من أهل بيتك؟فقال لها «إنّك على خير» و صورة الحال و سبب نزول الآية يقتضيان المدحة و التشريف، و لا مدحة و لا تشريف في الإرادة المحضة التي تعمّ سائر المكلّفين من الكفّار و غيرهم.

فإن قيل: على هذا الوجه فكذلك لا مدحة فيما تذكرونه؛ لأنكم لا بدّ أن تقولوا إنه أذهب عنهم الرجس و طهّرهم، بأن لطف لهم بما اختاروا عنده الامتناع من القبائح و هذا واجب عندنا و عندكم، و لو علم من غيرهم من الكفار مثل ما علمه منهم لفعل مثل ذلك بهم، فأيّ وجه للمدح؟

قلنا: الأمر على ما ذكرتموه في اللطف و وجوبه، و أنه لو علمه في غيرهم لفعله، كما فعله بهم غير أن وجه المدح مع ذلك ظاهر؛ لأن من اختار الامتناع من القبائح، و علمنا أنه لا يقارف شيئا من الذنوب، و إن كان ذلك عن ألطاف فعلها اللّه تعالى به، لا بدّ من أن يكون ممدوحا مشرّفا معظما، و ليس كذلك من أريد منه أن يفعل الواجب، و يمتنع من القبيح، و لم يعلم من جهته ما يوافق هذه الإرادة، فبان الفرق بين الأمرين، و أيضا فإن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم على ما وردت به الرواية الظاهرة لم يسأل اللّه أن يريد أن يذهب عنهم الرجس، و إنّما سأل أن يذهب عنهم الرجس و يطهّرهم تطهيرا، فنزلت الآية مطابقة لدعوته، متضمنة لأجابته، فيجب أن يكون المعنى فيها ما ذكرناه، و إذا ثبت اقتضاء الآية لعصمة من تناولته و عني بها وجب أن تكون مختصة من أهل البيت عليهم السّلام بمن ذهبنا إلى عصمته، دون من أجمع جميع المسلمين على فقد عصمته؛ لأنّها إذا انتفت عمّن قطع على نفي عصمته لما يقتضيه معناها من العصمة لم يخل من أن تكون متناولة لمن اختلف في عصمته، أو غير متناولة له، و إن لم تتناوله بطلت فائدتها التي تقتضيها، فوجب أن يكون متناولة له، و هذه الطريقة تبطل قول من حملها على الأزواج، لأجل كونها واردة عقيب ذكرهنّ و خطابهنّ؛ لأن الأزواج إذا لم يذهب أحد إلى عصمتهن وجب أن يخرجن عن الخطاب المقتضي لعصمة من‏

225

يتناوله، و ورودها عقيب ذكرهن لا يدل على تعلّقها بهن، إذا كان معناها لا يطابق أحوالهن، و في القرآن و غيره من الكلام لذلك نظائر كثيرة، على أن حمل الآية على الأزواج بانفرادهن يخالف مقتضى لفظها؛ لأنها تتضمّن علامة جمع المذكر و الجمع الذي فيه المذكر و المؤنث، و لا يجوز حملها على الأزواج دون غيرهن، ألا ترى أن ما تقدّم هذه الآية ثم تأخر عنها لما كان المعني به الأزواج، جاء جمعه بالنون المختص بالمؤنث، و ممّا يدلّ على اختصاصها بمن نذهب إليه أيضا الرواية الواردة في سبب نزولها، و قد تقدّم ذكرها، و إذا كان الأزواج و غيرهن خارجين من جملة من جلّل بالكساء وجب أن تكون الآية غير متناولة له، و جواب النبي لامّ سلمة يدلّ أيضا على ذلك، و قد روي أن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعد نزول هذه الآية كان يمرّ على باب فاطمة عليها السّلام عند صلاة الفجر و يقول: «الصلاة يرحمكم اللّه إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا» ، فإذا ثبت اختصاص الآية بمن ذكرناه، و وجبت عصمته و طهارته، ثم وجدنا كل من أثبت عصمة أمير المؤمنين و الحسن و الحسين عليهم السّلام يذهب إلى أن إمامتهم ثبتت بالنص من الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فقد تمّ ما أوردناه.

فأمّا قول صاحب الكتاب: «إنّ أكثر ما تدلّ عليه الآية أن لأهل البيت مزية في باب الألطاف فلذلك خصّهم بهذا الذكر» فإنه متى لم يكن المراد ما ذكرناه لم يكن لهم مزيّة على غيرهم؛ لأنا قد بيّنا أنه إن أريد بالآية الإرادة الخالصة فلا مزية، فإذا ثبتت المزية فلا بدّ من أن يثبت فعلا تابعا للإرادة، و قد بيّنا كيف يدلّ على الإمامة على التفصيل، فبطل ما ظنّه من أنها لا تدلّ على ذلك.

فأما قوله: «إن الكلام يتضمّن إثبات حال لأهل البيت و لا يدلّ على أن غيرهم في ذلك بخلافهم» فالطريق إلى نفي ما أثبتناه لهم عن غيرهم واضح.

أمّا العصمة فلا خلاف في أن غيرهم لا يقطع فيه عليها.

و أمّا الإمامة فإذا ثبتت فيهم بطلت أن تكون في غيرهم؛ لاستحالة أن يختصّ بالإمامة اثنان في وقت واحد. غ

226

فأما قوله: «و كذلك القول فيما تقدّم لأنّه إذا قال في عترته: إنّ من تمسّك بها لم يضل فإنّما يدلّ على إثبات هذا الحكم لها و لا يدلّ على نفيه عن غيرها» فباطل؛ لأنّه قد بيّنا دلالة هذا الخبر على أن إجماع أهل البيت حجّة و ممّا أجمعوا عليه؛ لأن خلافهم غير سائغ، و إن مخالفهم مبطل فيجب أن يكون قولهم في هذا حجّة كسائر أقوالهم، و هذا يبطل ما ظنّه صاحب الكتاب من تجويز أن يكون الحق في جهتهم و جهة من خالفهم‏ (1) .

- وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ... [الأحزاب: 36].

أنظر النور: 63 من الذريعة، 1: 66.

- وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اِتَّقِ اَللََّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللََّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ [الاحزاب: 37].

[فان قيل: ما تأويل هذه الآية]أو ليس هذا عتابا له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من حيث أضمر ما كان ينبغي أن يظهره و راقب من لا يجب أن يراقبه فما الوجه في ذلك؟.

الجواب: قلنا: وجه هذه الآية معروف، و هو أنّ اللّه تعالى لمّا أراد نسخ ما كان عليه الجاهلية من تحريم نكاح زوجة الدعيّ، و الدعيّ هو الّذي كان أحدهم يجتبيه و يربّيه و يضيفه إلى نفسه على طريق البنوّة، و كان من عادتهم ان يحرّموا على أنفسهم نكاح أزواج أدعيائهم، كما يحرّمون نكاح أزواج أبنائهم، فأوحى اللّه تعالى إلى نبيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أن زيد بن حارثة و هو دعيّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم سيأتيه مطلّقا زوجته، و أمره أن يتزوّجها بعد فراق زيد لها ليكون ذلك ناسخا لسنّة الجاهلية الّتي تقدّم ذكرها، فلمّا حضر زيد مخاصما زوجته عازما على طلاقها، أشفق الرسول من أن يمسك عن وعظه و تذكيره لا سيّما و قد كان يتصرف على أمره و تدبيره، فرجف المنافقون به إذا تزوّج المرأة يقذفونه بما قد نزّهه اللّه تعالى عنه

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 3: 133.

227

فقال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ تبرّؤا ممّا ذكرناه و تنزّها، و أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها لينتهي إلى امر اللّه تعالى فيها. و يشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى: فَلَمََّا قَضى‏ََ زَيْدٌ مِنْهََا وَطَراً زَوَّجْنََاكَهََا لِكَيْ لاََ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوََاجِ أَدْعِيََائِهِمْ إِذََا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ مَفْعُولاً (1) فدلّ على أن العلّة في أمره في نكاحها ما ذكرناه من نسخ السنّة المتقدّمة.

فإن قيل: العتاب باق على كلّ حال؛ لأنّه قد كان ينبغي أن يظهر ما أظمره و يخشى اللّه و لا يخشى الناس.

قلنا: أكثر ما في الآية إذا سلّمنا نهاية الاقتراح فيها أن يكون صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فعل ما غيره أولى منه، و ليس يكون صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بترك الأولى عاصيا.

و ليس يمتنع على هذا الوجه أن يكون صبره على قذف المنافقين و إهوانه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بقولهم أفضل‏[له‏]و أكثر ثوابا، فيكون إبداء ما في نفسه أولى من إخفائه، على أنّه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي العتاب، و لا ترك الأولى.

و أمّا إخباره بأنّه اخفى ما اللّه مبديه، فلا شي‏ء فيه من الشبهة، و إنّما هو خبر محض.

و أما قوله‏ وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ ففيه أدنى شبهة، و إن كان الظاهر لا يقتضي عند التحقيق ترك الأفضل؛ لأنّه أخبر أنّه يخشى الناس و أنّ اللّه أحقّ بالخشية، و لم يخبر أنّك لم تفعل الأحقّ و عدلت إلى الادون، و لو كان في الظاهر بعض الشبهة لوجب أن نتركه و نعدل عنه للقاطع من الأدلّة.

و قد قيل: إنّ زيد بن حارثة لمّا خاصم زوجته زينب بنت جحش-و هي ابنة عمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم-و أشرف على طلاقها أضمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه إن طلقّها زيد تزوّجها من حيث كانت ابنة عمّته، و كان يحبّ ضمّها إلى نفسه كما يحبّ أحدنا ضمّ قراباته إليه، حتّى لا ينالهم بؤس و لا ضرر، فأخبر اللّه تعالى رسول

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية: 37.

228

اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و الناس بما كان يضمره من ايثار ضمّها إلى نفسه ليكون ظاهر الأنبياء صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و باطنهم سواء؛ و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم للانصار يوم فتح مكة و قد جاء عثمان بعبد اللّه بن أبي سرح و سأله أن يرضى عنه، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قبل ذلك قد هدر دمه فأمر بقتله، فلمّا رأى عثمان استحى من ردّه و نكس طويلا ليقتله بعض المؤمنين، فلم يفعل المؤمنون ذلك انتظارا منهم لامر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مجدّدا، فقال للأنصار: أما كان فيكم رجل يقوم إليه فيقتله؟ فقال له عباد بن بشر: يا رسول اللّه؛ إنّ عيني ما زالت في عينك انتظارا أن تومى‏ء إليّ فأقتله، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: الأنبياء لا يكون لهم خائنة أعين.

و هذا الوجه يقارب الأوّل في المعنى.

فإن قيل: فما المانع ممّا وردت به الرواية من أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم رأى في بعض الأحوال زينب بنت جحش فهواها فلمّا أن حضر زيد لطلاقها اخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعده و هواه لها، أو ليس الشهوة عندكم الّتي قد تكون عشقا على بعض الوجوه من فعل اللّه تعالى و أنّ العباد يقدرون عليها؟و على هذا الوجه‏[لا]يمكنكم إنكار ما تضمّنه السؤال.

قلنا: لم ننكر ما وردت به هذه الرواية الخبيثة من جهة أنّ فعل الشهوة يتعلّق بفعل العباد و أنّها معصية قبيحة، بل من جهة أنّ عشق الأنبياء عليهم السّلام لمن ليس يحلّ لهم من النساء منفّر عنهم و حاطّ من مرتبتهم و منزلتهم، و هذا ممّا لا شبهة فيه، و ليس كلّ شي‏ء يجب ان يجتنبه الأنبياء عليهم السّلام مقصورا على أفعالهم. ألا ترى أنّ اللّه تعالى قد جنّبهم الفظاظة و الغلظة و العجلة، و كلّ ذلك ليس من فعلهم؟و أوجبنا أيضا أن يجتنبوا الأمراض المنفّرة و الخلق المشينة كالجذام و البرص و تفاوت الصور و اضطرابها، و كلّ ذلك ليس من مقدورهم و لا فعلهم؟ و كيف يذهب على عاقل أنّ عشق الرجل زوجة غيره منفّر عنه معدود في جملة معائبه و مثالبه؟و نحن نعلم أنّه لو عرف بهذه الحال بعض الأمناء و الشهود لكان ذلك قادحا في عدالته و خافضا في منزلته، و ما يؤثّر في منزلة أحدنا أولى من أن‏

229

يؤثّر في منازل من طهّره اللّه و عصمه و أكمله و أعلى منزلته. و هذا بيّن لمن تدبّره‏ (1) .

- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللََّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) `وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (42) [أحزاب:

41، 42].

و ممّا انفردت به الإمامية القول: باستحباب إفتتاح الصلاة بسبع تكبيرات يفصل بينهن بتسبيح، و ذكر اللّه جلّ و عزّ مسطور، و أنّه من السنن المؤكّدة و ليس أحد من باقي الفقهاء يعرف ذلك‏ (2) ، و الوجه في ذلك إجماع الطائفة عليه، و أيضا فلا خلاف في أنّ اللّه جلّ ثناؤه قد ندبنا في كلّ الأحوال إلى تكبيره و تسبيحه و أذكاره الجميلة، و ظواهر آيات كثيرة من القرآن تدلّ على ذلك مثل قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اَللََّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) `وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً، (42) فوقت إفتتاح الصلاة داخل في عموم الأحوال التي أمرنا فيها بالأذكار (3) .

- وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ فَضْلاً كَبِيراً [الأحزاب: 47]

أنظر البقرة: 124 من الشافي، 3: 137.

- يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنََّا أَحْلَلْنََا لَكَ أَزْوََاجَكَ إلى قوله: وَ اِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهََا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرََادَ اَلنَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهََا خََالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: 50]

[قال الناصر رحمه اللّه: ] «و ينعقد النكاح بلفظ الهبة» .

عندنا: أنّ النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة، و إنّما ينعقد النكاح المؤبّد بأحد لفظين: إمّا النكاح أو التزويج.

فأمّا نكاح المتعة فينعقد بما ينعقد به المؤبّد من الألفاظ و قوله: أمتعيني نفسك، و أوجريني أيضا...

دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه: الاجماع المتردّد، و أيضا قوله تعالى:

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 155. و راجع أيضا الأمالي، 2: 330.

(2) المحلّى، 3: 232: 233.

(3) الانتصار: 40.

230

يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنََّا أَحْلَلْنََا لَكَ أَزْوََاجَكَ إلى قوله: وَ اِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهََا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرََادَ اَلنَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهََا خََالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ فجعل النكاح بلفظ الهبة من جملة ما خص اللّه تعالى به نبيّه عليه السّلام، فثبت أنّه مخصوص بذلك.

و ليس لأحد أن يحمل قوله تعالى: خََالِصَةً لَكَ على أنّ المراد به سقوط المهر.

و ذلك أنّ الكناية بقوله: خََالِصَةً لَكَ يجب رجوعه إلى مذكور متقدّم، و الذي تقدّم ذكره هو الموهوبة و قبول نكاحها دون سقوط المهر، فيجب عود الكناية إلى ما ذكرناه.

و ليس لأحد أن يقول: لفظ الهبة يقتضي سقوط البدل، فقوله: وَهَبَتْ نَفْسَهََا يقتضي سقوط المهر، و تعود الكناية إليه، و ذلك أنّ الكناية يجب عودها إلى اللفظ دون المعنى، على أنّا نحمل الكناية على أنّها عائدة إلى الأمرين فلا تنافي بينهما، و يقف مجمل الكناية على ما ذكرتم لا يفيد تخصيص النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بما ليس لغيره؛ لأنّ غيره قد ينكح بلا مهر، و هو العبد إذا زوّجه سيده بأمته، فإنّ المهر لا يجب هاهنا في الابتداء و الانتهاء.

و ليس له أن يقول: إنّ المراد بـ «خالصة لك» أنّك إذا قبلت نكاحها صار خالصا لك.

و ذلك أنّ هذا التأويل يبطل أيضا الاختصاص؛ لأنّ غير النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إذا تزوّج امرأة خلصت له دون كل أحد.

و أيضا؛ فإنّه لا خلاف في أنّ النكاح ينعقد بما ذهبنا إليه من اللفظ، فمن ادعى أنّه ينعقد بزائد على ذلك فقد ادّعى شرعا يزيد على ما أجمعنا عليه فتلزمه الدلالة دوننا.

فإن تعلّق المخالف بما روي: من أنّ امرأة جاءت إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فقالت:

يا رسول اللّه إني قد وهبت لك نفسي.

فقال عليه السّلام: «ما لي في النساء من حاجة» .

فقام إليه رجل فقال: زوّجنيها يا رسول اللّه.

231

فقال: «ملّكتكها بما معك من القرآن» (1) .

و إذا ثبت جوازه بلفظ التمليك ثبت بلفظ الهبة؛ لأنّ أحدا لا يفصل بين الأمرين.

و الجواب عن هذا الخبر بعينه ما روي: أنه عليه السّلام قال له: «زوّجتكها» ، و قيل: إنّ الراوي غلط في نقله «ملكتكها» فأقل ما في الباب أن نتوقف مع الاشتباه، فلا يكون في الخبر دليل لهم.

فإن تعلّقوا: بأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان له أن يعقد النكاح بلفظ الهبة لا محالة، فيجب أن يجوز ذلك لغيره، لقوله تعالى: فَاتَّبِعُوهُ و قوله تعالى: لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .

فالجواب عن ذلك: أنّا إنّما أمرنا باتّباعه في الأفعال الواجبات و المندوبات دون المباحات، و النكاح مباح جار مجرى الأكل و الشرب اللذين لم نؤمر باتباعه فيهما، على أنّ ذلك لو كان عموما لأخرجنا غيره منه بالأدلّة التي ذكرناها (2) .

- تُرْجِي مَنْ تَشََاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشََاءُ [الاحزاب: 51]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- وَ مََا كََانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللََّهِ وَ لاََ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوََاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً [الأحزاب: 53].

[قال السيّد: ]روى محمّد بن سعد عن الواقدي عن محمّد بن عبد اللّه الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عبّاس‏[ما طعن به عمر على أصحاب الشورى، قال فيه مخاطبا طلحة: ]أما أنت يا طلحة أفلست القائل إن قبض النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لننكحنّ أزواجه من بعده فما جعل اللّه محمدا بأحق ببنات أعمامنا منا، فأنزل اللّه فيك: وَ مََا كََانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللََّهِ وَ لاََ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوََاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (3) .

____________

(1) سنن البيهقي، 7: 144.

(2) الناصريات: 324.

(3) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 203.

232

- إِنَّ اَللََّهَ وَ مَلاََئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: 56].

و ممّا ظنّ انفراد الإمامية به إيجاب التشهد الأوّل في الصلاة و قد وافقنا على ذلك الليث بن سعد و أحمد بن حنبل، و إسحاق بن راهويه‏ (1) ، و قال أبو حنيفة:

التشهدان معا غير واجبين‏ (2) ، و قال الشافعي الثاني واجب و الأول غير واجب‏ (3) ، دليلنا الاجماع المتردد، و طريقة برائة الذمة، و أيضا فهذه حال هو فيها مندوب إلى ذكر اللّه تعالى و تعظيمه، و الصلاة على النبي و آله؛ لدخولها في عموم الآيات المقتضية لذلك، مثل قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً و كلّ من أوجب الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في هذه الحال أوجب التشهد الأوّل، و ممّا نلزمهم أنّهم يروون عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه كان يتشهّد التشهدين جميعا، و رووا كلّهم عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: صلّوا كما رأيتموني أصليّ‏ (4) (5) .

- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى‏ََ فَبَرَّأَهُ اَللََّهُ مِمََّا قََالُوا وَ كََانَ عِنْدَ اَللََّهِ وَجِيهاً [الأحزاب: 69].

[فان قيل: ما معنى هذه الآية، ]أو ليس قد روي في الآثار أنّ بني إسرائيل رموه عليه السّلام بأنّه آدر و بأنّه أبرص، و أنّه عليه السّلام ألقى ثيابه على صخرة ليغتسل، فأمر اللّه تعالى تلك الصخرة بأن تسير فسارت و بقي موسى عليه السّلام مجرّدا يدور على محافل بني إسرائيل حتّى رأوه و علموا أنّه لا عاهة به.

الجواب: قلنا: ما روي في هذا المعنى ليس بصحيح و ليس يجوز أن يفعل اللّه تعالى بنبيّه عليه السّلام ما ذكروه من هتك العورة ليبرّئه من عاهة أخرى؛ فإنّه تعالى قادر على أن ينزّهه ممّا قذفوه به على وجه لا يلحقه معه فضيحة أخرى، و ليس يرمي بذلك أنبياء اللّه تعالى من يعرف أقدارهم.

و الّذي روي في ذلك من الصحيح معروف، و هو أنّ بني إسرائيل لمّا مات

____________

(1 و 2 و 3) المغني (لابن قدامة) ، 1: 571.

(4) صحيح البخاري، 1: 154.

(5) الانتصار: 46 و راجع أيضا الناصريات: 228.

غ

233

هارون عليه السّلام قذفوه بأنّه قتله؛ لأنّهم كانوا إلى هارون عليه السّلام أميل، فبرّأه اللّه تعالى من ذلك، بأن أمر الملائكة بأن تحمل هارون عليه السّلام ميتا، فمرت به على محافل بني إسرائيل ناطقة بموته و مبرّئة لموسى عليه السّلام من قتله. و هذا الوجه يروى عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام.

و روي أيضا أنّ موسى عليه السّلام نادى أخاه هارون فخرج من قبره فسأله هل قتله؟قال: لا؛ ثمّ عاد إلى قبره.

و كلّ هذا جائز، و الّذي ذكره الجهّال غير جائز (1) .

- إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب: 72].

[و فيها أمران:

الأوّل: أنظر الرعد: 31 من الأمالي، 2: 265 و النمل: 22، 23، 24 من الرسائل، 1: 423].

[الثاني: ]و المراد[من قوله: وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ ]الجنس لا تعيين واحد بعينه‏ (2) .

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 124.

(2) الرسائل، 4: 70.

234

سورة سبأ

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ لِسُلَيْمََانَ اَلرِّيحَ غُدُوُّهََا شَهْرٌ وَ رَوََاحُهََا شَهْرٌ وَ أَسَلْنََا لَهُ عَيْنَ اَلْقِطْرِ وَ مِنَ اَلْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنََا نُذِقْهُ مِنْ عَذََابِ اَلسَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ اِعْمَلُوا آلَ دََاوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبََادِيَ اَلشَّكُورُ (13) [سبأ: 12-13].

أنظر البقرة: 31 من الأمالي، 2: 62 و الصافات: 95، 96 من الأمالي، 2: 203.

- فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ سَيْلَ اَلْعَرِمِ وَ بَدَّلْنََاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوََاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) `ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِمََا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجََازِي إِلاَّ اَلْكَفُورَ (17) [سبأ: 16-17].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- قََالَ اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْنََاكُمْ عَنِ اَلْهُدى‏ََ بَعْدَ إِذْ جََاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ: 32]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمََا أَضِلُّ عَلى‏ََ نَفْسِي وَ إِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِمََا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ: 50]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

235

سورة فاطر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ [فاطر: 10].

معناه أنّه يتقبّله و يجازي عليه، كما يقول أحدنا: تابع به فلانا، واصل إليّ و لاحق بي، و ما أشبه ذلك، و معنى ذكر الصعود ارتفاع قدره و منزلته عنده‏ (1) .

- إِنْ أَنْتَ إِلاََّ نَذِيرٌ [فاطر: 23]

أنظر يونس: 94 من الأمالي، 2: 317.

- لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: 30]

أنظر البقرة: 212 من الأمالي، 1: 376.

- ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ [فاطر: 32].

[فيها أمور:

الأوّل: إن سأل سائل‏]فقال: أيّ معنى لقوله تعالى: أَوْرَثْنَا ؟و ما الكتاب المشار إليه؟و إذا كان الاصطفاء هو الاختيار و الاجتباء-و ذلك لا يليق إلاّ بمن هو معصوم مأمون منه القبيح كالأنبياء و الأئمّة عليهم السّلام-فكيف قال بعد ذلك:

فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ ، و هنا وصف لا يليق بمن ذكرناه؟.

الجواب: إن الذي يجب اعتماده في تأويل هذه الآية أنّ قوله تعالى:

فَمِنْهُمْ ترجع الكناية فيه إلى العباد؛ لا إلى الذين اصطفوا؛ و هو أقرب إليه في الذكر، فكأنّه تعالى قال: و من عبادنا ظالم لنفسه و مقتصد و سابق بالخيرات.

____________

(1) الملخص، 2: 212.

236

فإن قيل: فأيّ فائدة في وصف العباد بهذه القسمة؟و كيف عدل عن وصف الذين اصطفاهم، و ورّثهم الكتاب؟

قلنا: الوجه في ذلك ظاهر؛ لأنّه تعالى لما علّق توريث الكتاب بمن اصطفاهم من عباده أراد أن يبيّن وجه الاختصاص؛ و إنّما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض؛ لأنّ في العباد من هو ظالم لنفسه، و من هو مقتصد، و من هو سابق بالخيرات؛ فوجه المطابقة بين الكلام واضح.

و نحن الآن متبعون ما قيل في تأويل هذه الآية؛ و موضّحون عمّا فيه من صحّة أو اختلال‏ (1) .

ذكر أبو عليّ الجبّائيّ و من تابعه أنّ المراد بالذين اصطفوا الأنبياء عليهم السّلام، و الظالم لنفسه من ارتكب الصغيرة منهم؛ و إنّما وصف بذلك من حيث فوّت نفسه الثواب الذي زال عنه بفعل الصغيرة، و يؤدّي سائر الواجبات. و السابق إلى الخير هو الذي استكثر من فعل النوافل؛ و هذا التأويل يفسد من جهة أنّ الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء عليهم السّلام لا يقع منهم شي‏ء من المعاصي و القبائح. و قد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا المعروف «بتنزيه الأنبياء و الأئمّة» عليهم السّلام.

و لو عدلنا عن ذلك لم يجز ما قاله؛ لأنّ قولنا: فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذمّ، و الذمّ لا يستحقّه فاعل الصغيرة؛ فكيف تجرى عليه أوصاف الذم؟و لا شبهة في أنّ قولنا: فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذمّ؛ لأنّهم يقولون في كلّ من فعل قبيحا: إنّه قد ظلم، من حيث فعل ما يستحقّ به العقاب؛ و كأنّه أدخل على نفسه ضررا ما كان يستحقّه، فأشبه بذلك الظالم لغيره.

و لا يجوز أن يوصف فاعل الصغيرة بأنّه ظالم لنفسه من حيث فوّت نفسه

____________

(1) أقول: ما نقله من الأقوال هنا يختلف عما نقله في الرسائل؛ فإنّه قال هناك: قال أبو عليّ الجبائي: «ظالم لنفسه» أي أنه يعمل عليها في العبادة و يضربها، كما يقول القائل: فلان ظالم للنفسه، لفرط صومه و كثرة صلاته، و هذه صفة مدح. و قال آخرون: «ظالم لنفسه» بفعل الصغائر. الرسائل، 3: 102.

237

الثواب؛ لأنّه إن عنى بذلك الثواب الذي يبطل بعقاب الصغيرة، فعند أبي عليّ أنّ الصغيرة ينحبط عقابها بالثواب الكثير؛ من غير أن ينقص من الثواب شي‏ء؛ لأنّه لا يذهب إلى الموازنة التي يذهب إليها أبو هاشم، فما فوّتت الصغيرة عنده ثوابا كان مستحقّا له، و إن عنى بتفويت الثواب أنّه لو لم يفعل هذه المعصية لكان يستحقّ على الامتناع منها ثوابا فإنه يفعلها، فهذا يوجب أن يكون الأنبياء عليهم السّلام في كلّ حال مفوّتين لأنفسهم الثواب بفعل المباحات؛ لأنّهم لو فعلوا الطاعات بدلا منها لاستحقّوا الثواب، و لوجب أن يوصفوا على الفائتة بأنّهم ظالمون لأنفسهم.

على أنّ وضع الكلام و ترتيبه يقتضيان أنّ الظالم لنفسه في الآية في موضع ذمّ، لأنّه تعالى جعله بإزاء المقتصد، و ليس بإزاء المقتصد إلاّ المسرف المذموم.

فإن قيل: فقد قلتم في تأويل حكايته تعالى عن آدم و حوّاء عليهما السّلام قولهما رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا (1) : إنّما أراد أنّا نقصناها الثواب الذي كنّا نستحقّه لو فعلنا ما ندبنا إليه من الامتناع من تناول الشجرة.

قلنا: إنّما قلنا ذلك هناك، و عدلنا عن الظاهر في هذه اللفظة لقيام الدليل أن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لا يواقع المحظور، كبيرا و لا صغيرا من الذنوب و ليس في الآية التي نحن في الكلام عليها ضرورة توجب العدول عن الظاهر، بل قد بيّنّا أن ترتيب الكلام و مقابلته يقتضيان أنّ لفظة ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ في الآية تقتضي الذمّ، لأنّها بإزاء المقتصد.

على أنّه غير ممتنع أن تكون لفظة «ظلم» بخلاف لفظة ظالم في عرف الاستعمال، كما أنّ عند مخالفنا أنّ لفظة «آمن» بخلاف لفظة «مؤمن» ، لأنّهم يصفون صاحب الكبيرة بأنه آمن و لا يسمّونه بأنّه مؤمن، و يزعمون أنّ الانتقال عن الاشتقاق إلى إفادة استحقاق الثواب إنّما هو في مؤمن دون آمن، فلا ينبغي أن ينكروا مثل ذلك في ظلم و ظالم.

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 23.

238

و تأوّل قوم هذه الآية على أنّ المراد من اختاره اللّه تعالى للتكليف، و توريث الكتاب من العقلاء البالغين، ثمّ قسّمهم الأقسام التي تليق بهم، من غير أن يكون المراد بالآية الأنبياء عليهم السّلام.

و هذا الجواب يفسد، لأنّ اللّه تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا ، و من اصطفاه اللّه و اختاره و اجتناه بالإطلاق لا يكون إلاّ ممدوحا معظّما، فكيف يكون فيهم من يستحقّ الذمّ و العقاب؟و من يختار اللّه تكليفه شيئا مخصوصا لا يقال بالإطلاق إنّ اللّه تعالى اصطفاه. و المعتزلة أبدا تنكر على المرجئة تأويلهم قوله تعالى: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ (1) ، على أنّ المراد من ارتضى الشفاعة فيه، و يقولون: من ارتضى شيئا يتعلّق به لا يوصف بأنّه مرتضى على الإطلاق، فكيف يثبتونه هاهنا.

و وجدت أبا قاسم البلخيّ يقول في كتابه تفسير القرآن: «إنّه تعالى أراد العقلاء البالغين و يجوز أن يكونوا عند الاصطفاء أخيارا أتقياء ثمّ ظلم بعضهم نفسه» ؛ فيكون كما قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ (2) ؛ و هو في وقت الارتداد غير مؤمن. كذلك يكون في حال ظلمه نفسه ليس من المصطفين» . قال: «و يجوز أيضا أن يكون فيهم من ظلم نفسه ثمّ تاب و أصلح؛ و يكون قوله: فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ أي منهم من كان قد ظلم نفسه؛ ليس أنّه في هذا الوقت ظالم لها» .

هذه ألفاظه بعينها حكيناها عنه؛ و هذا فاسد؛ لأنّ من كان منهم ظالما فاعلا للقبيح لا يوصفون على الإطلاق بأنّ اللّه تعالى اصطفاهم. فهذا الوصف يقتضي أن تكون الجماعة أخيارا. و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بخلاف هذا؛ لأنّ وصفهم بأنّهم آمنوا في الماضي لا يمنع من الردّه في المستقبل؛ و قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا يمنع أن يكون فيهم من ليست هذه صفته.

____________

(1) سورة الأنبياء، الآية: 28.

(2) سورة المائدة، الآية: 54.

239

و أمّا حمل ذلك على من ظلم ثمّ تاب فهو غير صحيح؛ لأنّ من تاب لا يوصف بعد التوبة بأنّه ظالم لنفسه؛ لأنّ التوبة تمنع من إجراء ألفاظ الذمّ.

و وجدت بعضهم يتأوّل هذه الآية على أنّ المراد ب ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ من جهد نفسه في العبادة و حمل عليها؛ و قال: هذا يليق بأوصاف الأنبياء عليهم السّلام، و لا تمنع النبوّة منه.

و هذا أيضا غير صحيح؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ لفظة «ظالم لّنفسه» يذمّ بها في التعارف، فكيف تجري على المدح!و من هذا الذي يسمّى من جهد نفسه في العبادة بأنّه ظالم لنفسه بالإطلاق!.

على أنّ السابق إلى الخيرات هو المجتهد في العبادة، الحامل على نفسه فيها، فأيّ معنى للتكرار؟و هذا تأويل يفسد القسمة، و هذه الجملة توضّح أنّ التأويل الصحيح ما قدّمناه.

فأمّا قوله تعالى: اَلْكِتََابَ فالظاهر أنّه كناية عن القرآن المنزّل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فقد صارت هذه اللفظة بالإطلاق عبارة عنه؛ و لهذا إذا أطلق القائل فقال: هذا ينطق به الكتاب، و محرّم في الكتاب، و ورد في الكتاب لم يفهم منه إلاّ ما ذكرناه.

و معنى‏ أَوْرَثْنَا يعني علمه و فوائده و أحكامه؛ و ليس يليق ذلك بالأنبياء المتقدّمين؛ فإنّه لا حظّ لهم في علم هذا الكتاب؛ و إنّما يختصّ بهذه الفائدة نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و الأئمّة من ولده عليهم السّلام؛ لأنّهم المتعبّدون بحفظه و بيانه، و العمل بأحكامه.

و ذلك كلّه واضح بحمد اللّه و منّه‏ (1) .

[الثاني: استدلّ القاضي بهذه الآية و بقولهم: «ما ورثت الأبناء من الآباء شيئا أفضل من أدب حسن» و قولهم: «العلماء ورثة الأنبياء» على بطلان قولنا:

«ان إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال» .

____________

(1) الأمالي، 2: 303، راجع أيضا الرسائل، 3: 102.

240

قال السيّد: اما اعتراضه بما ذكر على بطلان قولنا]فعجيب؛ لأن كلّ ما ذكر مقيّد غير مطلق، و إنّما قلنا: إن مطلق لفظ الميراث من غير قرينة و لا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال فبعد ما ذكره و عارض به لا يخفى على متأمّل‏ (1) .

[الثالث: انظر النور: 55 من الشافي، 4: 36 إلى 45].

- هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاََئِفَ فِي اَلْأَرْضِ... [فاطر: 39]

أنظر النور: 55 من الشافي، 4: 36 و 45.

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 78.

241

سورة يس‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ [يس: 6].

[إن سأل سائل و]قال: إذا كانت آباؤهم لم ينذروا فبأيّ شي‏ء يحتجّ عليهم!و كيف يعاقبهم على عبادة الأصنام قال تعالى: وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً (1) !و كيف يصحّ أن تخلو أمة من الأمم من نذير، مع قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ (2) ؛ و قوله تعالى: وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ لَهََا مُنْذِرُونَ (3) و قد علم أنّهم كانوا أمما لا يحصيها كثرة غيره تعالى، و قرى كثيرة؛ فكيف هذا! و أيّ شي‏ء المراد به و معلوم أنّ كلامه تعالى لا يتناقض!.

قال: فإن قال: إنّ «ما» التي في الأمّة المتقدّمة ليست للنفي بل هي للإثبات، و المعنى فيها: مثل ما أنذر آباؤهم، أو بمعنى الذي أنذر آباؤهم، أو زائدة؛ لأنّ الكلام يتمّ من دونها؛ لتنذر قوما آباؤهم.

قال: و الجواب عن ذلك أنّ هذا تأويل يفسد، من قبل أنّ المعلوم الذي لا شكّ فيه و لا إشكال أنّ اللّه تعالى لم يبعث نبيّا بعد عيسى عليه السّلام إلاّ المبعوث على فترة من الرسل «صلّى اللّه عليه و اله و سلّم» ؛ لأجل ذلك وصفهم بالغفلة لمّا لم ينذر آباؤهم؛ فثبت بهذا أن «ما» التي في الآية المتقدمة للنفي دون الإثبات، و أنّ الأخذ بالمعلوم أولى من المظنون.

قال: فإن قيل: إنّ عيسى عليه السّلام قد كان بعث إليهم، و شاعت شريعته فيهم، و انتشرت كلمته، و سار الحواريون بدعوته شرقا و غربا، سهلا و جبلا.

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 15.

(2) سورة فاطر، الآية: 24.

(3) سورة الشعراء، الآية: 208.

غ

242

قال: فالجواب عن ذلك إذا سلّمنا أنّ عيسى عليه السّلام بعث إليهم فإنّ الفترة إنّما كانت بينه و بين محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و أنّ الحواريين لم يمكثوا بعده إلاّ قليلا، و أنّ الآباء المذكورين بأنّهم لم ينذروا هم الأدنون دون الأبعدين.

و لقائل أن يقول: إن عيسى عليه السّلام لم يبعث إلاّ إلى بني إسرائيل خاصة دون العرب؛ و بذلك نطق القرآن. و له أن يقول: إنّ الآباء الأبعدين و الأدنين في الآية سواء. و الذى يؤيّد ذلك قوله تعالى: يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ قَدْ جََاءَكُمْ رَسُولُنََا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى‏ََ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ (1) ؛ الآية إلى آخرها، و قد صحّ بالجملة و التفصيل أنّ الآباء لم ينذروا، و أنّ «ما» للنفي في موضعها من الآية دون الإثبات؛ فكيف القول في الحجّة عليهم؟و لا يحتجّ محتج بأنّ العقل هو الحجّة عليهم دون الإنذار و الرسل؛ لأنّ العقل حجّة على من أنذر و على من لم ينذر؛ و عليه معوّل الفلاسفة في الاستغناء عن الرسل و الأنبياء عليهم السّلام.

قلنا: الجواب عن ذلك. أنّه غير ممتنع عندنا أن يخلو الزمان الطويل و القصير من رسول مبعوث بشريعة؛ و إن كان لا يخلو من إمام؛ و لهذا يقول أصحابنا؛ إنّ الإمامة واجبة في كلّ زمان؛ و ليست كذلك النبوّة.

و الوجه فيه أنّ إرسال الرسول تابع لما يعلمه اللّه من المصالح للمكلّفين في الشرائع و العبادات؛ و غير بعيد في العقل أن يعلم تعالى أنّه لا شي‏ء من الشرائع فيه مصلحة للمكلّفين؛ فلا تجب الرّسالة بل لا تحسن. فأمّا قوله تعالى: وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً ، و قوله: وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاََّ خَلاََ فِيهََا نَذِيرٌ و قوله:

وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ لَهََا مُنْذِرُونَ ؛ فيجوز أن يكون مخصوصا غير عامّ؛ و يعنى به من الشرائع و العبادات من ألطافه؛ فإن دلّ دليل قاطع على عموم هذه الظواهر قطعنا لأجله على أنّ الشرائع من ألطاف المكلّفين؛ و إن كان جائزا في العقل ألاّ يكون الأمر على ذلك.

____________

(1) سورة المائدة، الآية: 19.

243

و قد اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، فقال جماعة: إنّ لفظة «ما» هاهنا للنفي، و المراد أنّ آباؤهم ما أنذروا، لأنّ المصلحة لم تقتض بعثة رسول إليهم؛ و ليس من المعلوم لنا أنّ عيسى عليه السّلام كان الحجّة على كلّ مكلّف كان بين زمانه و بين زمان نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

و يقوّي هذا الجواب إثبات الفترة و أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعث على فترة من الرسل.

و ذهب قوم من أهل التأويل إلى أنّ «ما» في الآية ليست للنفي بل للإثبات؛ و المراد: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم؛ و هذا أيضا جائز.

و يقوّي هذا الجواب و يضعف الأوّل أنّ قوله تعالى: فَهُمْ غََافِلُونَ يقتضي الذمّ لهم بالغفلة؛ و ذلك يقتضي أنّهم أنذروا فغفلوا و أعرضوا. و لا يذمّ بالغفلة من لا سبيل له إلى العلم و التبيّن.

و في الناس من حمل قوله تعالى: مََا أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ على النفي، و المراد أنّه لم ينذرهم من هو منهم و على نسبهم و من أنفسهم؛ كما قال تعالى: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (1) فيكون تلخيص الكلام: لتنذر قوما أنت منهم ما أنذر آباؤهم من هو منهم؛ أي من قومهم و من أنفسهم.

و يمكن في لفظة «ما» وجه آخر و هو أن يراد بها التنكير؛ كأنّه قال:

لِتُنْذِرَ قَوْماً مََا و تقف، ثمّ تبتدى‏ء فتقول: أُنْذِرَ آبََاؤُهُمْ فَهُمْ غََافِلُونَ ؛ كما يقول القائل: أكلت طعاما مّا، و لقيت جماعة مّا، و يكون الغرض التنكير و الإجمال؛ و ليست لفظة «ما» هاهنا زائدة؛ لأنّ حدّ الزائد أن يكون دخوله في عدم الفائدة كخروجه؛ و هي هاهنا مفيدة على ما بيّناه‏ (2) .

- إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ [يس: 11].

أنظر البقرة: 2 من الرسائل، 4: 227.

- أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يََا بَنِي آدَمَ أَنْ لاََ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطََانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60)

____________

(1) سورة التوبة، الآية: 128.

(2) الأمالي، 2: 271.

244

وَ أَنِ اُعْبُدُونِي هََذََا صِرََاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) `وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) [يس: 60-62].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسََانُ أَنََّا خَلَقْنََاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس: 77]

أنظر الشعراء: 32 من الأمالي، 1: 52.

- إِنَّمََا أَمْرُهُ إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82].

[إن سأل سائل فقال: ]لو كان القرآن محدثا، لكان لفظة «كن» محدثة، و كونه كذلك يقتضي على ما خبّر أن يحدثهما بلفظة «كن» أخرى، و يؤدّي إلى ما لا نهاية له من الألفاظ، و لا ينجّى من ذلك في هذه اللفظه بل يجب في ما عداها من ألفاظ القرآن؛ لأنّ التفرقة بين الأمرين غير ممكنة (1) .

قلنا: معنى قوله: أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أوضع من أن يخفى على من له أدنى معرفة باللغة العربية؛ لأنّ ذلك إنّما هو كناية عن تكوينه الأشياء بغير معاناة و لا تعب، و أنّ الذي يريد أن يفعله يتعجّل و لا يتعذّر، و لهذا يقولون فيمن يتأتّى مراداته من غير إبطاء: «فلان يقول للشي‏ء: كن فيكون» ، و إذا أراد أحدهم أن يخبر عن دخول المشقّة عليه في الأفعال قال: «لست ممّن يقول للشي‏ء: كن فيكون» ، و على هذا يقولون: «ما كان إلاّ كلا و لا حتى جرى كذا و كذا» إنّما يعنون السرعة لا غير، و يقول أحدهم: «قلت برأسي كذا» و «قال الفرس فركض» و «قالت السماء فهطلت» و لا قول هناك يخبرون به، و إنّما أرادوا المذهب الذي ذكرناه و قال اللّه تعالى مخبرا عن السماء و الأرض: قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ (2) و إنّما أرادوا سرعة التأتّي.

و قال أبو النجم‏ (3) :

قد قالت الأنساع‏ (4) للبطن الحق # قدما، و فآضت كالفتيق لمحنق‏

____________

(1) الملخص، 2: 429.

(2) سورة فصّلت، الآية: 11.

(3) لسان العرب مادّة (حنق) و نسبه إلى أبي الهيثم.

(4) في الأصل: «العينان» .

245

و لا قول هناك يخبر عنه، و إنّما أراد أنّ البطن لحق بالظهر.

و ممّا استشهد به على أنّ العرب تذكر القول و لا تريد به النطق المعقول- و إن كان غير مشتبه كما تأوّلنا عليه الآية في معناه-قول الشاعر:

امتلأ الحوض و قال قطني # [مهلا رويدا قد ملأت بطني‏]

و قال الآخر:

و قالت العينان سمعا و طاعة # و حدّرتا كالدرّ لما...

و ليس لأحد أن يقول: هذا كلّه تجوّز من القوم و توسّع، و الآية على ظاهرها؛ لأنّ القول و إن كان في لغتهم عبارة عن الكلام المعقول، فإنّهم إذا استعملوه في مثل هذا الموضع كان حقيقة في المعنى الذي ذكرناه، و لم يكن مجازا بل خلفا من الكلام لو أريد به القول الذي هو الكلام، ألا ترى أنّ الأسبق إلى فهم من خاطبوه بما حكيناه عن قولهم: «فلان يقول للشي‏ء: كن فيكون» و «قلت فدخلت» و ما أشبه ذلك، ما ذكرناه من المعنى دون غيره، و الأسبق إلى الفهم هو الحقيقة و قد بيّن من سبق إلى الكلام على هذه الشبهة، أنّ الآية دالّة على حدوث الكلام من وجوه:

منها: إنّه تعالى علّق القول بالإرادة، و أدخل على كونه مريدا لفظة «إذ» و هي للاستقبال لا محالة، و إذا كانت الإرادة مستقبلة، فما علّقه بها يجب أن يكون مستقبلا، و كلّ مستقبل محدث غير قديم.

و منها: إنّه تعالى أدخل على القول لفظة «أن» الدالّة على الاستقبال، و هذا يقتضي حدوث القول.

و منها: إنّ لفظة «يقول» من غير دخول «أن» عليها، يقتضي على موجب اللسان الاستقبال أو الحال، و كلا الأمرين يوجب حدوث القول؛ لأنّ القديم سابق لكلّ حال.

و منها: إنّه علّق وجود المكوّنات بوجود لفظة «كن» على وجه يقتضي نفي التراخي و ثبوت التعقيب، فقال: أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و الفاء عندهم‏

246

للتعقيب، و هذا يقتضي حدوث القول بحدوث ما يتعقّبه؛ و لأنّ القديم يجب أن يكون سابقا للحوادث بما يتقدّر بقدر ما لا يتناهى عن الأوقات.

و ممّا قيل لهم على هذه الشبهة: إنّ الذّاوات المحدثات لو كانت موجبة عن لفظة «كن» ، لوجب قدم جميع الحوادث؛ لأنّ الموجب إذا صحّ اجتماعه من الموجب، وجد معه و لم يتراخى عنه، و إنّما تراخي العلم عن النظر لاستحالة وجوده معه، و كذلك ما يولّده الاعتماد إنّما يتراخى عنه؛ لأنّ من شرط أن يولّده في جهته و جهة ما يلي المحاذاة التي هو فيها، فلا يجوز على هذا أن يولّد الكون لمحلّه في مكانه؛ لأنّه يقتضي أن يكون ولّد لا في جهته، و لا يجوز أن يولّد الكون له في المكان الثاني في حال وجوده؛ لأنّه يقتضي كون الجسم في المكانين في وقت واحد.

و هذا كلّه مرتفع في إيجاب «كن» للمحدثات، لجواز اجتماعهما مع ما يوجبه، ألزموهم حاجة القديم تعالى في الإيجاد إلى هذه اللفظة، و أن نكون نحن أيضا فيما نوجده نحتاج إليها؛ لأنّ ما يحتاج هو تعالى إليه نحن بالحاجة إليه أولى؛ لأنّه تعالى قد يستغني من أشياء كثيرة نحتاج إليها نحن في الأفعال‏ (1) .

و إذا صحّت الجملة التي قدّمناها، فقد كان القياس يقتضي-لو لا ضرب من التعارف و سببيّته-أن يسمّى القرآن، و كلّ كلام وقع مقدرا مقصودا به إلى وجه من وجوه الحكمة، بأنّه مخلوق، و لكنّهم تعارفوا لفظة «الخلق» و «الاختلاق‏ (2) » في الكلام إذا كان كذبا مضافا إلى غير قائله، و لهذا يقولون فيمن كذب أنّه «خلق، و إختلق، و خرق و إخترع و افتعل، كلّ ذلك بمعنى ذلك واحد، و في التنزيل: وَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَ بَنََاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ (3) ، و يقولون في القصيدة: إنّها مخلوقة متى أضيفت إلى غير قائلها، لأنّ إضافتها إلى غير قائلها كذب، و إن كانت هي في نفسها تتضمّن الصدق؛ لأنّهم راعوا في هذه اللفظة-إذا استعملوها في الكلام-معنى الكذب.

____________

(1) الملخص، 2: 438.

(2) في الأصل: الاختلاف.

(3) سورة الأنعام، الآية: 100.

247

و قد نصّ صاحب كتاب العين و صاحب الجمهرة في كتابيهما على ما يشهد بما ذكرناه في معنى هذه اللفظة.

و قال اللّه تعالى: وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً (1) و إِنْ هََذََا إِلاَّ اِخْتِلاََقٌ (2) و إِنْ هََذََا إِلاََّ خُلُقُ اَلْأَوَّلِينَ (3) و هذه الجملة تمنع من إجراء لفظ «الخلق» على القرآن، لئلا يوهم أنّه كذب، أو مضاف إلى غير قائله.

و ممّا يوضح عن صحّة ما قلناه، إنّه لا يمكن أحد أن يحكي عن ناطق باللغة العربية في شعر أو نثر أنّه استعمل لفظة «مخلوق» في الكلام، إلاّ على معنى الكذب أو الإضافة إلى غير قائله، و قد روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا أنكر الخوارج التحكيم، أنّه قال لهم:

«أمّا و اللّه ما حكّمت مخلوقا، و لكنّني حكّمت كتاب اللّه تعالى» (4) .

و قد علمنا أنّه عليه السّلام لم يثبت الحدث، و لا أنّ فاعله فعله مقدرا، لكنّه منع من إطلاق هذه اللفظة عليه للمعنى الذي ذكرناه.

و قد روي عن جماعة من الأئمّة من آل الرسول عليهم السّلام في هذا المعنى ما يشهد بما ذكرناه، و يمنع من إطلاق هذه الجملة في القرآن.

و هذه الأخبار و إن أمكن أن يقال في كلّ خبر منها بعينه أنّه خبر واحد، فلجملتها قوّة و تأثير ممّا يقتضي قوّة الظنّ، و إن لم يفض إلى العلم و اليقين؛ لجواز أن نعتمده في هذا الموضع، مضافا إلى ما ذكرناه من العرف في استعمال هذه اللفظة (5) .

____________

(1) سورة العنكبوت، الآية: 17.

(2) سورة ص، الآية: 7.

(3) سورة الشعراء، الآية: 137.

(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 17/13.

(5) الملخص، 2: 444 و راجع أيضا الرسائل، 1: 152 و 301.

248

سورة الصّافات‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- فَاهْدُوهُمْ إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْجَحِيمِ [الصافات: 23].

أنظر الفاتحة من الرسائل، 3: 287: 296.

- وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ يَتَسََاءَلُونَ [الصافات: 27].

أنظر هود: 103، 105 من الأمالي، 1: 68.

- فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ (88) `فَقََالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) [الصافات: 88-89].

[فإن قيل: ]السؤال عليكم في هذه الآية من وجهين: أحدهما: انّه حكي عن نبيّه النظر في النجوم، و عندكم انّ الّذي يفعله المنجّمون من ذلك ضلال، و الآخر قوله عليه السّلام: إِنِّي سَقِيمٌ . و ذلك كذب.

الجواب: قيل له: في هذه الآية وجوه:

منها: أنّ إبراهيم عليه السّلام كانت به علة تأتيه في أوقات مخصوصة، فلما دعوه إلى الخروج معهم نظر إلى النجوم ليعرف منها قرب نوبة علّته فقال: إِنِّي سَقِيمٌ و أراد أنّه قد حضر وقت العلة و زمان نوبتها و شارف الدخول فيها، و قد تسمي العرب المشارف للشي‏ء باسم الداخل فيه، و لهذا يقولون فيمن أدنفه المرض و خيف عليه الموت: هو ميت. و قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (1) فان قيل: فلو أراد ما ذكرتموه لقال: فنظر نظرة إلى النجوم و لم يقل:

فِي اَلنُّجُومِ ؛ لأنّ لفظة «في» لا تستعمل إلاّ فيمن ينظر كما ينظر المنجّم.

قلنا: ليس يمتنع أن يريد بقوله: فِي اَلنُّجُومِ ، أنّه نظر إليها؛ لأنّ حروف

____________

(1) سورة الزمر، الآية: 30.

249

الصفات يقوم بعضها مقام بعض، قال اللّه تعالى: وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ (1) و إنّما أراد على جذوعها، و قال الشاعر:

إسهري ما سهرت أمّ حكيم # و اقعدي مرّة لذاك و قومي

و أفتحي الباب و انظري في النّجوم # كم علينا من قطع ليل بهيم‏

و إنّما أراد أنظري إليها لتعرفي الوقت.

و منها: أنّه يجوز أن يكون اللّه تعالى أعلمه بالوحي أنّه سيمتحنه بالمرض في وقت مستقبل، و إن لم يكن قد جرت بذلك المرض عادته، و جعل تعالى العلامة على ذلك ظاهرة له من قبل النجوم، إمّا بطلوع نجم على وجه مخصوص أو أفول نجم على وجه مخصوص أو إقترانه بآخر على وجه مخصوص، فلمّا نظر إبراهيم في الامارة الّتي نصبت له من النجوم قال: إِنِّي سَقِيمٌ ، تصديقا بما أخبره اللّه تعالى.

و منها: ما قال قوم في ذلك من أنّ من كان آخر أمره الموت فهو سقيم، و هذا حسن؛ لأنّ تشبيه الحياة المفضية إلى الموت بالسقم من أحسن التشبيه.

و منها: أن يكون قوله: إِنِّي سَقِيمٌ [معناه انّي سقيم‏]القلب و الرأي، حزنا من إصرار قومه على عبادة الأصنام، و هي لا تسمع و لا تبصر، و يكون قوله:

فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ على هذا المعنى، معناه أنّه نظر و فكّر في أنّها محدثة مدبّرة مصرفة مخلوقة. و عجب كيف يذهب على العقلاء ذلك من حالها حتّى يعبدوها؟!

و يجوز أيضا أن يكون قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ ، معناه أنّه شخص ببصره إلى السماء كما يفعل المفكّر المتأمّل، فإنّه ربّما أطرق إلى الأرض و ربّما نظر إلى السماء استعانة في فكره.

و قد قيل: إنّ النجوم هاهنا هي نجوم النبت؛ لأنّه يقال لكلّ ما خرج من الأرض و غيرها و طلع: إنّه نجم ناجم، و قد نجم، و يقال للجميع: نجوم،

____________

(1) سورة طه، الآية: 71.

غ

250

و يقولون: نجم قرن الظبي، و نجم ثدي المرأة، و على هذا الوجه يكون إنّما نظر في حال الفكر و الاطراق إلى الأرض، فرأى ما نجم منها، و قيل أيضا: إنّه أراد بالنجوم ما نجم له من رأيه و ظهر له بعد أن لم يكن ظاهرا. و هذا و إن كان يحتمله الكلام، فالظاهر بخلافه؛ لأنّ الاطلاق من قول القائل: «نجوم» لا يفهم من ظاهره إلاّ نجوم السماء دون نجوم الأرض، و نجوم الرأي، و ليس كلّما قيل فيه: انّه نجم، و هو ناجم على الحقيقة، يصلح أن يقال فيه: نجوم بالاطلاق و المرجع في هذا إلى تعارف أهل اللسان.

و قد قال ابو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: إنّ معنى قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ . أراد في القمر و الشمس، لمّا ظنّ أنّهما آلهة في حال مهلة النظر على ما قصّه اللّه تعالى في قصّته في سورة الأنعام‏ (1) . و لمّا استدلّ بأفولهما و غروبهما على أنّهما محدثان غير قديمين، و لا ألهين. و أراد بقوله: إِنِّي سَقِيمٌ . إنّي لست على يقين من الأمر و لا شفاء من العلم، و قد يسمّى الشكّ بأنه سقيم كما يسمّى العلم بأنّه شفاء. قال: و إنّما زال عنه هذا السقم عند زوال الشكّ و كمال المعرفة.

و هذا الوجه يضعّف من جهة أنّ القصّة الّتي حكاها عن إبراهيم عليه السّلام فيها هذا الكلام يشهد ظاهره بأنّها غير القصّة المذكورة في سورة الأنعام، و انّ القصة مختلفة؛ لأنّ اللّه تعالى قال: وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرََاهِيمَ (83) `إِذْ جََاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) `إِذْ قََالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ مََا ذََا تَعْبُدُونَ (85) `أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اَللََّهِ تُرِيدُونَ (86) `فَمََا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ (87) `فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ (88) `فَقََالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) (2) فبيّن تعالى كما ترى أنّه جاء ربّه بقلب سليم، و إنّما أراد أنّه كان سليما من الشكّ و خالصا للمعرفة و اليقين، ثمّ ذكر أنّه عاتب قومه على عبادة الأصنام، فقال: مََا ذََا تَعْبُدُونَ ؟ و سمّى عبادتهم بأنّها افك و باطل، ثمّ قال: فَمََا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ ؟و هذا قول عارف باللّه تعالى مثبت له على صفاته غير ناظر ممثّل و لا شاكّ، فكيف يجوز أن

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 76 و ما بعدها.

(2) سورة الصافات، الآيات: 83-89.

251

يكون قوله من بعد ذلك: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي اَلنُّجُومِ ، أنّه ظنّها أربابا و آلهة؟و كيف يكون قوله: «إني سقيم» ؟أي لست على يقين و لا شفاء، و المعتمد في تأويل ذلك ما قدّمناه‏ (1) .

- قََالَ أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ (95) `وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ (96) [الصافات: 95، 96].

فسّر السيّد هاتين الآيتين في موضعيه من كتبه، لا يخلو ذكرهما معا من فائدة، و هما كالتالي:

[الأوّل: إن سأل سائل‏]فقال: أ ليس ظاهر هذا القول يقتضي أنّه خالق لأعمال العباد، لأنّ «ما» هاهنا بمعنى «الذي» ؛ فكأنّه قال: خلقكم و خلق أعمالكم.

الجواب: قلنا: قد حمل أهل الحقّ هذه الآية على أنّ المراد بقوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ أي و ما تعملون فيه من الحجارة و الخشب و غيرهما؛ مما كانوا يتخذونه أصناما و يعبدونها.

قالوا: و غير منكر أن يريد بقوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ ذلك؛ كما أنّه قد أراد ما ذكرناه بقوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ لأنّه لم يرد أنّكم تعبدون نحتكم الذي هو فعلكم؛ بل أراد ما تفعلون فيه النّحت، و كما قال تعالى في عصا موسى عليه السّلام:

تَلْقَفُ مََا يَأْفِكُونَ (2) و تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا (3) ؛ و إنّما أراد تعالى أنّ العصا تلقف الحبال التي أظهروا سحرهم فيها، و هي التي حلّتها صنعتهم و إفكهم؛ فقال:

تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا و مََا يَأْفِكُونَ و أراد ما صنعوا فيه، و ما يأفكون فيه؛ و مثله قوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ (4) ؛ و إنّما أراد المعمول فيه دون العمل؛ [و هذا الاستعمال أيضا سائغ‏]شائع؛ لأنّهم يقولون: هذا الباب عمل النّجار.

و في الخلخال: هذا عمل الصائغ؛ و إن كانت الأجسام التي أشير إليها ليست أعمالا؛ و إنّما عملوا فيها؛ فحسن إجراء هذه العبارة.

فإن قيل: كلّ الذي ذكرتموه و إن استعمل فعلى وجه المجاز و الاتّساع؛ لأنّ

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 45.

(2) سورة الأعراف، الآية: 117.

(3) سورة طه، الآية: 69.

(4) سورة سبأ، الآية: 13.

252

العمل في الحقيقة لا يجري إلاّ على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه؛ و إن استعير في بعض المواضع.

قلنا: ليس نسلّم لكم أنّ الاستعمال الذي ذكرناه على سبيل المجاز؛ بل نقول: هو المفهوم الذي لا يستفاد سواه، لأنّ القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلاّ أنّه عمل فيه، و ما رأينا أحدا قط يقول في الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا ممّا حلّه عمل فلان؛ فالأوّل أولى بأن يكون حقيقة.

و ليس ينكر أن يكون الأصل في الحقيقة ما ذكروه، ثمّ انتقل ذلك بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه؛ و صار أخصّ به، و ممّا لا يستفاد من الكلام سواه؛ كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحدّ و الاعتبار في المفهوم من الألفاظ إلاّ ما يستقرّ عليه استعمالها دون ما كانت عليه في الأصل؛ فوجب أن يكون المفهوم و الظاهر من الآية ما ذكرناه.

على أنّا لو سلّمنا أنّ ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه:

منها: ما يشهد به ظاهر الآية و يقتضيه، و لا يسوغ سواه.

و منها: ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية؛ فمن ذلك أنّه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، و التوبيخ لأفعالهم و الإزراء على مذاهبهم، فقال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و متى لم يكن قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ المراد تَعْمَلُونَ فيه؛ ليصير تقدير الكلام: أتعبدون الأصنام التي تنحتونها، و اللّه خلقكم و خلق هذه الأصنام التي تفعلون بها التخطيط و التصوير؛ لم يكن للكلام معنى، و لا مدخل في باب التوبيخ. و يصير على ما يذكره المخالف كأنّه قال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و اللّه خلقكم و خلق عبادتكم؛ فأيّ وجه للتقريع!و هذا إلى أن يكون عذرا أقرب من يكون لوما و توبيخا؛ إذا خلق عبادتهم للأصنام؛ فأيّ وجه للومهم عليها و تقريعهم بها!على أنّ قوله عزّ و جلّ: خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ بعد قوله:

أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى؛ فلا بدّ أن يكون متعلّقا بما تقدّم من قوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و مؤثّرا في المنع من عبادة

253

غير اللّه. فلو أفاد قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ نفس العمل الذي هو النحت دون المعمول فيه لكان له فائدة في الكلام؛ لأنّ القوم لم يكونوا يعبدون النحت؛ و إنّما كانوا يعبدون محل النحت؛ و لأنّه كان لا حظّ في الكلام للمنع من عبادة الأصنام.

فكذلك إن حمل قوله تعالى: وَ مََا تَعْمَلُونَ من أعمال أخر ليست نحتهم، و لا هي ما عملوا فيه لكان أظهر في باب اللغو و العبث و البعد عن التعلّق بما تقدّم؛ فلم يبق إلاّ أنّه أراد: أنّه خلقكم و ما تعملون فيه النحت، فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم!.

فإن قيل: لم زعمتم أنّه لو كان الأمر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثاني حظّ في باب المنع من عبادة الأصنام!و ما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه في المنع من ذلك؟[كما أنّ ما ذكرتموه‏]أيضا لو أريد لكان وجها؛ و هو أن من خلقنا و خلق الأفعال فينا لا يكون إلاّ الإله القديم، الذي تحقّ له العبادة، و غير القديم-كما يستحيل أن يخلقنا-يستحيل أن يخلق فينا الافعال على الوجه الذي يخلقها القديم تعالى؛ فصار لما ذكرناه تأثير.

قلنا: معلوم أنّ الثاني إذا كان كالتعليل للأوّل و المؤثر في المنع من العبادة فلئن يتضمّن أنّكم مخلوقون و ما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموه ممّا لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه؛ و أنّه لا شي‏ء أدلّ على المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أنّ عابدها مخلوق.

و يشهد لما ذكرناه قوله تعالى في موضع آخر: أَ يُشْرِكُونَ مََا لاََ يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ (191) `وَ لاََ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَ لاََ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) (1) فاحتج تعالى عليهم في المنع من عبادة الآلهة دونه بأنّها مخلوقة لا تخلق شيئا، و لا تدفع عن أنفسها ضرّا و لا عنهم؛ و هذا واضح.

على أنّه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه في التعلّق بالأوّل لم يسغ حمله على ما ادّعوه؛ لأنّ فيه عذرا لهم في الفعل الذي عنّفوا و قرّعوا من أجله؛ و قبيح أن يوبّخهم بما يعذرهم و يذمّهم ممّا يبرئهم على ما تقدّم.

____________

(1) سورة الأعراف، الآيتان: 191، 192.

254

على أنّا لا نسلّم أن من يفعل أفعال العباد و يخلقها يستحقّ العبادة؛ لأنّ من جملة أفعالهم القبائح، و من فعل القبائح لا يكون إلها، و لا تحقّ له العبادة؛ فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثّرا بانفراده في العبادة.

على أنّ إضافته العمل إليهم بقوله: تَعْمَلُونَ يبطل تأويلهم الآية؛ لأنّه لو كان تعالى خالقا له لم يكن عملا لهم؛ لأنّ العمل إنّما يكون لمن يحدثه و يوجده، فكيف يكون عملا لهم و اللّه خلقه!و هذه مناقضة، فثبت بهذا أنّ الظاهر شاهد لنا أيضا.

على أن قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ يقتضي الاستقبال؛ و كلّ فعل لم يوجد فهو معدوم؛ و محال أن يقول تعالى: إنّي خالق للمعدوم!.

فإن قالوا: اللفظ و إن كان للاستقبال فالمراد به المضيّ؛ فكأنّه قال: و اللّه خلقكم و ما عملتم!.

قلنا: هذا عدول منكم عن الظاهر الذي ادّعيتم أنّكم متمسكون به؛ و ليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا؛ بل نحن أحقّ؛ لأنّا نعدل عنه لدلالة؛ و أنتم تعدلون بغير حجّة.

فإن قالوا: فأنتم أيضا تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم، و تحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضي.

قلنا: لا نحتاج نحن في تأويلنا إلى ذلك؛ لأنّا إذا حملنا قوله تعالى: وَ مََا تَعْمَلُونَ على الأصنام المعمول فيها-و معلوم أنّ الأصنام موجودة قبل عملهم فيها-فجاز أن يقول تعالى: إنّي خلقتها؛ و لا يجوز أن يقول: إنّي خلقت ما سيقع من العمل في المستقبل.

على أنّه تعالى لو أراد بذلك أعمالهم؛ لا ما عملوا فيه على ما ادّعوه لم يكن في الظاهر حجّة على ما يريدون؛ لأنّ الخلق هو التقدير و التدبير؛ و ليس يمتنع في اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدّره و دبّره؛ ألا ترى أنّهم يقولون: خلقت الأديم؛ و إن لم يكن الأديم فعلا لمن يقول ذلك فيه!و يكون‏