نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
255

معنى خلقه لأفعال العباد أنّه مقدّر لها، و معرّف لنا مقاديرها و مراتبها و ما به نستحقّ عليها من الجزاء.

و ليس يمتنع أن يقال: إنّه خالق للأعمال على هذا المعنى إذا ارتفع الابهام و فهم المراد؛ فهذا كلّه تقتضيه الآية. و لو لم يكن في الآية شي‏ء ممّا ذكرناه ممّا يوجب العدول عن حمل قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ على خلق نفس الأعمال لوجب أن نعدل بها عن ذلك، و نحملها على ما ذكرناه بالأدلة العقلية الدّالة على أنّه تعالى لا يجوز أن يكون خالقا لأعمالنا، و إن تصرّفنا محدث بنا، و لا فاعل له سوانا؛ و كلّ هذا واضح بيّن‏ (1) .

[الثاني: فان قيل: ]و ظاهر هذا القول يقتضي انّه تعالى خلق أعمال العباد، فما الوجه فيه و ما عذر إبراهيم عليه السّلام في إطلاقه؟.

الجواب: قلنا: من تأمّل هذه الآية حقّ التأمّل، علم أنّ معناها بخلاف ما يظنّه المجبّرة؛ لأنّ قوله تعالى خبر عن إبراهيم عليه السّلام بأنّه عيّر قومه بعبادة الأصنام و اتخاذها آلهة من دون اللّه تعالى، بقوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ ، و إنّما أراد المنحوت و ما حمله النحت دون عملهم الّذي هو النحت؛ لأنّ القوم لم يكونوا يعبدون النحت الّذي هو فعلهم في الأجسام، و انّما كانوا يعبدون الأجسام أنفسها ثم قال: وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ و هذا الكلام لا بد من أن يكون متعلّقا بالأول و متضمنا لما يقتضي المنع من عبادة الأصنام، و لا يكون بهذه الصفة إلاّ و المراد بقوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ الأصنام الّتي كانوا ينحتونها، فكأنّه تعالى قال: كيف تعبدون ما خلقه اللّه تعالى، كما خلقكم. و ليس لهم أن يقولوا: إنّ الكلام الثاني قد يتعلّق بالكلام الأوّل على خلاف ما قدّرتموه؛ لأنّه إذا أراد انّ اللّه خلقكم و خلق أعمالكم، فقد تعلّق الثاني بالأوّل؛ لأنّ من خلقه اللّه لا يجوز أن يعبد غيره. و ذلك أنّه لو اراد ما ظنّوه، لكفى أن يقول اللّه تعالى: وَ اَللََّهُ خَلَقَكُمْ . و يصير ما ضمّنه إلى ذلك من قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ لغوا

____________

(1) الأمالي، 2: 203.

256

و لا فائدة فيه، و لا تعلّق له بالأوّل و لا تأثير له في المنع من عبادة الأصنام.

فصحّ أنّه أراد ما ذكرناه من المعمول فيه، ليطابق قوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ .

فإن قالوا: هذا عدول عن الظاهر لقوله تعالى: وَ مََا تَعْمَلُونَ ؛ لأنّ هذه اللفظة لا تستعمل على سبيل الحقيقة إلاّ في العمل دون المعمول فيه، و لهذا يقولون: أعجبني ما تعمل و ما تفعل، مكان قولهم: أعجبني عملك و فعلك.

قيل لهم: ليس نسلّم لكم أنّ الظاهر ما ادّعيتموه؛ لأنّ هذه اللفظة قد تستعمل في المعمول فيه، و العمل على حدّ واحد. بل استعمالها في المعمول فيه أظهر و أكثر. ألا ترى انّه تعالى قال في العصا: تَلْقَفُ مََا يَأْفِكُونَ (1) و في آية اخرى: وَ أَلْقِ مََا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مََا صَنَعُوا (2) . و معلوم أنّه لم يرد أنّها تلقف أعمالهم الّتي هي الحركات و اعتمادات، و إنّما أراد أنّها تلقف الحبال و غيرها ممّا حلّه الإفك. و قد قال اللّه تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مََا يَشََاءُ مِنْ مَحََارِيبَ وَ تَمََاثِيلَ وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ (3) فسمّى المعمول فيه عملا.

و يقول القائل في الباب: إنّه عمل النجّار، و مما يعمل النجّار، و كذلك في الناسج و الصائغ. و ههنا مواضع لا يستعمل فيها (ما) مع الفعل إلاّ و المراد بها الأجسام دون الأعراض الّتي هي فعلنا؛ لأنّ القائل إذا قال: أعجبني ما تأكل و ما تشرب و ما تلبس، لم يجز حمله إلاّ على المأكول و المشروب و الملبوس دون الأكل و الشرب و اللبس. فصحّ أنّ لفظة (ما) فيما ذكرناه أشبه بأن تكون حقيقة، و فيما ذكروه أشبه بأن تكون مجازا. و لو لم يثبت فيها إلاّ أنها مشتركة بين الأمرين، و حقيقة فيهما، لكان كافيا في إخراج الظاهر من أيديهم، و إبطال ما تعلّقوا به. و ليس لهم أن يقولوا: إنّ كلّ موضع استعملت فيه لفظة (ما) مع الفعل، و أريد بها المفعول فيه، إنّما علم بدليل، و الظاهر بخلافه. و ذلك أنّه لا فرق بينهم في هذه الدعوى و بين من عكسها، فادّعى أنّ لفظة (ما) إذا استعملت

____________

(1) سورة الشعراء، الآية: 45؛ و سورة الأعراف، الآية: 117.

(2) سورة طه، الآية: 69.

(3) سورة سبأ، الآية: 13.

غ

257

مع الفعل و أريد بها المصدر دون المفعول فيه كانت محمولة على ذلك بالدليل، و على سبيل المجاز. و الظاهر بخلافه، على أنّ التعليل و تعلّق الكلام الثاني بالأول على ما بيّناه أيضا ظاهر، فيجب أن يكون مراعى. و قد بيّنا أيضا انّه متى حمل الكلام على ما ظنّوه لم يكن الثاني متعلّقا بالأول و لا تعليلا فيه، و الظاهر يقتضي ذلك.

فقد صار فيما ادّعوه عدول عن الظاهر الّذي ذكرناه في معنى الآية، فلو سلّم ما ادّعوه من الظاهر في معنى اللفظة معه لتعارضتا، فكيف و قد بيّنا أنّه غير سليم و لا صحيح؟.

و بعد، فإنّ قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ لا يستقلّ بالفائدة بنفسه، و لا بدّ من أن يقدّر محذوف، و يرجع إلى (ما) الّتي بمعنى (الذي) ، و ليس لهم أن يقدّروا الهاء ليسلم ما ادّعوه بأولى منّا إذا قدّرنا لفظة فيه؛ لأنّ كلا الأمرين محذوف، و ليس تقدير أحدهما بأولى من الآخر، إلاّ بدليل هذا. على أنّا قد بيّنا أنّ مع تقدير الهاء يكون الكلام محتملا لما ذكرناه، كاحتماله لما ذكروه. و مع تقديرنا الّذي بيّناه يكون الكلام مختصّا غير مشترك، فصرنا بالظاهر أولى منهم، و صار للمعنى الّذي ذهبنا إليه الرجحان على معناهم. على أنّ معنى الآية و المقصود منها يدلاّن على ما ذكرناه، حتّى أنّا لو قدّرنا ما ظنّه المخالف لكان ناقضا للغرض في الآية و مبطلا لفايدتها؛ لأنّه تعالى خبر عن إبراهيم عليه السّلام بأنّه قرعهم و وبّخهم بعبادة الأصنام، و احتجّ عليهم بما يقتضي العدول عن عبادته. و لو كان مراده بالآية ما ظنّوه من أنّه تعالى خلقهم و خلق أعمالهم، و قد علمنا أنّ عبادتهم للأصنام من جملة أعمالهم، فكأنّه قال اللّه تعالى: و اللّه خلقكم و خلق عبادتكم لأصنامكم، لوجب أن يكون عاذرا لهم و مزيلا للوم عنهم؛ لأنّ الإنسان لا يذمّ على ما خلق فيه، و لا يعاتب، و لا يوبّخ.

و بعد، فلو حملنا الآية على ما توهّموه، لكان الكلام متناقضا من وجه آخر؛ لأنّه قد أضاف العمل إليهم بقوله «و ما تعملون» . و ذلك يمنع من كونه خلقا للّه تعالى؛ لأنّ العامل للشي‏ء هو من أحدثه و أخرجه من العدم إلى الوجود؛

258

و الخلق في هذا الوجه لا يفيد إلاّ هذا المعنى، فكيف يكون خالقا و محدثا لما أحدثه غيره و عمله؟على أنّ الخلق إذا كان هو التقدير في اللغة، فقد يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا كان مقدرا له و مدبّرا. و لهذا يقولون: خلق الأديم فيمن قدّره و دبّره، و إن كان ما أحدث الأديم نفسه. فلو حملنا قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ على أفعالهم دون ما فعلوا فيه من الأجسام، لكان الكلام على هذا الوجه صحيحا. و يكون المعنى: و اللّه دبّركم و دبّر أعمالكم. و ان لم يكن محدثا لها و فاعلا. و كلّ هذه الوجوه واضح لا إشكال فيه بحمد اللّه تعالى و منّه‏ (1) .

- وَ نََادَيْنََاهُ أَنْ يََا إِبْرََاهِيمُ (104) `قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيََا إِنََّا كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ (105) [الصافات: 104-105].

أنظر المقدّمة الرابعة، الأمر التاسع.

- وَ أَرْسَلْنََاهُ إِلى‏ََ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147].

أنظر البقرة: 74 من الأمالي، 2: 50.

- فَآمَنُوا فَمَتَّعْنََاهُمْ إِلى‏ََ حِينٍ [الصافات: 148].

أنظر إبراهيم: 25 من الانتصار: 160.

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 61.

259

سورة ص‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِنْ هََذََا إِلاَّ اِخْتِلاََقٌ [ص: 7].

أنظر الأنبياء: 2 من الملخص، 2: 423.

- وَ هَلْ أَتََاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرََابَ (21) `إِذْ دَخَلُوا عَلى‏ََ دََاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قََالُوا لاََ تَخَفْ خَصْمََانِ بَغى‏ََ بَعْضُنََا عَلى‏ََ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنََا بِالْحَقِّ وَ لاََ تُشْطِطْ وَ اِهْدِنََا إِلى‏ََ سَوََاءِ اَلصِّرََاطِ (22) `إِنَّ هََذََا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وََاحِدَةٌ فَقََالَ أَكْفِلْنِيهََا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطََابِ (23) `قََالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ََ نِعََاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطََاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ وَ قَلِيلٌ مََا هُمْ وَ ظَنَّ دََاوُدُ أَنَّمََا فَتَنََّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رََاكِعاً وَ أَنََابَ (24) [ص: 21-24].

[إن قيل ما الوجه في هذه الآية]، أو ليس قد روى أكثر المفسّرين أنّ داود عليه السّلام قال: ربّ قد أعطيت إبراهيم و إسحاق و يعقوب من الذكر ما وددت أنّك أعطيتني مثله، قال اللّه تعالى: إنّي ابتليتهم بما لم أبتلك بمثله، و إن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم و أعطيتك كما أعطيتهم. قال: نعم، فقال عزّ و جلّ: فاعمل حتّى أرى بلاءك، فكان ما شاء اللّه أن يكون، و طال عليه ذلك حتّى كاد ينساه، فبينا هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوّة المحراب، فذهب ليأخذها فطارت من الكوّة، فاطّلع من الكوّة فإذا امرأة تغتسل، فهواها و همّ بتزوجها، و كان لها بعل يقال له: «أوريا» ، فبعث به إلى بعض السرايا و أمره أن يتقدّم أمام التابوت الّذي فيه السكينة، و كان غرضه أن يقتل فيه فيتزوّج بامرأته، فأرسل اللّه إليه الملكين في صورة خصمين ليبكتاه على خطيئته و كنّيا عن النساء بالنعاج.

260

و عليكم في هذه الآيات سؤال من وجه آخر و هو أنّ الملائكة لا تكذب فكيف قالوا: خصمان بغى بعضنا على بعض؟و كيف قال أحدهما: «إنّ هذا أخي له تسع و تسعون نعجة ولي نعجة واحدة» إلى آخر الآية؟و لم يكن من كلّ ذلك شي‏ء؟

الجواب: قلنا: نحن نجيب بمقتضى الآية و نبيّن أنّه لا دلالة في شي‏ء منها على وقوع الخطأ من داود عليه السّلام، فهو الّذي يحتاج إليه، فأمّا الرواية المدّعاة، فساقطة مردودة، لتضمّنها خلاف ما يقتضيه العقول في الأنبياء عليهم السّلام، قد طعن في رواتها بما هو معروف، فلا حاجة بنا إلى ذكره.

و أمّا قوله تعالى: وَ هَلْ أَتََاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ فالخصم مصدر لا يجمع و لا يثنّى و لا يؤنّث، ثم قال: إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرََابَ فكنّى عنهم بكناية الجماعة، و قيل في ذلك: إنّه إخراج الكلام على المعنى دون اللفظ؛ لأنّ الخصمين ههنا كانا كالقبيلين أو الجنسين. و قيل: بل جمع؛ لأنّ الاثنين أقلّ الجمع و أوّله؛ لأنّ فيهما معنى الانضمام و الاجتماع، و قيل: بل كان مع هذين الخصمين غيرهما ممن يعينهما و يؤيدهما؛ فإنّ العادة جارية فيمن يأتي باب السلطان بأن يحضر معه الشفعاء و المعاونون، فأمّا خوفه منهما؛ فلأنّه عليه السّلام كان خاليا بالعبادة في وقت لا يدخل عليه فيه أحد على مجرى عادته، فراعه منهما أنّهما أتيا في غير وقت الدخول، أو لأنّهما دخلا من غير المكان المعهود. و قولهما خصمان بغى بعضنا على بعض جرى على التقدير و التمثيل، و هذا كلام مقطوع عن أوّله، و تقديره:

أرأيت لو كنّا كذلك و احتكمنا إليك؟و لا بدّ لكل واحد من الاضمار في هذه الآية و إلاّ لم يصحّ الكلام؛ لأنّ خصمان لا يجوز أن يبتدؤا به.

و قال المفسّرون تقدير الكلام: «نحن خصمان» . قالوا: و هذا ممّا يضمره المتكلّم و يضمره المتكلّم له أيضا. فيقول المتكلّم: سامع مطيع، أي أنا كذلك. و يقول القافلون من الحج: «آئبون تائبون لربنا حامدون» ، أي نحن كذلك. و قال الشاعر:

و قولا إذا جاوزتما أرض عامر # و جاوزتما الحيّين نهدا و خثعما

261

فزيعان من جرم بن ريّان انّهم # أبوا أن يجيروا في الهزاهز محجما

أي: نحن فزيعان.

و يقال للمتكلم: «مطاع معان» . و يقال له: «أراحل أم مقيم» ؟و قال الشاعر:

تقول ابنة الكعبي لمّا لقيتها # أمنطلق في الجيش أم متثاقل‏

أي: أنت كذلك.

فإذا كان لا بدّ في الكلام من إضمار فليس لهم أن يضمروا شيئا بأولى منّا إذا أضمرنا سواه.

فأمّا قوله: إِنَّ هََذََا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً إلى آخر الآية فإنّما هو أيضا على جهة التقدير و التمثيل اللذين قدّمناهما، و حذف من الكلام ما يقتضي فيه التقدير.

و معنى قوله: وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطََابِ أي صار أعزّ منّي. و قيل: إنّه أراد:

قهرني و غلبني.

و أمّا قوله: لقد ظلمك من غير مسألة الخصم، فإنّ المراد به إن كان الأمر كذلك. و معنى ظلمك: نقصك و ثلمك، كما قال اللّه تعالى: آتَتْ أُكُلَهََا وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً (1) .

و معنى «ظنّ» قيل فيه وجهان:

أحدهما: أنّه أراد الظنّ المعروف الّذي هو بخلاف اليقين.

و الوجه الآخر: أنّه أراد العلم و اليقين؛ لأنّ الظنّ قد يرد بمعنى العلم، قال اللّه تعالى: وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنََّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوََاقِعُوهََا (2) و ليس يجوز أن يكون أهل الآخرة ظانّين لدخول النار بل عالمين قاطعين.

و قال الشاعر:

فقلت لهم ظنّوا بإلقاء مذحج # سراتهم في الفارسيّ المسرّد

أي أيقنوا.

____________

(1) سورة الكهف، الآية: 33.

(2) سورة الكهف، الآية: 53.

262

و الفتنة في قوله: وَ ظَنَّ دََاوُدُ أَنَّمََا فَتَنََّاهُ هي الاختبار و الامتحان لا وجه لها إلاّ ذلك في هذا الموضع، كما قال تعالى: وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً ، فأما الاستغفار و السجود فلم يكونا لذنب كان في الحال، و لا فيما سلف على ما ظنّه بعض من تكلّم في هذا الباب، بل على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى و الخضوع له و التذلّل و العبادة و السجود، و قد يفعله الناس كثيرا عند النعم الّتي تتجدّد عليهم و تنزل و تؤول و تردّ إليهم شكرا لمواليها، و كذلك قد يسبّحون و يستغفرون اللّه تعالى تعظيما و شكرا و عبادة.

و أمّا قوله تعالى: وَ خَرَّ رََاكِعاً وَ أَنََابَ فالإنابة هي الرجوع؛ . و لمّا كان داود عليه السّلام بما فعله راجعا إلى اللّه تعالى و منقطعا إليه، قيل فيه: إنّه أناب، كما يقال في التائب الراجع إلى التوبة و الندم: إنّه منيب.

فأمّا قوله تعالى: فَغَفَرْنََا لَهُ ذََلِكَ فمعناه انّا قبلنا منه و كتبنا له الثواب عليه؛ فأخرج الجزاء على وجه المجازات به، كما قال تعالى: يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ هُوَ خََادِعُهُمْ و قال جلّ و عزّ: اَللََّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فأخرج الجزاء على لفظ المجازى عليه.

قال الشاعر:

ألا لا يجهلنّ أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا

و لمّا كان المقصود في الاستغفار و التوبة إنّما هو القبول، قيل في جوابه:

«فغفرنا لك» اي: فعلنا المقصود به، كذلك لمّا كان الاستغفار على طريق الخضوع و العبادة المقصود به القربة و الثواب، قيل في جوابه: «غفرنا» مكان قبلنا؛ على أنّ من ذهب إلى أنّ داود عليه السّلام فعل صغيرة، فلا بدّ من أن يحمل قوله تعالى: «غفرنا» على غير إسقاط العقاب؛ لأنّ العقاب قد سقط بما هناك من الثواب الكثير من غير استغفار و لا توبة، و من جوّز على داود عليه السّلام الصغيرة، يقول: إنّ استغفاره عليه السّلام كان لأحد أمور:

أحدها: أنّ أوريا بن حنان لمّا أخرجه في بعض ثغوره قتل، و كان‏

263

داود عليه السّلام عالما بجمال زوجته فمالت نفسه إلى نكاحها بعده، فقلّ غمّه بقتله لميل طبعه إلى نكاح زوجته، فعوتب على ذلك بنزول الملكين من حيث حمله ميل الطبع على أن قلّ غمّه بمؤمن قتل من إصحابه.

و ثانيها: أنّه روى أنّ امرأة خطبها أوريا بن حنان ليتزوّجها، و بلغ داود عليه السّلام جمالها فخطبها أيضا فزوّجها أهلها بداود و قدّموه على أوريا و غيره، فعوتب عليه السّلام على الحرص على الدنيا، بأنّه خطب امرأة قد خطبها غيره حتّى قدّم عليه.

و ثالثها: أنّه روي أنّ امرأة تقدّمت مع زوجها إليه في مخاصمة بينهما من غير محاكمة لكن على سبيل الوساطة، و طال الكلام بينهما و تردّد، فعرض داود عليه السّلام للرجل بالنزول عن المرأة لا على سبيل الحكم لكن على سبيل التوسّط و الاستصلاح، كما يقول أحدنا لغيره: إذا كنت لا ترضى زوجتك هذه و لا تقوم بالواجب من نفقتها فانزل عنها، فقدّر الرجل أنّ ذلك حكم منه لا تعريض، فنزل عنها و تزوّجها داود عليه السّلام، فأتاه الملكان ينبّهانه على التقصير في ترك تبيين مراده للرجل، و أنّه كان على سبيل العرض لا الحكم.

و رابعها: أنّ سبب ذلك أنّ داود عليه السّلام كان متشاغلا بعبادته في محرابه، فأتاه رجل و امرأة يتحاكمان، فنظر إلى المرأة ليعرفها بعينها فيحكم لها أو عليها، و ذلك نظر مباح على هذا الوجه، فمالت نفسه إليها ميل الخلقة و الطباع، ففصل بينهما و عاد إلى عبادته، فشغله الفكر في أمرها و تعلّق القلب بها عن بعض نوافله الّتي كان وظفّها على نفسه فعوتب.

و خامسها: أنّ المعصية منه إنّما كانت بالعجلة في الحكم قبل التثبّت، و قد كان يجب عليه لمّا سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عمّا عنده فيها، و لا يقضي عليه قبل المسألة. و من أجاب بهذا الجواب قال: إن الفزع من دخولهما عليه في غير وقت العادة نساه التثبّت و التحفّظ.

و كل هذه الوجوه لا يجوز على الأنبياء عليه السّلام؛ لأنّ فيها ما هو معصية، و قد بيّنا أنّ المعاصي لا تجوز عليهم، و فيها ما هو منفّر، و إن لم يكن معصية، مثل‏

264

أن يخطب امرأة قد خطبها رجل من أصحابه فتقدّم عليه و تزوّجها، و مثل التعريض بالنزول عن المرأة و هو لا يريد الحكم.

فأمّا الاشتغال عن النوافل فلا يجوز أن يقع عليه عتاب؛ لأنّه ليس بمعصية و لا هو أيضا منفّر، فأمّا من زعم أنّه عرض أوريا للقتل و قدّمه أمام التابوت عمدا حتّى يقتل، فقوله أوضح فسادا من أن يتشاغل بردّه.

و قد روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام انه قال: لا أوتي برجل يزعم أنّ داود عليه السّلام تزوّج بامرأة أوريا إلاّ جلّدته حدّين، حدّا للنبوّة و حدّا للإسلام.

فأمّا أبو مسلم فإنّه قال: لا يمتنع أن يكون الداخلان على داود عليه السّلام كانا خصمين من البشر، و أن يكون ذكر النعاج محمولا على الحقيقة دون الكناية، و إنّما ارتاع منهما لدخولهما من غير إذن و على غير مجرى العادة، قال و ليس في ظاهر التلاوة ما يقتضي أن يكونا ملكين.

و هذا الجواب يستغنى معه عما تأولنا به قولهما، و دعوى أحدهما على صاحبه و ذكر النعاج. و اللّه تعالى أعلم بالصواب‏ (1) .

- وَ وَهَبْنََا لِدََاوُدَ سُلَيْمََانَ نِعْمَ اَلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوََّابٌ (30) `إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ اَلصََّافِنََاتُ اَلْجِيََادُ (31) `فَقََالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتََّى تَوََارَتْ بِالْحِجََابِ (32) `رُدُّوهََا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنََاقِ (33) [ص: 30-33].

[فان قيل: ما معنى هذه الآية]أو ليس ظاهر هذه الآيات يدلّ على أنّ مشاهدة الخيل ألهاه و أشغله عن ذكر ربّه، حتّى روي أنّ الصلاة فاتته؛ و قيل:

إنّها صلاة العصر، ثمّ إنّه عرقب الخيل و قطع سوقها و أعناقها غيظا عليها، و هذا كلّه فعل يقتضي ظاهره القبح.

الجواب: قلنا: أمّا ظاهر الآية فلا يدلّ على إضافة قبيح إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و الرواية إذا كانت مخالفة لما تقتضيه الأدلّة لا يلتفت إليها لو كانت قوية صحيحة

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 126.

غ

265

ظاهرة، فكيف إذا كانت ضعيفة واهية؟و الّذي يدلّ على ما ذكرناه على سبيل الجملة أنّ اللّه تعالى ابتدأ الآية بمدحه و تعريفه و الثناء عليه، فقال: نِعْمَ اَلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوََّابٌ ، و ليس يجوز أن يثني عليه بهذا الثناء ثمّ يتبعه من غير فصل بإضافة القبيح إليه، و انّه تلهى بعرض الخيل عن فعل المفروض عليه من الصلاة و الذي يقتضيه الظاهر أنّ حبّه للخيل و شغفه بها كان بإذن ربّه و بأمره و تذكيره إياه؛ لأنّ اللّه تعالى قد أمرنا بإرباط الخيل و إعدادها لمحاربة الأعداء، فلا ينكر أن يكون سليمان عليه السّلام مأمورا بمثل ذلك. فقال: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ، ليعلم من حضره أنّ اشتغاله بها و إستعداده لها لم يكن لهوا و لا لعبا، و إنّما اتّبع فيه أمر اللّه تعالى و آثر طاعته.

و أمّا قوله: أَحْبَبْتُ حُبَّ اَلْخَيْرِ ففيه وجهان:

أحدهما: أنّه أراد أنّي أحببت حبّا ثمّ أضاف الحبّ إلى الخير.

و الوجه الآخر: أنّه أراد أحببت اتّخاذ الخير. فجعل بدل اتّخاذ الخير «حبّ الخير» .

فأمّا قوله تعالى: رُدُّوهََا عَلَيَّ فهو للخيل لا محالة على مذهب سائر أهل التفسير.

فأمّا قوله تعالى: حَتََّى تَوََارَتْ بِالْحِجََابِ ، فإنّ أبا مسلم محمد بن بحر وحده قال: إنّه عائد إلى الخيل دون الشمس؛ لأنّ الشمس لم يجر لها ذكر في القصة.

و قد جرى للخيل ذكر فردّه إليها أولى إذا كانت له محتملة.

و هذا التأويل يبرّى‏ء النبي عليه السّلام عن المعصية.

فأمّا من قال: إنّ قوله تعالى: حَتََّى تَوََارَتْ بِالْحِجََابِ كناية عن الشمس، فليس في ظاهر القرآن أيضا على هذا الوجه ما يدلّ على أنّ التواري كان سببا لفوت الصلاة، و لا يمتنع أن يكون ذلك على سبيل الغاية لعرض الخيل عليه ثمّ استعادته لها.

فأمّا أبو عليّ الجبّائيّ و غيره، فإنّه ذهب إلى أنّ الشمس لمّا توارت‏

266

بالحجاب و غابت كان ذلك سببا لترك عبادة كان يتعبّد بها بالعشي، و صلاة نافلة كان يصلّيها فنسيها شغلا بهذه الخيل و إعجابا بتقليبها، فقال هذا القول على سبيل الاغتمام لما فاته من الطاعة.

و هذا الوجه أيضا لا يقتضي إضافة قبيح إليه عليه السّلام؛ لأنّ ترك النافلة ليس بقبيح و لا معصية.

و أمّا قوله تعالى: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ اَلْأَعْنََاقِ فقد قيل فيه وجوه:

منها: أنّه عرقبها و مسح أعناقها و سوقها بالسيف من حيث شغلته عن الطاعة، و لم يكن ذلك على سبيل العقوبة لها، لكن حتّى لا يتشاغل في المستقبل بها عن الطاعات؛ لأنّ للانسان أن يذبح فرسه لأكل لحمها، فكيف إذا انضاف إلى ذلك وجه آخر يحسنه.

و قد قيل: إنّه يجوز أن يكون لمّا كانت الخيل أعزّ ماله عليه أراد أن يكفّر عن تفريطه في النافلة فذبحها و تصدّق بلحمها على المساكين.

قالوا فلمّا رأى حسن الخيل راقته و أعجبته، أراد أن يقترب إلى اللّه تعالى بالمعجب له الرائق في عينه؛ و يشهد بصحة هذا المذهب قوله تعالى: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ (1) ، فأمّا أبو مسلم فإنّه ضعّف هذا الوجه و قال: لم يجر للسيف ذكر فيضاف إليه المسح، و لا يسمّى العرب الضرب بالسيف و القطع به مسحا، قال فإن ذهب ذاهب إلى قول الشاعر:

مدمن يجلو بأطراف الذّرى # دنس الأسوق بالعضب الأفل‏

فانّ هذا الشاعر يعني انّه عرقب الابل للأضياف فمسح بأسنمتها ما صار على سيفه من دنس عراقبها، و هو الدّم الّذي أصابه منها؛ و ليس في الآية ما يوجب ذلك و لا ما يقاربه.

و ليس الّذي أنكره أبو مسلم بمنكر؛ لأنّ أكثر أهل التأويل-و فيهم من يشار

____________

(1) سورة آل عمران، الآية: 92.

267

إليه في اللغة-روى أن المسح ههنا هو القطع، و في الاستعمال المعروف:

«مسحه بالسيف» إذا قطعه و بتره؛ و العرب تقول: «مسح علاوتها» أي: ضربها.

و منها: أن يكون معنى مسحها هو أنّه أمرّ يده عليها؛ صيانة لها و إكراما، لما رأى من حسنها. فمن عادة من عرضت عليه الخيل أن يمرّ يده على أعرافها و أعناقها و قوائمها.

و منها: أن يكون معنى المسح ههنا هو الغسل، فإنّ العرب تسمّي الغسل مسحا، فكأنّه لمّا رأى حسنها أراد صيانتها و إكرامها فغسل قوائمها و أعناقها، و كلّ هذا واضح‏ (1) .

- وَ لَقَدْ فَتَنََّا سُلَيْمََانَ وَ أَلْقَيْنََا عَلى‏ََ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنََابَ [ص: 34].

[فان قيل ما معنى هذه الآية]أو ليس قد روي في تفسير هذه الآية أنّ جنّيا- كان اسمه صخرا-تمثّل على صورته و جلس على سريره، و أنّه أخذ خاتمه الّذي فيه النبوّة فألقاه في البحر، فذهبت نبوّته و أنكره قومه حتّى عاد إليه من بطن السمكة.

الجواب: قلنا: أمّا ما رواه الجهّال في القصص في هذا الباب فليس ممّا يذهب على عاقل بطلانه، و أنّ مثله لا يجوز على الأنبياء عليهم السّلام، و أنّ النبوّة لا تكون في خاتم و لا يسلبها النبي عليه السّلام و لا ينزع عنه، و انّ اللّه تعالى لا يمكّن الجنّي من التمثيل بصورة النبي عليه السّلام و لا غير ذلك ممّا افتروا به على النبي عليه السّلام، و إنّما الكلام على ما يقتضيه ظاهر القرآن، و ليس في الظاهر أكثر من أن جسدا ألقي على كرسيه على سبيل الفتنة له و هي الاختبار و الامتحان، مثل قوله تعالى: الم (1) `أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ (2) `وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ (3) (2) و الكلام في ذلك الجسد[أنّه‏]ما هو؟إنّما يرجع فيه إلى الرواية الصحيحة الّتي

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 133 و انظر أيضا المائدة: 6 الأمر السابع الموضع الثاني.

(2) سورة العنكبوت، الآيات: 1-3.

268

لا تقتضي إضافة قبيح إليه تعالى، و قد قيل في ذلك أشياء: منها: انّ سليمان عليه السّلام قال يوما في مجلسه و فيه جمع كثير: «لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة تلد كلّ امرأة منهنّ غلاما يضرب بالسيف في سبيل اللّه» و كان له فيما روي عدد كثير من السراري، فأخرج كلامه على سبيل المحبّة بهذا الحال، فنزّهه اللّه تعالى عن الكلام الّذي ظاهره الحرص على الدنيا و التثبّت بها؛ لئلا يقتدى به في ذلك، فلم تحمل من نسائه إلاّ امرأة واحدة فألقت ولدا ميتا، فحمل حتّى وضع على كرسيّه جسدا بلا روح؛ تنبيها له على أنّه ما كان يجب بأن يظهر منه ما ظهر، فاستغفر ربّه و فزع إلى الصلاة و الدعاء.

و هذا الوجه إذا صحّ ليس يقتضي معصية صغيرة على ما ظنّه بعضهم حتّى نسب الاستغفار و الإنابة إلى ذلك؛ و ذلك لأنّ محبّة الدنيا على الوجه المباح ليس بذنب و إن كان غيره أولى منه، و الاستغفار عقيب هذا الحال لا يدلّ على وقوع ذنب في الحال و لا قبلها، بل يكون محمولا على ما ذكرناه آنفا في قصة داود عليه السّلام من الانقطاع إلى اللّه تعالى و طلب ثوابه.

فأمّا قول بعضهم: إنّ ذنبه من حيث لم يستثن بمشيئة اللّه تعالى لما قال:

«تلد كلّ امرأة واحدة منهنّ غلاما» و هذا غلط؛ لأنّه عليه السّلام و إن لم يستثن ذلك لفظا قد استثناه ضميرا و اعتقادا؛ إذ لو كان قاطعا مطلقا للقول لكان كاذبا أو مطلقا لما لا يأمن أن يكون كذبا، و ذلك لا يجوز عند من جوّز الصغائر على الأنبياء عليهم السّلام.

و أمّا قول بعضهم: إنّه عليه السّلام إنّما عوتب و استغفر لأجل أنّ فريقين اختصما إليه، أحدهما من أهل جرادة امرأة له كان يحبّها، فأحبّ أن يقع القضاء لأهلها فحكم بين الفريقين بالحقّ، و عوتب على محبّة موافقة الحكم لأهل امرأته، فليس هذا أيضا بشي‏ء؛ لأنّ هذا المقدار الّذي ذكروه ليس بذنب يقتضي عتابا إذا كان لم يرد القضاء بما يوافق امرأته على كلّ حال، بل مال طبعه إلى أن يكون الحقّ موافقا لقول فريقها، و إن يتفق أن يكون في جهتها من غير أن يقتضي ذلك ميلا منه إلى الحكم أو عدولا عن الواجب.

269

و منها: أنّه روي عن الجنّ لمّا ولد لسليمان عليه السّلام ولد قالوا: «لنلقين من ولده مثل ما لقينا من أبيه» ، فلمّا ولد له غلام أشفق عليه منهم فاسترضعه في المزن و هو السحاب فلم يشعر إلاّ و قد وضع على كرسيه ميّتا تنبيها له على أن الحذر لا ينقطع مع القدر.

و منها: أنّهم ذكروا أنّه كان لسليمان عليه السّلام ولد شاب ذكيّ و كان يحبّه حبّا شديدا فأماته اللّه تعالى على بساطه فجأة بلا مرض إختبارا من اللّه تعالى لسليمان عليه السّلام و ابتلاء لصبره في إماتة ولده، و ألقى جسده على كرسيّه، و قيل:

إنّ اللّه جلّ ثنائه أماته في حجره و هو على كرسيّه فوضعه من حجره عليه.

و منها: ما ذكره أبو مسلم، فإنّه قال: جائز أن يكون الجسد المذكور هو جسد سليمان عليه السّلام و أن يكون ذلك لمرض امتحنه تعالى به و تلخيص الكلام:

«و لقد فتنا سليمان و ألقينا منه على كرسيّه جسدا» و ذلك لشدّة المرض. و العرب تقول في الإنسان إذا كان ضعيفا: «إنّه لحم على وضم» . كما يقولون: «إنّه جسد بلا روح» تغليظا للعلّة و مبالغة في فرط الضعف. ثُمَّ أَنََابَ أي رجع إلى حال الصحّة، و استشهد على الاختصار و الحذف في الآية بقوله تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنََا عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذََانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاََ يُؤْمِنُوا بِهََا حَتََّى إِذََا جََاؤُكَ يُجََادِلُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ (1) و لو أتي بالكلام على شرحه لقال: يقول الذين كفروا منهم، أي من المجادلين، كما قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ إلى قوله: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (2) .

و قال الأعشى في معنى الاختصار و الحذف:

و كأنّ السّموط علّقها السّلـ # ك بعطفي جيداء أمّ غزال‏

و لو أتي بالشرح لقال: علّقها السلك منها.

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 25.

(2) سورة الفتح، الآية: 29. استشهد بها لعدم الاختصار و الحذف في قوله: وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ .

270

و قال كعب بن زهير:

زالوا فما زال انعكاس و لا كشف # عند اللقاء و لا ميل معازيل‏

و إنّما أراد: فما زال منهم انعكاس و لا كشف. و شواهد هذا المعنى كثيرة (1) .

- رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهََّابُ [ص: 35].

[فإن قيل: فما معنى قول سليمان عليه السّلام في هذه الآية]أو ليس ظاهر هذا القول منه عليه السّلام يقتضي الشحّ و الظنّ و المنافة لأنّه لم يقنع بمسألة الملك حتّى أضاف إلى ذلك أن يمنع غيره منه؟

الجواب: قلنا: قد ثبت أنّ الأنبياء عليهم السّلام لا يسألون إلاّ ما يؤذن لهم في مسألته، لا سيّما إذا كانت المسألة ظاهرة يعرفها قومهم. و جائز أن يكون اللّه تعالى أعلم سليمان عليه السّلام أنّه إن سأل ملكا لا يكون لغيره كان أصلح له في الدين و الاستكثار من الطاعات، و أعلمه أنّ غيره لو سأل ذلك لم يجب إليه من حيث لا صلاح له فيه. و لو أنّ أحدنا صرّح في دعائه بهذا الشرط حتّى يقول:

«اللهم اجعلني أيسر أهل زماني و ارزقني مالا يساويني فيه غيري إذا علمت أنّ ذلك أصلح لي و أنّه أدعى إلى ما تريده مني» ، لكان هذا الدعاء منه حسنا جميلا، و هو غير منسوب به إلى بخل و لا شحّ. و ليس يمتنع أن يسأل النبيّ هذه المسألة من غير إذن إذا لم يكن شرط ذلك بحضرة قومه، بعد أن يكون هذا الشرط مرادا فيها، و إن لم يكن منطوقا به، و على هذا الجواب اعتمد أبو عليّ الجبّائيّ.

و وجه آخر: و هو أن يكون عليه السّلام إنّما التمس أن يكون ملكه آية لنبوّته ليتبّين بها عن غيره ممّن ليس نبيّا؛ و قوله: لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، أراد به لا ينبغي لأحد غيري ممّن أنا مبعوث إليه، و لم يرد من بعده إلى يوم القيامة من النبيّين عليه السّلام؛ و نظير ذلك أنّك تقول للرجل: «أنا أطيعك ثمّ لا أطيع أحدا

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 136.

271

بعدك» ، تريد و لا أطيع أحدا سواك. و لا تريد بلفظة «بعد» المستقبل، و هذا وجه قريب.

و قد ذكر أيضا في هذه الآية و ممّا لم يذكر فيها ممّا يحتمله الكلام، أن يكون عليه السّلام إنّما سأل ملك الآخرة و ثواب الجنّة الّتي لا يناله المستحقّ إلاّ بعد انقطاع التكليف و زوال المحنة، فمعنى قوله: لاََ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أي لا يستحقّه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا يصحّ أن يعمل ما يستحقّ به لانقطاع التكليف؛ و يقوّي هذا الجواب قوله: رَبِّ اِغْفِرْ لِي و هو من أحكام الآخرة.

و ليس لأحد أن يقول: إنّ ظاهر الكلام بخلاف ما تأوّلتم؛ لأنّ لفظة بَعْدِي لا يفهم منها بعد وصولي إلى الثواب؛ و ذلك أن الظاهر غير مانع من التأويل الّذي ذكرناه، و لا مناف له؛ لأنّه لا بدّ من أن تعلّق لفظة بَعْدِي بشي‏ء من أحواله المتعلقة به، و إذا علّقناها بوصوله إلى الملك كان ذلك في الفايدة و مطابقة الكلام كغيره ممّا يذكر في هذا الباب. ألا ترى أنّا إذا حملنا لفظة «بعدي» على نبوتي أو بعد مسألتي أو ملكي، كان ذلك كلّه في حصول الفايدة به يجري مجرى أن تحملها إلى بعد وصولي إلى الملك؛ فإنّ ذلك ممّا يقال فيه أيضا: «بعدي» ؟ألا ترى أنّ القائل يقول: «دخلت الدار بعدي» و «وصلت إلى كذا و كذا بعدي» ، و إنّما يريد بعد دخولي و بعد وصولي؟و هذا واضح بحمد اللّه‏ (1) .

- وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا أَيُّوبَ إِذْ نََادى‏ََ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلشَّيْطََانُ بِنُصْبٍ وَ عَذََابٍ [ص: 41].

فإن قيل: فما قولكم في الأمراض و المحن الّتي لحقت أيّوب عليه السّلام أو ليس قد نطق القرآن بأنّها كانت جزاء على ذنب في قوله: أَنِّي مَسَّنِيَ اَلشَّيْطََانُ بِنُصْبٍ وَ عَذََابٍ و العذاب لا يكون إلاّ جزاء كالعقاب، و الآلام الواقعة على سبيل الامتحان لا تسمّى عذابا و لا عقابا، أو ليس قد روى جميع المفسرين أنّ اللّه تعالى إنّما عاقبه بذلك البلاء لتركه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قصّته مشهورة يطول شرحها؟

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 139.

غ

272

الجواب: قلنا: أمّا ظاهر القرآن فليس يدلّ على أنّ أيوب عليه السّلام عوقب بما نزل به من المضارّ، و ليس في ظاهره شي‏ء مما ظنّه السائل؛ لأنّه تعالى قال:

وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا أَيُّوبَ إِذْ نََادى‏ََ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلشَّيْطََانُ بِنُصْبٍ وَ عَذََابٍ (1) و النصب هو التعب، و فيه لغتان: بفتح النون و الصاد، و ضمّ النون و تسكين الصاد. و التعب هو المضرّة الّتي لا تختصّ بالعقاب، و قد تكون على سبيل الامتحان و الاختبار.

و أمّا العذاب فهو أيضا يجري مجرى المضارّ الّتي‏[لا]يختصّ إطلاق ذكرها بجهة دون جهة. و لهذا يقال للظالم و المبتدى‏ء بالظلم: إنّه معذّب و مضرّ و مؤلم، و ربّما قيل: معاقب على سبيل المجاز. و ليست لفظة العذاب بجارية مجرى لفظة العقاب؛ لأنّ لفظة العقاب يقتضي ظاهرها الجزاء؛ لأنّها من التعقيب و المعاقبة، و لفظة العذاب ليست كذلك، فأمّا إضافته ذلك إلى الشيطان-و إنّما ابتلاه اللّه به- فله وجه صحيح؛ لأنّه لم يضف المرض و السقم إلى الشيطان، و إنّما أضاف إليه ما كان يستضرّ به من وسوسته و يتعب به من تذكيره له ما كان فيه من النعم و العافية و الرخاء، و دعائه له إلى التضجّر و التبرّم مما هو عليه، و لأنّه كان أيضا يوسوس إلى قومه بأن يستقذروه و يتجنّبوه و يستخفّوه لما كان عليه من الأمراض الشنيعة المنتنة، و يخرجوه من بينهم. و كلّ هذا ضرر من جهة اللعين إبليس، و قد روي أنّ زوجته عليه السّلام كانت تخدم الناس في منازلهم و تصير إليه بما يأكله و يشربه، و كان الشيطان لعنه اللّه تعالى يلقي إليهم انّ داءه عليه السّلام يعدّي، و يحسّن إليهم تجنّب خدمة زوجته من حيث كانت تباشر قروحه و تمسّ جسده، و هذه مضارّ لا شبهة فيها.

و أما قوله تعالى في سورة الأنبياء: وَ أَيُّوبَ إِذْ نََادى‏ََ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ اَلضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرََّاحِمِينَ (83) `فَاسْتَجَبْنََا لَهُ فَكَشَفْنََا مََا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْنََاهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنََا وَ ذِكْرى‏ََ لِلْعََابِدِينَ (84) (2) فلا ظاهر لها أيضا يقتضي ما ذكروه؛ لأنّ الضرّ هو الضرر الّذي قد يكون محنة كما يكون عقوبة.

____________

(1) سورة ص، الآية: 41.

(2) سورة الأنبياء، الآيتان: 83، 84.

273

فأمّا ما روي في هذا الباب عن جهلة المفسّرين فممّا لا يلتفت إلى مثله؛ لأنّ هؤلاء لا يزالون يضيفون إلى ربّهم تعالى و إلى رسله عليهم السّلام كل قبيح و منكر، و يقذفونهم بكلّ عظيم. و في روايتهم هذه السخيفة ما إذا تأمّله المتأمّل علم أنّه موضوع باطل مصنوع؛ لأنّهم رووا أن اللّه تعالى سلّط إبليس على مال أيوب عليه السّلام و غنمه و أهله، فلمّا أهلكهم و دمّر عليهم و رأى من صبره عليه السّلام و تماسكه، قال إبليس لربّه: يا ربّ، إنّ أيّوب قد علم أنّك ستخلف عليه ماله و ولده فسلّطني على جسده، فقال تعالى: سلّطتك على جسده كلّه إلاّ قلبه و بصره، قال: فأتاه فنفخه من لدن قرنه إلى قدمه فصار قرحة واحدة، فقذف على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين و أشهرا تختلف الدوابّ على جسده، إلى شرح طويل نصون كتابنا عن ذكر تفصيله، فمن يقبل عقله هذا الجهل و الكفر كيف يوثّق روايته، و من لا يعلم أنّ اللّه تعالى لا يسلّط إبليس على خلقه، و أنّ إبليس لا يقدر على أن يقرح الأجساد و لا[أن‏]يفعل الأمراض كيف يعتمد روايته؟.

فأمّا هذه الأمراض العظيمة النازلة بأيّوب عليه السّلام فلم تكن إلاّ اختبارا و امتحانا و تعريضا للثواب بالصبر عليها و العوض العظيم النفيس في مقابلتها، و هذه سنّة اللّه تعالى في أصفيائه و أوليائه عليهم السّلام، فقد روي عن الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: -و قد سئل أيّ الناس أشدّ بلاء-فقال: «الأنبياء ثمّ الصالحون ثمّ الأمثل فالأمثل من الناس» فظهر من صبره عليه السّلام على محنته و تماسكه ما صار به إلى الآن مثلا، حتّى روي أنّه كان في خلال ذلك كلّه صابرا شاكرا محتسبا ناطقا بما له فيه المنفعة و الفايدة، و أنّه ما سمعت له شكوى و لا تفوّه بتضجر و لا تبرّم، فعوّضه اللّه تعالى مع نعيم الآخرة العظيم الدائم أن ردّ عليه ماله و أهله و ضاعف عددهم في قوله تعالى: وَ آتَيْنََاهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ (1) و في سورة «ص» :

وَ وَهَبْنََا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ (2) ، ثمّ مسح ما به من العلل و شفاه و عافاه و أمره على ما وردت به الرواية، بأن أركض برجلك الأرض فظهرت له عين فاغتسل

____________

(1) سورة الأنبياء، الآية: 84.

(2) سورة ص، الآية: 43.

274

منها فتساقط ما كان على جسده من الداء. قال اللّه تعالى: اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هََذََا مُغْتَسَلٌ بََارِدٌ وَ شَرََابٌ (1) و الركض هو التحريك و منه ركضت الدابة.

فإن قيل، أفتصحّحون ما روي أنّ الجذام أصابه حتّى تساقطت أعضاؤه؟

قلنا: إنّ العمل المستقذرة الّتي ينفر من رآها و توحشه كالبرص و الجذام، فلا يجوز شي‏ء منها على الأنبياء عليهم السّلام لما تقدّم ذكره في صدر هذا الكتاب؛ لأنّ النفور ليس بواقف على الأمور القبيحة، بل قد يكون من الحسن و القبيح معا. و ليس ينكر أن يكون أمراض ايوب عليه السّلام و أوجاعه و محنته في جسمه ثم في أهله و ماله بلغت مبلغا عظيما يزيد في الغمّ و الألم على ما ينال المجذوم، و ليس ننكر تزايد الألم فيه عليه السّلام، و إنّما ننكر ما اقتضى التنفير.

فإن قيل: أفتقولون: إنّ الغرض ممّا ابتلي به أيوب عليه السّلام كان الثواب أو العوض أو هما على الاجتماع؟

و هل يجوز أن يكون ما في هذه الآلام من المصلحة و اللطف حاصلا في غيرها ممّا ليس بألم أم تمنعون من ذلك؟

قلنا: أمّا الآلام الّتي يفعلها اللّه تعالى لا على سبيل العقوبة فليس يجوز أن يكون غرضه عزّ و جلّ فيها العوض من حيث كان قادرا على أن يبتدي بمثل العوض، بل الغرض فيها المصلحة و ما يؤدّي إلى استحقاق الثواب، فالعوض تابع و المصلحة أصل، و إنّما يخرج بالعوض من أن يكون ظلما و بالغرض من أن يكون عبثا.

فأمّا الألم، إذا كان فيه مصلحة و لطف، و هناك في المعلوم ما يقوم مقامه فيهما، إلاّ أنّه ليس بألم، إمّا بأن يكون لذّة أو ليس بألم و لا لذّة، ففي الناس من ذهب إلى أن الألم لا يحسن في هذا الموضع، و إنّما يحسن بحيث لا يقوم مقامه ما ليس بألم في المصلحة، و الصحيح انّه حسن، و اللّه تعالى مخيّر في فعل أيّهما شاء، و الدليل على صحّة ما ذكرناه أنّه لو قبح-و الحال هذه-لم يخل من أن

____________

(1) سورة ص، الآية: 42.

275

يكون إنّما قبح من حيث كان ظلما أو من حيث كان عبثا. و معلوم أنّه ليس بظلم؛ لأنّ العوض الزايد العظيم الّذي يحصل عليه يخرجه من كونه ظلما.

و ليس أيضا بعبث؛ لأنّ العبث هو ما لا غرض فيه، أو ما ليس فيه غرض مثله.

و هذا الألم فيه غرض عظيم جليل، و هو الّذي تقدّم بيانه. و لو كان هذا الغرض غير كاف فيه و لا يخرجه من العبث لما أخرجه من ذلك إذا لم يكن هناك ما يقوم مقامه، و ليس لهم أن يقولوا: إنّه إنّما قبح و صار عبثا من حيث كان هناك ما يغني عنه؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى أنّ كلّ فعلين ألمين كانا أو لذّتين، أو ليسا بألمين و لا لذّتين، أو أفعال تساوت في وجه المصلحة، يقبح فعل كل واحد منهما؛ لأنّ العلّة الّتي ادّعيت حاصلة. و ليس له أن يقول: إنّ الألم إنّما يقبح إذا كان فيه من المصلحة، مثل ما في فعل هو لذّة من حيث كان يغني عنه ما ليس بألم، و ذلك أنّ العوض الّذي في مقابلته يخرجه من كونه ضررا و يدخله في أن يكون نفعا، و يجريه على أقلّ الأحوال مجرى ما ليس بضرر، فقد عاد الأمر إلى أنّ الألم بالعوض قد ساوى ما ليس بألم و حصل فيه من الغرض المودّي إلى المصلحة مثل ما فيه، فيجب أن يكون مخيّرا في الاستصلاح بأيّهما شاء.

فإن قيل: ما أنكرتم أيكون الفرق بين الأمرين أنّ اللذّة قد يحسن أن يفعل بمجرد كونها لذّة، و لا يفتقر في حسن فعلها إلى أمر زايد، و الألم ليس كذلك، فإنّه لا يحسن أن يكون مجرّدا و لا بدّ من أمر زايد يجعله حسنا.

قلنا: هذا فرق بين الأمرين في غير الموضع الّذي جمعنا بينهما فيه؛ لأنّ غرضنا إنّما كان في التسوية بين الألم و اللذة إذا كان كل واحد منهما مثل‏[ما] في صاحبه من المصلحة، و أن يحكم بصحّة التخيير في الاستصلاح بكل واحد منهما، و إن كنّا لا ننكر أنّ بينهما فرقا من حيث كان أحدهما نفعا يجوز الابتداء به و استحقاق الشكر عليه، و الآخر ليس كذلك، إلاّ انّ هذا الوجه و إن لم يكن في الألم، فليس يقتضي قبحه، و وجوب فعل اللّذة. ألا ترى أنّ اللّذة قد يساويها في المصلحة فعل ما ليس بألم و لا لذّة، فيكون المكلّف تعالى مخيّرا في الاستصلاح بأيّهما شاء، و إن كان يجوز و يحسن أن يفعل اللّذة بمجردها من غير

276

عوض زائد، و لا يحسن ذلك الفعل الآخر الّذي جعلناه في مقابلتها متى تجرّد، و إنّما يحسن لغرض زائد و لم يخرجهما اختلافهما في هذا الوجه من تساويهما فيما ذكرناه من الحكم. و إذا كانت اللّذة قد تساوي في الحكم الّذي ذكرناه من التخيير في الاستصلاح ما ليس بلذّة، و بيّنا أنّ العوض قد أخرج الألم من كونه ضررا، و جعله بمنزلة ما ليس بألم، فقد بان صحّة ما ذكرناه؛ لأنّ التخيير بين اللذة و ما ليس بلذة و لا ألم، إذا حسن متى اجتمعا في المصلحة. فكذلك يحسن التخيير بين اللذة و ما جرى مجرى ما ليس بألم و لا ضرر من الألم الّذي يقابله المنافع، و ليس بعد هذا إلاّ قول من يوجب فعل اللّذة لكونها نفعا، و هذا مذهب ظاهر البطلان لا حاجة بنا إلى الكلام عليه في هذا الموضع.

فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الاستصلاح بالألم إذا كان هناك ما يستصلح به و ليس بألم، يجري في القبيح و العبث مجرى من بذل المال لمن يحتمّل عنه ضرب المقارع، و لا غرض له إلاّ إيصال المال في انّ ذلك عبث قبيح؟.

قلنا: أمّا قبح ما ذكرته فالوجه فيه غير ما ظننته من أنّ هناك ما يقوم مقامه في الغرض؛ لأنّا قد بيّنا أنّ ذلك لو كان هو وجه القبح لكان كلّ فعل فيه غرض يقوم غيره فيه مقامه عبثا و قبيحا، و قد علمنا خلاف ذلك، و إنّما قبح بذل المال لمن يتحمّل الضرب-و الغرض إيصال المال إليه-من حيث حسن أن يبتدى‏ء بدفع المال الذي هو الغرض من غير تكلّف الضرب، فصار عبثا و قبيحا من هذا الوجه و ليس يمكن مثل ذلك في الألم إذا قابله ما ليس بألم؛ لأنّ ما فيه من الغرض لا يمكن الابتداء به‏ (1) .

- وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لاََ تَحْنَثْ [ص: 44].

ممّا عاب به النظام أمير المؤمنين عليه السّلام من الأحكام الّتي ادعى انه خالف فيها جميع الأمّة، جلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا في خلافة عثمان.

[الجواب: ]أمّا جلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا؛ فإن المروي أنه عليه السّلام

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 90.

277

جلده بنسعة لها رأسان فكان الحدّ ثمانين كاملة (1) ، و هذا مأخوذ من قوله تعالى:

وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لاََ تَحْنَثْ (2)

- مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعََالِينَ [ص: 75].

[إن سأل سائل‏]فقال: كيف أضاف إلى نفسه اليد؛ و هو ممّن يتعالى عن الجوارح؟

الجواب: قلنا في هذه الآية وجوه:

أوّلها: أن يكون قوله تعالى: لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ جاريا مجرى قوله: «لما خلقت أنا» ، و ذلك مشهور في لغة العرب، يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك؛ و ما جرّت عليك يداك؛ هذا كقوله تعالى: ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ (3) و قوله تعالى: وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ (4) أي بملكه و قدرته، كما قال تعالى:

مِمََّا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ (5) . و قولهم «فلان يطأ جاريته بملك اليمين» و إنّما يضيفون

____________

(1) محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إنّ الوليد بن عقبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعليّ عليه السّلام: اقض بينه و بين هؤلاء الّذين زعموا أنه شرب الخمر، فأمر عليّ عليه السّلام بسوط له شعبتان أربعين جلدة. وسائل الشيعة[18: 470].

(2) روى عن ابن عبّاس أن امرأة أيّوب قال لها إبليس إن شفيته تقولين لي أنت شفيته فأخبرت بذلك أيّوب فقال ان شفاني اللّه ضربتك مائة سوط فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة قال عطاء و هي للناس عامة، و حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن إسحاق قال حدّثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزّاق قال أخبرنا معمّر عن قتادة في قوله و خذ بيدك ضغثا فاضرب به و لا تحنث فأخذ عودا فيه تسعة و تسعون عودا و الأصل تمام المائة فضرب به امرأته و ذلك أن امرأته أرادها الشيطان على بعض الأمر فقال لها قولي لزوجك يقول كذا و كذا فقالت له قل كذا و كذا فحلف حينئذ أن يضربها تحلة ليمينه و تخفيفا على امرأته قال أبو بكر و في هذه الآية دلالة على أن من حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلّها و ضربه ضربة واحدة أنه يبر في يمينه إذا أصابه جميعها لقوله تعالى و خذ بيدك ضغثا فاضرب به و لا تحنث و الضغث هو مل‏ء الكف من الخشب أو السياط أو الشماريخ و نحو ذلك فأخبر اللّه تعالى أنه إذا فعل ذلك فقد برّ في يمينه. أحكام القرآن (للجصّاص) ، 5: 159.

(3) سورة الحجّ، الآية: 10.

(4) سورة الزمر، الآية: 67.

(5) سورة النور، الآية: 33.

غ

278

كلّ ذلك إلى اليمين تفخيما للأمر و تأكيدا للملك؛ لأنّ اليمين أشرف من غيرها و أقوى حظا، و يقرب من ذلك في المعنى قوله تعالى: وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ (1) لأن فائدته انه يصرفها و يدبّرها كيف شاء، و قوله تعالى: يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (2) معناه انه أقوى منهم و اقهر (3) . فإذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضّرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، و لا ينطق لسانه، و لا تكتب يده؛ و كذلك في الإثبات، و لا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة؛ بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل.

و ثانيها: أن يكون معنى اليد هاهنا النعمة، و لا إشكال في أن أحد محتملات لفظة اليد النعمة.

فأمّا الوجه في تثنيتها فقد قيل فيه: إنّ المراد نعمة الدنيا و نعمة الآخرة، فكأنّه تعالى قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت لنعمتي؛ و أراد بالباء اللام.

و ثالثها: أن يكون معنى اليد هاهنا القدرة؛ و ذلك أيضا معروف من محتملات هذه اللفظة؛ بقول القائل: ما لي بهذا الأمر من يد و لا يدان، و ما يجري مجرى ذلك؛ و المعنى: أنّني لا أقدر عليه و لا أطيقه؛ و ليس المراد بذلك إثبات قدرة على الحقيقة؛ بل إثبات كون القادر قادرا، و نفي كونه قادرا، فكأنّه تعالى قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت و أنا قادر على خلقه؛ فعبّر عن كونه قادرا بلفظ اليد الذي هو عبارة عن القدرة؛ و كلّ ذلك واضح في تأويل الآية (4) .

____________

(1) سورة الزمر، الآية: 67.

(2) سورة فتح، الآية: 10.

(3) الملخّص، 2: 224.

(4) الأمالي، 1: 532.

279

سورة الزّمر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءَ مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ... [الزمر: 3]

أنظر الفاتحة من الرسائل، 3: 287، 296.

- وَ لاََ يَرْضى‏ََ لِعِبََادِهِ اَلْكُفْرَ... [الزمر: 7].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: 28].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30]

أنظر الصافات: 88، 89 من التنزيه: 45.

- اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا فَيُمْسِكُ اَلَّتِي قَضى‏ََ عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ اَلْأُخْرى‏ََ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: 42]

[فيها أمران:

الأول: ]أمّا قول الآمدي: إن نفس الإنسان هي الّتي تجتمع و تلتقي لها ما تتمثّله في يقظة أو في نوم، و ان نفس الإنسان هي الّتي تنام، و استشهاده بالآية ممّا كان ينبغي له أن لا يخوض فيه و[أ]لا يدخل نفسه في مثله؛ فإنّه ليس من عمله، و لا ممّا له به علم و لا معرفة؛ و ترك الإنسان الدخول فيما لا يعرفه استر عليه.

280

و النفس عبارة في اللغة العربية عن أشياء كثيرة:

منها: الدم، و لذلك قالوا: «ما لا نفس له سائلة» و سميت النفساء بهذا الاسم لأجل الدم.

و يعبّر بالنفس عن الذات؛ يقال: فعلت ذلك بنفسي؛ و جاء زيد نفسه؛ و نفسي تتوق إلى كذا و كذا، أي: أنا تائق إليه.

و الّذي تهذي به الفلاسفة من أن النفس جوهر بسيط، و ينسبون الأفعال إليها، ممّا لا محصول له. و قد بينا فساده في مواضع كثيرة من كتبنا و دللنا على أن الفاعل المميّز الحي الناطق هو الإنسان الّذي هو هذا الشخص المشاهد دون جزء فيه أو جوهر بسيط يتعلّق به و ليس هذا موضع بيان ذلك و الكلام فيه.

فقول الآمدي: إنّ النفس هي الّتي ترى في اليقظة و النوم؛ و هي الّتي تنام في الحقيقة، خطأ منه فاحش؛ لانه قد أضاف أفعال الحيّ الّذي هو الإنسان المشاهد إلى غيره، و الّذي ينام على الحقيقة و يستيقظ هو الحيّ الّذي هو الإنسان المشاهد.

فأمّا قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا ، فمعناه الصحيح: أن اللّه تعالى هو الّذي يقبض و يجمع حركات الاحياء، و يصرفهم في وقت موتهم؛ و عبّر بالنفوس عن ذوات الاحياء؛ لأن تصرّف الحيّ مع النوم و حركته تنقبض و تقل، كما تنقبض حركته مع الموت، و ان كان النائم حيّا، و الميّت فاقد لحياته. ثمّ قال تعالى: فَيُمْسِكُ اَلَّتِي قَضى‏ََ عَلَيْهَا اَلْمَوْتَ ، أي: يستمرّ منعها عن جميع التصرّف و الأفعال‏ وَ يُرْسِلُ اَلْأُخْرى‏ََ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى ، أي: يعيد النائم في أحوال اليقظة إلى ما كان عليه من التصرّف‏ (1) .

[الثاني: ]مسألة في المنامات صحيحة هي أم باطلة؟و من فعل من هي؟ و من أي جنس هي؟و ما وجه صحّتها في الأكثر؟و ما وجه الانزال عند رؤية

____________

(1) طيف الخيال: 50، 51، 52.

281

المباشرة في المنام؟. و إن كان فيها صحيح و باطل فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟.

الجواب و باللّه التوفيق:

اعلم أن النائم غير كامل العقل؛ لأن النوم ضرب من السهو، و السهو ينفي العلوم، و لهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة، لنقصان عقله و فقد علومه و جميع المنامات إنّما هي اعتقادات يبتدأ بها النائم في نفسه، و لا يجوز أن يكون من فعل غيره فيه في نفسه؛ لأن من عداه من المحدثين-سواء كان بشرا أو ملائكة أو جنّا -أجسام، و الجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا، بل ابتداءا. و لا شيئا من الأجناس على هذا الوجه، و إنّما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء.

و إنّما قلنا أنه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولّدا؛ لأن الّذي يعدي الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب إنّما هو الاعتمادات، و ليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات. و لهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولّد فيه شي‏ء من الاعتقادات. و قد بين ذلك و شرح في مواضع كثيرة. و القديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات. و لا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا؛ لأن أكثر اعتقاد النائم جهل و تناول الشي‏ء على خلاف ما هو به؛ لأنه يعتقد أنه يرى و يمشي و أنه راكب و على صفات كثيرة، و كلّ ذلك على خلاف ما هو به، و هو تعالى لا يفعل الجهل، فلم يبق إلاّ أن الاعتقادات كلّها من جهة النائم.

و قد ذكر في المقالات أن المعروف بـ (صالح قبة) كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة. و هذا جهل منه يضاهي جهل السوفسطائية؛ لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع، و أنه قد مات، و أنه قد صعد إلى السماء. و نحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كلّه.

و إذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء و في المردي إذا كان في الماء أنه مكسور و هو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة و اللبس و إلاّ جاز ذلك في النائم، و هو من الكمال أبعد و إلى النقص أقرب.

282

و ينبغي أن يقسم ما يتخيّل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة:

منها: ما يكون من غير سبب يقتضيه و لا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدءا.

و منها: ما يكون من وسواس الشيطان، و معنى هذه الوسوسة أن الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمّن أشياء مخصوصة، فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه، فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدّث بالقرب منهم، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم.

و منها: ما يكون سببه و الداعي إليه خاطرا يفعله اللّه تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله. و معنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا ما يتضمّن ذلك الكلام. و المنامات الداعية إلى الخير و الصلاح في الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه معروفة، كما أن ما يقتضي الشرّ منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة.

و قد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه، ثمّ يصحّ ذلك حتّى يراه في يقظته على حدّ ما يراه في منامه.

و في كلّ منام يصحّ تأويله أن يكون سبب صحّته أن اللّه تعالى يفعل كلاما في سمعه بضرب من المصلحة، بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الّذي يسمعه هو يراه. فإذا صحّ تأويله على ما يراه، فما ذكرناه ان لم يكن ممّا يجوز أن تتفق فيه الصحّة اتّفاقا، فإن في المنامات ما يجوز أن يصحّ بالاتّفاق و ما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتّفاق، فهذا الّذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.

فإن قيل: أ ليس قد قال أبو عليّ الجبائي في بعض كلامه في المنامات: أن الطبائع لا تجوز أن تكون مؤثّرة فيها؛ لأن الطبائع لا تجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثّر في شي‏ء، و أنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة، كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان و هو مستيقظ ما لا أصل له.

قلنا: قد قال ذلك أبو عليّ، و هو خطأ؛ لأن تأثيرات المآكل بمجرى العادة

283

على المذاهب الصحيحة، إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع، فهو من فعل اللّه تعالى، فكيف تضيف التخيّل الباطل و الاعتقاد الفاسد إلى فعل اللّه تعالى.

فأمّا المستيقظ الّذي استشهد به، فالكلام فيه و الكلام في النائم واحد، و لا يجوز أن نضيف التخيّل الباطل إلى فعل اللّه تعالى في نائم و لا يقظان.

فأمّا ما يتخيّل من الفاسد و هو غير نائم، فلا بدّ من أن يكون ناقص العقل في الحال و فاقد التمييز بسهو و ما يجري مجراه، فيبتدأ اعتقادا لا أصل له، كما قلناه في النائم.

فإن قيل: فما قولكم في منامات الأنبياء عليهم السّلام و ما السبب في صحّتها حتّى عدّ ما يرونه في المنام مضاهيا لما يسمعونه من الوحي؟.

قلنا: الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحّتها، و لا هي ممّا توجب العلم، و قد يمكن أن يكون اللّه تعالى أعلم النبيّ بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم: أنّي سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه. فيقطع على صحّته من هذا الوجه، لا بمجرد رؤيته له في المنام.

و على هذا الوجه يحمل منام إبراهيم عليه السّلام في ذبح ولده‏ (1) ، و لو لا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيم عليه السّلام بأنه متعبّد بذبح ولده؟.

فإن قيل: فما تأويل ما يروى عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: «من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثّل بي» و قد علمنا أن المحق و المبطل و المؤمن و الكافر قد يرون النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و يخبر كلّ واحد منهم عنه بضدّ ما يخبر به الآخر، فكيف يكون رائيا له في الحقيقة مع هذا؟.

قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، و لا معول على مثل ذلك، على أنه يمكن مع تسليم صحّته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة؛ لأن الشيطان لا يتمثّل بي لليقظان.

____________

(1) الآية الكريمة: قََالَ يََا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ََ فِي اَلْمَنََامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مََا ذََا تَرى‏ََ [الصافات: 102].

284

فقد قيل: إن الشيطان ربما تمثل بصورة البشر. و هذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر؛ لأنه قال: من رآني فقد رآني، فأثبت غيره رائيا له و نفسه مرئية، و في النوم لا رائي له في الحقيقة و لا مرئي، و إنّما ذلك في اليقظة.

و لو حملناه على النوم، لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه يراني في منامه و إن كان غير راء له في الحقيقة، فهو في الحكم كأنه قد رآني. و هذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر و تبديل لصيغته. و هذا الّذي رتبناه في المنامات و قسمناه أسد تحقيقا من كلّ شي‏ء قيل في أسباب المنامات. و ما سطر في ذلك معروف غير محصل و لا محقّق؛ فأمّا ما يهذي إليه الفلاسفة، فهو ممّا يضحك الثكلى؛ لأنهم ينسبون ما صحّ من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها أشرفت على ما يكون.

و هذا الّذي يذهبون إليه في الحقيقة النفس غير مفهوم و لا مضبوط، فكيف إذا أضيف إليه الاطّلاع على عالمها. و ما هذا الاطّلاع و إلى أي يشيرون بعالم النفس؟و لم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع؟.

فكلّ هذا زخرفة و مخرقة و تهاويل لا يتحصّل منها شي‏ء و قول صالح فيه‏ (1) -مع أنه تجاهل محض-أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة؛ لأن صالحا ادعى أن النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه، فلم يشر إلى أمر غير معقول و لا مفهوم، بل ادعي ما ليس بصحيح و إن كان مفهوما، و هؤلاء عولوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد، و لا يعقل مع قوّة التأمّل، و الفرق بينهما واضح.

و أمّا سبب الإنزال، فيجب أن يبنى على شي‏ء تحقيق سبب الانزال في اليقظة مع الجماع، ليس هذا ممّا يهذي به أصحاب الطبائع؛ لأنا قد بينا في غير موضع أن الطبع لا أصل له، و أن الإحالة فيه على سراب لا يتحصّل. و إنّما سبب الانزال أن اللّه أجرى العادة بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد النائم أنه يجامع، و إن كان هذا الاعتقاد باطلا. و الحمد للّه‏ (2) .

____________

(1) كذا و الظاهر «صالح قبة» .

(2) الرسائل، 2: 9-: 14.

285

- قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ [الزمر: 53].

أنظر غافر: 18 من الذخيرة: 504.

- أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتى‏ََ عَلى‏ََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ... [الزمر: 56].

أي في طاعته و رضاه، كما يقال «أحتمل كلّ شي‏ء في جنب فلان» أي في محبّته‏ (1) .

- اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَكِيلٌ [الزمر: 62].

و يوصف تعالى بأنه «خالق» ؛ لأن فائدة هذه اللفظة وقوع الفعل مقدرا غير مسهوّ عنه، و بالعرف لا تطلق هذه اللفظة إلاّ فيه تعالى و تقيّد في غيره‏ (2) .

و يوصف تعالى بأنه «وكيل» ، و يجب أن يقيد فيقال «وكيل علينا» بمعنى أنه متكفّل بأمورنا، و هو معنى قولنا: «حسبنا اللّه و نعم الوكيل» . و الوكيل في الإطلاق يقتضي في العرف أنه القيم بأمور غيره على سبيل النيابة (3) .

- قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ [الزمر: 64].

أنظر البقرة: 22 من الأمالي، 2: 163.

- لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ [الزمر: 65].

[فان قيل: ما معنى هذه الآية]و كيف يوجّه هذا الخطاب إلى من لا يجوز عليه الشرك و لا شي‏ء من المعاصي؟

الجواب: قد قيل في هذه الآية: إنّ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و المراد به أمّته، فقد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنّه قال: نزل القرآن بإياك أعني و اسمعي يا جارة.

و مثل ذلك قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا اَلْعِدَّةَ (4) فدلّ قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ على أنّ الخطاب توجّه إلى غيره.

____________

(1) الملخص، 2: 224.

(2) الذخيرة: 592.

(3) الذخيرة: 599.

(4) سورة الطلاق، الآية: 1.

غ

286

و جواب آخر: انّ هذا خبر يتضمّن الوعيد، و ليس يمتنع أن يتوعّد اللّه تعالى على العموم. و على سبيل الخصوص من يعلم أنّه لا يقع منه ما تناوله الوعيد، لكنّه لا بدّ من أن يكون مقدورا له و جائزا بمعنى الصحّة لا بمعنى الشكّ، و لهذا يجعل جميع وعيد القرآن عامّا لمن يقع منه ما تناوله الوعيد، و لمن علم اللّه تعالى أنّه لا يقع منه. و ليس قوله تعالى‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ على سبيل التقدير و الشرط بأكثر من قوله تعالى: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا ؛ لأنّ استحالة وجود ثان معه تعالى، إذا لم يمنع من تقدير ذلك، و بيان حكمه فأولى أن يسوغ تقدير وقوع الشرك الّذي هو مقدور ممكن و بيان حكمه.

و الشيعة لها في هذه الآية جواب تنفردّ به و هو أنّ النبيّ لمّا نصّ على أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» بالإمامة في ابتداء الأمر جاءه قوم من قريش فقالوا له: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، ان الناس قريبوا عهد بالاسلام لا يرضون أن تكون النبوّة فيك و الإمامة في ابن عمّك عليّ بن أبي طالب، فلو عدلت به إلى غيره لكان أولى، فقال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: ما فعلت ذلك برأيي فأتخيّر فيه، لكنّ اللّه تعالى أمرني به و فرضه علي، فقالوا له: فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربّك تعالى فأشرك معه في الخلافة رجلا من قريش تركن الناس إليه، ليتمّ لك امرك و لا يخالف الناس عليك، فنزلت الآية. و المعنى فيها: «لئن أشركت مع علي في الامامة غيره ليحبطنّ عملك» .

و على هذا التأويل فالسؤال قائم؛ لأنّه إذا كان قد علم اللّه تعالى أنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لا يفعل ذلك و لا يخالف أمره لعصمته، فما الوجه في الوعيد؟فلا بدّ من الرجوع إلى ما ذكرناه‏ (1) .

[انظر أيضا هود: 114 من الذخيرة: 311].

- وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:

67].

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 167.

287

[المعنى فيها: الاخبار عن تيسّر تصريف القلوب و تقليبها، و الفعل فيها جلت عظمته، و دخول ذلك تحت قدرته ألا ترى أنهم يقولون: هذا الشي‏ء في خنصري و أصبعي، و في يدي و قبضتي؛ كلّ ذلك إذا أرادوا تسهّله و تيسره و ارتفاع المشقّة فيه و المؤونة؛ و على هذا المعنى يتأول المحقّقون هذه الآية] (1) .

- وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ... [الزمر: 69].

أنظر النساء: 115 من الشافي، 1: 216.

- وَ سِيقَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى اَلْجَنَّةِ زُمَراً حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ (73) `وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشََاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ (74) [الزمر:

73-74]

أنظر الإسراء: 16 من الأمالي، 1: 29 و الرعد: 31 من الأمالي، 2:

265.

____________

(1) الأمالي، 1: 314.

288

سورة غافر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذََابَ اَلْجَحِيمِ [غافر: 7]

أنظر البقرة: 286 من الأمالي، 2: 114.

- رَبَّنََا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنََّاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ أَزْوََاجِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ [غافر: 8].

أنظر الأعراف: 172، 173 من الأمالي، 1: 54.

- قََالُوا رَبَّنََا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنََا بِذُنُوبِنََا فَهَلْ إِلى‏ََ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر: 11].

اعلم أن من الناس من أحال عذاب القبر، و فيهم من أجازه لكنّه ذهب إلى قبحه، و الصحيح أنه جائز غير محال، و لا وجه فيه للقبح.

فأمّا الدلالة على صحّته و رفع استحالته: فمن حيث إنّ الميّت إذا أعيد حيّا صحّ أن يعاقب، كما صحّ ذلك فيه قبل الموت، و لعلّ من أحاله ظنّ أنه يعاقب و هو ميّت.

و أمّا ضيق القبر عن العقاب، فإنّه يجوز أن يوسّع حتّى يمكن المعاقبة، على أن المتولّي من الملائكة للمعاقبة لا يحتاج إلى سعة موضع للطافته، و لا وجه للإحالة.

و إذا كان العقاب مستحقّا جاز تقديم بعضه في أحوال الدنيا، كما نقوله في الحدود، و لا يجب أن يكون قبيحا لكونه عبثا لا يمتنع أن يكون مصلحة لمن يتولاه من الملائكة، و يجوز أن يكون مصلحة لنا في حال التكليف إذا علمنا أن ذلك يقع في القبر، و نكون معه أقرب إلى الامتناع من القبيح.

289

فإذا قيل: لا حال‏ (1) نبشنا فيها الميّت إلاّ و نجده على حاله.

قلنا: ليس لعذاب القبر وقت مخصوص، فليس يمتنع أن لا يوافق حال ظهور الميّت لنا في النبش حال تعذيبه، و تتقدّم احدى الحالتين على الأخرى و تتأخّر.

فإذا لو قيل: لو عذب في القبر لوجب أن يكون عاقلا (2) قادرا على الكلام فيجب أن يسمع كلامه.

قلنا: أمّا كمال العقل فيجب مع العقاب على ما بيّناه، و يجوز أن لا يقدر على كلام يسمع، و امّا بارتفاع القدرة أو بحصول حائل عن سماعه.

و أمّا الطريق بإثبات عذاب القبر بعد أن بينا جوازه و صحّته فهو الإجماع؛ لأن الأمّة لا تختلف فيه، و من خالف فيه من ضرار بن عمرو و من وافقه شاذّ، قد تقدّمه الإجماع و تأخّر عنه.

و أمّا الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: رَبَّنََا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فيفسد بأن بعض الإماميّة يقول برجعة بعض الأموات إلى الدنيا، فيثبتون موتتين ليس منهما الموتة في القبر بعد الحياة منه.

فإذا قيل لهم: فيلزمكم على الرجعة أن يكون الموتات ثلاثا، قالوا: ليس يجب الرجعة في كلّ ميّت، و يجوز أن تكون الآية الواردة بتثنية الموتتين خبرا عمّن لم يعد إلى دار الدنيا.

و بعد، فأمّا الخبر بوقوع الموتتين يمنع من أن يكون الموتة واحدة، و لا يمنع ممن الزيادة إلى الاثنين. ألا ترى أن قوله تعالى: وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ لم يمنع من حياة ثالثة، و من أثبت عذاب القبر لا بدّ له من أن يقول إن الاحياء ثلاث مرّات: مرّة في أحوال التكليف، و ثانية لعذاب القبر، و ثالثة للنشور و البقاء الدائم.

____________

(1) كذا في النسختين.

(2) في نسخة «عالما» .

290

فما يلزم الإماميّة من تثليث الموتة يلزم مخالفيهم في تثنية الاحياء.

و تسمية الملكين بمنكر و نكير جائز؛ لأن الأسماء ألقاب، و ليس بجارية مجرى الاشتقاق، و هذا كما لقبت العرب و سمّيت بظالم و كلب و سرّاق و ما جرى هذا المجرى. و قد قيل: إن منكرا و نكيرا مشتقّان من استنكار المعاقب لفعلهما و نفاره عنه‏ (1) .

- رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ ذُو اَلْعَرْشِ يُلْقِي اَلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ اَلتَّلاََقِ [غافر: 15].

و لا يوصف تعالى بأنه «رفيع» و لا «شريف» ؛ لأن حقيقتهما في ارتفاع المكان و اشرافه، و إنّما مدح بذلك و أجري على غير هذه الفائدة على سبيل المجاز و الاستعارة، و قوله تعالى: رَفِيعُ اَلدَّرَجََاتِ إنّما هو صفة للدرجات لا له‏ (2) .

- وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْآزِفَةِ إِذِ اَلْقُلُوبُ لَدَى اَلْحَنََاجِرِ كََاظِمِينَ مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ [غافر: 18].

[و فيها أمران:

الأوّل: ]و إذا كان قولنا «وعد» و «وعيد» إنّما هو خبران عن إيصال الثواب و العقاب إلى من استحقّهما، فالكلام في ذلك على الحقيقة يتعلّق بالسمع دون العقل.

و لا معنى أن يدخل في جملة الكلام في استحقاق الثواب و العقاب، و جهتي استحقاقهما و صفاتهما، و هل يؤثر أحدهما في الآخر أم لا يؤثر؛ لأن ذلك كلّه من مقتضى العقل بمجرّده، و قد ذكرنا من ذلك ما وجب في موضعه، و لم يبق إلاّ الكلام في الوعيد الحقيقي نفسه، و نحن نشرع فيه:

اعلم أنا لا نقطع على أن من جمع بين الإيمان و الفسق يعاقب لا محالة على فسقه، بل نجوّز أن يغفر اللّه تعالى له ذنبه، و يسقط تفضّلا عقابه، أو بشفاعة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و نقطع على عقاب الكفر.

____________

(1) الذخيرة: 528.

____________

(2) الذخيرة: 582.

291

و وافقنا في ذلك أصحاب الحديث و المرجئة و خالفنا المعتزلة، و وافقهم من الزيديّة و الخوارج.

و الّذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه: أنا قد بيّنا حسن العفو و إسقاط العقاب من جهة العقل، و أنه يسقط بإسقاط من إليه استيفاؤه، و إذا كنا قد اعتبرنا السمع و تصفحناه فلم نجد فيه ما يقتضي القطع على وقوع العقاب بمن جمع بين إيمان و فسق، وجب أن يكون من التجويز على ما كنّا في العقل.

و ليس لأحد أن يلزم على هذا الشكّ في عقاب الكفّار، و ذلك أن الإجماع حاصل على عقابهم، و معلوم من دينه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم معاقبون لا محالة.

دليل آخر:

يدلّ ممّا ذكرناه أنه لا خلاف بين الأمّة في أن للنبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم شفاعة مقبولة و هذه الجملة لا خلاف فيها، و إنّما الخلاف في كيفيّة هذه الشفاعة، و قد دلّ الدليل على أن الشفاعة لا تكون إلاّ في إسقاط العقاب المستحقّ، و أن سقوط العقاب عند الشفاعة تفضل لا واجب.

و في ثبوت ذلك دلالة على تجويز العفو عن عصاة أهل الإيمان، بل يدلّ على وقوع العفو عن جماعة غير معيّنة من عصاة أهل الإيمان، من حيث شفاعة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم واقعة لا محالة و مؤثّرة قطعا.

إن قيل: دلّوا على أن الشفاعة منه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إنّما هي في إسقاط العقاب دون زيادة المنافع.

قلنا: لا تخلو الشفاعة من أن تكون حقيقة في إسقاط الضرر دون غيره أو في زيادة المنافع دون غيرها، أو في الأمرين. و القسم الأوّل هو الصحيح، و الثاني يقتضي أن من سئل في إسقاط ضرر عن غيره لا يسمّى شافعا، و لا خلاف في تسميته بذلك، و يفسد القسم الثالث أنه يوجب أن نكون شافعين في النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إذا سألنا اللّه تعالى الزيادة في درجاته و كراماته، و معلوم أن أحدا لا يطلق ذلك لفظا و لا معنى.

292

و ليس لهم أن يقولوا: إنّما لم تكن شافعين فيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و كان شافعا فينا لأجل رتبته علينا. و ذلك أن العقاب على ضربين: ضرب يعتبر فيه الرتبة كالأمر و النهي، و الضرب الآخر لا يعتبر فيه رتبة كالخبر. و ما اعتبرت فيه الرتبة إنّما يعتبر بين المخاطب و المخاطب دون من يتعلّق الخطاب به. ألا ترى أن الأمر إنّما يعتبر فيه الرتبة بين الآمر و المأمور، دون المأمور فيه؛ لأن العالي الرتبة إذا قال لمن هو دونه: «ألق الأمير» كان كقوله: «ألق الحارس» و لا يختلف كونه أمرا باختلاف حالتي المأمور فيه، و الشفاعة ممّا يعتبر فيه الرتبة كالأمر، لكنّها معتبرة بين الشافع و المشفوع إليه.

فإذا قيل لنا: أ ليس لا يقال شفع الحارس إلى الأمير، و هذا يدلّ على اعتبار الرتبة في المشفوع فيه.

قلنا: إنّما لا يقال ذلك؛ لأن شفاعة الحارس لم تجر العادة بأن تؤثر في إسقاط ضرر عن الأمير، فلهذا لا يقال ذلك. فلو فرضنا أن الخليفة وجد على بعض أمرائه و أراد عقابه، و أظهر أنه لا يسقط العقاب عنه إلاّ أن شفع فيه بعض الحرّاس لسمّينا سؤال هذا الحارس شفاعة، و الحال هذه، و ان كنّا لا نسمّي قول الحارس للأمير: «افعل كذا» أمرا في موضع من المواضع، فبان الفرق بين الأمرين و بين ما ذكرناه: انه كما لا يقال شفع الحارس في الأمير لا يقال سأل الحارس في إسقاط ضرر عن الأمير، فلو كان إطلاق اللفظ الأوّل لم يجز للرتبة لجاز الثاني؛ لأن كلّ لفظ يطلق للرتبة أطلق ما في معناه؛ لأنه لا يقال: «أمر الوضيع الرفيع» و يقال: «سأله و طلب إليه» ، فعلم أنه إنّما لم يجز «شفع الحارس في الأمير» كما ذكرناه أن العادة لم تجر بأن يرجى بشفاعته سقوط ضرر عن الأمير، و لهذا لم يجز ما في معناه و ان لم يكن بلفظه.

و ممّا يوضح ما قدمناه: أن كلّ كلام اقتضى الرتبة لم يدخل بين الإنسان و نفسه، ألا ترى أنه لا يقال: «أمر نفسه و نهاها» ، و قد يقال: «شفع لنفسه و في حاجة نفسه» ، فلو اقتضت الشفاعة الرتبة في المشفوع فيه لم يجز ذلك.

293

و لو سلّمنا تبرعا أن الشفاعة مشتركة بين إسقاط الضرر و زيادة النفع، لعلمنا أن شفاعة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إنّما هي في إسقاط العقاب بالخبر المروي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال:

اذخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي‏ (1) . و هذا خبر تلقته الأمّة كلّها بالقبول و إنّما اختلافهم في تأويله.

و ليس لأحد أن يقول: المراد بالخبر الشفاعة في زيادة النعم، و إنّما خصّ أهل الكبائر؛ و ذلك أن الشفاعة في زيادة النعم لا تخلو أن تكون بعد اقلاعهم و توبتهم من الكبائر أو قبل التوبة و الاقلاع، فإن كان الأوّل: فكيف يسمّيهم بأنهم أهل الكبائر، و هذا اسم ينبئ عن الذمّ و هم لا يستحقون بعد التوبة شيئا من الذم. فإذا قيل: لمن كان من أهل الكبائر، قلنا: هذا خلاف ظاهر الخطاب، و ان كان الوجه الثاني: فكيف يسأل النفع لمن لا يحصل‏ (2) إيصال النفع إليه، و مستحقّ العقاب من أهل الكبائر لا يجوز أن يوصل إليه في حال عقابه شي‏ء من المنافع.

فإن قيل: لفظ «ادخرت شفاعتي» أو «أعددت شفاعتي لأهل الكبائر» و حال الإدخار غير حال وقوع الشفاعة، فما المنكر أن يكونوا موصوفين بالكبائر في أحوال الادخار و في حال وقوع الشفاعة، و هي حال الآخرة يكونون قد تابوا، فلا يستحقّون الوصف بذلك.

قلنا: أحوال الادخار هي كلّ حال لم يقع فيها الشفاعة، فإذا كان من يشفع فيه من أهل الكبائر لا بدّ أن يتوب قبل أن يفارق الدنيا، فهو بعد التوبة و قبل وقوع الشافعة لا يستحقّ الوصف بأنه من أهل الكبائر، و هذه كلّها من أحوال ادخار الشفاعة إلى وقت وقوعها، فقد بان كما تراه أن في بعض أحوال الادخار لا يستحقّ بالكبائر، و لفظ الخبر يقتضي ذلك.

و تعلّقهم في إبطال ما نذهب إليه من الشفاعة بقوله تعالى: مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ

____________

(1) بهذا المضمون في التوحيد للصدوق ص 407.

(2) في م «لمن لا يحسن» .

غ

294

حَمِيمٍ وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ (1) باطل؛ لأن «الظالمين» لفظ محتمل للعموم و الخصوص على سواء، و سندل على ذلك، فمن أين وجوب عمومه و ما المنكر أن يكون مختصّا بالكفّار، و قال اللّه تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (2) ، على أنه نفى شفيعا يطاع و لا أحد يقول بذلك، و إنّما اختلفوا في شفيع يجاب.

و تعلّقهم بقوله تعالى: وَ مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ أَنْصََارٍ (3) فاسد؛ لأن النصرة غير الشفاعة، و إنّما النصرة المدافعة و المغالبة، و يقترن بالشفاعة خضوع و خشوع، و ليس كذلك النصرة، و خلافنا أيضا في العموم معترض على ذلك.

و التعلّق بقوله تعالى: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ (4) غير نافع لهم؛ لأن المراد لمن ارتضى أن يشفع فيه؛ لأن الشفاعة في المذنبين لا يكون على سبيل التقدّم بين يدي اللّه تعالى بل باذنه، و قال اللّه تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ (5) ، و قال تعالى: *وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ لاََ تُغْنِي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاََّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللََّهُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَرْضى‏ََ (6) ، و ليس هذا تركا للظاهر؛ لأن المرتضى محذوف، فأيّ فرق بين أن يضمر من ارتضى أفعاله، و بين أن يضمر من ارتضى أن يشفع فيه؟

و في المرجئة من لم يمتنع من أن يجعل الفاسق الملي فيمن يطلق عليه أنه مرتضى، و يراد أن إيمانه مرتضى كما نقول: هذا النجّار مرتضى عندي، أي للنجارة دون غيرها.

و تعلّقهم بأنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه لا يجزي نفس عن نفس شيئا فيه و لا يقبل منها شفاعة (7) باطل؛ لأنا كلّنا نرجع عن هذا الظاهر، و نقول: إن في ذلك اليوم شفاعة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مقبولة.

____________

(1) سورة غافر، الآية: 18.

(2) سورة لقمان، الآية: 13.

(3) سورة البقرة، الآية: 270.

(4) سورة الأنبياء، الآية: 28.

(5) سورة البقرة، الآية: 255.

(6) سورة النجم، الآية: 26.

(7) إشارة إلى الآية 123 من سورة البقرة.

295

فإذا قالوا: إنّما تعلّق نفي قبول الشفاعة بإسقاط العقاب، قلنا: إنّما نفى قبول الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر.

و ربّما تعلّقوا بحسن الرغبة إلى اللّه تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعة نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فلو كانت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت رغبتنا في أن يجعلنا فساقا عصاة.

و الجواب: أن هذه الرغبة مشروطة بأن يجعلنا من أهل الشفاعة إذا عصينا، و الدعاء كلّه لا بدّ من اشتراطه على ما تبيّن، و يلزم على التعلّق بذلك إذا رغبنا إلى اللّه تعالى أن يجعلنا من التوّابين المستغفرين، و التوبة لا تكون إلاّ من الذنوب، و لذلك الاستغفار أن نكون راغبين من أن يجعلنا من أهل المعاصي، فأي شي‏ء قالوه قلنا لهم مثله.

فإن اعترضوا على دليلنا الأوّل بقوله تعالى: وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نََاراً خََالِداً فِيهََا (1) و بقوله تعالى: وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذََاباً كَبِيراً (2) ، و مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ (3) ، و وَ إِنَّ اَلْفُجََّارَ لَفِي جَحِيمٍ (4) ، و ما أشبه ذلك من القرآن.

قلنا: لنا طرق ثلاثة في دفع هذا الكلام:

أوّلها: أن نبيّن أنه لا صيغة في اللغة مبنية لاستغراق الجنس، و أن جميع الألفاظ الّتي تعلقوا بها مشتركة بين العموم و الخصوص، و محتملة للأمرين على الحقيقة.

و ثانيها: أن نعارض بالآيات الّتي تعلقوا بها بآيات من القرآن يقتضي ظاهرها العفو و إسقاط العقاب.

و ثالثها أن نلزم من جوّز العفو عقلا من مخالفينا و شرط في كلّ عموم القرآن الوارد بإيقاع العقاب بارتفاع التوبة و زيادة الثواب على مقادير العقاب، أن

____________

(1) سورة النساء، الآية: 14.

(2) سورة الفرقان، الآية: 19.

(3) سورة النساء، الآية: 123.

(4) سورة الإنفطار، الآية: 14.

296

يشترط أيضا ارتفاع العفو؛ لأنه على مذهبه من مزيلات العقاب، و إذا شرط ارتفاع وجهين وجب أن يشترط ارتفاع الثالث.

و الّذي يدلّ على أنه لا صيغة للاستغراق تختصّه: إنّا وجدنا كلّ لفظ يدعون أنه مبنيّ للاستغراق قد يستعمل في الخصوص؛ لأن القائل يقول: «من دخل داري ضربته» ، و «لقيت العلماء» ، و «قطعت السراق» ، و هو يريد الخصوص تارة كما يريد العموم أخرى، و استعمال اللفظة في معنيين مختلفين يدلّ ظاهره على أنها حقيقة فيهما، و موضوعة لهما إلاّ أن يقوم دليل قاهر، و ان لم يكن بالاستعمال حقيقة و موضوعا. قلنا: لو لم يقم دليل قاهر و نضطر من قصد أهل اللغة إلى أنهم مستعيرون له لحكمنا بأنه حقيقة مع وجود الاستعمال.

و الّذي يوضح ما ذكرناه: أن الأصل في الوضع هو الحقيقة، و إنّما المجاز داخل عليها، و لهذا صحّ أن يكون في الكلام حقيقة لا مجاز فيها، و لا يجوز أن يكون ما هو المجاز لا حقيقة له. و هذا يقتضي أن الأصل في الاستعمال هو الحقيقة، و عليها يجب حمله إلاّ للدليل القاطع.

و إذا قالوا: اللفظ مستعمل في الأمرين، غير أنه يستعمل مطلقا مجرّد في الاستغراق، و إنّما يستعمل في الخصوص مقترنا بدلالة.

و الجواب: أن هذا دعوى بغير برهان، و الاستعمال الّذي اعتمدناه قد صحّ بغير خلاف، و إنّما ادعي مع الاستعمال في أحد الموضعين قرينة، و على من يدعي أمرا زائدا على المعلوم الدلالة.

و ليس ينفصل المتعلّق بهذه الدعوى من أصحاب الخصوص إذا ادعوا مثلها، و قالوا: إطلاق هذه الألفاظ موضوع للخصوص، و إنّما نعلم العموم بقرينة و دلالة.

دليل آخر:

و ممّا يدلّ على ما ذهبنا إليه من اشتراك العموم و الخصوص حسن استفهام‏

297

كلّ مخاطب بهذه الألفاظ؛ لأن من قال: «من دخل داري ضربته» ، يحسن أن يستفهم فيقال له: و ان دخل فلان، و كذلك إذا قال: «لقيت العلماء و اكرمت الشرفاء» يحسن أن يستفهم عن عموم كلامه أو خصوصه. و معلوم أن لا يحسن إلاّ مع اشتراك اللفظ و احتماله؛ لأن من قال: «لقيت رجلا» ، و «ابتعت فرسا» لا يحسن استفهامه عن مراده لاختصاص اللفظ، و لو قال: «رأيت عينا» و «شاهدت شيئا» لحسن الاستفهام للاحتمال، و من دفع حسن الاستفهام في الألفاظ الّتي ذكرناها كان دافعا لمعلوم، و دفع حسن الاستفهام في كلّ لفظ مشترك.

و ليس لأحد أن يدّعي أن وجه حسن الاستفهام لتجويز أن يكون المخاطب أراد المجاز، و ذلك أن صحّة هذه العلّة تقتضي حسن الاستفهام في كلّ خطاب، لأنه ما من لفظ من ألفاظ العربية إلاّ و يمكن فيه المجاز، و قد علمنا قبح الاستفهام في مواضع كثيرة، فعلم أن العلّة ما ذكرناه.

و بعد، فإن المخاطب إذا كان حكيما و عدل عن الحقيقة في خطابه إلى المجاز فلا بدّ من أن يدلّ من يخاطبه على ذلك، فلا معنى لاستفهامه مع فقد دلالة المجاز.

فإن عارضوا بحسن استفهام من قال: «ضربت أبي» ؛ لأنه يحسن أن يقال له: «أباك» و يحسن استفهام من قال: «صمت شهرا» و «دفعت إلى فلان عشرة» ؛ لأنه يحسن أن يقال له: «أصمت شهرا كاملا أو ناقصا» ، و كذلك في العشرة.

فالجواب: أن الاستفهام إنّما هو طلب الفهم و المعرفة، و لا يحسن على هذا الوجه إلاّ مع اشتراك في اللفظ و احتماله، و قول القائل: «أباك» ليس باستفهام، و إنّما هو استعظام و استكبار، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول له مصرّحا: «أضربت اباك أم لم تضربه» ، كما يحسن أن يصرّح مع سمع قول القائل: «ضربت غلماني» ، فيقول: «أضربت جميعهم أم بعضهم» .

فأمّا لفظ «شهر» فإنّه يقع حقيقة على ثلاثين يوما و على تسعة و عشرين يوما، فكلّ أحد من أهل اللغة يسمّي الشهر الناقص شهرا كما يسمي الكامل بذلك، و القول في العشرة كالقول في الشهر.

298

و قد تعلّق من قال بالعموم: بأن القائل إذا قال: «من دخل داري أكرمته» يحسن استثناء كلّ عاقل من هذا الكلام، و إنّما يخرج الاستثناء من الجمل ما لولاه لوجب دخوله فيها، بدلالة قبح استثناء البهائم من هذا اللفظ لما لم يجب دخوله تحته، و إذا وجب دخول جميع العقلاء تحت لفظة «من» فهي مستغرقة.

فيقال لهم: نحن نخالف فيما حكمتم به في الاستثناء، و نقول: إنه يخرج من الكلام ما لولاه لصحّ دخوله في الكلام، و إنّما جاز استثناء كلّ عاقل لصحّة دخوله تحت لفظة «من» لا لوجوب دخوله، و إنّما لم يحسن استثناء البهائم؛ لأنه لا يصحّ دخولها تحت هذا اللفظ، فإذا قالوا من العشرة الواحد أو الاثنين، إذا كان إنّما يحسن لوجوب دخول ما استثني في الجملة لو لا الاستثناء، فكذلك كلّ استثناء؛ لأنه لا يختلف باختلاف مواضعه.

قلنا: قد سوّى قوم من أصحابنا بين الأمرين، و قالوا: إن الاستثناء من الأعداد يخرج ما لولاه لصحّ دخوله أيضا، و لم يجب.

و بعد، فإذا سلّمنا التفرقة بين الأمرين جاز فيه أن نقول: من شأن الاستثناء أن يخرج ما لولاه لصحّ دخوله، و هذا واجب في كلّ استثناء، و الاستثناء من الأعداد و ان وجب دخول المستثنى في الجملة لو لا الاستثناء، فلن يجب ذلك إلاّ بعد صحّته، فلا بدّ من اعتبار الصحّة، و ان كان في بعض المواضع قد يريد الصحّة حتّى تبلغ الوجوب.

فإن قيل: هذا يقتضي دخول الاستثناء في النكرات.

قلنا: قد يستثنى من النكرة المعرفة، و هذا حسن بلا خلاف؛ لأنهم يقولون:

«اضرب رجالا إلاّ زيدا» ، فأمّا استثناء النكرة من النكرات فقد يحسن إذا خصّصته أو وصفته، فتقول: «جاءني قوم إلاّ رجلا ظريفا أو عاقلا» ، و إنّما لم يحسن بغير تخصيص و لا وصف لبطلان الفائدة.

و إنّما يبطل مذهبهم في الاستثناء: أنه لا شبهة في حسن قول القائل لغيره:

«ألق جماعة من العلماء و اقتل فرقة من المشركين» ، و انه يحسن استثناء كلّ عالم‏

299

و كلّ كافر من هذا الكلام، و لم يدلّ ذلك على أن قولنا: «فرقة» و «جماعة» من الألفاظ المستغرقة على سبيل الوجوب، بل على سبيل الصلاح.

و يلزم أبا هاشم خاصّة على مذهبه في أن ألفاظ الجموع و الجنس لا تستغرق، أن يقال له: قد يحسن استثناء كلّ واحد من ألفاظ الجنس و الجموع، و لم يدلّ ذلك عندك على الاستغراق، فما المانع من أن يكون لفظة «من» بهذه المثابة.

طريقة أخرى لهم:

و قد استدلّوا بأن القائل إذا قال مستفهما لغيره: «من عندك» صلح أن يجيب بذكر آحاد العقلاء و جماعاتهم، و لا يصحّ أن يجيبه بذكر البهائم، فلو لا استغراق لفظة «من» للعقلاء لجاز أن يكون الجواب عنها في بعض الأحوال بذكر بعض العقلاء يجري مجرى الجواب بذكر بهيمة.

و أكّدوا هذه الطريقة: بأن أهل العربية عدلوا عن لفظ الاستفهام في كلّ شخص بعينه إلى هذه اللفظة، فوجب أن تحلّ هذه اللفظة محلّ الاستفهام عن كلّ عاقل باسمه.

فيقال لهم: قد بنيتم كلامكم على دعوى لا نسلمها، فمن أين قلتم، إن من أطلق الاستفهام بلفظة «من» و لم يعلم من قصده العموم و الاستغراق من غير مجرّد اللفظ أنه يحسن اجابته بذكر كلّ عاقل، و ما أنكرتم أن جوابه بذكر كلّ عاقل لا يحسن إلاّ بعد أن يفهم من قصده الاستغراق من غير مجرّد اللفظ.

يبيّن ما ذكرناه: أنه يحسن ممّن استفهم فقيل له: «ما تملك» و «من جاءك» ، بأن يقول: من المال أو من الفرس، أو من العبيد أو من الإماء، و في جواب «من جاءك» من النساء أو من الرجال، و لو لا اشتراك اللفظ و احتماله لم يجز ما ذكرناه، و ليس يجزي ذكر بعض العقلاء، و يصحّ أن يستعمل في جميعهم حقيقة، و ليس كذلك حكم البهيمة.

فأمّا عدولهم عن ألفاظ الاستفهام إلى لفظة «من» فلفائدة معقولة؛ لأن الاستفهام بذكر كلّ شخص بعينه يتعذّر أو يطول و يبعد، و ليس في جميع الألفاظ

300

ما يصحّ أن يقصد به إلى الاستخبار عن جميع العقلاء مفترقين و مجتمعين إلاّ لفظة «من» ، و هذه مزيّة بينة لها.

على أنه لو ثبت بهذه الطريقة العموم لم يكن نافعا لهم في المقصود من الكلام في عموم الوعيد؛ لأن الاستفهام لا يحسن دخوله في خطابه تعالى على وجه من الوجوه.

و ليس لهم أن يقولوا: متى ثبت عموم هذه اللفظه في الاستفهام ثبت عمومها في الشرط؛ لأن ذلك دعوى بغير حجّة، و قد أوجبوا عموم «من» إذا كانت نكرة في الشرط و الجزاء، و لم يوجبوا عمومها إذا كانت معرفة، فألاّ كانت عامّة في الاستفهام دون سائر المواضع.

و أمّا الطريقة الثانية في الكلام على الآيات الّتي تعلقوا بها فبينة؛ لأنا نعارضهم بقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ (1) ، و بقوله تعالى: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنََّاسِ عَلى‏ََ ظُلْمِهِمْ (2) ، و بقوله تعالى: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً (3) .

و بيان وجه الآية الأولى: أنه تعالى لم ينف غفران الشرك على كلّ الوجوه، بل نفى أن يغفر تفضّلا، فكأنه تعالى قال: إنّ اللّه تعالى لا يغفر أن يشرك به تفضلا بل استحقاقا، فيجب المراد بقوله تعالى: وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ أن يغفر بغير استحقاق و على جهة التفضّل؛ لأن موضوع هذا الكلام الّذي يدخله النفي و الإثبات و ينضم إليه الأعلى و الأدون أن يخالف الثاني الأوّل.

ألا ترى لا يحسن أن يقول القائل: أنا لا أمضي إلى الأمير إلاّ أن يدعوني و أمضي إلى من دونه إذا دعاني، و إنّما يحسن أن يقول: و أمضي إلى من دونه و ان لم يدعني، و كذلك لا يجوز أن يقول: أنا لا أتفضّل بالكثير و أتفضّل باليسير. و هذا وجه، و من خالف فيه فهو مكابرة.

و يمكن أن يعارضوا بهذه الآية على وجه آخر، و هو أن لفظ «ما» يجب

____________

(1) سورة النساء، الآية: 48.

(2) سورة الرعد، الآية: 6.

(3) سورة الزمر، الآية: 53.

301

عمومها عند من ذهب إلى العموم لكلّ ما لا يعقل، و إذا أخبر تعالى أنه يغفر ما دون الشرك، عمّ ذلك الكبير و الصغير، و ما وقعت منه توبة و ما لم يقع منه توبة؛ لأجل عموم ظاهر آياتهم؛ لأنا نعكس ذلك و نقول: بل خصّصوا ظاهر تلك الآيات لعموم ظاهر هذه الآيات.

فإن تعلقوا باشتراط المشيّة بقوله تعالى: لِمَنْ يَشََاءُ يقتضي الإجمال.

قلنا لهم: ما دخلت المشيّة فيما تناوله اللفظ العام؛ لأنها دخلت فيمن يغفر له لا فيما يغفره.

و يمكن أن يعارضوا في هذه الآية بوجه آخر، و هو: أن اللّه تعالى علق الغفران بالمشيّة، و الظاهر من تعليقه بها أنه تفضل غير واجب؛ لأن الواجب لا تعلّق بالمشيّة؛ لأن أحدا لا يقول: أنا أفعل الواجب إن شئت، و أنا أشكر النعمة إن اخترت.

و أمّا بيان وجه المعارضة بالآية الثانية فهو: أنه تعالى خبّر بأنه يغفر للناس على ظلمهم، و ذلك إشارة إلى الحال الّتي يكونون فيها ظالمين، و يجري مجرى قول القائل: لقيت فلانا على أكله و أوده على عذره.

و ليس لهم أن يشترطوا في هذه الآية التوبة؛ لأنه عدول عن الظاهر، و مطرق‏ (1) لمن يشترط في ظواهر آياتهم.

و أمّا وجه المعارضة بالآية الثالثة فهو: أنه تعالى أخبر أن يغفر الذنوب جميعا، و ظاهر ذلك يقتضي غفرانها بغير اشتراط توبة و لا غيرها، و لو لا أن الكفر أخرجه من هذا الظاهر دليل لكان متناولا له، و قوله تعالى عقيب هذه الآية: وَ أَنِيبُوا إِلى‏ََ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَذََابُ (2) لا يقتضي اشتراط ظاهر الآية الأولى مع إطلاقه؛ فإن عطف المشروط على المطلق و الخصوص على العموم جائز.

____________

(1) كذا في النسخ.

(2) سورة الزمر، الآية: 54.

غ

302

فأما الطريقة الثالثة الّتي وعدنا بذكرها في الكلام على الآيات الّتي اعتمدوها فهي، أن نقول لهم:

أنتم تشترطون في عموم آيات الوعيد التوبة و زيادة الثواب، و إنّما اشترطتموها لأنهما يؤثران في استحقاق العقاب، و معلوم أن العفو إذا وقع أسقط العقاب كإسقاط التوبة و زيادة الثواب له، فقد شارك العفو الشرطين اللذين ذكرتموهما في معناهما، فألا شرطتموه كما شرطتم ما يجري مجراه.

فإذا قالوا: الفرق بين الأمرين أن العقل يقتضي سقوط العقاب بالتوبة و زيادة الثواب، و ليس في العقل أن العفو قد يقع لا محالة.

قلنا: هذه مغالطة؛ و ذلك أن العقل كما يقتضي سقوط العقاب عند التوبة و زيادة الثواب، فكذلك يقتضي سقوطه عند وقوع العفو، و كما يجوّز العقل أن يعفو مالك العقاب و أن لا يعفو، فكذلك يجوّز أن يقع توبة أو يزيد ثواب كما يجوّز أن لا يكون ذلك، فيجب أن يقابلوا بين الوقوع و الوقوع في الأمرين و بين الحال قبل الوقوع، فإنّكم تجدون شرطنا مساويا لشرطيكم.

فإن كان على ما تزعمون ظاهر عموم الوعيد يقتضي أنه تعالى لا يختار العفو، فظاهر ذلك أيضا يقتضي أن أحدا لا يختار التوبة، و لا ما يزيد ثوابه على عقاب فاعله؛ لأنكم إنّما تنفون بالظاهر اختياره العفو ليسلم وقوع العقاب بمستحقّه، و هذا بعينه قائم في التوبة و زيادة الثواب، فألا كانت الظواهر مؤمّنة من عقابه.

فإن قالوا: لا فائدة في قوله تعالى: من لم يتب و لم يزد ثوابه عقابه و لم أعف عنه فإنّي أعاقبه؛ فإن ذلك معلوم و الضرورة تدعو إليه؛ فإن كلّ من لم يسقط عقابه بشي‏ء من مسقطات العقاب لا بدّ من أن يكون معاقبا.

قلنا: قد يمكن في مستحقّ العقاب منزلة ثالثة بين أن يستوفي عقابه و بين أن يسقط عقابه؛ لأنه غير ممتنع أن يبقى العقاب في جنبه مستحقّا فلا يسقط و لا يستوفى، و إذا كان العقل مجوّزا ذلك جاز أن نستفيد بآيات الوعيد وقوع العقاب بمن لم يسقط عنه.

على أنا إذا سلمنا تبرّعا عدم الفائدة من ذلك فالفائدة إنّما تعدم مع استيفاء

303

الشرائط الثلاث، و أيّ واحدة ألفيناها أدخل الكلام في الفائدة، فلم جعلتم ما يلغى هو العفو دون التوبة و زيادة الثواب؟

فإن قالوا: قد بنيتم طريقتكم هذه على صحّة إسقاط العقاب، و ليس يخلو إسقاطه من أن يقع قبل المعصية أو في حالها أو بعدها، و لا يجوز أن يكون واقعا قبلها و لا في حالها؛ لأن الإسقاط تصرّف في الحقّ و في مقابلته الاستيفاء، فكما لا يحسن الاستيفاء قبل المعصية و لا في حالها، لا يجوز الإسقاط، و ان كان الإسقاط بعد المعصية فقد علمنا أنه لا أحد من المكلّفين إلاّ و هو مقطوع إذا سرق و أصرّ على وجه الجزاء و النكال، و كذلك كلّ زان مصرّ يحدّ على سبيل العقوبة، فلو جاز العفو لقدح فيما تقرّر من الإجماع.

قلنا: أما إسقاط الحق قبل ثبوته فغير جائز، غير أنه يمكن أن يقال: إنّه مانع من ثبوت الحقّ مستقبلا، و يجري مجرى قول القائل لغيره: «كلّ حقّ أستحقّه مستقبلا عليك وهبته لك» ، و لا معنى للمضايقة في هذا القسم، و إنّما الكلام كلّه معهم في إسقاط العقاب بعد وقوع المعصية.

و الّذي ادّعوه من الإجماع في قطع السراق و جلد الزناة فيه من المرجئة كلّ الخلاف؛ لأنهم لا يقطعون نكالا و لا يجلدون عقوبة إلاّ من علموا استحقاقه للعقاب، و ان العفو ما أسقطه عنهم، و يجرون قطعه من غير علم بسقوط العقاب عنه بالعفو مجرى قطعه مع تجويز كونه تائبا. و لا خلاف بيننا و بينهم في أن المشهود عليه بالسرقة أو الزنا، و المقرّ بها لا يحدّان على وجه العقوبة و الاستحقاق؛ لأنا لا نأمن أن يكون الباطن بخلاف الظاهر.

فإن قالوا: قولكم يؤدي إلى تعذّر قطع سارق على سبيل العقوبة، لتعذّر الشرط الّذي راعيتموه.

قلنا: لو لم يكن معرفة ذلك على ما ادعيتم لم تخرج آية القطع من أن تكون مفيدة؛ لأنها إنّما تدلّ على استحقاق العقوبة فيمن كان على الصفة المخصوصة، و لا يقدح في ذلك فقد طريق لنا إلى العلم بالشرائط.

304

على أن الشروط الّتي يعتبرها مخالفنا في قطع السارق على سبيل النكال و العقوبة تكاد تكون متعذّرة؛ لأنهم يشترطون علم الإمام بكون السارق سارقا لما يملكه المسروق منه، و تناوله له من حرز، و قيمته بالغة القدر الّذي يجب فيه القطع، و يعلمه في حال التناول كامل العقل، قد وقعت عنه الشبهات مصرّا غير تائب، و معلوم الإحاطة بهذه الشروط كلّها، فإن ادعي فيه الإمكان تقديرا قدرنا مثل ذلك في العفو؛ لأنه غير ممتنع فرضا و تقديرا أن يجعل اللّه تعالى للإمام علامة يميّز بها بين من عفي عنه و بين من لم يعف عنه.

على أن امتثال آيات الحدود ممكن على كلّ حال في الكفّار؛ لأنا نأمن فيهم ثبوت ما يقتضي إسقاط العقاب.

و ربّما استدلّ المخالف في ارتفاع العفو عن مستحقّي العقاب بأن يقول: لو عفا اللّه عنهم لم تخل حالهم بعد العفو من أمور: إمّا أن يدخلهم الجنّة، أو النار، أو لا يدخلهم جنّة و لا نارا، فإن أدخلهم الجنّة لم يخل من أن يكونوا فيها مثابين أو غير مثابين، و ان أدخلهم النار فأمّا أن يكونوا معاقبين أو غير معاقبين، و كونهم في غير جنّة و لا نار إمّا بأن افنوا أو اميتوا، أو بأن يكونوا أحياء في دار أخرى.

يمنع الإجماع منه؛ لأن الأمّة مجتمعة على أنّ كلّ مكلّف لا منزلة له في الآخرة بين الجنّة و النار، و الإجماع أيضا يمنع من أن يدخلوا الجنّة و لا يثابوا فيها، و يدفع أيضا أن يكونوا في النار غير معاقبين أو معاقبين، و ان كان العقل يمنع من عقابهم بعد إسقاطه، فلم يبق إلاّ أن يدخلوا الجنّة مثابين، و لا ثواب لهم يستحّقونه؛ لأن عقاب معاصيهم قد أحبط ثوابهم و التفضّل بالثواب قبيح، فوجب القطع على بطلان العفو، لأن تجويزه يؤدّي إلى علم فساده.

و الجواب عن هذه الشبهة: أنها إن بنيت على أن الثواب ينحبط بالعقاب، و قد دلّلنا فيما تقدّم من هذا الكتاب على بطلان التحابط، و الصحيح فى هذا الموضع أنّ اللّه تعالى إذا عفا عن فسّاق أهل الصلاة فسقط عقابهم أدخلهم الجنّة، و أثابهم بما يستحقّونه على إيمانهم و طاعاتهم.