نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
305

فإن قيل: مع نفيكم التحابط كيف قولكم فيمن كفر بعد إيمان أو آمن بعد كفر؟قلنا: نجوّز أن يتلو الإيمان الكفر، و لا نجوّز أن يكفر المؤمن جملة، و في المرجئة من جوز أن يكفر، لكنّه لا بدّ بعد ذلك من أن يؤمن و يوافي بإيمانه؛ و الصحيح الأوّل.

و إذا وقع الإيمان بعد الكفر، فإنّ اللّه تعالى يغفر عقاب الكفر تفضّلا، و لو شاء يؤاخذ به، لكن السمع منع من ذلك.

و إنّما قلنا: إن المؤمن لا بدّ من أن يوافي بإيمانه، أن الإجماع واقع على أن الإيمان يستحقّ به الثواب الدائم، فلو جاز أن يكفر المؤمن كفرا يوافى به لاستحق فاعله الثواب و العقاب الدائمين؛ لإجماعهم أيضا على أن الكفر الموافى به يستحقّ عليه العقاب الدائم، و الإجماع يمنع من استحقاق الأمرين على سبيل الدوام.

و أيضا، فإن التحابط إذا بطل و اجتمع الاستحقاق ان الدائمان فلا بدّ إذا فعل المستحقّ منهما من أن يتلو الثواب العقاب و العقاب الثواب، و اجتمعت الأمّة على أن الثواب في الآخرة لا يقطع و لا يتخلله عقاب.

فإذا قيل: كيف تدّعون الإجماع في دوام المستحقّ من الثواب على الإيمان، و في الناس من يقول: إنه لا يستحقّ على اللّه تعالى شي‏ء، و فيهم من يشترط في استحقاقه الثواب بالإيمان الموافاة، كما شرطتم ذلك في الكفر.

قلنا: أمّا من نفى أن يستحقّ على اللّه تعالى شي‏ء من المجبّرة، أو من نفى استحقاق الثواب من جهة العدول من البغداديين، فهم معنا مجمعون على أن الثواب إذا لم يحبطه فاعله، فلا بدّ من أن يفعل به و يوصل إليه، فلو جعلنا مكان قولنا إنه يستحقّ الثواب أنه لا بدّ من أن يفعل به الثواب الدائم متى لم يحبطه زالت الشبهة.

على أن البغداديين يعترفون بالاستحقاق، و إنّما يضيفونه إلى الحكمة و الجود، فما خالفوا في أصل الاستحقاق، و المجبّرة تنفي الاستحقاق لكلّ شي‏ء

306

من الأفعال على كلّ وجه، فإذا قلنا: أجمع كلّ من أثبت استحقاقا بالأفعال على كذا خرجت المجبّرة منه.

و أمّا من شرط استحقاق الثواب بالإيمان الموافاة فقوله باطل؛ لأن وجوه الأفعال و شروطها الّتي منها يستحقّ بها ما يستحقّ لا يجوز أن تكون منفصلة منها، و متأخّرة عن وقت حدوثها، و الموافاة منفصل عن وقت حدوث الإيمان، فكيف يكون شرطا أو وجها في استحقاق الثواب به؟

و لا يلزمنا ذلك إذا فرقنا بين الكفر الموافى به و ما لا يوافى به في دوام المستحقّ عليه من العقاب؛ لأنا ما جعلنا الموافاة شرطا و لا وجها في الاستحقاق و لا في دوامه، بل جعلناها دلالة لنا، و أمارة على صفة المستحقّ، و إذا لم يواف بكفره دلّنا ذلك على أنّ كفره وقع في حال حدوثه على وجه يقتضي ذلك، و الّذي يوافى به من الكفر نقطع على أنّه وقع للأصل على وجه يقتضي دوام عقابه، فالموافاة دلالة عندنا، و ليست وجها و لا شرطا في الاستحقاق، و الدلالة لا تجعل المدلول على ما هو عليه.

فإذا قيل لنا: فبأيّ شي‏ء يفسد قول من جعل الموافاة بالإيمان دلالة على وقوعه في حال حدوثه على وجه يوجب دوام ثوابه، و أن الموافاة إذا لم تحصل دلّ عدمها على أن الإيمان وقع في ابتداء حدوثه مستحقّا به الثواب المنقطع.

قلنا: يمنع من ذلك الإجماع؛ لأنه لا أحد يقول بذلك من الأمّة كلّها. و من شرط الموافاة في استحقاق الثواب بالإيمان جعلها وجها لاستحقاقه و جهة، و جعل ابتداء الاستحقاق عندها و لا يجعلها دلالة و كاشفة، فكان كلّ من ذهب إلى أن ما يقتضي استحقاق الثواب بالإيمان تابع لحال حدوثه و غير منتظر، يذهب إلى أن كلّ إيمان يستحقّ به في حال حدوثه الثواب الدائم.

فإذا قيل: بأيّ شي‏ء فصلتم بين الكفر الموافى به و الّذي لا يوافى به في دوام العقاب؟

قلنا: بالإجماع؛ لأنا قد بيّنا أن دوام العقاب أو انقطاعه لا يعلم عقلا،

307

و إنّما يعلم بالسمع، و قد اجتمعت الأمّة على أن عقاب الكفر الّذي يوافى به دائم، فقطعنا عليه، و ما لا يوافى به الإجماع على دوامه و لا انقطاعه، و إنّما يرجع في ذلك إلى الدليل، و لو كان عقاب الكفر الّذي لا يوافى به دائما لكان قد اجتمع للمكلّف الواحد استحقاق الثواب و العقاب على سبيل الدوام، و قد بيّنا فساد ذلك.

و إنّما رجّحنا القول بأن المؤمن لا يفكر على القول بجواز كفره من غير أن يوافى به، من أجل أن الكفر يستحقّ به الاستحقاق و الذمّ و اللعن، فلو جامع الإيمان مع بطلان التحابط لوجب أن يكون المرتدّون يستحقّون منّا المدح و التعظيم على ما تقدّم من إيمانهم، و ان استحقّوا الاستخفاف و اللعن على كفرهم، و اجتمعت الأمّة على أن كلّ مظهر لكفر وردّة فإنّه لا يستحقّ شيئا من التعظيم و الثواب، و ذلك معلوم من دينه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ضرورة.

فإذا قيل لنا: فقد نرى كثيرا ممّن كان مؤمنا يكفر، و ربّما بقي من الكفر إلى حال موته، و قد قال اللّه تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ ثُمَّ اِزْدََادُوا كُفْراً (1) .

قلنا: ليس كلّ من أظهر الإيمان يكون مؤمنا على الحقيقة، و إذا وجدنا مظهرا للكفر بعد إظهار الإيمان قطعنا على أن ما أظهر من الإيمان لم يكن في الباطن و عند اللّه تعالى عليه.

فأمّا المراد بالآية فإنّما سمّى من أظهر الإيمان مؤمنا على العرف، كما قال اللّه تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنََاتٍ (2) ، و كما قال اللّه عزّ و جلّ‏ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (3) ، و لا شبهة في أنه تعالى أراد إظهار الإيمان‏ (4) .

[الثاني: استدلّ بهذه الآية على أن الرتبة غير معتبرة في الأمر قالوا: لأن الطاعة تعتبر فيها الرتبة كالأمر] (5) .

____________

(1) سورة آل عمران، الآية: 90.

(2) سورة الممتحنة، الآية: 10.

(3) سورة النساء، الآية: 92.

(4) الذخيرة: 504.

(5) الذريعة، 1: 36.

308

و الجواب عن الثاني أنّه استعار للإجابة لفظة الطاعة بدلالة أنّ أحدا لا يقول إنّ اللّه أطاعني في كذا، إذا أجابه إليه.

و أيضا فظاهر القول يقتضي أنّه ما للظالمين من شفيع يطاع، و ليس يعقل من ذلك نفي شفيع يجاب، فإذا قيل: فكل شفيع لا يطاع على مذهبكم، كان في ظالم أو في غيره؛ لأنّ الشفيع يدلّ على انخفاض منزلته عن منزلة المشفوع إليه، و الطاعة تقتضي عكس ذلك.

قلنا: القول بدليل الخطاب باطل، و غير ممتنع أن يخصّ الظالمون بأنّهم لا شفيع لهم يطاع، ، و إن كان غيرهم بهذه المنزلة.

و أيضا فيمكن أن يكون المراد بيطاع غير اللّه تعالى من الزبانية و الخزنة، و الطاعة من هؤلاء لمن هو أعلى منزلة منهم، من الأنبياء عليهم السّلام و المؤمنين صحيحة واقعة في موقعها (1) .

- وَ اَللََّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ... [غافر: 20].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177: إلى 247.

- وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبََادِ [غافر: 31]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- فَأُولََئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهََا بِغَيْرِ حِسََابٍ [غافر: 40]

أنظر البقرة: 212 من الأمالي، 1: 376.

- وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلْعَزِيزِ اَلْغَفََّارِ [غافر: 42]

أنظر القيامة: 22، 23 من الملخص، 2: 257.

- إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهََادُ [غافر:

51].

ان سأل سائل فقال: إذا كنتم تزعمون أن عليا و الحسن و الحسين و التسعة

____________

(1) الذريعة، 1: 37.

309

من ولد الحسين عليهم السّلام صفوة اللّه بعد نبيّه و حجّته على خلقه و أمينا على دينه، فلم تمكّن من قتلهم و ظلمهم و أسلمهم و خذلهم، و لا ينصرهم على أعدائهم، حتى قتلوا بأنواع القتل؟و ظلموا بأفانين الظلم؟

قيل له: هذا سؤال الملحدة في نفي الربوبية و قبح العبادة، و سؤال البراهمة في نفي النبوّة و إبطال الرسالة.

أمّا الملحدة فتقول: لو كان للعالم خالق خلقه، و محدث أحدثه و ابتدعه، لم يمكّن من جحده و من عصاه ممّن أطاعه و لمنعهم من قتلهم و لنصرهم و لم يسلمهم، فإذا رأينا من يستمسك بطاعته و الاقرار بربوبيته، مخذولا و لا غير منظور، و ذليلا غير عزيز، و مظلوما مستظاما، و مقتولا مستهانا، علمنا أنّه لا خالق لهم يمنع منهم، و لا محدث يدفع عنهم.

و أمّا البراهمة فتقول مثل ذلك في الأنبياء عليهم السّلام.

قيل: و ما بالهم من أمرهم وجد بهم من أعدائهم حرفا بحرف، و من كان ملحدا أو برهميا فلا يسأل عن الأئمة و خلفاء الأنبياء، فالرسل دون الأنبياء و الرسل و سائر المؤمنين؛ لأنّ الكل عنده فيما يلحقهم و ينزل بهم سواء.

فإن زعم هذا السائل أن يكون ملحدا أو برهميا فلا يسأل الشيعة دون غيرهم من المقرّين بالربوبية المثبتين للنبوّة و الرسالة، و لا يخصّ الأئمة دون الأنبياء و الرسل و المؤمنين لم يلزمه جواب الشيعة دون غيرهم، ممّن أقرّ بالربوبية و أثبت النبوّة و الرسالة، و لم يكن لتخصيصه السؤال على الأئمة وجه و لا فائدة.

و إن تبرأ من الملحدة و انتفى من البراهمة و أقرّ بالربوبية و صدق بالنبوّة و الرسالة، قيل له: فخبّرنا عن أنبيائه و رسله و أتباعهم من المؤمنين، لمّا مكّن اللّه تعالى من قتلهم و ظلمهم، و لمّا خذلهم، و لم ينصرهم حتى قتلوا و ظلموا.

فإن أجاب إلى الاقرار بذلك و التصريح بأنّ اللّه تعالى مكّن أعداءه من الكفّار و المشركين من قتل أنبيائه و رسله و أهاليهم، و لم ينصرهم بل نصر

310

أعداءهم عليهم، فارق بهذا الإقرار و التصريح ظاهر كتاب اللّه تعالى، إذ يقول:

إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا .

و فارق إجماع الأمة؛ بل كلّ من أقرّ بالنبوة[لا]يقدم على القول بأن اللّه تعالى خذل أنبياءه و نصر أعداءه، بل الكلّ قائل بأنّ اللّه تعالى ناصر لأنبيائه و أوليائه و مانع عنهم و خاذل لعدوّهم.

و إن امتنع الإقرار بذلك و التصريح به و قال: إنّهم مع قتلهم و الظلم لهم منصورون مؤيّدون.

قيل لهم: أفليس قد ثبت بهذا الإقرار منك أنّ القتل و الظلم لا يوجب القول بأنّ اللّه مكّن من قتل أنبيائه، و أنّه خذل رسله و لم ينصرهم، و إن قتلهم اعداؤهم و ظلموهم.

فإذا قال: نعم.

قيل: فهلاّ سوّغت مثل ذلك فيما جرى على الأئمة عليهم السّلام من القتل و الظلم، و أنّه غير مبني عن التمكين منهم و الخذلان لهم، و جعلت ما نالهم من القتل و الظلم من أعدائهم كالذي نال الأنبياء و الرسل من أعدائهم في أنّه غير موجب للتمكين منهم و الخذلان لهم.

فإن قال: من ذكرتموه من الأنبياء و الرسل لمّا قتلوا أو ظلموا أهلك اللّه قاتلهم و استأصل ظالمهم، فعلم بذلك أنّه غير متمكّن منه و خاذل لهم.

قيل له: أوّل ما يسقط ما ذكرته أنّه تعالى لم يهلك جميع من قتل الأنبياء، و لا استأصل كلّ من ظلمهم، بل الذي أهلك منهم قليل من كثير؛ لأنّه لو أثر ذلك لكان ملجئا، و لبطل التكليف الذي أوكد شروطه التخيير، و تردّد الدواعي المنافي للالجاء.

و أيضا؛ فإنّ الهلاك و الاستيصال لمن أهلكه و استأصله ليس يمنع من قتل الأنبياء عن قتلهم، و لا حيلولة بينهم و بين من ظلمهم، و كيف يكون الهلاك المتأخّر عن القتل و الظلم منعا ممّا تقدّم وجوده و حيلولة بينه و بينه، و المنع‏

311

و الحيلولة من حقّهما أن يستحيل‏ (1) لمكانهما و وجود ما هما مانع و حيلولة منه.

و بهذا الحكم ينفصل ممّا ليس بمنع و لا حيلولة، و إنّما قدّم لمن هو حلّ بالهلاك و الاستيصال بعض ما يستحقّه من العقاب على وجه يقتضيه المصلحة و لا ينافي التكليف، فأمّا أن يكون منعا و حيلولة فلا، و جرى في ذلك مجرى الحدود من أنّها تقدّم بعض المستحقّ للمصلحة، و الردع الذي يختلف بحسب المكلّفين دواعيهم و صوارفهم.

على أنّ هذا السائل يجب عليه أن يكفّ عن إطلاق ما ألزمناه فيمن عوجل قاتله و ظالمه من الأنبياء و الرسل و المؤمنين، و يصرّح بهم فيما لم يعاجل قاتله و ظالمه منهم، بأنّ اللّه تعالى خذله أو سلمه، و لا فرق بين الكلّ و البعض في ذلك، و أنّ التصريح به خروج عن الإسلام.

على أنّ اللّه تعالى لم يستأصل من ظلم خير أنبيائه و أشرف رسله محمدا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فيجب أن يكون تعالى قد خذله و لم ينصره و أسلمه و لم يمنع منه، و إطلاق ذلك من أقبح الكفر و أعظم الفرية على اللّه جل اسمه.

فبان بما ذكرناه أنّ ما سأل عنه غير متوجّه إلى الشيعة و يختصّ بأعينهم، بل هو سؤال الملحدة و البراهمة لكلّ من أقرّ بالربوبية و صدق بالنبوة و الرسالة و هذه عادة من خالفهم في استعارة ما يسأل عنه الملحدة و من فارق الإسلام و الملة إذا أرادوا سؤالهم.

فإن قال قائل: فلم لم يعاجل بالعقاب من قتل أئمتكم و عترة نبيّكم، كما عاجل من تقدّم.

قيل له: هذا أيضا سؤال لا يتوجّه إلى الشيعة دون من خالفهم من فرق الأمة؛ لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قد ظلم بأنواع الظلم من إخافة و سبّ و حصر و قتل أقاربه، و التنكيل بعمه حمزة عليه السّلام بعد القتل، و ما تخصّه في نفسه من إدماء جبينه و كسر رباعيته، إلى غير ذلك من الأمور التي جرت عليه و على أقاربه و أصحابه، و لم يعاجل أحد منهم بالعقاب.

____________

(1) في الهامش: يستحل.

312

و قد عوجل عاقر ناقة صالح مع أنّ قدرها و قدر كلّ حيوان غير مكلّف لا يوازن عند اللّه قدر أقلّ المؤمنين ثوابا.

فأيّ جواب أجاب به جميع المسلمين عمّا نال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و نال أقاربه و أصحابه و لم يعاجل من نال منه و منهم؟فهو جواب الشيعة عن سؤال من يسألهم عن أئمتهم و قرّة عينهم و ما نالهم من القتل و الظلم.

فإن قال: فما الجواب لمن يسأل عمّا نال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و أقاربه و أصحابه و ما نال خلفاءه من بعده و عترته و هي المعاجلة بالعقاب؟

قيل له: الجواب عن ذلك أنّ اللّه تعالى خصّ نبيّنا بأمور شرفه بها و كرّمه على سائر من تقدّم من الأنبياء و الرسل، من جملتها أمان أمته إلى قيام الساعة من المعاجلة بالهلاك و العقاب، و هذا معلوم من دعوته كما نعلم إكرامه بالشفاعة و الحوض و المقام المحمود و اللواء، و أنّه أوّل من ينشق عنه الأرض، و تأييد شرعه و رفع النبوّة بعده.

و بمثل هذا أجيب ابن الراوندي و غيره من الملحدة «خذلهم اللّه» لمّا سألوا عن قوله تعالى: وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ إِلاََّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ (1) فالأيات هاهنا الاعلام و المعجزات.

قالوا: و هذا القول ينبى‏ء عن المناقضة أو السهو؛ لأنّ تكذيب من تقدّم لا يمنع من قيام الحجّة علينا و الإزاحة لعلمنا، فكيف يعلّل بالمنع لنا بما يخش‏ (2) و تكلّفتا بأنّ غيرنا كذّب و لم يصدّق و خالف و لم يجب، و هذا بعيد من القول.

على أنّه قد ادّعى ظهور الاعلام عليه و فعل المعجزات على يده، كالقرآن و غيره من مجي‏ء الشجرة، و تسبيح الحصى، و حنين الجذع، و إطعام الخلق الكثير حتّى شبعوا، و سقيهم حتى ارتووا من القليل من الطعام و اليسير من الشراب، فلو لم يمنع تكذيب الأوّلين إظهار ما ادعاه من الاعلام و المعجزات.

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 59.

(2) كذا في النسخة.

313

قيل لهم: الاعلام التي تظهر على أيدي الأنبياء و الرسل ينقسم إلى ما يظهرها اللّه تعالى للدلالة على صدقهم حسب ما تقتضيه الحكمة و المصلحة و توجبه إزاحة العلة كسائر الأدلة التي نصبها و التمكين من النظر فيها، فالمخالف لها[معادل‏] (1) عن التكليف، [و]إلى ما تقترحه الأمم عمّن بعث إليهم بعد اظهار ما تقتضيه الحكمة و توجبه المصلحة من إزاحة العلة، فحكم اللّه تعالى في التكذيب بها بعد إظهارها و العدول عن تصديقها المعاجلة ببعض ما يستحقّ عن العقاب.

فكان تقدير الكلام: و ما منعنا أن نرسل بالأيات المقترحة إلاّ أن كذّب بها الأوّلون بتعجيل بعض ما يستحقّونه من العقاب.

و قد وعدنا رسولنا و شرفنا بأمور:

منها أن‏[لا]تستأصل أمّته و لا تعاجلها بالعقاب، و قد ذكر اللّه تعالى ما اقترح على رسوله، فقال: وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ اَلْأَنْهََارَ خِلاََلَهََا تَفْجِيراً (91) `أَوْ تُسْقِطَ اَلسَّمََاءَ كَمََا زَعَمْتَ عَلَيْنََا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ قَبِيلاً (92) إلى قوله: قُلْ سُبْحََانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً (2) .

فإن قال: قدّمتم الجواب لمن وافقكم في الإقرار بالصانع و التصديق للنبوّة، فما الجواب للملحدة و البراهمة؟

قيل له: الجواب لهم أنّ التمكين يعتبر فيه قصد الممكّن و غرضه دون ما يصلح له ما مكّنه به من الأفعال، يبين ذلك أنّه لو لم يعتبر فيه ما ذكرنا لم نجد في العالم ممكّنا من قتل عدوّه دون نفسه و وليه؛ لأنّه لا شي‏ء يتمكّن به من سلاح و جند و سائرها يقوى به إلاّ هو يصلح لقتله و قتل وليه، كما يصلح لقتل عدوّه.

____________

(1) هذا هو الصحيح و في المطبوعة «و المعادل» .

(2) سورة الإسراء، الآيات: 90-93.

314

و كذلك الحال فيما تمكّن به من طاعته و امتثال أوامره من الاموال و الالات، في أنّه لا يصلح لمعصيته و ارتكاب ما نهى عنه، كما يصلح لطاعته و امتثال أمره.

و في علمنا بأنّ الممكّن منّا قد يكون ممكّنا من عدوّه دون نفسه و وليّه من طاعته دون معصيته، و أنّ الجاحد لذلك متجاهل دافع لما يعلم بالاضطرار دلالة على وجوب اعتبار قصد الممكّن و غرضه، دون ما يصلح له ما مكّن به.

و إذا ثبت هذا وجب اعتبار حال الممكّن، فإن كان قصد بما مكّن الحسن دون القبيح. قيل له: مكّن من الحسن دون القبيح، و إن كان ما مكّن به يصلح القبيح-و كذلك إن كان قصده بما مكّن و غرضه القبيح دون الحسن-قيل له:

إنّه مكّن من القبيح دون الحسن، و إن كان ما مكّن به يصلح للحسن.

و متى لم يعتبر هذا الاعتبار، خرج في المعنى من الإطلاق في اللغة و العرف و المعقول، و لزم أن لا يكون في العالم من يطلق عليه التمكين من الحسن دون القبيح، و الطاعة دون المعصية، و النصرة دون الخذلان، و في هذا ما قدّمناه من التجاهل.

و إذا وجب اعتبار القصد و الغرض في التمكين، وجب الرجوع إلى حال الممكّن، دون الرجوع إلى حال ما تمكّن به، فإن علم من قصده و غرضه و إن لم يعلم ضرورة استدلّ بحال الممكّن و بما يتبع ما مكّن به من أمر و نهي و ترغيب و دعاء و حثّ و وعد، إلى غير ذلك ممّا ينبى‏ء عن قصده و يوضح عن غرضه، و يتبع الإطلاق و الوصف له.

و قد ثبت أنّ اللّه تعالى لا قصد له إلى القبيح، فلا غرض له فيه؛ لأنّه عالم بقبحه و نفيناه عنه، و لمقارنة الأمر و الترغيب و الدعاء و الحثّ و الزجر و الوعد بالثواب للواجبات و المحسنات، و لمقارنة النهي و التخويف و الزجر و الوعيد للمقبحات، علم أنّه مكّن من الطاعات دون المعصية، وجب إطلاق ذلك دون غيره.

315

فإن قيل: فهلاّ مكّن تعالى بما يصلح للطاعة دون المعصية و الإيمان دون الكفر و الحسن دون القبح.

قيل له: هذا خلف من القول و تناقض في المعنى؛ لأنّ ما مكن به يصلح لجميع ذلك لنفسه وعيد (1) و لأنّه لو اختصّ بالشي‏ء دون تركه و خلافه، لكان الممكّن مطبوعا.

و لو كان مطبوعا لم يصحّ الوصف لفعله بالحسن و القبح و الطاعة و المعصية و الإيمان و الكفر، كما لا يصحّ ذلك في إحراق النار و برد الثلج و هدّ الحجر و جريان الماء[و]لبطل التكليف و الأمر و النهي و المدح و الذمّ و الثواب و العقاب؛ لأنّ جميع هذه الاحكام يثبت مع الايثار و التخيّر، و يرتفع مع الطبع و الخلقة و زوال التخيّر.

فلا بدّ على هذا من تعلّق التمكين بالفعل و تركه و خلافه و ضدّه، ليصحّ الايثار و التخيّر و يطابق ما يقتضيه الحكم من حسن التكليف و توجّه المدح و الثواب إلى المطيع و استحقاقه لهما، فهو الجواب عن التمكين.

و قد بان به أنّ اللّه تعالى لم يمكّن من قتل أنبيائه و رسله و خلفائهم و المؤمنين من أممهم؛ لأنّه جلّ اسمه نهى عن ذلك و زجر عنه و تواعد عليه بأليم العقاب و أمرنا باتّباعهم و طاعتهم‏[و]الانقياد لهم و الذبّ عنهم، فرغب فيه و دعا إليه و وعد عليه بجزيل الثواب.

فأمّا المنع عنهم و النصرة لهم تسقم‏ (2) أيضا إلى منع و نصرة يزول معها التكليف و الأمر و النهي و الترغيب و الزجر و الثواب و العقاب، و هو ما أدّى إلى الالجاء و ينافي التخيّر و الايثار.

فهذا الضرب من المنع و النصرة، لا يجوز أن يفعله تعالى مع التكليف، لمنافاته الحكمة، و مباينته لما تقتضيه المصلحة و حسن التدبير، و إلى منع و نصرة يلائم التكليف و الأمر و النهي و الترغيب و الزجر و الثواب و العقاب، و يثبت معه

____________

(1) كذا.

(2) كذا.

316

التخيير و الايثار، و هو النصرة بإقامة الأدلّة و نصب البراهين و الأمر بنصرتهم و الجهاد دونهم و الطاعة لهم و الذبّ عنهم و المنع بالنهي عن مخالفتهم و الموالاة لأعدائهم، و هذا ممّا قد فعل اللّه تعالى منه الغاية التي لا يبلغها شي‏ء و لا يدركها طلب.

فإن قال: فقد ظهر من أئمتكم الدعاء على من ظلمهم و غصب حقّهم و جحدهم مقامهم، و نال منهم بالقتل و الأذى، فلم يستجب اللّه لهم و لم يسمع دعاءهم، و في ذلك وهن لهم و حطّ من قدرهم و تنفير عنهم.

قيل له: ليس الأمر كما ظننت في دعائهم عليهم السّلام لو اجتهدوا في الدعاء و الطلب و سألوا اللّه تعالى هلاك الارض و من عليها لأجيبوا، بل كانوا عليهم السّلام عارفين بالدنيا و صغر قدرها بالإضافة إلى ما أعدّ اللّه لهم في الأخرة، فلم يكن لها عندهم محلّ و لا بشي‏ء منها في نفوسهم وزن.

و كيف لا يكونوا كذلك؟مع علمهم باللّه جلّ و علا، و ما أعدّ لأوليائه من الثواب و لأعدائه من العقاب، و أنّهم من أشرف أوليائه الذين اجتباهم و اصطفاهم، و جعلهم الواسطة بينه و بين خلقه، و الأمناء عليهم، و الحفّاظ لدينهم، فهم القدوة، و إليهم المفزع من سائر البشر، و أنّ أعداءهم أعداء اللّه الذين لعنهم و غضب عليهم و أعدّ لهم أعظم العقاب و أشدّ العذاب.

فقلوبهم مملوّة بالمعرفة لخالقهم، و ما يقرّب إليه و يزلف لديه من الطاعة له و الخوف من مخالفته، و القيام بعباداته. ليس سوى ذلك فيها مكان، و لا لغير ما يثمر الفوز و النجاة عليها مجال، و لذلك وجب الحكم بعصمتهم و نزاهتهم و طهارتهم، حتى قال تعالى فيهم: وَ لَقَدِ اِخْتَرْنََاهُمْ عَلى‏ََ عِلْمٍ عَلَى اَلْعََالَمِينَ (1) .

فإذا ثبت هذا من حالهم، كان الدعاء منهم يحتمل أمورا:

منها: تعليم أممهم و رعاياهم كيف يدعون و يسألون إذا نابتهم النوائب و نزلت بهم الشدائد، و لا يقصدون بذلك سوى تعليمهم و البيان لهم.

____________

(1) سورة الدخان، الآية: 32.

غ

317

و منها: الانقطاع إلى اللّه تعالى و الخضوع له، كما ينقطع إليه من لا يستحقّ العقاب بالتوبة و الاستغفار، و يخضع له بذلك، و كالدعاء للّه تعالى بأن يحكم بالحقّ و إن لم يكن مثله، لمكان اليقين بأنّه لا يحكم إلاّ بالحقّ و القطع عليه، كما لا يحسن المسألة له بأن يطلع الشمس و يغربها لمكان العلم بذلك و القطع عليه.

و منها: المسألة لأتباعهم و شيعتهم، إذا اقتضت الحكمة و المسألة لهم، و تعلّق كون ما يفعل بهم صلاحا إذا فعل لأجل المسألة و الدعاء، و متى لم تكن المسألة و الدعاء لم يكن فعله صلاحا.

و هذا وجه صحيح في الالطاف و المصالح، و بذلك وردت الرواية عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في سعة الرزق عند الدعاء، و طول العمر عند البرّ للوالدين، و دفع البلاء عند الصدقة، إلى غير ذلك ممّا تكون المصلحة فيه مشروطة بتقديم غيره عليه، كقوله عليه السّلام: «حصّنوا أموالكم و داووا أمراضكم بالصدقة» و ردّ البلاء بالدعاء و الاستغفار و التوبة ثابتة، و وجب حمل ما ظهر منهم من الدعاء على هذه الوجوه دون المسألة لهم فيما يتعلّق بأمور الدنيا و الطلب لمنافعها و دفع مضارّها فيما يرجع إليها خاصة؛ إذ لا قدر لها عندهم و لا وزن لها في نفوسهم على ما بيّناه.

فإن قال: فإذا لم يتضمّن دعاؤهم المسألة و الوصف، فما معنى الوصف له بأنّه يستجاب و لهم بأنّهم مستجابوا الدعاء؟.

قيل له: عن ذلك أجوبة:

أحدها: أنّا قد بيّنا أنّ من دعائهم ما هو مسألة و طلب لما يتعلّق بمصالح أتباعهم و تدبير شيعتهم، و ان لم تكن مسألة و طلبا فيما يرجع إليهم، فلأجل دعائهم.

[و ثانيها]: قد يتضمّن دعاؤهم المسألة و الطلب لثواب الأخرة و علوّ المنازل فيها، فالإجابة واقعة بإعطاء ما سألوا و توقّع ما طلبوا.

318

و ثالثها: أنّ ما لم يكن من دعائهم مسألة و طلب، و أنّ الإجابة له الإنابة عليه، لمكان الانقطاع و الخضوع و التعليم و الأداء، فلمّا كان مثمرا لغاية المنافع و اجلها كان مستجابا؛ لأنّ معنى الإجابة حصول النفع و دفع الضرر لأجل الدعاء.

فقد ثبت بهذه الوجوه الجواب عمّا تضمّنه السؤال و الزيادات فيه. و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (1) .

- وَ قََالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ... [غافر: 60].

اعلم أن الدعاء هو طلب الداعي الشي‏ء من غيره.

و يمضى في الكتب أنه يقتضي الرتبة، و أن يكون المدعو أعلى رتبة من الداعي، بعكس الأمر. و ليس الأمر على ذلك؛ لأنهم يسمّون السيّد داعيا لعبده إلى سقيه الماء و غيره ممّا يأمر به، و يقولون: إنّ اللّه تعالى دعانا إلى عبادته و طاعته، فبطل اعتبار الرتبة.

لكن قد حصل في إطلاق لفظة «الدعاء» أنه يختصّ بالطلب من اللّه تعالى دون غيره، و ان كان التقييد يخالف ذلك؛ لأنهم يقولون: «في هذا الدفتر دعاء» إذا اختصّ بمسألة اللّه تعالى و لا يقولون ذلك في غيره، كما اختصّت لفظة «القرآن» بكتاب اللّه تعالى و ان كان أصل اشتقاقها من الجمع المشترك المعنى.

و إنّما سمّوا تمجيد اللّه تعالى و تسبيحه «دعاء» ؛ لأن المقصد بذلك طلب الرحمة و المغفرة، و لأنه لا يخلو في الأكثر من مسألة و طلب، و الدعاء إنّما يكون كذلك بالارادة كالأمر.

و من شرط حسن الدعاء أن يعلم الداعي كون ما يطلب بدعائه مقدورا لمن يدعوه، و ذلك يقتضي في من دعا اللّه تعالى أن يعرفه جلّ و عزّ بصفاته و قدرته و حكمته.

____________

(1) الرسائل، 3: 209.

319

و من شروط حسن الدعاء أيضا أن يعلم حسن ما طلبه بالدعاء، و إنّما يعلم ذلك بأن لا يكون فيه وجه قبح ظاهر. و ما غاب عنه من وجوه القبح-مثل كونه مفسدة-وجب أن يشرط في دعائه و يطلب ما يطلبه بشرط أن لا يكون مفسدة، و ان لم يظهر هذا الشرط في دعائه جاز أن يضمره في نفسه.

و من الشروط أن لا يكون عالما بأن ما طلبه لا يقع و لا يفعل، نحو أن يسأل اللّه تعالى احياء الموتى ليسرّ بهم أو غفران عقاب الكفّار.

و عند أبي عليّ أن ذلك يقبح عقلا، و عند أبي هاشم أنه يقبح بالشرع من حيث كان مفسدة و ليس بقبيح في العقل.

و قد يحسن منا أن ندعو اللّه تعالى بأن يفعل ما نعلم أنه يفعله لا محالة، و إنما يحسن ذلك على سبيل الانقطاع، و لأن فيه مصلحة و لطفا، و لهذا حسن منّا الاستغفار للمؤمنين، و الصلاة على الأنبياء و المرسلين و الملائكه المقرّبين، و لا شبهة في أن فعل ذلك عند الدعاء لا يسمّى اجابة له.

و ينقسم ما يتناوله الدعاء إلى قسمين:

أحدهما: قد تقدّم العلم بأنه واجب مفعول لا محالة، نحو اثابة المؤمنين و الصلاة على النبيّ صلوات اللّه و سلامه عليه و آله، ممّا الفائدة فيه التعبّد و التقرّب لا طلب ما يتناوله الدعاء.

و القسم الآخر: ما لا يعلم وجوبه و حصول فعله لا محالة، و هو على ضربين:

أحدهما: أن يكون واجبا و إن خفي علينا وجوبه، مثل أن يكون لطفا في التكليف، و ينقسم إلى ما يكون مصلحة على كلّ حال، و إلى ما يكون لطفا عند الدعاء؛ لأن للدعاء على كلّ حال تأثيرا في فعله.

و القسم الآخر من القسمين الأوّلين: ما ليس بواجب من الإحسان و التفضّل، و ذلك ممّا لا يجوز أن يفعل و أن لا يفعل، فإذا فعله تعالى عند الدعاء فهو اجابة له.

320

و قولنا: «مجاب الدعوة» يقتضي تكرّر إجابة دعائه، و أن المفعول عند دعائه على سبيل الكرامة له و الرفع من منزلته.

و متى سأل أحدنا ربّه تعالى أمرا فلم يفعله لا يجب القطع على أنه ما أجيبت دعوته؛ لأنه إذا سأل بشرط أن لا يكون فيه مفسدة فغير ممتنع أن يكون إنّما لم يفعل ما طلبه؛ لأنه مفسدة، و إنّما يكون ممنوعا إذا لم يفعل ما طلبه من غير حصول الشرط الّذي شرطه.

و هذه جملة كافية (1) .

- ذََلِكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ بِمََا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر: 75]

أنظر الكافرون من الأمالي، 1: 138.

- فَلَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا قََالُوا آمَنََّا بِاللََّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنََا بِمََا كُنََّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) `فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا [غافر: 84-85]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) الذخيرة: 604.

321

سورة فصّلت‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ [فصلت: 11]

أنظر الأعراف: 172، 173 من الأمالي، 1: 54 و النمل: 21، 22، 23 من الرسائل، 1: 423 و يس: 82 من الملخص، 2: 444.

- فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى‏ََ فِي كُلِّ سَمََاءٍ أَمْرَهََا وَ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ وَ حِفْظاً ذََلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ [فصلت: 12].

أنظر طه: 114 من الأمالي، 2: 300.

- فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صََاعِقَةً مِثْلَ صََاعِقَةِ عََادٍ وَ ثَمُودَ [فصلت: 13].

أنظر الذاريات: 41 من الرسائل، 3: 93.

- أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ اَلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ كََانُوا بِآيََاتِنََا يَجْحَدُونَ [فصلت:

15].

و قوله تعالى: هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً مجاز، لأن القوّة الّتي هي القدرة لا توصف بالشدّة، و هو تعالى قادر لا بقدرة (1) .

- وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ فَأَخَذَتْهُمْ صََاعِقَةُ اَلْعَذََابِ اَلْهُونِ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ [فصلت: 17].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ [فصلت: 40]

____________

(1) الذخيرة: 582.

322

أنظر الكافرون من الأمالي، 1: 138.

- لاََ يَسْأَمُ اَلْإِنْسََانُ مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ... [فصلت: 49]

أنظر المائدة: 28، 29 من الأمالي، 2: 43.

- أَلاََ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقََاءِ رَبِّهِمْ... [فصلت: 54].

أنظر البقرة: 1 من الرسائل، 3: 297: 305.

323

سورة الشّورى‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ... [الشورى: 11].

أنظر المائدة: 6، الأمر السادس، الموضع الأوّل من الرسائل، 2: 67 و أيضا المقدّمة الثانية، الأمر الثاني.

- وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30].

أنظر الطلاق: 1 الأمر الأول من الانتصار: 129.

- وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى: 40].

أنظر المائدة: 116 من الأمالي، 1: 317 و البقرة: 15 من الأمالي، 2:

126 و البقرة: 158 من الذخيرة: 598.

- وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: 51].

[إن سأل سائل‏]فقال: أو ليس ظاهر هذا الكلام يقتضي جواز الحجاب عليه و أنتم تمنعون من ذلك!.

الجواب: قلنا: ليس في الآية أكثر من ذكر الحجاب، و ليس فيها أنّه حجاب له تعالى أو لمحلّ كلامه أو لمن يكلّمه. و إذا لم يكن في الظاهر شي‏ء من ذلك جاز صرف الحجاب إلى غيره عزّ و جلّ؛ ممّا يجوز أن يكون محجوبا. و قد يجوز أن يريد تعالى بقوله: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أنّه يفعل كلاما في جسم محتجب عن المكلّم، غير معلوم له على سبيل التفصيل، فيسمع المخاطب الكلام و لا يعرف محله على طريق التفصيل، فيقال على هذا: هو مكلّم من وراء حجاب.

324

و روي عن مجاهد في قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً قال: هو داود أوحي في صدره فزبر الزّبور، «أو من وراء حجاب» و هو موسى، «أو يرسل رسولا» و هو جبريل إلى محمد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

فأمّا الجبّائيّ فإنّه ذكر أنّ المراد بالآية: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إلاّ مثل ما يكلّم به عباده من الأمر بطاعته، و النهي لهم عن معاصيه، و تنبيهه إيّاهم على ذلك من جهة الخاطر أو المنام، أو ما أشبه ذلك على سبيل الوحي.

قال: و إنّما سمي اللّه ذلك وحيا لأنّه خاطر و تنبيه، و ليس هو كلاما لهم على سبيل الإفصاح، كما يفصح الرجل منّا لصاحبه إذا خاطبه. و الوحي في اللغة إنّما هو ما جرى مجرى الإيماء و التنبيه على شي‏ء من غير أن يفصح به؛ فهذا هو معنى ما ذكره اللّه تعالى في الآية.

قال: و عنى بقوله: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أي يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه، إلاّ من يريد أن يكلّمه به؛ نحو كلامه لموسى عليه السّلام، لأنّه حجب ذلك عن جميع الخلق إلاّ موسى عليه السّلام وحده في كلامه إياه أوّلا فأمّا كلامه إيّاه في المرّة الثانية فإنّه إنّما أسمع ذلك موسى عليه السّلام و السبعين الذين كانوا معه، و حجب عن جميع الخلق سواهم. فهذا معنى قوله عزّ و جلّ: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ ، لأنّ الكلام هو الذي كان محجوبا عن الناس.

و قد يقال: إنّه تعالى حجب عنهم موضع الكلام الذي أقام الكلام فيه؛ فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه؛ لأنّ الكلام عرض لا يقوم إلاّ في جسم.

و لا يجوز أن يكون أراد بقوله: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أنّ اللّه تعالى كان‏ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ يكلّم عباده؛ لأنّ الحجاب لا يجوز إلاّ على الأجسام المحدودة.

قال: و عنى بقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إرساله ملائكة بكتبه و كلامه إلى أنبيائه عليهم السّلام، ليبلّغوا عنه ذلك عباده على سبيل إنزاله القرآن على محمد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و إنزاله سائر الكتب على أنبيائه؛ فهذا أيضا ضرب من الكلام الذي يكلّم اللّه تعالى عباده و يأمرهم فيه بطاعته، و ينهاهم عن معاصيه؛ من غير

325

أن يكلّمهم على سبيل ما كلّم به موسى، و هذا الكلام هو خلاف الوحي الذي ذكره اللّه تعالى في أوّل الآية لأنّه قد أفصح تعالى لهم في هذا الكلام بما أمرهم به و نهاهم عنه. و الوحي الذي ذكره تعالى في أوّل الآية إنّما هو تنبيه و خاطر، و ليس فيه إفصاح.

و هذا الذي ذكره أبو علي أيضا سديد، و الكلام محتمل لما ذكره.

و يمكن في الآية وجه آخر: و هو أن يكون المراد بالحجاب البعد و الخفاء، و نفي الظهور. و قد تستعمل العرب لفظة «الحجاب» فيما ذكرناه؛ يقول أحدهم لغيره إذا استبعد فهمه، و استبطأ فطنته: بيني و بينك حجاب، و تقول للأمر الذي تستبعده و تستصعب طريقه؛ بيني و بين هذا الأمر حجب و موانع و سواتر؛ و ما جرى مجرى ذلك؛ فيكون معنى الآية: أنّه تعالى لم يكلّم البشر إلاّ وحيا؛ بأن يخطر في قلوبهم، أو بأن ينصب لهم أدلّة تدلّهم على ما يريده أو يكرهه منهم؛ فيكون من حيث نصبها للدلالة على ذلك و الإرشاد إليه مخاطبا و مكلّما للعباد بما يدلّ عليه. و جعل هذا الخطاب من وراء حجاب من حيث لم يكن مسموعا- كما يسمع الخاطر و قول الرسول-و لا ظاهرا معلوما لكلّ من أدركه؛ كما أنّ أقوال الرسل المؤدّين عنه تعالى من الملائكة بهذه الصفة. فصار الحجاب هاهنا كناية عن الخفاء و عبارة عمّا تدلّ عليه الدلالة. و ليس لأحد أن يقول: إنّ الذي تدلّ عليه الأجسام من صفاته تعالى و أحواله و مراده. و لا يقال: إنّه تعالى مكلّم لنا به و ذلك أنّ غير ممتنع على سبيل التجوّز أن يقال فيما يدلّ عليه الدليل الذي نصبه اللّه تعالى ليدلّ على مراده، و يرشد إليه: إنّه مكلّم لنا و مخاطب به؛ و لا يمتنع المسلمون أن يقولوا: إنّه تعالى خاطبنا بما دلّت عليه الأدلة العقلية، و أمرنا بعبادته و اجتناب ما كرهه منا، و فعل ما أراده، و هكذا يقولون فيمن فعل فعلا يدل على أمر من الأمور: قد خاطبنا فلان بما فعل من كذا و كذا، و قال لنا، و أمرنا؛ و زجرنا، و ما أشبه ذلك من الألفاظ التي يجرونها على الكلام الحقيقي.

و هذا الاستعمال أكثر و أظهر من أن يورد أمثاله و نظائره‏ (1) .

____________

(1) الأمالي، 2: 177.

غ

326

- وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- أَلاََ إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ [الشورى: 53].

أنظر البقرة: 1 من الرسائل، 3: 297، 305.

327

سورة الزّخرف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً... [الزخرف: 19].

أنظر المائدة: 60 من الأمالي، 2: 161.

- مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَخْرُصُونَ [الزخرف: 20].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا أَ جَعَلْنََا مِنْ دُونِ اَلرَّحْمََنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45].

[إن سأل سائل عن هذه الآية].

قلنا[له‏]: قد ذكر في هذه الآية وجوه:

أوّلها: أن يكون المعنى، و سل تبّاع من أرسلنا قبلك من رسلنا؛ و يجرى ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، و الشعر زهير؛ يريدون السخاء سخاء حاتم، و الشعر شعر زهير و أقاموا حاتما مقام السخاء المضاف إليه؛ و مثل قوله تعالى:

وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ (1) ، و مثله قول شاعر:

لهم مجلس صهب السّبال أذلّة # سواسية أحرارها و عبيدها

و المأمور بالسؤال في ظاهر الكلام النبي «عليه و آله السلام» ؛ و هو في المعنى لأمته؛ لأنه عليه السّلام لا يحتاج إلى السؤال؛ لكنّه خوطب خطاب أمته، كما قال تعالى: المص (1) `كِتََابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلاََ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ (2) فأفرده اللّه تعالى بالمخاطبة، ثمّ رجع إلى خطاب أمته فقال: اِتَّبِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 177.

(2) سورة الأعراف، الآيتان: 1، 2.

328

رَبِّكُمْ (1) ، و في موضع آخر: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللََّهَ وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ (2) فخاطبه عليه السّلام و المعنى لأمته، لأنه بيّن بقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (3) ، و قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ (4) فوحّد و جمع في موضع واحد و ذلك للمعنى الذي ذكرناه.

و قال الكميت:

إلى السّراج المنير أحمد لا # تعدلني رغبة و لا رهب

عنه إلى غيره و لو رفع النّا # س إليّ العيون و ارتقبوا

لو قيل أفرطت بل قصدت و لو عنـ # فني القائلون، أو ثلبوا

لجّ بتفضيلك اللّسان و لو كـ # ثر فيك الضّجاج و اللّجب

أنت المصفّى المهذّب المحض في التشـ # بيه إن نصّ قومك النسب‏

فظاهر الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و المقصود به أهل بيته عليهم السّلام، لأنّ أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله عليه السّلام و الإطناب في وصف فضائله و مناقبه؛ و لا يعنّف في ذلك أحدا، و إنّما أراد الكميت: و إن أكثر في أهل بيته و ذريته السلام الضجاج و اللجب و التقريع و التعنيف، فوجّه القول إليه عليه و المراد غيره، و لذلك وجه صحيح و هو أنّ المراد بموالاتهم و الانحياز إليهم و الانقطاع إلى حبهم؛ لما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم هو المقصود بذلك أجمع جاز أن يخرج الكميت الكلام هذا المخرج، و يضعه هذا الموضع.

و قيل: إنّ المراد بتبّاع الأنبياء الذين أمر بمسألتهم هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام و نظرائه، و لا يمتنع أن يكون هو المأمور بالمسألة على الحقيقة كما يقتضيه ظاهر الخطاب، و إن لم يكن شاكّا في ذلك، و لا مرتابا به.

و يكون الوجه فيه تقرير أهل الكتاب به، و إقامة الحجّة عليهم باعترافهم، أو لأنّ بعض مشركي العرب أنكر أن تكون كتب اللّه المتقدّمة و أنبياؤه الآتون بها دعت

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 3.

(2) سورة الأحزاب، الآية: 1.

(3) سورة الأحزاب، الآية: 2.

(4) سورة الطلاق، الآية: 1.

329

إلى التوحيد، فأمر صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بتقرير أهل الكتاب بذلك دعت لنزول الشبهة عمن اعترضته.

و الجواب الثاني: أن يكون السؤال متوجّها إليه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم دون أمّته، و المعنى:

إذا لقيت النبيين في السماء فاسألهم عن ذلك؛ لأنّ الرواية قد وردت بأنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لقي النبيين في السماء فسلّم عليهم و أمّهم؛ و لا يكون أمره بالسؤال لأنّه كان شاكا، لأنّ مثل ذلك لا يجوز عليه الشكّ فيه؛ لكن لبعض المصالح الراجعة إلى الدين؛ إمّا لشي‏ء يخصّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، أو يتعلّق ببعض الملائكة الذين يستمعون ما يجري بينه و بين النبيين من سؤال و جواب.

و الجواب الثالث: ما أجاب به ابن قتيبة، و هو أن يكون المعنى: و سل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا-يعني أهل الكتاب.

و هذا الجواب-و إن كان يوافق في المعنى الجواب الأوّل-فبينهما خلاف في تقدير الكلام و كيفية تأويله، فلهذا صارا مفترقين.

و قد ردّ على ابن قتيبة هذا الجواب، و قيل: إنّه أخطأ في الإعراب؛ لأنّ لفظة «إليه» لا يصحّ إضمارها في هذا الموضع؛ لأنّهم لا يجيزون: «الذي جلست عبد اللّه» ، على معنى «الذي جلست إليه» ، لأنّ «إليه» حرف منفصل عن الفعل، و المنفصل لا يضمر، فلمّا كان القائل إذا قال: «الذي أكرمت إياه عبد اللّه» لم يجز أن يضمر «إياه» ؛ لانفصاله من الفعل كانت لفظة «إليه» بمنزلته.

و كذلك لا يجوز: «الذي رغبت محمد» ، بمعنى «الذي رغبت فيه محمد» ؛ لأنّ الإضمار إنّما يحسن في الهاء المتعلّقة بالفعل كقولك: «الذي أكلت طعامك» ، و «الذي لقيت صديقك» ، معناهما: الذي أكلته و لقيته.

و قال الفرّاء: إنّما حذفت «الهاء» لدلالة الذي عليها. و قال غيره في حذفها غير ذلك؛ و كلّ هذا ليس ممّا تقدّم في شي‏ء فصحّ أنّ جواب ابن قتيبة مستضعف، و المعتمد ما تقدّم‏ (1) .

____________

(1) الأمالي، 2: 71.

330

[انظر أيضا البقرة 26 و 27 من الرسائل 2: 177 إلى 247 رسالة انقاذ البشر من الجبر و القدر].

- وَ نََادَوْا يََا مََالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنََا رَبُّكَ... [الزخرف: 77].

أنظر الانشراح: 1، 2، 3 من التنزيه: 161.

- وَ لاََ يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ اَلشَّفََاعَةَ إِلاََّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: 86].

[إن سأل سائل عن هذه الآية]قلنا: أمّا اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فالمراد به ما كان يعتقده المشركون، و يدعونه إلها من دون اللّه. و الهاء في‏ دُونِهِ راجعة إلى اسم اللّه تعالى. و تحقيق الكلام: و لا يملك الذين يدعون إلها و أربابا من دون اللّه تعالى الشفاعة. و لمّا كثر استعمال هذه اللفظة فيمن يعبد من دون اللّه، و يدعى إلها رازقا استحسنوا الحذف لظهور الأمر في المراد؛ و لهذا حمل محققو المفسّرين قوله تعالى: قُلْ مََا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لاََ دُعََاؤُكُمْ (1) الآلهة من دونه، و حذف ما يتعلّق بهذا الدعاء في هذه الآية أشكل من حذفه في قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ؛ لأنّ قوله «جلّ و عزّ» : مِنْ دُونِهِ قد نبّه و أيقظ على أنّ المراد: من كان يدعى إلها من دونه.

و الآية الأخرى لا دليل فيها من لفظها على ما يتعلّق به قوله: دُعََاؤُكُمْ .

معنى أنّهم لا يملكون الشفاعة، أي ليس لهم أن يفعلوها و يتصرّفوا فيها؛ لأنّ معنى المالك ليس هو إلاّ من كان قادرا على التصرّف فيه و ليس لأحد أن يمنعه من ذلك؛ و الشفاعة قد بيّنا في غير موضع من كتبنا أنّها لا تستعمل على طريقة الحقيقة إلاّ في طلب إسقاط المضارّ؛ و إنّما استعملت في إيصال المنافع تجوّزا فيه و استعارة.

و قيل في معنى الآية وجهان:

أحدهما: أنّ المعبودين من عيسى و من مريم و الملائكة و عزيز عليهم السّلام؛ لا

____________

(1) سورة الفرقان، الآية: 77.

331

يملك الشفاعة عند اللّه تعالى‏[أحد منهم‏]في أحد إلاّ فيمن شهد بالحقّ، و أقرّ التوحيد، و بجميع ما يجب عليه الإقرار به.

و الوجه الآخر: أنّ الذين يدعون من دون اللّه من البشر و الأجسام و جميع المعبودات لا يملك الشفاعة عند اللّه إلاّ من شهد بالحقّ منهم يعني عيسى و عزيرا و الملائكة عليهم السّلام؛ لا يملكون الشفاعة عند اللّه تعالى إلاّ إذا كانوا على الحقّ شاهدين به؛ معترفين بجميعه؛ فإنّهم يملكون الشفاعة عند اللّه؛ و إن كان لا يملكها ما عداهم من المعبودات.

و الفرق بين الوجهين أنّ الوجه الأوّل يرجّح الاستثناء فيه إلاّ من تتناوله الشفاعة؛ و في الوجه الثاني يرجّح الاستثناء إلى الشافع دون المشفوع فيه.

فإن قيل: أيّ الوجهين أرجح؟.

قلنا: الثاني؛ و إنّما رجّحناه لأنّ المقصد بالكلام أنّ الذين يدعونهم من دون اللّه تعالى لا يملكون لهم نفعا؛ كما قال تعالى في مواضع أنّهم لا ينفعونكم، و لا يضرّونكم، و لا يرزقونكم؛ و وضع الكلام على نفي منفعة تصل إليهم من جهتهم؛ و لا غرض في عموم من يشفعون فيه أو خصوصه.

و لمّا كان فيمن عبدوه من نبيّ أو ملك من يجوز أن يشفع فيمن تحسن الشفاعة له، وجب استثناؤه حتى لا يتوهّم أنّ حكم جميع من عدّده واحد؛ في أنّه لا تصحّ منه الشفاعة؛ و أنّ من كان تصحّ منه الشفاعة إنّما يشفع فيمن تحسن الشفاعة له ممّن لم يكن كافرا و لا جاحدا.

و يترجّح هذا الوجه من جهة أخرى؛ و هي أنّا لو جعلنا الاستثناء يرجع إلى من يشفع فيه لكان الكلام يقتضي أنّ جميع من يدعون من دون اللّه يشفع لكلّ من شهد بالحقّ، و الأمر بخلاف ذلك؛ لأنّه ليس كلّ من عبدوه من دون اللّه تعالى تصحّ منه الشفاعة؛ لأنّهم عبدوا الأصنام، و بعض عبد الكواكب و الشفاعة لا تصحّ منها؛ فلا بدّ من أن تخصّص الكلام و نقدّره هكذا: لا يملك بعض الذين يدعون من دونه الشفاعة إلاّ فيمن شهد بالحقّ؛ فعود الاستثناء إلى الشافعين أولى؛ حتى يتخصّص.

332

و أيضا فلو عاد الاستثناء إلى المشفوع فيه لوجب أن يكون على غير هذه الصيغة فيقول: «إلاّ فيمن شهد بالحقّ» و إذا قال: «إلاّ من شهد بالحقّ» كان ذلك بأن يرجع إلى الشافع أولى؛ لأنّه أليق باللفظ، لأنّا إذا أردنا أن نستثني من جماعة لا يشفعون قلنا: هؤلاء لا يشفعون إلاّ من كان بصفة كذا؛ و إذا كان الاستثناء ممّن يشفع فيه قلنا: لا يشفعون إلاّ فيمن صفته كذا.

و أيضا فعلى الوجه الأوّل و قد تقدّم عموم ظاهر في اللفظة يجوز أن يستثنى منه و هو قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ و ما جرى ذكر المشفوع فيه عموما يستثنى بعض.

فإن قيل: الشفاعة لفظ جنس، يقتضي العموم.

قلنا: قد بيّنّا في غير موضع أنّ ألفاظ الجنس لا تقتضي الاستغراق، و ضربنا المثل بمن يقول: هذه أيّام أكل اللحم، و زمان لبس الجباب، فإنّه يقتضي الجنس من غير استغراق. و إن توهّم خصوص أو عموم فخطؤهما لا يعقل.

فإن قيل: أيّ فائدة في قوله تعالى‏ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ و بأيّ شي‏ء يتعلّق علمهم.

قلنا: ليس كلّ من شهد بالحقّ يكون عالما؛ لأنّ المقلّد و المبخّت ربّما شهد بالحقّ على وجه لا ينفع؛ و إنّما لا ينفع ذلك من العلم فكأنّه تعالى قال وَ هُمْ يَعْلَمُونَ صحّة ما شهدوا به.

فإن قيل: إذا كان المستثنى هم الأنبياء و الملائكة فهؤلاء لا يشهدون بالحقّ إلاّ مع العلم.

قلنا: ذلك صحيح إلاّ أنّ الاستثناء لمّا تناول في اللفظة من كان يصفه، و كان مجرّد هذه اللفظة لا ينفع في المعنى المقصود إلاّ مشروطا بالعلم وجب اشتراط العلم؛ ليعلم افتقاد تلك الصفة فيمن كانت إليه؛ و هذا واضح.

فإن قيل: هذا الوجهان اللّذان ذكرتموهما، و رجّحتم أحدهما يقتضيان مشاركة نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في الشفاعة للمذنبين؛ و من مذهب المسلمين أنّه ينفرد بالشفاعة.

333

قلنا: ليس فيما ذكر تضعيف لهذين الجوابين من وجوه:

أحدها: أنّ انفراده صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بالشفاعة للمذنبين حتّى لا يشاركه أحد فيها ليس بمعلوم و لا مقطوع عليه؛ و إنّما يرجع فيه إلى أقوال قوم غير محصّلين؛ ألا ترى أنّ عند المسلمين كلّهم إلاّ عند المعتزلة و من وافقهم أنّ للمؤمنين شفاعة بعضهم في بعض!فكيف يدّعي الاختصاص في هذه الرتبة!

و ثانيها: أنّ المزية المدّعاة لنبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في الشفاعة إنّما هي على الأنبياء المتقدّمين دون الملائكة؛ لأنّ لا خلاف في أنّ للملائكة شفاعة، و قد نطق القرآن بذلك فقال: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (1) .

و إذا كان الأمر على ما ذكرناه فالاستثناء يعود إلى الملائكة عليهم السّلام؛ لأنّهم من جملة المعبودين، فلا يمنع نفي الشفاعة عن الكلّ أن يستثنوا لأنّ لهم شفاعة.

و ثالثها: أنّ الشفاعة قد تكون إلى اللّه تعالى و إلى غيره؛ فإن ثبت ما ادّعي من تفرّد نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بالشفاعة عند اللّه تعالى في مذنبي أمّته، جاز أن تثبت الشفاعة لغيره عند غير اللّه تعالى؛ فكأنّه قال: أنتم تعبدون من لا يشفع فيكم في الدنيا و لا ينصركم؛ و استثني من يجوز عليه أن يشفع في الدنيا.

و رابعها: أن يكون المراد بالشفاعة هاهنا النصرة و المعونة و المنفعة؛ لأنّ الشفاعة فيمن تتناوله نفع يوصل إليه؛ و إرادة الشفاعة في الأمّة معنى الشفاعة، و هو المنفعة و النصرة؛ و تقدير الكلام: إنّكم تعبدون من لا ينفعكم و لا يضرّكم و لا يعينكم؛ و لمّا كان في جملة هؤلاء المعبودين من يصحّ أن يضرّ و ينفع استثني؛ ليبيّن أنّ حكمهم مفارق لحكم غيرهم؛ و هذا بيّن لمن تأمّله‏ (2) .

____________

(1) سورة الأنبياء، الآية: 28.

(2) الأمالي، 2: 306.

غ

334

سورة الدّخان‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا قَوْماً آخَرِينَ (28) `فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مََا كََانُوا مُنْظَرِينَ (29) [الدخان: 28-29].

[إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تبارك و تعالى مخبرا عن مهلك قوم فرعون و توريثه نعمهم‏]و كيف يجوز أن يضيف البكاء إليهما، و هو لا يجوز في الحقيقة عليهما؟.

و الجواب: يقال له في هذه الآية وجوه أربعة من التأويل:

أوّلها: أنّه تعالى أراد أهل السماء و الأرض فحذف كما حذف في قوله:

وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ (1) ؛ و في قوله تعالى: حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا (2) ؛ أراد أهل القرية، و أصحاب الحرب، و يجري ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، يريدون:

السخاء سخاء حاتم؛ قال الحطيئة (3) :

و شرّ المنايا ميّت وسط أهله # كهلك الفتى قد أسلم الحيّ حاضره‏

أراد شرّ المنايا ميتة ميّت، و قال الآخر:

قليل عيبه و العيب جمّ # و لكنّ الغنى ربّ غفور (4)

____________

(1) سورة يوسف، الآية: 82.

(2) سورة محمّد، الآية: 4.

(3) البيت في طبقات الشعراء لابن سلام ص 95؛ ضمن أبيات أربعة للحطيئة لم تذكر في ديوانه. و في حاشية بعض النسخ: «قال السيد الإمام رحمه اللّه: طلبت هذا البيت في شعر الحطيئة فلم أجده فيه» .

(4) البيت لعروة بن الورد، و هو في ملحقات ديوانه: 198، و هو في شرح المقامات: 2/192، و البيان: 1/95، و العقد: 1/212.

335

أراد: غنى ربّ غفور و قال ذو الرّمة:

لهم مجلس صهب السّبال أذلّة # سواسية أحرارها و عبيدها (1)

أراد أهل مجلس، و أمّا قوله: «صهب السّبال» فإنّما أراد به الأعداء و العرب تصف الأعداء بذلك، و إن لم يكونوا صهب الأسبلة، و قوله: «سواسية» يريد أنّهم مستوون متشابهون؛ و لا يقال هذا إلاّ في الذمّ.

و ثانيها: أنّه أراد تعالى المبالغة في وصف القوم بصغر القدر، و سقوط المنزلة؛ لأنّ العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت: كسفت الشمس لفقده، و أظلم القمر، و بكاه الليل و النهار و السماء و الأرض، يريدون بذلك المبالغة في عظم الأمر و شمول ضرره؛ قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:

الشّمس طالعة ليست بكاسفة # تبكي عليك نجوم الليل و القمرا

و قال يزيد بن مفرّغ الحميريّ:

الرّيح تبكي شجوها # و البرق يلمع في الغمامة (2)

و هذا صنيعهم في وصف كل أمر جلّ خطبه، و عظم موقعه؛ فيصفون النهار بالظلام، و أن الكواكب طلعت نهارا لفقد نور الشمس وضوئها؛ قال النابغة:

تبدو كواكبه و الشّمس طالعة # لا النّور نور و لا الإظلام إظلام‏ (3)

و قال طرفة:

إن تنوّله فقد تمنعه # و تريه النجم يجري بالظهر (4)

و من هذا قولهم: لأريّنك الكواكب بالنهار، و معناه أورد عليك ما يظلم له في عينك النهار، فتظنّه ليلا ذا كواكب.

____________

(1) ديوانه 157 و في حاشية بعض النسخ: «العرب إنّما تسمّي الأعداء صهب السبال؛ لأنّ أعداءهم كانوا من الروم؛ و الروم صهب الأسبلة، ثمّ اتّسعوا فسمّوا كلّ عدوّ صهب السبال؛ و إن لم يكن من الروم، و القريب من هذا يصفون الأعداء بالزرق العيون» .

(2) الأغاني: 17/54-55.

(3) ديوانه: 72.

(4) ديوانه: 65.

336

فأمّا بيت جرير فقد قيل في انتصاب النجوم و القمر وجوه ثلاثة:

أحدها: أنّه أراد الشمس طالعة و ليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل و القمر، لأنّ عظم الرزء قد سلبها ضوءها؛ فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب.

و الوجه الثاني: أن يكون انتصاب ذلك كما ينتصب في قولهم: لا أكلّمك الأبد و الدهر، و طوال المسند، و ما جرى مجرى ذلك، فكأنّه أخبر بأنّ الشمس تبكيه ما طلعت النجوم و ظهر القمر.

و الوجه الثالث: أن يكون القمر و نجوم الليل باكين الشمس على هذا المرثي المفقود، فبكتهن؛ أي غلبتهنّ بالبكاء؛ كما تقول: باكاني عبد اللّه فبكيته، و كاثرني فكثرته، أي غلبته و فضلت عليه.

و ثالثها: أن يكون معنى الآية الاخبار عن أنّه لا أحد أخذ بثأرهم و لا انتصر لهم، لأنّ العرب كانت لا تبكي على قتيل إلاّ بعد الأخذ بثأره، و قتل من كان بواء به من عشيرة القاتل، فكنّي تعالى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار، و الأخذ بالثأر؛ على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن.

و رابعها: أن يكون ذلك كناية عن أنّه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء. و يطابق هذا التأويل ما روي عن ابن عباس رحمه اللّه في قوله تعالى: فَمََا بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّمََاءُ وَ اَلْأَرْضُ قيل له: أو تبكيان على أحد؟فقال:

نعم، مصلاّه في الأرض، و مصعد عمله في السماء. و روى أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «ما من مؤمن إلاّ و له باب يصعد منه عمله، و باب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه» ، و معنى البكاء ههنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال: بكى منزل فلان بعده، قال ابن مقبل:

لعمر أبيك لقد شاقني # مكان حزنت له أو حزن‏

و قال مزاحم العقيليّ:

بكت دارهم من أجلهم و تهلّلت # دموعي فأيّ الجازعين ألوم‏ (1)

____________

(1) ديوانه: 15-16.

337

أمستعبرا يبكي من الهون و البلى # و آخر يبكي شجوه و يئيم‏ (1)

فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر اللّه عن بوارهم مقام صالح في الأرض، و لا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال: فما بكت عليهم السماء و الأرض.

و يمكن في الآية وجه خامس، و هو أن يكون البكاء فيها كناية عن المطر و السّقيا؛ لأنّ العرب تشبّه المطر بالبكاء، و يكون معنى الآية أنّ السماء لم تسق قبورهم، و لم تجد عليهم بالقطر؛ على مذهب العرب المشهور في ذلك؛ لأنّهم كانوا يستسقون السحاب لقبور من فقدوه من أعزائهم، و يستنبتون لمواضع حفرهم الزّهر و الرّياض؛ قال النابغة:

فما زال قبر بين تبنى و جاسم # عليه من الوسميّ طلّ و وابل‏ (2)

فينبت حوذانا و عوفا منوّرا # سأتبعه من خير ما قال قائل‏ (3)

و كانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام‏ (4) ، و مسألة اللّه لهم الرضوان، و الفعل الذي أضيف إلى السماء-و إن كان لا يجوز إضافته إلى الأرض-فقد

____________

(1) حاشية بعض النسخ: «المستعبر: الذى يأتي بالعبرة، و هي سين الطلب، و «مستعبرا» ، بدل الجازعين. و يهيم، أي يصير هائما، قال اللّه تعالى: فِي كُلِّ وََادٍ يَهِيمُونَ .

(2) ديوانه: 62. و الرواية فيه:

سقى الغيث قبرا بين بصرى و جاسم # بغيث من الوسميّ قطر و وابل‏

و تبنى و جاسم: موضعان بالشام. و في حاشية بعض النسخ: «الوسمي: أول المطر، و هو الذي يأتي في الخريف، و الخريف عند العرب ربيع، و الربيع صيف، و الصيف قيظ» .

(3) حاشية بعض النسخ: «فينبت، النصب في جواب التمني، و الحوذان: نبت، يقال له بالفارسية مشكك، و عوف: نبت أيضا و منورا، أخرج النور» .

و قال البطليوسي شارح الديوان: «الحوذان و العوف نباتان؛ إلاّ أن الحوذان أطيب رائحة؛ و أنشد سيبويه هذا البيت بالرفع؛ و لم يجعله جوبا؛ أراد: و ذلك ينبت حوذانا، أي ينبت الحوذان على كل حال» .

(4) حاشية بعض النسخ: «قال مولانا «رحمة اللّه عليه» عن ابن الأعرابي: إن العرب إنّما تستسقي القبور لأنها إذا سقيت و عم القطر أعشب المكان؛ فحضره القوم للرعي، و ترحموا على الموتى» .

338

يصحّ عطف الأرض على السماء بأن يقدّر لها فعل يصحّ نسبته إليها، و العرب تفعل مثل هذا؛ قال الشاعر:

يا ليت زوجك في الوغى # متقلّدا سيفا و رمحا (1)

فعطف الرمح على السيف، و إن كان التقلّد لا يجوز فيه، لكنّه أراد حاملا رمحا، و مثل هذا يقدّر في الآية، فيقال: إنّه تعالى أراد أنّ السماء لم تسق قبورهم، و أنّ الأرض لم تعشب عليها؛ و كلّ هذا كناية عن حرمانهم رحمة اللّه تعالى و رضوانه‏ (2) .

- ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ [دخان: 49].

أي أنت كذلك عند نفسك و بين قومك، و يقول أحدنا: فلان بقية هذه الأمة، و زيد شاعر هذا العصر، و هو لا يريد إلاّ أنه كذلك في اعتقاد أهل العصر دون أن يكون على الحقيقة بهذه الصفة (3) .

____________

(1) حواشي بعض النسخ: «روي: «قد غدا متقلدا» ؛ و إذا روي «في الوغى» كان «متقلدا» نصبا على الحال. و قوله: «في الوغى» خبر ليت» .

(2) الأمالي، 1: 75.

(3) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 3: 113، و راجع أيضا الرسائل، 1: 433 و 2: 61 و الناصريات: 410.

339

سورة الجاثية

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ قََالُوا مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ وَ مََا لَهُمْ بِذََلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ [الجاثية: 24].

روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ الدّهر هو اللّه» . و قد ذكر قوم في تأويل هذا الخبر أنّ المراد به لا تسبّوا الدهر، فإنّه لا فعل له، و إنّ اللّه مصرّفه و مدبّره، فحذف من الكلام ذكر المصرّف و المدبّر و قال: «هو الدهر» .

و في هذا الخبر وجه هو أحسن من ذلك الذي حكيناه، و هو أنّ الملحدين، و من نفي الصانع من العرب كانوا ينسبون ما ينزل بهم من أفعال اللّه كالمرض و العافية، و الجدب و الخصب، و البقاء و الفناء إلى الدّهر، جهلا منهم بالصّانع جلّت عظمته، و يذمّون الدهر و يسبّونه في كثير من الأحوال، من حيث اعتقدوا أنّه الفاعل بهم هذه الأفعال، فنهاهم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن ذلك و قال لهم: لا تسبّوا من فعل بكم هذه الأفعال ممّن تعتقدون أنّه الدّهر، فإنّ اللّه تعالى هو الفاعل لها. و إنّما قال: إنّ اللّه هو الدّهر من حيث نسبوا إلى الدّهر أفعال اللّه؛ و قد حكى اللّه تعالى سبحانه عنهم قولهم: مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا وَ مََا يُهْلِكُنََا إِلاَّ اَلدَّهْرُ . و قال لبيد:

في قروم سادة من قومه # نظر الدّهر إليهم فابتهل‏ (1)

____________

(1) ديوانه: 80. و في حاشية بعض النسخ: «قروم، جمع قرم؛ و هو سيد و شريف و كريم؛ و ابتهل؛ من المباهلة، أي تضرع و ذل» .

340

أي دعا عليهم. و قال عمرو بن قمئة (1) :

كأنّي و قد جاوزت تسعين حجّة # خلعت بها عنّي عذار لجامي

على الرّاحتين مرّة و على العصا # أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامي

رمتني بنات الدّهر من حيث لا أرى # فكيف بمن يرمي و ليس برامي

فلو أنّها نبل إذا لاتّقيتها # و لكنّني أرمى بغير سهام

إذا ما رآني النّاس قالوا ألم تكن # جليدا حديد الطّرف غير كهام

و أفني و ما أفني من الدّهر ليلة # و لم يغن ما أفنيت سلك نظام

و أهلكني تأميل يوم و ليلة # و تأميل عام بعد ذاك و عام‏

و قال الأصمعيّ: ذمّ أعرابيّ رجلا فقال: هو أكثر ذنوبا من الدهر؛ و أنشد الفراء (2) :

حنتني حانيات الدّهر حتّى # كأنّي خاتل أذنو لصيد

قصير الخطو يحسب من رآني # و لست مقيّدا أنّي بقيد

و قال كثيّر:

و كنت كذي رجلين رجل صحيحة # و رجل رمى فيها الزّمان فشلّت‏

و قال آخر (3) :

فاستأثر الدّهر الغداة بهم # و الدّهر يرميني و ما أرمي

يا دهر قد أكثرت فجعتنا # بسراتنا و وقرت في العظم‏

____________

(1) الأبيات في المعمرين 62، و حماسة البحتري 321.

(2) البيتان في حماسة البحتري 323.

(3) هو الأعشى، و البيتان في محلقات ديوانه 258، و ثانيهما في اللسان (وقر) و في حاشية بعض النسخ:

بعدهما:

و سلبتنا ما لست تعقبنا # يا دهر ما أنصفت في الحكم‏

341

أما قوله: و قرت في العظم، أراد به: اتّخذت فيه وقرا، أو وقيرة، و الوقر هي الحفيرة العظيمة تكون في الصّفا يستنقع فيها ماء المطر، و الوقب أيضا كذلك، و الوقيرة أيضا الحفيرة إلاّ أنّها دون الأوليين في الكبر.

و كلّ هؤلاء الذين روينا أشعارهم نسبوا أفعال اللّه التي لا يشاركه فيها غيره إلى الدهر، فحسن وجه التأويل الذي ذكرناه‏ (1) .

____________

(1) الأمالي، 1: 70.

342

سورة الأحقاف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ وَ مََا أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الأحقاف: 9].

[إن سأل سائل فقال: ]أ ليس قد وعد اللّه تعالى المؤمنين في عدّة مواضع من كتابه المجيد بالجنّة و الخلود في النعيم، فما معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ .

[قلنا: ]إنّه لا يجوز أن يريد النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بقوله: وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ الثواب أو العقاب و دخول الجنّة أو النار؛ لأنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عالم بأنّ الجنّة مأواه، و الثواب عاقبته، و لا يجوز أن يشكّ في أنّه ليس من أهل النار؛ و إن شكّ في ذلك من حال غيره، و المراد بالآية: إنّي لا أدري ما يفعل بي و لا بكم، من المنافع و المضارّ الدنيويّة؛ كالصحّة و المرض و الغنى و الفقر و الخصب و الجدب؛ و هذا المعنى صحيح واضح لا شبهة فيه.

و يجوز أيضا أن يريد أنّني لا أدري ما يحدثه اللّه تعالى من العبادات، و يأمرني به و إيّاكم من الشرعيّات، و ما ينسخ من الشرائع و ما يقرّ منها و يستدام؛ لأنّ ذلك كلّه مغيّب عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؛ و هذا يليق بقوله في أوّل الآية: قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ ؛ و في آخرها: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ (1) .

____________

(1) الأمالي، 2: 317 راجع أيضا الرسائل، 3: 105 و المتن هناك مغلوط جدّا.

غ

343

سورة محمّد

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا [محمّد: 4].

أنظر الدخان: 28، 29 من الأمالي، 1: 75.

- وَ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمََالَهُمْ (4) `سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بََالَهُمْ (5) [محمد: 4-5].

أنظر الفاتحة من الرسائل، 3: 287، 296 و البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا... [محمد: 11].

أنظر المائدة: 67 من الشافي، 2: 258.

- وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً [محمّد: 17].

أنظر الفاتحة من الرسائل، 3: 287، 296.

- فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحََامَكُمْ [محمد: 22]

أنظر التكوير: 8، 9 من الأمالي، 2: 240.

- وَ لَوْ نَشََاءُ لَأَرَيْنََاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمََاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ أَعْمََالَكُمْ [محمد: 30].

أنظر الحجر: 19 من الأمالي، 1: 40 و التوبة: 84 من الشافي، 1: 139 و النور: 2 الأمر الرابع من الانتصار: 242.

- وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ اَلْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ... [محمّد: 31].

أنظر طه: 5 من الملخص، 2: 211.

344

- وَ لاََ يَسْئَلْكُمْ أَمْوََالَكُمْ [محمّد: 36].

[فيها بحثان: ]

[الأوّل: ]و ممّا ظنّ انفراد الإمامية به القول: بأنّ الزكاة لا تجب إلاّ في تسعة أصناف: الدنانير و الدراهم و الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الابل و البقر و الغنم، و لا زكاة فيما عدا ذلك. و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك‏ (1) ، و حكى عن ابن أبي ليلى و الثوري و ابن حي أنه ليس في شي‏ء من الزروع زكاة إلاّ الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب‏ (2) و هذه موافقة للامامية.

و أبو حنيفة و زفر يوجبان العشر في جميع ما أنبتت الأرض إلا الحطب و القصب و الحشيش‏ (3) . و أبو يوسف و محمد يقولان لا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية و لا شي‏ء في الخضروات‏ (4) .

و قال مالك: الحبوب كلها فيها الزكاة و في الزيتون‏ (5) . و قال الشافعي إنما تجب فيما ييبس و يقتات و يذخر مأكولا، و لا شي‏ء في الزيتون‏ (6) .

و الذي يدلّ على صحّة مذهبنا-مضافا إلى الإجماع-أنّ الأصل براءة الذمة من الزكوات و إنّما يرجع إلى الأدلة الشرعية في وجوب ما يجب منها، و لا خلاف فيما أوجبت الإمامية الزكاة فيه و ما عداه فلم يقم دليل قاطع على وجوب الزكاة فيه فهو باق على الأصل و هو قوله تعالى: وَ لاََ يَسْئَلْكُمْ أَمْوََالَكُمْ و المعنى أنّه لا يوجب حقوقا في أموالكم؛ لأنّه تعالى لا يسئلنا أموالنا إلاّ على هذا الوجه و هذا الظاهر يمنع من وجوب حقّ في الأموال فما أخرجناه منه فهو بالدليل القاطع و ما عداه باق تحت الظاهر، فإن تعلّقوا بقوله تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ (7) و أنّه عام في جميع الزروع و غيرها ممّا ذكره في الآية، فالجواب عنه أنّا لا نسلم أنّ قوله تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ يتناول العشر أو نصف العشر المأخوذ على سبيل الزكاة، فمن ادّعى تناوله لذلك فعليه الدلالة.

و عند أصحابنا أنّ ذلك يتناول ما يعطي المسكين و الفقير و المجتاز وقت

____________

(1 و 2) المغني (لابن قدامة) ، 2: 549، 550.

(3 و 4) المغني (لابن قدامة) ، 2: 549، 550.

(5 و 6) المغني (لابن قدامة) ، 2: 549، 550.

(7) سورة الأنعام، الآية: 141.

345

الحصاد من الحفنة و الضّغث، فقد رووا ذلك عن أئمتهم عليهم السّلام فمنه ما روي عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ قال: ليس ذلك الزكاة ألا ترى أنّه تعالى قال: وَ لاََ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُسْرِفِينَ* و هذه نكتة منه عليه السّلام مليحة؛ لأنّ النهي عن السرف لا يكون إلاّ فيما ليس بمقدّر، و الزكاة مقدرة.

و روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قيل له: يا ابن رسول اللّه و ما حقّه؟قال:

تناول منه المسكين و السائل‏ (1) ، و الأحاديث بذلك كثيرة، و يكفي احتمال اللفظ، و إن كان يقوي هذا التأويل أنّ الآية يقتضي أن يكون العطاء في وقت الحصاد، و العشر المفروض في الزكاة لا يكون في تلك الحال؛ لأنّ العشر مكيل و لا يؤخذ إلاّ من مكيل، و في وقت الحصاد لا يكون مكيلا و لا يمكن كيله، و إنّما يكال بعد جفافه و تذريته و تصفيته، فتعليق العطاء بتلك الحال لا يليق إلاّ بما ذكرناه.

و يقوي أيضا هذا التأويل ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من النهي عن الحصاد و الجذاذ بالليل‏ (2) ، فالجذاذ هو صرام النخل، و إنّما نهى عليه السّلام عن ذلك لما فيه من حرمان المساكين عمّا ينبذ إليهم من ذلك.

و ما يقوله قوم في هذه الآية من أنّها مجملة فلا دليل لهم فيها، ليس بصحيح؛ لأنّ الاجمال هو مقدار الواجب لا الموجب فيه، فإن قيل: قد سمّاه اللّه تعالى حقّا و ذلك لا يليق إلاّ بالواجب.

قلنا: قد يطلق إسم الحقّ على الواجب و المندوب إليه، و قد روى جابر أنّ رجلا قال: يا رسول اللّه هل علي حقّ في إبلي سوى الزكاة؟فقال عليه السّلام: نعم تحمل عليها و تسقي من لبنها، فان قالوا ظاهر قوله تعالى: وَ آتُوا حَقَّهُ يقتضي الوجوب و ما ذكرتموه ليس بواجب.

قلنا: إذا سلّمنا أنّ ظاهر الأمر في الشرع يقتضي الوجوب، كان لنا طريقان من الكلام، أحدهما: أن نقول: أنّ ترك ظاهر من الكلام ليسلم ظاهر آخر له

____________

(1) الوسائل، 6: 138 باب 14 من أبواب زكاة الغلاّت.

(2) سنن البيهقي، 4: 133.

346

كترك ذلك الظاهر ليسلم هذا، و أنتم إذا حملتم الأمر على الوجوب هاهنا تركتم تعلق العطاء بوقت الحصاد، و نحن إذا حملنا الأمر في الآية على الندب يسلم لنا ظاهر تعلّق العطاء بوقت الحصاد، و ليس أحد الأمرين إلاّ كصاحبه و أنتم المستدلّون بالآية فخرجت من أن تكون دليلا لكم.

و الطريق الآخر: انّا لو قلنا بوجوب هذا العطاء في وقت الحصاد و إن لم يكن مقدّرا بل موكولا إلى اختيار المعطى، لم تكن بعيدا من الصواب.

فان تعلقوا بقوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا كَسَبْتُمْ وَ مِمََّا أَخْرَجْنََا لَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ (1) فأنّ المراد بالنفقة هاهنا الصدقة بدلالة قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ (2) يعني لا يخرجون زكاتها.

فالجواب عن ذلك أنّ اسم النفقة لا يجري على الزكاة إلاّ مجازا، و لا يعقل من إطلاق لفظ الانفاق إلاّ ما كان في المباحات و ما جرى مجراها، ثم لو سلمنا ظاهر العموم لجاز تخصيصه ببعض الأدلة التي ذكرناها.

فإن قيل: كيف تدّعون إجماع الإمامية و ابن الجنيد يخالف في ذلك و يذهب إلى أنّ الزكاة واجبة في جميع الحبوب التي تخرجها الأرض، و إن زادت على التسعة الأصناف التي ذكرتموها (3) ؛ و روى في ذلك أخبارا كثيرة عن أئمتكم عليهم السّلام و ذكر أنّ يونس كان يذهب إلى ذلك.

قلنا: لا إعتبار بشذوذ ابن الجنيد و لا يونس و إن كان يوافقه، و الظاهر من مذهب الإمامية ما حكيناه‏ (4) .

و قد تقدّم إجماع الإمامية و تأخر عن ابن الجنيد و يونس، و الأخبار التي تعلّق ابن الجنيد بها الواردة من طريق الشيعة الإمامية (5) معارضة بأظهر و أكثر و أقوى

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 267.

(2) سورة التوبة، الآية: 34.

(3) مختلف الشيعة: 3: 195.

(4) وسائل الشيعة، 6: 120 باب 1 من أبواب زكاة الغلاّت.

(5) لا يوجد كتابه لدينا.

347

منها من رواياتهم المعروفة المشهورة، و يمكن حملها بعد ذلك على أنّها خرجت مخرج التقية، فانّ الأكثر من مخالفي الإمامية يذهبون إلى أنّ الزكاة واجبة في الأصناف كلّها، و إنّما يوافق الإمامية منهم الشاذّ النادر، و مما يقوي مذهبنا في هذه المسألة: أنّ الذرّة و العدس و كثيرا من الحبوب الخارجة من الحنطة و الشعير و التمر كانت معروفة بالمدينة و أكنافها، و ما نقل أحد من أهل السير عن أحد ممّن بعثه النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لأخذ الصدقة أنّه أخذ في جملة ما أخذ عدسا و لا ذرّة، كما رووا، و عيّنوا الحنطة و الشعير و التمر فدلّ ذلك على أنّه خارج عن أصناف ما يؤخذ منه الزكاة (1) .

[الثاني: ]و ممّا ظنّ انفراد الإمامية به نفي الزكاة عن عروض التجارة...

دليلنا على صحّة هذه المسألة كلّ شي، دلّلنا به على أنّ الزكاة لا تجب فيما عدا الأصناف التسعة التي عيّناها، و عروض التجارة خارجة عن تلك الأصناف فالطريقة تتناولها، و يمكن أن يعارضوا بما رووه عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: ليس على المسلم في عبده و لا فرسه صدقة (2) .

و عموم هذا الخبر يقتضي نفي الصدقة عمّا هو معرض للتجارة و عمّا ليس بمعرض لها؛ لأنّه عليه السّلام لم يفصل بينهما، و إذا ثبت نفي الصدقة عن العبد و الفرس و إن كان للتجارة ثبت فيما عداهما من العروض؛ لأنّ أحدا لم يفصّل بين الأمرين.

و أيضا؛ فانّ أصول الشريعة تقتضي أنّ الزكاة إنّما تجب في الأعيان لا الأثمان، و عروض التجارة عندهم إنّما تجب في أثمانها لا أعيانها، و ذلك مخالف لأصول الشريعة.

فان تعلّقوا بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ صَدَقَةً و أنّ عموم الآية بقوله يتناول عروض التجارة.

فالجواب عن ذلك: أنّ أكثر ما في هذه الآية أن يكون لفظها عموما

____________

(1) الانتصار: 75.

(2) صحيح البخاري، 2: 149.

348

و العموم معرض للتخصيص، و نحن نخصّ هذا العموم ببعض ما تقدّم من أدلّتنا، على أنّ مخالفينا لا بدّ لهم من ترك هذا الظاهر في عروض التجارة؛ لأنّهم يضمرون في تناول هذا اللفظ لعروض التجارة أن يبلغ قيمتها نصاب الزكاة، و هذا ترك للظاهر و خروج عنه، و لا فرق بينهم فيه و بيننا إذا حملنا اللفظة في الآية على الأصناف التي أجمعنا على وجوب الزكاة فيها، و إذا قمنا في ذلك مقامهم -و هم المستدلون بالآية-بطل استدلالهم.

و بمثل هذا الكلام نبطل تعلّقهم بقوله تعالى: وَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ (1) .

و يمكن في هذه الآية أن يقال: إنّها خرجت مخرج المدح لهم بما فعلوه، لا على سبيل إيجاب الحقّ في أموالهم؛ لأنّه تعالى قال: كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ (17) `وَ بِالْأَسْحََارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) `وَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ (19) (2) فأخرج الكلام كلّه مخرج المدح لهم بما فعلوه، و ليس في إيجاب اللّه تعالى في أموالهم حقا معلوما للسائل و المحروم مدحا لهم و لا ما يوجب الثناء عليهم، فعلم أنّ المعنى و يعطون من أموالهم حقا معلوما للسائل و المحروم، و ما يفعلونه من ذلك ليس بلازم أن يكون واجبا بل قد يكون نفلا و تطوعا، فقد يمدح الفاعل على ما يتطوّع به كما يمدح على فعل ما يجب عليه، و لا تعلّق لهم بقوله تعالى: وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ* ؛ لأنّ اسم الزكاة إسم شرعي و نحن لا نسلّم أنّ في عروض التجارة زكاة فيتناولها الاسم، فعلى من ادّعى ذلك أن يدلّ عليه. و لا تعلّق لهم بما روي عنه عليه السّلام من قوله: حصّنوا أموالكم بالصدقة (3) ، و أنّ لفظة الأموال يدخل تحتها عروض التجارة، و ذلك أنّه ليس في الظاهر إنّما يحصّن كلّ مال بصدقة منه، و ليس يمتنع أن تحصّن أموال التجارة و ما لا يجب فيه الزكاة بالصدقة ممّا يجب فيه الزكاة (4) .

____________

(1) سورة الذاريات، الآية: 19.

(2) سورة الذاريات، الآيات: 17-19.

(3) عوالي اللئالي، 1: 353.

(4) الانتصار: 78 و راجع أيضا الناصريات: 275.

349

سورة الفتح‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ [الفتح: 2].

[فان قيل: ما معنى هذه الآية]أو ليس هذا صريحا في أنّ له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ذنوبا و إن كانت مغفورة؟

الجواب: قلنا: أمّا من نفى عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم صغائر الذنوب مضافا إلى كبائرها، فله عن هذه الآية أجوبة نحن نذكرها و نبيّن صحيحها من سقيمها:

منها: أنّه تعالى أراد بإضافة الذنب إليه ذنب أبيه آدم عليه السّلام. و حسنت هذه الإضافة لاتّصال القربى، و عفوه لذلك من حيث أقسم آدم على اللّه تعالى به، فأبرّ قسمه، فهذا المتقدّم. و الذنب المتأخّر هو ذنب شيعته و شيعة أخيه عليه السّلام.

و هذا الجواب يعترضه أنّ صاحبه نفى عن نبيّ ذنبا و أضافه إلى آخر، و السؤال عليه فيمن أضافه إليه كالسؤال فيمن نفاه عنه.

و يمكن إذا أردنا نصرة هذا الجواب أن نجعل الذنوب كلّها لأمّته صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و يكون ذكر التقدّم و التأخّر إنّما أراد به ما تقدّم زمانه و ما تأخّر، كما يقول القائل مؤكّدا: «قد غفرت لك ما قدّمت و ما أخّرت و صفحت عن السالف و الآنف من ذنوبك» ، و لإضافه ذنوب أمّته إليه وجه في الاستعمال معروف؛ لأنّ القائل قد يقول لمن حضره من بني تميم أو غيرهم من القبائل: «أنتم فعلتم كذا و كذا و قتلتم فلانا» و إن كان الحاضرون ما شهدوا ذلك و لا فعلوه؛ و حسنت الإضافة للاتّصال و التسبّب و لا سبب أوكد ممّا بين الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و أمّته فقد يجوز توسّعا و تجوّزا أن تضاف ذنوبهم إليه.

350

و منها: أنّه سمى ترك الندب ذنبا، و حسن ذلك؛ لأنّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ممّن لا يخالف الأوامر إلاّ هذا الضرب من الخلاف و لعظم منزلته و قدره جاز أن يسمّي بالذنب منه ما إذا وقع من غيره لم يسمّ ذنبا.

و هذا الوجه يضعّفه-على بعد هذه التسمية-أنّه لا يكون معنى لقوله:

«انّني أغفر ذنبك» و لا وجه في معنى الغفران يليق بالعدول عن الندب.

و منها: أنّ القول خرج مخرج التعظيم، و حسن الخطاب، كما قلناه في قوله تعالى: عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ (1) ، و هذا ليس بشي‏ء؛ لأنّ العادة قد جرت فيما يخرج هذا المخرج من الألفاظ أن يجري مجرى الدعاء، مثل قولهم:

«غفر اللّه لك» ، «و ليغفر اللّه لك» و ما أشبه ذلك. و لفظ الآية بخلاف هذا؛ لأنّ المغفرة جرت فيها مجرى الجزاء و الغرض في الفتح.

و قد كنّا ذكرنا في هذه الآية وجها اخترناه و هو أشبه بالظاهر ممّا تقدّم، و هو أن يكون المراد بقوله: مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ الذنوب إليك؛ لأنّ الذنب مصدر و المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل و المفعول معا، ألا ترى أنّهم يقولون:

«أعجبني ضرب زيد عمرا» إذا أضافوه إلى الفاعل، «و أعجبني ضرب زيد عمرا» إذا أضافوه إلى المفعول؟و معنى المغفرة على هذا التأويل هي الإزالة و الفسخ و النسخ لأحكام أعدائه من المشركين عليه، و ذنوبهم إليه في منعهم إياه عن مكّة و صدّهم له عن المسجد الحرام.

و هذا التأويل يطابق ظاهر الكلام حتى تكون المغفرة غرضا في الفتح و وجها له، و إلاّ فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله: إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اَللََّهُ مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ معنى معقول؛ لأنّ المغفرة للذنوب لا تعلّق لها بالفتح، و ليست غرضا فيه.

و أمّا قوله تعالى: مََا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مََا تَأَخَّرَ ، فلا يمتنع أن يريد به ما تقدّم زمانه من فعلهم القبيح لك و لقومك و ما تأخّر.

____________

(1) سورة التوبة، الآية: 43، تقدّم تفسيره.

غ

351

و ليس لأحد أن يقول: إنّ سورة الفتح نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بين مكة و المدينة و قد انصرف من الحديبية، و قال قوم من المفسّرين: إنّ الفتح أراد به فتح خيبر؛ لأنّه كان تاليا لتلك الحال، و قال آخرون: بل أراد به أنّا قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا، فكيف يقولون ما لم يقله أحد من أن المراد بالآية فتح مكة، و السورة قد نزلت قبل ذلك بمدة طويلة؟و ذلك أنّ السورة و إن كانت نزلت في الوقت الّذي ذكر و هو قبل فتح مكّة، فغير ممتنع ان يريد بقوله تعالى‏ إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فتح مكّة، و يكون ذلك على طريق البشارة له و الحكم بأنّه سيدخل مكة و ينصره اللّه على أهلها، و لهذا نظائر في القرآن، و الكلام كثير.

و ممّا يقوي أنّ الفتح في السورة أراد به فتح مكّة قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاََ تَخََافُونَ فَعَلِمَ مََا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذََلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (1) فالفتح القريب ههنا هو فتح خيبر.

و أمّا حمل الفتح على القضاء الذي قضاه في الحديبية فهو خلاف الظاهر و مقتضى الآية؛ لأنّ الفتح بالإطلاق الظاهر منه الظفر و النصر. و يشهد بأن المراد بالآية ما ذكرناه قوله تعالى: وَ يَنْصُرَكَ اَللََّهُ نَصْراً عَزِيزاً .

فإن قيل: ليس يعرف إضافة المصدر إلى المفعول إلاّ إذا كان المصدر متعدّيا بنفسه، مثل قولهم: «أعجبني ضرب زيد عمرا» . و إضافة مصدر غير متعدّ إلى مفعوله غير معروفة.

قلنا: هذا تحكّم في اللسان و على أهله؛ لأنّهم في كتب العربية كلّها أطلقوا أنّ المصدر يضاف إلى الفاعل و المفعول معا، و لم يستثنوا متعدّيا من غيره، و لو كان بينهما فرق لبيّنوه و فصّلوه كما فعلوا في غيره، و ليس قلّة الاستعمال معتبرة في هذا الباب؛ لأنّ الكلام إذا كان له أصل في العربيّة استعمل عليه، و إن كان قليل الاستعمال. و بعد، فإنّ ذنبهم ههنا إليه إنّما هو صدّهم له عن المسجد الحرام و منعهم إيّاه عن دخوله، فمعنى الذنب متعدّ، و إذا كان معنى المصدر

____________

(1) سورة الفتح، الآية: 27.

352

متعدّيا جاز أن يجري‏[مجرى‏]ما يتعدّى بلفظه، فإنّ من عادتهم ان يحملوا الكلام تارة على معناه و أخرى على لفظه، ألا ترى إلى قول الشاعر:

جئني بمثل بني بدر لقومهم # أو مثل إخوة منظور بن سيّار

فأعمل الكلام على المعنى دون اللفظ؛ لأنّه لو أعمله على اللفظ دون المعنى لقال: «أو مثل» : بالجرّ، لكنّه لمّا كان معنى، «جئني» : أحضر، أو هات قوما مثلهم، حسن أن يقول: «أو مثل» بالفتح، و قال الشاعر:

درست و غيّر آيهنّ مع البلى # الاّ رواكد جمرهنّ هباء

و مشجّج‏ (1) أمّا سوار قذى له # فبدا و غيّب سارة المعزاء

فقال: «و مشجّج» بالرفع إعمالا للمعنى؛ لأنّه لمّا كان معنى قوله:

«الاّ رواكد» : أنّهن باقيات ثابتات، عطف على ذلك المشجّج بالرفع، و لو أجرى الكلام على لفظه لنصب المعطوف به. و أمثلة هذا المعنى كثيرة. و فيما ذكرناه كفاية بمشيئة اللّه تعالى‏ (2) .

- إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (8) `لِتُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً (9) [الفتح: 8، 9].

أنظر الطلاق: 2 الأمر الأول من الانتصار: 343 و الأعراف: 189، 190 من التنزيه: 29 إلى 31.

- يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10].

أنظر ص: 75 من الأمالي، 1: 532.

- سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ شَغَلَتْنََا أَمْوََالُنََا وَ أَهْلُونََا فَاسْتَغْفِرْ لَنََا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح: 11].

[قال القاضي: و قد ذكر شيخنا أبو عليّ من القرآن ما يدلّ على أن أبا بكر يصلح للإمامة و هو قوله: سَيَقُولُ لَكَ إلى آخر الآية]و قال: فَإِنْ رَجَعَكَ اَللََّهُ

____________

(1) مشجج-وتد.

(2) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 162.

353

إِلى‏ََ طََائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ اَلْخََالِفِينَ (1) و قال: سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى‏ََ مَغََانِمَ لِتَأْخُذُوهََا ذَرُونََا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونََا كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ (2) يعني قوله: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا (3) ثم قال: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقََاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اَللََّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَمََا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً (4) فتبيّن أنّ الذي يدعو هؤلاء المخلّفين من الأعراب إلى قتال قوم أولي بأس شديد غير النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؛ لأنّه تعالى قد بيّن أنّهم لا يخرجون معه، و لا يقاتلون معه عدوّا بآية متقدّمة، و لم يدعهم بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى قتال الكفّار إلاّ أبو بكر و عمر و عثمان؛ لأنّ أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل، فقال بعضهم: عني بقوله: سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ بني حنيفة، و قال بعضهم: عني بذلك فارس و الرّوم، و أبو بكر هو الذي دعى إلى قتال بني حنيفة، و قتال فارس و الرّوم، و دعاهم بعده إلى قتال فارس و الروم عمر، فإذا كان اللّه تعالى قد بيّن أنّهم بطاعتهم لهما يؤتيهم اللّه أجرا حسنا، و إن تولّوا عن طاعتهما يعذّبهم اللّه عذابا أليما صحّ أنّهما على حقّ و أن طاعتهما طاعة اللّه، و هذا يوجب صحّة إمامتهما و صلاحهما لذلك.

ثمّ قال: فإن قيل: إنّما أراد تعالى بذلك أهل الجمل و صفّين فذلك فاسد من وجهين:

أحدهما: قوله تعالى: تُقََاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ و الذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السّلام كانوا على الاسلام، و لم يكونوا يقاتلون على الكفر[و لا كان هو يقاتلهم ليسلموا، بل كان يقاتلهم ليردّهم إلى طاعته و الدخول في بيعته و يردهم عن البغي‏] (5) .

____________

(1) سورة التوبة، الآية: 83.

(2) سورة الفتح، الآية: 15.

(3) سورة التوبة، الآية: 83.

(4) سورة الفتح، الآية: 16.

(5) ما بين المعقوفتين من المغني.

354

و الوجه الثاني: أنا لا نعرف من الذين عناهم بذلك من بقي إلى أيام أمير المؤمنين عليه السّلام، كما علمنا أنهم كانوا باقين إلى أيام أبي بكر[فوجب بهذا أنّ الذي دعوا هؤلاء المخالفين إلى قتال قوم أولي بأس شديد هم أبو بكر و عمر] (1) .

يقال له: هذه الآية التي زعمت أن أبا علي اعتمدها، و استدل بها، فالغلط في تأويلها ظاهر، و قد ضم إلى الغلط في التأويل أيضا الغلط في التاريخ. و نحن نبيّن ما في ذلك.

و لنا في الكلام على هذه الآية وجهان.

أحدهما: أن ننازع في اقتضائها داعيا يدعو هؤلاء المخلّفين غير النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و نبيّن أنّ الداعي لهم فيما بعد كان الرّسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

و الوجه الآخر: أن نسلم أن الداعي غيره عليه السّلام، و نبيّن أنّه لم يكن أبو بكر و عمر على ما ظن أبو علي و أصحابه، بل كان أمير المؤمنين.

فأما الوجه الأول، فواضح؛ لأنّ قوله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ شَغَلَتْنََا أَمْوََالُنََا وَ أَهْلُونََا فَاسْتَغْفِرْ لَنََا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً إِنْ أَرََادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرََادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كََانَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) `بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ اَلرَّسُولُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ إِلى‏ََ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذََلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ اَلسَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12) (2) إنّما أراد به الذين تخلّفوا عن الحديبيّة بشهادة جميع أهل النقل و إطباق المفسّرين‏ (3) ثم قال تعالى:

سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى‏ََ مَغََانِمَ لِتَأْخُذُوهََا ذَرُونََا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونََا كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنََا بَلْ كََانُوا لاََ يَفْقَهُونَ إِلاََّ قَلِيلاً (4) و إنّما التمس هؤلاء المخلّفون أن يخرجوا إلى غنيمة

____________

(1) ما بين المعقوفتين من المغني.

(2) سورة الفتح، الآيتان: 11، 12.

(3) انظر تفسير الطبري و تفسير الرازي و الكشّاف و التبيان ذيل الآية.

(4) سورة الفتح، الآية: 15.