نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
355

خيبر فمنعهم اللّه تعالى من ذلك و أمر نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بأن يقول لهم: لن تتبعونا إلى هذه الغزوة؛ لأنّ اللّه تعالى كان حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، و أنه لا حظّ فيها لمن لم يشهدها، و هذا هو معنى قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ و قوله: كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ ثم قال تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقََاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (1) .

و إنّما أراد أن الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم سيدعوكم فيما بعد إلى قتال قوم أولي بأس شديد، و قد دعاهم النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة، و قتال قوم أولي بأس شديد كمؤتة و حنين و تبوك و غيرها، فمن أين يجب أن يكون الداعي لهؤلاء غير النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مع ما ذكرناه من الحروب التي كانت بعد خيبر؟و قوله: إنّ معنى قوله تعالى: كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ إنّما أراد به ما بيّنه في قوله: فَإِنْ رَجَعَكَ اَللََّهُ إِلى‏ََ طََائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقََاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا (2) و هو الغلط الفاحش من طريق التاريخ و الرواية التي وعدنا بالتنبيه عليها؛ لأنّ هذه الآية في سورة التوبة، و إنّما نزلت بتبوك سنة تسع و آية الفتح نزلت سنة ستّ، فكيف يكون قبلها؟و ليس يجب أن يقال في القرآن بالآراء أو بما يحتمل من الوجوه في كلّ موضع دون الرجوع إلى تاريخ نزول الآية و الأسباب التي وردت عليها و تعلّقت بها.

و ممّا يبيّن لك أن هؤلاء المخلّفين غير أولئك لو لم يرجع في ذلك إلى نقل و تاريخ، قوله في هؤلاء: فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اَللََّهُ أَجْراً حَسَناً وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا كَمََا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً (3) فلم يقطع فيهم على طاعة و لا معصية، بل ذكر الوعد و الوعيد على ما يفعلونه من طاعة أو معصية، و حكم المذكورين في آية التوبة بخلاف هذا؛ لأنّه تعالى قال بعد قوله: إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ اَلْخََالِفِينَ (83) `وَ لاََ تُصَلِّ عَلى‏ََ أَحَدٍ مِنْهُمْ مََاتَ أَبَداً وَ لاََ تَقُمْ عَلى‏ََ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا

____________

(1) سورة الفتح، الآية: 16.

(2) سورة التوبة، الآية: 83.

(3) سورة الفتح، الآية: 16.

356

بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ مََاتُوا وَ هُمْ فََاسِقُونَ (84) `وَ لاََ تُعْجِبْكَ أَمْوََالُهُمْ وَ أَوْلاََدُهُمْ إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهََا فِي اَلدُّنْيََا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كََافِرُونَ (85) (1) و اختلاف أحكامهم و صفاتهم يدلّ على اختلافهم لو أن المذكورين في آية سورة الفتح غير المذكورين في آية التوبة.

فأمّا قوله: «لأنّ أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل» ذكرهما فباطل؛ لأنّ أهل التأويل قد ذكروا أشياء أخر لم يذكرها؛ لأن ابن المسيّب‏ (2) روى عن الضحاك في قوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلى‏ََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ (3) الآية قال: هم ثقيف. و روى هيثم عن أبي بشير عن سعيد بن جبير قال: هم هوازن يوم حنين. و روى الواقدي عن معمر عن قتادة قال: هم هوازن و ثقيف‏ (4) فكيف ذكر من قول أهل التأويل ما يوافقه مع اختلاف الرواية عنهم، على أنا لا نرجع في كلّ ما يحتمله تأويل القرآن إلى أقوال المفسّرين، فإنهم ربّما تركوا ما يحتمله القول وجها صحيحا، و كم استخرج جماعة من أهل العدل في متشابه القرآن من الوجوه الصحيحة التي ظاهر التنزيل بها أشبه، و لها أشدّ احتمالا ما لم يسبق إليه المفسّرون و لا دخل في جملة تفسيرهم و تأويلهم؟

فأما الوجه الآخر: الذي نسلم فيه أن الداعي لهؤلاء المخلّفين هو غير النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فنبيّن أيضا أنّه لا يمتنع أن يعني بهذا الدّاعي أمير المؤمنين عليه السّلام؛ لأنّه قد قاتل بعده أهل الجمل و صفين و أهل النهروان، و بشره النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بأنّه يقاتلهم، و قد كانوا أولي بأس شديد بلا شبهة.

فأمّا تعلّق صاحب الكتاب بقوله: أَوْ يُسْلِمُونَ و إن الذين حاربهم أمير المؤمنين عليه السّلام كانوا مسلمين، فأوّل ما فيه أنّهم غير مسلمين عنده و عند أصحابه؛ لأن الكبائر تخرج من الاسلام عندهم كما تخرج عن الإيمان، إذ كان

____________

(1) سورة التوبة، الآيات: 83-85.

(2) هو أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني من المفسّرين في القرن الثاني.

(3) سورة الفتح، الآية: 16.

(4) انظر تفسير الطبري، 26: 107، 108.

357

الإيمان هو الإسلام على مذاهبهم‏ (1) ، ثمّ مذهبنا نحن في محاربي أمير المؤمنين معروف؛ لأنّهم عندنا كانوا كفارا بحربه بوجوه و نحن نذكر منها هاهنا طرفا و لاستقصائها موضع غيره:

منها: ان من حاربه كان مستحلاّ لقتله مظهرا لأنّه في ارتكابه على حق، و نحن نعلم أن من أظهر استحلال شرب جرعة خمر فهو كافر بالإجماع، و استحلال دم المؤمن فضلا عن أكابرهم و أفاضلهم أعظم من شرب الخمر و استحلاله، فيجب أن يكونوا من هذا الوجه كفارا.

و منها: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال له عليه السّلام بلا خلاف بين أهل النقل: «حربك يا عليّ حربي و سلمك سلمي» و نحن نعلم أنه لم يرد إلاّ التشبيه بينهما في الأحكام. و من أحكام محاربي النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم الكفر بلا خلاف.

و منها: أنّه عليه السّلام قال بلا خلاف أيضا: «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله» و قد ثبت عندنا أن العداوة من اللّه لا تكون إلاّ للكفّار الذين يعادونه دون فسّاق أهل الملّة.

فأمّا قوله: «إنّا لا نعلم بقاء هؤلاء المخلّفين إلى أيام أمير المؤمنين عليه السّلام كما علمنا بقاءهم إلى أيام أبي بكر» فليس بشي‏ء؛ لأنّه إذا لم يكن معلوما و مقطوعا عليه، فهو مجوّز غير معلوم خلافه و الجواز كاف لنا في هذا الموضع، و لو قيل له: من أين علمت بقاء المخلّفين المذكورين في الآية على سبيل القطع إلى أيّام أبي بكر لكان يفزع إلى أن يقول حكم الآية يقتضي بقاءهم حتّى يتمّ كونهم مدعوين إلى قتال أولي البأس الشديد على وجه يلزمهم فيه الطاعة، و هذا بعينه يمكن أن يقال له، و يعتمد في بقائهم إلى أيّام أمير المؤمنين عليه السّلام على ما يوجبه حكم الآية.

فإن قيل: كيف يكون أهل الجمل و صفين كفّارا و لم يسر فيهم أمير المؤمنين عليه السّلام بسيرة الكفار؛ لأنّه ما سباهم و لا غنم أموالهم و لا اتبع مولّيهم.

____________

(1) الضمير للمعتزلة و القاضي أحد أقطابهم و هم مجمعون على أن صاحب الكبيرة مخلد في النار ان لم يتداركها بالتوبة.

غ

358

قلنا: أحكام الكفر تختلف و إن شملهم اسم الكفر؛ لأنّ فيهم من يقتل و لا يستبقى، و فيهم من يؤخذ منه الجزية و لا يحلّ قتله إلا بسبب طار غير الكفر، و منهم من لا يجوز نكاحه بإجماع، و منهم من يجوز نكاحه على مذهب أكثر المسلمين، فعلى هذا يجوز أن يكون هؤلاء القوم كفّارا و إن لم يسر فيهم بجميع سيرة أهل الكفر؛ لأنّا قد بيّنّا أحكام الكفّار، و نرجع في أن حكمهم مخالف لأحكام الكفّار إلى فعله عليه السّلام و سيرته فيهم، على انا لا نجد من الفسّاق من حكمه أن يقتل مقبلا و لا يقتل موليا و لا يجهز على جريحه إلى غير ذلك من الأحكام التي سير بها في أهل البصرة و صفين.

فإذا قيل في جواب ذلك: أحكام الفسق مختلفة، و فعل أمير المؤمنين عليه السّلام هو الحجّة في أن حكم أهل البصرة و صفين ما فعله.

قلنا: مثل ذلك حرفا بحرف، و يمكن مع تسليم أن الداعي لهؤلاء المخلفين أبو بكر أن يقال: ليس في الآية دلالة على مدح الداعي و لا على إمامته؛ لأنّه يجوز أن يدعو إلى الحقّ و الصواب من ليس عليهما، فيلزم ذلك الفعل من حيث كان واجبا في نفسه لا بدعاء الداعي إليه، و أبو بكر إنّما دعى إلى دفع أهل الردّة إلى الاسلام‏ (1) ، و هذا يجب على المسلمين بلا دعاء داع و الطاعة فيه طاعة اللّه، فمن أين أن الداعي كان على حقّ و صواب و ليس في كون ما دعا إليه طاعة ما يدلّ على ذلك؟و يمكن أيضا أن يكون قوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إنّما أراد به دعاء اللّه تعالى لهم بإيجاب القتال عليهم؛ لأنّه إذا دلّهم على وجوب قتال المرتدين و دفعهم عن بيضة الإسلام فقد دعاهم إلى القتال، و وجبت عليهم الطاعة، و وجب لهم الثواب إن أطاعوا، و هذا أيضا وجه تحتمله الآية (2) .

- يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ [الفتح: 15].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) في نسخة «عن أهل الإسلام» .

(2) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّه، 4: 36 و راجع أيضا الرسائل، 3: 108.

359

- لَقَدْ رَضِيَ اَللََّهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبََايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مََا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثََابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: 18].

[نقل القاضي استدلال واصل بن عطاء بهذه الآية على بطلان طريقة الإمامية في سوء الثناء على بعض الصحابة.

قال السيّد: ]فأوّل ما فيه انا لا نذهب أن الألف و اللام للاستغراق لكلّ من يصلحان له، بل الظاهر عندنا مشترك متردّد بين العموم و الخصوص، و إنّما يحمل على أحدهما بدلالة غير الظاهر.

و قد دلّلنا على ذلك في مواضع كثيرة، و خاصة في كلامنا المنفرد للوعيد من جملة جواب مسائل أهل الموصل، و إذا لم يكن الظاهر يستغرق جميع المبايعين تحت الشجرة فلا حجّة لهم في الآية، على أنّا لو سلّمنا ما يقترحونه من استغراق الألف و اللاّم لم يكن في الآية أيضا دلالة على ما ادّعوه؛ لأنّ اللّه تعالى علّق الرضى في الآية بالمؤمنين ثم قال: «إذ يبايعونك تحت الشجرة» فجعل البيعة حالا للمؤمنين أو تعليلا لوجه الرضى عنهم، و أي الأمرين كان فلا بدّ فيمن وقع الرضى عنه من أمرين:

أحدهما: أن يكون مؤمنا، و الآخر: أن يكون مبايعا. و نحن نقطع على أن الرضا متعلّق بمن جمع الأمرين، فمن أين أن كل من بايع تحت الشجرة كان جامعا لهما؛ فإن الظاهر لا يفيد ذلك، على أنه تعالى قد وصف من رضي عنه ممن بايع تحت الشجرة بأوصاف قد علمنا أنّها لم تحصل لجميع المبايعين، فيجب أن يختص الرضا بمن اختص بتلك الأوصاف؛ لأنّه تعالى قال: فَعَلِمَ مََا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثََابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: 18]و لا خلاف بين أهل النقل في أن الفتح الذي كان بعد بيعة الرضوان بلا فصل هو فتح خيبر، و أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بعث أبا بكر و عمر فرجع كلّ واحد منهما منهزما ناكصا على عقبيه فغضب النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و قال: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه تعالى و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله كرّارا غير فرّار لا يرجع حتى يفتح اللّه عليه» فدعا أمير

360

المؤمنين عليه السّلام و كان أرمد، فتفل في عينه فزال ما كان يتشكّاه و أعطاه الراية، فمضى متوجّها و كان الفتح على يديه، فيجب أن يكون هو المخصوص بحكم الآية و من كان معه في ذلك الفتح من أهل البيعة تحت الشجرة لتكامل الشرائط فيهم. و يجب أن يخرج عنها من لم يجتمع له الشرائط، و ليس لأحد أن يقول:

إن الفتح كان لجميع المسلمين، و إن تولاه بعضهم. و جرى على يديه فيجب أن يكون جميع أهل بيعة الرضوان ممّن رزق الفتح و أثيب به، و هذا يقتضي شمول الرضا للجميع، و ذلك لأن هذا عدول عن الظاهر؛ لأن من تولّي الشي‏ء بنفسه هو الذي يضاف إليه على سبيل الحقيقة، و يقال إنه أثيب به، و رزق إيّاه، و إن جاز أن يوصف بذلك غيره ممن يلحقه حكمه على سبيل التجوّز، لجاز أن يوصف من كان بخراسان من المسلمين بأنّه هازم جنود الروم، و والج حصونهم، و إن وصفنا بذلك من يتولاّه و يجري على يديه‏ (1) .

- إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجََاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ... [الفتح: 26]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247 و التوبة: 40 من الشافي، 4: 25.

- مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ تَرََاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً سِيمََاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ ذََلِكَ مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى‏ََ عَلى‏ََ سُوقِهِ يُعْجِبُ اَلزُّرََّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ اَلْكُفََّارَ وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً [الفتح: 29].

أنظر ص: 34 من التنزيه: 136 و النور: 55 من الشافي، 36: 4 و 45.

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامة، 4: 17.

361

سورة الحجرات‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَرْفَعُوا أَصْوََاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاََ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ [الحجرات: 2].

أنظر هود: 114 من الذخيرة: 311.

- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا فَعَلْتُمْ نََادِمِينَ [الحجرات: 6].

[فيها أمران: ]

[الأوّل: انّها نزلت في الوليد]و السبب في ذلك أنه كذب على بني المصطلق عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و ادعى أنهم منعوه الصدقة (1) .

[الثاني: انظر المقدّمة الخامسة، الأمر التاسع‏].

- وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ فَإِنْ فََاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ (9) `إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) [الحجرات: 9-10].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- بِئْسَ اَلاِسْمُ اَلْفُسُوقُ بَعْدَ اَلْإِيمََانِ... [الحجرات: 11].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: 12]. أنظر المقدّمة الثالثة، الأمر الرابع.

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 252.

362

سورة ق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ [ق: 16].

أنظر الأنفال: 24 من الأمالي، 1: 496.

- لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22]

أنظر الإسراء: 72 من الأمالي، 1: 116.

363

سورة الذاريات‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- قُتِلَ اَلْخَرََّاصُونَ [الذاريات: 10].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ (17) `وَ بِالْأَسْحََارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) `وَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ (19) [الذاريات: 17-19].

أنظر محمّد: 36 من الانتصار: 78.

- فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهََا [الذاريات: 29].

يقال: صكّ جبهته، إذا لطمها بيده قال بشر بن أبي خازم يصف حمار وحش و أتانا:

فتصكّ محجره إذا ما سافها # و جبينه بحوافر لم تنكب‏

[و]سافها: أي شمّها (1) .

- فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ (35) `فَمََا وَجَدْنََا فِيهََا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ (36) [الذاريات: 35-36]

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- وَ فِي عََادٍ إِذْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلرِّيحَ اَلْعَقِيمَ [الذاريات: 41].

إن سأل سائل فقال: أ ليس قد أخبر اللّه تعالى أنّه أهلك عادا بالريح، ثم قال في سورة حم السجدة: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صََاعِقَةً مِثْلَ صََاعِقَةِ عََادٍ وَ ثَمُودَ (2) .

____________

(1) الأمالي، 2: 145.

(2) سورة فصلت، الآية: 13.

364

و قال عزّ و جلّ في قصة ثمود: فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ (1) فسمّى الصاعقة المذكورة في سورة «حم» رجفة، و معلوم أنّ الريح غير الصاعقة، و الصاعقة غير الرجفة.

الجواب:

أنّه غير ممتنع أن ينضمّ إلى الريح صاعقة في إهلاك قوم عاد، فيسوغ أن يخبر في موضع أنّه أهلكهم بالريح، و في آخر أنّه أهلكهم بالصاعقة.

و قد يجوز أن يكون الريح نفسها هي الصاعقة؛ لأنّ كلّ شى‏ء صفق‏ (2) الناس منه فهو صاعقة.

و كذلك القول في الصاعقة و الرجفة أنّه غير ممتنع أن يقترن بالصاعقة الرجفة، فيخبر في موضع بأنّهم أهلكوا بالصاعقة و في آخر بالرجفة.

و قد يمكن أن تكون الرجفة هي الصاعقة؛ لأنّهم صعقوا عندها (3) .

- وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ وَ إِنََّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: 47].

أنظر المائدة: 55 من الشافي، 2: 217.

- وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].

أنظر هود: 118، 119 من الأمالي 1: 94.

____________

(1) سورة الأعراف، الآيتان: 78 و 91.

(2) كذا و الظاهر: صعق.

(3) الرسائل، 3: 93.

365

سورة الطّور

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلْبَيْتِ اَلْمَعْمُورِ (4) `وَ اَلسَّقْفِ اَلْمَرْفُوعِ (5) [الطور: 4-5].

أنظر المؤمنون: 17 من الرسائل، 3: 140.

- سَحََابٌ مَرْكُومٌ [الطور: 44].

أنظر النور: 43، 44 من الأمالي، 2: 260.

366

سورة النّجم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِنْ هِيَ إِلاََّ أَسْمََاءٌ سَمَّيْتُمُوهََا أَنْتُمْ وَ آبََاؤُكُمْ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ بِهََا مِنْ سُلْطََانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ مََا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ اَلْهُدى‏ََ [النجم: 23].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ لاََ تُغْنِي شَفََاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاََّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللََّهُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَرْضى‏ََ [النجم: 26].

أنظر غافر: 18 من الذخيرة: 504.

- وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ [النجم: 39].

[سئل: ]من صفة نية النائب عن غيره في حجّ أو جهاد، هل يعزم على أداء ذلك لوجوبه عليه أم لا على مشتبه، فإن كان يفعل ذلك لوجوبه عليه، فلوجه غير صحيح؛ لأنّه لم يجب عليه شي‏ء، و إنّما هو ثابت في فعل واجب على غيره دونه.

ثمّ كيف يكون نائبا عن غيره بفعل واجب عليه في نفسه؟فإن فعله لوجوبه على غيره، فكيف يصح أن يعبد اللّه زيد عبادة واجبة جهة وجوبها مختصّ بعمرو؟و كيف يبرأ ذمّة عمرو ممّا وجب عليه بفعل زيد؟مع تقرّر الحكم العقلي خلافه و ورود السمع بما يطابقه من قوله تعالى: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ (1) ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (2) و أمثال ذلك.

____________

(1) سورة النجم، الآية: 39.

(2) سورة الزلزلة، الآية: 7.

367

الجواب:

إعلم أنّ النائب من غيره في الحجّ يجب أن يكون نيته من جهة إلى الوجه الذي قصده بالحجّة، فإن حجّتها عمّن وجب عليه الحجّ، فيجب أن يكون بنيّة منصرفة إلى هذا الوجه، و كذلك إن كان تطوّعا عن غيره، نوى بها التطوّع عن ذلك الغير. و لذلك يجب أن يسمّي من أحرم عنه في بيته.

و ليست هذه الحجّة بواجبة على المسببّات، حتى يقال: كيف يكون نائبا عن غيره بفعل واجب عليه في نفسه. اللهم إلاّ أن يفرض أنّه ولي الميت وجب عليه الحجّ فلم يحجّ؛ فإنّ الولي يجب عليه عندنا أن يحجّ عنه، و ينوي بهذه الحجّة ما كان واجبا على الميت، فهذا الموضع الذي يتعيّن فيه النيابة يكون الحجّ واجبا على النائب، و ينوي بالحجّة إيقاعها عن الميت و إسقاط حقّ النيابة عن ذمّته، فالواجب على زيد و إن لم يكن جهة (1) وجوبه لها تعلّق بعمرو.

فكأنّه قيل لهذا الولي: يجب عليك إذا مات موليك و له حجّة أن تحجّ أنت عنه، فجهة الوجوب مختصّة بالنائب، و لها تعلّق بالميّت من حيث كان تفريطه في الحجّ سببا لوجوب الحجّة الثابتة على وليّه.

فأمّا ثواب هذه الحجّة، فإن كان الميت وصىّ بها و أمر بأن يحجّ عنه، كان الثواب مقسما بينه و بين النائب؛ و إن لم يكن كذلك، فالثواب ينفرد به الفاعل فلم نخرج بهذا التفصيل من الحكم العقلي، و لا من ظاهر قوله: وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ (2) .

____________

(1) كذا و الظاهر «و ان كان جهة» .

(2) الرسائل، 2: 359.

368

سورة القمر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- يَوْمَ يَدْعُ اَلدََّاعِ إِلى‏ََ شَيْ‏ءٍ نُكُرٍ [القمر: 6].

أنظر التحريم: 4 من الشافي، 2: 248.

- تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا جَزََاءً لِمَنْ كََانَ كُفِرَ [القمر: 14].

[أي‏]أنّها تجري و نحن نعلمها، كما تقول العرب: «هذا الشي‏ء بعيني» أي لا يخفي عليّ‏ (1) .

- إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ [القمر: 47]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 55].

يوصف بانه مقتدر؛ لانّ ذلك مبالغة في وصفه بالقدرة (2) .

____________

(1) الملخص، 2: 224.

(2) الذخيرة: 578.

غ

369

سورة الرّحمن‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- اَلرَّحْمََنُ `عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ (2) `خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ [الرحمن: 1-3].

[استدلّ القائلون بقدم كلامه تعالى بهذه الآية، قالوا: فصل بين القرآن و الإنسان و وصف الإنسان بانه مخلوق‏]و هو إنّما يقتضى أن القرآن غير مخلوق‏ (1) .

[يقال لهم: ]ليس في وصف الإنسان بأنّه مخلوق، نفي الخلق‏[عن‏]غيره، إلاّ من جهة دليل الخطاب المعلوم فساده و ضعف التعلّق به.

و بعد، فتعلّمه القرآن دليل على حدوثه؛ لأنّ القديم لا يمكن تعلّمه و لا تعليمه‏ (2) .

- فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ [الرحمن: 13].

أنظر الكافرون من الأمالي، 1: 138.

- يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ [الرحمن: 22].

[المرجان: صغار اللؤلؤ، و عليه يتأوّل الآية؛ قال أبو حيّة النميري:

إذا هنّ ساقطن الأحاديث للفتى # سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم‏

عنى بالمرجان صغار اللؤلؤ] (3) .

- كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ (26) [الرحمن: 26]

أنظر البقرة: 36 من الأمالي، 2: 135 و الحديد: 3 من الذخيرة: 145.

____________

(1) الملخص، 2: 440.

(2) الملخص، 2: 441.

(3) الأمالي، 1: 490.

370

- وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [الرحمن: 27].

المراد أنّه يبقى ربّك، و قد يعبّر عن الذات بالوجه كقولهم: «فعلت هذا لوجهك» ، و «هذا وجه الصواب» (1) .

[انظر أيضا القصص: 88 من الأمالي، 1: 554 و القيامة: 22، 23 من الملخص، 2: 257].

- يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا شُوََاظٌ مِنْ نََارٍ وَ نُحََاسٌ فَلاََ تَنْتَصِرََانِ [الرحمن: 35].

أنظر الكافرون من الأمالي، 1: 138.

- هََذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ (43) `يَطُوفُونَ بَيْنَهََا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) [الرحمن:

43-44]

أنظر الكافرون من الأمالي، 1: 138.

- تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [الرحمن: 78].

أنظر القصص: 88 من الأمالي، 1: 554.

____________

(1) الملخص، 2: 224.

371

سورة الواقعة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ (10) `أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ (11) [الواقعة: 10، 11].

أنظر النور: 55 من الشافي، 4: 36 و 45.

- وَ فََاكِهَةٍ مِمََّا يَتَخَيَّرُونَ [الواقعة: 20].

أنظر الحاقة: 24 من الذخيرة: 524.

- فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ [الواقعة: 74].

و ممّا ظنّ انفراد الإمامية به القول: بايجاب التسبيح في الركوع و السجود... و الذي يدلّ على وجوبه-بعد إجماع الطائفة-كلّ آية من القرآن اقتضت بظاهرها الأمر بالتسبيح، و عموم الظاهر يقتضي دخول أحوال الركوع و السجود فيه، و من أخرج هذه الأحوال منه فيحتاج إلى دليل، و أيضا فطريقة براءة الذمة التي تكرّر ذكرها.

و مخالفونا يروون عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه لمّا نزل‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: اجعلوها في ركوعكم، و لمّا نزل‏ سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى (1) قال:

اجعلوها في سجودكم‏ (2) و ظاهر الأمر على الوجوب‏ (3) .

____________

(1) سورة الأعلى، الآية: 1.

(2) سنن ابن ماجة، 1: 287.

(3) الانتصار: 45.

372

سورة الحديد

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظََّاهِرُ وَ اَلْبََاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ [الحديد: 3].

[فيها أمران:

الأوّل: ]و يوصف تعالى بانه «أوّل» ، و قد ورد الكتاب به، فالفائدة أنه موجود قبل كلّ موجود (1) .

[الثاني: ]فصل في ذكر ما يدلّ على فناء الجواهر من جهة السمع.

آكد ما يدلّ على ذلك إجماع الأمّة على أنه تعالى يفني الجواهر ثمّ يعيد، و أنه تعالى قادر على افناء الجواهر، و هو معلوم ضرورة من حالهم.

و يدلّ على ذلك أيضا قوله تعالى: هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ و كونه أوّلا يقتضي أن يكون سابقا للموجودات كلّها، و كونه آخرا يقتضي أن يكون آخرا للموجودات.

غير أن الدليل قد دلّ على أن الجنّة و النار دائمتان، و الثواب و العقاب لا ينقطعان، فيجب أن يكون تعالى آخرا منفردا بالوجود قبل دخول الخلق الجنّة و النار، و هذا يقتضي فناء الجواهر و سائر الموجودات.

و ممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ (2) و حقيقة الفناء هو العدم. و إذا كان فناء لبعض الجواهر يقتضي فناء الجميع على ما بينته، علمنا أن جميع العالم و ان لم يكن داخلا تحت قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ لا بدّ أن يفنى.

____________

(1) الذخيرة: 577.

(2) سورة الرحمن، الآية: 26.

373

و ليس لأحد أن يقول: إن الفناء هاهنا ليس هو العدم و إنّما هو التفريق و تشذّب الأجزاء، كما قال الشاعر:

يا ابنى أميّة انّي عنكما غان # و ما الغنا غير أنّي مرتعش فان‏

و الجواب عن ذلك: ان إطلاق لفظ «الفناء» يقتضي العدم إنّما يستفاد به غيره في بعض الأماكن استعارة و تشبيها، و إنّما أراد الشاعر أنني مقارب للفناء و مشرف عليه، كما يقال في الشيخ الهرم: «إنه ميّت» ، و هذه عادة للعرب معروفة.

و يمكن أيضا أن يريد بقوله: «إنّني فاني القدرة و المنّة» و ما أشبه ذلك، فحذف للاختصار.

و لو لم يدلّ على أن المراد بالفناء في الآية العدم إلاّ في قوله تعالى: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ لكفى و أغنى‏ (1) .

- لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قََاتَلَ أُولََئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قََاتَلُوا وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: 10].

أنظر النور: 55 من الشافي، 4: 36 و 45.

- مَأْوََاكُمُ اَلنََّارُ هِيَ مَوْلاََكُمْ [الحديد: 15].

أنظر المائدة: 67 من الشافي، 2: 258.

- وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَدََاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ... [الحديد:

19].

أنظر النساء: 115 من الشافي، 1: 216.

____________

(1) الذخيرة: 145.

374

سورة المجادلة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا ذََلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة: 3].

[فيها أمور: ]

[الأوّل: انظر البقرة: 23 من الذخيرة: 364].

[الثاني: قال الناصر رحمه اللّه: ] «العود في الظّهار هو إرادة المماسّة» .

ليس لأصحابنا نصّ صريح في تعيين ما به العود في الظهار، و الذي يقوي في نفسي أنّ العود هو إرادة استباحة ما حرّمه الظهار من الوطء، و إذا كان الظهار اقتضى تحريما فأراد المظاهر دفعه فقد عاد.

و إلى هذا الذي ذكرناه ذهب أبو حنيفة و أصحابه‏ (1) و بيّن أبو حنيفة عن حقيقة مذهبه بأن قال: إنّ كفارة الظهار لا تستقرّ في الذمّة بحال، و لكن قيل للمظاهر: إذا أردت أن ترفع التحريم و تستبيح الوطء فكفّر، و إن لم ترد أن تطأ فلا تكفّر، فإن وطأ ثمّ لم يكفّر لم تلزمه الكفّارة، و لكن يقال له عند الوطء الثاني مثل ذلك‏ (2) ، و جرى ذلك مجرى قولهم: إذا أردت أن تصلّي تطوّعا فتطهّر، لانّ الطهارة شرط في صحّة الصلاة من غير أن تكون واجبة عليهم، كذلك قيل: إذا أردت أن تستبيح الوطء الذي حرمته بالظهار فقدّم العتق، ليس لأن العتق يجب في ذمّته، استباح الوطء أو لم يستبحه.

و قال الشافعي: العود هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار، مع قدرته على الطلاق‏ (3) .

____________

(1 و 2 و 3) المجموع، 17: 359.

375

و ذهب مالك، و أحمد إلى أنّ العود هو العزم على الوطء (1) .

و ذهب الحسن، و طاووس، و الزهري إلى أنّ العود هو الوطء (2) .

و ذهب داود إلى: أنّ العود هو تكرار لفظ الظهار (3) .

و ذهب مجاهد إلى أن الكفّارة تجب بمجرّد الظهار، و لا يعتبر العود (4) .

و الدليل على بطلان قول مجاهد: إنّ اللّه تعالى جعل العود شرطا في وجوب الكفّارة، فقال تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُظََاهِرُونَ مِنْ نِسََائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فشرط العود فمن أسقطه أسقط نصف الآية.

و أمّا الذي يبطل مذهب مالك و أحمد في أنّ العود هو العزم على الوطء:

فهو أنّ موجب الظهار هو تحريم الوطء لا تحريم العزيمة، فيجب أن يكون العود هو الاستباحة، و لا يكون العود هو العزيمة، على أنّ العزيمة لا تأثير لها في سائر الاصول و لا تتعلّق بها الأحكام و لا وجوب الكفّارات، و لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: «إنّ اللّه تعالى عفا لامّتي عمّا حدّثت به نفوسها ما لم يتكلّموا به، أو يعملوا به» (5) .

و أمّا الذي يدلّ على فساد قول من ذهب إلى أنّ العود هو الوطء: فهو ظاهر الكتاب، لأنّ اللّه تعالى قال: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا فلو كان العود هو الوطء لما أمر بإخراج الكفّارة قبله.

فأمّا الذي يبطل مذهب الشافعي في أنّ العود هو إمساكها على النكاح: فهو أنّ الظهار لا يوجب تحريم العقد و ترك الفرقة و إمساك المرأة، فيكون العود هو إمساكها على النكاح، لأنّ العود إنّما يقتضي الرجوع إلى أمر يخالف موجب الظهار، فدّل ذلك على أنّ العود هو استباحة الوطء و رفع ما حرّمه الظهار منه.

و أيضا قوله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا و لفظ «ثمّ» يقتضي التراخي، فمن

____________

(1) المغني (لابن قدامة) ، 8: 575.

(2) نفس المصدر.

(3) نفس المصدر: 576.

(4) حلية العلماء، 7: 173.

(5) أحكام القرآن (للجصّاص) ، 5: 305.

376

جعل العود هو البقاء على النكاح فقد جعله عائدا عقيب القول بلا تراخ، و ذلك بخلاف مقتضى الآية.

و أمّا الكلام على من ذهب إلى أنّ العود هو أن يعيد القول مرّتين فإجماع السلف و الخلف قد تقدم على خلاف هذا القول، و من جدّد خلافا قد سبقه الإجماع لم يلتفت إلى خلافه.

فإن قال: إنّما قلت ذلك لأنّه تعالى قال: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا ، فظاهر ذلك يقتضي العود في القول، لا في معناه و مقتضاه.

قلنا: أمّا الظاهر فلا يدلّ على قول من ذهب إلى أنّ العود هو إعادة القول مرّتين، لأنّه تعالى قال: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا الظاهر يقتضي العود في نفس القول لا في مثله، و إنّما يضمر من ذهب إلى هذا المذهب لفظة المثل، و ليست في الظاهر، فقد عدل عن الظاهر لا محالة، و من حمله على ما ذكرناه فقد فعل الأولى، لأنّ الظهار إذ اقتضى تحريم الوطء فمن آثر رفع هذا التحريم و استباحة الوطء فقد عاد فيما قاله، لأنّه قال ما اقتضى تحريمه و عاد يرفع تحريمه؛ فمعنى يعودون لما قالوا أي: يعودون للقول فيه كقوله عليه السّلام: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» و إنّما هو عائد في الموهوب لا الهبة.

و كقوله: «اللّهم أنت رجاؤنا» أي مرجوّنا.

و قال تعالى: وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتََّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ (1) يعني الموقن به.

و قال الشاعر:

و إنّي لأرجوكم على بطء سعيكم # كما في بطون الحاملات رجاء (2)

يعني مرجوّا (3) .

[الثالث: ]و ممّا ظنّ إنفراد الإمامية به القول: بأنّ من ظاهر، ثمّ جامع قبل

____________

(1) سورة الحجر، الآية: 99.

(2) أحكام القرآن (للجصّاص) ، 5: 304.

(3) الناصريات: 356.

377

أن يكفّر لزمته كفّارتان، و وافق الإمامية في ذلك الزهري و قتادة (1) ، و خالف باقي الفقهاء في ذلك و أوجبوا كفارة واحدة (2) ، دليلنا الاجماع المتردد و إعتبار اليقين ببرائة الذمة؛ فانّ ذلك لا يحصل إلاّ مع الكفارتين دون الواحدة، فإن قيل: إذا كانت الكفارة إنّما تلزم بالعود و هو إمساكها زوجة، و المقام على استباحة التمتّع بها دون الجماع بدلالة قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسََّا فبالعود تلزم كفارة واحدة، و الجماع لا يوجب كفارة أخرى، قلنا: الواجب بحكم الظهار إذا وقع العود، الكفارة، فإذا جامع قبل أن يكفّر، لا يمتنع أن يلزمه كفارة أخرى عقوبة (3) .

- مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ وَ لاََ خَمْسَةٍ إِلاََّ هُوَ سََادِسُهُمْ وَ لاََ أَدْنى‏ََ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْثَرَ إِلاََّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مََا كََانُوا... [المجادلة: 7].

أنظر التوبة: 40 من الشافي، 4: 25.

- إِنَّمَا اَلنَّجْوى‏ََ مِنَ اَلشَّيْطََانِ [المجادلة: 10].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) المحلّى، 10: 55.

(2) تحفة الفقهاء، 1: 215.

(3) الانتصار: 142.

378

سورة الحشر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- هُوَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مِنْ دِيََارِهِمْ لِأَوَّلِ اَلْحَشْرِ مََا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مََانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اَللََّهِ فَأَتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ [الحشر: 2].

[استدلّ بهذه الآية بان السمع قد ورد بالتعبد بالقياس‏]قالوا: و الاعتبار هو المقايسة؛ لأنّ الميزان يسمّى معيارا من حيث يتبيّن به مساواة الشي‏ء لغيره. و بما روي عن ابن عبّاس من قوله في الأسنان: «اعتبروا حالها بالأصابع الّتي ديتها متساوية» .

و ربّما استدلّوا بالآية على وجه آخر فقالوا: قد دلّ تعالى بهذه الآية على أنّ المشاركة في العلّة تقتضي المشاركة في الحكم، و ذلك انّه تعالى ذكر ما حلّ بهم، و نبّه، على علّته و سببه، ثمّ أمر بالاعتبار، و ذلك تحذير من مشاركتهم في السبب، فلو لم تكن المشاركة في السبب تقتضي المشاركة في الحكم، ما كان للقول معنى‏ (1) .

[يقال لهم: ]ما تنكرون أن يكون لفظ الاعتبار لا يستفاد منه الحكم بالقياس، و إنّما يستفاد به الاتّعاظ و التدبّر و التفكّر، و ذلك هو المفهوم من ظاهره و إطلاقه؛ لأنّه لا يقال لمن يستعمل القياس العقليّ: إنّه معتبر، كما يقال فيمن يتفكّر في معاده و يتدبّر أمر منقلبه و يتّعظ بذلك: إنّه معتبر و كثير الاعتبار، و قد يتقدّم بعض الناس في العلوم و إثبات الأحكام من طرق القياس، و يقلّ تفكّره في

____________

(1) الذريعة، 2: 710.

غ

379

معاده و تدبّره، فيقال: إنّه غير معتبر أو هو قليل الاعتبار. و قد يستوي في المعرفة بحال الشي‏ء و إثبات حكمه نفسان، فيوصف أحدهما بالاعتبار دون الآخر على المعنى الّذي ذكرناه. و لهذا يقولون عند الأمر العظيم: «إنّ في هذا لعبرة» و قال اللّه تعالى: وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْأَنْعََامِ لَعِبْرَةً (1) و ما روي عن ابن عبّاس خبر واحد لا يثبت بمثله اللّغة.

ثمّ لو صحّ، لكان محمولا على المجاز بشهادة الاستعمال الّذي ذكرناه.

على أنّا لو سلمنا جواز استعمال الاعتبار، لم يكن في الآية دلالة إلاّ على ما ذكر فيها من أمر الكفّار، و ظنّهم أنّ حصونهم تمنعهم من اللّه تعالى و وقوع ما وقع بهم. و كأنّه قال تعالى: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ و ليس يليق هذا الموضع بالقياس في الأحكام الشرعيّة؛ لأنّه تعالى لو صرّح عقيب ما ذكره من حال الكفّار بأن قال: قيسوا في الأحكام الشرعيّة و اجتهدوا، لكان الكلام لغوا لا فائدة فيه، و لا يليق بعضه ببعض، فثبت أنّه أراد الاتّعاظ و التفكّر.

على أنّه يمكن أن يقال لهم: على تسليم تناول اللّفظ للقياس بإطلاقها، ما تنكرون أنّا نستعمل موجب الآية بأن نقيس الفروع على الأصول في أنّنا لا نثبت لها الأحكام إلاّ بالنصوص؛ لأنّ هذا أيضا قياس، فقد ساويناكم في التعلّق بالآية، فمن أين لكم أنّ القياس الّذي تناولته الآية هو ما يذكرونه دون ما ذكرناه، و كلاهما قياس على الحقيقة؟!.

و ليس يمكنهم أن يقولوا: نجمع بين الأمرين؛ لأنّهما يتنافيان، و الجمع بينهما لا يصحّ.

و لا لهم أيضا أن يقولوا: قولنا أرجح من حيث كان فيه إثبات الأحكام، و قولكم فيه نفي لها، و ذلك لأنّ الترجيح بما ذكروه إنّما يصحّ متى ثبت كلا وجهي القياس، فيصحّ الترجيح و التقوية، فأمّا الخلاف فيهما هل يثبتان أو يثبت أحدهما؟؛ فلا طريق للترجيح.

____________

(1) سورة النحل، الآية: 66.

380

و يقال لهم في تعلّقهم بهذه الآية على الوجه الثاني: إذا كان تعالى قد نبّه على ما زعمتم بالآية على أن المشاركة في السبب و العلّة تقتضي المشاركة في الحكم، فيجب أن يكون كلّ من فعل مثل فعل الّذين أخبر اللّه تعالى عنهم في الآية أن يحلّ به مثل ما حلّ بهم.

فإن قالوا: كذلك هو، أريناهم بطلان قولهم ضرورة، لوجودنا من يشارك المذكورين في المخالفة و المعصية و إن لم يصبه ما أصابهم‏ (1) .

- مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ فَلِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ... [الحشر: 7].

روى سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: «نحن و اللّه الذين عنى اللّه بذي القربى الذين قرنهم اللّه بنفسه و بنبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فقال: مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ فَلِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ و كلّ هؤلاء منا خاصّة لم يجعل لنا سهما في الصّدقة أكرم اللّه تعالى بها نبيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و أكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس» (2) .

- لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أَمْوََالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً وَ يَنْصُرُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ أُولََئِكَ هُمُ اَلصََّادِقُونَ (8) `وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدََّارَ وَ اَلْإِيمََانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هََاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ (9) [الحشر: 8-9].

[نقل القاضي استدلال واصل بن عطاء بهاتين الآيتين على بطلان طريقة الإمامية في سوء الثناء على بعض الصحابة.

قال السيّد: ]فأول ما فيه أن أبا بكر يجب أن يخرج عن هذه الآية على أصول مخالفينا؛ لأنّه على أصولهم كان غنيّا مؤسرا كثير المال، واسع الحال،

____________

(1) الذريعة، 2: 781.

(2) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 187.

381

و ليس لهم أن يتأوّلوا الفقراء هاهنا على أن المراد به الفقر إلى اللّه دون ما يرجع إلى الأموال؛ لأن الظاهر من لفظ الغني و الفقير ينبى‏ء عن معنى الأموال دون غيرها. و إنّما يحملان على ذلك بدليل يقتضي العدول عن الظاهر، و ما قلناه في الآية[18 من سورة الفتح‏]من أن الألف و اللام لا يقتضيان الاستغراق على كلّ حال يطعن أيضا على معتقدهم في هذه الآية، و بعد فإن سياق الآية يخرج ظاهرها عن أيديهم و يوجب الرجوع عليهم إلى غيرها؛ لأنّ اللّه تعالى قال:

لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أَمْوََالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً وَ يَنْصُرُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ أُولََئِكَ هُمُ اَلصََّادِقُونَ فوصف بالصدق من تكاملت له الشرائط، و منها ما هو مشاهد كالهجرة و الإخراج من الديار و الأموال، و منها ما هو باطن لا يعلمه إلا اللّه تعالى و هو ابتغاء الفضل و الرضوان من اللّه و نصرة الرسول و اللّه تعالى؛ لأنّ المعتبر في ذلك ليس بما يظهر بل بالبواطن و النيّات، فيجب على الخصوم أن يثبتوا اجتماع هذه الصفات في كلّ واحد من الذين هاجروا و أخرجوا من ديارهم و أموالهم، و لا بدّ في ذلك من الرجوع إلى غير الآية (1) .

- وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ [الحشر: 10].

[نقل القاضي استدلال واصل بن عطاء بهذه الآية على بطلان طريقة الإمامية في سوء الثناء على بعض الصحابة.

قال السيّد: ]لا حجّة فيه لأنّه علّق المغفرة بالسبق إلى الإيمان و هذا شرط يحتاج إلى دليل في إثباته للجماعة، و مع هذا فهو سؤال و ليس كلّ سؤال يقتضي الإجابة (2) .

- لاََ يَسْتَوِي أَصْحََابُ اَلنََّارِ وَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ هُمُ اَلْفََائِزُونَ (20) [الحشر: 20].

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 18.

(2) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 20.

382

[فيها أمران: ]

[الأوّل: ]و ممّا يظنّ إعتبار الإمامية به القول: بأنّه لا شفعة لكافر على مسلم، و أكثر الفقهاء يوجبون الشفعة للكافر، و لا يفرّقون بينه و بين المسلم‏ (1) .

و قد حكي عن ابن حيّ أنّه قال: لا شفعة للذمّي في أمصار المسلمين التي إبتدأها المسلمون؛ لأنّهم لا يجوز لهم سكناها، و لا تملّكها، و لهم الشفعة في القرى‏ (2) . و إنفراد قول الإمامية عن قول ابن حيّ باق، إلاّ أنّه قد حكي عن الشعبي و أحمد بن حنبل أنّهما أسقطا شفعة الذمي على المسلم‏ (3) ، و هذه منهما موافقة للامامية.

و الذي يدلّ على صحّة مذهبنا بعد الاجماع المتكرّر ذكره قوله تعالى: لاََ يَسْتَوِي أَصْحََابُ اَلنََّارِ وَ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ ، و معلوم أنّه تعالى إنّما أراد لا يستوون في الأحكام، و الظاهر يقتضي العموم إلاّ ما أخرجه دليل قاهر. فان قيل: أراد في النعيم و العذاب بدلالة قوله: أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ هُمُ اَلْفََائِزُونَ قلنا: قد بيّنا في الكلام على أصول الفقه‏ (4) أنّ تخصيص إحدى الجملتين لا يقتضي تخصيص الأخرى و إن كانت لها متعقّبة (5) .

[الثاني: ]أصحاب الشافعيّ يستدلّون بهذه الآية على أنّ المؤمن لا يقتل بكافر.

و طعن قوم على هذا الاعتماد منهم بأن قالوا: ما تعلّق الاستواء به غير مذكور، و لا يمكن ادّعاء العموم فيه، فهو كالمجمل الّذي لا ظاهر له.

و ليس يمتنع التعلّق بهذا الآية، لا سيّما على مذهب من يقول في كلّ شي‏ء يحتمل لأشياء مختلفة: أنّ اللفظ إذا أطلق، و لم يبيّن المتكلّم به أنّه قصد وجها بعينه، حمل على العموم، و لهذا يقولون في الأمر-إذا عري من ذكر وقت أو

____________

(1 و 2 و 3) المغني (لابن قدامة) ، 5: 551.

(4) الذريعة، 1: 303 و تقدّم أيضا في البقرة: 236.

(5) الانتصار: 218.

383

مكان-: أنّه عامّ في الأوقات و الأماكن، فما المانع من أنّ الاستواء إذا لم يتخصّص وجب حمله على كلّ الصفات.

على أنّا كما علمنا من عادة الصحابة و التابعين و عرفهم أن يحملوا ألفاظ العموم على الاستغراق إلاّ أن يقوم دليل، كذلك علمنا منهم أن يحملوا الألفاظ المطلقة المحتملة على كلّ ما تصلح له إلاّ أن يمنع دليل‏ (1) .

- لَوْ أَنْزَلْنََا هََذَا اَلْقُرْآنَ عَلى‏ََ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ وَ تِلْكَ اَلْأَمْثََالُ نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21].

و معنى الكلام: إنّنا لو أنزلنا القرآن على جبل، و كان الجبل ممّا يتصدّع إشفاقا من شي‏ء؛ أو خشية لأمر لتصدّع مع صلابته و قوّته؛ فكيف بكم معاشر المكلّفين، مع ضعفكم و قلّتكم!فأنتم أولى بالخشية و الإشفاق؛ و قد صرّح اللّه تعالى بأنّ الكلام خرج مخرج المثل بقوله: وَ تِلْكَ اَلْأَمْثََالُ نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ؛ و مثله قوله تعالى: تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ وَ تَخِرُّ اَلْجِبََالُ هَدًّا (2) (3) .

- هُوَ اَللََّهُ اَلَّذِي لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ اَلسَّلاََمُ اَلْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِنُ اَلْعَزِيزُ اَلْجَبََّارُ اَلْمُتَكَبِّرُ سُبْحََانَ اَللََّهِ عَمََّا يُشْرِكُونَ [حشر: 23].

الملك: تقدّم فى سورة الفاتحة (4) :

القدوس: الفائدة في ذلك تنزيهه عما لا يجوز عليه فى ذاته و أفعاله‏ (5) .

المؤمن: يوصف تعالى بانه «مؤمن» على وجهين: احدهما: أنه مصدّق لنفسه و أوليائه، و الوجه الآخر: انه يؤمن العباد من اضاعة حقوقهم و يؤمن مستحق الثواب من العقاب‏ (6) .

____________

(1) الذريعة، 1: 358.

(2) سورة مريم، الآية: 90.

(3) الأمالي، 1: 408.

(4) الذخيرة: 579.

(5) الذخيرة: 589.

(6) الذخيرة: 597.

384

المهيمن: بمعنى انه امين على جميع الأمور (1) .

العزيز: تقدم فى سورة البقرة: 129 (2) .

الجبار: معناه انه عزيز لا ينال باهتضام، و من ذلك أنهم وصفوا النخلة بانّها جبارة لما بعد منالها (3) .

____________

(1) الذخيرة: 598.

(2) الذخيرة: 580.

(3) الذخيرة: 581.

385

سورة الممتحنة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- قَدْ كََانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرََاهِيمَ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قََالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنََّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمََّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ كَفَرْنََا بِكُمْ وَ بَدََا بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةُ وَ اَلْبَغْضََاءُ أَبَداً حَتََّى تُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَحْدَهُ إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ... [الممتحنة: 4].

أنظر التوبة: 114 من التنزيه: 55.

- فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنََاتٍ فَلاََ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفََّارِ... [الممتحنة: 10].

أنظر غافر: 18 من الذخيرة: 504 و المقدّمة الرابعة، الأمر الثالث عشر.

386

سورة الصّف‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ... [الصف: 14]

أنظر المائدة: 6 الأمر الأول من الوضوء، من الناصريات: 116.

387

سورة الجمعة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا نُودِيَ لِلصَّلاََةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة: 9].

و أقلّ ما يجزئ في الجمع و الصلاة العيدين سبعة نفر، ليسوا بمرضى و لا مسافرين و لا غازين. و أقلّ ما يجزي‏ء في الجمعة خمسة نفر بالصفات المذكورة.

و اعلم أنّ مذهبنا المشهور المعروف في أقلّ العدد الذي تنعقد صلاة الجمعة خمسة الإمام أحدهم، و هذا العدد بعينه في صلاة العيدين من غير زيادة عليه.

و قال أبو حنيفة و الثوري: إنّ الجمعة تنعقد بأربعة، و روي عن أبي يوسف و الليث أنّها تنعقد بثلاثة. و قال الشافعي: لا تنعقد بأقلّ من أربعين نفسا، و روي عن الحسن و الحسين أنّها تنعقد باثنين.

و قال مالك: إذا كانت قريبة سوق و مسجد، فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد.

و دليلنا على صحّة مذهبنا: هو إجماع الطائفة المحقّة. و يمكن أيضا أن يستدلّ بقوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا نُودِيَ لِلصَّلاََةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ و هذا عموم، إنّما أخرجنا منه من نقص عن العدد بالذي ذكرناه‏ (1) .

- وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا وَ تَرَكُوكَ قََائِماً قُلْ مََا عِنْدَ اَللََّهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجََارَةِ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ [الجمعة: 11].

أنظر البقرة: 23 من الذخيرة: 364.

____________

(1) الرسائل، 1: 222.

388

سورة المنافقون‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ [المنافقون: 1].

أنظر التوبة: 30 من الأمالي، 1: 351 و البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنََا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لََكِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لاََ يَعْلَمُونَ [المنافقون: 8].

أنظر البقرة: 23 من الذخيرة: 364.

- وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ [المنافقون: 10].

أنظر الأنعام: 2 من الذخيرة: 261.

389

سورة التّغابن‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- ذََلِكَ يَوْمُ اَلتَّغََابُنِ [التغابن: 9].

لفظة التغابن هاهنا مشتقّة من الغبن؛ الذي يكون في البيع و التجارة و ما أشبه ذلك، و هو النقصان و الخسران؛ لأنّ المغبون هو الذي زاد غابنه عليه و رجح؛ و لما كان يوم القيامة يبيّن فيه مستحقّ الثواب و دخول الجنّة و التعظيم فيها من مستحقّ العقاب و دخول النار صار مستحقّ الثواب و دخول الجنان كأنّه غابن لمستحق العقاب و دخول النار؛ لأنّهما جميعا عرّضا بالتكليف لاستحقاق الثواب، ففعل أحدهما ما استحقّ به ذلك، و قصّر الآخر عن هذه الغاية؛ و عدل إلى فعل ما استحقّ به العقاب؛ و جريا مجرى متبايعين؛ فاز أحدهما بما هو أجدى عليه و أنفع و أصلح؛ و اختصّ الآخر بما هو ضارّ هو له و وبال عليه؛ فيسمى الفائز بالخير و الصلاح غابنا و الآخر مغبونا.

و تسمية يوم القيامة بأنّه يوم التغابن من أفصح كلام و أخصره و أبلغه. و اللّه الموفّق للصواب‏ (1) .

- إِنْ تُقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضََاعِفْهُ لَكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اَللََّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: 17].

أنظر البقرة: 212 من الأمالي، 1: 376.

____________

(1) الأمالي، 2: 333.

غ

390

سورة الطّلاق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ... [الطلاق: 1].

[فيها أمور:

الأوّل: ]و ممّا إنفردت به الإمامية أنّ الطلاق لا يقع إلاّ بلفظ واحد و هو قوله: «أنت طالق» و لا يقع، بفارقتك، و سرّحتك، و لا باعتدي، و حبلك على غاربك، و بخلية، و برية، و بتة، و بتلة و كلّ لفظ ما عدا ما ذكرناه، و اختلف الفقهاء في ألفاظ الطلاق... و الحجّة لما نذهب إليه-بعد إجماع الطائفة-أنّ الطلاق يتبعه حكم شرعي لا يثبت إلاّ بأدلة الشرع، و لا خلاف في وقوعه باللفظة التي ذكرناها، و ما عداها من الألفاظ لم يقم دليل على وقوعه بها، فيجب نفي وقوعه؛ لأنّ الحكم الشرعي لا بدّ من نفيه إذا انتفى الطريق إليه، و أيضا فإنّ ألفاظ القرآن كلّها واردة بلفظ الطلاق، مثل قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ و ما أشبه ذلك، و «طلقتم» مشتق من لفظ الطلاق دون غيره من الألفاظ، فينبغي أن لا يتعلّق الحكم إلاّ بهذه اللفظة.

فان قيل: معنى طلّقتم: فارقتم، و الفراق قد يكون بألفاظ مختلفة. قلنا:

هذا خلاف الظاهر؛ لأنّ لفظ طلّقتم مشتق من حدث فيه طاء و لام و قاف، كما أنّ ضرب مشتق من حدث فيه ضاد و راء و باء، و من فعل ما فيه معنى الضرب لا يقال: ضرب، و كذلك لا يقال فيمن فعل ما فيه معنى الطلاق: طلّق. فإن قيل:

لفظة الطلاق شرعية. قلنا: معاذ اللّه هذه لفظة لغوية معروفة في خطاب أهل اللغة و إنّما يتبعها أحكام شرعية لا تعرف في اللغة (1) .

____________

(1) الانتصار: 129 و راجع أيضا الرسائل: 1/239.

391

[الثاني: ]و ممّا إنفردت به الإمامية: أنّ تعليق الطلاق بجزء من أجزاء المرأة -أيّ جزء كان-لا يقع فيه الطلاق، و خالف باقي الفقهاء في ذلك... دليلنا على ما ذهبنا إليه-بعد إجماع الطائفة-أنّ تعليق الطلاق ببعضها ليس من الألفاظ المشروعة في الطلاق فيجب أن لا يقع، و أيضا فانّ الطلاق حكم شرعي، و قد ثبت أنّه إذا علّقه بها و كملت الشرائط وقع، و لم يثبت أنّه إذا علّقه ببعضها وقع، و الحكم الشرعي يجب نفيه بانتفاء دليل شرعي عليه.

و ممّا يمكن أن يستدلّ به قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فجعل الطلاق واقعا بما يتناوله إسم النساء، و اليد و الرجل لا يتناولهما هذا الاسم بغير شبهة، و فرق أبو حنيفة بين الرقبة و الرأس و الفرج و بين اليد و الرجل، لأنهم يقولون عنده كذا و كذا رأسا من العبيد و الاماء و كذا كذا رقبة و كذا كذا فرجا، غير صحيح؛ لأنّ جميع ما ذكروه مجاز و استعارة، و كلامنا على الحقائق؛ و لأنّ اليد قد يعبّر بها أيضا عن جميع البدن؛ لأنّهم رووا عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه قال: «على اليد ما أخذت حتى تردّه» (1) و أراد به الجملة و قال اللّه تعالى:

تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ (2) ، و قال تعالى: فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (3) و إنما أراد الجملة دون البعض.

[الثالث: ]و ممّا انفردت به الإمامية القول: بأنّ الطلاق في الحيض لا يقع، و خالف باقي الفقهاء في ذلك‏ (4) و ذهبوا إلى وقوعه إلاّ ابن عليّة، فأنّه روي عنه أنّ الطلاق في الحيض لا يقع‏ (5) .

و الحجة لنا-بعد إجماع الطائفة-: أنّه لا خلاف في أنّ الطلاق في الحيض بدعة و معصية، و إن اختلف في وقوعه؛ لأنّ اللّه تعالى قال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (6) و فسّروا ذلك بالطهر الذي لا جماع فيه، و إذا ثبت أنّ الطلاق في

____________

(1) سنن ابن ماجة، 2: 802 ح 2400.

(2) سورة المسد، الآية: 1.

(3) سورة الشورى، الآية: 30.

(4) نيل الأوطار، 6: 221، 226.

(5) نيل الأوطار، 6: 224.

(6) سورة الطلاق، الآية: 1.

392

الحيض بدعة و مخالف لما أمر اللّه تعالى بإيقاع الطلاق عليه، ثبت أنّه لا يقع؛ لأنّا قد بيّنا أنّ النهي بالعرف الشرعي يقتضي الفساد و عدم الإجزاء... (1) .

[الرابع: انظر النساء: 24 المسألة الثانية من الانتصار 109].

- لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاََ يَخْرُجْنَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق: 1].

أنظر الأحزاب: 33 من الشافي، 4: 104.

- فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فََارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلشَّهََادَةَ لِلََّهِ... [الطلاق: 2].

[فيها أمور:

الأول: ]و ممّا انفردت الإمامية به القول: بأنّ شهادة عدلين شرط في وقوع الطلاق، و متى فقد لم يقع الطلاق، و خالف باقي الفقهاء في ذلك، و الحجة لنا -بعد إجماع الطائفة-قوله جل ثناؤه: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا اَلْعِدَّةَ وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ رَبَّكُمْ إلى قوله: فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فََارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فأمرنا بالإشهاد، و ظاهر الأمر في عرف الشرع يقتضي الوجوب، فليس لهم أن يحملوا ذلك هاهنا على الاستحباب، فلا يخلو قوله تعالى: وَ أَشْهِدُوا من أن يكون راجعا إلى الطلاق، كأنّه قال: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدّتهن و اشهدوا، أو أن يكون راجعا إلى الفرقة، أو إلى الرجعة التي عبّر تعالى عنها بالإمساك، و لا يجوز أن يرجع ذلك إلى الفرقة التى ليست هاهنا شيئا يوقع و يفعل و انّما هو العدول عن الرجعة، و انّما يكون مفارقا لها بأن لا يراجعها فتبين بالطلاق السابق، على أنّ أحدا لا يوجب في هذه الفرقة الشهادة، و ظاهر الأمر يقتضي الوجوب، و لا يجوز أن يرجع الأمر بالشهادة إلى الرجعة؛ لأنّ أحدا لا يوجب فيها الاشهاد و إنّما هو مستحب فيها، فثبت أن الأمر بالإشهاد راجع إلى الطلاق.

____________

(1) الانتصار: 132. و الناصريات: 343.

393

فإن قيل: كيف يرجع إلى الطلاق مع بعد ما بينهما؟قلنا: إذا لم يلق إلاّ بالطلاق وجب عوده إليه مع بعد و قرب.

فان قيل: أيّ فرق بينكم في حملكم هذا الشرط على الطلاق و هو بعيد منه في اللفظ، و ذلك مجاز و عدول عن الحقيقة؛ و بيننا إذا حملنا الأمر بالاشهاد هاهنا على الاستحباب؛ ليعود إلى الرجعة القريبة منه في ترتيب الكلام؟قلنا:

حمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب خروج عن عرف الشرع بلا دليل، و ردّ الشرط إلى ما بعد عنه إذ لم يلق بما قرب ليس بعدول عن حقيقة و لا استعمال توسع و تجوز، و القرآن و الخطاب كلّه مملوّ من ذلك: قال اللّه جل ثناؤه: إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (8) `لِتُؤْمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ (1) و التسبيح و هو متأخر في اللفظ-لا يليق إلاّ باللّه جلّ ثناؤه دون رسوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.

[أقول: كذا تقرير الحجّة في «الانتصار» (2) ؛ لكنّه في جوابات المسائل الموصليات الثالثة قرّره هكذا: ]

«إنّ الطلاق لا يقع إلاّ بشاهدين عدلين؛ و الحجّة على ذلك إجماع الفرقة المحقّة؛ و لأنّ اللّه تعالى قال: فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فََارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلشَّهََادَةَ لِلََّهِ (3) فجعل الشهادة شرطا في الفرقة الّتي هي الطلاق لا محالة.

فان قيل: إنّما شرط الشهادة في الرجعة في قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ قلنا:

هذا غلط؛ لأنّ الأمر و الشهادة ملاصق لذكر الفرقه، و إليها أقرب من ذكر الرجعة، و ردّ الكلام إلى الاقرب اولى من ردّه إلى الأبعد، على أنّه ليس بمتناف أن يرجع إلى الرجعة و الفرقة معا، فيتمّ مرادنا، على أنّ الأمر بالشهادة يقتضي

____________

(1) سورة الفتح، الآيتان: 8، 9.

(2) الانتصار: 127 و راجع أيضا الناصريات: 343.

(3) سورة الطلاق، الآية: 2.

394

ظاهره الوجوب، و أن يكون شرطا، و لم يقل أحد من الأمة أنّ الشهادة في الرجعة واجبة، و أنها شرط فيه.

و قد اختلفوا في كونها شرطا في الطلاق، فنفاه قوم، و أثبته قوم، فيجب أن يكون الأمر بالشهادة الّذي ظاهره يقتضي الوجوب مصروفا إلى الطلاق دون الرجعة الّتي قد اجتمعت الأمّة على أنّه ليس بشرط فيها (1) .

[الثاني: ]و ممّا إنفردت الإمامية به في هذه الاعصار و إن روي لهما وفاق قديم، القول بجواز شهادات ذوي الأرحام و القرابات بعضهم لبعض، إذا كانوا عدولا من غير إستثناء لأحد، إلاّ ما يذهب إليه بعض أصحابنا معتمدا على خبر يرويه‏ (2) من أنّه لا يجوز شهادة الولد على الوالد و إن جازت شهادته له، و يجوز شهادة الوالد لولده و عليه... دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، و أيضا قوله: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، فشرط تعالى العدالة و لم يشرط سواها، و يدخل في عموم هذا القول ذو القرابات كلّهم، و قوله تعالى:

وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونََا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتََانِ (3) يدلّ أيضا على هذه المسألة (4) .

[الثالث: ]و ممّا انفردت به الإمامية إلاّ من شذ من جملتهم و سنتكلم عليه، القول بشهادة العبيد لساداتهم إذا كان العبيد عدولا مقبولة، و تقبل أيضا على غيرهم و لهم و لا تقبل على ساداتهم و إن كانوا عدولا.

و قد روي عن أنس موافقة الإمامية في قبول شهادة العبيد العدول، و هو قول الليث، و أحمد بن حنبل، و داود، و أبي ثور (5) ، و روي عن الشعبي أنّه قال:

يقبل فيما قلّ من الحقوق و لا يقبل فيما كثر (6) .

____________

(1) الرسائل 1/238.

(2) الوسائل، 18: 271 ح 6.

(3) سورة البقرة، الآية: 282.

(4) الانتصار: 244 و راجع أيضا الرسائل، 1: 246.

(5) المغني (لابن قدامة) ، 12: 70.

(6) نفس المصدر، 12: 71.

395

دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه إجماع الطائفة، و لا إعتبار بمن شذّ أخيرا عنهم، و ظواهر آيات الشهادة في الكتاب مثل قوله تعالى: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ و هو عامّ في العبيد إذا كانوا عدولا و غيرهم، و لا يلتفت إلى ما يروى ممّا يخالف هذه الظواهر من الطرق الشيعية (1) ، و لا الطرق العامية و إن كثرت، لأنّها تقتضي الظنّ و لا تنتهي إلى العلم، و هذه الظواهر التي ذكرناها توجب العلم و لا يرجع عنها بما يقتضي الظنّ، و هذه الطريقة هي التي يجب الرجوع إليها و التعويل عليها، و هي مزيلة لكلّ شبه في هذه المسألة، و لو كنّا ممّن يثبت الأحكام بالاستدلالات لكان لنا أن نقول: إذا كان العبد العدل بلا خلاف تقبل شهادته على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في روايته عنه، فلأن تقبل شهادته على غيره أولى.

و كان أبو علي بن الجنيد من جملة أصحابنا يمتنع من شهادة العبد و إن كان عدلا، و لما تكلم على ظواهر الآيات في الكتاب التي تعمّ العبد و الحرّ ادّعى تخصيص الآيات بغير دليل، و زعم أنّ العبد من حيث لم يكن كفوا للحرّ في دمه، و كان ناقصا عنه في أحكامه لم يدخل تحت الظواهر، و قال أيضا: أن النساء قد يكنّ أقوى عدالة من الرجال و لم تكن شهادتهن مقبولة في كلّ ما يقبل فيه شهادة الرجال‏ (2) ، و هذا منه غلط فاحش؛ لأنّه إذا ادّعى أنّ الظواهر اختصت بمن تتساوى أحكامه في الأحرار كان عليه الدليل؛ لأنّه ادّعى ما يخالف الظواهر و لا يجوز رجوعه في ذلك إلى أخبار الآحاد التي يروونها؛ لأنّا قد بيّنا ما في ذلك.

فأمّا النساء فغير داخلات في الظواهر التي ذكرناها مثل قوله تعالى:

وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، و مثل قوله تعالى: شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ (3) فإنّما أخرجنا النساء من هذه الظواهر؛ لأنّهن ما دخلن فيها، و العبيد العدول داخلون فيها بلا خلاف و يحتاج في إخراجهم إلى دليل‏ (4) .

[الرابع: ]و ممّا يظنّ إنفراد الإمامية به و لها فيه موافق القول: بأنّ شهادة

____________

(1) الوسائل، 18: 255، 277، 278.

(2) مختلف الشيعة: 8: 515.

(3) سورة البقرة، الآية: 282.

(4) الانتصار: 346.

396

الأعمى إذا كان عدلا مقبولة على كلّ حال، و لا فرق بين أن يكون ما علمه و شهد به كان قبل العمى أو بعده... دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه-زائدا على إجماع الطائفة-ظواهر الكتاب التي تلوناها و استدللنا بها على جواز شهادة العبيد و غيرهم؛ لأنّ الأعمى داخل في هذه الظواهر و لا يمنع عماه من كونها متناولة له... (1) فاستدلّ المخالف بقوله: وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَعْمى‏ََ وَ اَلْبَصِيرُ (2) .

فالجواب عنه أنّ الآية مجملة لم تتضمّن ذكر ما لا يستوون فيه، و ادّعاه العموم فيما لم يذكر غير صحيح، و ظواهر آيات الشهادة تتناول الأعمى كتناولها للبصير إذا كان عدلا؛ لأنّ قوله تعالى: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجََالِكُمْ (3) يدخل فيه الأعمى كدخول البصير (4) .

[الخامس: ممّا عاب به النظام أمير المؤمنين عليه السّلام من الأحكام الّتي ادعى انه خالف فيها جميع الأمّة، قبوله شهادة الصبيان بعضهم على بعض، و اللّه تعالى يقول: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ .

و الجواب: ]و أمّا قبول شهادة الصبيان فالاحتياط للدين يقتضيه، و لم ينفرد أمير المؤمنين عليه السّلام بذلك، بل قد قال بقوله بعينه أو قريبا منه جماعة من الصحابة و التابعين‏ (5) .

و روي عن عمر بن الخطّاب و عثمان بن عفان في شهادة الصبي يشهد بعد كبره، و العبد بعد عتقه، و النصراني بعد إسلامه أنها جائزة (6) .

و هذا قول جماعة من الفقهاء المتأخّرين كالثوري و أبي حنيفة و أصحابه‏ (7) .

و روى مالك بن انس عن هشام بن عروة ان عبد اللّه بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح‏ (8) .

____________

(1) الانتصار: 249.

(2) سورة فاطر، الآية: 19.

(3) سورة البقرة، الآية: 282.

(4) الانتصار: 250.

(5) الام، 7: 47.

(6) كنز العمّال، 7: 20 ح 17770 و 27 ح 17796.

(7) الحاوي الكبير، 17: 16.

(8) موطأ، 2: 726 ح 9.

غ

397

و روي عن هشام بن عروة أنه قال سمعت أبي يقول يجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض، يؤخذ بأول قولهم‏ (1) .

و روي عن مالك بن أنس أنه قال: المجمع عليه عندنا يعني أهل المدينة أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، و لا تجوز على غيرهم إذا كان ذلك قبل ان يتفرقوا و يجيئوا و يعلموا، فإن تفرقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد اشهدوا عدولا على شهادتهم قبل ان يتفرّقوا (2) .

و يوشك أن يكون الوجه في الأخذ بأوائل أقوالهم؛ لأن من عادة الصبي و سجيته إذا أخبر بالبديهة ان يذكر الحقّ الّذي عاينه، و لا يتعمل لتحريفه.

و ليس جميع الشهادات تراعى فيها العدالة، و جماعة من العلماء (3) قد أجازوا شهادة أهل الذمّة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم، و تأولوا لذلك قول اللّه عزّ و جلّ: اِثْنََانِ ذَوََا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرََانِ مِنْ غَيْرِكُمْ (4) .

و قد أجازوا أيضا شهادة النساء وحدهن فيما لا يجوز أن تنظر إليه الرجال، و قبلوا شهادة القابلة (5) .

و إنّما أردنا بذكر قبول شهادة النساء، أن قوله تعالى: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ مخصوص غير عام في جميع الشهادات. ألا ترى ان ذلك غير مانع من قبول اليمين مع شهادة الواحد؟و بعد فليس قوله تعالى: وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ بمقتض غير الأمر بالشهادة على هذا الوجه، و ليس بمانع من قبول شهادة غير العدلين و لا تعلّق له بأحكام قبول الشهادات‏ (6) .

[السادس: انظر البقرة: 237 من الذريعة، 1: 297].

- وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِنْ نِسََائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ... [الطلاق: 4].

[فيها أمور:

____________

(1) المحلى، 9: 421.

(2) موطأ، 2: 726 ذ ح 9.

(3) المحلي، 9: 406 و 407.

(4) سورة المائدة، الآية: 106.

(5) الحاوي الكبير، 17: 8 و 19.

(6) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 215 و 216.

398

الأوّل: ]و ممّا يظنّ انفراد الإمامية به القول: بأنّ الآيسة من النساء من المحيض إذا كانت في سنّ من لا تحيض لا عدّة عليها متى طلّقت، و كذلك من لم تبلغ المحيض إذا لم يكن مثلها من تحيض لا عدّة عليها، و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك، و يوجبون العدّة على الآيسة من المحيض، و على التي لم تبلغه على كلّ حال‏ (1) و عدّة هؤلاء عندهم الاشهر، و هذا المذهب ليس بمذهب لجميع الإمامية و إن كان فيهم من يذهب إليه، و يعوّل على أخبار آحاد في ذلك، لا حجّة فيها (2) ، فليس بمذهب لجميع الإمامية فيلحق بما أجمعوا عليه.

و الذي أذهب أنا إليه أنّ على الآيسة من المحيض، و التي لم تبلغه، العدّة على كلّ حال من غير مراعاة للشرط الذي حكيناه عن أصحابنا.

و الذي يدلّ على صحة هذا المذهب قوله تعالى: وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِنْ نِسََائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ و هذا نصّ صريح في أنّ الآيسات من المحيض و اللائي لم يبلغن عدّتهن الاشهر على كلّ حال؛ لأنّ قوله تعالى: وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ معناه و اللائي لم يحضن كذلك، فان قيل: كيف تدعون أنّ الظاهر يقتضي إيجاب العدّة على ما ذكرتم على كل حال و في الآية شرط و هو قوله تعالى: إِنِ اِرْتَبْتُمْ ؟قلنا: أوّل ما نقوله: انّ الشرط المذكور في الآية لا ينفع أصحابنا؛ لأنّه غير مطابق لما يشرطونه، و إنّما يكون نافعا لهم الشرط لو قال تعالى: «إن كان مثلهن لا تحيض في الآيسات و في اللائي لم يبلغن المحيض إذا كان مثلهن تحيض» ، و إذا لم يقل اللّه تعالى ذلك و قال عزّ و جلّ: إِنِ اِرْتَبْتُمْ و هو غير الشرط الذي يشرطه أصحابنا، فلا منفعة لهم به.

و ليس يخلو قوله تعالى: إِنِ اِرْتَبْتُمْ من أن يريد به ما قال جمهور المفسّرين و أهل العلم بالتأويل من أنّه تعالى أراد به إن كنتم مرتابين في عدة هؤلاء النساء و غير عالمين بمبلغها، فقد رووا ما يقوي ذلك من أن سبب نزول

____________

(1) البحر الزخّار، 4: 220.

(2) مختلف الشيعة، 7: 466.

399

هذه الآية هو ما ذكرناه من فقد العلم، فروى مطرف عن عمرو بن سالم قال قال أبيّ بن كعب: يا رسول اللّه، انّ عددا من عدة النساء لم تذكر في الكتاب الصغار و الكبار و أولات الأحمال، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ إلى قوله: وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فكان سبب نزول هذه الآية الارتياب الذي ذكرناه.

و لا يجوز أن يكون الارتياب بأنّها آيسة أو غير آيسة؛ لأنّه تعالى قد قطع في الآية على اليأس من المحيض بقوله تعالى: وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ و المشكوك في حالها، و المرتاب في أنّها تحيض أو لا تحيض لا تكون آيسة، و المرجع في وقوع الحيض منها و إرتفاعه، إليها و هي المصدّقة على ما تخبر به فيه، فإذا أخبرت بأنّ حيضها قد ارتفع قطع عليه، و لا معنى للارتياب مع ذلك، و إذا كان الحيض المرجع فيه إلى النساء، و معرفة الرجال به مبنية على إخبار النساء و كانت الريبة المذكورة في الآية منصرفة إلى اليأس من المحيض، فكان يجب أن يقول تعالى: إن إرتبتن أو إن إرتبن؛ لأنّه حكم يرجع إلى النساء و يتعلّق بهنّ فهنّ المخاطبات به، فلمّا قال اللّه تعالى: إِنِ اِرْتَبْتُمْ فخاطب الرجال دون النساء، علم أنّ المراد هو الإرتياب في العدّة و مبلغها.

فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الارتياب هاهنا إنّما هو بمن تحيض أو لا تحض ممن هو في سنّها على ما يشرطه بعض أصحابكم؟

قلنا: هذا يبطل؛ لأنّه لا ريب في سنّ من تحيض أو لا تحيض مثلها من النساء؛ لأنّ المرجع فيه إلى العادة. ثم إذا كان الكلام مشروطا فالأولى أن يعلّق الشرط بما لا خلاف فيه دون ما فيه الخلاف. و قد علمنا أنّ من شرط وجوب الاعلام بالشي‏ء و الاطلاع عليه فقد العلم و وقوع الريب ممّن يعلم بذلك و يطّلع عليه، فلا بدّ إذن من أن يكون ما علّقنا نحن الشرط به، و جعلنا الريبة ممّن يعلم بذلك، واقعة فيه مرادا، و إذا ثبت ذلك لم يجز أن يعلّق الشرط بشي‏ء آخر ممّا ذكروه أو غيره؛ لأنّ الكلام يستقلّ يعلّق الشرط بما ذكرنا أنّه لا خلاف فيه و لا حاجة به بعد الاستقلال إلى أمر آخر، ألا ترى أنّه لو استقل بنفسه لما جاز

400

اشتراطه؟فكذلك إذا استقلّ مشروطا بشي‏ء لا خلاف فيه، فلا يجب تجاوزه و لا تخطيّه إلى غيره‏ (1) .

[الثاني: ]و ممّا يظنّ أنّ الإمامية مجتمعة عليه، و منفردة به القول: بأنّ عدّة الحامل المطلّقة أقرب الأجلين، و تفسير ذلك أنّ المطلقة إذا كانت حاملا، و وضعت قبل مضي الاقراء الثلاثة فقد بانت بذلك، و إن مضت الاقراء الثلاثة قبل أن تضع حملها بانت بذلك أيضا.

و قد بيّنا في جواب المسائل الواردة من أهل الموصل الفقهية (2) أنّه ما ذهب جميع أصحابنا إلى هذا المذهب، و لا أجمع العلماء منا عليه، و أكثر أصحابنا يفتي بخلافه، و يذهب إلى أنّ عدّة من ذكرنا حالها وضعها الحمل، و إنّ من ذهب إلى خلاف ما نصرناه إنّما عوّل على خبر يرويه زرارة بن أعين عن أبي جعفر عليه السّلام‏ (3) و قد بيّنا أنّه ليس بحجة توجب العلم، و سلّمناه مع ذلك، و تأوّلناه و استوفينا هناك من الكلام ما لا طائل في إعادته هاهنا (4) ، و في الجملة: إذا كانت هذه المسألة ممّا لا يجمع أصحابنا عليها و يختلفون فيها (5) ، فهي خارجة عمّا بنينا هذا الكتاب عليه.

فإن قيل: فما حجّتكم على كلّ حال على أنّ عدة المطلقة إذا كانت حاملا هي وضعها للحمل دون الاقراء؟فان إحتججتم بقوله تعالى: وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (6) عورضتم بعموم قوله تعالى: وَ اَلْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاََثَةَ قُرُوءٍ (7) .

فالجواب عن ذلك: أنّه لا خلاف بين العلماء في أنّ آية وضع الحمل عامة في المطلّقة و غيرها، و أنّها ناسخة لما تقدّمها، و ممّا يكشف عن ذلك أنّ قوله تعالى: وَ اَلْمُطَلَّقََاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاََثَةَ قُرُوءٍ وَ لاََ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مََا خَلَقَ اَللََّهُ فِي

____________

(1) الانتصار: 145.

(2) الرسائل، 1: 186.

(3) من لا يحضره الفقيه، 3: 509 ح 1.

(4) لمّا كانت المسألة المذكورة مشتملا على تحليل روائي بحت لم نذكره.

(5) مختلف الشيعة، 7: 497 و 498.

(6) سورة الطلاق، الآية: 4.

(7) سورة البقرة، الآية: 228.

401

أَرْحََامِهِنَّ إنّما هو في غير الحوامل، فانّ من استبان حملها لا يقال فيها: لا يحلّ لها أن تكتم ما خلق اللّه تعالى في رحمها، و إذا كانت هذه خاصّة في غير الحوامل لم تعارض آية الوضع، و هي عامة في كل حامل من مطلّقة و غيرها (1) .

[الثالث: ]و ممّا انفردت به الإمامية أنّ عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها أبعد الأجلين، و تصوير هذه المسألة: أنّ المرأة إذا كانت حاملا فتوفّى عنها زوجها، و وضعت حملها قبل أن تنقضي العدة أربعة أشهر و عشرة أيام لم تنقض بذلك عدّتها حتى تمضي أربعة أشهر و عشرة أيام، فإن مضت عنها أربعة أشهر و عشرة أيام و لم تضع حملها لم يحكم لها بانقضاء العدّة حتى تضع الحمل، فكان العدة تنقضي بأبعد هذين الأجلين مدّة، إمّا مضي الأشهر أو وضع الحمل.

و هذه المسألة يخالف فيها الإمامية جميع الفقهاء في أزماننا هذا؛ لأنّ الفقهاء يحكون في كتبهم و مسائل خلافهم خلافا قديما فيها، و أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام و عبد اللّه بن عباس كانا يذهبان إلى مثل ما تفتي به الإمامية الآن فيها (2) ، و الحجة للامامية الاجماع المتردد في هذا الكتاب، و أيضا فإنّ العدّة عبادة يستحقّ فيها الثواب، و إذا بعد مداها زادت مشقّتها، و كثر الثواب عليها في العدّة، و من وضعت حملها عقيب وفاة زوجها لا مشقّة عليها في العدّة، و إذا مضت عليها أربعة أشهر و عشرة أيام كانت المشقة أكثر و الثواب أوفر، فقولنا أولى من قولهم.

فإن احتجّوا بظاهر قوله تعالى: وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، و أنّه عام في المتوفّى عنها زوجها و غيرها عارضناهم بقوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوََاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (3) و أنّه عام في الحامل و غيرها، ثمّ لو كانت آيتهم التي ذكروها عامّة الظاهر جاز أن نخصّها بدليل، و هو إجماع الفرقة المحقّة الذي قد بيّنا أنّ الحجة فيه‏ (4) .

____________

(1) الانتصار: 148 و راجع أيضا الناصريات: 359.

(2) المغني (لابن قدامة) ، 9: 110.

(3) سورة البقرة، الآية: 234.

(4) الانتصار: 149 و راجع أيضا الناصريات: 359.

402

- وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمََّا آتََاهُ اَللََّهُ [الطلاق: 7]

أنظر الأنبياء: 7، 8 من التنزيه: 141.

- وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَ رُسُلِهِ فَحََاسَبْنََاهََا حِسََاباً شَدِيداً وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً (8) فَذََاقَتْ وَبََالَ أَمْرِهََا وَ كََانَ عََاقِبَةُ أَمْرِهََا خُسْراً (9) [الطلاق: 8-9]

أنظر النمل: 16 من الأمالي، 2: 293.

- قَدْ أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10) `رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيََاتِ اَللََّهِ مُبَيِّنََاتٍ... [الطلاق:

10-11]

أنظر الأنبياء: 2 من الملخص، 2: 423.

- اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ... [الطلاق: 12].

[إن سأل سائل فقال: ]الفراغ له نهاية، و القديم تعالى يعلم منتهى نهايته، و هذا الفراغ أي شي‏ء هو، و كذلك الطبقة الثانية من الأرض و الثامنة من السماء نقطع أن هنا للّه فراغا أم لا، فإن قلت: لا، طالبناك بما وراء الملاء، و هل القديم تعالى يعلم أن هناك نهاية، فإن قلت: نعم، طالبناك أي شي‏ء وراء النهاية؟

الجواب و باللّه التوفيق:

إن الفراغ لا يوصف بأنه منتهاه، و لا أنه غير منتهاه على وجه الحقيقة، و إنّما؛ لا يوصف بذلك مجازا و اتساعا.

و أما قوله: و هذا الفراغ أي شي‏ء هو، فقد قلنا: إنه لا جوهر و لا عرض و لا قديم و لا محدث و لا هو ذات و لا معلوم كالمعلومات.

فأمّا الطبقة الثانية من الأرض فما نعرفها، و الذي نطق به القرآن «سبع سماوات و من الأرض مثلهن» فأما غير ذلك فلا طريق يقطع به من عقل و لا شرع.

[انظر أيضا المؤمنون: 17 من الرسائل، 3: 140].

403

سورة التحريم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضََاتَ أَزْوََاجِكَ وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم:

1].

[فان قيل: ما وجه هذه الآية]أو ليس ظاهر هذا الخطاب يتضمّن العتاب؟ و العتاب لا يكون إلاّ على ذنب كبير أو صغير؟.

الجواب: قلنا: ليس في ظاهر الآية ما يقتضي عتابا و كيف يعاتبه اللّه تعالى على ما ليس بذنب؛ لأنّ تحريم الرجل بعض نسائه لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح و لا داخل في جملة الذنوب، و أكثر ما فيه أنّه مباح.

و لا يمتنع أن يكون قوله تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضََاتَ أَزْوََاجِكَ خرج مخرج التوجّع من حيث يتحمّل المشقّة في إرضاء زوجاته، و إن كان ما فعل قبيحا. و لو أن أحدنا أرضى بعض نسائه بتطليق أخرى أو بتحريمه الحسن أن يقال له: لم فعلت ذلك و تحمّلت المشقّة فيه، و إن كان ما فعل قبيحا.

و يمكن أيضا إذا سلّمنا أنّ القول يقتضي ظاهره العتاب أن يكون ترك التحريم أفضل من فعله، فكأنّه عدل بالتحريم عن الأولى. و يحسن أن يقال لمن عدل عن النفل: لم لم تفعله؟و كيف عدلت عنه؟و الظاهر الذي لا شبهة فيه قد يعدل عنه لدليل، فلو كان للآية ظاهر يقتضي العتاب لجاز أن يصرفه إلى غيره لقيام الدلالة على أنّه لا يفعل شيئا من الذنوب، و لأنّ القصّة الّتي خرجت الآية عليها لا يقتضي ما له تعلّق بالذنب على وجه من الوجوه‏ (1) .

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 168. و راجع أيضا الأمالي، 2: 330.

غ

404

- وَ إِذْ أَسَرَّ اَلنَّبِيُّ إِلى‏ََ بَعْضِ أَزْوََاجِهِ حَدِيثاً فَلَمََّا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اَللََّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمََّا نَبَّأَهََا بِهِ قََالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هََذََا قََالَ نَبَّأَنِيَ اَلْعَلِيمُ اَلْخَبِيرُ [التحريم: 3].

أنظر البقرة: 23 من الذخيرة: 364.

- إِنْ تَتُوبََا إِلَى اَللََّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا وَ إِنْ تَظََاهَرََا عَلَيْهِ فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ مَوْلاََهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بَعْدَ ذََلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: 4].

[فيها أمران: ]

[الأوّل: استدلّ بهذه الآية على أنّ أقلّ الجمع اثنان: قال السيّد: ]فأمّا قوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا ، ففيه تصرّف مليح فصيح؛ لأنّا نعلم أنّ القلب نفسه لا يصغى و لا يتعلّق بغيره، و إنّما المتعلّق بغيره ما يحلّ فيه من دواع، و محبّات، و إرادات، فحذف ذكر الحالّ فيه، و أقام المحلّ مقامه، و جمع المحلّ الّذي هو القلب، لما كان هو و الحالّ جمعا، و من عادتهم ذلك، لقرب الحالّ من محلّه، و المحلّ من الحالّ، و يجوز أن يكون شاهدا له قوله تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ اَلَّتِي (1) و «جاء ربّك» لإقامة المضاف إليه مقام المضاف‏ (2) .

[الثاني: قال القاضي: دليل لهم آخره، ربّما تعلقوا بهذه الآية]و يقولون المراد بصالح المؤمنين هو أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام و قد جعله اللّه تعالى مولى للرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و لا يجوز أن يخصه بذلك إلاّ لأمر يختصّ‏ (3) به دون سائر المؤمنين، و ذلك الأمر ليس إلاّ طريقة الإمامة (4) .

ثم أورد كلاما كثيرا أبطل به دلالة هذه الآية على النصّ، و الذي نقوله إن الآية التي تلاها لا تدلّ عندنا على النصّ على أمير المؤمنين عليه السّلام بالإمامة و لا اعتمدها أحد من شيوخنا في هذا الموضع، و كيف يصحّ اعتمادها في النصّ من حيث تتعلّق بلفظة «مولاه» ؟و نحن نعلم إن هذه اللفظة لو اقتضت النصّ بالإمامة لوجب أن يكون أمير المؤمنين عليه السّلام إماما للرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؛ لأن المكنّى عنه بالهاء

____________

(1) سورة يوسف، الآية: 82.

(2) الذريعة، 1: 233.

(3) يختصه خ ل.

(4) المغني، 20: 139.