نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
405

التي في لفظة «مولاه» هو الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و لو اقتصر صاحب الكتاب في إبطال دلالة الآية على النصّ على ما ذكرناه لكفاه و لاستغنى عن غيره.

و إنّما يعتمد أصحابنا هذه الطريقة من الآية في الدلالة على فضل أمير المؤمنين عليه السّلام و تقدّمه و علوّ رتبته، فإن جعل لها تعلّق بالنصّ على الإمامة من حيث دلّت على الفضل المعتبر فيها و كان الإمام لا يكون إلاّ الأفضل جاز، و ذلك لا يخرجها من أن يكون غير دالة بنفسها على الإمامة، بل يكون حكمها في الدلالة على الفضل حكم غيرها من الأدلّة عليه و هي كثيرة، و ربما استدل أصحابنا بهذه الآية على سوء طريقة المرأتين اللتين توجه العتب إليهما، و اللوم في الآية، و يذكرون في السر الذي أفشته إحداهما إلى صاحبتها خلاف ما يذكره المخالفون، و الطريقة لنصرة هذا الوجه معروفة، و لو لا أن الموضع لا يقتضيها لبسطناها ضربا من البسط.

فأما وجه دلالة الآية على الفضل و التقدّم فواضح؛ لأنّه قد ثبت بالخبر الذي اشتركت في روايته رواة الخاصة و العامة أن «صالح المؤمنين» المذكور في الآية هو أمير المؤمنين عليه السّلام، و ليس يجوز أن يخبر اللّه تعالى أنه ناصر رسوله إذا وقع التظاهر عليه بعد ذكر نفسه تعالى و ذكر جبرئيل عليه السّلام إلاّ من كان أقوى الخلق نصرة لنبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و أمنعهم جانبا في الدفاع عنه، و لا يحسن و لا يليق بموضوع الكلام ذكر الضعيف النصرة، و المتوسط فيها ألا ترى أن أحد الملوك لو تهدّد بعض أعدائه ممن ينازعه سلطانه و يطلب مكانه، فقال: «لا تطمعوا فيّ و لا تحدّثوا نفوسكم بمغالبتي، فإن معي من أنصاري فلانا و فلانا» ؛ فإنه لا يحسن أن يدخل في كلامه إلاّ من هو الغاية في النصرة، و المشهور بالشجاعة، و حسن المدافعة؟

فأمّا ما حكاه عن أبي مسلم من أن المراد بصالح المؤمنين الجميع و سقطت الواو كما سقطت من قوله: يَوْمَ يَدْعُ اَلدََّاعِ إِلى‏ََ شَيْ‏ءٍ نُكُرٍ (1) فما قاله جائز

____________

(1) سورة القمر، الآية: 6.

406

غير ممتنع، و جائز أيضا أن يريد بصالح المؤمنين الجميع، و إن كان أتى بلفظ الواحد، غير أن العمل بالرواية يمنع من حمل الآية على الجميع.

فأمّا حكايته عن أبي هاشم قوله: إن الآية لا تليق إلاّ بالجمع؛ لأنّه تعالى بيّن لهم حال الرسول بنصرة الغير و مظاهرته، فلا بدّ من أن يذكر الجمع فيه» فتوهم منه طريف؛ لأن المخصوص بالذكر إذا كان أعظم شأنا في النصرة و أظهر حالا في الغناء (1) و صدق اللقاء كان تخصيصه أولى بالحال من ذكر الجميع الذين ليست لهم هذه المنزلة، فكان ذكر الأفضل في النصرة و الأشهر بها أليق بمثل هذا الكلام.

قال صاحب الكتاب: «و ربّما تعلّقوا بهذه الآية من وجه آخر بأن يقولوا يدلّ على أنه الأفضل لتخصيصه بالذكر (2) ، و لأنّه جعل صالح المؤمنين و هو بمعنى الأصلح من جماعتهم، فإذا كان الأفضل أحق بالإمامة فيجب أن يكون إماما» .

قال: و نحن نبيّن من بعد أن الأفضل ليس بأولى بالإمامة و أنه‏ (3) لا يمتنع العدول عنه إلى غيره، و بعد فإن قوله: «و صالح المؤمنين» لا يدلّ على أنه أصلحهم و أفضلهم و إنما يدل على أنه صالح، و أنه ظاهر الصلاح، فهو بمنزلة قول القائل: «فلان شجاع القوم» إذا ظهرت شجاعته فيهم، و إن لم يكن بأشجعهم، فلا اللغة تقتضي ذلك و لا التعارف، و إن كنا قد بيّنا أن تسليم ذلك لا يوجب ما قالوه، و بيّنا أن الآية لا تدلّ على أنه المراد به دون غيره، و لا الروايات المرويّة في ذلك متواترة فيقطع بها» (4) .

يقال له: أما التخصيص بالذكر فيفيد ما قدّمناه من التقدّم في النصرة لكلّ أحد، و لم نرك أبطلت ذلك بشي‏ء، و إنما تكلّمت على الأصلح، و الظاهر من قوله تعالى: وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ يقتضي كونه أصلح من جميعهم بدلالة العرف

____________

(1) الغناء-بفتح-: إذا كان بالمعجمة فهو الدفع و المنع، و إذا كان بالمهملة فهو التعب.

(2) في المغني «لتخصيصه بالولي» .

(3) في المغني «مع أنّه لا يمتنع» .

(4) المغني، 20: 141.

407

و الاستعمال؛ لأن أحدنا إذا قال: «فلان عالم قومه» ، و «زاهد أهل بلده» ، لم يفهم من كلامه إلاّ كونه أعلمهم و أزهدهم، و يشهد أيضا بصحة قولنا ما روي عن أبي عمرو بن العلاء من قوله: كان أوس بن حجر شاعر مضرّ حتى نشأ النابغة و زهير فطأطئا منه، فهو شاعر تميم في الجاهلية غير مدافع، و إنما أراد بلفظة شاعر أشعر لا غير.

فأمّا ما ذكره من قولهم: «فلان شجاع القوم» فهو جار مجرى ما ذكرناه؛ لأنه لا يفهم منه إلاّ أنه أشجعهم، ألا يعلم أنه لا يقال في كلّ واحد من القوم إذا ظهرت منه شجاعة مّا: «إنّه شجاع القوم» ، و قد دلّلنا على أن الأفضل أحق بالإمامة، و إنها لا تجوز للمفضول فيما تقدّم، و الرواية الواردة بنزول الآية في أمير المؤمنين عليه السّلام و إن لم تكن متواترة فهي مما ظهر نقله بين أصحاب الحديث خاصتهم و عامتهم، و ما له هذا الحكم من الرواية يجب قبوله، على أن الشيعة مجمعة على توجّه الآية إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و اختصاصه بها و إجماعهم حجّة (1) .

[الثالث: انظر المائدة 67 من الشافي، 2: 258].

- لاََ يَعْصُونَ اَللََّهَ مََا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6].

فأمّا القبيح فتختلف أحوال الفاعلين فيه... و أما الملائكة: فالرسل منهم لا يجوز عليهم فعل القبيح، و لا دليل يدلّ على أنّ جميعهم بهذه الصفة؛ لأنّ قوله تعالى: لاََ يَعْصُونَ اَللََّهَ مََا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ لا دليل يوجب القطع على عمومه في جماعتهم، أو في جميع أفعالهم‏ (2) .

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 2: 248.

(2) الذريعة، 2: 570.

408

سورة الملك‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- مََا تَرى‏ََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ... [الملك: 3].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- أَ لاََ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ [الملك: 14].

و يوصف تعالى بأنه «لطيف» مقيّدا بالتدبير و الصنع، و لا يطلق عليه تعالى لاقتضائه اللطافة، و هي من صفات الجواهر (1) .

- أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ فَإِذََا هِيَ تَمُورُ (16) `أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حََاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) [الملك: 16-17].

... فالسماء هي الارتفاع و العلو...

و يقال: سما فلان يسمو سموّا، إذا ارتفع شأنه و علا أمره، [و في هذه الآية] أخبر تعالى بقدرته و سلطانه و علوّ شأنه و نفاذ أمره.

و قد قيل في قوله تعالى: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ غير هذا، و أنّ المراد:

أأمنتم من في السماء أمره و آياته و قدرته و رزقه؛ و ما جرى مجرى ذلك‏ (2) . و قال أميّة بن أبي الصلت شاهدا لما تقدّم:

و أشهد أنّ اللّه لا شي‏ء فوقه # عليّا و أمسى ذكره متعاليا

____________

(1) الذخيرة: 589.

(2) أقول: أوّل السيّد هذه الآية «16» في «الملخص» هكذا: «هل أمنتم من في السماء عذابه و ملائكته المؤكّلون» و ذلك في الردّ على من استدلّ بها على كونه تعالى في جهة. راجع الملخص، 2: 211 و 212.

409

و قال سليمان بن يزيد العدويّ:

لك الحمد يا ذا الطّول و الملك و الغنى # تعاليت محمودا كريما و جازيا

علوت على قرب بعزّ و قدرة # و كنت قريبا في دنوّك عاليا

و السماء أيضا سقف البيت، و منه قوله تعالى: مَنْ كََانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اَللََّهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى اَلسَّمََاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مََا يَغِيظُ (1) .

و قال ابن الأعرابيّ: يقال لأعلى البيت: سماء البيت، و سماواته، و سراته، و صهوته؛ و السماء أيضا: المطر قال اللّه تعالى: وَ أَرْسَلْنَا اَلسَّمََاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرََاراً (2) ؛ و منه الحديث الذي رواه أبو هريرة أنّ النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مرّ على صبرة طعام، فأدخل عليه السّلام يده فيها، فنالت أصابعه بللا؛ فقال: ما هذا يا صاحب البرّ؟قال:

أصابته السماء يا رسول اللّه، قال صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: أو لا جعلته فوق الطّعام، يراه الناس! من غشّ فليس منا» . و قال المثقّب العبديّ:

فلمّا أتاني و السّماء تبلّه # فقلت له: أهلا و سهلا و مرحبا

و يقال أيضا لظهر الفرس: سماء؛ كما يقال في حوافره: أرض. و لبعضهم في فرس:

و أحمر كالدّينار، أمّا سماؤه # فخضب، و أمّا أرضه فمحول‏ (3)

و إنّما أراد أنّه سمين الأعلى، عريان القوائم ممشوقها؛ و كلّ معاني السماء التي تتصرّف و تتنوع ترجع إلى معنى الارتفاع و العلوّ و السموّ؛ و إن اختلفت المواضع التي أجريت هذه اللفظة فيها (4) .

- قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مََاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمََاءٍ مَعِينٍ [الملك: 30].

أنظر البقرة: 177 من الأمالي، 1: 207.

____________

(1) سورة الحج، الآية: 15.

(2) سورة الأنعام، الآية: 6.

(3) البيت لطفيل الغنوي، و هو في ملحقات ديوانه 63، و اللسان (سما) .

(4) الأمالي، 2: 146.

410

سورة القلم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- قََالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لاََ تُسَبِّحُونَ [القلم: 28].

أنظر البقرة: 143 من الشافي، 1: 229.

- وَ قَدْ كََانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سََالِمُونَ [القلم: 43]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177: إلى 247.

- فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاََ تَكُنْ كَصََاحِبِ اَلْحُوتِ إِذْ نََادى‏ََ وَ هُوَ مَكْظُومٌ [القلم: 48]

أنظر الأنبياء: 7، 8 من التنزيه: 141.

411

سورة الحاقة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ [الحاقة: 19].

أنظر المائدة: 6، الأمر الثاني من الرسائل، 3: 161.

- كُلُوا وَ اِشْرَبُوا هَنِيئاً بِمََا أَسْلَفْتُمْ فِي اَلْأَيََّامِ اَلْخََالِيَةِ [الحاقّة: 24].

اعلم أن سقوط التكليف عن جميع أهل الآخرة واجب، أمّا أهل الثواب فلأنه يجب أن يكون خالصا من المشاق وجب سقوط تكليفهم، و أمّا المعاقب فلو كان مكلّفا لجاز وقوع التوبة منه و سقوط العقاب بها.

و لو اعتمد في سقوط التكليف عن أهل الآخرة عن أن الإجماع مانع من تجويز استحقاق الثواب هناك أو عقاب لكان واضحا، و قوله تعالى: كُلُوا وَ اِشْرَبُوا لأهل الجنّة ليس بأمر على الحقيقة و ان كانت له صورته.

و عند أبي علي و أبي هاشم أنه أمر، لكنّه زائد في سرور أهل الجنّة إذا علموا إنّ اللّه تعالى أراد منهم الأكل و أمرهم به، و يكون الأمر تكليفا إذا انضمت إليه المشقّة.

فإذا قيل: فأهل الجنّة يشكرون اللّه تعالى على نعمه.

قلنا: الشكر بالقلب يرجع إلى الاعتقادات، و اللّه تعالى يفعل فيهم المعارف كلّها، فلا وجوب عليهم، و أمّا الشكر باللسان فيجوز أن يكون لهم فيه لذّة، فيكون غير مناف للثواب.

و ممّا يجب عليه: أن معارف أهل الآخرة ضرورية، و هم ملجأون إلى أن لا يفعلوا القبيح.

412

و الّذي يدلّ على أنهم يعرفون اللّه تعالى-قبل أن نبيّن كيفيّة هذه المعرفة- أن المثاب لا بدّ أن يعلم وصول الثواب إليه على الوجه الّذي استحقّه، و قد علمنا أن العلم بما ذكرناه لا يصحّ إلاّ مع كمال العقل و المعرفة باللّه تعالى و حكمته، ليعلم أن ما فعله به هو الّذي استحقّه، و القول في المعاقب مثله في المثاب.

و أيضا فإن من شرط الثواب أن يصل إلى مستحقّه مع الإعظام و الإكرام من فاعل الثواب؛ لأن الإعظام من غير فاعل الثواب لا يؤثّر فيه، و الإعظام لا يعلم إلاّ مع القصد إلى التعظيم، و لا يجوز أن يعلموا قصده و لا يعلموه، و كذلك القول في العقاب و وصوله على سبيل الاستخفاف و الإهانة، و وجوب معرفة القصد من فاعله.

و أيضا فإنّ الثواب يجب وصوله إلى المثاب إلى أبلغ وجوه الانتفاع، و هذا يقتضي أن يكون المثاب كامل العقل، و إذا فعل به الثواب و لم يعلم أنه هو الّذي استحقّه عرّض بذلك الاعتقاد الجهل؛ لأن الأصل في النفع أنه تفضل، و كذلك أهل النار متى لم يعرفوا ربّهم، و أنه قد أوصل إليهم الآلام على سبيل الاستخفاف كانوا معرّضين لاعتقاد كونها ظلما، و هو جهل.

و يقدح في هذا الوجه خاصّة: أن العاقل يعلم بعقله قبح الاقدام على ما لا يأمن كونه جهلا، و إذا لم يعلموا جهة وقوع الثواب أو العقاب بهم وجب أن يتوقّفوا عن الاعتقاد فيشكوا.

و إذا وجب في أهل الآخرة أن يكونوا عارفين باللّه تعالى فلا يخلو معرفتهم من أن يكون من فعل اللّه تعالى فيهم أو من فعلهم، فإن كانت من فعلهم لم يخل من أن تكون واقعة عن نظر مختار، أو ملجأ إلى فعله، أو عن تذكر نظر، أو بأن يلجأ الفاعل إلى نفس المعرفة من تقدّم نظر، و إذا أبطلنا ما عدا المعرفة الضروريّة ثبت ما أردناه.

و لا يجوز أن تكون واقعة عن نظر مبتدأ؛ لأن ذلك تكليف و هو مشقّة، و قد بيّنا سقوط التكليف عنهم. غ

413

و ليس لهم أن يقولوا: إن الشبهات لا تعرض في دار الآخرة بمعاينة تلك الآيات و الأحوال؛ لأن ذلك كلّه لا يمنع من تطرق الشبهة، و أن تكون المعرفة مكتسبة، كما لا يمنع معاينة المعجزات و ظهور خرق العادات في الدنيا من اكتساب المعرفة و تطرق الشبهة، و ان قلّت أو كثرت.

و لا يجوز أن يكون الالجاء إلى المعرفة؛ لأن الإلجاء إلى أفعال القلوب الّتي تخفى عن غير اللّه تعالى لا يجوز أن يكون إلاّ من اللّه تعالى، و إذا وجب أن يكون الملجأ إلى العلم عارفا باللّه تعالى، فقد استغنى بتقدّم المعرفة حقّ الإلجاء إليها.

و قد قيل: إنّما يلجأ إلى العلم، بأن يعلم أنه ميت حاول اعتقاد غيره منع منه فقد أمر على الاعتقاد الّذي وصفنا حاله، لا يكون له الاعتقاد علما؛ لأنه ليس من الوجوه المذكورة الّتي يكون لها الاعتقاد علما، كالنظر و تذكر الدليل و غيرهما، و إذا بطلت الأقسام الّتي قسمناها (1) وجب كون معارفهم ضروريّة.

و اعلم أن أهل الآخرة أن يكونوا مضطرّين إلى أفعالهم-على ما ذهب إليه أبو الهذيل؛ لأن الاضطرار في الأفعال ينقص من لذّتها-فالتخيير فيها أبلغ في اللّذة و السرور؛ لأنّ اللّه تعالى إنّما رغّب في وصول الثواب إلينا في الآخرة على الوجه المأوّل المعروف في الدنيا، و إنّما يكون ذلك على وجه التخيير.

و هذا الوجه و ان لم يستمرّ في أهل النار و لا في جمع أهل الموقف، فبالإجماع نعلم تساوي الجميع في هذا الحكم؛ لأن الناس بين قائلين: فقائل ذهب إلى الضرورة و يعمّ بها على جميع أهل الآخرة، و الآخر يذهب إلى الاختيار فيعمّهم به أيضا.

و إذا تأملت القرآن وجدته دالاّ على أن أهل الآخرة متخيّرون لأفعالهم؛ لأنه تعالى أضاف إليهم الأفعال، فقال تعالى: يَأْكُلُونَ* و يَشْرَبُونَ و يَفْعَلُونَ* ، و ذلك يقتضي أنها أفعال لهم لا ضرورة فيه، و قوله تعالى: وَ فََاكِهَةٍ مِمََّا يَتَخَيَّرُونَ (2) صريح في أنهم مختارون.

____________

(1) في النسختين «قسماها» .

(2) سورة الواقعة، الآية: 20.

414

و إذا ثبت أنهم غير مضطرّين إلى أفعالهم و لم يجز أن يكلّفوا ترك القبيح لما تقدّم ذكره، فلا بدّ إذا علمنا أن القبيح لا يقع منهم من أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا، و إنّما يكونوا ملجئين بأن يعلمهم اللّه تعالى أنهم متى حاولوا القبيح منعوا منه. و قد ثبت في الشاهد أن الإلجاء يقع بهذا الوجه مع غلبة الظنّ و تظاهر الأمارات، فبأن يقع مع العلم أولى.

و يمكن أن يلجأ بوجه آخر، و هو: أن يعلمهم استغناءهم عن القبيح بالحسن المطابق لأغراضهم و شهواتهم مع ما في القبيح من المضمرة، فيكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوه، و يخالف حالهم في ذلك حال القديم تعالى إذا لم يفعل القبيح لقبحه؛ لأن المنافع و المضارّ لا يجوزان عليه تعالى، فالإلجاء فيه غير متصوّر.

و ليس يجب إذا كانوا متصوّرين للمضرّة في القبح أن يكونوا في الحال مغمومين و على مضرّة؛ لأن تصوّر المضرّة في المستقبل لا يوجب في الحال، لا سيّما إذا كان الوصول إليها مأمونا، و الوجه الأوّل كأنه أبين و أوضح‏ (1) .

____________

(1) الذخيرة: 524.

415

سورة المعارج‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) `لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ (25) [المعارج: 24-25]

أنظر المقدمة الثالثة، الأمر الرابع.

416

سورة نوح‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِنََّا أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ... [نوح: 1].

أنظر المائدة: 55 من الشافي، 2: 217 و التوبة: 40 من الشافي، 4:

25.

- أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ (3) `يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى [نوح: 3، 4].

أنظر الأنعام: 2 من الذخيرة: 261.

- فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً [نوح: 6].

أنظر آل عمران: 8 من الأمالي، 2: 25.

- وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ بِسََاطاً [نوح: 19].

أنظر المؤمنون: 17 من الرسائل، 3: 140.

417

سورة الجنّ‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمََا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اَللََّهُ أَحَداً [الجن: 7].

أنظر المائدة: 6، الأمر الثاني من الرسائل، 3: 161.

- وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ [الجن: 23].

أنظر النور: 63 من الذريعة، 1: 66.

418

سورة المزمّل‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِنَّ هََذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ سَبِيلاً [المزمل: 19].

أنظر التكوير: 26، 29 من الأمالي، 1: 507 و البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ... [المزمل: 20].

[فيها أمور:

الأوّل: قال الناصر رحمه اللّه: ] «تجب القراءة في الركعتين الأوّليين» .

عندنا: أنّ القراءة في الركعتين الأوليين واجب، و لا يجوز الإخلال بها، و أمّا الركعتان الآخرتان فهو مخير بين القراءة و بين التسبيح، و أيّهما فعل أجزأه...

دليلنا على صحّته: الاجماع المتكرر ذكره... و أيضا قوله تعالى: فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ و ظاهر هذه الآية يقتضي عموم الأمر الذي هو على الوجوب لكلّ الأحوال، الذي من جملتها الصلاة، فوجب أن تكون القراءة واجبة في الأوّلتين تضييقا و في الآخرتين أيضا، إلاّ أنّه لمّا قام الدليل على أنّ التسبيح في الأخيرتين يقوم مقام القراءة قلنا: إنّ إيجاب القراءة فيهما على سبيل التخيير، و كون الشي‏ء مخيّرا فيه لا يخرجه من أن يكون واجبا، و من الدخول تحت ظاهر الآية (1) .

[الثاني: قال الناصر رحمه اللّه: ]وجوب القراءة متعيّن بفاتحة الكتاب، و غير متعيّن بالسورة الأخرى» .

____________

(1) الناصريات: 216.

419

عندنا: أنه لا يجزي في الركعتين الأوّلتين إلاّ بفاتحة الكتاب، و وافق الشافعيّ على ذلك، و زاد إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة لمن أحسنها (1) ...

دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتردّد، ما رواه عبادة بن صامت:

أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال: «لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» (2) .

فإن قيل: هذا يقتضي وجوب قراءة الفاتحة في كلّ ركعة، و لا يجوز غيرها.

قلنا: ليس كذلك، لأن قوله: «لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» إنّما يدلّ على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة في الجملة، من غير تفصيل الركعات، و أبو حنيفة يجوّز صلاة ليس في شي‏ء منها الفاتحة، فالخبر دليل عليه...

فإن قيل: قوله تعالى: فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ فهو مخيّر بين الفاتحة و غيرها.

قلنا: الآية مجملة، و أخبارنا (3) مفسّرة مبيّنة فالعمل عليها أولى.

و ليس لهم أن يقولوا: هذا نسخ الآية.

و ذلك أنّ البيان و التفسير ليس بنسخ، و لو قال اللّه تعالى: فاقرأوا ما تيسر من القرآن و هو فاتحة الكتاب صحّ، و لو كان يقتضي النسخ لما صحّ أن يضم إلى اللفظ في الصريح‏ (4) .

[الثالث: قال الناصر رحمه اللّه: ] «لو قرأ بالفارسيّة بطلت صلاته» .

و هذا هو الصحيح عندنا... دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرر قوله تعالى: فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ .

و قوله صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .

و الاحتجاج بالآية و الخبر صحيح إذا سلّموا لنا أنّ من عبّر عن القرآن بالفارسية فلا يقال له قرآن.

____________

(1) الأمّ، 1: 129.

(2) صحيح مسلم، 1: 295/34.

(3) الكافي، 3: 317.

(4) الناصريات: 218.

420

و إن لم يسلّموا ذلك و ادّعوا أنه قرآن، استدللنا على فساد قولهم بقوله تعالى: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (1) و قوله عزّ و جلّ: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ (193) `عَلى‏ََ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُنْذِرِينَ (194) `بِلِسََانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) (2) .

و أيضا؛ فإن القرآن ليس بأدون حالا من الشعر، و لو أن معبّرا عبّر عن قصده من الشعر بالفارسيّة لما سمّى أحد ما سمعه بأنه شعر، فبأن لا يقال ذلك في القرآن أولى.

و أيضا؛ فإن إعجاز القرآن في لفظه و نظمه، فإذا عبّر عنه بغير عبارته لم يكن قرآنا.

فإن تعلّق المخالف بقوله تعالى: إِنَّ هََذََا لَفِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ (18) `صُحُفِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ (19) (3) و بقوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَفِي زُبُرِ اَلْأَوَّلِينَ (4) و الصحف الأولى لم تكن بالعربية، و إنّما كانت بلغة غيرها.

فالجواب عن هذا: أنّه تعالى لم يرد أنّ القرآن كان مذكورا في تلك الكتب بتلك العبارة، و إنّما أراد أن حكم هذا الذي ذكر في القرآن مذكور في تلك الكتب. و قيل أيضا: إنّه أراد صفة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و ذكر شريعته و دينه في الصحف الأولى.

فإن قيل: قد حكى اللّه تعالى عن نوح عليه السّلام أنه قال: رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً (5) و عن غيره من الأمم الماضية، و نحن نعلم أنهم لم يقولوا ذلك بهذه العربية، و إنّما قالوه بلغاتهم المخالفة لها، إلاّ أنه لما حكى المعنى أضاف الأقوال إليهم، و هذا يقتضي أنّ من عبّر عن القرآن بالفارسية تكون عبارته قرآنا.

قلنا: لا أحد من الناس يقول إنّ من غيّر الكلام بما يوجد فيه معناه يكون

____________

(1) سورة يوسف، الآية: 2.

(2) سورة شعراء، الآيتان: 193 و 195.

(3) سورة الأعلى، الآيتان: 18 و 19.

(4) سورة الشعراء، الآية: 196.

(5) سورة نوح، الآية: 26.

421

قائلا له بعينه، و إنّما يكون قائلا لما معناه معنى هذا الكلام و فائدته فائدته، فظاهر الأمر متروك لا محالة (1) .

[الرابع: ]و ممّا انفردت به الإمامية القول: بأنّ الجنب و الحائض يجوز أن يقرأ من القرآن ما شاء إلاّ عزائم السجود و هي سجدة لقمان و سجدة الحواميم و سورة النجم، و اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ (2) من غير تعيين على سبع آيات أو أكثر منها أو أقلّ‏ (3) .

دليلنا على صحة ما ذكرنا الاجماع الذي تكرّر و قوله تعالى: فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ و قوله تعالى: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ (4) و ظاهر عموم ذلك يقتضي حال الجنابة و غيرها، فان ألزمنا قراءة السجدات، قلنا: أخرجناها بدليل، و يمكن أن يكون الفرق بين عزائم السجود و غيرها، أنّ فيها سجودا واجبا و السجود لا يكون إلاّ على طهر (5) .

____________

(1) الناصريات: 221.

(2) الانتصار: 31.

(3) الرسائل: 2/218.

(4) سورة علق، الآية: 1.

(5) الانتصار: 31.

422

سورة المدّثر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ ثِيََابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: 4].

[قال الناصر رحمه اللّه: ] «لا يجوز إزالة النجاسات بشي‏ء من المائعات، سوى الماء المطلق» .

عندنا: أنّه يجوز إزالة النجاسة بالمائع الطّاهر و إن لم يكن ماء (1) ؛ و به قال أبو حنيفة، و أبو يوسف‏ (2) .

و قال محمّد، و زفر، و مالك، و الشافعي: لا يجوز ذلك‏ (3) .

دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المقدّم ذكره، قوله تعالى:

وَ ثِيََابَكَ فَطَهِّرْ فأمر بتطهير الثوب و لم يفصّل بين الماء و غيره.

و ليس لهم أن يقولوا: إنّا لا نسلّم أنّ الطهارة تتناول الغسل بغير الماء.

لأنّ تطهير الثوب ليس هو بأكثر من إزالة النجاسة عنه، و قد زالت بغسله بغير الماء مشاهدة؛ لأنّ الثوب لا يلحقه عبادة.

و أيضا ما روي عنه عليه السّلام في المستيقظ من النوم: «لا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها» (4) فأمر بما يتناوله اسم الغسل، و لا فرق في ذلك بين سائر المائعات.

____________

(1) لا يخفى أنه لم يوافقه أحد من علمائنا على ما ذهب إليه منذ زمنه و إلى يومنا هذا انظر الخلاف، 1: 59.

(2) المجموع، 1: 95.

(3) نفس المصدر.

(4) صحيح مسلم، 1: 233 ح 87.

423

و أيضا حديث عمّار رضي اللّه عنه و قوله عليه السّلام: «إنّما يغسل الثوب من المني و الدم» (1) و هذا عموم فيما يسمّى غسلا.

و أيضا حديث خولة بنت يسار، أنها سألت النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال عليه السّلام: «حتّيه ثمّ اقرصيه، ثمّ اغسليه» (2) و لم يذكر الماء.

و ليس لهم أن يقولوا: إنّ إطلاق الأمر بالغسل ينصرف إلى ما يغسل‏[به‏]في العادة، و لا يعرف في العادة إلاّ الغسل بالماء دون غيره.

و ذلك أنّه لو كان الأمر على ما قالوه، لوجب ألاّ يجوز غسل الثّوب بماء الكبريت و النفط و غيرهما، ممّا لم تجر العادة بالغسل به، فلمّا جاز ذلك و لم يكن معتادا بغير خلاف-علم أنّ المراد بالخبر ما يتناوله اسم الغسل حقيقة من غير اعتبار العادة (3) .

- وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدّثر: 5].

أنظر الأنفال: 11 من الانتصار: 15 و الأعراف: 157 من الناصريات:

67.

- كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) `إِلاََّ أَصْحََابَ اَلْيَمِينِ (39) `فِي جَنََّاتٍ يَتَسََاءَلُونَ (40) `عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ (41) `مََا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) `قََالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ (43) `وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ اَلْمِسْكِينَ (44) `وَ كُنََّا نَخُوضُ مَعَ اَلْخََائِضِينَ (45) `وَ كُنََّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ (46) `حَتََّى أَتََانَا اَلْيَقِينُ (47) [المدثر: 38، 47].

[استدلّ السيّد بهذه الآيات على أن الكفّار مكلّفون بالفروع أيضا، قال: ] و هذا يقتضي أنّهم عوقبوا مع كفرهم على أنّهم لم يصلّوا، و هذا يقتضي كونهم مخاطبين بالصلاة.

و ليس لأحد أن يقول: أيّ حجّة في قول أصحاب النار، و لعلّ الأمر

____________

(1) سنن البيهقي، 1: 14.

(2) انظر سنن البيهقي، 2: 408.

(3) الناصريات 105.

غ

424

بخلاف ما قالوه؛ و ذلك أنّ جميع معارف أهل الآخرة ضروريّة، فلا يجوز أن يعتقدوا جهلا، و هم ملجؤن إلى الامتناع من فعل القبيح، فلا يجوز أن يقع منهم كذب، و لا ما جرى مجراه.

و ليس له أن يحمل قوله تعالى: لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ ، على أنّ المراد لم نكن من أهل الصلاة و الإيمان. و ذلك أن هذا يقتضي التكرار للمعنى الواحد؛ لأنّ قوله سبحانه: وَ كُنََّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ يغني عن أن ينفي أن يكونوا من أهل الصلاة و الإيمان، و أيضا فإنّ الظاهر من قول القائل: لم أك مصلّيا، نفي فعل الصلاة، دون الإيمان بها (1) .

- وَ مََا يَذْكُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [المدثر: 56].

أنظر التكوير: 26، 29 من الأمالي، 1: 507.

____________

(1) الذريعة، 1: 78.

425

سورة القيامة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) `إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ (17) `فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) `ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ (19) [القيامة: 16-19].

أنظر طه: 114 من الأمالي، 2: 300.

- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ (22) `إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ (23) [القيامة: 22، 23].

[استدلّ المجوزون لرؤية اللّه تعالى بهذه الآية، قالوا: ]النظر اذا عدّى بـ «إلى» اختصّ بالرؤية و زال عنه الاحتمال، و ربّما زادوا في ذلك بأن يكون متعلّقا بالوجه‏ (1) .

[يجاب عن ذلك بأن‏]الآية التي تعلّقوا بها إنّما يتضمّن ذكر النظر دون الرؤية، و ليس النظر محتملا للرؤية، و لا هي ممّا يستفاد بهذه اللفظة في اللغة.

و الذي يدلّ على ذلك جعلهم الرؤية غاية للنظر، فيقولون: «ما زلت أنظر إليه حتّى رأيته» ، و يقول أحدهم لغيره و قد شاهد شيئا ادّعى صاحبه أنّه لم يشاركه في رؤيته... ، (2) و الشي‏ء لا يكون غاية لنفسه، فلو لا أنّ النظر غير الرؤية لما ساغ هذا الكلام.

و دعوى من ادّعى منهم أنّ ذلك و إن استعمل فعلى سبيل المجاز، لا يلتفت إليها؛ لأنّه تحكّم و اقتراح بغير حجّة، و الظاهر من الاستعمال الحقيقة، و إنّما ينتقل إلى المجاز بالأدلّة.

____________

(1) الملخص، 2: 255.

(2) بياض في الأصل.

426

و يدلّ أيضا: على ذلك قولهم «نظرت إلى الهلال فلم أره» ، و «نظرت كذا فما رأيته» ، كما تقولون: «أصغيت إليه فلم أسمعه» و «ذقته فلم أجد له طعما» ، فلو كان النظر هو الرؤية لكان هذا الكلام يتضمّن النفي و الإثبات للشي‏ء الواحد.

و يقوّي أيضا ما ذكرناه انّا نعلم بالمشاهدة كون الناظر ناظرا إذا كان محدقا نحو الشي‏ء، و لا نعلمه رائيا له إذا كان المرئي خفيا ملتبسا، و لهذا يحتاج في أنّه راء له إلى الرجوع إلى قوله، و لا يحتاج إلى ذلك في كونه ناظرا، و لهذا يقولون: «رأيته ينظر إلى كذا» و لا يقولون: «رأيته يرى كذا» .

و يدلّ أيضا عليه: أنّ أهل اللغة جعلوا للنظر أصنافا من حيث عرّفوه، و جرى في الحكم مجرى ما يشاهدونه، فقالوا: «نظر غضبان» و «نظر راض» و «نظر شرر» و «نظر متعة» و «نظر بغضة» و لم نجدهم صنّفوا للرؤية أصنافا، و لا جعلوها ضروبا، فيجب أن يكون المختلف الضروب عندهم غير ما هو شي‏ء واحد، و لهذا لا يسمع من أحد منهم «رؤية محبّ» و «رؤية راض» ، و لا أن يبدّلوا لفظة «النظر» في المواضع التي ذكرناها بلفظ الرؤية، فدلّ على أنّ الفائدة فيهما مختلفة.

و النظر عندنا هو تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئيّ أو مكانه طالبا لرؤيته، و هذه الفائدة لا تصحّ فيه تعالى، فينبغي أن ينفى عن الآية فائدة النظر المختصّة بالغير، و يحمل ذلك على ما يصحّ من الانتظار أو غيره.

على أنّا لو سلّمنا لهم أنّ النظر يفيد الرؤية و أنّها إحدى فوائده، لم يسلّم استدلالهم أيضا بالآية؛ لأنّ لفظ «النظر» لها فوائد كثيرة من الذكر و الاعتبار و التعطّف و الانتظار، فما المنكر من أن يريد بها في الآية الانتظار، و لا شبهة في أنّ الانتظار ممّا يفاد بهذه اللفظة، قال اللّه تعالى: وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنََاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ اَلْمُرْسَلُونَ (1) ، و يقول القائل: «إنّما أنظر إلى اللّه و إليك» و لا يريد إلاّ الانتظار، و قال الشاعر:

____________

(1) سورة النمل، الآية: 35.

427

إنّي إليك لما وعدت لناظر # نظر الفقير إلى الغنيّ الموسر (1)

و قال آخر:

كلّ الخلائق ينظرون سجاله # نظر الحجيج إلى طلوع هلال‏

و احتمال لفظة: «النظر» للانتصار أوضح من أن يستشهد عليه و أظهر، و كلّ ما استشهد بأنّه ممّا عدّي النظر فيه بـ «إلى» و لم يرد به الرؤية، و يسقط تعلّقهم بالتعدية.

فأمّا ضمّهم إلى ذلك ذكر الوجوه، فأوّل ما نقول لهم فيه:

من أين لكم أنّ «النظر» إذا قرن بالوجه و عدّي بـ «إلى» لم يحتمل إلاّ الرؤية، و ما الشاهد على ذلك، فليس هذا ممّا يقبل فيه محض الاقتراح؟و متى طلبوا على ذلك شاهدا معروفا عجزوا عنه.

فأمّا استشهاد بعضهم على هذه الدعوى، بأنّهم يقولون: «أنظر إليّ بوجهك» فخلف من الكلام غير مستعمل و لا معروف، و إنّما المعروف‏[قولهم: ] «أقبل عليّ بوجهك» و «أنظر إليّ بعينك» من حيث كانت العين آلة في الرؤية.

على أنّ هذا لو كان معروفا لم يكن نظيرا للآية؛ لأنّ النظر في قولهم:

«انظر إليّ بوجهك» لو صحّ، معلّق بالوجه على حدّ يقتضي كونه آلة فيه، و الوجه ليس يكون كالآلة إلاّ في النظر الذي هو الرؤية، و الآية أضيف النظر فيها إلى الوجوه إضافة لا يقتضي كونها آلة، فجاز أن يحمل على الانتظار؛ لأنّه لا مانع من ذلك كما منع فيما أوردوه.

و ليس لأحد أن يقول: كيف يصحّ أن تكون الوجوه منتظرة؛ لأنّها كما لا تكون منتظرة كذلك لا تصحّ أن تكون رائية على الحقيقة، فما لقائل ذلك إلاّ مثل ما عليه؟و هذا هو الذي يدلّ على أنّ المراد بالوجوه غير الجوارح، و قد استقصينا هذا الكلام في مسألة كنّا أمليناها قديما نقضنا بها كلام بعض من نظر طريقة الأشعري في هذه الآية.

____________

(1) البيت لجميل بن معمر.

428

على أنّ في أصحابنا من أنشد أبياتا يتضمّن تعليق النظر بالوجوه مع التعدية بـ «إلى» ، و المراد بها الانتظار، فمن ذلك قول الشاعر:

و يوما بذي قار رأيت وجوههم # إلى الموت من وقع السّيوف نواظرا

و قول الآخر:

وجوه يوم بدر ناظرات # إلى الرّحمان يأتي بالفلاح‏

فإن قيل: كما انّ تعليق الإدراك بالبصر يقتضي أن تكون الرؤية دون سائر ما تحتمله هذه اللفظة، فكذلك النظر إذا علّق بالوجه يجب أن يكون مفيدا للرؤية.

قلنا: الفرق بين الأمرين أنّ الإدراك إنّما وجب فيه متى علّق بالبصر أن يكون محمولا على الرؤية، من حيث علّق بما يختصّ بكونه آلة في الرؤية دون غيرها، و ليس كذلك الآية؛ لأنّ النظر لم يعلّق فيها بما يختصّ بكونه آلة في الرؤية من حيث لم تكن الوجه آلة في الرؤية، و ليس من حيث كانت العين و هي آلة الرؤية في الوجه تلحقه هذه التسمية، كما لم يجب أن تكون آلة في الشمّ لكون آلة الشمّ فيه؛ و لأنّ الوجوه المذكورة فيها لم ترد بها الجوارح، و إنّما كنى بها عن الحمل؛ و لأنّا لما ادّعينا ذلك في الإدراك استشهدنا عليه بالمتعارف في الخطاب، و ليس في شي‏ء من الخطاب تعليق النظر على الوجوه.

ثمّ يقال لهم: أيجب حمل النظر المقرون بذكر الوجوه على الرؤية متى أريد بالوجوه الجوارح، أو إذا أريد بذلك ذو الوجوه؟

فإن قالوا: على الوجهين يجب أن يحمل على الرؤية كما يروا، بطل استشهادهم بقول القائل: «أنظر إليّ بوجهك» ، و بما يقوله في الإدراك إذا علّق بالبصر؛ لأنّ كلّ ذلك إنّما هو في الوجوه التي هي الجوارح.

فإن قالوا: يجب حمل ذلك على الرؤية متى أريد بالوجوه الجوارح.

قلنا لهم: فدلّوا على أنّ المراد بالوجوه في الآية الجوارح؛ فإنّا لا نسلّم ذلك لهم، و نقول: إنّ المراد بها ذو الوجوه، و بهذا جرت عادة العرب؛ لأنّهم يقولون: «هذا وجه الرائي» و «وجه الأمر» ، و قال اللّه تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ

429

وَجْهَهُ (1) ، و وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ (2) ، و قال تعالى: وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بََاسِرَةٌ (24) `تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهََا فََاقِرَةٌ (25) (3) و قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاعِمَةٌ (8) `لِسَعْيِهََا رََاضِيَةٌ (9) (4) و لا شبهة في أنّ المراد بكلّ ذلك الذوات دون غيرها.

و قد قيل: إنّه إنّما جاز أن يعبّر عن الجملة بالوجه، من حيث كان التمييز يقع بين الجمل بالوجوه، و المعرفة بها يتعلّق، فأجريت مجراها.

فإن قيل: كيف يكون المراد بالوجوه في الآية الجمل، و قد وصفها بصفة لا تليق إلاّ بالأعضاء و هي النضارة؟

قلنا: من شأن العرب بأن يثنّي الكلام تارة على ألفاظه و أخرى على معانيه، و البناء على الألفاظ أحسن، و إذا كان تعالى قد كنّى عن الجمل بلفظ الوجوه [تارة، و]أخرى في الوصف على اللفظ و النضارة من صفة الوجوه، كما قال تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ اَلَّتِي كُنََّا فِيهََا (5) و إنّما أراد أهلها و لم يقل فيها، و كذلك قوله تعالى: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنََاهََا فأجرى الوصف على اللفظ، ثمّ قال: أَوْ هُمْ قََائِلُونَ (6) فعاد إلى المعنى.

على أنّ البشارة أيضا من صفات الوجوه التي هي الجوارح، و كذلك النعمة، و لم يقتض ذلك في حمل قوله تعالى: وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بََاسِرَةٌ (7) ، و قوله:

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاعِمَةٌ على الجوارح التي تليق بها هذه الصفات.

على أنّه لا بدّ من حمل ذكر الوجوه في الآية[على أنّ‏]المراد به الجمل دون الجوارح على كلّ حال، لأنّ الجوارح لا تصحّ أن تكون ناظرة بمعنى رائية، و لا بمعنى منتظرة، و لا يصحّ إضافة شي‏ء من فوائد هذه اللفظة إليها على الحقيقة.

____________

(1) سورة القصص، الآية: 88.

(2) سورة الرحمن، الآية: 27.

(3) سورة القيامة، الآيتان: 24، 25.

(4) سورة الغاشية، الآيتان: 8، 9.

(5) سورة يوسف، الآية: 82.

(6) سورة الأعراف، الآية: 4.

(7) سورة القيامة، الآية: 25.

430

فإن قالوا: لو كان النظر يحتمل الانتظار لصحّ أن يقال: «أنا منتظر إلى فلان» كما يقال: «أنا ناظر إليه» ؛ لأنّ معناهما إذا كان واحد فينبغي أن لا يختلف تصرّفهما؟

قيل لهم: لو منع هذا من أن يكون النظر يحتمل الانتظار، لمنع من احتماله للرؤية؛ لأنّ الرؤية؛ لا تعدّى بـ «إلى» كما يعدّى النظر. ألا ترى انّهم لا يقولون: «رأيت فلان» كما يقولون: «نظرت إليه» .

على أنّ ما هو معروف ضرورة من اللغة، [أنّه‏]لا يقدح فيه الاستنباط و الاستخراج، و أنّ النظر يحتمل الانتظار، و يعبّر به عنه، [و]أظهر من أن يبطل بمثل هذا الكلام.

على أنّ اللفظتين و إن اتّفقتا في المعنى و الفائدة، فغير منكر أن يختلف تصرّفهما، و لهذا نظائر كثيرة في اللغة، و منه قولهم: «فلان يحبّ فلانا» معناه أنّه يريد منافعه؛ لأنّ المحبّة هي الإرادة، و لا يسوغ أن يدلّ على هذا الوجه لفظ المحبّة بلفظ الإرادة، حتّى يقول: «فلان يريد فلانا» ، فصار في إحدى اللفظتين من التعارف ما ليس في الأخرى، و إن كان معناهما واحدا، و قد روي هذا الوجه في الآية (1) عن جماعة من الصحابة و التابعين من غير طريق.

و ليس لهم أن يقولوا: متى حملناها على الانتظار احتجنا أن نقدّر محذوفا؛ لأنّه تعالى لا يصحّ أن يكون منتظرا في نفسه، و إنّما منتظر ثوابه و عطائه، و إذا حملناها على الرؤية لم نحتج إلى تقدير محذوف، فتأويلكم يقتضي كون الآية مجازا و تأويلنا لا يقتضي ذلك.

و الجواب عنه: انّ العدول عن ظاهر الكلام واجب إذا اقتضى الدليل ذلك، و لمّا كان تعالى في نفسه لا يصحّ أن يكون مرئيا و لا منتظرا، وجب أن نقدّر ما يصحّ ذلك فيه، و ما عدلنا كلمة (2) عن ظاهره من القرآن أكثر من أن يحصى.

____________

(1) في الأصل: و قد روى هذا الوجه عن جماعة عن جماعة من غير طريق في الآية عن...

(2) في الأصل: كلتا.

431

على أنّا لا نسلّم أنّ ذلك مجاز؛ لأنّ تعارف الخطاب في هذه اللفظة و استعمالها في الغالب مع الحذف بجعل المفهوم منها هو الحقيقة؛ لأنّهم يقولون: «انتظرت زيدا» ، «أنا منتظر فلانا» فيستعملون لفظ الانتظار مع حذف ما يتعلّق به على الحقيقة من الأفعال؛ لأنّ الانتظار لا يصحّ على ذات زيد، و إنّما يصحّ على أفعاله، و جرى مجرى لفظ «الملك» في قولهم: «فلان ملك داره و عبده» ، في أنّه و إن تعلّق محذوف فهو الحقيقة بالعرف، و هذا الاستعمال مع الحذف أظهر و أشهر من قولهم: «تملّك التصرّف في داره و عبده» .

و قد روي عن أمير المؤمنين-صلوات اللّه عليه و آله-و عن جماعة من أصحابه و التابعين، كابن عبّاس و مجاهد في هذه الآية وجه آخر، و هو أن يكون المراد أنّها ناظرة إلى ثواب ربّها؛ لأنّ الثواب ممّا يصحّ عليه الرؤية، فحذف ذكر الثواب كما حذف في قوله تعالى: وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلْعَزِيزِ اَلْغَفََّارِ (1) و قوله: وَ جََاءَ رَبُّكَ (2) و ما أشبه ذلك.

و ليس يمتنع أن يريد تعالى بالآية الوجهين معا، فيريد أنّها منتظر ثوابه و منتظر إليه و تعانيه مستبشرة به.

فإن قالوا: فكيف يوصف أهل الجنّة بالانتظار و المنتظر لا يكون نعمه خالصا، بل لا بدّ أن يكون مغموما منتقطا؟

قلنا لهم: إنّما يلحق الغمّ و التنقيص المنتظر متى كان ما ينتظره يحتاج إليه في الحال، و ملحقة بقوله: «ناظرة» و هو غير قاطع على الوصول إليه، فأمّا من ينتظر شيئا هو غير محتاج إليه في الحال، و هو واثق بوصوله إليه عند حاجته، فهو غير مغموم و لا متنقص، بل ذلك زائد في سروره و نعيمه.

و ليس لهم أن يقولوا: إنّ من قطع على حصول الشي‏ء، لا يوصف بأنّه منتظر له!

و ذلك أنّ الانتظار هو توقّع ما يعلم أو يظنّ حصوله في المستقبل، و لا فرق

____________

(1) سورة الغافر، الآية: 42.

(2) سورة الفجر، الآية: 22.

غ

432

فيه بين العلم و الظنّ، و كيف يكون كذلك و قد حمل جماعة من الصحابة الآية على الانتظار، و ليس هم ممّن يخفى عليه حقيقة الانتظار، و قد قال اللّه تعالى:

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ (1) ، و إنّما أراد به الانتظار الذي يصاحب العلم لا محالة.

و قد يمكن في الآية-على تسليم أنّ النظر فيها هو الرؤية-وجه آخر لا يفتقر فيه إلى تقدير محذوف يتعلّق بالرؤية، إذا حملناه على الرؤية، و إن حملنا النظر في الآية على الانتظار لم نحتج أيضا إلى تقدير محذوف، و هو أن نحمل قوله: إِلى‏ََ رَبِّهََا على أنّ المراد به نعمة ربّها؛ لأنّ الآلاء (2) النعم، و في واحدها لغات أربع يقال: إلى مثل أنا و إلى مثل معى‏ (3) ، إلى مثل إني‏ (4) و إلى مثل حلى‏ (5) .

قال أعشى بكر بن وائل:

أبيض لا يرهب الهزال، و لا # يقطع رحما، و لا يخون إلا (6)

أراد لا يخون نعمة من أنعم عليه.

و إنّما أسقط التنوين من‏ إِلى‏ََ رَبِّهََا للإضافة، و هذا وجه قاطع للسيف‏ (7) .

و ليس لأحد أن يطعن على هذا الوجه أنّه مبتدع لم يسبق إليه أحد من المفسّرين و أهل التأويل!

و ذلك إنّ ما طريقه الاستنباط و الاستخراج، يجوز أن يقع للمتأخّر فيه ما لا يقع للمتقدّم، و إن كان الوجه جائزا صحيحا لم يضرّه ألاّ يسبق إليه.

على أنّه غير مسلّم أنّه لم يسبق إليه؛ لأنّ التأويلين المرويّين عن الصحابة

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 210.

(2) الآلاء معناها النعم و مفردها إلى.

(3) الأمعاء جمع معدة.

(4) الإني: واحد الإناء.

(5) في الأصل: حسى.

(6) ديوانه، 155، لسان العرب (ألى) أبيض: كريم، الهزال كناية عن قلّة ذات اليد، و خيانة النعمة أن يبخل بها.

(7) هكذا تقرأ الكلمة في الأصل.

433

و التابعين جميعا يجوز أن يطابقا هذا التأويل؛ لأنّ من حمل الآية على أنّ المراد بها انتظار الثّواب، و من حمل المراد بها (1) على نظر الثواب، لم يفصح بأنّ لفظة «إلى» في الآية هي اسم أو حرف، و جائز على تأويله أن يكون اسما، و إذا كانت اسما فهو التأويل الذي ذكرناه أخيرا بعينه.

و ليس لهم أن يقولوا: كيف يصحّ الجمع بين قولكم: إنّ النظر لا يحتمل الرؤية جملة، و بين ما رويتموه من تأويل من حمل الآية على رؤية الثواب، أو ليس هذا يوجب أنّ النظر يحتمل الرؤية؟

و ذلك أنّ النظر و إن كان لم يحتمل الرؤية على سبيل الحقيقة، فقد يعبّر به عنها على سبيل التجوّز من حيث كان طريقا إليها، و العرب قد تعبّر بالشي‏ء عمّا يقاربه، و يكون طريقا إليه، فليس فيما قلناه اختلاف و لا تناقض بحمد اللّه‏ (2) .

____________

(1) في الأصل: بهما.

(2) الملخص، 2: 257 و راجع أيضا الأمالي، 1: 61.

434

سورة الإنسان‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- هَلْ أَتى‏ََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإنسان: 1].

أنظر إبراهيم: 25 من الانتصار: 160.

- إِنََّا هَدَيْنََاهُ اَلسَّبِيلَ... [الإنسان: 3].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ... [الإنسان: 9].

أنظر القصص: 88 من الأمالي، 1: 554.

- وَ يُطََافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوََابٍ كََانَتْ قَوََارِيرَا (15) `قَوََارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ... [الإنسان:

15-16].

أنظر الشعراء: 32 من الأمالي، 1: 52.

- إِنَّ هََذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ سَبِيلاً (29) `وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [الإنسان: 29-30]

أنظر التكوير: 26، 29 من الأمالي، 1: 507 و البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

435

سورة المرسلات‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: 15].

أنظر الكافرون من الأمالي، 1: 138.

- هََذََا يَوْمُ لاََ يَنْطِقُونَ (35) `وَ لاََ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) [المرسلات: 35-36].

أنظر هود: 103، 104، 105 من الأمالي، 1: 68.

436

سورة النّبأ

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- أَ لَمْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهََاداً [النبأ: 6].

أنظر المؤمنون: 17 من الرسائل، 3: 140.

- وَ جَعَلْنََا نَوْمَكُمْ سُبََاتاً [النبأ: 9].

[إن سأل سائل‏]فقال: إذا كان السّبات هو النوم؛ فكأنّه قال: و جعلنا نومكم نوما، و هذا مما لا فائدة فيه.

الجواب: قيل له في هذه الآية وجوه:

منها: أن يكون المراد بالسّبات الراحة و الدّعة، و قد قال قوم: إنّ اجتماع الخلق كلّهم كان في يوم الجمعة، و الفراغ منه في يوم السبت، فسمّي اليوم بالسبت للفراغ الذي كان فيه؛ و لأنّ اللّه تعالى أمر بني إسرائيل فيه بالاستراحة من الأعمال؛ قيل: و أصل السّبات التمدّد؛ يقال: سبتت المرأة شعرها إذا حلّته من العقص و أرسلته، قال الشاعر:

و إن سبتته مال جثلا كأنّه # سدى و اهلات من نواسج خثعما (1)

أراد: إن أرسلته.

و منها: أن يكون المراد بذلك القطع؛ لأنّ السبت القطع، و السبت أيضا الحلق؛ يقال: سبت شعره سبتا إذا حلقه، و هو يرجع إلى معنى القطع، و النعال السّبتيّة التي لا شعر عليها؛ قال عنترة:

____________

(1) الجثل من الشعر: ما كثف و اسود، و في حواشي بعض النسخ: «شبه شعرها في وقت الإرسال بسدى ثبات مسترخيات مرسلات. و النواسج: جمع ناسجة، و خثعم: قبيلة» .

437

بطل كأنّ ثيابه في سرحة # يحذى نعال السّبت، ليس بتوأم‏ (1)

و يقال لكلّ أرض مرتفعة منقطعة ممّا حولها: سبتاء، و جمعها سباتي، فيكون المعنى على هذا الجواب: جعلنا نومكم سباتا، أي قطعا لأعمالكم و تصرّفكم. و من أجاب بهذا الجواب يقول: إنّما سمّي يوم السبت بذلك لأنّ بدء الخلق كان يوم الأحد؛ و جمع يوم الجمعة، و قطع يوم السبت، فترجع التسمية إلى معنى القطع.

و قد اختلف الناس في ابتداء الخلق فقال أهل التوراة: إنّ اللّه ابتدأه في يوم الأحد، و كان الخلق في يوم الأحد و الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و الجمعة، ثمّ فرغ في يوم السبت؛ و هذا قول أهل التوراة.

و قال آخرون: إنّ الابتداء كان في يوم الاثنين إلى السبت، و فرغ في يوم الأحد؛ و هذا قول أهل الإنجيل.

فأمّا قول أهل الاسلام فهو أنّ ابتداء الخلق كان يوم السبت، و اتّصل إلى يوم الخميس، و جعلت الجمعة عيدا؛ فعلى هذا القول الأخير يمكن أن يسمّي اليوم بالسبت، من حيث قطع فيه بعض خلق الأرض.

فقد روى أبو هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنه قال: «إنّ اللّه تعالى خلق التربة في يوم السبت، و خلق فيها الجبال يوم الأحد» .

و منها: أن يكون المراد بذلك أنّا جعلنا نومكم سباتا ليس بموت؛ لأنّ النائم قد يفقد من علومه و قصوده و أحواله أشياء كثيرة يفقدها الميّت؛ فأراد تعالى أن يمتنّ علينا بأن جعل نومنا الذي تضاهي فيه بعض أحوالنا أحوال الميّت ليس بموت على الحقيقة، و لا بمخرج لنا عن الحياة و الإدراك؛ فجعل التأكيد

____________

(1) المعلقة: 199-بشرح التبريزي، و في حواش بعض النسخ: «السرحة: شجرة طويلة، يصفه بالطول. و أراد بقوله: «يحذى نعال السبت» أنه من الملوك؛ لأن نعال السبت نعال الملوك.

و السبت: شي‏ء يشبه القرظ، تدبغ به النعال؛ و وصفه بالشدة و القوة في قوله: «ليس بتوأم» ، لأنه إذا لم يكن معه توأم كان أقوى و أتم لخلقه» .

438

بذكر المصدر قائما مقام نفى الموت، و سادّا مسدّ قوله: وَ جَعَلْنََا نَوْمَكُمْ ليس بموت.

و يمكن أن يكون في الآية وجه آخر لم يذكر فيها، و هو أن السّبات ليس هو كلّ نوم، و إنّما هو من صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه، و السّبات هو النوم الممتدّ الطويل السكون، و لهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم إنّه مسبوت، و به سبات؛ و لا يقال ذلك في كلّ نائم، و إذا كان الأمر على هذا لم يجر قوله:

وَ جَعَلْنََا نَوْمَكُمْ سُبََاتاً مجرى أن يقول: و جعلنا نومكم نوما.

و الوجه في الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدّا طويلا-ظاهر، و هو لما في ذلك لنا من المنفعة و الراحة؛ لأنّ التهويم و النوم الغرار لا يكسبان شيئا من الراحة؛ بل يصحبهما في الأكثر القلق و الانزعاج، و الهموم و هي التي تقلّل النوم و تنزّره، و فراغ القلب و رخاء البال يكون معهما غزارة النوم و امتداده؛ و هذا واضح.

[أقول‏]: وجدت أبا بكر محمّد بن القاسم الأنباريّ يطعن على الجواب الذي ذكرناه أوّلا، و يقول: إنّ ابن قتيبة أخطأ في اعتماده؛ لأنّ الراحة لا يقال لها: سبات، و لا يقال: سبت الرجل بمعنى استراح و أراح، و يعتمد على الجواب الذي ثنّينا بذكره، و يقول فيما استشهد به ابن قتيبة من قولهم سبتت المرأة شعرها: إن معناه أيضا القطع، لأنّ ذلك إنّما يكون بإزالة الشّداد الذي كان مجموعا به و قطعه.

و المقدار الذي ذكره ابن الأنباري لا يقدح في جواب ابن قتيبة، لأنّه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة و الدعة إذا كانتا عن نوم، و ان لم توصف كلّ راحة بأنها سبات، و يكون هذا الاسم يختصّ الراحة إذا كانت على هذا الوجه؛ و لهذه نظائر كثيرة في الأسماء، و إذا أمكن ذلك لم يكن في امتناع قولهم: سبت الرجل بمعنى استراح في كلّ موضع دلالة على أنّ السّبات لا يكون اسما للراحة عند النوم؛ و الذي يبقى على ابن قتيبة أن يبيّن أن السبات هو الراحة و الدعة،

439

و يستشهد على ذلك بشعر أو لغة فإن البيت الذي ذكره يمكن أن يكون المراد به القطع دون التمدّد و الاسترسال.

فإن قيل: فما الفرق بين جواب ابن قتيبة و جوابكم الذي ذكرتموه أخيرا؟

قلنا: الفرق بينهما بيّن، لأنّ ابن قتيبة جعل السّبات نفس الراحة، و جعله عبارة عنها، و أخذ يستشهد على ذلك بالتمدّد و غيره، و نحن جعلنا السبات من صفات النوم، و الراحة واقعة عنده للامتداد و طول السكون فيه؛ فلا يلزمنا أن يقال: سبت الرجل بمعنى استراح؛ لأنّ الشي‏ء لا يسمّى بما يقع عليه حقيقة، و الاستراحة تقع على جوابنا عند السبات، و ليس السبات إيّاها بعينها؛ على أنّ في الجواب الذي اختاره ابن الأنباريّ ضربا من الكلام؛ لأنّ السّبت و إن كان القطع على ما ذكره فلم يسمع فيه البناء الذي ذكره و هو السبات، و يحتاج في اثبات مثل هذا البناء إلى سمع عن أهل اللغة، و قد كان يجب أن يورد من أيّ وجه؛ إذا كان السبت هو القطع جاز أن يقال سبات على هذا المعنى؛ و لم نره فعل ذلك‏ (1) .

- جَزََاءً مِنْ رَبِّكَ عَطََاءً حِسََاباً [النبأ: 36].

أنظر البقرة: 202 من الأمالي، 1: 374.

- فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ مَآباً [النبأ: 39]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) الأمالي، 1: 329.

440

سورة النّازعات‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً [النازعات: 1].

أنظر البقرة: 1 من الرسائل، 3: 297، 305.

- وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا [النازعات: 30].

أي بسطها (1) .

[انظر أيضا المؤمنون 17 من الرسائل، 3: 140].

- إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا [النازعات: 45].

أنظر البقرة: 2 من الرسائل، 4: 227.

____________

(1) الرسائل، 4: 91.

441

سورة عبس‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- عَبَسَ وَ تَوَلََّى (1) `أَنْ جََاءَهُ اَلْأَعْمى‏ََ (2) `وَ مََا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكََّى (3) `أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ اَلذِّكْرى‏ََ (4) [عبس: 1-4].

فإن قيل: أ ليس قد عاتب اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في إعراضه عن ابن أمّ مكتوم لمّا جاءه و أقبل على غيره و هذا أيسر ما فيه أن يكون صغيرا.

الجواب: قلنا: أمّا ظاهر الآية فغير دالّ على توجّهها إلى النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و لا فيها ما يدلّ على أنّه خطاب له، بل هي خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه.

و فيها ما يدلّ عند التأمل على أنّ المعني بها غير النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لأنّه وصفه بالعبوس و ليس هذا من صفات النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في قرآن و لا خبر مع الاعداء المنابذين، فضلا عن المؤمنين المسترشدين؛ ثمّ وصفه بأنّه يتصدّى للأغنياء و يتلهّى عن الفقراء، و هذا ممّا لا يوصف به نبيّنا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من يعرفه، فليس هذا مشبها لأخلاقه الواسعة و تحنّنه على قومه و تعطّفه، و كيف يقول له: «و ما عليك الاّ يزكى» ، و هو صلّى اللّه عليه و اله و سلّم مبعوث للدعاء و التنبيه؟و كيف لا يكون ذلك عليه؟و كان هذا القول إغراء بترك الحرص على إيمان قومه. و قد قيل إنّ هذه السورة نزلت في رجل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم كان منه هذا الفعل المنعوت فيها، و نحن و إن شككنا في عين من نزلت فيه فلا ينبغي أن نشكّ إلى أنّها لم يعن بها النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و أيّ تنفير أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين و التلّهي عنهم و الإقبال على الأغنياء الكافرين و التصدي لهم؟و قد نزّه اللّه تعالى النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عمّا هو دون هذا في التنفير بكثير (1) .

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 166.

442

- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) `ضََاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) `وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهََا غَبَرَةٌ (40) `تَرْهَقُهََا قَتَرَةٌ (41) `أُولََئِكَ هُمُ اَلْكَفَرَةُ اَلْفَجَرَةُ (42) [عبس: 38-42].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

443

سورة التّكوير

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (8) `بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) [التكوير: 8-9].

[إن سأل سائل‏]فقال: كيف يصحّ أن يسأل من لا ذنب له و لا عقل؟و أيّ فائدة في سؤالها عن ذلك؟و ما وجه الحكمة فيه؟و ما المؤودة؟و من أيّ شي‏ء اشتقاق هذه اللفظة؟.

الجواب: قلنا: أمّا معنى‏ سُئِلَتْ ففيه وجهان:

أحدهما: أن يكون المراد أنّ قاتلها طولب بالحجّة في قتلها، و سئل عن قتله لها، و بأيّ ذنب كان؛ على سبيل التوبيخ و التعنيف و إقامة الحجّة. فالقتلة هاهنا هم المسؤولون على الحقيقة لا المقتولة؛ و إنّما المقتولة مسؤول عنها.

و يجري هذا مجرى قولهم: سألت حقي، أي طالبت به؛ و مثله قوله تعالى:

وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ كََانَ مَسْؤُلاً (1) ؛ أي مطالبا به مسؤولا عنه.

و الوجه الآخر: أن يكون السؤال توجّه إليها على الحقيقة على سبيل التوبيخ لقائلها، و التقريع له، و التنبيه له على أنّه لا حجّة له في قتلها؛ و يجري هذا مجرى قوله تعالى لعيسى عليه السّلام: أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ (2) ، على طريق التوبيخ لقومه و إقامة الحجّة عليهم.

فإن قيل على هذا الوجه: كيف يخاطب و يسأل من لا عقل له و لا فهم!.

و الجواب: أنّ في الناس من زعم أنّ الغرض بهذا القول إذا كان تبكيت الفاعل و تهجينه و إدخال الغمّ عليه في ذلك الوقت على سبيل العقاب لم يمتنع أن

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 34.

(2) سورة المائدة، الآية: 116.

غ

444

يقع، و إن لم يكن من المؤودة فهم له؛ لأنّ الخطاب و إن علّق عليها، و توجّه إليها فالغرض في الحقيقة به غيرها؛ و هذا يجري مجرى من ضرب ظالم طفلا من ولده يقول: و لم ضربت؟ما ذنبك؟و بأي شي‏ء استحلّ هذا منك؟و غرضه تبكيت الظالم لا خطاب الطفل، فالأولى أن يقال في هذا: إنّ الأطفال و إن كانوا من جهة العقول لا يجب في وصولهم إلى الأغراض المستحقّة أن يكونوا كاملي العقول؛ كما يجب مثل ذلك في الوصول إلى الثواب؛ فإنّ الخبر متظاهر، و الأمة متّفقة على أنّهم في الآخرة، و عند دخولهم الجنان يكونون على أكمل الهيئات؛ و أفضل الأحوال؛ و إنّ عقولهم تكون كاملة؛ فعلى هذا يحسن توجّه الخطاب إلى المؤودة؛ لأنّها تكون في تلك الحال ممّن تفهم الخطاب و تعقله، و إن كان الغرض منه التبكيت للقائل، و إقامة الحجّة عليه.

و قد روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام؛ و ابن عباس، و يحيى بن يعمر، و مجاهد، و مسلم بن صبيح، و أبي الضحى؛ و مروان، و أبي صالح، و جابر بن زيد أنّهم قرؤوا «سالت» بفتح السين و الهمزة و إسكان التاء بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ باسكان اللام و ضم التاء الثانية؛ على أنّ المؤودة موصوفة بالسؤال، و بالقول بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ .

و روى القطعيّ عن سليمان الأعمش عن حفص عن عاصم: قُتِلَتْ بضم التاء الثانية، و في «سئلت» مثل قراءة الجمهور بضم السين.

و روي عن أبي جعفر المدنيّ: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ بالتشديد و إسكان التاء الثانية.

و روي عن بعضهم: سُئِلَتْ بفتح الميم و الواو.

فأمّا من قرأ «سألت» بفتح السين؛ فيمكن فيه الوجهان اللذان ذكرناهما؛ من أنّ اللّه تعالى أكملها في تلك الحال، و أقدرها على النطق.

و الوجه الآخر: أن يكون معنى «سألت» أي سئل لها و طولب بحقّها و انتصف لها من ظالمها؛ فكأنّها هي السائلة تجوّزا و اتّساعا. و من قرأ بفتح‏

445

السين من «سألت» و يضم التاء الثانية من‏ قُتِلَتْ فعلى أنّها هي المخاطبة بذلك.

و يجوز في هذا الوجه أيضا «قتلت» بإسكان التاء الأخيرة كقراءة الجماعة؛ لأنّه إخبار عنها، كما يقال: سأل زيد: بأي ذنب ضرب؛ و بأي ذنب ضربت.

و يقوّي هذه القراءة في «سألت» ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من قوله: «يجي‏ء المقتول ظلما يوم القيامة و أوداجه تشخب دما، اللون لون الدم، و الريح ريح المسك، متعلّقا بقاتله يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني» .

فأمّا القراءة المأثورة عن حفص عن عاصم في ضمّ التاء الأخيرة من «قتلت» مع ضم السين‏ سُئِلَتْ فمعناها وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ : ما تبغي؟فقالت: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ فأضمر قولها. و العرب قد تضمر مثل هذا لدلالة الخطاب عليه، و ارتفاع الإشكال عنه؛ مثل قوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ رَبَّنََا تَقَبَّلْ مِنََّا (1) ؛ أي و يقولان ذلك؛ و نظائره في القرآن كثيرة جدا.

فأمّا قراءة من قرأ: قُتِلَتْ بالتشديد فالمراد به تكرار الفعل بالموؤدة هاهنا، و إن كان لفظها لفظ واحدة فالمراد به الجنس، و إرادة التكرار جائزة.

فأمّا من قرأ اَلْمَوْؤُدَةُ بفتح الميم و الواو، فعلى أنّ المراد الرحم و القرابة، و أنّه يسأل عن سبب قطعها و تضييعها، قال اللّه تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحََامَكُمْ (2) .

فأمّا المؤودة فهي المقتولة صغيرة، و كانت العرب في الجاهلية تئد البنات بأن يدفنوهنّ أحياء، و هو قوله تعالى: أَ يُمْسِكُهُ عَلى‏ََ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي اَلتُّرََابِ (3) .

و قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ اَلَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاََدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ (4) .

و يقال: إنّهم كانوا يفعلون ذلك لأمرين:

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 127.

(2) سورة محمّد، الآية: 22.

(3) سورة النحل، الآية: 59.

(4) سورة الأنعام، الآية: 140.

446

أحدهما: أنّهم كانوا يقولون: إنّ الملائكة بنات اللّه، فألحقوا البنات باللّه، فهو أحقّ بها منّا.

و الأمر الآخر: أنّهم كانوا يقتلونهنّ خشية الإملاق، قال اللّه تعالى: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَوْلاََدَكُمْ مِنْ إِمْلاََقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيََّاهُمْ (1) .

[أقول‏]: وجدت أبا علي الجبائيّ و غيره يقول: إنّما قيل لها موؤدة؛ لأنها ثقّلت بالتراب الذي طرح عليها حتى ماتت. و في هذا بعض النظر؛ لأنّهم يقولون من الموؤدة: و أدت ائد و أدا، و الفاعل وائد، و الفاعلة وائدة، و من الثّقل يقولون: آدنى الشي‏ء يئودني؛ إذا أثقلني، أودا.

و روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه سئل عن العزل فقال: «ذاك الوأد الخفيّ» .

و قد روي عن جماعة من الصحابة كراهية ذلك، و قال قوم في الخبر الذي ذكرناه: إنّه منسوخ بما روي عنه عليه السّلام: أنّه قيل له: إنّ اليهود يقولون في العزل هو الموؤدة الصغرى، فقال: «كذبت يهود، لو أراد اللّه تعالى أن يخلقه لم يستطع أن يصرفه» .

و قد يجوز أن يكون قوله عليه السّلام: «ذاك الوأد الخفيّ» على طريق تأكيد الترغيب في طلب النسل و كراهيّة العزل؛ لا على أنّه محظور محرّم‏ (2) .

- فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) `إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ (27) `لِمَنْ شََاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) `وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ (29) [التكوير: 26-29].

[إن سأل سائل‏]فقال: ما تأويل هذه الآية؟أو ليس ظاهرها يقتضي أنّا لا نشاء شيئا إلاّ و اللّه تعالى شاء له، و لم يخصّ إيمانا من كفر، و لا طاعة من معصية؟

الجواب: قلنا: الوجه المذكور في هذه الآية، أنّ الكلام متعلّق بما تقدّمه من ذكر الاستقامة؛ لأنّه تعالى قال: لِمَنْ شََاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ثمّ قال: وَ مََا

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 151.

(2) الأمالي، 2: 240.

447

تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ ؛ أي ما تشاؤون الاستقامة إلاّ و اللّه تعالى مريد لها؛ و نحن لا ننكر أن يريد اللّه تعالى الطاعات؛ و إنّما أنكرنا إرادته المعاصي؛ و ليس لهم أن يقولوا: تقدّم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها؛ و لا يمنع من عمومه؛ كما أنّ السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعدّاه، و ذلك أنّ الّذي ذكروه إنّما يجب فيما يستقلّ بنفسه من الكلام دون ما لا يستقلّ.

و قوله تعالى: وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ لا ذكر للمراد فيه؛ فهو غير مستقلّ بنفسه؛ و إذا علّق بما تقدّم من ذكر الاستقامة استقلّ؛ على أنّه لو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنّوه-و ليس لها ذلك-لوجب الانصراف عنه بالأدلّة الثابتة؛ على أن اللّه تعالى لا يريد المعاصي و لا القبائح؛ على أنّ مخالفينا في هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم؛ لأنّ العباد قد يشاؤون عندهم ما لا يشاؤه اللّه تعالى؛ بأن يريدوا الشي‏ء و يعزموا عليه، فلا يقع لمنع أو غيره؛ و كذلك قد يريد النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من الكفّار الإيمان، و تعبّدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه؛ و إن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنّه لا يقع؛ فلا بدّ لهم من تخصيص الآية؛ فإذا جاز لهم ذلك بالشّبهة جاز لنا مثله بالحجّة؛ و تجرى هذه الآية مجري قوله تعالى: إِنَّ هََذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ سَبِيلاً (1) وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ (2) ، و قوله تعالى: وَ مََا يَذْكُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ (3) ، في تعلّق الكلام بما قبله.

فإن قالوا: فالآية تدلّ على مذهبنا و بطلان مذهبكم من وجه آخر؛ و هو أنّه عزّ و جلّ قال: وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ ؛ و ذلك يقتضي أنّه يشاء الاستقامة في حال مشيئتنا لها؛ لأنّ «أن» الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال؛ و هذا يوجب أنّه يشاء أفعال العباد في كلّ حال، و يبطل ما تذهبون إليه من أنّه إنّما يريد الطاعات في حال الأمر.

____________

(1) سورة المزمل، الآية: 19.

(2) سورة الإنسان، الآية: 30.

(3) سورة المدثر، الآية: 56.

448

قلنا: ليس في ظاهر الآية ألاّ نشاء إلاّ ما شاءه اللّه تعالى في حال مشيئتنا كما ظننتم؛ و إنّما يقتضي حصول مشيئته لما نشاؤه من الاستقامة من غير ذكر لتقدّم و لا تأخّر؛ و يجري ذلك مجرى قول القائل: ما يدخل زيد هذه الدار إلاّ أن يدخلها عمرو؛ و نحن نعلم أنّه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما في حالة واحدة؛ بل لا يمتنع أن يتقدّم دخول عمرو، و يتلوه دخول زيد، و «أن» الخفيفة و إن كانت للاستقبال على ما ذكروه، فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها؛ لأنّ تقدير الكلام: و ما تشاؤون الطاعات إلاّ بعد أن يشاء اللّه تعالى، و مشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال.

و قد ذهب أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبّائيّ إلى أنه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالا بعد حال؛ و إن كان قد أرادها في حال الأمر، كما يصحّ أن يأمر بها أمرا بعد أمر؛ قال: لأنّه قد يصحّ أن يتعلّق بإرادته ذلك منّا بعد الأمر و في حال الفعل مصلحة؛ و يعلم تعالى أنّا نكون متى علمنا ذلك كنّا إلى فعل الطاعات أقرب، و على هذا المذهب لا يعترض بما ذكروه.

و الجواب الأول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبي عليّ في هذا الباب؛ على أنّ اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم؛ لأنّ الكلام إذا اقتضى حدوث المشيئة و استقبالها بطل قول من قال منهم: إنّه مريد لنفسه، أو مريد بإرادة قديمة، و صحّ ما نقوله من إنّ إرادته متجدّده محدثة.

و يمكن في تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إيّاها على العموم؛ من غير أن نخصّها بما تقدّم ذكره من الاستقامة؛ و يكون المعنى: و ما تشاؤون شيئا من فعالكم إلاّ أن يشاء اللّه تمكينكم من مشيئته، و إقداركم عليها و التخلية بينكم و بينها؛ و تكون الفائدة في ذلك الإخبار عن الافتقار إلى اللّه تعالى؛ و أنّه لا قدرة للعبد على ما لم يقدّره اللّه تعالى عزّ و جلّ، و ليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه؛ لأنّ ما تتعلّق به المشيئة في الآية محذوف غير مذكور؛ و ليس لهم أن‏

449

يعلّقوا قوله تعالى: إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ بالأفعال دون تعلّقه بالقدرة؛ لأنّ كلّ واحد من الأمرين غير مذكور، و كلّ هذا واضح بحمد اللّه‏ (1) .

____________

(1) الأمالي، 1: 507 و راجع أيضا الملخص، 2: 389 و 393.

450

سورة الانفطار

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ إِنَّ اَلْفُجََّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار: 14].

أنظر غافر: 18 من الذخيرة: 504.

451

سورة المطفّفين‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- فَالْيَوْمَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اَلْكُفََّارِ يَضْحَكُونَ (34) `عَلَى اَلْأَرََائِكِ يَنْظُرُونَ (35) [المطففين:

34-35]

أنظر البقرة: 15 من الأمالي، 2: 126.

452

سورة البروج‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلْبُرُوجِ [البروج: 1].

أنظر البقرة: 1 من الرسائل، 3: 297، 305.

- قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ [البروج: 4].

أنظر البقرة: 1 من الرسائل، 3: 297، 305.

453

سورة الطّارق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً [الطارق: 15].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل 2: 177 إلى 247.

- فَمَهِّلِ اَلْكََافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق: 17].

أنظر الأنعام: 33 من الأمالي، 2: 228.

454

سورة الأعلى‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى (1) `اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوََّى (2) `وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ (3) [الأعلى: 1-3]

أنظر الواقعة: 74 من الانتصار: 45 و البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2:

177 إلى 247.

- سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى‏ََ (10) `وَ يَتَجَنَّبُهَا اَلْأَشْقَى (11) [الأعلى: 10، 11].

أنظر البقرة: 202 من الأمالي، 1: 374.

- قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى (14) `وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلََّى [الاعلى: 14، 15].

[قال الناصر رحمه اللّه: ] «تكبيرة الافتتاح من الصلاة» ...

لم أجد لأصحابنا إلى هذه الغاية نصّا في‏[هذه المسألة]، و يقوى في نفسي أن تكبيرة الافتتاح من الصلاة، ... دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه من أنّ تكبيرة الافتتاح من الصلاة: أنّه لا خلاف في أنّ نيّة الصلاة إمّا تتقدم عليه بلا فصل أو تقارنه، على الاختلاف بين الفقهاء في ذلك، و نيّة الصلاة لا تجب مقارنتها إلاّ لما هو من الصلاة لتؤثر فيه، و ما ليس من الصلاة فلا يجب أن تتقدم عليه و لا تقارنه، و في وجوب مقارنة النيّة أو التقديم لتكبيرة الافتتاح دليل على أنّها من جملة الصلاة.

و أيضا فلا يكون من الصلاة إلاّ ما كان شرطه استقبال القبلة؛ لأنّ استقبال القبلة إنّما هو شرط في الصلاة دون غيرها من الأفعال، و لا يلزم على هذا الأذان و الإقامة؛ لأنّ الأذان و الإقامة مستحب فيهما استقبال القبلة، و ليس بواجب فيهما. و أيضا لو لم تكن تكبيرة الافتتاح من الصلاة، ما كان الوضوء