مجمع البيان في تفسير القرآن - ج3

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
418 /
53

(1) - نصف المهر و لو كان المراد به النكاح الدائم لوجب للمرأة بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد لأنه قال «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» أي مهورهن و لا خلاف في أن ذلك غير واجب و إنما تجب الأجرة بكماله بنفس العقد في نكاح المتعةو مما يمكن التعلق به في هذه المسألة الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب أنه قال متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالا و أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما فأخبر بأن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله أضاف النهي عنها إلى نفسه لضرب من الرأي فلو كان النبي ص نسخها أو نهى عنها أو أباحها في وقت مخصوص دون غيره لأضاف التحريم إليه دون نفسه و أيضا فإنه قرن بين متعة الحج و متعة النساء في النهي و لا خلاف أن متعة الحج غير منسوخة و لا محرمة فوجب أن يكون حكم متعة النساء حكمها و قوله «وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا تَرََاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ» من قال أن المراد بالاستمتاع الانتفاع و الجماع قال المراد به لا حرج و لا إثم عليكم فيما تراضيتم به من زيادة مهر أو نقصانه أو حط أو إبراء أو تأخير و قال السدي معناه لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدة الأجل المضروب في عقد المتعة يزيدها الرجل في الأجر و تزيده في المدة و هذا قول الإمامية و تظاهرت به الروايات عن أئمتهم «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً» بما يصلح أمر الخلق «حَكِيماً» فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي يحفظ الأموال و الأنساب.

54

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص فإذا أحصن مفتوحة الهمزة و الباقون «أُحْصِنَّ» بضم الهمزة و كسر الصاد.

اللغة

الطول الغناء و هو مأخوذ من الطول خلاف القصر شبه الغني به لأنه ينال به معالي الأمور و التطول الإفضال بالمال و التطاول على الناس التفضل عليهم و كذلك الاستطالة و طال فلان فلانا كذا إذا فضله في القدرة يقال طاولته فطلته و لم يحل منه فلان بطائل أي بشي‏ء له من أي فضل و طالت طولك و طيلك أي طالت مدتك قال الشاعر:

إنا محيوك فأسلم أيها الطلل # و إن بليت و إن طالت بك الطيل‏

و الطول الحبل قال طرفة :

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى # لكالطول المرخى و ثنياه باليد

و الفتى الشاب و الفتاة الشابة و الفتاة الأمة و إن كان عجوزا إلا أنها كالصغيرة في أنها لا توقر توقير الحرة و الفتوة حالة الحداثة و منه الفتيا تقول أفتى الفقيه يفتي لأنه في مسألة حادثة و الخدن الصديق و جمعه أخدان نحو ترب و أتراب و يستوي فيه المذكر و المؤنث و الواحد و الجمع و الخدين بمعناه و العنت الجهد و الشدة و أكمة عنوت صعبة المرتقى قال المبرد العنت الهلاك .

ـ

المعنى‏

ثم بين تعالى نكاح الإماء فقال «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً» أي‏

لم يجد منكم غنى عن ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و السدي و هو المروي عن أبي جعفر (ع)

«أَنْ يَنْكِحَ» أي يتزوج «اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ» أي الحرائر المؤمنات يعني لم يقدر على شي‏ء مما يصلح لنكاح الحرائر من المهر و النفقة «فَمِنْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» أي فلينكح مما ملكت أيمانكم «مِنْ فَتَيََاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتِ» أي إمائكم فإن مهور الإماء أقل و مئونتهن أخف في العادة و المراد به إماء الغير لأنه لا يجوز أن يتزوج الرجل بأمة نفسه بالإجماع و قيل إن المعنى من هوى الأمة فله أن يتزوجها و إن كان ذا يسار عن جابر و عطاء و إبراهيم و ربيعة و القول الأول هو الصحيح و عليه أكثر الفقهاء و في الآية دلالة على أنه لا

55

(1) - يجوز نكاح الأمة الكتابية لأنه قيد جواز العقد عليهن بالإيمان بقوله «مِنْ فَتَيََاتِكُمُ اَلْمُؤْمِنََاتِ» و هذا مذهب مالك و الشافعي «وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِإِيمََانِكُمْ» أراد بهذا بيان أنه لم يؤخذ علينا إلا بأن نأخذ بالظاهر في هذا الحكم إذ لا سبيل لنا إلى الوقوف على حقيقة الإيمان و الله هو المنفرد بعلم ذلك و لا يطلع عليه غيره فإنه العالم بالسرائر المطلع على الضمائر «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» قيل فيه قولان (أحدهما) أن المراد به كلكم ولد آدم فلا تستنكفوا من نكاح الإماء فإنهن من جنسكم كالحرائر (و الآخر) أن معناه كلكم على الإيمان و دينكم واحد فلا ينبغي أن يعير بعضكم بعضا بالهجنة نهى الله عن عادة أهل الجاهلية في الطعن و التعيير بالإماء «فَانْكِحُوهُنَّ» يعني الفتيات المؤمنات أي تزوجوهن «بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» أي بأمر سادتهن و مواليهن و في هذا دلالة على أنه لا يجوز نكاح الأمة بغير إذن مالكها «وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» أي أعطوا مالكهن مهورهن «بِالْمَعْرُوفِ» أي بما لا ينكر في الشرع‏و هو ما تراضى عليه الأهلون و وقع عليه العقد و قيل معناه من غير مطل و ضرار «مُحْصَنََاتٍ» أي عفائف يريد تزوجوهن عفائف «غَيْرَ مُسََافِحََاتٍ» أي غير زوان و قيل معناه متزوجات غير زانيات و قد قرئ «مُحْصَنََاتٍ» و محصنات بفتح الصاد و كسرها على ما مر ذكره في الآية الأولى «وَ لاََ مُتَّخِذََاتِ أَخْدََانٍ» أي أخلاء في السر لأن الرجل منهم كان يتخذ صديقة فيزني بها و المرأة تتخذ صديقا فتزني به و روي عن ابن عباس أنه قال كان قوم في الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا و يستحلون ما خفي منه فنهى الله عن الزنا سرا و جهرا فعلى هذا يكون المراد بقوله «غَيْرَ مُسََافِحََاتٍ وَ لاََ مُتَّخِذََاتِ أَخْدََانٍ» غير زانيات لا سرا و لا جهرا «فَإِذََا أُحْصِنَّ» من قرأ بضم الهمزة معناه فإذا زوجن فأحصنهن أزواجهن و هو بمعنى تزوجن عن ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و من قرأ بالفتح فمعناه أسلمن عن عمر بن الخطاب و ابن مسعود و إبراهيم و الشعبي و السدي و قال الحسن يحصنها الزوج و يحصنها الإسلام «فَإِنْ أَتَيْنَ بِفََاحِشَةٍ» أي زنين «فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مََا عَلَى اَلْمُحْصَنََاتِ مِنَ اَلْعَذََابِ» أي نصف ما على الحرائر من حد الزنا و هو خمسون جلدة نصف حد الحرة و «ذََلِكَ» إشارة إلى نكاح الأمة عند عدم الطول «لِمَنْ خَشِيَ اَلْعَنَتَ مِنْكُمْ» يعني الزنا و هو أن يخاف أن تحمله شدة الشبق على الزنا فيلقى الحد في الدنيا أو العذاب في الآخرةو عليه أكثر المفسرين و قيل معناه لمن يخاف أن يهواه فيزني بها و قيل معنى العنت الضرر الشديد في الدين أو الدنيا لغلبة الشهوة و الأول أصح «وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» معناه و صبركم عن نكاح الإماء و عن الزنا خير لكم و أن تصبروا مبتدأ و خير خبره «وَ اَللََّهُ غَفُورٌ» لذنوب عباده‏

56

(1) - «رَحِيمٌ» بهم و فائدته أن من لم يصبر عما أمر بالصبر عنه ثم تاب غفر الله له و رحمه و استدلت الخوارج بهذه الآية على بطلان الرجم قالوا إن الرجم لا يمكن تبعيضه و قد قال «فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مََا عَلَى اَلْمُحْصَنََاتِ مِنَ اَلْعَذََابِ» فعلمنا أن الرجم لا أصل له و الجواب عن ذلك إذا كان المراد بالمحصنات الحرائر سقط هذا القول و يدل على ذلك قوله في أول الآية «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ» و لا شك أنه أراد بها الحرائر و العفائف لأن اللاتي لهن أزواج لا يمكن العقد عليهن على أن في الناس من قال أن المحصنات هنا المراد بها الحرائر دون العفائف لأنه لو كان مختصا بالعفائف لما جاز العقد على غيرهن و معلوم أن ذلك جائز هذا و الرجم أجمعت الأمة على أنه من أحكام الشرع و تواتر المسلمون بأن النبي ص رجم ماعز بن مالك الأسلمي و رجم يهوديا و يهودية و لم يختلف فيه الفقهاء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا فخلاف الخوارج في ذلك شاذ عن الإجماع فلا يعتد به.

الإعراب‏

ذكر في اللام من قوله «لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» ثلاثة أقوال (أحدها) أن معناه أن و أن تأتي مع أمرت و أردت لأنها تطلب الاستقبال فلا يجوز أردت أن قمت فلما كانت أن في سائر الأفعال تطلب الاستقبال استوثقوا لها باللام و ربما جمعوا بين اللام و كي لتأكيد الاستقبال قال الشاعر:

أرادت لكيما لا ترى لي عثرة # و من ذا الذي يعطى الكمال فيكمل‏

و هذا قول الكسائي و الفراء و أنكره الزجاج و أنشد:

57

(1) -

أردت لكيما يعلم الناس أنها # سراويل قيس و الوفود شهود

قال و لو كانت اللام بمعنى إن لم تدخل على كي كما لا تدخل إن على كي قال و مذهب سيبويه و أصحابه إن اللام دخلت هنا على تقدير المصدر أي لإرادة البيان نحو قوله تعالى‏ «إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيََا تَعْبُرُونَ» أي إن كانت عبارتكم للرؤيا و كذلك قوله‏ «لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ» أي رهبتهم لربهم قال كثير :

أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل.

ـو القول الثالث إن بعض النحويين ضعف هذين الوجهين بأن جعل اللام بمعنى أن لم تقم به حجة قاطعة و حمله على المصدر يقتضي جواز ضربت لزيد بمعنى ضربت زيدا و هذا لا يجوز و لكن يجوز في التقديم دون التأخير نحو لزيد ضربت و لِلرُّءْيََا تَعْبُرُونَ و لأن عمل الفعل في التقديم يضعف كعمل المصدر في التأخير و لذلك لم يجز إلا في المتصرف فأما رَدِفَ لَكُمْ فعلى تأويل ردف ما ردف لكم و على ذلك ما يريد لكم و كذلك قوله‏ «وَ أُمِرْنََا لِنُسْلِمَ» أي أمرنا بما أمرنا لنسلم و هذه الأقوال كلها مضطربة و الوجه الصحيح فيه أن مفعول يريد محذوف تقديره يريد الله تبصيركم ليبين لكم.

المعنى‏

ثم بين تعالى بعد التحليل و التحريم أنه يريد بذلك مصالحنا و منافعنا فقال الله تعالى «يُرِيدُ اَللََّهُ» ما يريد «لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» أحكام دينكم و دنياكم و أمور معاشكم و معادكم «وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» فيه قولان (أحدهما) يهديكم إلى طريق الذين كانوا من قبلكم من أهل الحق و الباطل لتكونوا مقتدين بهم متبعين آثارهم لما لكم من المصلحة (و الآخر) سنن الذين من قبلكم من أهل الحق و الباطل لتكونوا على بصيرة فيما تفعلون و تجتنبون من طرائقهم «وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» أي و يقبل توبتكم و يقال يريد التوبة عليكم بالدعاء إليها و الحث عليها و تيسير السبيل إليها و في هذا دلالة على بطلان مذهب المجبرة لأنه بين تعالى أنه لا يريد إلا الخير و الصلاح‏ «وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» مر تفسيره «وَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» أي يلطف في توبتكم أن وقع منكم ذلك و قيل يريد أن يوفقكم لها و يقوي دواعيكم إليها «وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلشَّهَوََاتِ» فيه أقوال- (أحدها) - إن المعنى بذلك جميع المبطلين فإن كل مبطل متبع شهوة نفسه في باطله عن ابن زيد - (و ثانيها) -إن المراد بذلك الزناة عن مجاهد - (و ثالثها) -أنهم اليهود و النصارى عن‏

58

(1) - السدي - (و رابعها) -إنهم اليهود خاصة إذ قالوا إن الأخت من الأب حلال في التوراة و القول الأول أقرب «أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً» أي تعدلوا عن الاستقامة عدولا بينا بالاستكثار من المعصية و ذلك أن الاستقامة هي المؤدية إلى الثواب و الفوز من العقاب و الميل عنها يؤدي إلى الهلاك و استحقاق العذاب و إذا قيل لم كرر قوله تعالى «يَتُوبَ عَلَيْكُمْ» فجوابه أنه للتأكيد و أيضا فإن في الأول بيان أنه يريد الهداية و الإنابة و في الثاني بيان إن إرادته خلاف إرادة أصحاب الأهواء و أيضا أنه أتى في الثاني بأن ليزول الإبهام أنه يريد ليتوب‏و لا يريد أن يتوب و إنما قال تعالى «مَيْلاً عَظِيماً» لأن العاصي يأنس بالعاصي كما يأنس المطيع بالمطيع و يسكن الشكل إلى الشكل و يألف به و لأن العاصي يريد مشاركة الناس إياه في المعصية ليسلم عن ذمهم و توبيخهم و نظيره قوله تعالى‏ «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمََا كَفَرُوا» و في المثل من أحرق كدسه تمنى إحراق كدس غيره و على هذا جبلت القلوب‏} «يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ» يعني في التكليف في أمر النساء و النكاح بإباحة نكاح الإماء عن مجاهد و طاووس و يجوز أن يريد التخفيف بقبول التوبة و التوفيق لها و يجوز أن يريد التخفيف في التكليف على العموم و ذلك أنه تعالى خفف عن هذه الأمة ما لم يخفف عن غيرها من الأمم الماضية «وَ خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ ضَعِيفاً» في أمر النساء و قلة الصبر عنهن و قيل خلق الإنسان ضعيفا يستميله هواه و شهوته و يستشيطه خوفه و حزنه.

القراءة

قرأ أهل الكوفة تجارة نصبا و الباقون بالرفع.

59

(1) -

الحجة

قال أبو علي من رفع فتقديره إلا أن تقع تجارة فالاستثناء منقطع لأن التجارة عن تراض ليس من أكل المال بالباطل و من نصب تجارة احتمل ضربين (أحدهما) إلا أن تكون التجارة تجارة عن تراض و مثل ذلك قول الشاعر:

"إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا"

أي إذا كان اليوم يوما (و الآخر) إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه فالاستثناء على هذا الوجه أيضا منقطع.

المعنى‏

لما بين سبحانه تحريم النساء على غير الوجوه المشروعة عقبه بتحريم الأموال في الوجوه الباطلة فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا الله و رسوله «لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ» ذكر الأكل و أراد سائر التصرفات و إنما خص الأكل لأنه معظم المنافع و قيل لأنه يطلق على وجوه الإنفاقات اسم الأكل يقال أكل ماله بالباطل و إن أنفقه في غير الأكل و معناه لا يأكل بعضكم أموال بعض و في قوله «بِالْبََاطِلِ» قولان (أحدهما)

أنه الربا و القمارو البخس و الظلم عن السدي و هو المروي عن الباقر

(و الآخر) إن معناه بغير استحقاق من طريق الأعواض عن الحسن قال و كان الرجل منهم يتحرج عن أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية إلى أن نسخ ذلك بقوله في سورة النور و ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم إلى قوله‏ «أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتََاتاً» و الأول هو الأقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلا باطلا (و ثالثها) إن معناه أخذه من غير وجهه و صرفه فيما لا يحل له «إِلاََّ أَنْ تَكُونَ تِجََارَةً» أي مبايعة ثم وصف التجارة فقال «عَنْ تَرََاضٍ مِنْكُمْ» أي يرضى كل واحد منكما بذلك و قيل في معنى التراضي في التجارة قولان (أحدهما) أنه إمضاء البيع بالتفرق أو التخاير بعد العقد و هو قول شريح و الشعبي و ابن سيرين و مذهب الشافعي و الإمامية

لقوله (البيعان) بالخيار ما لم يتفرقا

أو يكون بيع خيار و ربما قالوا أو يقول أحدهما للآخر اختر (و الثاني) أنه البيع بالعقد فقط عن مالك و أبي حنيفة «وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» فيه أربعة أقوال (أحدها) إن معناه لا يقتل بعضكم بعضا لأنكم أهل دين واحد و أنتم كنفس واحد كقوله (سلموا على أنفسكم) عن الحسن و عطا و السدي و الجبائي (و ثانيها) أنه نهى الإنسان عن قتل نفسه في حال غضب أو ضجر عن أبي‏

60

(1) - القاسم البلخي (و ثالثها) إن معناه لا تقتلوا أنفسكم بأن تهلكوها بارتكاب الآثام و العدوان في أكل المال بالباطل و غيره من المعاصي التي تستحقون بها العذاب (و رابعها) ما

روي عن أبي عبد الله (ع) أن معناه لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه‏

«إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً» أي لم يزل بكم رحيما و كان من رحمته أن حرم عليكم قتل الأنفس و إفساد الأموال‏} «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ» قيل إن ذلك إشارة إلى أكل الأموال بالباطل و قتل النفس بغير حق و قيل إشارة إلى المحرمات في هذه السورة من قوله‏ «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّسََاءَ كَرْهاً» و قيل إشارة إلى فعل كل ما نهى الله عز و جل عنه من أول السورة و قيل إلى قتل النفس المحرمة خاصة عن عطا «عُدْوََاناً وَ ظُلْماً» قيل هما واحد و أتي بهما لاختلاف اللفظين كما قال الشاعر:

"و ألفى قولها كذبا و مينا"

و قيل العدوان تجاوز ما أمر الله به و الظلم أن يأخذه على غير وجه الاستحقاق و قيل إنما قيده بالعدوان و الظلم لأنه أراد به المستحلين «فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نََاراً» أي نجعله صلى نار و نحرقه بها «وَ كََانَ ذََلِكَ» أي إدخاله النار و تعذيبه فيها «عَلَى اَللََّهِ» سبحانه «يَسِيراً» هينا لا يمنعه منه مانع و لا يدفعه عنه دافع و لا يشفع عنده إلا بإذنه شافع.

ـ

القراءة

قرأ أبو جعفر و نافع مدخلا كريما مفتوحة الميم و قرأ الباقون «مُدْخَلاً» بالضم.

الحجة

قال أبو علي من قرأ مدخلا يحتمل أن يكون مصدرا و أن يكون مكانا فإن حملته على المصدر أضمرت له فعلا دل عليه الفعل المذكور و تقديره ندخلكم فتدخلون مدخلا و إن حملته على المكان فتقديره ندخلكم مكانا كريما و هذا أشبه هنا لأن المكان قد وصف بالكريم في قوله تعالى‏ «وَ مَقََامٍ كَرِيمٍ» * و من قرأ مدخلا فيجوز فيه أيضا أن يكون مكانا و أن يكون مصدرا.

اللغة

الاجتناب المباعدة عن الشي‏ء و تركه جانبا و منه الأجنبي و يقال ما يأتينا فلان إلا عن جنابة أي بعد قال علقمة بن عبيدة :

فلا تحرمني نائلا عن جنابة # و إني امرؤ وسط القباب غريب‏

61

(1) - و قال الأعشى :

أتيت حريثا زائرا عن جنابة # فكان حريث عن عطائي جامدا

و التكفير أصله الستر .

المعنى‏

لما قدم ذكر السيئات عقبه بالترغيب في اجتنابها فقال‏ «إِنْ تَجْتَنِبُوا» أي تتركوا جانبا «كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ» اختلف في معنى الكبيرة فقيل كل ما أوعد الله تعالى عليه في الآخرة عقابا و أوجب عليه في الدنيا حدا فهو كبيرة و هو المروي عن سعيد بن جبير و مجاهد و قيل كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة عن ابن عباس و إلى هذا ذهب أصحابنا فإنهم قالوا المعاصي كلها كبيرة من حيث كانت قبائح لكن بعضها أكبر من بعض و ليس في الذنوب صغيرة و إنما يكون صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر منه و يستحق العقاب عليه أكثر و القولان متقاربان و قالت المعتزلة الصغيرة ما نقص عقابه عن ثواب صاحبه ثم أن العقاب اللازم عليه ينحبط بالاتفاق بينهم و هل ينحبط مثله من ثواب صاحبه فعند أبي هاشم و من يقول بالموازنة ينحبط و عند أبي علي الجبائي لا ينحبط بل يسقط الأقل و يبقى الأكثر بحاله و الكبيرة عندهم ما يكبر عقابه عن ثواب صاحبه قالوا و لا يعرف شي‏ء من الصغائر و لا معصية إلا و يجوز أن يكون كبيرة فإن في تعريف الصغائر إغراء بالمعصية لأنه إذا علم المكلف أنه لا ضرر عليه في فعلها و دعته الشهوة إليها فعلها و قالوا عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر و لا يحسن معه المؤاخذة بها و ليس في ظاهر الآية ما يدل عليه فإن معناه على ما رواه الكلبي عن ابن عباس إن تجتنبوا الذنوب التي أوجب الله فيها الحد و سمى فيها النار نكفر عنكم ما سوى ذلك من الصلاة إلى الصلاة و من الجمعة إلى الجمعةو من شهر رمضان إلى شهر رمضان و قيل معنى ذلك إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح و أكل الأموال بالباطل و غيره من المحرمات من أول السورة إلى هذا الموضع و تركتموه في المستقبل كفرنا عنكم ما كان منكم من ارتكابها فيما سلف و لذا قال ابن مسعود كلما نهى الله عنه في أول السورة إلى رأس الثلاثين فهو كبيرة و يعضد هذا القول من التنزيل قوله‏ «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ» و قوله‏ «وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ» «وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً» أي مكانا طيبا حسنا لا ينقصه شي‏ء و قد ذكرنا المعنى في القراءتين قبل فأما تفسير الكبائر الموبقة على ما وردت به الروايات فسنذكر منه جملة مقنعة و

روى عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه‏

62

(1) - علي بن موسى الرضا عن موسى بن جعفر (ع) قال دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) فلما سلم و جلس تلا هذه الآية «اَلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ وَ اَلْفَوََاحِشَ» * ثم أمسك فقال أبو عبد الله ما أسكتك قال أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله قال نعم يا عمرو أكبر الكبائر الشرك بالله لقول الله عز و جل‏ «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» و قال‏ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اَللََّهُ عَلَيْهِ اَلْجَنَّةَ وَ مَأْوََاهُ اَلنََّارُ و بعده اليأس من روح الله لأن الله يقول‏ «لاََ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْكََافِرُونَ» ثم الأمن من مكر الله لأن الله يقول‏ «فَلاََ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخََاسِرُونَ» و منها عقوق الوالدين لأن الله تعالى جعل العاق جبارا شقيا في قوله‏ «وَ بَرًّا بِوََالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبََّاراً شَقِيًّا» و منها قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق لأنه يقول‏ «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً فِيهََا» الآية و قذف المحصنات لأن الله يقول‏ «إِنَّ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ اَلْغََافِلاََتِ اَلْمُؤْمِنََاتِ لُعِنُوا فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ» و أكل مال اليتيم ظلما لقوله‏ «إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً» الآية و الفرار من الزحف لأن الله يقول‏ «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاََّ مُتَحَرِّفاً لِقِتََالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ََ فِئَةٍ فَقَدْ بََاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ وَ مَأْوََاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ» و أكل الربا لأن الله يقول‏ «اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبََا لاََ يَقُومُونَ إِلاََّ كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ» و يقول‏ «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ» و السحر لأن الله يقول‏ «وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اِشْتَرََاهُ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاََقٍ» و الزنا لأن الله يقول‏ «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ يَلْقَ أَثََاماً ` يُضََاعَفْ لَهُ اَلْعَذََابُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهََاناً» و اليمين الغموس لأن الله يقول‏ «إِنَّ اَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ وَ أَيْمََانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولََئِكَ لاََ خَلاََقَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ» الآية و الغلول قال الله‏ «وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمََا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ» و منع الزكاة المفروضة لأن الله يقول‏ «يَوْمَ يُحْمى‏ََ عَلَيْهََا فِي نََارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ََ بِهََا جِبََاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ» الآية و شهادة الزور و كتمان الشهادة لأن الله يقول‏ «وَ مَنْ يَكْتُمْهََا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» و شرب الخمر لأن الله تعالى عدل بها عبادة الأوثان و ترك الصلاة متعمدا أو شيئا مما فرض الله تعالى لأن رسول الله (ص) يقول من ترك الصلاة متعمدا فقد بري‏ء من ذمة الله و ذمة رسوله و نقض العهد و قطيعة الرحم لأن الله يقول‏ «أُولََئِكَ لَهُمُ اَللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ اَلدََّارِ» قال فخرج عمرو و له‏

63

(1) - صراخ من بكائه و هو يقول هلك من قال برأيه و نازعكم في الفضل و العلم‏

و

روي عن النبي (ص) أنه قال الكبائر سبع أعظمهن الإشراك بالله و قتل النفس المؤمنة و أكل الربا و أكل مال اليتيم و قذف المحصنة و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف فمن لقي الله تعالى‏و هو بري‏ء منهن كان معي في بحبوحة جنة مصاريعها من ذهب‏

و روى سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن عباس كم الكبائر؟سبع هي قال هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار و لا صغيرة مع إصرار رواهما الواحدي في تفسيره بالإسناد مرفوعا.

القراءة

قرأ ابن كثير و الكسائي و سلوا الله بغير همز و كذلك كل ما كان أمرا للمواجه في كل القرآن و الباقون بالهمز و لم يختلفوا في‏ وَ لْيَسْئَلُوا مََا أَنْفَقُوا أنه مهموز.

الحجة

قال أبو علي الهمز و ترك الهمز حسنان فلو خفف الهمزة في قوله «وَ لْيَسْئَلُوا» لكان أيضا حسنا.

اللغة

التمني هو قول القائل لما لم يكن ليته كان كذا و ليته لم يكن كذا لما كان و قال أبو هاشم في بعض كلامه التمني معنى في القلب و من قال بذلك قال ليس هو من قبيل الشهوة و لا من قبيل الإرادة لأن الإرادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه و الشهوة لا تتعلق بما مضى كالإرادة و التمني قد يتعلق بما مضى و أهل اللغة ذكروا التمني في أقسام الكلام .

النزول‏

قيل جاءت وافدة النساء إلى رسول الله (ص) فقالت يا رسول الله أ ليس الله رب الرجال و النساء و أنت رسول الله إليهم جميعا فما بالنا يذكر الله الرجال و لا يذكرنا نخشى أن لا يكون فينا خير و لا لله فينا حاجة فنزلت هذه الآية و قيل إن أم سلمة قالت يا رسول الله يغزو الرجال و لا تغزو النساء و إنما لنا نصف الميراث فليتنا رجال فنغزو و نبلغ ما يبلغ الرجال فنزلت الآية عن مجاهد و قيل لما نزلت آية المواريث قال الرجال نرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من‏

64

(1) - أجر النساء و قالت النساء إنا نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا فنزلت الآية عن قتادة و السدي .

المعنى‏

لما بين سبحانه حكم الميراث و فضل بعضهم على بعض في ذلك ذكر تحريم التمني الذي هو سبب التباغض فقال «وَ لاََ تَتَمَنَّوْا مََا فَضَّلَ اَللََّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ» أي‏

لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال و النعمة و المرأة الحسناء كان لي فإن ذلك يكون حسدا و لكن يجوز أن يقول اللهم أعطني مثله عن ابن عباس و هو المروي عن أبي عبد الله (ع)

و قيل إن المعنى لا يجوز للرجل أن يتمنى إن لو كان امرأة و لا للمرأة أن تتمنى إن لو كانت رجلا لأن الله لا يفعل إلا ما هو الأصلح فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح أو ما يكون مفسدة عن البلخي و يمكن أن يقال في ذلك أنه يجوز ذلك بشرط أن لا يكون مفسدة كما يقوله في حسن السؤال سواء «لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ» قيل فيه وجوه (أحدها) إن المعنى لكل حظ من الثواب على حسب ما كلفه الله من الطاعات بحسن تدبيره فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير لما فيه من حرمان الحظ الجزيل عن قتادة (و ثانيها) إن لكل فريق من الرجال و النساء نصيبا مما اكتسب من نعيم الدنيا بالتجارات و الزراعات و غير ذلك من أنواع المكاسب فينبغي أن يقنع كل منهم و يرضى بما قسم الله له (و ثالثها) إن لكل منهما نصيبا من الميراث على ما قسمه الله عن ابن عباس فالاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة و الإحراز «وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ» معناه إن احتجتم إلى ما لغيركم و أعجبكم أن يكون لكم مثل ما له فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله بشرط أن لا يكون فيه مفسدة لكم و لا لغيركم لأن المسألة لا تحسبن إلا كذلك و جاء في‏

الحديث عن ابن مسعود عن النبي قال سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل و أفضل العبادة انتظار الفرج‏

و قال سفيان بن عيينة لم يأمرنا بالمسألة إلا ليعطي «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً» معناه أن الله عليم بكل شي‏ء و لم يزل كذلك فيعلم ما تظهرونه و ما تضمرونه من الحسد و يقسم الأرزاق بين العباد على ما يعلم فيه من الصلاح و الرشاد فلا يتمنى أحدكم ما قسم لغيره فإنه لا يحصل من تمنيه إلا الغم و الإثم.

ـ

65

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة «عَقَدَتْ» بغير ألف و الباقون عاقدت بألف.

الحجة

قال أبو علي الذكر الذي يعود من الصلة إلى الموصول ينبغي أن يكون ضميرا منصوبا فالتقدير و الذين عاقدتهم أيمانكم فجعل الأيمان في اللفظ هي المعاقدة و المعنى على الحالفين الذين هم أصحاب الأيمان و المعنى و الذين عاقدت حلفهم أيمانكم فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه فعاقدت أشبه بهذا المعنى لأن لكل نفر من المعاقدين يمينا على المحالفة و من قال عقدت أيمانكم كان المعنى عقدت حلفهم أيمانكم فحذف الحلف و أقام المضاف إليه مقامه و الذين قالوا عاقدت حملوا الكلام على لفظ الإيمان لأن الفعل لم يسند إلى أصحاب الإيمان في اللفظ إنما أسند إلى الإيمان.

اللغة

أصل المولى من ولي الشي‏ء يليه ولاية و هو اتصال الشي‏ء بالشي‏ء من غير فاصل و المولى يقع على وجوه المعتق و المعتق و ابن العم و الورثة و الحليف و الولي و السيد المطاع و الأولى بالشي‏ء و الأحق و هو الأصل في الجميع فسمي المعتق مولى لأنه أولى بميراث المعتق و المعتق أولى بنصرة المعتق من غيره و ابن العم أولى بنصرة ابن عمه لقرابته و الورثة أولى بميراث الميت من غيرهم و الحليف أولى بأمر محالفه للمحالفة التي جرت بينهما و الولي أولى بنصرة من يواليه و السيد أولى بتدبير من يسوده من غيره و منه‏

الخبر أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها

أي من هو أولى بالعقد عليها و قال أبو عبيدة في قوله تعالى‏ «اَلنََّارُ هِيَ مَوْلاََكُمْ» معناه أي هي أولى بكم و أنشد بيت لبيد :

فغدت، كلا الفرجين تحسب أنه # مولى المخافة خلفها و أمامها

و الأيمان جمع اليمين و هو اسم يقع على القسم و الجارحة و القوةو الأصل فيه الجارحة و ذلك أنهم كانوا يضربون الصفقة للبيع و البيعة بأيمانهم فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء و التمسك بالعهد ثم يتحالفون عليه فسمي القسم يمينا و قال:

إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين‏

66

(1) - أي بالقوة .

الإعراب‏

قوله «مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ» الجار و المجرور وقع موقع الصفة لقوله «مَوََالِيَ» أي موالي كائنين مما ترك أي خلف الوالدان و الأقربون «وَ اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ» معطوف على قوله «اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ» فيكون مرفوع الموضع و يحتمل أن يكون «مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ» متعلقا بفعل محذوف و تقديره موالي يعطون مما ترك الوالدان و الأقربون و يكون «وَ اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ» مبتدأ و قوله «فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» خبره.

المعنى‏

ثم عاد سبحانه إلى ذكر المواريث فقال «وَ لِكُلٍّ» واحد من الرجال و النساء «جَعَلْنََا مَوََالِيَ» أي ورثة هم أولى بميراثه عن السدي و قيل عصبة عن ابن عباس و الحسن و الأول أصح لقوله سبحانه‏ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ` يَرِثُنِي فجعله مولى لما يرث و وليا له لما كان أولى به من غيره و مالكا له كما يقال لمالك العبد مولاه «مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ» أي يرثون أو يعطون مما ترك الوالدان «وَ اَلْأَقْرَبُونَ» الموروثون‏ «وَ اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ» أي و يرثون مما ترك الذين عقدت أيمانكم لأن لهم ورثة أولى بميراثهم فيكون قوله «وَ اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ» عطفا على قوله «اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ» «فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» أي فأتوا كلا نصيبه من الميراث و هذا اختيار الجبائي و قال الحليف لم يؤمر له بشي‏ء أصلا و قال أكثر المفسرين إن قوله «وَ اَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمََانُكُمْ» مقطوع من الأول فكأنه قال و الذين عاقدت أيمانكم أيضا فأتوهم نصيبهم ثم اختلفوا فيه على أقوال (أحدها) أن المراد بهم الحلفاء عن قتادة و سعيد بن جبير و الضحاك و قالوا إن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل فيقول دمي دمك و حربي حربك و سلمي سلمك و ترثني و أرثك و تعقل عني و أعقل عنك فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف و عاقد أبو بكر مولى فورثه فذلك قوله «فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» أي أعطوهم حظهم من الميراث ثم نسخ ذلك بقوله‏ «وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ» * و قال مجاهد معناه فأتوهم نصيبهم من النصر و العقل و الرفد و لا ميراث فعلى هذا تكون الآية غير منسوخة و يؤيده قوله تعالى‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و

قول النبي ص في خطبة يوم فتح مكة ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة و لا تحدثوا حلفا في الإسلام‏

و

روى عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله قال شهدت حلف المطيبين و أنا غلام مع عمومتي فما أحب أن لي حمر النعم‏و أني أنكثه‏

(و ثانيها) أن المراد بهم قوم آخى بينهم رسول الله من المهاجرين و الأنصار حين قدموا المدينة و كانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة ثم نسخ الله ذلك‏

67

(1) - بالفرائض عن ابن عباس و ابن زيد (و ثالثها) أنهم الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية و منهم زيد مولى رسول الله فأمروا في الإسلام أن يوصوا لهم عند الموت بوصية فذلك قوله «فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» عن سعيد بن المسيب «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيداً» أي لم يزل عالما بجميع الأشياء مطلعا عليها جليها و خفيها.

القراءة

قرأ أبو جعفر وحده بما حفظ الله بالنصب و الباقون بالرفع و قرئ في الشواذ فالصوالح قوانت قرأه طلحة بن مصرف .

الحجة

قوله حفظ الله يكون على حذف المضاف كأنه قال حفظ عهد الله أو دين الله كقوله تعالى‏ «إِنْ تَنْصُرُوا اَللََّهَ» أي تنصروا دين الله و حذف المضاف كثير في الكلام و الوجه في قراءة من قرأ فالصوالح قوانت أن جمع التكسير يدل على الكثرة و الألف و التاء موضوعتان للقلة فهما على حد التثنية بمنزلة الزيدين من الواحد فيكون من الثلاث إلى العشرة و الكثرة أليق بهذا الموضع غير أن الألف و التاء قد جاء أيضا على معنى الكثرة كقوله اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلْمُسْلِمََاتِ إلى قوله‏ وَ اَلذََّاكِرِينَ اَللََّهَ كَثِيراً وَ اَلذََّاكِرََاتِ و الغرض في الجميع الكثرة لا ما هو لما بين الثلاثة إلى العشرة و قال ابن جني كان أبو علي الفارسي ينكر الحكاية المروية عن النابغة و قد عرض عليه حسان شعره و أنه لما صار إلى قوله:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى # و أسيافنا يقطرن من نجدة دما

68

(1) - قال له النابغة لقد قللت جفانك و سيوفك و هذا خبر مجهول لا أصل له لأن الله تعالى يقول‏ وَ هُمْ فِي اَلْغُرُفََاتِ آمِنُونَ و لا يجوز أن يكون الغرف التي في الجنة من الثلاث إلى العشرة.

ـ

اللغة

يقال رجل قيم و قيام و قوام و هذا البناء للمبالغة و التكثير و أصل القنوت دوام الطاعة و منه القنوت في الوتر لطول القيام فيه و أصل النشوز الترفع على الزوج بخلافه مأخوذ من قولهم فلان على نشز من الأرض أي ارتفاع يقال نشزت المرأة تنشز و تنشز و الهجر الترك عن قلى يقال هجرت الرجل إذا تركت كلامه عن قلى و الهاجرة نصف النهار لأنه وقت يهجر فيه العمل و هجر الرجل البعير إذا ربطه بالهجار و أصل الضجوع الاستلقاء يقال ضجع ضجوعا و اضطجع اضطجاعا إذا استلقى للنوم و أضجعته أنا، و كل شي‏ء أملته فقد أضجعته و البغية الطلب يقال بغيت الضالة إذا طلبتها و قال الشاعر يصف الموت:

بغاك و ما تبغيه حتى وجدته # كأنك قد واعدته أمس موعدا

.

الإعراب‏

الباء في قوله «بِمََا فَضَّلَ اَللََّهُ» «وَ بِمََا أَنْفَقُوا» يتعلق بقوله «قَوََّامُونَ» و ما في الموضعين مصدرية لا تحتاج إلى عائد إليها من صلتها لأنها حرف و قوله «بِمََا حَفِظَ اَللََّهُ» أيضا يكون ما فيه مصدرية فيكون تقديره بأن يحفظهن الله و من قرأ «بِمََا حَفِظَ اَللََّهُ» نصبا يكون ما اسما موصولا فيكون التقدير بالشي‏ء الذي يحفظ الله أي يحفظ أمر الله.

النزول‏

قال مقاتل نزلت الآية في سعد بن الربيع بن عمرو و كان من النقباء و في امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير و هما من الأنصار و ذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي فقال أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبي لتقتص من زوجها فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي ارجعوا فهذا جبرائيل أتاني و أنزل الله هذه الآية فقال النبي ص (أردنا أمرا و أراد الله أمرا) و الذي أراد الله خير

و رفع القصاص و قال الكلبي نزلت في سعد بن الربيع و امرأته خولة بنت محمد بن مسلمة و ذكر القصة نحوها و قال أبو روق نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي و في زوجها ثابت بن قيس بن شماس و ذكر قريبا منه.

المعنى‏

لما بين تعالى فضل الرجال على النساءذكر عقيبه فضلهم في القيام بأمر النساء فقال «اَلرِّجََالُ قَوََّامُونَ عَلَى اَلنِّسََاءِ» أي قيمون على النساء مسلطون عليهن في التدبير و التأديب و الرياضة و التعليم «بِمََا فَضَّلَ اَللََّهُ بَعْضَهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ» هذا بيان سبب تولية

69

(1) - الرجال عليهن أي إنما ولاهم الله أمرهن لما لهم من زيادة الفضل عليهن بالعلم و العقل و حسن الرأي و العزم «وَ بِمََا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوََالِهِمْ» عليهن من المهر و النفقة كل ذلك بيان علة تقويمهم عليهن و توليتهم أمرهن «فَالصََّالِحََاتُ قََانِتََاتٌ» أي مطيعات لله و لأزواجهن عن قتادة و الثوري و عطاء و يقال حافظات و يدل عليه قوله‏ يََا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ أي أقيمي على طاعته «حََافِظََاتٌ لِلْغَيْبِ» يعني لأنفسهن و فروجهن في حال غيبة أزواجهن عن قتادة و عطاء و الثوري و يقال الحافظات لأموال أزواجهن في حال غيبتهم راعيات بحقوقهم و حرمتهم و الأولى أن يحمل على الأمرين لأنه لا تنافي بينهما «بِمََا حَفِظَ اَللََّهُ» أي بما حفظهن الله في مهورهن و إلزام أزواجهن النفقة عليهن عن الزجاج و قيل بحفظ الله لهن و عصمته و لو لا أن حفظهن الله و عصمهن لما حفظن أزواجهن بالغيب «وَ اَللاََّتِي تَخََافُونَ نُشُوزَهُنَّ» معناه فالنساء اللاتي تخافون نشوزهن بظهور أسبابه و أماراته و نشوز المرأة عصيانها لزوجها و استيلاؤها عليه و مخالفتها إياه و قال الفراء معناه تعلمون نشوزهن قال و قد يكون الخوف بمعنى العلم لأن خوف النشز العلم بموقعه «فَعِظُوهُنَّ وَ اُهْجُرُوهُنَّ فِي اَلْمَضََاجِعِ» معناه فعظوهن أولا بالقول و النصيحة فإن لم ينجع الوعظ و لم يؤثر النصح بالقول فاهجروهن في المضاجع عن سعيد بن جبير قال و عنى به الجماع إلا أنه ذكر المضاجع لاختصاص الجماع بهاو قيل معناه فاهجروهن في الفراش و المبيت و ذلك أنه يظهر بذلك حبها للزوج و بغضها له فإن كانت مائلة إليه لم تصبر على فراقه في المضجع و إن كانت بخلاف ذلك صبرت عنه عن الحسن و قتادة و عطاء و إلى هذا المعنى يؤول‏

ما روي عن أبي جعفر قال يحول ظهره إليها

و في تفسير الكلبي عن ابن عباس فعظوهن بكتاب الله أولا و ذلك أن يقول اتقي الله و ارجعي إلى طاعتي فإن رجعت و إلا أغلظ لها القول فإن رجعت و إلا ضربها ضربا غير مبرح و قيل في معنى غير المبرح أن لا يقطع لحما و لا يكسر عظما و

روي عن أبي جعفر أنه الضرب بالسواك‏

«فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ» أي رجعن إلى طاعتكم في الائتمار لأمركم «فَلاََ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً» أي لا تطلبوا عليهن عللا بالباطل و قيل سبيلا للضرب و الهجران مما أبيح لكم فعله عند النشوز عن أبي مسلم و أبي علي الجبائي و قيل معناه لا تكلفوهن الحب عن سفيان بن عيينة فيكون المعنى إذا استقام لكم ظاهرهن فلا تعللوا عليهن بما في باطنهن «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيًّا كَبِيراً» أي متعاليا عن أن يكلف إلا الحق مقدار الطاقة. و العلو و الكبرياء من صفات الله و فائدة ذكرهما هنا بيان انتصاره لهن و قوته على الانتصار إن هن ضعفن عنه و قيل المراد به أنه تعالى مع علوه و كبريائه لم يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن إلا ما يطقن.

70

(1) -

اللغة

الشقاق الخلاف و العداوة و اشتقاقه من الشق و هو الجزء البائن فالمتشاقان كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه بالعداوة أي في ناحية و أصل التوفيق الموافقة و هي المساواة في أمر من الأمور و التوفيق هو اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعات لمساواته في الوقت و التوفيق بين نفسين هو الإصلاح بينهما و الاتفاق في الجنس و المذهب المساواة بينهما و الاتفاق في الوقوع كرمية من غير رام لمساواتهما نادرا .

الإعراب‏

أصل بين أن يكون ظرفا ثم استعمل اسما هنا بإضافة شقاق إليه كما قال هََذََا فِرََاقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ و قال‏ وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ و كان في الأصل فإن خفتم أي خشيتم شقاقا بينهما.

المعنى‏

لما قدم الله الحكم عند مخالفة أحد الزوجين صاحبه عقبه بذكر الحكم عند التباس الأمر في المخالفة فقال «وَ إِنْ خِفْتُمْ» أي خشيتم و قيل علمتم و الأول أصح لأنه لو علم الشقاق يقينا لما احتيج إلى الحكمين «شِقََاقَ بَيْنِهِمََا» أي مخالفة و عداوة بين الزوجين «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهََا» أي وجهوا حكما من قوم الزوج و حكما من قوم الزوجة لينظرا فيما بينهما و الحكم القيم بما يسند إليه و اختلف في المخاطب بإنفاذ الحكمين من هو

فقيل هو السلطان الذي يترافع الزوجان إليه عن سعيد بن جبير و الضحاك و أكثر الفقهاء و هو الظاهر في الأخبار عن الصادقين

و قيل أنه الزوجان و أهل الزوجين عن السدي و اختلفوا في أن الحكمين هل لهما أن يفرقا بالطلاق إن رأياه أم لا فالذي‏

رواه أصحابنا عنهم أنه ليس لهما ذلك إلا بعد أن يستأمراهما و يرضيا بذلك‏

و

قيل إن لهما ذلك عن سعيد بن جبير و الشعبي و السدي و إبراهيم و رواه عن علي (ع)

و من ذهب إلى هذا القول قال إن الحكمين وكيلان «إِنْ يُرِيدََا إِصْلاََحاً» يعني الحكمين «يُوَفِّقِ اَللََّهُ بَيْنَهُمََا» حتى يحكما بما فيه الصلاح و الضمير في بينهما عائد إلى الحكمين عن ابن عباس و سعيد بن جبير و السدي و قيل إن يرد الحكمان إصلاحا بين الزوجين يوفق الله بين الزوجين أي مؤلف بينهما و يرفع ما بينهما من العداوة و الشقاق «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً» بما يريد الحكمان من الإصلاح و الإفساد «خَبِيراً» بما فيه مصالحكم و منافعكم.

ـ

71

(1) -

اللغة

الجار أصله من العدول يقال جاوره يجاوره مجاورة و جوار فهو مجاور له و جار له بعدوله إلى ناحيته في مسكنه من قولهم جار عن الطريق و جار السهم إذا عدل عن القصد و استجار بالله لأنه يسأله العدول به عن النار و الجار ذي القربى القريب و «اَلْجََارِ اَلْجُنُبِ» الغريب قال أبو علي الجنب صفة على فعل مثل ناقة أجد و مشي سجح فالجنب المتباعد عن أهله يدلك على ذلك مقابلته بقوله «وَ اَلْجََارِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ» و القربى من القرب كاليسرى من اليسر و أصل المختال من التخيل و هو التصور لأنه يتخيل بحاله مرح البطر و المختال الصلف التياه و منه الخيل لأنها تختال في مشيها أي تتبختر و الخول الحشم و الفخور الذي يعد مناقبه كبرا أو تطاولا و أما الذي يعددها اعترافا بالنعمة فيها فهو شكور غير فخور .

الإعراب‏

إحسانا نصب على المصدر كما تقول ضربا لزيد و تقديره أحسنوا بالوالدين إحسانا أو يكون نصبا على تقدير استوصوا بالوالدين إحسانا فيكون مفعولا به.

المعنى‏

لما أمر سبحانه بمكارم الأخلاق في أمر اليتامى و الأزواج و العيال عطف على ذلك بهذه الخلال المشتملة على معاني الأمور و محاسن الأفعال فبدأ بالأمر بعبادته فقال «وَ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» أي وحدوه و عظموه و لا تشركوا في عبادته غيره فإن العبادة لا تجوز لغيره‏لأنها لا تستحق إلا بفعل أصول النعم و لا يقدر عليها سواه تعالى «وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً» أي فاستوصوا بهما برا و إنعاما و إحسانا و إكراما و قيل إن فيه إضمار فعل أي و أوصاكم الله بالوالدين إحسانا «وَ بِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ وَ اَلْمَسََاكِينِ» معناه أحسنوا بالوالدين‏

72

(1) - خاصة و بالقرابات عامة يقال أحسنت إليه و أحسنت به و أحسنوا إلى اليتامى بحفظ أموالهم و القيام عليها و غيرها من وجوه الإحسان و أحسنوا إلى المساكين فلا تضيعوهم و أعطوهم ما يحتاجون إليه من الطعام و الكسوة و سائر ما لا بد منه لهم «وَ اَلْجََارِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْجََارِ اَلْجُنُبِ» قيل معناه الجار القريب في النسب و الجار الأجنبي الذي ليس بينك و بينه قرابة عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و ابن زيد و قيل المراد به الجار ذي القربى منك بالإسلام و الجار الجنب المشرك البعيد في الدين و

روي عن النبي ص أنه قال الجيران ثلاثة جار له ثلاثة حقوق حق الجوار و حق القرابة و حق الإسلام و جار له حقان حق الجوار و حق الإسلام و جار له حق الجوار المشرك من أهل الكتاب‏

و قال الزجاج و «اَلْجََارِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ» الذي يقاربك و تقاربه و يعرفك و تعرفه و «اَلْجََارِ اَلْجُنُبِ» البعيد و روي أن حد الجوار إلى أربعين دارا و يروى إلى أربعين ذراعا قال و لا يجوز أن يكون المراد بذي القربى من القرابة لأنه قد سبق ذكر القرابة و الأمر بالإحسان إليهم بقوله «وَ بِذِي اَلْقُرْبى‏ََ» و يمكن أن يجاب عنه بأن يقال هذا جائز و إن كان قد سبق ذكر القرابة لأن الجار إذا كان قريبا فله حق القرابة و الجوار و القريب الذي ليس بجار له حق القرابة حسب فحسن إفراد الجار القريب بالذكر «وَ اَلصََّاحِبِ بِالْجَنْبِ» في معناه أربعة أقوال (أحدها) أنه الرفيق في السفر عن ابن عباس و سعيد بن جبير و جماعة و الإحسان إليه بالمواساة و حسن العشرة (و ثانيها) أنه الزوجة عن عبد الله بن مسعود و ابن أبي ليلى و النخعي (و ثالثها) أنه المنقطع إليك يرجو نفعك عن ابن عباس في إحدى الروايتين و ابن زيد (و رابعها) أنه الخادم الذي يخدمك و الأولى حمله على الجميع «وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ» معناه صاحب الطريق و فيه قولان (أحدهما) أنه المسافر عن مجاهد و الربيع و قيل هو الضيف عن ابن عباس قال و الضيافة ثلاثة أيام و ما فوقها فهو معروف و كل معروف صدقة و

روى جابر عن النبي كل معروف صدقة و إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق و أن تفرغ من دلوك في إناء أخيك‏

«وَ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» يعني به المماليك من العبيد و الإماء و ذكر اليمين تأكيدا كما يقال مشت رجلك و بطشت يدك‏فموضع ما من قوله «وَ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ» جر بالعطف على ما تقدم أي و أحسنوا إلى عبيدكم و إمائكم بالنفقة و السكنى و لا تحملوهم من الأعمال ما لا يطيقونه أمر الله عباده بالإحسان إلى هؤلاء أجمع «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ» أي لا يرتضي «مَنْ كََانَ مُخْتََالاً» في مشيته «فَخُوراً» على الناس بكثرة المال تكبرا عن ابن عباس و إنما ذكرهما

73

(1) - لأنهما يأنفان من أقاربهم و جيرانهم إذا كانوا فقراء لا يحسنان عشرتهم و هذه آية جامعة تضمنت بيان أركان الإسلام و التنبيه على مكارم الأخلاق و من تدبرها حق التدبر و تذكرها حق التذكر أغنته عن كثير من مواعظ البلغاء و هدته إلى جم غفير من علوم العلماء.

ـ

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم بالبخل* بفتح الباء و الخاء و كذلك في سورة الحديد و الباقون «بِالْبُخْلِ» بالضم.

الحجة

قال سيبويه هما لغتان.

اللغة

البخل أصله مشقة الإعطاء و قيل في معناه أنه منع الواجب لأنه اسم ذم لا يطلق إلا على مرتكب الكبيرة و قيل هو منع ما لا ينفع منعه و لا يضر بذله و مثله الشح و ضده الجود و الأول أليق بالآية لأنه تعالى نفى محبته عمن كان بهذه الصفة و قال علي بن عيسى معناه منع الإحسان لمشقة الطباع و نقيضه الجود و معناه بذل الإحسان لانتفاء مشقة الطباع.

الإعراب‏

الذين يحتمل أن يكون موضعه نصبا من وجهين و أن يكون رفعا من وجهين فأما النصب فعلى أن يكون بدلا من في قوله «لاََ يُحِبُّ مَنْ كََانَ» و على الذم أيضا و أما الرفع فعلى الاستئناف بالذم على الابتداء و تكون الآية الثانية عطفا عليها و يكون الخبر إن الله لا يظلم و على البدل من الضمير في فخور.

المعنى‏

«اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ» أي يمنعون ما أوجب الله عليهم من الزكوات و غيرها و اختاره الجبائي و أبو مسلم و قيل معناه الذين يبخلون بإظهار ما علموه من صفة النبي ص عن ابن عباس و مجاهد و السدي و ابن زيد «وَ يَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبُخْلِ» و يأمرون غيرهم بذلك و قيل يأمرون الأنصار بترك الإنفاق على رسول الله و على أصحابه عن ابن عباس و قيل يأمرون بكتمان الحق «وَ يَكْتُمُونَ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ» أي و يجحدون ما آتاهم الله من اليسار و الثروة اعتذارا لهم في البخل و قيل معناه يكتمون ما عندهم من العلم ببعث النبي و مبعثه و الأولى أن تكون الآية عامة في كل من يبخل بأداء ما يجب عليه أداؤه و يأمرون الناس به و عامة في كل من كتم فضلا آتاه الله تعالى من العالم و غيره و من أنواع النعم التي يجب إظهارها و يحرم‏

74

(1) - كتمانها و قد ورد في‏

الحديث إذا أنعم الله تعالى على عبد نعمة أحب أن يرى أثرها عليه‏

«وَ أَعْتَدْنََا لِلْكََافِرِينَ عَذََاباً مُهِيناً» أعددنا للجاحدين ما أنعم الله عليهم عذابا يهانون فيه و يذلون فأضاف الإهانة إلى العذاب إذ كان يحصل به.

اللغة

القرين أصله من الاقتران و منه القرن لأهل العصر لاقترانهم و القرن المقاوم في الحرب و القرين الصاحب المألوف و قال عدي بن زيد :

عن المرء لا تسأل و أبصر قرينة # فإن القرين بالمقارن يقتدي‏

.

الإعراب‏

إعراب الذين يحتمل أن يكون ما قلناه في الآية المتقدمة و يحتمل أن يكون عطفا على الكافرين فكأنه قال و أعتدنا للكافرين و للذين ينفقون أموالهم رئاء الناس رئاء مصدر وضع موضع الحال فكأنه قال ينفقون مرائين الناس و قرينا نصب على التفسير و موضع ذا من «مََا ذََا عَلَيْهِمْ» يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون مرفوعا لأنه في موضع الذي و تقديره و ما الذي عليهم لو آمنوا (و الثاني) أن يكون لا موضع له لأنه مع ما بمنزلة اسم واحد و تقديره و أي شي‏ء عليهم لو آمنوا.

المعنى‏

ثم عطف على ما تقدم بذكر المنافقين فقال «اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ رِئََاءَ اَلنََّاسِ» أي مراءاة الناس «وَ لاََ يُؤْمِنُونَ» أي و لا يصدقون «بِاللََّهِ وَ لاََ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ» الذي فيه الثواب و العقاب جمع الله سبحانه في الذم و الوعيد بين من ينفق ماله بالرياء و السمعة و من لم ينفق أصلا «وَ مَنْ يَكُنِ اَلشَّيْطََانُ لَهُ قَرِيناً» أي صاحبا و خليلا في الدنيا يتبع أمره و يوافقه على الكفر و قيل يعني في القيامة و في النار «فَسََاءَ قَرِيناً» أي بئس القرين الشيطان لأنه يدعوه إلى المعصية المؤدية إلى النار و قيل بئس القرين الشيطان حيث يتلاعنان و يتباغضان‏

75

(1) - في النار} «وَ مََا ذََا عَلَيْهِمْ» أي أي شي‏ء عليهم «لَوْ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ أَنْفَقُوا مِمََّا رَزَقَهُمُ اَللََّهُ» قطع الله سبحانه بهذا عذر الكفار في العدول عن الإيمان و أبطل به قول من قال أنهم لا يقدرون على الإيمان لأنه لا يحسن أن يقال للعاجز عن الشي‏ء ما ذا عليك لو فعلت كذا فلا يقال للقصير ما ذا عليك لو كنت طويلا و للأعمى ما ذا عليك لو كنت بصيرا و قيل معناه ما ذا عليهم لو جمعوا إلى إنفاقهم الإيمان بالله لينفعهم الإنفاق «وَ كََانَ اَللََّهُ بِهِمْ عَلِيماً» يجازيهم بما يسرون إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا فلا ينفعهم ما ينفقون على جهة الرياء و في الآية دلالة أيضا على أن الحرام لا يكون رزقا من حيث أنه سبحانه حثهم على الإنفاق مما رزقهم و أجمعت الأمة على أن الإنفاق من الحرام محظور.

القراءة

قرأ ابن كثير و نافع و إن تك حسنة بالرفع و الباقون بالنصب و قرأ ابن كثير و ابن عامر يضعفها بالتشديد و الباقون «يُضََاعِفْهََا» بالألف.

الحجة

من نصب «حَسَنَةً» فمعناه و إن تك زنة الذرة حسنة أو أن تك فعلته حسنة و من رفعها فمعناه و إن يقع حسنة أو أن يحدث حسنة فيكون كان تامة لا تحتاج إلى خبر و يضاعف و يضعف بمعنى واحد قال سيبويه يجي‏ء فاعلت و لا يراد به عمل اثنين و كذلك قولهم ناولته و عاقبته و عافاه الله قال و نحو ذلك ضاعفت و ضعفت و ناعمت و نعمت و هذا يدل على أنهما لغتان.

اللغة

الظلم هو الألم الذي لا نفع فيه يوفي عليه و لا دفع مضرة أعظم منه عاجلا و لا آجلا و لا يكون مستحقا و لا واقعا على وجه المدافعة و أصله وضع الشي‏ء في غير موضعه و قيل أصله الانتقاص من قوله و لم تظلم منه شيئا فالظلم على هذا انتقاص الحق و الظلمة انتقاض النور بذهابه و سقاء مظلوم إذا شرب منه قبل أن يدرك و الظليم ذكر النعام لأنه يضع الشي‏ء غير موضعه من حيث يحضن غير بيضة و أصل المثقال الثقل فالمثقال مقدار الشي‏ء في الثقل و الثقل ما ثقل من متاع السفر .

الإعراب‏

أصل تك تكون فحذفت الضمة للجزم لسكونها و سكون النون فأما سقوط

76

(1) - النون فلكثرة الاستعمال فكأنهم أرادوا أن يجزموا الكلمة مرة أخرى فلم يجدوا حركة يسقطونها فأسقطوا الحرف و قد ورد القرآن بالحذف و الإثبات قال سبحانه‏ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً و مثل تك قولهم لا أدر و لم أبل و الأصل لا أدري و لم أبال و لدن في موضع جر و فيه لغات لد و لدن و لدى و لدا و المعنى واحد و معناه من قبله و لدن لما يليك و عند تكون لما يليك و لما بعد منك تقول عندي مال و إن كان بينك و بينه بعد و إذا أضفته إلى نفسك زدت فيه نونا أخرى ليسلم سكون النون تقول لدني و لدنا و كذلك مني و منا.

ـ

المعنى‏

«إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَظْلِمُ» أحدا قط «مِثْقََالَ ذَرَّةٍ» أي زنة ذرة و هي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى عن ابن عباس و ابن زيد و هي أصغر النمل و قيل هي جزء من أجزاء الهباء في الكوة من أثر الشمس و إنما لا يختار الله تعالى الظلم و لا يجوز عليه الظلم لأنه عالم بقبحه مستغن عنه و عالم بغناء عنه و إنما يختار القبيح من يختاره لجهله بقبحه أو لحاجته إليه لدفع ضرر أو لجر نفع أو لجهله باستغنائه عنه و الله سبحانه منزه عن جميع ذلك و عن سائر صفات النقص و العجز و لم يذكر سبحانه الذرة ليقصر الحكم عليها بل إنما خصها بالذكر لأنها أقل شي‏ء مما يدخل في وهم البشر «وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضََاعِفْهََا» و معناه و إن تك زنة الذرة حسنة يقبلها و يجعلها أضعافا كثيرة و قيل يجعلها ضعفين عن أبي عبيدة و قيل معناه يديمها و لا يقطعها و مثله قوله‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ و كلتا الآيتين غاية في الحث على الطاعة و النهي عن المعصية و قوله «وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ» أي يعطه من عنده «أَجْراً عَظِيماً» أي جزاء عظيما و هو ثواب الجنة و في هذه الآية دلالة على أن منع الثواب و النقصان منه ظلم لأنه لو لم يكن كذلك لما كان لهذا الترغيب في الآية معنى و فيها أيضا دلالة على أنه سبحانه قادر على الظلم لأنه نزه نفسه عن فعل الظلم و تمدح بذلك فلو لم يكن قادرا عليه لم يكن فيه مدحة.

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم تسوى مفتوحة التاء خفيفة السين و قرأ يزيد و نافع و ابن عامر بفتح التاء و تشديد السين و قرأ الباقون تسوى بضم التاء و تخفيف السين.

77

(1) -

الحجة

قال أبو علي قراءة نافع و ابن عامر لو تسوى معناه لو تتسوى فأدغم التاء في السين لقربها منها و في قراءة حمزة و الكسائي حذف التاء فالتاء اعتلت بالحذف كما اعتلت بالإدغام و أما «تُسَوََّى» فهي تفعل من التسوية.

الإعراب‏

كيف لفظها لفظ الاستفهام و معناه التوبيخ و تقديره كيف حال هؤلاء يوم القيامة و حذف لدلالة الكلام عليه و العامل في كيف المبتدأ المحذوف فهو في موضع الرفع بأنه خبر المبتدأ و لا يجوز أن يكون العامل في كيف جئنا لأنه في موضع جر بإضافة إذا إليه و المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف كما لا تعمل الصلة فيما قبل الموصول لأنه من تمام الاسم و «مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ» في موضع نصب على الحال لأنه صفة شهيد فلما تقدمه انتصب على الحال و العامل في إذا جوابه المحذوف لدلالة ما تقدمه عليه و شهيدا منصوب على الحال و العامل في يومئذ يود و إنما عمل في يومئذ يود بعد إذ و لم يجز ذلك في «إِذََا جِئْنََا» لأنه لما أضيف يوم إلى إذ بطلت إضافته إلى الجملة و نون إذ ليدل على تمام الاسم.

المعنى‏

لما ذكر اليوم الآخر وصف حال المنكرين له فقال «فَكَيْفَ» أي فكيف حال الأمم و كيف يصنعون «إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ» من الأمم «بِشَهِيدٍ وَ جِئْنََا بِكَ» يا محمد «عَلى‏ََ هََؤُلاََءِ» يعني قومه «شَهِيداً» و هذا كما تقول العرب للرجل في الأمر الهائل يتوقعه كيف بك إذا كان كذا يريد بذلك تعظيم الأمر و تهويله و تحذيره و تحذير الرجل عنه و إنذاره به و حثه على الاستعداد له و معنى الآية أن الله يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته فيشهد لهم و عليهم و يستشهد نبينا على أمته و في الآية مبالغة في الحث على الطاعة و اجتناب المعصية و الزجر عن كل ما يستحي منه على رءوس الأشهاد لأنه يشهد للإنسان و عليه يوم القيامة شهود عدول لا يتوقف في الحكم بشهادتهم و لا يتوقع القدح فيهم و هم الأنبياء و المعصومون و الكرام الكاتبون و الجوارح و المكان و الزمان كما قال تعالى‏ «وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ» و قال‏ مََا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاََّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ و قال‏ إِنَّ اَلسَّمْعَ وَ اَلْبَصَرَ وَ اَلْفُؤََادَ كُلُّ أُولََئِكَ كََانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً و يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ و في بعض الأخبار المكان و الزمان يشهدان على الرجل بأعماله فليتذكر العاقل هذه الشهادة ليستعد بهذه الحالة فكان قد وقعت و كان الشهادة قد أقيمت و

روي أن عبد الله بن مسعود قرأ هذه الآية على النبي ص ففاضت عيناه‏

فإذا كان الشاهد تفيض عيناه لهول هذه المقالة و عظم هذه الحالة فما ذا لعمري ينبغي أن يصنع المشهود عليه‏} «يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ اَلَّذِينَ‏

78

(1) - كَفَرُوا وَ عَصَوُا اَلرَّسُولَ لَوْ تُسَوََّى بِهِمُ اَلْأَرْضُ» معناه لو تجعلون و الأرض سواء كما قال تعالى وَ يَقُولُ اَلْكََافِرُ يََا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرََاباً و من التسوية قوله‏ بَلى‏ََ قََادِرِينَ عَلى‏ََ أَنْ نُسَوِّيَ بَنََانَهُ أي نجعلها صفيحة واحدة لا يفصل بعضها عن بعض فيكون كالكف فيعجز لذلك عما يستعان عليه من الأعمال بالبنان‏و روي عن ابن عباس أن معناه يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع يطئونهم بأقدامهم كما يطئون الأرض و على القول الأول فالمراد به أن الكفار يوم القيامة يودون أنهم لم يبعثوا و أنهم كانوا و الأرض سواء لعلمهم بما يصيرون إليه من العذاب و الخلود في النار و

روي أيضا أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا فيتمنى عند ذلك الكفار أنهم صاروا كذلك ترابا

و هذا لا يجيزه إلا من قال إن العوض منقطع و هو الصحيح و من قال إن العوض دائم لم يصحح هذا الخبر و قوله «وَ لاََ يَكْتُمُونَ اَللََّهَ حَدِيثاً» قيل فيه أقوال (أحدها) أنه عطف على قوله «لَوْ تُسَوََّى» أي و يودون أن لو لم يكتموا الله حديثا لأنهم إذا سئلوا قالوا وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ فتشهد عليهم جوارحهم بما عملوا فيقولون يا ليتنا كنا ترابا و يا ليتنا لم نكتم الله شيئا و ليس ذلك بحقيقة الكتمان فإنه لا يكتم شي‏ء عن الله لكنه في صورة الكتمان و هذا قول ابن عباس (و ثانيها) أنه كلام مستأنف و المراد به أنهم لا يكتمون الله شيئا من أمور دنياهم و كفرهم بل يعترفون به فيدخلون النار باعترافهم و إنما لا يكتمون لعلمهم بأنه لا ينفعهم الكتمان و إنما يقولون‏ وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ في بعض الأحوال فإن للقيامة مواطن و أحوالا ففي موطن لا يسمع كلامهم إلا همسا كما أخبر تعالى عنهم و في موطن ينكرون ما فعلوه من الكفر و المعاصي ظنا منهم أن ذلك ينفعهم و في موطن يعترفون بما فعلوه عن الحسن (و ثالثها) أن المراد أنهم لا يقدرون على كتمان شي‏ء من الله لأن جوارحهم تشهد عليهم بما فعلوه فالتقدير لا تكتمه جوارحهم و إن كتموه (و رابعها) أن المراد ودوا لو تسوى بهم الأرض و أنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد و بعثه عن عطا (و خامسها) أن الآية على ظاهرها فالمراد و لا يكتمون الله شيئا لأنهم ملجئون إلى ترك القبائح و الكذب و قولهم‏ وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ أي ما كنا مشركين عند أنفسنا لأنهم كانوا يظنون في الدنيا أن ذلك ليس بشرك من حيث تقربهم إلى الله عن أبي القاسم البلخي .

ـ

79

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم أو لمستم بغير ألف هاهنا و في المائدة و قرأ الباقون «لاََمَسْتُمُ» بألف.

الحجة

حجة من قرأ لمستم أن هذا المعنى جاء في التنزيل على فعلتم في غير موضع قال تعالى‏ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ* و حجة من قرأ «لاََمَسْتُمُ» أن فاعل قد جاء في معنى فعل نحو عاقبت اللص و طارقت النعل.

اللغة

يقال قرب يقرب متعد و قرب يقرب لازم و قرب الماء يقربه إذا ورده و أصل السكر من السكر و هو سد مجرى الماء و اسم الموضع السكر فبالسكر ينسد طريق المعرفة و سكرة الموت غشيته و رجل سكران من قوم سكارى و سكرى و المرأة سكرى أيضا و يقال رجل جنب إذا أجنب و يستوي فيه المذكر و المؤنث الواحد و الجمع يقال رجل جنب قوم جنب و امرأة جنب و العابر من العبور يقال عبرت النهر و الطريق عبورا إذا قطعته من هذا الجانب إلى الجانب الآخر و الغائط أصله المطمئن من الأرض يقال غائط و غيطان و كانوا يتبرزون هناك ليغيبوا عن عيون الناس ثم كثر ذلك حتى قالوا للحدث غائط و كنوا بالتغوط عن الحدث في الغائط و قيل أنهم كانوا يلقون النجو في هذا المكان فسمي باسمه على سبيل المجاز و الغوطة موضع كثير الماء و الشجر بدمشق و قال مؤرج الغائط قرارة من الأرض تحفها آكام تسترها و الفعل منه غاط يغوط مثل عاد يعود و اللمس يكون باليد ثم اتسع فيه فأوقع على غيره و قالوا التمس و هو افتعل من اللمس فأوقع على ما لا يقع عليه اللمس قال:

العبد و الهجين و الفلنقس # ثلاثة فأيهم تلمس‏

أراد أيهم تطلب و ملتمس المعروف طالبه و ليس هنا مماسة و لا مباشرة و التيمم القصد و مثله التأمم قال الأعشى :

80

(1) -

تيممت قيسا و كم دونه # من الأرض من مهمة ذي شزن‏

و قال آخر:

(تيممت دارا و يممن دارا)

و قد صار في الشرع اسما لقصد مخصوص و هو أن يقصد الصعيد و يستعمل التراب في أعضاء مخصوصة و الصعيد وجه الأرض من غير نبات و لا شجر و قال ذو الرمة :

كأنه بالضحى ترمي الصعيد به # ذبابة في عظام الرأس خرطوم‏

و قال الزجاج الصعيد ليس هو التراب إنما هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره و إنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض .

الإعراب‏

«وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ» جملة منصوبة الموضع على الحال و العامل فيه تقربوا و ذو الحال الواو من تقربوا و قوله «جُنُباً» إنما انتصب لكونه عطفا عليه و المراد به الجمع و عابري سبيل منصوب على الاستثناء و تعلموا منصوب بإضمار أن و علامة النصب سقوط النون ثم إنه مع أن المضمرة في موضع الجر بحتى و الجار و المجرور في موضع النصب بكونه مفعول تقربوا و كذلك قوله «حَتَّى‏ََ تَغْتَسِلُوا» و قوله «عَلى‏ََ سَفَرٍ» في موضع نصب عطفا على قوله «مَرْضى‏ََ» و تقديره أو مسافرين.

المعنى‏

لما أمر سبحانه في الآية المتقدمة بالعبادة ذكر عقيبها ما هو من أكبر العبادات و هو الصلاة فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ» أي لا تصلوا و أنتم سكارى عن ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و ابن زيد و قيل معناه لا تقربوا أماكن الصلاة أي المساجد للصلاة و غيرها كقوله‏ وَ صَلَوََاتٌ أي مواضع الصلوات عن عبد الله و سعيد بن المسيب و الضحاك و عكرمة و الحسن و يؤيد هذا قوله إِلاََّ عََابِرِي سَبِيلٍ فإن العبور إنما يكون في الموضع دون الصلاة و قوله «وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ» أي نشاوى و اختلف فيه على قولين (أحدهما)

أن المراد به سكر الشراب عن ابن عباس و مجاهد و قتادة قالوا ثم نسخها تحريم الخمر و روي ذلك عن موسى بن جعفر (ع)

و قد يسأل عن هذا فيقال كيف يجوز نهي السكران في حال السكر مع زوال العقل و أجيب عنه بجوابين (أحدهما) أنه قد يكون سكران من غير أن يخرج من نقصان العقل إلى ما لا يحمل الأمر و النهي (و الآخر) أن النهي إنما ورد

81

(1) - عن التعرض للسكر في حالة وجوب أداء الصلاة عليهم و أجاب أبو علي الجبائي بجواب ثالث و هو أن النهي إنما دل على إعادة الصلاة واجبة عليهم أن أدوها في حال السكر و قد سئل أيضا فقيل إذا كان السكران مكلفا فكيف يجوز أن ينهى عن الصلاة في حال سكرة مع أن عمل المسلمين على خلافه و أجيب عن ذلك بجوابين (أحدهما) أنه منسوخ (و الآخر) أنهم لم يؤمروا بتركها لكن أمروا بأن يصلوها في بيوتهم و نهوا عن الصلاة مع النبي ص في جماعته تعظيما له و توقيرا (القول الثاني)

أن المراد بقوله «وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ» سكر النوم خاصة عن الضحاك و روي ذلك عن أبي جعفر (ع)

و يعضد ذلك‏

ما روته عائشة عن النبي ص أنه قال إذا نعس أحدكم و هو يصلي فلينصرف لعله يدعو على نفسه و هو لا يدري‏

«حَتََّى تَعْلَمُوا مََا تَقُولُونَ» أي حتى تميزوا ما تقولون من الكلام و قيل معناه حتى تحفظوا ما تتلون من القرآن و قوله «وَ لاََ جُنُباً إِلاََّ عََابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى‏ََ تَغْتَسِلُوا» في معناه قولان (أحدهما) أن المراد به لا تقربوا الصلاة و أنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين فيجوز لكم أداؤها بالتيمم و إن كان لا يرفع حكم الجنابة فإن التيمم و إن كان يبيح الصلاة فإنه لا يرفع الحدث عن علي (ع) و ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد (و الآخر)

أن معناه لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد و أنتم جنب إلا مجتازين عن جابر و الحسن و عطاء و الزهري و إبراهيم و هو المروي عن أبي جعفر (ع)

و «عََابِرِي سَبِيلٍ» أي مارين في طريق حتى تغتسلوا من الجنابة و هذا القول الأخير أقوى لأنه سبحانه بين حكم الجنب في آخر الآية إذا عدم الماء فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا و إنما أراد سبحانه أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية و يبين حكمه في الصلاة عند عدم الماء في آخر الآية «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ََ» قيل نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا و لم يستطع أن يقوم فيتوضأ فالمرض الذي يجوز معه التيمم مرض الجراح و الكسر و القروح إذا خاف أصحابها من مس الماء عن ابن عباس و ابن مسعود و السدي و الضحاك و مجاهد و قتادة و قيل هو المرض الذي لا يستطيع معه تناول الماء و لا يكون هناك من يناوله عن الحسن و ابن زيد و كان الحسن لا يرخص للجريح التيمم و

المروي عن السيدين الباقر و الصادق (ع) جواز التيمم في جميع ذلك‏

«أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ» معناه أو كنتم مسافرين «أَوْ جََاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغََائِطِ» و هو كناية عن قضاء الحاجة قيل إن أو هاهنا بمعنى الواو كقوله سبحانه‏ وَ أَرْسَلْنََاهُ إِلى‏ََ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ بمعنى و جاء أحد منكم من الغائط و ذلك لأن المجي‏ء من الغائط ليس من جنس المرض و السفر حتى يصح عطفه عليهما فإنهما سبب لإباحة التيمم و الرخصة و المجي‏ء من الغائط سبب لإيجاب الطهارة «أَوْ لاََمَسْتُمُ اَلنِّسََاءَ»

المراد به الجماع عن علي‏

82

(1) - (ع)

و ابن عباس و مجاهد و السدي و قتادة و اختاره أبو حنيفة و الجبائي و قيل المراد به اللمس باليد و غيرها عن عمر بن الخطاب و ابن مسعود و الشعبي و عطا و اختاره الشافعي و الصحيح الأول لأن الله سبحانه بين حكم الجنب في حال وجود الماء بقوله «وَ لاََ جُنُباً إِلاََّ عََابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى‏ََ تَغْتَسِلُوا» ثم بين عند عدم الماء حكم المحدث بقوله «أَوْ جََاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغََائِطِ» فلا يجوز أن يدع بيان الحكم الجنب عند عدم الماء مع أنه جرى له ذكر في الآية و يبين فيه حكم المحدث و لم يجر له ذكر فعلمنا أن المراد بقوله «أَوْ لاََمَسْتُمُ» الجماع ليكون بيانا لحكم الجنب عند عدم الماء و اللمس و الملامسة معناهما واحد لأنه لا يلمسها إلا و هي تلمسه و يروى أن العرب و الموالي اختلفوا فيه فقالت الموالي المراد به الجماع و قال العرب المراد به مس المرأة فارتفعت أصواتهم إلى ابن عباس فقال غلب الموالي المراد به الجماع و سمي الجماع لمسا لأن به يتوصل إلى الجماع كما يمسي المطر سماء و قوله «فَلَمْ تَجِدُوا مََاءً» راجع إلى المرضى و المسافرين جميعا أي مسافر لا يجد الماء و مريض لا يجد من يوضؤه أو يخاف الضرر من استعمال الماءلأن الأصل أن حال المرض يغلب فيها خوف الضرر من استعمال الماء و حال السفر يغلب فيها عدم الماء «فَتَيَمَّمُوا» ) أي تعمدوا و تحروا و اقصدوا «صَعِيداً» قال الزجاج لا أعلم خلافا بين أهل اللغة في أن الصعيد وجه الأرض و هذا يوافق مذهب أصحابنا في أن التيمم يجوز بالحجر سواء كان عليه تراب أو لم يكن «طَيِّباً» أي طاهرا و قيل حلالا عن سفيان و قيل منبتا عن السبخة التي لا تنبت كقوله‏ وَ اَلْبَلَدُ اَلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبََاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ» هذا هو التيمم الصعيد الطيب و اختلف في كيفية التيمم على أقوال (أحدها) أنه ضربة لليدين إلى المرفقين و هو قول أكثر الفقهاء و أبي حنيفة و الشافعي و غيرهما و به قال قوم من أصحابنا (و ثانيها) أنه ضربة للوجه و ضربة لليدين من الزندين و إليه ذهب عمار بن ياسر و مكحول و اختاره الطبري و هو مذهبنا في التيمم إذا كان بدلا من الجنابة فإذا كان بدلا من الوضوء كفاه ضربة واحدة يمسح بها وجهه من قصاص شعره إلى طرف أنفه و يديه من زنديه إلى أطراف أصابعهما و هو المروي عن سعيد بن المسيب (و ثالثها) أنه إلى الإبطين عن الزهري «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَفُوًّا» يقبل منكم العفو لأن في قبوله التيمم بدلا من الوضوء تسهيل الأمر علينا و قيل عفوا كثير الصفح و التجاوز «غَفُوراً» كثير الستر لذنوب عباده و في الآية دلالة على أن السكران لا تصح صلاته و قد حصل الإجماع على أنه يلزمه القضاء و لا يصح من السكران شي‏ء من العقودكالنكاح و البيع و الشراء و غير ذلك و لا رفعها كالطلاق و العتاق و في الطلاق خلاف بين الفريقين فعند أبي حنيفة يقع طلاقه و عند الشافعي لا يقع في‏

83

(1) - أحد القولين فأما ما يلزم به الحدود و القصاص فعندنا أنه يلزمه جميع ذلك فيقطع بالسرقة و يحد بالقذف و الزنا لعموم الآيات المتناولة لذلك و لإجماع الطائفة عليه.

ـ

توضيح‏

في الكوفي عدوا «أَنْ تَضِلُّوا اَلسَّبِيلَ» آية و آية واحدة في غيرهم.

اللغة

العداوة الإبعاد من حال النصرة و ضدها الولاية و هي التقريب من حال النصرة و أما البغض فهو إرادة الاستخفاف و الإهانة و ضدها المحبة و هي إرادة الإعظام و الكرامة و الكفاية بلوغ الغاية في مقدار الحاجة كفى يكفي كفاية فهو كاف و الاكتفاء الاجتزاء بالشي‏ء دون الشي‏ء و مثله الاستغناء و النصرة الزيادة في القوة للغلبة و مثلها المعونة و ضدها الخذلان و لا يكون ذلك إلا عقوبة لأن منع المعونة من يحتاج إليها عقوبة .

الإعراب‏

في دخول الباء في قوله «بِاللََّهِ» قولان (أحدهما) أنه لتأكيد الاتصال (و الثاني) أنه دخله معنى اكتفوا بالله ذكره الزجاج و موضعه رفع بالاتفاق.

النزول‏

نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب و مالك بن دخشم كانا إذا تكلم رسول الله (ص) لويا لسانهما و عاباه عن ابن عباس .

المعنى‏

لما ذكر سبحانه الأحكام التي أوجب العمل بها وصلها بالتحذير مما دعا إلى خلافها فقال «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ» أي أ لم ينته علمك إلى الذين أعطوا حظا من علم الكتاب يعني التوراة و هم اليهود عن ابن عباس «يَشْتَرُونَ اَلضَّلاََلَةَ» أي يستبدلون الضلالة بالهدى و يكذبون النبي (ص) بدلا من التصديق‏و قيل كانت اليهود تعطي أحبارها كثيرا من أموالهم على ما كانوا يضعونه لهم فجعل ذلك اشتراء منهم عن أبي علي الجبائي و قيل كانوا يأخذون الرشى عن الزجاج «وَ يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا اَلسَّبِيلَ» أي يريد هؤلاء اليهود أن تزلوا أيها المؤمنون عن طريق الحق و هو الدين و الإسلام فتكذبوا بمحمد فتكونوا ضلالا و في ذلك تحذير للمؤمنين أن يستنصحوا أحدا من أعداء الدين في شي‏ء من أمورهم الدينية و الدنيوية ثم أخبر سبحانه بأنه أعلم بعداوة اليهود فقال‏} «وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ‏

84

(1) - بِأَعْدََائِكُمْ» أيها المؤمنون فانتهوا إلى إطاعتي فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم فإني أعلم بباطنهم منكم و ما هو عليه من الغش و الحسد و العداوة لكم «وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ وَلِيًّا وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ نَصِيراً» معناه إن ولاية الله لكم و نصرته إياكم تغنيكم عن نصرة هؤلاء اليهود و من جرى مجراهم ممن تطمعون في نصرته.

اللغة

أصل اللي الفتل يقال لويت العود ألويه ليا و لويت الغريم إذا مطلته و اللوية ما تتحف به المرأة ضيفها لتلوي بقلبه إليها و ألوى بهم الدهر إذا أفناهم و لوى البقل إذا اصفر و لم يستحكم يبسه و الألسنة جمع اللسان و هو آلة الكلام و اللسان اللغة و منه قوله‏ «وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ بِلِسََانِ قَوْمِهِ» و تقول لسنته ألسنه إذا أخذته بلسانك قال طرفة :

و إذا تلسنني ألسنها # إنني لست بموهون فقر

و أصل الطعن بالرمح و نحوه الطعن باللسان .

الإعراب‏

قيل في من هاهنا و اتصاله وجهان (أحدهما) أنه تبيين لـ اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ فيكون العامل فيه أوتوا و هو في صلة الذين و يجوز أن لا يكون في الصلة كما تقول أنظر إلى النفر من قومك ما صنعوا (الثاني) أن يكون على الاستئناف و التقدير من الذين هادوا فريق يحرفون الكلم فألقي الموصوف لدلالة الصفة عليه كما قال ذو الرمة :

فظلوا و منهم دمعة سابق له # و آخر يثني دمعة العين بالمهل‏

85

(1) - و أنشد سيبويه :

و ما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت و أخرى أبتغي العيش أكدح‏

و قال الفراء المحذوف من الموصولة و التقدير من الذين هادوا من يحرفون الكلم كما يقولون منا يقول ذلك و منا لا يقوله قال و العرب تضمر من في مبتدإ الكلام بمن لأن من بعض لما هي منه كما قال تعالى‏ «وَ مََا مِنََّا إِلاََّ لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا» و أنكر المبرد و الزجاج هذا القول قالا لأن من يحتاج إلى صلة أو صفة تقوم مقام الصلة فلا يحسن حذف الموصول مع بقاء الصلة كما لا يحسن حذف بعض الكلمة و «غَيْرَ مُسْمَعٍ» نصب على الحال و «رََاعِنََا» من نونها جعلها كلمة الأمر كقولك رويدا و هنيئا و من لم ينون جعلها من المراعاة كما تقول قاضنا. «لَيًّا» مصدر وضع موضع الحال و كذلك قوله «وَ طَعْناً» و تقديره يلوون ألسنتهم ليا و يطعنون في الدين طعنا إلا قليلا تقديره يؤمنون و هم قليل فيكون «قَلِيلاً» منتصبا على الحال و يجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف تقديره إيمانا قليلا كما قال الشاعر:

فالفيته غير مستعتب # و لا ذاكر الله إلا قليلا

يريد إلا ذكرا قليلا و سقط التنوين من ذاكر لاجتماع الساكنين.

المعنى‏

ثم بين صفة من تقدم ذكرهم فقال «مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا» أي أ لم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من اليهود فيكون قوله «يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ» في موضع الحال و إن جعلته كلاما مستأنفا فمعناه من اليهود فريق «يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ» أي يبدلون كلمات الله و أحكامه عن مواضعها و قال مجاهد يعني بالكلم التوراة و ذلك أنهم كتموا ما في التوراة من صفة النبي «وَ يَقُولُونَ سَمِعْنََا وَ عَصَيْنََا» معناه يقولون مكانه بألسنتهم سمعنا و في قلوبهم عصينا و قيل معناه سمعنا قولك و عصينا أمرك «وَ اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ» أي و يقول هؤلاء اليهود للنبي اسمع منا غير مسمع كما يقول القائل لغيره إذا سبه بالقبيح اسمع لا أسمعك الله عن ابن عباس و ابن زيد و قيل بل تأويله اسمع غير مجاب لك و لا مقبول منك عن الحسن و مجاهد و هذا كله إخبار من الله عن اليهود الذين كانوا حوالي المدينة في عصر النبي لأنهم كانوا يسبونه و يؤذونه بالسي‏ء من القول «وَ رََاعِنََا» قد ذكرنا معناه في سورة البقرة و قيل أنه كان سبأ للنبي تواضعوا عليه و يقال كانوا يقولون استهزاء و سخرية و يقال أنهم‏

86

(1) - كانوا يقولونه على وجه التجبر كما يقول القائل لغيره أنصت لكلامنا و تفهم عنا و إنما يكون هو من المراعاة التي هي المراقبة «لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ» أي تحريكا منهم لألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه‏ «وَ طَعْناً فِي اَلدِّينِ» أي وقيعة فيه «وَ لَوْ أَنَّهُمْ قََالُوا سَمِعْنََا» قولك «وَ أَطَعْنََا» أمرك و قبلنا ما جئتنا به «وَ اِسْمَعْ» منا «وَ اُنْظُرْنََا» أي انتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا «لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ» يعني أنفع لهم عاجلا و آجلا «وَ أَقْوَمَ» أي أعدل و أصوب في الكلام من الطعن و الكفر في الدين «وَ لََكِنْ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ» أي طردهم عن ثوابه و رحمته لسبب كفرهم ثم أخبر الله عنهم فقال «فَلاََ يُؤْمِنُونَ» في المستقبل «إِلاََّ قَلِيلاً» منهم فخرج مخبره على وفق خبره فلم يؤمن منهم إلا عبد الله بن سلام و أصحابه و هم نفر قليل و يقال معناه لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا أي ضعيفا لا إخلاص فيه و لكنهم عصموا دماءهم و أموالهم به و يجوز أن يكون المعنى فلا يؤمنون إلا بقليل مما يجب الإيمان به.

ـ

اللغة

الطمس هو عفو الأثر و الطامس و الداثر و الدارس بمعنى و الأدبار جمع دبر و أصله من الدبر يقال دبره يدبره دبرا فهو دابر إذا صار خلفه و الدابر التابع و قوله‏ «وَ اَللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ» معناه تبع النهار و التدبير إحكام أدبار الأمور و هي عواقبها .

المعنى‏

ثم خاطب الله أهل الكتاب بالتخويف و التحذير فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ» أي أعطوا علم الكتاب «آمِنُوا» أي صدقوا «بِمََا نَزَّلْنََا» يعني بما نزلناه على محمد (ص) من القرآن و غيره من أحكام الدين «مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ» من التوراة و الإنجيل اللذين تضمنتا صفة نبينا (ص) و صحة ما جاء به «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهََا عَلى‏ََ أَدْبََارِهََا» و اختلف في معناه على أقوال (أحدها) أن معناه من قبل أن نمحو آثار وجوهكم حتى تصير كالأقفية و نجعل عيونها في أقفيتها فتمشي القهقرى عن ابن عباس و عطية العوفي (و ثانيها)

إن المعنى أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها في ضلالتها ذما لها بأنها لا تفلح أبدا عن الحسن و مجاهد و الضحاك و السدي و رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (ع)

87

(1) - (و ثالثها) أن معناه نجعل في وجوههم الشعر كوجوه القرود عن الفراء و أبي القاسم البلخي و الحسين بن علي المغربي (و رابعها) إن المراد حتى نمحو آثارهم من وجوههم أي نواحيهم التي هم بها و هي الحجاز الذي هو مسكنهم و نردها على أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جاءوا و هو الشام و حمله على إجلاء بني النضير إلى أريحا و أذرعات من الشام عن ابن زيد و هذا أضعف الوجوه لأنه ترك للظاهر. فإن قيل على القول الأول كيف أوعد سبحانه و لم يفعل فجوابه على وجوه أحدها أن هذا الوعيد كان متوجها إليهم لو لم يؤمن واحد منهم فلما آمن جماعة منهم كعبد الله بن سلام و ثعلبة بن شعبة و أسد بن ربيعة و أسعد بن عبيدة و مخريق و غيرهم و أسلم كعب في أيام عمر رفع العذاب عن الباقين و يفعل بهم ذلك في الآخرة على أنه سبحانه قال «أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمََا لَعَنََّا» و المعنى أنه يفعل أحدهما و قد لعنهم الله بذلك و ثانيها أن الوعيد يقع بهم في الآخرة لأنه لم يذكر أنه يفعل بهم ذلك في الدنيا تعجيلا للعقوبة ذكره البلخي و الجبائي و ثالثها أن هذا الوعيد باق منتظر لهم و لا بد من أن يطمس الله وجوه اليهود قبل قيام الساعة بأن يمسخها عن المبرد «أَوْ نَلْعَنَهُمْ» أي نخزيهم و نعذبهم عاجلا عن أبي مسلم و قيل معناه نمسخهم قردة «كَمََا لَعَنََّا أَصْحََابَ اَلسَّبْتِ» يعني الذين اعتدوا في السبت عن السدي و قتادة و الحسن و إنما قال سبحانه «نَلْعَنَهُمْ» بلفظ الغيبة و قد تقدم خطابهم لأحد أمرين إما للتصرف في الكلام كقوله‏ «حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ» فخاطب ثم قال وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ فكنى عنهم‏و أما لأن الضمير عائد إلى أصحاب الوجوه لأنهم في حكم المذكورين «وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ مَفْعُولاً» فيه قولان- (أحدهما) -إن كل أمر من أمور الله سبحانه من وعد أو وعيد أو خبر فإنه يكون على ما أخبر به عن الجبائي - (و الآخر) -إن معناه أن الذي يأمر به بقوله كن كائن لا محالة و في قوله سبحانه «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً» دلالة على أن لفظة قبل تستعمل في الشي‏ء أنه قبل غيره و لم يوجد ذلك لغيره و لا خلاف في أن استعماله يصح و لذلك يقال كان الله سبحانه قبل خلقه.

اللغة

افترى اختلق و كذب و أصله من خلق الأديم يقال فريت الأديم أفريه فريا إذا قطعته على وجه الإصلاح و أفريته إذا قطعته على وجه الإفساد .

88

(1) -

الإعراب‏

«إِثْماً عَظِيماً» منصوب على المصدر لأن «اِفْتَرى‏ََ» بمعنى إثم و هذا كما تقول حمدته شكرا.

النزول‏

قال الكلبي نزلت في المشركين وحشي و أصحابه و ذلك أنه لما قتل حمزة و كان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو و أصحابه فكتبوا إلى رسول الله (ص) إنا قد ندمنا على الذي صنعناه و ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول و أنت بمكة وَ اَلَّذِينَ لاََ يَدْعُونَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ وَ لاََ يَقْتُلُونَ اَلنَّفْسَ اَلَّتِي حَرَّمَ اَللََّهُ إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ لاََ يَزْنُونَ الآيتان و قد دعونا مع الله إلها آخر و قتلنا النفس التي حرم الله و زنينا فلو لا هذه لاتبعناك فنزلت الآية «إِلاََّ مَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلاً صََالِحاً» الآيتين فبعث بهما رسول الله إلى وحشي و أصحابه فلما قرأهما كتبوا إليه أن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية فنزلت «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ» الآية فبعث بها إليهم فقرءوها فبعثوا إليه أنا نخاف أن لا نكون من أهل مشيئة فنزلت‏ «يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً» فبعث بها إليهم فلما قرءوها دخل هو و أصحابه في الإسلام و رجعوا إلى رسول الله (ص) فقبل منهم ثم قال لوحشي أخبرني كيف قتلت حمزة فلما أخبره قال ويحك غيب شخصك عني فلحق وحشي بعد ذلك بالشام و كان بها إلى أن مات و قال أبو مجلز عن ابن عمر قال نزلت في المؤمنين و ذلك أنه لما نزلت‏ «قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا» الآية قام النبي (ص) على المنبر فتلاها على الناس فقام إليه رجل فقال و الشرك بالله فسكت ثم قام إليه مرتين أو ثلاثا فنزلت «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» الآية أثبت هذه في الزمر و هذه في النساء و روى مطرف بن الشخير عن عمر بن الخطاب قال كنا على عهد رسول الله (ص) إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا بأنه من أهل النار حتى نزلت الآية فأمسكنا عن الشهادات.

ـ

المعنى‏

ثم أنه تعالى آيس الكفار من رحمته فقال «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ» معناه إن الله لا يغفر أن يشرك به أحد و لا يغفر ذنب الشرك لأحد و يغفر ما دونه من الذنوب لمن يريد قال المحققون هذه الآية أرجى آية في القرآن لأن فيها إدخال ما دون الشرك من جميع المعاصي في مشيئة الغفران وقف الله المؤمنين الموحدين بهذه الآية بين الخوف و الرجاء و بين العدل و الفضل و ذلك صفة المؤمن و لذلك‏

قال الصادق (ع) لو وزن رجاء المؤمن و خوفه لاعتدلا

و يؤيده قوله سبحانه‏ «وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ‏

89

(1) - رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضََّالُّونَ و فَلاََ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللََّهِ إِلاَّ اَلْقَوْمُ اَلْخََاسِرُونَ» و روي عن ابن عباس أنه قال ثماني آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس و غربت قوله سبحانه‏ «يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ، و يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ، إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ، إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَظْلِمُ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ ، وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ يُجْزَ بِهِ ، «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» في الموضعين، مََا يَفْعَلُ اَللََّهُ بِعَذََابِكُمْ و بيان وجه الاستدلال بهذه الآية على أن الله تعالى يغفر الذنوب من غير توبة أنه نفى غفران الشرك و لم ينف غفرانه على كل حال بل نفي أن يغفر من غير توبة لأن الأمة أجمعت على أن الله يغفر بالتوبة و إن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضل فعلى هذا يجب أن يكون المراد بقوله «وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ» أنه يغفر ما دون الشرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين غير الكافرين و إنما قلنا ذلك لأن موضوع الكلام الذي يدخله النفي و الإثبات و ينضم إليه الأعلى و الأدون أن يخالف الثاني الأول أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقول الرجل أنا لا أدخل على الأمير إلا إذا دعاني و أدخل على من دونه إذا دعاني و إنما يكون الكلام مفيدا إذا قال و أدخل على من دونه و إن لم يدعني و لا معنى لقول من يقول من المعتزلة إن في حمل الآية على ظاهرها و إدخال ما دون الشرك في المشيئة إغراء على المعصية لأن الإغراء إنما يحصل بالقطع على الغفران فأما إذا كان الغفران متعلقا بالمشيئة فلا إغراء فيه‏بل يكون العبد به واقفا بين الخوف و الرجاء على الصفة التي وصف الله بها عباده المرتضين في قوله تعالى‏ «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً و يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ» و بهذا وردت الأخبار الكثيرة من طريق الخاص و العام و انعقد عليه إجماع سلف أهل الإسلام و من قال إن في غفران ذنوب البعض دون البعض ميلا و محاباة و لا يجوز الميل و المحاباة على الله و جوابه أن الله متفضل بالغفران و للمتفضل أن يتفضل على قوم دون قوم و إنسان دون إنسان و هو عادل في تعذيب من يعذبه و ليس يمنع العقل و لا الشرع من الفضل و العدل و من قال منهم أن لفظة «مََا دُونَ ذََلِكَ» و إن كانت عامة في الذنوب التي هي دون الشرك فإنما نخصها و نحملها على الصغائر أو ما يقع منه التوبة لأجل عموم ظاهر آيات الوعيد فجوابه أنا نعكس عليكم ذلك فنقول بل قد خصصوا ظاهر تلك الآيات لعموم ظاهر هذه الآية و هذا أولى لما روي عن بعض السلف أنه قال إن هذه الآية استثناء على جميع القرآن يريد به و الله أعلم جميع آيات الوعيد و أيضا فإن الصغائر تقع عندكم محبطة و لا تجوز المؤاخذة بها و ما هذا حكمه فكيف يعلق بالمشيئة فإن أحدا لا يقول إني أفعل الواجب إن شئت و أرد

90

(1) - الوديعة إن شئت و قوله «وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللََّهِ فَقَدِ اِفْتَرى‏ََ» أي فقد كذب بقوله إن العبادة يستحقها غير الله و إثم «إِثْماً عَظِيماً» أي غير مغفور و جاءت الرواية

عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية.

اللغة

التزكية التطهير و التنزيه و قد يكون الوصف بالتطهير تزكية و أصله من الزكاء و هو النمو يقال زكا الزرع يزكو زكاء و زكا الشي‏ء إذا نما في إصلاح و أصل الفتيل ما يفتل و هو لي الشي‏ء و الفتيلة معروفة و ناقة فتلاء إذا كان في ذراعها فتل عن الجنب و الفتيل بمعنى المفتول و هو عبارة عن الشي‏ء الحقير قال النابغة :

يجمع الجيش ذا الألوف و يغزو # ثم لا يرزأ العدو فتيلا

و النظر هو الإقبال على الشي‏ء بالبصر و منه النظر بالقلب لأنه إقبال على الشي‏ء بالقلب و كذلك النظر بالرحمة و النظر إلى الشي‏ء التأمل له و الانتظار الإقبال على الشي‏ء بالتوقع و المناظرة إقبال كل واحد على الآخر بالمحاجة و النظير مثل الشي‏ء لإقباله على نظيره بالمماثلة و الفرق بين النظر و الرؤية أن الرؤية هي إدراك المرئي و النظر الإقبال بالبصر نحو المرئي و لذلك قد ينظر و لا يراه و لذلك يجوز أن يقال لله تعالى أنه راء و لا يجوز أن يقال أنه ناظر .

الإعراب‏

فتيلا منصوب على أنه مفعول ثان كقولك ظلمته حقه قال علي بن عيسى و يحتمل أن يكون نصبا على التمييز كقولك تصببت عرقا.

النزول‏

قيل‏

نزلت في رجال من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فقالوا هل على هؤلاء من ذنب فقال لا فقالوا و الله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل و ما

91

(1) - عملناه بالليل كفر عنا بالنهار فكذبهم الله‏

عن الكلبي و

قيل نزلت في اليهود و النصارى حين قالوا نحن أبناء الله و أحباؤه قالوا لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاََّ مَنْ كََانَ هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ عن الضحاك و الحسن و قتادة و السدي و هو المروي عن أبي جعفر (ع) .

المعنى‏

ثم ذكر تعالى تزكية هؤلاء أنفسهم مع كفرهم و تحريفهم الكتاب فقال «أَ لَمْ تَرَ» معناه أ لم تعلم و قيل أ لم تخبر و هو سؤال على وجه الإعلام و تأويله أعلم قصتهم أ لم ينته علمك «إِلَى» هؤلاء «اَلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ» أي يمدحونها و يصفونها بالزكاة و الطهارة بأن يقولوا نحن أزكياء و قيل هو تزكية بعضهم بعضا عن ابن مسعود و إنما قال «أَنْفُسَهُمْ» لأنهم على دين واحد و هم كنفس واحدة «بَلِ اَللََّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشََاءُ» رد الله ذلك عليهم و بين أن التزكية إليه يزكي من يشاء أي يطهر من الذنب من يشاء و قيل معناه يقبل عمله فيصير زكيا و لا يزكي اليهود بل يعذبهم «وَ لاََ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً» معناه لا يظلمون في تعذيبهم و ترك تزكيتهم فتيلا أي مقدار فتيل و ذكر الفتيل مثلا و اختلف في معناه فقيل هو ما يكون في شق النواة عن ابن عباس و مجاهد و عطا و قتادة و قيل الفتيل ما في بطن النواة و النقير ما على ظهرها و القطمير قشرها عن الحسن و قيل الفتيل ما فتلته بين إصبعيك من الوسخ عن ابن عباس و أبي مالك و السدي و في هذه الآية دلالة على تنزيه الله عن الظلم و إنما ذكر الفتيل ليعلم أنه لا يظلم قليلا و لا كثيرا} «اُنْظُرْ» يا محمد «كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ» في تحريفهم كتابه و قيل في تزكيتهم أنفسهم و قولهم نحن أبناء الله و أحباؤه و لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاََّ مَنْ كََانَ هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ عن ابن جريج «وَ كَفى‏ََ بِهِ» أي كفى هو «إِثْماً مُبِيناً» أي وزرا بينا و إنما قال «كَفى‏ََ بِهِ» في العظم على جهة المدح أو الذم يقال كفى بحال المؤمن نيلا و كفى بحال الكافر خزيا فكأنه قال ليس يحتاج إلى حال أعظم منه و يحتمل أن يكون معناه كفى هذا إثما أي ليس يقصر عن منزلة الإثم.

ـ

92

(1) -

اللغة

الجبت لا تصريف له في اللغة العربية و روي عن سعيد بن جبير أنه قال هو السحر بلغة أهل الحبشة و هذا يحمل على موافقة اللغتين أو على أن العرب أدخلوها في لغتهم فصارت لغة لهم و اللعنة الإبعاد من رحمة الله عقابا على معصيته فلذلك لا يجوز لعن البهائم و لا من ليس بعاقل من المجانين و الأطفال لأنه سؤال العقوبة لمن يستحقها فمن لعن بهيمة أو حشرة أو نحو ذلك فقد أخطأ لأنه سأل الله تعالى ما لا يجوز في حكمته فإن قصد بذلك الإبعاد على وجه العقوبة جاز .

الإعراب‏

سبيلا منصوب على التمييز كما تقول هذا أحسن منك وجها أولئك لفظة جمع واحدة ذا في المعنى كما يقال نسوة في جمع امرأة و غلب على أولاء هاء للتنبيه و ليس ذلك في أولئك لأن في حرف الخطاب تنبيها للمخاطب و صار الكاف معاقبا للهاء التي للتنبيه في أكثر الاستعمال.

النزول‏

قيل كان أبو برزة كاهنا في الجاهلية فتنافس إليه ناس ممن أسلم فنزلت الآية عن عكرمة و قيل و هو قول أكثر المفسرين أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله (ص) و ينقضوا العهد الذي كان بينهم و بين رسول الله فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه و نزلت اليهود في دور قريش فقال أهل مكة إنكم أهل كتاب و محمد صاحب كتاب‏فلا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين و آمن بهما ففعل فذلك قوله «يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ اَلطََّاغُوتِ» ثم قال كعب يا أهل مكة ليجي‏ء منكم ثلاثون و منا ثلاثون فنلصق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب أنك امرؤ تقرأ الكتاب و تعلم و نحن أميون لا نعلم فأينا أهدى طريقا و أقرب إلى الحق نحن أم محمد قال كعب أعرضوا علي دينكم فقال أبو سفيان نحن ننحر للحجيج الكوماء و نسقيهم الماء و نقري الضيف و نفك العاني و نصل الرحم و نعمر بيت ربنا و نطوف به و نحن أهل الحرم و محمد فارق دين آبائه و قطع الرحم و فارق الحرم و ديننا القديم و دين محمد الحديث فقال أنتم و الله أهدى سبيلا مما عليه محمد (ص) فأنزل الله «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ» .

93

(1) -

المعنى‏

فالمعني بذلك كعب بن الأشرف و جماعة من اليهود الذين كانوا معه بين الله أفعالهم القبيحة و ضمها إلى ما عدده فيما تقدم فقال «يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ اَلطََّاغُوتِ» يعني بهما الصنمين اللذين كانا لقريش و سجد لهما كعب بن الأشرف «وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا» أبي سفيان و أصحابه «هََؤُلاََءِ أَهْدى‏ََ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» محمد و أصحابه «سَبِيلاً» أي دينا عن عكرمة و جماعة من المفسرين و قيل إن المعني بالآية حيي بن أخطب و كعب بن الأشرف و سلام بن أبي الحقيق و أبو رافع في جماعة من علماء اليهود و الجبت الأصنام و الطاغوت تراجمة الأصنام الذين كانوا يتكلمون بالتكليب عنها عن ابن عباس و قيل الجبت الساحر و الطاغوت الشيطان عن ابن زيد و قيل الجبت السحر عن مجاهد و الشعبي و قيل الجبت الساحر و الطاغوت الكاهن عن أبي العالية و سعيد بن جبير و قيل الجبت إبليس و الطاغوت أولياؤه و قيل هما كلما عبد من دون الله من حجر أو صورة أو شيطان عن أبي عبيدة و قيل الجبت هنا حيي بن أخطب و الطاغوت كعب بن الأشرف عن الضحاك و بعض الروايات عن ابن عباس و المراد بالسبيل في الآية الدين و إنما سمي سبيلا لأنه كالطريق في الاستمرار عليه ليؤدي إلى المقصود} «أُولََئِكَ» إشارة إلى الذين تقدم ذكرهم «اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ» أي أبعدهم من رحمته و أخزاهم و خذلهم و أقصاهم «وَ مَنْ يَلْعَنِ اَللََّهُ» أي و من يلعنه الله «فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» أي معينا يدفع عنه عقاب الله تعالى الذي أعده له و قيل فلن تجد له نصيرا في الدنيا و الآخرة لأنه لا يعتد بنصرة من ينصره مع خذلان الله إياه.

اللغة

النقير من النقر و هو النكت و منه المنقار لأنه ينقر به و الناقور الصور لأنه ينقر فيه بالنفخ المصوت و النقير خشبة ينقر و ينبذ فيها و انتقر اختص كما تختص بالنقر واحدا واحدا قال طرفة :

94

(1) -

نحن في المشتاة ندعو الجفلى # لا ترى الأدب فيها ينتقر

و الحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها لما يلحق من المشقة في نيله لها و هو خلاف الغبطة لأن الغبطة تمني مثل تلك النعمة لأجل السرور بها لصاحبها و لهذا صار الحسد مذموما و الغبطة غير مذمومة و قيل إن الحسد من إفراط البخل لأن البخل منع النعمة لمشقة بذلها و الحسد تمني زوالها لمشقة نيل صاحبها فالعمل فيهما على المشقة بنيل النعمة و أصل السعير من السعر و هو إيقاد النار و استعرت النار أو الحرب أو الشر و سعرتها أو أسعرتها و السعر سعر المتاع و سعره تسعيرا و ذلك لاستعار السوق بحماها في البيع و الساعور كالتنور .

الإعراب‏

أم هذه هي المنقطعة و ليست المعادلة لهمزة الاستفهام التي تسمى المتصلة و تقديره بل أ لهم نصيب من الملك و قال بعضهم إن همزة الاستفهام محذوفة من الكلام لأن أم لا تجي‏ء مبتدأة بهاو تقديره أ هم أولى بالنبوة أم لهم نصيب من الملك فيلزم الناس طاعتهم و هذا ضعيف لأن حذف الهمزة إنما يجوز في ضرورة الشعر و لا ضرورة في القرآن و إذن لم يعمل في يؤتون لأنها إذا وقعت بين الفاء و الفعل أو بين الواو و الفعل جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما يلغى ظننت و أخواتها إذا توسطت أو تأخرت لأن النية به التأخير فالتقدير فلا يؤتون الناس نقيرا إذن لا يلبثون خلافك إلا قليلا إذن، و يجوز أن تقدر مستأنفة فتعمل مع حرف العطف و لو قرأ «فَإِذاً لاََ يُؤْتُونَ اَلنََّاسَ» لجاز لكن القراءة سنة متبعة و إذا لا تعمل في الفعل النصب إلا بشروط أربعة أن تكون جوابا لكلام و أن تكون مبتدأة في اللفظ و أن لا يكون ما بعدها متعلقا بما قبلها و يكون الفعل بعدها مستقبلا.

ـ

المعنى‏

لما بين حكم اليهود بأن المشركين أهدى من النبي (ص) و أصحابه بين الله سبحانه إن الحكم ليس إليهم إذ الملك ليس لهم فقال «أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَلْمُلْكِ» و هذا استفهام معناه الإنكار أي ليس لهم ذلك و قيل المراد بالملك هاهنا النبوة عن الجبائي أي أ لهم نصيب من النبوة فيلزم الناس اتباعهم و طاعتهم و قيل المراد بالملك ما كانت اليهود تدعيه من أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان و أنه يخرج منهم من يجدد ملتهم و يدعو إلى‏

95

(1) - دينهم فكذبهم الله تعالى «فَإِذاً لاََ يُؤْتُونَ اَلنََّاسَ نَقِيراً» أي لو أعطوا الدنيا و ملكها لما أعطوا الناس من الحقوق قليلا و لا كثيرا و في تفسير ابن عباس لو كان لهم نصيب من الملك لما أعطوا محمدا و أصحابه شيئا و قيل أنهم كانوا أصحاب بساتين و أموال و كانوا لا يعطون الفقراء شيئا} «أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ» معناه بل يحسدون الناس و اختلف في معنى الناس هنا على أقوال فقيل أراد به النبي (ص) حسدوه «عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ» من النبوة و إباحة تسع نسوة و ميله إليهن و قالوا لو كان نبيا لشغلته النبوة عن ذلك‏فبين الله سبحانه إن النبوة ليست ببدع في آل إبراهيم (ع) «فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ» يعني النبوة و قد آتينا داود و سليمان المملكة و كان لداود تسع و تسعون امرأة و لسليمان مائة امرأة و قال بعضهم كان لسليمان ألف امرأة سبعمائة سرية و ثلاثمائة امرأة و كان لداود مائة امرأة فلا معنى لحسدهم محمدا على هذا و هو من أولاد إبراهيم (ع) و هم أكثر تزويجا و أوسع مملكة منه عن ابن عباس و الضحاك و السدي و قيل لما كان قوام الدين به صار حسدهم له كحسدهم لجميع الناس (و ثانيها)

إن المراد بالناس النبي (ص) و آله عن أبي جعفر (ع)

و المراد بالفضل فيه النبوة و في آله الإمامة و

في تفسير العياشي بإسناده عن أبي الصباح الكناني قال قال أبو عبد الله (ع) يا أبا الصباح نحن قوم فرض الله طاعتنا لنا الأنفال و لنا صفو المال و نحن الراسخون في العلم و نحن المحسودون الذين قال الله في كتابه «أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ» الآية

قال و المراد بالكتاب النبوة و بالحكمة الفهم و القضاء و بالملك العظيم افتراض الطاعة (و ثالثها) إن المراد بالناس محمد و أصحابه لأنه قد جرى ذكرهم في قوله «هََؤُلاََءِ أَهْدى‏ََ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً» و من فضله من نعمته عن أبي علي الجبائي (و رابعها) إن المراد بالناس العرب أي يحسدون العرب لما صارت النبوة فيهم عن الحسن و قتادة و ابن جريج و قيل المراد بالكتاب التوراة و الإنجيل و الزبور و بالحكمة ما أوتوا من العلم و قوله «وَ آتَيْنََاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» المراد بالملك العظيم النبوة عن مجاهد و الحسن و قيل المراد بالملك العظيم ملك سليمان عن ابن عباس و قيل ما أحل لداود و سليمان من النساء عن السدي و قيل الجمع بين سياسة الدنيا و شرع الدين‏ «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ» فيه قولان (أحدهما) إن المراد فمن أهل الكتاب من آمن بمحمد (ص) «وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ» أي أعرض عنه و لم يؤمن به عن مجاهد و الزجاج و الجبائي و وجه اتصال هذا المعنى بالآية أنهم مع هذا الحسد و غيره من أفعالهم القبيحة فقد آمن بعضهم به (و الآخر) إن المراد به فمن أمة إبراهيم من آمن بإبراهيم و منهم من أعرض عنه كما أنكم في أمر محمد كذلك و ليس ذلك بموهن أمره كما لم يكن‏

96

(1) - إعراضهم عن إبراهيم موهنا أمر إبراهيم «وَ كَفى‏ََ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً» أي كفى هؤلاء المعرضين عنه في العذاب النازل بهم عذاب جهنم نارا موقدة إيقادا شديدا يريد بذلك أنه إن صرف عنهم بعض العذاب في الدنيا فقد أعد لهم عذاب جهنم في العقبي.

اللغة

يقال أصليته النار إذا ألقيته فيها و صليته صليا إذا شويته و شاة مصلية مشوية و الصلاء الشواء و صلي فلان بشر فلان و التبديل التغيير يقال أبدلت الشي‏ء بالشي‏ء إذا أزلت عينا بعين كما قال الشاعر:

"عزل الأمير بالأمير المبدل"

و بدلت بالتشديد إذا غيرت هيئته و العين واحدة يقولون بدلت جبتي قميصا أي جعلتها قميصا ذكره المغربي و قد يكون التبديل بأن يوضع غيره موضعه قال الله‏ يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ و الظل أصله الستر لأنه يستر من الشمس قال رؤبة كل موضع تكون فيه الشمس و تزول عنه فهو ظل و في‏ء و ما سوى ذلك فظل و لا يقال فيه في‏ء و الظل الليل كأنه كالستر من الشمس و الظلة السترة و الظليل الكنين .

المعنى‏

لما تقدم ذكر المؤمن و الكافر عقبه بذكر الوعد و الوعيد على الإيمان و الكفر فقال «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِنََا» أي جحدوا حججنا و كذبوا أنبياءنا و دفعوا الآيات الدالة على توحدنا و صدق نبينا «سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نََاراً» أي نلزمهم نارا نحرقهم فيها و نعذبهم بها و دخلت سوف لتدل على أنه يفعل ذلك بهم في المستقبل‏ «كُلَّمََا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنََاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهََا» قيل فيه أقوال (أحدها) إن الله تعالى يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت على ظاهر القرآن في أنها غيرها عن قتادة و جماعة من أهل التفسير و اختاره علي بن‏

97

(1) - عيسى و من قال على هذا أن هذا الجلد المجدد لم يذنب فكيف يعذب من لا يستحق العذاب فجوابه أن المعذب الحي و لا اعتبار بالأطراف و الجلود و قال علي بن عيسى إن ما يزاد لا يؤلم و لا هو بعض لما يؤلم و إنما هو شي‏ء يصل به الألم إلى المستحق له (و ثانيها) إن الله يجددها بأن يردها إلى الحالة التي كانت عليها غير محترقة كما يقال جئتني بغير ذلك الوجه إذا كان قد تغير وجهه من الحالة الأولى كما إذا انكسر خاتم فاتخذ منه خاتما آخر يقال هذا غير الخاتم الأول و إن كان أصلهما واحدا فعلى هذا يكون الجلد واحدا و إنما تتغير الأحوال عليه و هو اختيار الزجاج و البلخي و أبي علي الجبائي (و ثالثها) إن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها الله تعالى‏ سَرََابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرََانٍ و سميت السرابيل الجلود على سبيل المجاورة للزومها الجلود و هذا ترك للظاهر بغير دليل و على القولين الأخيرين لا يلزم سؤال التعذيب لغير العاصي فأما من قال إن الإنسان غير هذه الجملة المشاهدة و أنه المعذب في الحقيقة فقد تخلص من هذا السؤال و قوله «لِيَذُوقُوا اَلْعَذََابَ» معناه ليجدوا ألم العذاب و إنما قال ذلك ليبين أنهم كالمبتدأ عليهم العذاب في كل حالة فيحسون في كل حالة ألما لكن لا كمن يستمر به الشي‏ء فإنه يصير أخف عليه «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَزِيزاً» أي لم يزل منيعا لا يدافع و لا يمانع و قيل معناه أنه قادر لا يمتنع عليه إنجاز ما توعد به أو وعده «حَكِيماً» في تدبيره و تقديره و في تعذيب من يعذبه و روى الكلبي عن الحسن قال بلغنا أن جلودهم تنضج كل يوم سبعين ألف مرة} «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» بكل ما يجب الإيمان به «وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» أي الطاعات الصالحة الخالصة «سَنُدْخِلُهُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ» أي من تحت أشجارها و قصورها الأنهار أي ماء الأنهار «خََالِدِينَ فِيهََا» أي دائمين فيها «أَبَداً لَهُمْ فِيهََا أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ» طهرن من الحيض و النفاس و من جميع المعائب و الأدناس و الأخلاق الدنية و الطبائع الردية لا يفعلن ما يوحش أزواجهن و لا يوجد فيهن ما ينفر عنهن «وَ نُدْخِلُهُمْ» في ذلك «ظِلاًّ ظَلِيلاً» أي كنينا ليس فيه حر و لا برد بخلاف ظل الدنيا و قيل ظلا دائما لا تنسخه الشمس كما في الدنيا و قيل ظلا متمكنا قويا كما يقال يوم أيوم و ليل أليل و داهية دهياء يصفون الشي‏ء بمثل لفظه إذا أرادوا المبالغة.

ـ

98

(1) -

القراءة

قد ذكرنا الاختلاف بين القراء في نعما و وجوه قراءتهم و حججها في سورة البقرة .

اللغة

يقال أديت الشي‏ء تأدية و قد يوضع الأداء موضع التأدية فيقام الاسم مقام المصدر و السميع هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت و البصير من كان على صفة يجب لأجلها أن يبصر المبصرات إذا وجدت و السامع هو المدرك للمسموعات و المبصر هو المدرك للمبصرات و لهذا يوصف القديم فيما لم يزل بأنه سميع بصير و لا يوصف في القدم بأنه سامع مبصر .

الإعراب‏

قوله «نِعِمََّا يَعِظُكُمْ بِهِ» تقديره نعم شيئا شي‏ء يعظكم به فيكون شيئا تبيينا لاسم الجنس المضمر الذي هو فاعل نعم و المخصوص بالمدح قد حذف و أقيمت صفته مقامه و قوله «نِعِمََّا يَعِظُكُمْ بِهِ» جملة في موضع رفع بأنه خبر أن.

المعنى‏

ثم أمر سبحانه بأداء الأمانة فقال «إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا» قيل في المعنى بهذه الآية أقوال‏ (أحدها)

أنها في كل من اوتمن أمانة من الأمانات و أمانات الله أوامره و نواهيه و أمانات عباده فيما يأتمن بعضهم بعضا من المال و غيره عن ابن عباس و أبي بن كعب و ابن مسعود و الحسن و قتادة و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)

(و ثانيها) إن المراد به ولاة الأمر أمرهم الله أن يقوموا برعاية الرعية و حملهم على موجب الدين و الشريعة عن زيد بن أسلم و مكحول و شهر بن حوشب و هو اختيار الجبائي و رواه أصحابنا

عن أبي جعفر الباقر و أبي عبد الله الصادق قالا أمر الله تعالى كل واحد من الأئمة أن يسلم الأمر إلى من بعده، و يعضده أنه سبحانه أمر الرعية بعد هذا بطاعة ولاة الأمر

و

روي عنهم أنهم قالوا آيتان إحداهما لنا و الأخرى لكم قال الله «إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمََانََاتِ إِلى‏ََ أَهْلِهََا» الآية ثم قال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» الآية

و هذا القول داخل في القول الأول لأنه من جملة ما ائتمن الله عليه الأئمة الصادقين و لذلك‏

قال أبو جعفر (ع) إن أداء الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج من الأمانة و يكون من جملتها الأمر لولاة الأمر بقسم الصدقات و الغنائم و غير ذلك مما يتعلق به حق الرعية

و قد عظم الله سبحانه أمر الأمانة بقوله‏ «يَعْلَمُ خََائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ» و قوله‏ «لاََ تَخُونُوا اَللََّهَ‏

99

(1) - وَ اَلرَّسُولَ » و قوله‏ «وَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطََارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ» الآية (و ثالثها) إنه خطاب للنبي (ص) برد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة حين قبض منه المفتاح يوم فتح مكة و أراد أن يدفعه إلى العباس لتكون له الحجابة و السقاية عن ابن جريج و المعول على ما تقدم و إن صح القول الأخير و الرواية فيه فقد دل الدليل على أن الأمر إذا ورد على سبب لا يجب قصره عليه بل يكون على عمومه «وَ إِذََا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» أمر الله الولاة و الحكام أن يحكموا بالعدل و النصفة و نظيره قوله‏ «يََا دََاوُدُ إِنََّا جَعَلْنََاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِالْحَقِّ» و

روي أن النبي (ص) قال لعلي سو بين الخصمين في لحظك و لفظك‏

و

ورد في الآثار أن الصبيين ارتفعا إلى الحسن بن علي في خط كتباه و حكماه في ذلك ليحكم أي الخطين أجود فبصر به علي فقال يا بني أنظر كيف تحكم فإن هذا حكم و الله سائلك عنه يوم القيامة

«إِنَّ اَللََّهَ نِعِمََّا يَعِظُكُمْ بِهِ» أي نعم الشي‏ء ما يعظكم به من الأمر برد الأمانة و النهي عن الخيانة و الحكم بالعدل و معنى الوعظ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و قيل هو الأمر بالخير و النهي عن الشر «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ سَمِيعاً» بجميع المسموعات و «بَصِيراً» بجميع المبصرات و قيل معناه عالم بأقوالكم و أفعالكم و أدخل كان تنبيها على أن هذه الصفة واجبة له فيما لم يزل.

المعنى‏

لما بدأ في الآية المتقدمة بحث الولاة على تأدية حقوق الرعية و النصفة و التسوية بين البرية ثناه في هذه الآية بحث الرعية على طاعتهم و الاقتداء بهم و الرد إليهم فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ» أي ألزموا طاعة الله سبحانه فيما أمركم به و نهاكم عنه «وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ » أي و الزموا طاعة رسوله (ص) أيضا و إنما أفرد الأمر بطاعة الرسول و إن كانت طاعته مقترنة بطاعة الله مبالغة في البيان و قطعا لتوهم من توهم أنه لا يجب لزوم ما ليس في القرآن من الأوامر و نظيره قوله‏ «مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ» و قيل معناه أطيعوا الله في الفرائض‏

100

(1) - و أطيعوا الرسول في السنن عن الكلبي و الأول أصح لأن طاعة الرسول هي طاعة الله و امتثال أوامره امتثال أوامر الله و أما المعرفة بأنه رسول الله فهي معرفة برسالته و لا يتم ذلك إلا بعد معرفة الله و ليست إحداهما هي الأخرى‏و طاعة الرسول واجبة في حياته و بعد وفاته لأن اتباع شريعته لازم بعد وفاته لجميع المكلفين و معلوم ضرورة أنه دعا إليها جميع العالمين إلى يوم القيامة كما علم أنه رسول الله إليهم أجمعين و قوله «وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» للمفسرين فيه قولان (أحدهما) أنهم الأمراء عن أبي هريرة و ابن عباس في إحدى الروايتين و ميمون بن مهران و السدي و اختاره الجبائي و البلخي و الطبري (و الآخر) أنهم العلماء عن جابر بن عبد الله و ابن عباس في الرواية الأخرى و مجاهد و الحسن و عطا و جماعة و قال بعضهم لأنهم الذين يرجع إليهم في الأحكام و يجب الرجوع إليهم عند التنازع دون الولاة و أما أصحابنا فإنهم رووا

عن الباقر و الصادق (ع) أن أولي الأمر هم الأئمة من آل محمد

أوجب الله طاعتهم بالإطلاق كما أوجب طاعته و طاعة رسوله و لا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته و علم أن باطنه كظاهره و أمن منه الغلط و الأمر بالقبيح و ليس ذلك بحاصل في الأمراء و لا العلماء سواهم جل الله عن أن يأمر بطاعة من يعصيه أو بالانقياد للمختلفين في القول و الفعل لأنه محال أن يطاع المختلفون كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه و مما يدل على ذلك أيضا أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله كما قرن طاعة رسول بطاعته إلا و أولوا الأمر فوق الخلق جميعا كما أن الرسول فوق أولي الأمر و فوق سائر الخلق و هذه صفة أئمة الهدى من آل محمد (ص) الذين ثبتت إمامتهم و عصمتهم و اتفقت الأمة على علو رتبتهم و عدالتهم «فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » معناه فإن اختلفتم في شي‏ء من أمور دينكم فردوا التنازع فيه إلى كتاب الله و سنة الرسول و هذا قول مجاهد و قتادة و السدي و نحن نقول الرد إلى الأئمة القائمين مقام الرسول بعد وفاته‏هو مثل الرد إلى الرسول في حياته لأنهم الحافظون لشريعته و خلفاؤه في أمته فجروا مجراه فيه ثم أكد سبحانه ذلك و عظمه بقوله «إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ» فما أبين هذا و أوضحه «ذََلِكَ» إشارة إلى طاعة الله و طاعة رسوله و أولي الأمر و الرد إلى الله و الرسول «خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً» أي أحمد عاقبة عن قتادة و السدي و ابن زيد قالوا لأن التأويل من آل يؤول إذا رجع و المال المرجع و العاقبة سمي تأويلا لأنه مآل الأمر و قيل معناه أحسن جزاء عن مجاهد و قيل خير لكم في الدنيا و أحسن عاقبة في الآخرة و قيل معناه أحسن من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله و سنة نبيه عن الزجاج و هو الأقوى لأن الرد إلى الله‏

101

(1) - و رسوله و من يقوم مقامه من المعصومين أحسن لا محالة من تأويل بغير حجة و استدل بعضهم بقوله «فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ » على إن إجماع الأمة حجة بأن قالوا إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب و السنة بشرط وجود التنازع فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع لا يجب الرد و لا يكون كذلك إلا و الإجماع حجة و هذا الاستدلال إنما يصح لو فرض إن في الأمة معصوما حافظا للشرع فأما إذا لم يفرض ذلك فلا يصح لأن تعليق الحكم بشرط أو صفة لا يدل على إن ما عداه بخلافه عند أكثر العلماء فكيف اعتمدوا عليه هاهنا على أن الأمة لا تجمع على شي‏ء إلا عن كتاب أو سنة و كيف يقال إنها إذا اجتمعت على شي‏ء لا يجب عليها الرد إلى الكتاب و السنة و قد ردت إليهما.

ـ

اللغة

الطاغوت ذو الطغيان على جهة المبالغة في الصفة فكل من يعبد من دون الله فهو طاغوت و قد يسمى به الأوثان كما يسمى بأنه‏ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ و يوصف به أيضا كل من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله و أصل الضلال الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية لأنه ضد الهدى الذي هو الدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية و له تصرف كثير يرجع جميعه إلى هذه النكتة ذكرناها في سورة البقرة عند قوله‏ «وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ» و تعالوا أصله من العلو فإذا قلت لغيرك تعال فمعناه ارتفع إلي ، و صددت الأصل فيه أن لا يتعدى تقول صددت عن فلان أصد بمعنى أعرضت عنه و يجوز صددت فلانا عن فلان بالتعدي لأنه دخله معنى منعته عنه و مثله رجعت أنا و رجعت غيري لأنه دخله معنى رددته .

102

(1) -

الإعراب‏

صدودا نصب على المصدر على وجه التأكيد للفعل كقوله‏ «وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً» و المعنى أنه ليس ذلك على بيان مثل الكلام بل حكمة في الحقيقة و قيل في معنى‏ تَكْلِيماً أنه كلمه تكليما شريفا عظيما فيمكن تقدير مثل ذلك في الآية أي يصدون عنك صدودا عظيما.

النزول‏

كان بين رجل من اليهود و رجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي أحاكم إلى محمد لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة و لا يجور في الحكم فقال المنافق لا بل بيني و بينك كعب بن الأشرف لأنه علم أنه يأخذ الرشوة فنزلت الآية عن أكثر المفسرين.

المعنى‏

لما أمر الله أولي الأمر بالحكم و العدل و أمر المسلمين بطاعتهم وصل ذلك بذكر المنافقين الذين لا يرضون بحكم الله و رسوله فقال «أَ لَمْ تَرَ» أي أ لم تعلم و قيل أنه تعجب منه أي أ لم تتعجب من صنيع هؤلاء و قيل أ لم ينته علمك «إِلَى» هؤلاء «اَلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» من القرآن «وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» من التوراة و الإنجيل «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحََاكَمُوا إِلَى اَلطََّاغُوتِ» يعني كعب بن الأشرف عن ابن عباس و مجاهد و الربيع و الضحاك و قيل أنه كاهن من جهينة أراد المنافق أن يتحاكم إليه عن الشعبي و قتادة و قيل أراد به ما كانوا يتحاكمون فيه إلى الأوثان بضرب القداح عن الحسن و

روى أصحابنا عن السيدين الباقر (ع) و الصادق (ع) إن المعني به كل من يتحاكم إليه ممن يحكم بغير الحق‏

«وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» يعني به قوله تعالى‏ «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطََّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقى‏ََ لاَ اِنْفِصََامَ لَهََا» «وَ يُرِيدُ اَلشَّيْطََانُ» بما زين لهم «أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاََلاً بَعِيداً» عن الحق نسب إضلالهم إلى الشيطان فلو كان الله قد أضلهم بخلق الضلالة فيهم على ما يقوله المجبرة لنسب إضلالهم إلى نفسه دون الشيطان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا «وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ» أي المنافقين «تَعََالَوْا إِلى‏ََ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ» في القرآن من الأحكام «وَ إِلَى اَلرَّسُولِ » في حكمه «رَأَيْتَ» يا محمد «اَلْمُنََافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً» أي يعرضون عنك أي عن المصير إليك إلى غيرك إعراضا.