مجمع البيان في تفسير القرآن - ج3

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
418 /
103

(1) -

اللغة

الحلف القسم و منه الحليف لتحالفهم فيه على الأمر و أصل البلاغة البلوغ يقال بلغ الرجل بالقول يبلغ بلاغة فهو بليغ إذا صار يبلغ بعبارته كثيرا مما في قلبه و يقال أحمق بلغ و بلغ إذا كان مع حماقته يبلغ حيث يريد و قيل معناه قد بلغ في الحماقة .

الإعراب‏

موضع كيف رفع بأنه خبر مبتدإ محذوف و التقدير فكيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة فكأنه قال الإساءة صنيعهم بالجرأة على كذبهم أم الإحسان صنيعهم بالتوبة من جرمهم و يجوز أن يكون موضع كيف نصبا و تقديره كيف يكونوا أ مصرين أم تائبين يكونون و لو قلت أنه رفع على معنى كيف بك كأنه قال إصلاح بك أم فساد بك فيكون مبتدأ محذوف الخبر و يحلفون في موضع نصب على الحال و «إِنْ أَرَدْنََا إِلاََّ إِحْسََاناً» جواب القسم و إحسانا مفعول به أي أردنا إحسانا.

المعنى‏

ثم عطف تعالى على ما تقدم بقوله «فَكَيْفَ» صنيع هؤلاء «إِذََا أَصََابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ» أي نالتهم من الله عقوبة «بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» بما كسبت أيديهم من النفاق و إظهار السخط لحكم النبي «ثُمَّ جََاؤُكَ» يا محمد «يَحْلِفُونَ» يقسمون «بِاللََّهِ إِنْ أَرَدْنََا إِلاََّ إِحْسََاناً» أي ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا التخفيف عنك فإنا نحتشمك برفع الصوت في مجلسك و نقتصر على من يتوسط لنا برضاء الخصمين دون الحكم المورث للضغائن فقوله «إِلاََّ إِحْسََاناً» أي إحسانا إلى الخصوم «وَ تَوْفِيقاً» بينهم بالتماس التوسعة دون الحمل على مر الحكم و أراد بالتوفيق الجمع و التأليف و قيل توفيقا أي طلبا لما يوافق الحق و قيل إن المعنى بالآية عبد الله بن أبي و المصيبة ما أصابه من الذل برجعتهم من غزوة بني المصطلق و هي غزوة المريسيع حين نزلت سورة المنافقين فاضطر إلى الخشوع و الاعتذار و سنذكر ذلك إن شاء الله في سورة المنافقين أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله في الإقالة و الاستغفار و أستوهبه ثوبه ليتقي به النار يقولون ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازعين بني المصطلق ذكره الحسين بن علي المغربي و في الآية دلالة على أنه قد

104

(1) - تصيب المصيبة بما يكتسبه العبد من الذنوب ثم اختلف في ذلك فقال أبو علي الجبائي لا يكون ذلك إلا عقوبة إلا في التائب و قال أبو هاشم يكون ذلك لطفا و قال القاضي عبد الجبار قد يكون ذلك لطفا و قد يكون جزاء و هو موقوف على الدليل‏ «أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُ اَللََّهُ مََا فِي قُلُوبِهِمْ» من الشرك و النفاق و الخيانة «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» أي لا تعاقبهم «وَ عِظْهُمْ» بلسانك «وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً» أي قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم فهذا هو القول البليغ لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ عن الحسن و قيل معناه فأعرض عن قبول الاعتذار منهم و عظهم مع ذلك و خوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم إن عادوا لمثل ما فعلوه عن أبي علي الجبائي و في قوله «وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً» دلالة على فضل البلاغة و حث على اعتمادها بأوضح بيان لكونها أحد أقسام الحكمة لما فيها من بلوغ المعنى الذي يحتاج إلى التفسير باللفظ الوجيز مع حسن الترتيب.

ـ

الإعراب‏

ما في قوله «وَ مََا أَرْسَلْنََا» نافية فلذلك قال «مِنْ رَسُولٍ» لأن من لا تزاد في الإيجاب و زيادتها تؤذن باستغراق الكلام كقولك ما جاءني من أحد و لو موضوعة للفعل لما فيها من معنى الجزاء تقول لو كان كذا لكان كذا و لا تأتي بعدها إلا أن خاصة و إنما أجيز في أن خاصة أن تقع بعدها لأنها كالفعل في إفادة التأكيد فموضع أن بعد لو مع اسمها و خبرها رفع بكونه فاعل الفعل المضمر بعد لو و تقديره لو وقع أنهم جاءوك وقت ظلمهم أنفسهم أي لو وقع مجيئهم.

المعنى‏

ثم لامهم سبحانه على ردهم أمره و ذكر أن غرضه من البعثة الطاعة فقال «وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ» أي لم نرسل رسولا من رسلنا «إِلاََّ لِيُطََاعَ» عني به أن الغرض من الإرسال أن يطاع الرسول و يمتثل بما يأمر به و إنما اقتضى ذكر طاعة الرسول هنا أن هؤلاء المنافقين الذين يتحاكمون إلى الطاغوت زعموا أنهم يؤمنون به و أعرضوا عن طاعته فبين الله أنه لم يرسل رسولا إلا ليطاع و قوله «بِإِذْنِ اَللََّهِ» أي بأمر الله الذي دل به على وجوب‏

105

(1) - طاعتهم و الأذن على وجوه (أحدها) يكون بمعنى اللطف كقوله‏ «وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ» - (و ثانيها) -بمعنى التخلية كقوله تعالى‏ «وَ مََا هُمْ بِضََارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ - (و ثالثها) -بمعنى الأمر كما في الآية «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» أي بخسوها حقها بإدخال الضرر عليها بفعل المعصية من استحقاق العقاب و تفويت الثواب بفعل الطاعة و قيل ظلموا أنفسهم بالكفر و النفاق «جََاؤُكَ» تائبين مقبلين عليك مؤمنين بك «فَاسْتَغْفَرُوا اَللََّهَ» لذنوبهم و نزعوا عما هم عليه «وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ » رجع من لفظ الخطاب في قوله «جََاؤُكَ» إلى لفظ الغيبة جريا على عادة العرب المألوفة و استغفرت لهم يا محمد ذنوبهم أي سألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم «لَوَجَدُوا اَللََّهَ» هذا يحتمل معنيين- (أحدهما) -لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم و رحمته إياهم- (و الثاني) -لعلموا الله توابا رحيما و الوجدان يكون بمعنى العلم و بمعنى الإدراك فلا يجوز أن يكون على ظاهره هنا بمعنى الإدراك لأنه سبحانه غير مدرك في نفسه «تَوََّاباً» أي قابلا لتوبتهم «رَحِيماً» بهم في التجاوز عما قد سلف منهم و في قوله «وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ لِيُطََاعَ» أوكد دلالة على بطلان مذهب المجبرة و القائلين بأن الله يريد أن يعصي أنبياءه قوم و يطيعهم آخرون و ذكر الحسن في هذه الآية إن اثني عشر رجلا من المنافقين ائتمروا فيما بينهم و اجتمعوا على أمر مكيدة لرسول الله فأتاه جبرائيل فأخبره بها

فقال (ع) إن قوما دخلوايريدون أمرا لا ينالونه فليقوموا و ليستغفروا الله و ليعترفوا بذلك حتى أشفع لهم فلم يقوموا فقال رسول الله (ص) مرارا لا تقومون فلم يقم أحد منهم فقال (ص) قم يا فلان قم يا فلان حتى عد اثني عشر رجلا فقاموا و قالوا كنا عزمنا على ما قلت و نحن نتوب إلى الله من ظلمنا فاشفع لنا فقال الآن أخرجوا عني أنا كنت في أول أمركم أطيب نفسا بالشفاعة و كان الله أسرع إلى الإجابة فخرجوا عنه حتى لم يرهم‏

و في الآية دلالة على أن مرتكب الكبيرة يجب عليه الاستغفار فإن الله سيتوب عليه بأن يقبل توبته و يدل أيضا على أن مجرد الاستغفار لا يكفي مع كونه مصرا على المعصية لأنه لم يكن ليستغفر لهم الرسول ما لم يتوبوا بل ينبغي أن يتوب و يندم على ما فعله و يعزم في القلب على أن لا يعود أبدا إلى مثله ثم يستغفر الله باللسان ليتوب الله عليه.

106

(1) -

اللغة

شجر الأمر شجرا و شجورا إذ اختلط و شاجره في الأمر إذا نازعه و تشاجروا فيه و كل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض كتداخل الشجر بالتفافه و أصل الحرج الضيق و

في الحديث حدثوا عن بني إسرائيل و لا حرج‏

أي لا ضيق و قيل لا إثم .

الإعراب‏

لا دخلت في أول الكلام لأنها رد لكلام فكأنه قيل فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا و هم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم فقال «وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ» و قيل إن لا هاهنا توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد لأن ذكر النفي في أول الكلام و آخره أوكد فإن النفي يقتضي أن يكون له صدر الكلام و قد اقتضى القسم أن يكون النفي في الجواب و تسليما مصدر مؤكد و المصادر المؤكدة بمنزلة ذكرك للفعل ثانيا و من حق التوكيد أن يكون محققا لما تذكره في صدر كلامك فإذا قلت ضربت ضربا فمعناه أحدثت ضربا أحقه حقا.

النزول‏

قيل‏

نزلت في الزبير و رجل من الأنصار خاصمه إلى النبي (ص) في شراج من الحرة كانا يسقيان بها النخل كلاهما فقال النبي للزبير اسق‏ثم أرسل إلى جارك فغضب الأنصاري و قال يا رسول الله لئن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله (ص) ثم قال للزبير اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر و استوف حقك ثم أرسل إلى جارك‏

و كان رسول الله (ص) أشار إلى الزبير برأي فيه السعة له و لخصمه فلما أحفظ رسول الله استوعب للزبير حقه في صريح الحكم و يقال إن الرجل كان حاطب بن أبي بلتعة قال الراوي ثم خرجا فمرا على المقداد فقال لمن كان القضاء يا أبا بلتعة قال قضى لابن عمته و لوى شدقه ففطن لذلك يهودي كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يزعمون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم و أيم الله لقد أذنبنا مرة واحدة في حياة موسى فدعانا موسى إلى التوبة فقال اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا فقال ثابت بن قيس بن شماس أما و الله إن الله ليعلم مني الصدق و لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة و ليه شدقه هذه الآية و قال الشعبي نزلت في قصة بشر المنافق و اليهودي اللذين اختصما إلى عمر و قد مضى ذكرهما.

المعنى‏

ثم بين الله إن الإيمان إنما هو بالتزام حكم رسول الله و الرضاء به فقال «فَلاََ» أي ليس كما تزعمون أنهم يؤمنون مع محاكمتهم إلى الطاغوت «وَ رَبِّكَ لاََ

107

(1) - يُؤْمِنُونَ» أقسم الله إن هؤلاء المنافقين لا يكونون مؤمنين‏و لا يدخلون في الإيمان «حَتََّى يُحَكِّمُوكَ» أي حتى يجعلوك حكما أو حاكما «فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ» أي فيما وقع بينهم من الخصومة و التبس عليهم من أحكام الشريعة «ثُمَّ لاََ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» أي في قلوبهم «حَرَجاً» أي شكا في أن ما قتله حق عن مجاهد و قيل إثما أي لا يأثمون بإنكار ذلك عن الضحاك و قيل ضيقا بشك أو إثم عن أبي علي الجبائي و هو الوجه «مِمََّا قَضَيْتَ» أي حكمت «وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» أي ينقادوا لحكمك إذعانا لك و خضوعا لأمرك و

روي عن الصادق (ع) أنه قال لو أن قوما عبدوا الله و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و صاموا شهر رمضان و حجوا البيت ثم قالوا لشي‏ء صنعه رسول الله إلا صنع خلاف ما صنع أو وجدوا من ذلك حرجا في أنفسهم لكانوا مشركين‏

ثم تلا هذه الآية.

ـ

القراءة

قرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر و الكسائي أن اقتلوا بضم النون أو أخرجوا بضم الواو و قرأ عاصم و حمزة بكسرهما و قرأ أبو عمرو بكسر النون و ضم الواو و قرأ ابن عامر وحده إلا قليلا بالنصب و هو كذلك في مصاحف أهل الشام و قرأ الباقون بالرفع.

الحجة

قال أبو علي أما فصل أبي عمرو بين الواو و النون فلأن الضم بالواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير و الجمهور في واو الضمير على الضم نحو لاََ تَنْسَوُا اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ و قال و إنما ضمت النون لأنها مكان الهمزة التي ضمت لضم الحرف الثالث فجعلت بمنزلتها و إن كانت منفصلة و في الواو هذا المعنى و المعنى الذي أشرنا إليه من مشابهته واو الضمير و الضمة في سائر هذه أحسن لأنها في موضع الهمزة قال أبو الحسن و هي لغة حسنة و هي أكثر في الكلام و أقيس و وجه قول من كسر أن هذه الحروف منفصلة من الفعل المضموم الثالث‏

108

(1) - و الهمزة متصلة بها فلم يجروا المنفصل مجرى المتصل قال و الوجه في قوله «إِلاََّ» قليل الرفع على البدل فكأنه قال ما فعله إلا قليل فإن معنى ما أتاني أحد إلا زيد و ما أتاني إلا زيد واحد و من نصبه فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب فإن قولك ما أتاني أحد كلام تام كما أن جاءني القوم كذلك فنصب مع النفي كما نصب مع الإيجاب.

الإعراب‏

لو يمتنع بها الشي‏ء لامتناع غيره تقول لو أتاني زيد لأكرمته فالمعنى إن إكرامي امتنع لامتناع إتيان زيد فحقها أن يليها الفعل فالتقدير هنا لو وقع كتبنا عليهم و يجوز أن يكون أن الشديدة كما نابت عن الاسم و الخبر في قولك حسبت أن زيدا عالم نابت هنا عن الفعل و الاسم فيكون المعنى في قوله «وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ» كالمعنى في لو كتبنا عليهم.

و إذن دخلت هنا لتدل على معنى الجزاء و معنى إذن جواب و جزاء و هي تقع متقدمة و متوسطة و متأخرة و إنما تعمل متقدمة خاصة إلا أن يكون الفعل بعدها للحال نحو إذن أظنك خارجا و اللام في قوله «لَآتَيْنََاهُمْ» و «لَهَدَيْنََاهُمْ» اللام التي تقع في جواب لو كما تقع في جواب القسم في قول امرؤ القيس :

حلفت لها بالله حلفة فاجر # لناموا فما إن من حديث و لا صال‏

و الفرق بين لام الجواب و لام الابتداء إن لام الابتداء لا تدخل إلا على الاسم المبتدأ إلا في باب إن خاصة فإنها تدخل على يفعل لمضارعته الاسم و تقول علمت إن زيدا ليقوم و علمت أن زيدا ليقومن فتكسر إن الأولى لأن علمت صارت متعلقة باللام في ليقوم فإنها لام الابتداء أخرت إلى الخبر لئلا يجتمع حرفان متفقان في المعنى و تفتح أن الثانية لأنها لام الجواب فاعرفه فإنه من دقائق النحو و أسراره صراطا مفعول ثان لهديناهم.

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن سرائر القوم فقال «وَ لَوْ أَنََّا كَتَبْنََا» أي أوجبنا «عَلَيْهِمْ» أي على هؤلاء الذين تقدم ذكرهم «أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيََارِكُمْ» كما أوجبنا على قوم موسى و ألزمناهم ذلك فقتلوا أنفسهم و خرجوا إلى التيه «مََا فَعَلُوهُ» أي ما فعله هؤلاء للمشقة التي لا يتحملها إلا المخلصون «إِلاََّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ» قيل إن القليل الذي استثنى الله هو ثابت بن قيس بن شماس و قيل هو جماعة من أصحاب رسول الله قالوا و الله لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا و منهم عبد الله بن مسعود و عمار بن ياسر

فقال‏

109

(1) - النبي إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي‏

«وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مََا يُوعَظُونَ بِهِ» أي ما يؤمرون به «لَكََانَ» ذلك «خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً» أي بصيرة في أمر الدين كنى عن البصيرة بهذا اللفظ لأن من كان على بصيرة من أمر دينه كان ذلك أدعى له إلى الثبات عليه و كان هو أقوى في اعتقاد الحق و أدوم عليه ممن لم يكن على بصيرة منه و قيل معناه أن قبولهم وعظ الله و وعظ رسوله في أمور الدين و الدنيا أشد تثبيتا لهم على الحق و الصواب و أمنع لهم من الضلال و أبعد من الشبهات كما قال‏ «وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً» و قيل إن معناه و أكثر انتفاعا بالحق لأن الانتفاع بالحق يدوم و لا يبطل لأنه يتصل بثواب الآخرة و الانتفاع بالباطل يبطل و يضمحل و يتصل بعقاب الآخرة قال البلخي معنى الآية لو فرض عليهم القتل أو الخروج من الديار لم يفعلوا فإذا لم يفرض عليهم ذلك فليفعلوا ما أمروا به مما هو أسهل عليهم منه فإن ذلك خير لهم و أشد تثبيتا لهم على الإيمان و في الدعاء

اللهم ثبتنا على دينك‏

و معناه الطف لنا ما نثبت معه عليه‏} «وَ إِذاً لَآتَيْنََاهُمْ» هذا متصل بما قبله أي و لو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم أي لأعطيناهم «مِنْ لَدُنََّا» أي من عندنا «أَجْراً عَظِيماً» لا يبلغ أحد كنهه و لا يعرف منتهاه و لا يدرك قصواه و إنما ذكر من لدنا تأكيدابأنه لا يقدر عليه غيره و ليدل على الاختصاص فإن الأجر يجوز أن يصل إلى المثاب على يد بعض العباد فإذا وصل الثواب إليه بنفسه كان أشرف للعبد و أبلغ في النعمة} «وَ لَهَدَيْنََاهُمْ صِرََاطاً مُسْتَقِيماً» أي و لثبتناهم مع ذلك على الطريق المستقيم و قيل معناه بما نفعله من الألطاف التي يثبتون معها على الطاعة و يلزمون الاستقامة و تقديره و وفقناهم للثبات على الصراط المستقيم و قيل معناه و لهديناهم في الآخرة إلى طريق الجنة عن أبي علي الجبائي قال و لا يجوز أن تكون الهداية هنا الإرشاد إلى الدين لأنه سبحانه وعد بها المؤمن المطيع و لا يكون كذلك إلا و قد اهتدى.

110

(1) -

اللغة

الصديق المداوم على التصديق بما يوجبه الحق و قيل الصديق الذي عادته الصدق و هذا البناء يكون لمن غلب على عادته فعل يقال لملازم السكر سكير و لملازم الشرب شريب و الشهداء جمع شهيد و هو المقتول في سبيل الله و ليست الشهادة في القتل الذي هو معصية لكنها حال المقتول في إخلاص القيام بالحق لله مقرا و داعيا إليه و هي من أسماء المدح و يجوز للمرء أن يتمناها و لا يجوز أن يتمنى قتل الكافر إياه لأنه معصية و قيل الشهادة هي الصبر على ما أمر الله به من قتال عدوه فأما الصبر على الألم بترك الأنين فليس بواجب و ليس الأنين بممنوع عنه بل هو مباح إذا لم يقل ما يكرهه الله تعالى و الصالح من استقامت نفسه بحسن عمله و الرفيق الصاحب و هو مشتق من الرفق في العمل و هو الارتفاق فيه و منه المرافقة و المرفق و المرفق من اليد بكسر الميم لأنه يرتفق به و قوله‏ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً أي رفقا يصلح به أمركم و الفضل في أصل اللغة هو الزيادة على المقدار و قد استعمل في النفع أيضا و أفعال الله تعالى كلها فضل و تفضل و إفضال لأنه لا يقتصر بالعبد على مقدار ما يستحق بمثل عمله فيما بين الناس بل هو يزيد عليه زيادات كثيرة و لا يجري ذلك على طريق المساواة .

ـ

الإعراب‏

رفيقا نصب على التمييز و لذلك لم يجمع فكأنه قال حسن أولئك رفيقا و قيل أنه لم يجمع لأن المعنى حسن كل أحد منهم رفيقا كقوله سبحانه‏ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً* و قال الشاعر:

نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا # بأعين أعداء و هن صديق‏

و قيل أنه نصب على الحال فإنه قد يدخل من في مثله فإذا أسقطت من فالحال هو الاختيار لأنه من الصفات الداخلة في أسماء الأجناس و يكون للتوحيد لما دخله من بمعنى حسن كل واحد منهم مرافقا و نظيره لله دره فارسا أي في حال الفروسية.

النزول‏

قيل‏

نزلت في ثوبان مولى رسول الله ص و كان شديد الحب لرسول الله ص قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم و قد تغير لونه و نحل جسمه فقال ص يا ثوبان ما غير لونك فقال يا رسول الله ما بي من مرض و لا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك حتى ألقاك ثم ذكرت الآخر فأخاف أني لا أراك هناك لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين و إني إن أدخلت الجنة كنت‏

111

(1) - في منزلة أدنى من منزلتك و إن لم أدخل الجنة فذاك حتى لا أراك أبدافنزلت الآية ثم قال ص و الذي نفسي بيده لا يؤمنن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه و أبويه و أهله و ولده و الناس أجمعين‏

و قيل إن أصحاب رسول الله ص قالوا ما ينبغي لنا أن نفارقك فإنا لا نراك إلا في الدنيا و أما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا بفضلك فلا نراك فنزلت الآية عن قتادة و مسروق بن الأجدع .

المعنى‏

ثم بين سبحانه حال المطيعين فقال «وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ» بالانقياد لأمره و نهيه «وَ اَلرَّسُولَ » باتباع شريعته و الرضا بحكمه «فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ» في الجنة ثم بين المنعم عليهم فقال «مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ» يريد أنه يستمتع برؤية النبيين و الصديقين و زيارتهم و الحضور معهم فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم و قيل في معنى الصديق أنه المصدق بكل ما أمر الله به و بأنبيائه لا يدخله في ذلك شك و يؤيده قوله‏ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ «وَ اَلشُّهَدََاءِ» يعني المقتولين في الجهاد و إنما سمي الشهيد شهيدا لقيامه بشهادة الحق على جهة الإخلاص و إقراره به و دعائه إليه حتى قتل و قيل إنما سمي شهيدا لأنه من شهداء الآخرة على الناس و إنما يستشهدهم الله بفضلهم و شرفهم فهم عدول الآخرة عن الجبائي و قال الشيخ أبو جعفر (رض) هذا لا يصح على مذهبه فعنده لا يجوز أن يدخل الجنة إلا من هو عدل و الله سبحانه و تقدس وعد من يطيعه بأنه يحشره مع هؤلاءو ينبغي أن يكون الموعود له غير الموعود بالكون معه إلا فيصير التقدير أنهم مع نفوسهم «وَ اَلصََّالِحِينَ» معناه صلحاء المؤمنين الذين لم تبلغ درجتهم درجة النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالح الفاعل للصلاح الملازم له المتمسك به و يقال هو الذي صلحت حاله و استقامت طريقته و المصلح الفاعل لما فيه إصلاح و لذلك يجوز المصلح في صفات الله تعالى و لا يجوز الصالح و إنما يقال رجل صالح أو مصلح لأنه يصلح نفسه و عمله «وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً» معناه من يكون هؤلاء رفقاء له فأحسن بهم من رفيق أو فما أحسنهم من رفيق و قد مر معناه و إعرابه و

روى أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) أنه قال يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه ثم تلا هذه الآية و قال فالنبي رسول الله ص و نحن الصديقون و الشهداء و أنتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله تعالى‏

«ذََلِكَ» إشارة إلى أن الكون مع النبيين و الصديقين «اَلْفَضْلُ مِنَ اَللََّهِ» تفضل به على من أطاعه «وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ عَلِيماً» بالعصاة و المطيعين و المنافقين و المخلصين و من يصلح لمرافقة

112

(1) - هؤلاء و من لا يصلح لأنه يعلم خائنة الأعين و قيل معناه حسبك به علما بكيفية جزاء المطيعين على حقه و توفير الحظ فيه.

اللغة

الحذر و الحذر لغتان مثل الأذن و الأذن و المثل و المثل و النفر الخروج إلى الغزو و أصله الفزع نفر ينفر نفورا فزع و نفر إليه فزع من أمر إليه و النفر جماعة تفزع إلى مثلها و المنافرة المحاكمة للفزع إليها فيما تختلف فيه و قيل إنما سميت بذلك لأنهم يسألون الحاكم عند التنافر أينا أعز نفرا و الثبات جماعات في تفرقة واحدتها ثبة قال أبو ذؤيب :

فلما اجتلاها بالأيام تحيرت # ثبات عليها ذلها و اكتئابها

و الأيام الدخان يصف العاسل و تدخينه على النحل و قد يجتمع الثبة ثبون و إنما جمع على الواو و إن كان هذا الجمع مختصا بما يعقل للتعويض عن النقص الذي لحقه لأن أصله ثبوه و مثله عضون و سنون و عزون فإن صغرت قلت ثبيات و سنيات لأن النقص قد زال .

الإعراب‏

ثبات منصوبة على الحال من انفروا و ذو الحال الواو و جميعا أيضا منصوب على الحال.

المعنى‏

ثم أمر الله سبحانه المؤمنين بمجاهدة الكافر و التأهب لقتالهم فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ» قيل فيه قولان (أحدهما) أن معناه احذروا عدوكم بأخذ السلاح كما يقال للإنسان خذ حذرك أي احذر (و الثاني)

أن معناه خذوا أسلحتكم سمي الأسلحة حذرالأنها الآلة التي بها يتقى الحذر و هو المروي عن أبي جعفر

و غيره و أقول إن هذا القول أصح لأنه أوفق بمقاييس كلام العرب و يكون من باب حذف المضاف و تقديره خذوا آلات حذركم و أهب حذركم فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه فصار خذوا حذركم «فَانْفِرُوا» إلى قتال عدوكم أي أخرجوا إلى الجهاد «ثُبََاتٍ» أي جماعات في تفرقة و معناه أخرجوا فرقة بعد فرقة فرقة في جهة و فرقة أخرى في جهة أخرى «أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً» أي مجتمعين في جهة واحدة إذا أوجب الرأي ذلك و

روي عن أبي جعفر (ع) أن المراد

113

(1) - بالثبات السرايا و بالجميع العسكر.

ـ

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص و نافع و أبو عمرو و ابن عامر غير هشام كأن لم يكن بالياء و الباقون «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ» بالتاء و روي في الشواذ بالياء عن الحسن ليقولن بضم اللام و روي عن يزيد النحوي و الحسن فأفوز بالرفع.

الحجة

من قرأ بالياء فلأن التأنيث غير حقيقي و حسن التذكير للفصل الواقع بين الفاعل و الفعل و مثل التذكير وَ أَخَذَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ فَمَنْ جََاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ و في موضع آخر قَدْ جََاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فكلا الأمرين قد جاء التنزيل به و من قرأ ليقولن بالضم فإنه أعاد الضمير إلى معنى من مثل قوله‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ فإن قوله «لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ» لا يعني به رجل واحد و إنما معناه أن هناك جماعة هذه صفتهم و أما من قرأ فأفوز فإنه على أن يتمنى الفوز فكأنه قال يا ليتني أفوز و لو جعله جوابا لنصبه أي إن أكن معهم أفز.

اللغة

التبطئة التأخر عن الأمر يقال ما بطأ بك عنا أي ما أخرك عنا و مثله الإبطاء و هو إطالة مدة العمل لقلة الانبعاث و ضده الإسراع و هو قصر مدة العمل للتدبير فيه و يقال بطأ في مشيه يبطأ بطأ إذا ثقل.

الإعراب‏

اللام الأولى التي في قوله «لَمَنْ» لام إن التي هي لام الابتداء بدلالة دخولها على الاسم‏و الثانية التي في «لَيُبَطِّئَنَّ» لام القسم بدلالة دخولها على الفعل مع نون التأكيد و من موصولة بالجالب للقسم و تقديره و إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن و إنما جاز صلة من بالقسم و لم يجز بالأمر و النهي لأن القسم خبر يوضح الموصول كما يوضح الموصوف في قولك مررت برجل لتكرمنه لأنك خصصته بوقوع الإكرام به في المستقبل من كل رجل غيره‏

114

(1) - و ليس كذلك في قولك مررت برجل أضربه لأنه لا يتخصص بالضرب في الأمر كما يتخصص بالخبر"كان"خففت النون لأنك أردت كأنه فحذفت الهاء و صارت"لم"عوضا مما حذفت منه قوله «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ» جملة اعترضت بين المفعول و فعله فإن قوله «يََا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ» في موضع نصب بكونه مفعول يقولن كما أن قوله «قَدْ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً» في موضع نصب بكونه مفعول قال و قوله «فَأَفُوزَ» منصوب على جواب التمني بالفاء و انتصابه بإضمار أن فيكون عطف اسم على اسم و تقديره يا ليتني كان لي حضور معهم ففوز و لو كان العطف على ظاهره لكان يا ليتني معهم ففزت.

النزول‏

قيل أنها نزلت في المؤمنين لأنه خاطبهم بقوله «وَ إِنَّ مِنْكُمْ» و قد فرق بين المؤمنين و المنافقين بقوله‏ مََا هُمْ مِنْكُمْ وَ لاََ مِنْهُمْ و قال أكثر المفسرين نزلت في المنافقين و إنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس و النسب لا من جهة الإيمان و هو اختيار الجبائي .

المعنى‏

لما حث الله على الجهاد بين حال المتخلفين عنه فقال «وَ إِنَّ مِنْكُمْ» خاطب المؤمنين ثم أضاف المنافقين إليهم فقال‏ «لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ» أي هم منكم في الحال الظاهرة أو في حكم الشريعة من حقن الدم و المناكحة و الموارثة و قيل منكم أي من عدادكم و دخلائكم و يبطئ و يبطئ بالتشديد و التخفيف معناهما واحد أي من يتأخر عن الخروج مع النبي ص «فَإِنْ أَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ» فيه من قتل أو هزيمة قال قول الشامت المسرور بتخلفه «قََالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً» أي شاهدا حاضرا في القتال فكان يصيبني ما أصابهم و

قال الصادق لو إن أهل السماء و الأرض قالوا قد أنعم الله علينا إذ لم نكن مع رسول الله لكانوا بذلك مشركين‏

«وَ لَئِنْ أَصََابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اَللََّهِ» أي فتح أو غنيمة «لَيَقُولَنَّ» يتحسر و يقول يََا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ و قوله «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ» اعتراض يتصل بما تقدمه قال و تقديره قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا كأن لم تكن بينكم و بينه مودة أي لا يعاضدكم على قتال عدوكم و لا يراعي الذمام الذي بينكم عن أبي علي الفارسي و قيل أنه اعتراض بين القول و التمني و تقديره ليقولن «يََا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ» من الغنيمة «فَوْزاً عَظِيماً» كأنه ليس بينكم و بينه مودة أي يتمنى الحضور لا لنصرتكم و إنما يتمنى النفع لنفسه‏

115

(1) - و قيل إن الكلام في موضعه من غير تقديم و تأخير و معناه و لئن أصابكم فضل من الله ليقولن هذا المبطئ قول من لا تكون بينه و بين المسلمين مودة أي كأنه لم يعاقدكم على الإيمان و لم يظهر لكم مودة على حال يا ليتني كنت معهم أي يتمنى الغنيمة دون شهود الحرب و ليس هذا من قول المخلصين فقد عدوا التخلف في إحدى الحالتين نقمة من الله و تمنوا الخروج معهم في إحدى الحالتين لأجل الغنيمة و ليس ذلك من أمارات المودة و على هذا فيكون قوله «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ» في موضع النصب على الحال و قال أبو علي الجبائي أنه حكاية عن المنافقين قالوا للذين أقعدوهم عن الجهاد «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ» أي بين محمد مودة فتخرجوا معه لتأخذوا معه من الغنيمة و إنما قالوا ذلك ليبغضوا إليهم رسول الله «يََا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ» و هذا التمني من قول المبطئين القاعدين تمنوا أن يكونوا معهم في تلك الغزوة «فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً» أي أصيب غنيمة عظيمة و آخذ حظا وافرا منها.

اللغة

يقال شريت بمعنى بعت و اشتريت بمعنى ابتعت و يشرون يبيعون و قال يزيد ابن مفرغ :

و شريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامة

و برد اسم غلامه.

الإعراب‏

«فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ» عطف على «يُقََاتِلْ» و جواب الشرط «فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ» .

المعنى‏

لما أخبر الله سبحانه في الآية الأولى إن قوما يتأخرون عن القتال أو يبطؤن المؤمنين عنه حث في هذه الآية على القتال فقال «فَلْيُقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» هذا أمر من الله و ظاهر أمره يقتضي الوجوب أي فليجاهد في سبيل الله أي في طريق دين الله «اَلَّذِينَ يَشْرُونَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا بِالْآخِرَةِ» أي الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية و يجوز يبيعون الحياة

116

(1) - الدنيا بنعيم الآخرة أي يبذلون أنفسهم و أموالهم في سبيل الله بتوطين أنفسهم على الجهاد في طاعة الله و بيعهم إياها بالآخرة هو استبدالهم إياها بالآخرة «وَ مَنْ يُقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» أي يجاهد في طريق دين الله و قيل في طاعة ربه بأن يبذل ماله و نفسه ابتغاء مرضاته‏ «فَيُقْتَلْ» أي يستشهد «أَوْ يَغْلِبْ» أي يظفر بالعدو و فيه حث على الجهاد فكأنه قال هو فائز بإحدى الحسنيين إن غلب أو غلب «فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» أي نعطيه أعلى أثمان العمل و قيل ثوابا دائما لا تنغيص فيه.

ـ

اللغة

الولدان جمع ولد و ولد و ولدان مثل خرب و خربان و برق و برقان و ورل و ورلان و الأغلب على بابه فعال نحو جبال و جمال و قد ذكرنا القرية في سورة البقرة .

الإعراب‏

ما للاستفهام في موضع رفع بالابتداء و لا تقاتلون في موضع نصب على الحال و تقديره أي شي‏ء لكم تاركين للقتال و المستضعفين جر بالعطف على ما عملت فيه (في) أي و في المستضعفين و قال المبرد هو عطف على اسم الله و إنما جاز أن يجري الظالم صفة على القرية و هو في المعنى للأهل لأنها قوية على العمل لقربها من الفعل و تمكنها في الوصفية بأنها تؤنث و تذكر و تثنى و تجمع بخلاف باب أفعل منك فلذلك جاز مررت برجل الظالم أبوه و لم يجز مررت برجل خير منه أبوه بل يقال مررت برجل منه خير منه أبوه لتكون الجملة في موضع الجر.

المعنى‏

ثم حث سبحانه على تخليص المستضعفين فقال «وَ مََا لَكُمْ» أيها المؤمنون «لاََ تُقََاتِلُونَ» أي أي عذر لكم في ترك القتال مع اجتماع الأسباب الموجبة للقتال «فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» أي في طاعة الله و يقال في دين الله و يقال في نصرة دين الله و يقال في إعزاز دين الله و إعلاء كلمته «وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ» أي و في المستضعفين أو في سبيل‏

117

(1) - المستضعفين أي نصرة المستضعفين و قيل في إعزاز المستضعفين و في الذب عن المستضعفين «مِنَ اَلرِّجََالِ وَ اَلنِّسََاءِ وَ اَلْوِلْدََانِ» قيل يريد بذلك قوما من المسلمين بقوا بمكة و لم يستطيعوا الهجرة منهم سلمة بن هشام و الوليد بن الوليد و عياش بن أبي ربيعة و أبو جندل ابن سهيل جماعة كانوا يدعون الله إن يخلصهم من أيدي المشركين و يخرجهم من مكة و هم «اَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنََا أَخْرِجْنََا مِنْ هََذِهِ اَلْقَرْيَةِ اَلظََّالِمِ أَهْلُهََا» أي يقولون في دعائهم ربنا سهل لنا الخروج من هذه القرية يعني مكة عن ابن عباس و الحسن و السدي و غيرهم «اَلظََّالِمِ أَهْلُهََا» أي التي ظلم أهلها بافتتان المؤمنين عن دينهم و منعهم عن الهجرة «وَ اِجْعَلْ لَنََا» بألطافك و تأييدك «مِنْ لَدُنْكَ» أي من عندك «وَلِيًّا» يلي أمرنا بالكفاية حتى ينقذنا من أيدي الظلمة «وَ اِجْعَلْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً» ينصرنا على من ظلمنا فاستجاب الله تعالى دعاءهم فلما فتح رسول الله ص مكة جعل الله نبيه لهم وليا فاستعمل على مكة عتاب بن أسيد فجعله الله لهم نصيرا فكان ينصف الضعيف من الشديد فأغاثهم الله فكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك و في هذه الآية دلالة على عظم موقع الدعاء من الله إبطال قول من يزعم أن العبد لا يستفيد بالدعاء شيئا لأن الله حكى عنهم أنهم دعوا و أجابهم الله و آتاهم سؤلهم و لو لا أنه استجاب دعاءهم لما كان لذكر دعائهم معنى.

اللغة

الطاغوت قد مر ذكره و الكيد السعي في فساد الحال على وجه الاحتيال تقول كاد يكيد كيدا فهو كائد إذا عمل في إيقاع الضرر به على وجه الحيلة فيه.

المعنى‏

ثم شجع المجاهدين و رغبهم في الجهاد بقوله «اَلَّذِينَ آمَنُوا يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» أي في طاعة الله و في نصرة دينه و إعلاء كلمته و ابتغاء مرضاته بلا عجب و لا صلف و لا طمع في غنيمة «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَلطََّاغُوتِ» و طاعته «فَقََاتِلُوا

118

(1) - أَوْلِيََاءَ اَلشَّيْطََانِ» يعني جميع الكفار و هذا يقوي قول من قال إن الطاغوت الشيطان «إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطََانِ كََانَ ضَعِيفاً» دخلت كان هاهنا مؤكدة لتدل على أن الضعف لكيد الشيطان لازم في جميع الأحوال و الأوقات ما مضى منها و ما يستقبل و ليس هو عارضا في حال دون حال و إنما وصف سبحانه كيد الشيطان بالضعف بالإضافة إلى نصرة الله المؤمنين عن الجبائي و قيل لأنه أخبر بأنه سيظهر عليهم المؤمنين عن الحسن و قيل لضعف دواعي أولياء الشيطان إلى القتال إذ لا بصيرة لهم و إنما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة و المؤمنون يقاتلون بما تدعو إليه الحجة.

القراءة

لا يظلمون بالياء مكي كوفي غير عاصم و الباقون بالتاء.

الحجة

من قرأ بالياء فلما تقدم من ذكر الغيبة من قوله «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ» و من قرأ بالتاء فلأنه ضم إليهم في الخطاب المسلمين فغلب الخطاب على الغيبة.

الإعراب‏

«إِذََا فَرِيقٌ مِنْهُمْ» إذا هذه ظرف مكان و هي بمنزلة الفاء في تعليقة الجملة بالشرط و تسمى ظرف المكان كما في قول الشاعر:

و كنت أرى زيدا كما قيل سيدا # إذا إنه عبد القفا و اللهازم‏

فهي في محل النصب بيخشون و الكاف في خشية الله في محل النصب للمصدر و أشد معطوف عليه و خشية منصوب على التمييز و هو مما انتصب بعد تمام الاسم للمصدر و لو لا

119

(1) - معناه التحضيض و لا تدخل إلا على الفعل.

النزول‏

قال الكلبي نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري و المقداد بن الأسود الكندي و قدامة بن مظعون الجمحي و سعد بن أبي وقاص كانوا يلقون من المشركين أذى شديدا و هم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة فيشكون إلى رسول الله ص و يقولون يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء فإنهم قد آذونا فلما أمروا بالقتال و بالمسير إلى بدر شق على بعضهم فنزلت هذه الآية.

المعنى‏

ثم عاد سبحانه إلى ذكر القتال و من كرهه فقال «أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ» و هم بمكة «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» أي أمسكوا عن قتال الكفار فإني لم أومر بقتالهم «وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ فَلَمََّا كُتِبَ» أي فرض «عَلَيْهِمُ اَلْقِتََالُ» و هم بالمدينة «إِذََا فَرِيقٌ مِنْهُمْ» أي جماعة منهم «يَخْشَوْنَ اَلنََّاسَ كَخَشْيَةِ اَللََّهِ» أي يخافون القتل من الناس كما يخافون الموت من الله و قيل يخافون الناس أن يقتلوهم كما يخافون الله أن يتوفاهم و قيل يخافون عقوبة الناس بالقتل كما يخافون عقوبة الله «أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً» قيل إن أو هنا بمعنى الواو أي أشد خشية و قيل إن أو هنا لإيهام الأمر على المخاطب و قد ذكرنا الوجوه في مثل هذا عند ذكر قوله سبحانه‏ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً في سورة البقرة «وَ قََالُوا رَبَّنََا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتََالَ» قال الحسن لم يقولوا ذلك كراهية لأمر الله و لكن لدخول الخوف عليهم بذلك على ما يكون من طبع البشر و يحتمل أن يكونوا قالوا ذلك استفهاما لا إنكارا و قال إنما قالوا ذلك لأنهم ركنوا إلى الدنيا و آثروا نعيمها و على الأقوال كلها فلو لم يقولوا ذلك لكان خيرا لهم «لَوْ لاََ أَخَّرْتَنََا» أي هلا أخرتنا «إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ» و هو إلى أن نموت و على ألا نموت بآجالنا ثم أعلم الله تعالى أن الدنيا بما فيها من وجوه المنافع قليل فقال «قُلْ» يا محمد لهؤلاء «مَتََاعُ اَلدُّنْيََا» أي ما يستمتع به من منافع الدنيا «قَلِيلٌ» لا يبقى «وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى‏ََ وَ لاََ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً» أي و لا تبخسون هذا القدر فكيف ما زاد عليه و الفتيل ما تفتله بيدك من الوسخ ثم تلقيه عن ابن عباس و قيل و ما في شق النواة لأنه كالخيط المفتول.

ـ

120

(1) -

القراءة

روي في الشواذ أن طلحة بن سليمان قرأ يدرككم الموت برفع الكاف.

الحجة

هذه القراءة ضعيفة على أن لها وجها و هو أن يكون على حذف الفاء فكأنه قال فيدرككم الموت و مثله بيت الكتاب:

من يفعل الحسنات الله يشكرها # و الشر بالشر عند الله مثلان‏

أي فالله يشكرها.

اللغة

البروج جمع برج و أصله من الظهور يقال تبرجت المرأة إذا أظهرت محاسنها و البرج اتساع في العين لظهور العين بالاتساع و المشيدة المزينة بالشيد و هو الجص و الشيد رفع البناء يقال شاد بناءه يشيده إذا رفعه و إنما قيل للجص شيد لأنه مما يرتفع به البناء و يجوز أشاد الرجل بناءه إذا رفعه فأما في الذكر فإنه أشاد بذكره لا غير و الفقه الفهم يقال فقه الرجل يفقه فقها و الاسم الفقيه و صار بعرف الاستعمال علما على علم الفقهاء من علوم الدين و فقه الرجل يفقه فقاهة إذا صار فقيها و التفقه تعلم الفقه .

الإعراب‏

أين من الظروف التي يجازى بها بتضمنها معنى إن و لا يلزمه ما تقول أين تكن أكن و أينما تكن أكن و هي تستغرق الأمكنة كما أن متى تستغرق الأزمنة و كتبت أينما هنا موصولة و في قوله‏ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مفصولة لأن ما هاهنا مزيدة و هنالك بمعنى الذي فوصلت هذه كما توصل الحروف و فصلت تيك كما تفصل الأسماءو «فَمََا لِهََؤُلاََءِ» كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة بها و إنهما حرف واحد ففصلوا اللام مما بعده في بعض المواضع و وصلوها في بعضها و لا يجوز الوقف على اللام لأنها اللام الجارة.

المعنى‏

ثم خاطبهم تعالى فقال «أَيْنَمََا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ اَلْمَوْتُ» أينما كنتم من المواضع و الأماكن ينزل بكم الموت و يلحقكم «وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ» قيل يعني بالبروج القصور عن مجاهد و قتادة و ابن جريج و قيل قصور في السماء بأعيانها عن السدي و الربيع و قيل المراد به بروج السماء و قيل البيوت التي فوق الحصون عن الجبائي و قيل الحصون و القلاع عن ابن عباس فهذه خمسة أقوال و المشيدة المجصصة عن عكرمة و قيل المزينة عن‏

121

(1) - أبي عبيدة و قيل المطولة في ارتفاع عن الزجاج و غيره «وَ إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هََذِهِ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ» اختلف في من حكى عنهم هذه المقالة فقيل هم اليهود قالوا ما زلنا نعرف النقص في أثمارنا و مزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل عن الزجاج و الفراء فعلى هذا يكون معناه و إن أصابهم خصب و مطر قالوا هذا من عند الله و إن أصابهم قحط و جدب قالوا هذا من شؤم محمد كما حكى عن قوم موسى وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ََ وَ مَنْ مَعَهُ ذكره البلخي و الجبائي و هو المروي عن الحسن و ابن زيد و قيل هم المنافقون عبد الله بن أبي و أصحابه الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد و قالوا للذين قتلوا في الجهاد لَوْ كََانُوا عِنْدَنََا مََا مََاتُوا وَ مََا قُتِلُوا فعلى هذا يكون معناه إن يصبهم ظفر و غنيمة قالوا هذا من عند الله و إن يصبهم مكروه و هزيمة قالوا هذه من عندك يا محمد بسوء تدبيرك و هو المروي عن ابن عباس و قتادة و قيل هو عام في اليهود و المنافقين و هو الأصح و قيل هو حكاية عمن سبق ذكره قبل الآية و هم الذين يقولون رَبَّنََا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا اَلْقِتََالَ و تقديره و إن تصب هؤلاء حسنة يقولوا هذه من عند الله «وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هََذِهِ مِنْ عِنْدِكَ» قال ابن عباس و قتادة الحسنة و السيئة السراء و الضراء و البؤس و الرخاء و النعم و المصيبة و الخصب و الجدب و قال الحسن و ابن زيد هو القتل و الهزيمة و الظفر و الغنيمة «قُلْ» يا محمد «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ» أي جميع ما مضى ذكره من الموت و الحياة و الخصب و الجدب من عند الله و بقضائه و قدره و لا يقدر أحد على رده و دفعه ابتلى بذلك عباده ليعرضهم لثوابه بالشكر عند العطية و الصبر على البلية «فَمََا لِهََؤُلاََءِ اَلْقَوْمِ» أي ما شأن هؤلاء المنافقين «لاََ يَكََادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» أي لا يقربون فقه معنى الحديث الذي هو القرآن لأنهم يبعدون منه بإعراضهم عنه و كفرهم به و قيل معناه لا يفقهون حديثا أي لا يعلمون حقيقة ما يخبرهم به أنه من عند الله من السراء و الضراء على ما وصفناه.

الإعراب‏

رسولا منصوب بأرسلناك و إنما ذكره تأكيدا لأن أرسلناك دل على أنه رسول و شهيدا نصب على التمييز و معنى من في قوله «مِنْ حَسَنَةٍ» و «مِنْ سَيِّئَةٍ» التبيين و لو قال إن أصابك من حسنة كانت من زائدة لا معنى لها.

ـ

122

(1) -

المعنى‏

«مََا أَصََابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ» قيل هذا خطاب للنبي و المراد به الأمة عن الزجاج و قيل خطاب للإنسان أي ما أصابك أيها الإنسان عن قتادة و الجبائي قال و عنى بقوله «مِنْ حَسَنَةٍ» من نعمة في الدين و الدنيا فإنها من الله «وَ مََا أَصََابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ» أي من المعاصي «فَمِنْ نَفْسِكَ» و قيل عنى بالحسنة ما أصابهم يوم بدر من الغنيمة و بالسيئة ما أصابهم يوم أحد من الهزيمة عن ابن عباس قال أبو مسلم معناه لما جدوا في القتال يوم بدر و أطاعوا الله آتاهم النصر و لما خالفوا يوم أحد خلى بينهم فهزموا و قيل الحسنة الطاعة و السيئة المعصية عن أبي العالية قال أبو القسم و هذا كقوله‏ وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا و قيل الحسنة النعمة و الرخاءو السيئة القحط و المرض و البلاء و المكاره و اللأواء و الشدائد التي تصيبهم في الدنيا بسبب المعاصي التي يفعلونها و ربما يكون لطفا و ربما يكون على سبيل العقوبة و إنما سماها «سَيِّئَةٍ» مجازا لأن الطبع ينفر عنها و إن كانت أفعالا حسنة غير قبيحة فيكون المعنى على هذا ما أصابك من الصحة و السلامة و سعة الرزق و جميع نعم الدين و الدنيا فمن الله و ما أصابك من المحن و الشدائد و الآلام و المصائب فبسبب ما تكسبه من الذنوب كما قال‏ وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ و قوله «فَمِنْ نَفْسِكَ» معناه فبذنبك عن الحسن و جماعة من المفسرين و فسره أبو القسم البلخي فقال ما أصاب المكلف من مصيبة فهي كفارة ذنب صغير أو عقوبة ذنب كبير أو تأديب وقع لأجل تفريط و قد

قال النبي ص ما من خدش بعود و لا اختلاج عرق و لا عثرة قدم إلا بذنب و ما يعفو الله عنه أكثر

و قيل «فَمِنْ نَفْسِكَ» أي من فعلك و قال علي بن عيسى و في الآية دلالة على أن الله لا يفعل الألم إلا على وجه اللطف أو العقاب دون مجرد العوض لأن المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب العبد فهي إما أن تكون عقوبة و إما أن تكون من قبل تأديب للمصلحة و قوله «وَ أَرْسَلْنََاكَ لِلنََّاسِ رَسُولاً» معناه و من الحسنة إرسالك يا محمد و من السيئة خلافك يا محمد «وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً» لك و عليك و قيل في معنى اتصاله بما قبلها أن ما أصابهم فبشؤم ذنوبهم و إنما أنت رسول طاعتك طاعة الله و معصيتك معصية الله لا يطير بك بل الخير كله فيك «وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ شَهِيداً» أي كفى الله و معناه حسبك الله شاهدا لك على رسالتك و قيل معناه كفى بالله شهيدا على عباده بما يعملون من خير و شر فعلى هذا يكون متضمنا للترغيب في الخير و التحذير عن الشر.

123

(1) -

القراءة

قرأ أبو عمرو بإدغام التاء في الطاء من بيت طائفة و به قرأ حمزة و الباقون بالإظهار.

الحجة

إنما حسن إدغام التاء في الطاء للتقارب الذي بينهما بأنهما من حيز واحد و لم يحسن إدغام الطاء في التاء لأن الطاء تزيد على التاء بالإطباق فحسن إدغام الأنقص صوتا من الحروف في الأزيد صوتا بحسب قبح إدغام الأزيد في الأنقص و من بين و لم يدغم فلانفصال الحرفين و اختلاف المخرجين.

اللغة

قال المبرد التبييت كل شي‏ء دبر ليلا قال عبيدة بن هشام :

أتوني فلم أرض ما بيتوا # و كانوا أتوني لأمر نكر

و البيوت الأمر يبيت عليه صاحبه مهتما به و البيات و التبييت أن يأتي العدو ليلا فأصل التبييت إحكام الأمر ليلا و أصل الوكيل القائم بما فوض إليه التدبير .

الإعراب‏

جواب الجزاء في قوله «فَمََا أَرْسَلْنََاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً» تقديره و من تولى فليس عليك بأس لأنك لم ترسل حفيظا عليهم و طاعة مبتدأ أي عندنا طاعة أو خبر مبتدإ محذوف أي أمرنا طاعة و لو نصبت على تطيع طاعة جاز.

المعنى‏

ثم رغب تعالى في طاعة الرسول فقال «مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ» بين أن طاعته طاعة الله و إنما كانت كذلك لأنها و إن كانت طاعة للنبي من حيث وافقت إرادته المستدعية للفعل فإنها طاعة الله أيضا على الحقيقة إذ كانت بأمره و إرادته فأما الأمر الواحد فلا يكون على الحقيقة من أمرين كما أن الفعل الواحد لا يكون من فاعلين «وَ مَنْ تَوَلََّى» أي و من أعرض و لم يطع «فَمََا أَرْسَلْنََاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً» أي حافظا لهم من التولي حتى يسلموا عن ابن زيد قال فكان هذا أول ما بعث كما قال في موضع آخر إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ ثم أمر فيما بعد بالجهاد و قيل معناه ما أرسلناك حافظا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها فتخاف أن لا

124

(1) - تقوم بها لأنا نحن نجازيهم عليها و قيل حافظا لهم من المعاصي حتى لا تقع عن الجبائي و في هذه الآية تسلية للنبي في تولي الناس عنه مع ما فيه من تعظيم شأنه بكون طاعته طاعة الله ثم بين أن المنافقين أظهروا طاعته و أضمروا خلافه بقوله‏} «وَ يَقُولُونَ طََاعَةٌ» يعني به المنافقين عن الحسن و السدي و الضحاك و قيل المراد به المسلمون الذين حكى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية يقولون أمرك طاعة كأنهم قالوا قابلنا أمرك بالطاعة «فَإِذََا بَرَزُوا» أي خرجوا «مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ» أي قدر جماعة منهم ليلا «غَيْرَ اَلَّذِي تَقُولُ» أي غير ما تقولون على جهة التكذيب عن الحسن و قتادة و قيل معناه غيروا بالليل و بدلوا ما قالوه بأن أضمروا الخلاف عليك فيما أمرتهم به و نهيتهم عنه عن ابن عباس و قتادة و السدي و قيل دبروا ليلا غير ما أعطوك نهارا عن أبي عبيدة و القتيبي «وَ اَللََّهُ يَكْتُبُ مََا يُبَيِّتُونَ» في اللوح المحفوظ ليجازيهم به و قيل يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب عن الزجاج «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» أمر الله نبيه بالإعراض عنهم. و أن لا يسميهم بأعيانهم إبقاء عليهم و سترا لأمورهم إلى أن يستقر أمر الإسلام «وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ» أي فوض أمرك إليه وثق به «وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ وَكِيلاً» أي حفيظا لما تفوضه إليه من التدبير.

اللغة

التدبر النظر في عواقب الأمور و التدابر التقاطع لأن كل واحد يولي الآخر دبره بعداوته له و دبر القوم يدبرون دبارا هلكوا لأنهم يذهبون في جهة الإدبار عن الغرض و الفرق بين التدبر و التفكر أن التدبر تصرف القلب بالنظر في العواقب و التفكر تصرف القلب بالنظر في الدلائل و الاختلاف هو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته كالسواد الذي لا يسد مسد البياض و كذلك الذهاب في الجهات المختلفة و أصل الإذاعة

125

(1) - التفريق قال تبع لما ورد المدينة :

و لقد شربت على براجم شربة # كادت بباقية الحياة تذيع‏

أي تفرق و براجم ماء بالمدينة كان يشرب منه فتشبثت بحلقة علقة و ذاع الخبر ذيعا و رجل مذياع لا يستطيع كتمان خبر و أذاع الناس بما في الحوض إذا شربوه و أذاعوا بالمتاع ذهبوا به و الإذاعة و الإشاعة و الإفشاء و الإعلان و الإظهار نظائر و ضده الكتمان و الإسرار و الإخفاء و أصل الاستنباط الاستخراج يقال لكل ما استخرج حتى يقع عليه رؤية العين أو معرفة القلب قد استنبط و النبط الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر و أنبط فلان أي استنبط الماء من طين حر و منه اشتقاق النبط لاستنباطهم العيون .

ـ

المعنى‏

«أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ » أي أ فلا يتفكر اليهود و المنافقون في القرآن إذ ليس فيه خلل و لا تناقض ليعلموا أنه حجة و قيل ليعلموا أنهم لا يقدرون على مثله فيعرفوا أنه ليس بكلام أحد من الخلق و قيل ليعرفوا اتساق معانيه و ائتلاف أحكامه و شهادة بعضه لبعض و حسن عباراته‏و قيل ليعلموا كيف اشتمل على أنواع الحكم من أمر بحسن و نهي عن قبيح و خبر عن مخبر صدق و دعاء إلى مكارم الأخلاق و حث على الخير و الزهد مع فصاحة اللفظ و جودة النظم و صحة المعنى فيعرفوا أنه خلاف كلام البشر و الأولى أن تحمل على الجميع لأن من تدبر فيه علم جميع ذلك «وَ لَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ» أي كلام غير الله أي لو كان من عند النبي أو كان يعلمه بشر كما زعموا «لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً» قيل فيه أقوال (أحدها) أن معناه لوجدوا فيه اختلاف تناقض من جهة حق و باطل عن قتادة و ابن عباس (و الثاني) اختلافا في الإخبار عما يسرون عن الزجاج (و الثالث) من جهة بليغ و مرذول عن أبي علي (و الرابع) تناقضا كثيرا عن ابن عباس و ذلك كلام البشر إذا طال و تضمن من المعاني ما تضمنه القرآن لم يخل من التناقض في المعاني و الاختلاف في اللفظ و كل هذه المعاني منفي عن كلام الله كما قال‏ لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ و هذه الآية تضمنت الدلالة على معان كثيرة منها بطلان التقليد و صحة الاستدلال في أصول الدين‏لأنه دعا إلى التفكر و التدبر و حث على ذلك و منها فساد قول من زعم أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير الرسول من الحشوية و غيرهم‏لأنه حث على تدبره ليعرفوه و يتبينوه و منها أنه لو كان من عند غيره لكان على وزان كلام عباده و لوجدوا الاختلاف فيه‏و منها أن المتناقض من الكلام لا يكون من فعل الله لأنه لو كان من فعله لكان من عنده لا من عند غيره و الاختلاف في الكلام يكون على‏

126

(1) - ثلاثة أضرب اختلاف تناقض و اختلاف تفاوت و اختلاف تلاوة و اختلاف التفاوت يكون في الحسن و القبح و الخطإ و الصواب و نحو ذلك مما تدعو إليه الحكمة و تصرف عنه‏و هذا الجنس من الاختلاف لا يوجد في القرآن البتة كما لا يوجد اختلاف التناقض و أما اختلاف التلاوة فهو ما يتلاوم في الجنس كاختلاف وجوه القرآن و اختلاف مقادير الآيات و السور و اختلاف الأحكام في الناسخ و المنسوخ فذلك موجود في القرآن و كله حق و كله صواب و استدل بعضهم بانتفاء التناقض عن القرآن على أنه من فعل الله بأن قال لو لم يكن ذلك دلالة لما أخبرنا الله به و لو لم يخبر بذلك لكان لقائل أن يقول أنه يمكن أن يتحفظ في الكلام و يهذب تهذيبا لا يوجد لذلك فيه شي‏ء من التناقض و على هذا فلا يمكن أن يجعل انتفاء التناقض جهة إعجاز القرآن إلا بعد معرفة صحة السمع و صدق النبي ثم عاد تعالى إلى ذكر حالتهم فقال‏} «وَ إِذََا جََاءَهُمْ» يعني هؤلاء الذين سبق ذكرهم من المنافقين و قيل هم الذين ذكرهم من ضعفة المسلمين «أَمْرٌ مِنَ اَلْأَمْنِ أَوِ اَلْخَوْفِ» يريد ما كان يرجف به من الأخبار في المدينة أما من قبل عدو يقصدهم و هو الخوف أو من ظهور المؤمنين على عدوهم و هو الأمن «أَذََاعُوا بِهِ» أي تحدثوا به و أفشوه من غير أن يعلموا صحته كره الله ذلك لأن من فعل هذا فلا يخلو كلامه من كذب و لما يدخل على المؤمنين به من الخوف ثم قال «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ » المعنى و لو سكتوا إلى أن يظهره الرسول «وَ إِلى‏ََ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ»

قال أبو جعفر (ع) هم الأئمة المعصومون‏

و قال السدي و ابن زيد و أبو علي و الجبائي هم أمراء السرايا و الولاة و قال الحسن و قتادة و غيرهم أنهم أهل العلم و الفقه الملازمون للنبي لأنهم لو سألوه عن حقيقة ما أرجفوا به لعلموه و اختاره الزجاج و أنكر أبو علي الجبائي هذا الوجه و قال إنما يطلق أولوا الأمر على من له الأمر على الناس «لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ» أي لعلم ذلك الخبر الذين يستخرجونه عن الزجاج و قيل يتحسسونه عن ابن عباس و أبي العالية و قيل يبتغونه و يطلبون علم ذلك عن الضحاك و قيل يسألون عنه عن عكرمة قال استنباطهم سؤالهم الرسول عنه و جميع هذه الأقوال متقاربة المعنى «مِنْهُمْ» قيل إن الضمير في «مِنْهُمْ» يعود إلى «أُولِي اَلْأَمْرِ» و هو الأظهر و قيل يعود إلى الفرقة المذكورة من المنافقين أو الضعفة «وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ» أي لو لا إيصال مواد الألطاف من جهة الله‏و قيل فضل الله الإسلام و رحمته القرآن عن ابن عباس و قيل فضل الله النبي و رحمته القرآن عن الضحاك و السدي و هو اختيار الجبائي و

روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) فضل الله و رحمته النبي و علي

«لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطََانَ إِلاََّ قَلِيلاً» قيل فيه أقوال (أحدها) إن في الكلام تقديما و تأخيرا و الاستثناء من قوله «أَذََاعُوا بِهِ» عن ابن عباس

127

(1) - فيكون معناه أذاعوا به إلا قليلا و هو اختيار المبرد و الكسائي و الفراء و البلخي و الطبري قالوا و هذا أولى لأن الإذاعة أكثر من الاستنباط (و ثانيها) أن الاستثناء من قوله «لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» إلا قليلا و يكون تقديره و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلا عن أكثر أهل اللغة (و ثالثها) أن المراد «وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطََانَ إِلاََّ قَلِيلاً» منكم على الظاهر من غير تقديم و لا تأخير و هذا كما اتبع الشيطان من كان قبل بعثة النبي إلا قليلا منهم لم يتبعوه و اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان بغير رسول و لا كتاب و آمنوا بالله و وحدوه مثل قس بن ساعدة و زيد بن عمرو بن نفيل و ورقة بن نوفل و البراء الشني و أبي ذر الغفاري و طلاب الدين و به قال الأنباري (و رابعها) أن معناه «وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ» بالنصرة و الفتح مرة بعد أخرى «لاَتَّبَعْتُمُ اَلشَّيْطََانَ» فيما يلقي إليكم من الوساوس‏و الخواطر الفاسدة المؤدية إلى الجبن و الفشل الموجبة لضعف النية و البصيرة «إِلاََّ قَلِيلاً» من أفاضل أصحاب رسول الله الذين هم أهل البصائر النافذة و العزائم الثابتة و النيات الخالصة لا ييأسون من رحمة الله و لا يشكون في نصرته و إنجاز وعده و إن أبطأ بعض الإبطاء و الله أعلم.

النظم‏

اختلف في وجه اتصال قوله «أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ » بما قبله فقيل إنه يتصل بقوله وَ يَقُولُونَ طََاعَةٌ الآية فإن الله اطلع على سرائر المنافقين ثم بين هنا أنه من جهة علام الغيوب و لو كان من جهة غيره لكان المخبر بخلاف الخبر و قيل أنه يتصل بقوله‏ وَ أَرْسَلْنََاكَ لما بين إرساله أمر بتدبر معجزة.

ـ

اللغة

نكل به و ندد به و شرد به نظائر و أصله النكول و هو الامتناع للخوف يقال نكل عن اليمين و غيرها و النكال ما يمتنع به من الفساد خوفا من مثله من العذاب و النكل القيد .

128

(1) -

المعنى‏

ثم عاد تعالى إلى الأمر بالقتال فقال «فَقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» قيل في الفاء قولان (أحدهما) أنه جواب لقوله‏ وَ مَنْ يُقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «فَقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» فيكون المعنى إن أردت الأجر العظيم فقاتل في سبيل الله (و الآخر) أن يكون متصلا بقوله‏ وَ مََا لَكُمْ لاََ تُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ «فَقََاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» عن الزجاج و وجهه أنه لا حظ لك في ترك القتال فتتركه و الخطاب للنبي (ص) خاصة أمره الله أن يقاتل في سبيل الله وحده بنفسه و قوله «لاََ تُكَلَّفُ إِلاََّ نَفْسَكَ» معناه لا تكلف إلا فعل نفسك فإنه لا ضرر عليك في فعل غيرك فلا تهتم بتخلف المنافقين عن الجهاد فإن ضرر ذلك عليهم «وَ حَرِّضِ اَلْمُؤْمِنِينَ» على القتال أي حثهم عليه «عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» أي يمنع شدة الكفار قال الحسن عسى من الله واجب و وجه ذلك‏إن إطماع الكريم إنجاز و إنما الإطماع تقوية أحد الأمرين على الآخر دون قيام الدليل على التكافؤ في الجواز و خروج عسى في هذا من معنى الشك كخروجها في قول القائل أطع ربك في كل ما أمرك به و نهاك عنه عسى أن تفلح بطاعتك «وَ اَللََّهُ أَشَدُّ بَأْساً» أي أشد نكاية في الأعداء منكم «وَ أَشَدُّ تَنْكِيلاً» أي عقوبة عن الحسن و قتادة و قيل التنكيل الشهرة بالأمور الفاضحة عن أبي علي الجبائي و قيل هو ما ينالهم على أيدي المسلمين من الإذلال و السبي و القتل و تخريب الديار و قيل هو الانتقام و الإهلاك.

[القصة]

قال الكلبي إن أبا سفيان لما رجع إلى مكة يوم أحد واعد رسول الله موسم بدر الصغرى و هو سوق تقوم في ذي القعدة فلما بلغ النبي الميعاد قال للناس أخرجوا إلى الميعاد فتثاقلوا و كرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم فأنزل الله هذه الآية فحرض النبي المؤمنين فتثاقلوا عنه و لم يخرجوا فخرج رسول الله في سبعين راكبا حتى أتى موسم بدر فكفاهم الله بأس العدو و لم يوافهم أبو سفيان و لم يكن قتال يومئذ و انصرف رسول الله بمن معه سالمين.

اللغة

أصل الشفاعة من الشفع الذي هو ضد الوتر فإن الرجل إذا شفع بصاحبه فقد

129

(1) - شفعه أي صار ثانيه و منه الشفيع في الملك لأنه يضم ملك غيره إلى ملك نفسه و اختلفت الأمة في كيفية شفاعة النبي يوم القيامة فقالت المعتزلة و من تابعهم يشفع لأهل الجنة ليزيد الله درجاتهم و قال غيرهم من فرق الأمة بل يشفع لمذنبي الأمة ممن ارتضى الله دينهم ليسقط عقابهم بشفاعته و الكفل في اللغة النصيب و أخذ من قولهم اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء و ركبت عليه و إنما يقال ذلك لأنه لم يستعمل الظهر كله و إنما استعمل نصيب من الظهر و قال الأزهري الكفل الذي لا يحسن ركوب الفرس و أصله الكفل و هو ردف العجز و منه الكفالة بالنفس و المال و الكفل المثل و المقيت أصله من القوت فإنه يقوته قوتا إذا أعطاه ما يمسك به رمقه و المقيت المقتدر لاقتداره على ذلك و أقات يقيت إقاتة و ينشد للزبير بن عبد المطلب :

و ذي ضغن كففت النفس عنه # و كنت على مساءته مقيتا

فهذه لغة قريش .

المعنى‏

«مَنْ يَشْفَعْ شَفََاعَةً حَسَنَةً» قيل فيه أقوال (أحدها) إن معناه من يصلح بين اثنين «يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهََا» أي يكن له أجر منها «وَ مَنْ يَشْفَعْ شَفََاعَةً سَيِّئَةً» أي يمشي بالنميمة «يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهََا» أي إثم منها عن الكلبي عن ابن عباس (و ثانيها) إن الشفاعة الحسنة و الشفاعة السيئة شفاعة الناس بعضهم لبعض عن مجاهد و الحسن قال ما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة و ما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة قال و من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر و ثواب و إن لم يشفع لأن الله قال «وَ مَنْ يَشْفَعْ» و لم يقل و من يشفع و يؤيد هذا

قوله ( اشفعوا تؤجروا)

و

قوله ( من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في ملكه و من أعان على خصومة بغير علم كان في سخط الله حتى ينزع)

(و ثالثها) إن المراد بالشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمنين و بالشفاعة السيئة الدعاء عليهم عن أبي علي الجبائي قال لأن اليهود كانت تفعل ذلك فتوعدهم الله عليه (و رابعها) ما قاله بعضهم إن المراد بالشفاعة هنا أن يصير الإنسان شفع صاحبه في جهاد عدوه فيحصل له من هذه الشفاعة نصيب في العاجل من الغنيمةو الظفر و في الآجل من الثواب المنتظر و إن صار شفعا له في معصية أو شر حصل له نصيب من المذمة في العاجل و العقوبة في الآجل و الكفل الوزر عن الحسن و قتادة و هو النصيب و الحظ عن السدي و الربيع و جميع أهل اللغة فكأنه النصيب من الشر «وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقِيتاً» قيل في معنى المقيت أقوال (أحدها) أنه المقتدر عن السدي و ابن‏

130

(1) - زيد (و ثانيها) الحفيظ الذي يعطي الشي‏ء قدر الحاجة من الحفظ عن ابن عباس (و ثالثها) الشهيد عن مجاهد (و رابعها) الحسيب عنه أيضا (و خامسها) المجازي عن أبي علي الجبائي أي يجازي على كل شي‏ء من الحسنات و السيئات.

النظم‏

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه سبحانه لما قال «لاََ تُكَلَّفُ إِلاََّ نَفْسَكَ» عقب ذلك بأن لك مع هذا في دعاء المؤمنين إلى الحق ما للإنسان في شفاعة صاحبه لخير يصل إلى المشفوع له لئلا يتوهم أن العبد من أجل أنه لا يؤخذ بعمل غيره لا يتزيد فعله يعمل غيره عن علي بن عيسى و قيل الوجه فيه إن كل من طلب لغيره خيرا فوصل إليه حصل له نصيب منه و أنت قد طلبت لهم الخير حيث دعوتهم إلى الجهاد و حرضتهم عليه قال القاضي هذا أحسن ما قيل فيه.

ـ

اللغة

التحية السلام يقال حيى يحيي تحية إذا سلم قال الشاعر:

إنا محيوك يا سلمى فحيينا # و إن سقيت كرام الناس فأسقينا

و التحية البقاء قال:

من كل ما نال الفتى # قد نلته إلا التحية

يعني الملك و إنما سمي بذلك لأن الملك يحيا بالسلام و الثناء الحسن و الحسيب الحفيظ لكل شي‏ء حتى لا يشذ منه شي‏ء و الحسيب الفعيل من الحساب الذي هو الإحصاء يقال حاسب فلان فلانا على كذا و هو حسيبه إذا كان صاحب حسابه و من قال الحسيب الكافي فهو من قولهم أحسبني فلان الشي‏ء إحسابا إذا كفاني و حسبي كذا أي كفاني و قال الزجاج معنى الحسيب أنه يعطى كل شي‏ء من العلم و الحفظ و الجزاء مقدار ما يحسبه أي يكفيه و منه قوله‏ عَطََاءً حِسََاباً أي كافيا .

المعنى‏

«وَ إِذََا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا» أمر الله المسلمين برد السلام على المسلم بأحسن مما سلم إن كان مؤمنا و إلا فليقل و عليكم و لا يزيد على ذلك فقوله «بِأَحْسَنَ مِنْهََا» للمسلمين خاصة و قوله «أَوْ رُدُّوهََا» لأهل الكتاب عن ابن عباس فإذا

131

(1) - قال المسلم السلام عليكم فقل و عليكم السلام و رحمة الله و إذا قال السلام عليكم و رحمة الله فقل و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته فقد حييته بأحسن منها و هذا منتهى السلام‏و قيل إن قوله «أَوْ رُدُّوهََا» للمسلمين خاصة أيضا عن السدي و عطا و إبراهيم و ابن جريج قالوا إذا سلم عليك المسلم فرد عليه بأحسن مما سلم عليك أو بمثل ما قال و هذا أقوى لما

روي عن النبي (ص) أنه قال إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا و عليكم‏

و

ذكر علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين (ع) أن المراد بالتحية في الآية السلام و غيره من البر

و

ذكر الحسن أن رجلا دخل على النبي (ص) فقال السلام عليك فقال النبي (ص) و عليك السلام و رحمة الله فجاءه آخر فقال السلام عليك و رحمة الله و بركاته فقال النبي (ص) و عليك السلام و رحمة الله و بركاته فقيل يا رسول الله زدت للأول و الثاني في التحية و لم تزد في الثالث فقال إنه لم يبق لي من التحية شيئا فرددت عليه مثله‏

و

روى الواحدي بإسناده عن أبي أمامة عن مالك بن التيهان قال قال رسول الله (ص) من قال السلام عليكم كتب له عشر حسنات و من قال السلام عليكم و رحمة الله كتب له عشرون حسنة و من قال السلام عليكم و رحمة الله و بركاته كتب له ثلاثون حسنة

«إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَسِيباً» أي حفيظا عن مجاهد و قيل كافيا و قيل مجازيا عن ابن عباس و في هذه الآية دلالة على وجوب رد السلام لأن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب و قال الحسن و جماعة من المفسرين إن السلام تطوع و الرد فرض ثم الرد ربما كان من فروض الكفاية و قد يتعين بأن يخصه بالسلام و لا أحد عنده‏فيتعين عليه الرد.

النظم‏

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها إن المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب فلما أمر سبحانه بقتال المشركين عقبه بأن قال من مال إلى السلم و أعطى ذاك من نفسه و حيى المؤمنين بتحية فاقبلوا منه.

الإعراب‏

اللام في «لَيَجْمَعَنَّكُمْ» لام القسم و حديثا نصب على التمييز كما تقل من‏

132

(1) - أحسن من زيد فهما فهو استفهام في اللفظ و تقرير في المعنى.

المعنى‏

«اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ» قد مر تفسيره «لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ» أي ليبعثنكم من بعد مماتكم و يحشرنكم جميعا إلى موقف الحساب الذي يقضى فيه بين أهل الطاعة و المعصية و قال الزجاج معناه ليجمعنكم في الموت و في قبوركم «لاََ رَيْبَ فِيهِ» أي لا شك في هذا القول و إنما سمي يوم القيامة لأن الناس يقومون فيه من قبورهم و في التنزيل يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ «وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللََّهِ حَدِيثاً» أي موعدا لا خلف لوعده و قيل معناه لا أحد أصدق من الله في الخبر الذي يخبر به.

النظم‏

لما أمر تعالى و نهى فيما قبل بين بعده أنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه أي فاعملوا على حسب ما أوجبه عليكم فإنه يجازيكم به ثم بين وقت الجزاء و قيل إنما اتصل بقوله «حَسِيباً» أي إنما الحسيب هو الله.

اللغة

الإركاس الرد و منه قول أمية بن أبي الصلت :

فاركسوا في حميم النار إنهم # كانوا عصاة و قالوا الإفك و الزورا

قال الفراء يقال أركسهم و ركسهم و قد ذكر أن عبد الله و أبي بن كعب قرءا ركسهم بغير ألف.

الإعراب‏

فئتين نصب على الحال كما تقول ما لك قائما و العامل في الحال معنى الفعل الذي في الظرف أعني قوله لك.

النزول‏

اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فيه فقيل‏

نزلت في قوم قدموا المدينة من مكة فأظهروا للمسلمين الإسلام ثم رجعوا إلى مكة لأنهم استوخموا المدينة فأظهروا الشرك ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة فأراد المسلمون أن يغزوهم فاختلفوا فقال بعضهم لا نفعل فإنهم مؤمنون و قال آخرون أنهم مشركون فأنزل الله فيهم الآية عن مجاهد و الحسن و هو

133

(1) - المروي عن أبي جعفر (ع)

و قيل نزلت في الذين تخلفوا عن أحد و قالوا لَوْ نَعْلَمُ قِتََالاً لاَتَّبَعْنََاكُمْ الآية فاختلف أصحاب رسول الله فقال فريق منهم نقتلهم و قال آخرون لا نقتلهم فنزلت الآية عن زيد بن ثابت .

المعنى‏

ثم عاد الكلام إلى ذكر المنافقين فقال تعالى «فَمََا لَكُمْ» أيها المؤمنين صرتم «فِي» أمر هؤلاء «اَلْمُنََافِقِينَ فِئَتَيْنِ» أي فرقتين مختلفتين فمنكم من يكفرهم و منكم من لا يكفرهم «وَ اَللََّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمََا كَسَبُوا» أي ردهم إلى حكم الكفار بما أظهروا من الكفر عن ابن عباس و قيل معناه أهلكهم بكفرهم عن قتادة و قيل خذلهم فأقاموا على كفرهم و ترددوا فيه فأخبر عن خذلانه إياهم بأنه أركسهم عن أبي مسلم «أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا» أي تحكموا بهداية «مَنْ أَضَلَّ اَللََّهُ» أي حكم الله بضلاله و سماه ضالا و قيل معنى أضله الله خذله و لم يوفقه كما وفق المؤمنين لأنهم لما عصوا و خالفوا استحقوا هذا الخذلان عقوبة لهم على معصيتهم أي أ تريدون الدفاع عن قتالهم مع أن الله حكم بضلالهم و خذلهم و وكلهم إلى أنفسهم و قال أبو علي الجبائي معناه أ تريدون أن تهدوا إلي طريق الجنة من أضله تعالى عن طريق الجنة و الثواب و طعن على القول الأول بأنه لو أراد التسمية و الحكم لقال من ضلل الله و هذا لا يصح لأن العرب تقول أكفرته و كفرته قال الكميت :

و طائفة قد أكفروني بحبكم # و طائفة قالوا مسي‏ء و مذنب‏

و أيضا فإنه تعالى إنما وصف المؤمنين بهدايتهم بأن سماهم مهتدين لأنهم كانوا يقولون أنهم مؤمنون فقال تعالى (لا تختلفوا فيهم و قولوا بأجمعكم أنهم منافقون) «وَ مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً» معناه و من نسبه الله إلى الضلالة فلن ينفعه أن يحكم غيره بهدايته كما يقال من جرحه الحاكم فلا ينفعه تعديل غيره و قيل معناه من يجعله الله في حكمه ضالا فلن تجد له في ضلالته حجة عن جعفر بن حرث قال و يدل على أنهم هم الذين اكتسبوا ما صاروا إليه من الكفر دون أن يكون الله تعالى اضطرهم إليه قوله على أثر ذلك‏} «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمََا كَفَرُوا» فأضاف الكفر إليهم.

134

(1) -

المعنى‏

ثم بين تعالى أحوال هؤلاء المنافقين فقال «وَدُّوا» أي ود هؤلاء المنافقون الذين اختلفتم في أمرهم يعني تمنوا «لَوْ تَكْفُرُونَ» أنتم بالله و رسوله «كَمََا كَفَرُوا» هم «فَتَكُونُونَ سَوََاءً» أي فتستوون أنتم و هم و تكونون مثلهم كفارا ثم نهى تعالى المؤمنين أن يوادوهم فقال «فَلاََ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيََاءَ» أي فلا تستنصروهم و لا تستنصحوهم و لا تستعينوا بهم في الأمور «حَتََّى يُهََاجِرُوا» أي حتى يخرجوا من دار الشرك و يفارقوا أهلها المشركين بالله «فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» أي في ابتغاء دينه و هو سبيله فيصيروا عند ذلك مثلكم، لهم ما لكم و عليهم ما عليكم و هذا قول ابن عباس و إنما سمي الدين سبيلا و طريقا لأن من يسلكه أداه إلى النعمة و ساقه إلى الجنة «فَإِنْ تَوَلَّوْا» أي أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله عن ابن عباس «فَخُذُوهُمْ» أيها المؤمنون «وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» أي أين أصبتموهم من أرض الله من الحل و الحرم «وَ لاََ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا» أي خليلا «وَ لاََ نَصِيراً» أي ناصرا ينصركم على أعدائكم.

اللغة

الحصر الضيق و كل من ضاقت نفسه عن شي‏ء من فعل أو كلام يقال قد حصر و منه الحصر في القراءة و الحصر اعتقال البطن و الاعتزال أن ينتحي الرجل عن الشي‏ء يقال اعتزلت البيت و تعزلته قال الأحوص :

يا بيت عاتكة الذي أ تعزل # حذر العدى و به الفؤاد موكل‏

135

(1) - و سميت المعتزلة معتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن البصري بعد أن كانوا من أهله و ذلك أن واصل بن عطاء لما أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين و تابعه عمرو بن عبيد على التدين به و وافقهم جماعة على هذا المذهب فآل الأمر بهم إلى الاعتزال للحسن البصري و أصحابه فسماهم الناس معتزلة و جرى عليهم ذلك الاسم .

الإعراب‏

«حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» في موضع نصب على الحال و قد مضمرة معه لأن الفعل الماضي لا يكون حالا حتى يكون معه قد إما مضمرة أو مظهرة فإن قد تقرب الماضي من الحال فتقديره جاءوكم قد حصرت صدورهم كما قالوا جاء فلان ذهب عقله أي قد ذهب عقله و يجوز أن يكون «حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» منصوب الموضع بأنه صفة لموصوف هو حال على تقدير جاءوكم قوم حصرت صدورهم فحذف الموصوف المنصوب على الحال و أقيم صفته مقامه و إنما جاز أن يكون هذا حالا لأنه بمنزلة قولك أو جاءوكم موصوفين بحصر الصدور أو معروفين بذلك.

ـ

المعنى‏

لما أمر تعالى المؤمنين بقتال الذين لا يهاجرون عن بلاد الشرك و إن لم يوالوهم‏استثنى من جملتهم فقال «إِلاَّ اَلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى‏ََ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثََاقٌ» معناه إلا من وصل من هؤلاء إلى قوم بينكم و بينهم موادعة و عهد فدخلوا فيهم بالحلف أو الجوار فحكمهم حكم أولئك في حقن دمائهم و اختلف في هؤلاء فالمروي‏

عن أبي جعفر (ع) أنه قال المراد بقوله تعالى «قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثََاقٌ» هو هلال بن عويمر السلمي واثق عن قومه رسول الله فقال في موادعته على أن لا تحيف يا محمد من أتانا و لا نحيف من أتاك‏

فنهى الله أن يتعرض لأحد عهد إليهم و به قال السدي و ابن زيد و قيل هم بنو مدلج و كان سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي جاء إلى النبي بعد أحد فقال أنشدك الله و النعمة و أخذ منه ميثاقا أن لا يغزو قومه فإن أسلم قريش أسلموا لأنهم كانوا في عقد قريش فحكم الله فيهم ما حكم في قريش ففيهم نزل هذا ذكره عمر بن شيبة ثم استثنى لهم حالة أخرى فقال «أَوْ جََاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» أي ضاقت قلوبهم من «أَنْ يُقََاتِلُوكُمْ أَوْ يُقََاتِلُوا قَوْمَهُمْ» يعني من قتالكم و قتال قومهم فلا عليكم و لا عليهم و

إنما عنى به أشجع فإنهم قدموا المدينة في سبعمائة يقودهم مسعود بن دخبلة فأخرج إليهم النبي أحمال التمر ضيافة و قال‏نعم الشي‏ء الهدية أمام الحاجة و قال لهم ما جاء بكم قالوا لقرب دارنا منك و كرهنا حربك و حرب قومنا يعنون بني مضمرة الذين بينهم و بينهم عهد لقلتنا فيهم فجئنا لنوادعك فقبل النبي ذلك منهم و وادعهم فرجعوا إلى بلادهم ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره

فأمر الله تعالى المسلمين أن لا

136

(1) - يتعرضوا لهؤلاء «وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ» بتقوية قلوبهم فيجترءون على قتالكم و قيل هذا إخبار عما في المقدور و ليس فيه أنه يفعل ذلك بأن يأمرهم به أو يأذن لهم فيه و معناه أنه يقدر على ذلك لو شاء لكنه لا يشاء ذلك بل يلقي في قلوبهم الرعب حتى يفزعوا أو يطلبوا الموادعة و يدخل بعضهم في حلف من بينكم و بينهم ميثاق «فَلَقََاتَلُوكُمْ» أي لو فعل ذلك لقاتلوكم «فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ» يعني هؤلاء الذين أمر بالكف عن قتالهم بدخولهم في عهدكم أو بمصيرهم إليكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم «فَلَمْ يُقََاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ» يعني صالحوكم و استسلموا لكم كما يقول القائل ألقيت إليك قيادي و ألقيت إليك زمامي إذا استسلم له و انقاد لأمره و السلم الصلح «فَمََا جَعَلَ اَللََّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً» يعني إذا سالموكم فلا سبيل لكم إلى نفوسهم و أموالهم قال الحسن و عكرمة نسخت هذه الآية و التي بعدها و الآيتان في سورة الممتحنة لاََ يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ إلى قوله «اَلظََّالِمُونَ» الآيات الأربع بقوله‏ «فَإِذَا اِنْسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» الآية.

النزول‏

اختلف في من عني بهذه الآية فقيل نزلت في أناس كانوا يأتون النبي فيسلمون رئاء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا قومهم و يأمنوا نبي الله فأبى الله ذلك عليهم عن ابن عباس و مجاهد و قيل نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان ينقل الحديث بين النبي و بين المشركين عن السدي و قيل نزلت في أسد و غطفان عن مقاتل و

قيل نزلت في عيينة بن حصين الفزاري و ذلك أنه أجدبت بلادهم فجاء إلى رسول الله و وادعه على أن يقيم ببطن نخل و لا

137

(1) - يتعرض له و كان منافقا ملعونا و هو الذي سماه رسول الله الأحمق المطاع في قومه و هو المروي عن الصادق .

المعنى‏

ثم بين تعالى طائفة أخرى منهم فقال «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ» يعني قوما آخرين غير الذين وصفتهم قبل «يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ» فيظهرون الإسلام «وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ» فيظهرون لهم الموافقة في دينهم «كُلَّمََا رُدُّوا إِلَى اَلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهََا» المراد بالفتنة هنا الشرك أي كلما دعوا إلى الكفر أجابوا و رجعوا إليه و الفتنة في اللغة الاختبار و الإركاس الرد قال الزجاج أركسوا فيها انتكسوا في عقدهم فالمعنى كلما ردوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر رجعوا إليه «فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ» أيها المؤمنون أي فإن لم يعتزل قتالكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم و يأمنوا قومهم «وَ يُلْقُوا إِلَيْكُمُ اَلسَّلَمَ» يعني و لم يستسلموا لكم فيعطوكم المقادة و يصالحوكم «وَ» لم «يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ» عن قتالكم «فَخُذُوهُمْ» أي فأسروهم «وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» أي وجدتموهم و أصبتموهم «وَ أُولََئِكُمْ جَعَلْنََا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطََاناً مُبِيناً» أي حجة ظاهرة و قيل عذرا بينا في القتال و سميت الحجة سلطانا لأنه يتسلط بها على الخصم كما يتسلط بالسلطان.

اللغة

الخطأ خلاف الصواب و الفعل منه خطأ و أخطأ في الأمر أي لم يصب الصواب و الخطأ و الخطاء بالفتح فيهما و الخطا و الخطاة بالتسكين فيهما و الخاطئة الذنب‏

138

(1) - و الفعل منه خطأ يخطأ إذا أذنب و التحرير تفعيل من الحرية و هو إخراج العبد من الرق إلى الحرية.

الإعراب‏

أجمع المحققون من النحويين على أن قوله «إِلاََّ خَطَأً» استثناء منقطع من الأول على معنى ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا البتة إلا أن يخطأ المؤمن و مثله قول الشاعر:

من البيض لم تظعن بعيدا و لم تطأ # على الأرض إلا ريط برد مرجل‏

و المعنى و لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ريط البرد إذ ليس ريط البرد من الأرض و قد مر ذكر ما قيل في مثله في سورة البقرة عند قوله‏ «إِلاَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» و قال بعضهم إن الاستثناء متصل و المعنى لم يكن لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمدا و متى قتله متعمدا لم يكن مؤمنا فإن ذلك يخرجه من الإيمان ثم قال «إِلاََّ خَطَأً» أي فإن قتله له خطأ لا يخرجه من الإيمان «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» مبتدأ محذوف الخبر لدلالة الكلام عليه و موضع أن في قوله «إِلاََّ أَنْ يَصَّدَّقُوا» نصب لأن المعنى فعليه ذلك إلا أن يصدقوا أي إلا على أن يصدقوا ثم تسقط على و يعمل فيه ما قبله على معنى الحال فهو مصدر وقع موقع الحال و أصل يصدقوا يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد لقرب مخرجهماو قيل إن في قراءة أبي إلا أن يتصدقوا توبة من الله كقولهم فعلت ذلك حذر الشر عن الزجاج فيكون مفعولا له و قيل أنه بمعنى تاب الله بذلك عليكم توبة فيكون مصدرا مثل كتاب الله عليكم و قد مر ذكره.

النزول‏

نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي أخي أبي جهل لأمه لأنه كان أسلم و قتل بعد إسلامه رجلا مسلما و هو لا يعلم إسلامه و المقتول الحارث بن يزيد بن أنسة العامري عن مجاهد و عكرمة و السدي قال‏

قتله بالحرة بعد الهجرة و كان من أحد من رده عن الهجرة و كان يعذب عياشا مع أبي جهل و هو المروي عن أبي جعفر

و

قيل نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه بالسيف فقال لا إله إلا الله فبدر فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم ثم وجد في نفسه شيئا فأتى رسول الله فذكر ذلك له فقال رسول الله أ لا شققت عن قلبه و قد أخبرك بلسانه فلم تصدقه قال كيف بي يا رسول الله فقال فكيف بلا إله إلا الله قال أبو الدرداء فتمنيت‏

139

(1) - إن ذلك اليوم مبتدأ إيماني فنزلت الآية عن ابن زيد .

ـ

المعنى‏

«وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاََّ خَطَأً» معناه ما أذن الله و لا أباح لمؤمن فيما عهد إليه أن يقتل مؤمنا إلا أن يقتله خطأ عن قتادة و غيره و قيل معناه ما كان له كما ليس له الآن قتل مؤمن إلا أن يقع القتل خطأو قيل تقديره و ما كان مؤمن ليقتل مؤمنا إلا خطأ كقوله‏ «مََا كََانَ لِلََّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ» معناه ما كان الله ليتخذ ولدا و قوله‏ «مََا كََانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهََا» أي ما كنتم لتنبتوا شجرها و إنما قلنا إن معناه ما ذكرنا لأن الله لا يلحقه الأمر و النهي و إنبات الشجر لا يدخل تحت قدرة العبد فلا يصح النهي عنه فمعنى الآية على ما وصفناه ليس من صفة المؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ و على هذا يكون الاستثناء متصلا و من قال إن الاستثناء منقطع قال قد تم الكلام عند قوله «أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً» ثم قال فإن كان القتل خطأ فحكمه كذا و إنما لم يحمل قوله «إِلاََّ خَطَأً» على حقيقة الاستثناء لأن ذلك يؤدي إلى الأمر بقتل الخطإ أو إباحته و لا يجوز واحد منهما و الخطأ هو أن يريد شيئا فيصيب غيره مثل أن يرمي إلى غرض أو إلى صيد فيصيب إنسانا فيقتله و كذلك لو قتل رجلا ظنه كافرا كما ظن عياش بن أبي ربيعة و أبو الدرداء على ما قلناه قبل «وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» أي فعليه إعتاق رقبة مؤمنة في ماله خاصة على وجه الكفارة حقا لله و الرقبة المؤمنة هي البالغة التي آمنت و صلت و صامت فلا يجزي في كفارة القتل الطفل و لا الكافر عن ابن عباس و الشعبي و إبراهيم و الحسن و قتادة و قيل تجزي كل رقبة ولدت على الإسلام عن عطا و الأول أقوى لأن لفظ المؤمن لا يطلق إلا على البالغ الملتزم للفرائض إلا أن من ولد بين مؤمنين فلا خلاف أنه يحكم له بالإيمان «وَ دِيَةٌ» أي و عليه و على عاقلته دية «مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ََ أَهْلِهِ» أي إلى أهل القتيل و المسلمة هي المدفوعة إليهم موفرة غير منقصة حقوق أهلها منها تدفع إلى أهل القتيل و المسلمة هي المدفوعة إليهم فتقسم بينهم على حسب حساب الميراث «إِلاََّ أَنْ يَصَّدَّقُوا» يعني إلا أن يتصدق أولياء القتيل بالدية على عاقلة القاتل و يتركوها عليهم «فَإِنْ كََانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ» معناه فإن كان القتيل من جملة قوم هم أعداء لكم يناصبونكم الحرب و هو في نفسه مؤمن و لم يعلم قاتله أنه مؤمن فقتله و هو يظنه مشركا «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» أي فعلى قاتله تحرير رقبة «مُؤْمِنَةٍ» كفارة و ليس فيه دية عن ابن عباس و قيل إن معناه إذا كان القتيل في عداد قوم أعداء و هو مؤمن بين أظهرهم و لم يهاجر فمن قتله فلا دية له و عليه تحرير رقبة مؤمنة فقط لأن الدية ميراث و أهله كفار لا يرثونه عن ابن‏

140

(1) - عباس في رواية أخرى و إبراهيم و السدي و قتادة و ابن زيد «وَ إِنْ كََانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثََاقٌ» أي عهد و ذمة و ليسوا أهل حرب لكم «فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ََ أَهْلِهِ» تلزم عاقلة قاتله «وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» أي‏

يلزم قاتله كفارة لقتله و هو المروي عن الصادق (ع)

و اختلف في صفة هذا القتيل أ هو مؤمن أم كافر فقيل إنه كافر إلا أنه يلزم قاتله ديته بسبب العهد عن ابن عباس و الزهري و الشعبي و إبراهيم النخعي و قتادة و ابن زيد و

قيل بل هو مؤمن يلزم قاتله الدية يؤديها إلى قومه المشركين‏لأنهم أهل ذمة عن الحسن و إبراهيم و رواه أصحابنا أيضا إلا أنهم قالوا تعطى ديته ورثته المسلمين دون الكفار

و لفظ الميثاق يقع على الذمة و العهد جميعا «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» أي لم يقدر على عتق الرقبة بأن لا يجد العبد و لا ثمنه «فَصِيََامُ شَهْرَيْنِ» أي فعليه صيام شهرين «مُتَتََابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اَللََّهِ» أي ليتوب الله به عليكم فتكون التوبة من فعل الله و قيل إن المراد بالتوبة هنا التخفيف من الله لأن الله إنما جوز للقاتل العدول إلى الصيام تخفيفا عليه و يكون كقوله تعالى‏ «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتََابَ عَلَيْكُمْ» «وَ كََانَ اَللََّهُ عَلِيماً» أي لم يزل عليما بكل شي‏ء «حَكِيماً» فيما يأمر به و ينهى عنه و أما الدية الواجبة في قتل الخطإ فمائة من الإبل إن كانت العاقلة من أهل الإبل بلا خلاف و إن اختلفوا في أسنانها

فقيل هي أرباع عشرون بنت مخاض و عشرون ابن لبون ذكر و ثلاثون بنت لبون و ثلاثون حقة و روي ذلك عن عثمان و زيد بن ثابت و رواه أصحابنا أيضا

و

قد روي أيضا في أخبارنا خمس و عشرون بنت مخاض و خمس و عشرون بنت لبون و خمس و عشرون حقة و خمس و عشرون جذعة

و به قال الحسن و الشعبي و قيل إنها إخماس عشرون حقة و عشرون جذعة و عشرون بنت لبون و عشرون ابن لبون و عشرون بنت مخاض و هذا قول ابن مسعود و ابن عباس و الزهري و الثوري و إليه ذهب الشافعي و قال أبو حنيفة هي إخماس أيضا إلا أنه جعل مكان ابن لبون ابن مخاض و به قال النخعي و رووه أيضا عن ابن مسعود قال الطبري هذه الروايات متكافئة و الأولى التخيير فأما الدية من الذهب فألف دينار و من الورق عشرة آلاف درهم و هو الأصح و قيل اثنا عشر ألفا و دية الخطإ تتأدى في ثلاث سنين و لو خلينا و ظاهر الآية لقلنا أن دية الخطإ على القاتل لكن علمنا بسنة الرسول و الإجماع أن الدية في الخطإ على العاقلة و هم الأخوة و بنو الأخوة و الأعمام و بنو الأعمام و أعمام الأب و أبناؤهم و الموالي و به قال الشافعي و قال أبو حنيفة يدخل الوالد و الولد فيها و يعقل القاتل و قد

روى ابن مسعود عن النبي أنه قال لا يؤخذ الرجل بجريرة ابنه و لا الابن بجريرة أبيه‏

و ليس إلزام الدية للعاقلة على سبيل مؤاخذة البري‏ء بالسقيم لأن ذلك ليس بعقوبة بل هو حكم شرعي تابع‏

141

(1) - للمصلحة و قد قيل إن ذلك على سبيل المؤاساة و المعاونة.

النظم‏

أنه تعالى ذكر الكفار و أمر بقتلهم ثم ذكر من كان بينهم و بين المسلمين عهد و منع من قتلهم ثم ذكر من نافق و حكم قتلهم ثم ذكر قتل المؤمن و وصل به ذكر أحكامه من دية و غيرها.

النزول‏

نزلت في مقيس بن صبابة الكناني وجد أخاها هشاما قتيلا في بني النجار فذكر ذلك لرسول الله (ص) فأرسل معه قيس بن هلال الفهري و قال له قل لبني النجار إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتص منه و إن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته فبلغ الفهري الرسالة فأعطوه الدية فلما انصرف و معه الفهري وسوس إليه الشيطان فقال ما صنعت شيئا أخذت دية أخيك فيكون سبة عليك اقتل الذي معك لتكون نفس بنفس و الدية فضل فرماه بصخرة فقتله و ركب بعيرا و رجع إلى مكة كافرا و أنشد يقول:

قتلت به فهرا و حملت عقله # سراة بني النجار أرباب فارع

فأدركت ثاري و اضطجعت موسدا # و كنت إلى الأوثان أول راجع‏

فقال النبي لا أؤمنه في حل و لا حرم فقتل يوم الفتح رواه الضحاك و جماعة من المفسرين .

ـ

المعنى‏

لما بين تعالى قتل الخطإ و حكمه عقبه ببيان قتل العمد و حكمه فقال «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً» أي قاصدا إلى قتله عالما بإيمانه و حرمة قتله و عصمة دمه و قيل معناه مستحلا لقتله عن عكرمة و ابن جريج و جماعة و قيل‏

معنى التعمد أن يقتله على دينه رواه العياشي بإسناده عن الصادق (ع)

«فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً» مقيما «فِيهََا وَ غَضِبَ اَللََّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ» أبعده من الخير و طرده عنه على وجه العقوبة «وَ أَعَدَّ لَهُ عَذََاباً عَظِيماً» ظاهر

142

(1) - المعنى و صفة قتل العمد أن يقصد قتل غيره بما جرت العادة بأن يقتل مثله سواء كان بحديدة حادة كالسلاح أو بخنق أو سم أو إحراق أو تغريق أو موالاة ضرب بالعصا أو بالحجارة حتى يموت فإن جميع ذلك عمد يوجب القود و به قال إبراهيم و الشافعي و أصحابه و قال قوم لا يكون قتل العمد إلا بالحديد و به قال سعيد بن المسيب و طاووس و أبو حنيفة و أصحابه و أما القتل شبيه العمد فهو أن يضرب بعصا أو غيرها مما لم تجر العادة بحصول الموت عنده فيموت ففيه الدية مغلظة تلزم القاتل خاصة في ماله دون العاقلة و في هذه الآية وعيد شديد لمن قتل مؤمنا متعمدا حرم الله به قتل المؤمن و غلظ فيه و قال جماعة من التابعين الآية اللينة و هي‏ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* نزلت بعد الشديدةو هي «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً» و قال أبو مجلز في قوله «فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ خََالِداً فِيهََا»

فهي جزاؤه إن جازاه و يروى هذا أيضا عن أبي صالح و رواه أيضا العياشي بإسناده عن أبي عبد الله (ع)

و

قد روي أيضا مرفوعا إلى النبي (ص) أنه قال هو جزاؤه إن جازاه‏

و روى عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس في قوله «فَجَزََاؤُهُ جَهَنَّمُ» قال هي جزاؤه فإن شاء عذبه و إن شاء غفر له و روي عن أبي صالح و بكر بن عبد الله و غيره أنه كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمره إن فعلته فجزاؤك القتل و الضرب ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا و اعترض على هذا أبو علي الجبائي فقال ما لا يفعل لا يسمى جزاء أ لا ترى أن الأجير إذا استحق الأجرة فالدراهم التي مع مستأجرة لا تسمى بأنها جزاء عمله و هذا لا يصح لأن الجزاء عبارة عن المستحق سواء فعل ذلك أو لم يفعل و لهذا يقال جزاء المحسن الإحسان و جزاء المسي‏ء الإساءة و إن لم يتعين المحسن و المسي‏ء حتى يقال أنه فعل ذلك به أو لم يفعل و يقال لمن قتل غيره جزاء هذا أن يقتل و إنما لا يقال للدراهم أنها جزاء الأجير لأن الأجير إنما يستحق الأجرة في الذمة لا في دراهم معينة فللمستأجر أن يعطيه منها و من غيرهاو من تعلق بهذه الآية من أهل الوعيد في أن مرتكب الكبيرة لا بد أن يخلد في النار فإنا نقول له ما أنكرت أن يكون المراد به من لا ثواب له أصلا بأن يكون كافرا أو يكون قتله مستحلا لقتله أو قتله لإيمانه فإنه لا خلاف أن هذه صفة من يخلد في النار و يعضده من الرواية ما تقدم ذكره في سبب نزول الآية و أقوال الأئمة في معناها و بعد فقد وافقنا على أن الآية مخصوصة بمن لا يتوب و إن التائب خارج من عمومها و أما ما روي عن ابن عباس أنه قال لا توبة لقاتل المؤمن إلا إذا قتله في حال الشرك ثم أسلم و تاب و به قال ابن مسعود و زيد بن ثابت فالأولى أن يكون هذا القول منهم محمولا على سلوك سبيل التغليظ في القتل كما روي عن سفيان الثوري أنه سئل عن‏

143

(1) - توبة القاتل فقال أهل العلم إذا سئلوا قالوا لا توبة له و إذا ابتلي الرجل قالوا له تب و روى الواحدي بإسناده مرفوعا إلى عطا عن ابن عباس أن رجلا سأله أ لقاتل المؤمن توبة فقال لا و سأله آخر أ لقاتل المؤمن توبة فقال نعم فقيل له في ذلك فقال جاءني ذلك و لم يكن قتل فقلت لا توبة لك لكي لا يقتل و جاءني هذا و قد قتل فقد قلت لك توبة لكي لا يلقي نفسه بيده إلى التهلكة و من قال من أصحابنا أن قاتل المؤمن لا يوفق للتوبة لا ينافي ما قلناه لأن هذا القول إن صح فإنما يدل على أنه لا يختار التوبة مع أنها لو حصلت لأزالت العقاب و إذا كان لا بد من تخصيص الآية بالتوبة جاز أن يختص أيضا بمن تفضل عليه بالعفو و روى الواحدي بإسناده مرفوعا إلى الأصمعي قال جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال يا أبا عمرو أ يخلف الله ما وعده فقال لا قال‏أ فرأيت من أوعده على عمل عقابا أ يخلف الله وعده فيه فقال أبو عمرو من العجمة أتيت يا أبا عثمان أن الوعد غير الوعيد إن العرب لا تعد عارا و لا خلفا أن تعد شرا ثم لا تفعله يرى ذلك كرما و فضلا و إنما الخلف في أن تعد خيرا ثم لا تفعله قال فأوجدني هذا في كلام العرب قال نعم سمعت قول الأول:

و إني إن أوعدته أو وعدته # لمخلف إبعادي و منجز موعدي‏

و وجدنا في الدعاء

المروي بالرواية الصحيحة عن الصادقين (ع) يا من إذا وعد وفى و إذا توعد عفا

و هذا يؤيد ما تقدم و قد أحسن يحيى بن معاذ في هذا المعنى حيث قال الوعد حق و الوعيد حق فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم إذا فعلوا كذا أن يعطيهم كذا و من أولى بالوفاء من الله و الوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فإن شاء عفا و إن شاء عاقب لأنه حقه و أولاهما بربنا العفو و الكرم أنه غفور رحيم و روى إسحاق بن إبراهيم قال سمعت قيس بن أنس يقول كنت عند عمرو بن عبيد في بيته فأنشأ يقول يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله فيقول قلت أن القاتل في النار فأقول أنت قلت «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً» الآية فقلت له و ما في البيت أصغر سنا مني أ رأيت أن لو قال لك فإني قلت‏ف إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا قال فما استطاع أن يرد علي شيئا.

ـ

144

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم فتثبتوا هنا في الموضعين بالثاء و التاء و في الحجرات و قرأ الباقون «فَتَبَيَّنُوا» بالتاء و النون في الجميع و قرأ أهل المدينة و الشام و حمزة و خلف السلم بغير ألف و قرئ في بعض الروايات عن عاصم السلم بكسر السين و سكون اللام و قرأ الباقون «اَلسَّلاََمَ» بالألف و

روي عن أبي جعفر القارئ من بعض الطرق لست مؤمنا بفتح الميم الثانية و حكى أبو القاسم البلخي أنه قراءة محمد بن علي الباقر .

الحجة

قال أبو علي من قرأ فتثبتوا فحجته أن التثبت خلاف الإقدام و المراد به التأني و هو أشد اختصاصا بهذا الموضع و يبين ذلك قوله‏ «وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً» أي أشد وقفا لهم عما وعظوا بأن لا يقدموا عليه و من قرأ «فَتَبَيَّنُوا» فحجته أن التبين قد يكون أشد من التثبت و قد جاء التبين من الله و العجلة من الشيطان فمقابلة التبين بالعجلة دلالة على تقارب التثبت و التبين قال الشاعر في موضع التوقف و الزجر:

أ زيد مناة توعد يا ابن تيم # تبين أين تاه بك الوعيد

قال و من قرأ «اَلسَّلاََمَ» احتمل ضربين (أحدهما) أن يكون بمعنى التحية أي و لا تقولوا لمن حياكم بتحية المسلمين إنما قالها تعوذا و لكن ارفعوا السيف عنه (و الآخر) أن يكون المعنى لا تقولوا لمن لا يقاتلكم لست مؤمنا قال أبو الحسن يقال فلان سلام إذا كان لا يخالط أحدا و من قرأ السلم أراد الانقياد و الاستسلام إلى المسلمين و منه قوله‏ «وَ أَلْقَوْا إِلَى اَللََّهِ يَوْمَئِذٍ اَلسَّلَمَ» أي استسلموا لأمره و لما يراد منهم و من قرأ السلم بكسر السين فمعناه الإسلام مصدر أسلم أي صار سلما و خرج عن أن يكون حربا و من قرأ مؤمنا فإنه من الأمان و معناه لا تقولوا لمن استسلم لكم لسنا نؤمنكم.

اللغة

جميع متاع الدنيا عرض يقال إن الدنيا عرض حاضر و يقال لكل شي‏ء يقل‏

145

(1) - لبثه عرض و منه العرض الذي هو خلاف الجوهر عند المتكلمين لأنه ما لا يجب له من اللبث ما يجب للأجسام و العرض ما يعرض للإنسان من مرض أو غيره.

الإعراب‏

تبتغون في موضع نصب على الحال من الواو في تقولوا و الكاف من كذلك في موضع نصب بكونه خبر كان من كنتم.

النزول‏

قيل نزلت في أسامة بن زيد و أصحابه بعثهم النبي في سرية فلقوا رجلا قد انحاز بغنم له إلى جبل و كان قد أسلم فقال لهم السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فبدر إليه أسامة فقتله و استاقوا غنمه عن السدي و روي عن ابن عباس و قتادة أنه لما نزلت الآية حلف أسامة أن لا يقتل رجلا قال لا إله إلا الله و بهذا اعتذر إلى علي لما تخلف عنه و إن كان عذره غير مقبول‏لأنه قد دل الدليل على وجوب طاعة الإمام في محاربة من حاربه من البغاة لا سيما و

قد سمع النبي يقول حربك يا علي حربي و سلمك سلمي‏

و قيل نزلت في محلم بن جثامة الليثي و كان بعثه النبي (ص) في سرية فلقيه عامر بن الأضبط الأشجعي فحياه بتحية الإسلام و كان بينهما إحنة فرماه بسهم فقتله فلما جاء إلى النبي جلس بين يديه و سأله أن يستغفر له فقال (ص) لا غفر الله لك فانصرف باكيا فما مضت عليه سبعة أيام حتى هلك فدفن فلفظته الأرض‏

فقال (ص) لما أخبر به أن الأرض تقبل من هو شر من محلم صاحبكم و لكن الله أراد أن يعظم من حرمتكم‏

ثم طرحوه بين صدفي جبل و ألقوا عليه الحجارة فنزلت الآية عن الواقدي و محمد بن إسحاق بن يسار روياه عن ابن عمر و ابن مسعود و ابن حدرد و قيل كان صاحب السرية المقداد عن سعيد بن جبير و قيل أبو الدرداء عن ابن زيد .

المعنى‏

لما بين تعالى أحكام القتل و أنواعه عقب ذلك بالأمر بالتثبت و التأني حتى لا يفعل ما يعقب الندامة فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا ضَرَبْتُمْ» أي صرتم و سافرتم «فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» للغزو و الجهاد «فَتَبَيَّنُوا» أي ميزوا بين الكافر و المؤمن و بالثاء و التاء توقفوا و تأنوا حتى تعلموا من يستحق القتل و المعنيان متقاربان‏و المراد بهما لا تعجلوا في القتل لمن أظهر السلام ظنا منكم بأنه لا حقيقة لذلك «وَ لاََ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ََ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاََمَ» أي حياكم بتحية أهل الإسلام أو من استسلم لكم فلم يقاتلكم مظهرا أنه من أهل ملتكم «لَسْتَ‏

146

(1) - مُؤْمِناً» أي ليس لإيمانك حقيقة و إنما أسلمت خوفا من القتل أو لست بأمن «تَبْتَغُونَ» أي تطلبون «عَرَضَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» يعني الغنيمة و المال و متاع الحياة الدنيا الذي لا بقاء له «فَعِنْدَ اَللََّهِ مَغََانِمُ كَثِيرَةٌ» أي في مقدوره فواضل و نعم و رزق إن أطعتموه فيما أمركم به و قيل معناه ثواب كثير لمن ترك قتل المؤمن «كَذََلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ» اختلف في معناه فقيل كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفيا في قومه بدينه خوفا على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم عن سعيد بن جبير و قيل كما كان هذا المقتول كافرا فهداه الله كذلك كنتم كفارا فهداكم الله عن ابن زيد و الجبائي و قيل كذلك كنتم أذلاء و آحادا إذا سار الرجل منكم وحده خاف أن يختطف عن المغربي «فَمَنَّ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ» فيه قولان (أحدهما) فمن الله عليكم بإظهار دينه و إعزاز أهله حتى أظهرتم الإسلام بعد ما كنتم تكتمونه من أهل الشرك عن سعيد بن جبير و قيل معناه فتاب الله عليكم «فَتَبَيَّنُوا» أعاد هذا اللفظ للتأكيد بعد ما طال الكلام‏و قيل الأول معناه تبينوا حاله و الثاني معناه تبينوا هذه الفوائد بضمائركم و اعرفوها و ابتغوها «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ» أي لم يزل «بِمََا تَعْمَلُونَ» أي بما تعملونه «خَبِيراً» عليما قبل أن تعملوه.

القراءة

قرأ أهل المدينة و الشام و الكسائي و خلف غير أولي الضرر بنصب الراء و الباقون بالرفع.

الحجة

فالرفع على أن يجعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه و كذلك قال في‏ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أنه صفة ل اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و منه قول لبيد :

147

(1) -

و إذا جوزيت قرضا فاجزه # إنما يجزي الفتى غير الجمل‏

فغير صفة للفتى فعلى هذا يكون التقدير لا يستوي القاعدون الأصحاء و المجاهدون و النصب على الاستثناء من القاعدين و يستوي فعل يقتضي فاعلين فصاعدا فالتقدير لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر و المجاهدون قال الزجاج و يجوز أن يكون منصوبا على الحال فيكون المعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم و المجاهدون كما تقول جاءني زيد غير مريض أي صحيحا و يجوز في غير الجر على أن يكون صفة للمؤمنين في غير القراءة.

اللغة

الضرر النقصان و هو كلما يضرك و ينقصك من عمى و مرض و علة و الدرجة المنزلة و درجته إلى كذا أي رقيته إليه منزلة بعد منزلة و أدرجت الكتاب طويته منزلة بعد منزلة و درج الرجل مضى لسبيله لأنه صار إلى منزلة الآخرة و منه فلان أكذب من دب و درج أي أكذب الأحياء و الأموات .

الإعراب‏

درجة منصوب على أنه اسم وضع موضع المصدر أي تفضيلا بدرجة و كلا مفعول وعد و الحسنى مفعول ثان و درجات في موضع نصب بدلا من قوله «أَجْراً عَظِيماً» و هو مفسر للأجر المعنى فضل الله المجاهدين درجات و مغفرة و رحمة و يجوز أن يكون منصوبا على التأكيد لأجرا عظيما لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من الله و المغفرة و الرحمة كما تقول لك علي ألف درهم عرفا مؤكد لقولك لك علي ألف درهم لأن قولك لك علي ألف درهم هو اعتراف فكأنك قلت أعرفها عرفا و كأنه قيل غفر الله لهم مغفرة و آجرهم أجرا عظيما لأن قوله «أَجْراً عَظِيماً» فيه معنى غفر و رحم و فضل.

ـ

النزول‏

نزلت الآية في كعب بن مالك من بني سلمة و مرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف و هلال بن أمية من بني واقف تخلفوا عن رسول الله يوم تبوك و عذر الله أولي الضرر و هو عبد الله بن أم مكتوم رواه أبو حمزة الثمالي في تفسيره و

قال زيد بن ثابت كنت عند النبي حين نزلت عليه «لاََ يَسْتَوِي اَلْقََاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ» «وَ اَلْمُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» و لم يذكر أولي الضرر فقال ابن أم مكتوم فكيف و أنا أعمى لا أبصر لتغشي النبي الوحي ثم سرى عنه فقال اكتب‏ «لاََ يَسْتَوِي اَلْقََاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ» فكتبتها.

148

(1) -

المعنى‏

لما حث سبحانه على الجهاد عقبه بما فيه من الفضل و الثواب فقال «لاََ يَسْتَوِي اَلْقََاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ» أي لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان بالله و برسوله و المؤثرون الدعة و الرفاهية على مقاساة الحرب و المشقة بلقاء العدو «غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ» أي إلا أهل الضرر منهم بذهاب أبصارهم و غير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها إلى الجهاد للضرر الذي بهم «وَ اَلْمُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» و منهاج دينه لتكون كلمة الله هي العليا و المستفرغون جهدهم و وسعهم في قتال أعداء الله و إعزاز دينه «بِأَمْوََالِهِمْ» إنفاقا لها فيما يوهن كيد الأعداء «وَ أَنْفُسِهِمْ» حملا لها على الكفاح في اللقاء «فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ دَرَجَةً» معناه فضيلة و منزلة «وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ» معناه و كلا الفريقين من المجاهدين و القاعدين عن الجهاد وعده الله الجنة عن قتادة و غيره من المفسرين و في هذه دلالة على أن الجهاد فرض على الكفاية لأنه لو كان فرضا على الأعيان لما استحق القاعدون بغير عذر أجرا و قيل لأن المراد بالكل هنا المجاهد و القاعد من أولي الضرر المعذور عن مقاتل «وَ فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ» من غير أولي الضرر «أَجْراً عَظِيماً ` دَرَجََاتٍ مِنْهُ» أي منازل بعضها أعلى من بعض من منازل الكرامة و قيل هي درجات الأعمال كما يقال الإسلام درجة و الفقه درجة و الهجرة درجة و الجهاد في الهجرة درجة و القتل في الجهاد درجة عن قتادة و قيل معنى الدرجات هي الدرجات التسع التي درجها في سورة براءة في قوله‏ «ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ لاََ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لاََ نَصَبٌ وَ لاََ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ اَلْكُفََّارَ وَ لاََ يَنََالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاََّ كُتِبَ لَهُمْ» «لِيَجْزِيَهُمُ اَللََّهُ أَحْسَنَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» فهذه الدرجات التسع عن عبد الله بن زيد } «وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً» هذا بيان خلوص النعيم بأنه لا يشويه غم بما كان منه من الذنوب بل غفر له ذلك ثم رحمه بإعطائه النعم و الكرامات «وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً» لم يزل الله غفارا للذنوب صفوحا لعبيدة من العقوبة عليها «رَحِيماً» بهم متفضلا عليهم و قد يسأل فيقال كيف قال في أول الآية «فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ دَرَجَةً» ثم قال في آخرها «وَ فَضَّلَ اَللََّهُ اَلْمُجََاهِدِينَ عَلَى اَلْقََاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ` دَرَجََاتٍ» و هذا متناقض الظاهرو أجيب عنه بجوابين (أحدهما) أن في أول الآية (فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر) درجة و في آخرها (فضلهم على القاعدين غير

149

(1) - أولي الضرر) درجات فلا تناقض لأن قوله «وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ» يدل على أن القاعدين لم يكونوا عاصين و إن كانوا تاركين للفضل (و الثاني) ما قاله أبو علي الجبائي و هو أنه أراد بالدرجة الأولى علو المنزلة و ارتفاع القدر على وجه المدح لهم كما يقال فلان أعلى درجة عند الخليفة من فلان يريدون بذلك أنه أعظم منزلة و بالثانية الدرجات في الجنة التي يتفاضل بها المؤمنون بعضهم على بعض على قدر استحقاقهم و قال المغربي إنما كرر لفظ التفضيل لأن الأول أراد به تفضيلها في الدنيا و أراد بالثاني تفضيلهم في الآخرة و جاء في

الحديث" إن الله فضل المجاهدين على القاعدين سبعين درجة"بين كل درجتين مسيرة سبعين خريفا للفرس الجواد المضمر.

القراءة

روي في الشواذ عن إبراهيم أنه قرأ إن الذين توفاهم الملائكة بضم التاء.

الحجة

قال ابن جني معنى هذا كقولك إن الذين يعدون على الملائكة يردون إليهم يحتسبون عليهم فهو نحو من قولك أن المال الذي توفاه أمة الله أي يدفع إليها و يحتسب عليها كان كل ملك جعل إليه قبض نفس بعض الناس ثم تمكن من ذلك و توفيه.

اللغة

التوفي القبض و توفيت الشي‏ء و استوفيته قبضته و الوفاة الموت لأن الميت تقبض روحه و التوفي الإحصاء قال الشاعر:

150

(1) -

إن بني أدرم ليسوا من أحد # ليسوا إلى قيس و ليسوا من أسد

و لا توفاهم قريش في العدد

المعنى أحصاهم و المأوى المرجع من أوى إلى منزله يأوي أويا إذا رجع إلى منزله و الاستضعاف وجدان الشي‏ء ضعيفا كالاستطراف و نحوه .

الإعراب‏

«تَوَفََّاهُمُ» إن شئت كان لفظه ماضيا فيكون مفتوحا لأن الماضي مبني على الفتح و يجوز أن يكون مستقبلا فيكون مرفوعا على معنى تتوفاهم حذف التاء الثانية لاجتماع تائين و قد ذكرناه مشروحا فيما تقدم، «ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ» نصب على الحال و أصله ظالمين أنفسهم إلا أن النون حذفت استخفافا و هي ثابتة في التقدير كما قال سبحانه‏ هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ أي بالغا الكعبة ، «فِيمَ» حذفت الألف من ما الاستفهام و هو في موضع جر بفي و الجار مع المجرور في موضع نصب لأنه خبر كان، و خبر إن قوله «قََالُوا فِيمَ كُنْتُمْ» أي قالوا لهم فحذف لهم لدلالة الكلام عليه و يقال خبر إن قوله «فَأُولََئِكَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ» و يكون قالوا لهم في موضع نصب بكونه صفة لـ «ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ» لأنه نكرة المستضعفين نصب على الاستثناء من قوله «مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ» «إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ» «لاََ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً» في موضع نصب على الحال من «اَلْمُسْتَضْعَفِينَ» .

ـ

النزول‏

قال أبو حمزة الثمالي بلغنا أن المشركين يوم بدر لم يخلفوا إذ خرجوا أحدا إلا صبيا أو شيخا كبيرا أو مريضا فخرج معهم ناس ممن تكلم بالإسلام فلما التقى المشركون و رسول الله نظر الذين كانوا قد تكلموا بالإسلام إلى قلة المسلمين فارتابوا و أصيبوا فيمن أصيب من المشركين فنزلت فيهم الآية و هو المروي عن ابن عباس و السدي و قتادة و

قيل أنهم قيس بن الفاكه بن المغيرة و الحارث بن زمعة بن الأسود و قيس بن الوليد بن المغيرة و أبو العاص بن منبه بن الحجاج و علي بن أمية بن خلف عن عكرمة و رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (ع)

قال ابن عباس كنت أنا من المستضعفين و كنت غلاما صغيرا و ذكر عنه أيضا أنه قال كان أبي من المستضعفين من الرجال و أمي كانت من المستضعفات من النساء و كنت أنا من المستضعفين من الولدان.

المعنى‏

ثم أخبر تعالى عن حال من قعد عن نصرة النبي (ص) بعد الوفاة فقال‏

151

(1) - «إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفََّاهُمُ» أي قبض أرواحهم أو تقبض أرواحهم «اَلْمَلاََئِكَةُ» الملائكة ملك الموت أو هو و غيره فإن الملائكة تتوفى و ملك الموت يتوفى و الله يتوفى و ما يفعله ملك الموت أو الملائكة يجوز أن يضاف إلى الله إذ فعلوه بأمره و ما تفعله الملائكة جاز أن يضاف إلى ملك الموت إذ فعلوه بأمره «ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ» أي في حال هم فيها ظالمو أنفسهم إذ بخسوها حقها من الثواب و أدخلوا عليها العقاب بفعل الكفر «قََالُوا فِيمَ كُنْتُمْ» أي قالت لهم الملائكة فيم كنتم أي في أي شي‏ء كنتم من دينكم على وجه التقرير لهم أو التوبيخ لفعلهم «قََالُوا كُنََّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ» يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا و بلادنا بكثرة عددهم و قوتهم و يمنعوننا من الإيمان بالله و اتباع رسوله على جهة الاعتذار «قََالُوا» أي قالت الملائكة لهم «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللََّهِ وََاسِعَةً فَتُهََاجِرُوا فِيهََا» أي فتخرجوا من أرضكم و دوركم و تفارقوا من يمنعكم من الإيمان بالله و رسوله إلى أرض يمنعكم أهلها من أهل الشرك فتوحدوه و تعبدوه و تتبعوا رسوله و روي عن سعيد بن جبير أنه قال في معناه‏إذا عمل بالمعاصي في أرض فأخرج منها ثم قال تعالى «فَأُولََئِكَ مَأْوََاهُمْ جَهَنَّمُ» أي مسكنهم جهنم «وَ سََاءَتْ» هي أي جهنم «مَصِيراً» لأهلها الذين صاروا إليها ثم استثنى من ذلك فقال‏} «إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ» الذين استضعفهم المشركون «مِنَ اَلرِّجََالِ وَ اَلنِّسََاءِ وَ اَلْوِلْدََانِ» و هم الذين يعجزون عن الهجرة لإعسارهم و قلة حيلتهم و هو قوله «لاََ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاََ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً» في الخلاص من مكة و قيل معناه لا يهتدون لسوء معرفتهم بالطريق طريق الخروج منها أي لا يعرفون طريقا إلى المدينة عن مجاهد و قتادة و جماعة من المفسرين «فَأُولََئِكَ عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» معناه لعل الله أن يعفو عنهم لما هم عليه من الفقر و يتفضل عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة من حيث لم يتركوها اختيارا «وَ كََانَ اَللََّهُ عَفُوًّا» أي لم يزل الله ذا صفح بفضله عن ذنوب عباده بترك عقوبتهم على معاصيهم «غَفُوراً» أي ساترا عليهم ذنوبهم بعفوه لهم عنها

قال عكرمة و كان النبي يدعو عقيب صلاة الظهر اللهم خلص الوليد و سلمة بن هشام و عياش بن أبي ربيعة و ضعفة المسلمين من أيدي المشركين.

152

(1) -

اللغة

المهاجرة المفارقة و أصله من الهجر الذي هو ضد الوصل و المراغم المضطرب في البلاد و المذهب و أصله من الرغام و هو التراب و معنى راغمت فلانا هاجرته و لم أبال رغم أنفه أي و إن لصق بالتراب أنفه و أرغم الله أنفه ألصقه بالتراب و قيل أصله الذل و الشدة و المراغم المعادي الذي يروم إذلال صاحبه و منه‏

الحديث إذا صلى أحدكم فيلزم جبينه و أنفه الأرض حتى يخرج منه الرغم‏

أي حتى يذل و يخضع لله تعالى و فعلته على رغمه أي على ذلة بما يكره و أرغم الله أنفه أذله و المراغم الموضع و المصدر من المراغمة قال:

إلى بلد غير داني المحل # بعيد المراغم و المضطرب‏

.

النزول‏

قيل لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين و هو جندع أو جندب بن ضمرة و كان بمكة فقال و الله ما أنا مما استثنى الله إني لأجد قوة و إني لعالم بالطريق و كان مريضا شديد المرض فقال لبنيه و الله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها فإني أخاف أن أموت فيها فخرجوا يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات فنزلت الآية عن أبي حمزة الثمالي و عن قتادة و عن سعيد بن جبير و قال عكرمة و خرج جماعة من مكة مهاجرين فلحقهم المشركون و فتنوهم عن دينهم فافتتنوافأنزل الله فيهم‏ «وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ فَإِذََا أُوذِيَ فِي اَللََّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ اَلنََّاسِ كَعَذََابِ اَللََّهِ» فكتب بها المسلمون إليهم ثم نزلت فيهم‏ «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هََاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مََا فُتِنُوا ثُمَّ جََاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهََا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» .

المعنى‏

ثم قال سبحانه «وَ مَنْ يُهََاجِرْ» يعني يفارق أهل الشرك و يهرب بدينه من وطنه إلى أرض الإسلام «فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» أي في منهاج دين الله و طريقه الذي شرعه لخلقه «يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُرََاغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً» أي متحولا من الأرض و سعة في الرزق عن ابن عباس و الضحاك و الربيع و قيل مزحزحا عما يكره و سعة من الضلالة إلى الهدى عن مجاهد و قتادة و قيل مهاجرا فسيحا متسعا مما كان فيه من تضييق المشركين عليه «وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهََاجِراً إِلَى اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ» أخبر سبحانه إن من خرج من بلده مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله و رسوله «ثُمَّ يُدْرِكْهُ اَلْمَوْتُ» قبل بلوغه دار الهجرة و أرض الإسلام «فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللََّهِ» أي ثواب عمله و جزاء هجرته على الله تعالى «وَ كََانَ اَللََّهُ‏