مجمع البيان في تفسير القرآن - ج3

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
418 /
353

(1) - إِنَّ اَللََّهَ ثََالِثُ ثَلاََثَةٍ» و القائلون بهذه المقالة جمهور النصارى من الملكانية و اليعقوبية و النسطورية لأنهم يقولون ثلاثة أقاليم جوهر واحد أب و ابن و روح القدس إله واحد و لا يقولون ثلاثة آلهة و يمنعون من هذه العبارة و إن كان يلزمهم أن يقولوا ثلاثة آلهة فصح أن يحكى عنهم بالعبارة اللازمة و إنما قلنا أنه يلزمهم ذلك لأنهم يقولون الابن إله و الأب إله و روح القدس إله و الابن ليس هو الأب «وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاََّ إِلََهٌ وََاحِدٌ» أي ليس إله إلا إلها واحدا و إنما دخلت من للتوكيد «وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمََّا يَقُولُونَ» أي و إن لم يرجعوا و يتوبوا عما يقولون من القول بالتثليث أقسم «لَيَمَسَّنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» و إنما خص سبحانه الذين يستمرون على كفرهم لأنه علم أن بعضهم يؤمن عن أبي علي الجبائي و الزجاج و قيل أنه عم بقوله «اَلَّذِينَ كَفَرُوا» الفريقين الذين قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ و الذين قالوا إن الله هو ثالث ثلاثةو الضمير عائد إلى أهل الكتاب و ليس في هذا دلالة على أن في أفعال الجوارح ما هو كفر لأنه إنما يتضمن أن من قال أنه ثالث ثلاثة فهو كافر و لا خلاف في ذلك فإن من قال إن الكفر هو الجحود بالقلب قال إن في أفعال الجوارح ما يدل على الكفر الذي هو الجحود مثل هذه المقالة و مثل السجود للصنم و غير ذلك فلا دلالة في الآية على ما قالوه‏} «أَ فَلاََ يَتُوبُونَ إِلَى اَللََّهِ» قال الفراء هذا أمر في لفظ الاستفهام و قد يرد الأمر بلفظ الاستفهام كقوله‏ «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» و إنما دخلت إلى لأن معنى التوبة الرجوع إلى طاعة الله لأن التائب بمنزلة من ذهب عنها ثم عاد إليها «وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ» الفرق بين التوبة و الاستغفار إن الاستغفار طلب المغفرة بالدعاء و التوبة أو غيرهما من الطاعة، و التوبة الندم على المعصية مع العزم على أن لا يعود إلى مثلها في القبح و الاستغفار مع الإصرار على القبيح لا يصح «وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» يغفر الذنوب و يسترها رحمة منه لعباده و في هذه الآية تحريض على التوبة و حث على الاستغفار.

354

(1) -

اللغة

الصديقة المبالغة في الصدق و الصديق فعيل من أبنية المبالغة كما يقال رجل سكيت أي مبالغ في السكوت يقال أفكه يأفكه افكا إذا صرفه و الإفك الكذب لأنه صرف عن الحق و كل مصروف عن شي‏ء مأفوك عنه قال ابن السكيت :

إن تك عن أحسن المروءة مأفوكا # ففي آخرين قد أفكوا

و قد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر و أرض مأفوكة لم يصبها مطر و المؤتفكات المتقلبات من الرياح لأنها صرفت عن وجهها و الملك القدرة على تصريف ما للقادر عليه أن يصرفه فملك الضرر و النفع أخص من القدرة عليهما لأن القادر قد يقدر من ذلك على ما له أن يفعل و قد يقدر منه على ما ليس له أن يفعله و النفع هو فعل اللذة و السرور أو ما أدى إليهما أو إلى أحدهما مثل الملاذ التي تحصل في الحيوان و الصلة بالمال و الوعد باللذة فإن جميع ذلك نفع لأنه يؤدي إلى اللذة ، و الضرر هو فعل الألم و الغم أو ما يؤدي إليهما أو إلى واحد منهما كالآلام التي توجد في الحيوان و كالقذف و السب لأن جميع ذلك يؤدي إلى الألم ، و الأهواء أجمع هوى النفس مقصور لأنه مثل فعل و فعل جمعه أفعال .

الإعراب‏

انتصاب «غَيْرَ اَلْحَقِّ» على وجهين (أحدهما) أن يكون على الحال من دينكم فكأنه قال لا تغلوا في دينكم مخالفين للحق (و الثاني) أن يكون منصوبا على الاستثناء بمعنى لا تغلوا في دينكم إلا الحق فيكون الحق مستثنى من النهي عن الغلو فيه بأن يجوز الغلو فيما هو حق على معنى اتباعه.

المعنى‏

لما قدم سبحانه ذكر مقالات النصارى عقبه بالرد عليهم و الحجاج لهم فقال‏

355

(1) - «مَا اَلْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاََّ رَسُولٌ» أي ليس هو بإله «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ» أي كما أن الرسل الذين مضوا قبله ليسوا بآلهة و إن أتوا بالمعجزات الباهرات فكذلك المسيح فمن ادعى له الإلهية فهو كمن ادعى لهم الإلهية لتساويهم في المنزلة «وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ» لأنها تصدق بآيات ربها و منزلة ولدها و تصدقه فيما أخبرها به بدلالة قوله‏ «وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمََاتِ رَبِّهََا» عن الحسن و الجبائي و قيل سميت صديقة لكثرة صدقها و عظم منزلتها فيما تصدق به من أمرها «كََانََا يَأْكُلاََنِ اَلطَّعََامَ» قيل فيه قولان (أحدهما) أنه احتجاج على النصارى بأن من ولده النساء و يأكل الطعام لا يكون إلها للعباد لأن سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبر و المعنى أنهما كانا يعيشان بالغذاء كما يعيش سائر الخلق فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام و هذا معنى قول ابن عباس (و الثاني) إن ذلك كناية عن قضاء الحاجة لأن من أكل الطعام لا بد له من الحدث فلما ذكر الأكل صار كأنه أخبر عن عاقبته «اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ اَلْآيََاتِ» أمر سبحانه النبي (ص) و أمته بأن يفكروا فيما بين تعالى من الآيات أي الدلالات على بطلان ما اعتقدوه من ربوبية المسيح ثم أمر بأن ينظر «ثُمَّ اُنْظُرْ أَنََّى يُؤْفَكُونَ» أي كيف يصرفون عن الحق الذي يؤدي إليه تدبر الآيات فالنظر الأول إنما هو إلى فعله تعالى الجميل في نصب الآيات‏و إزاحة العلل و النظر الثاني إلى أفعالهم القبيحة و تركهم التدبر للآيات ثم زاد تعالى في الاحتجاج عليهم فقال‏} «قُلْ» يا محمد «أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لاََ نَفْعاً» أي أ توجهون عبادتكم إلى من لا يقدر لكم على النفع و الضر لأن القادر عليهما هو الله أو من يمكنه الله تعالى من ذلك و المستحق للعبادة إنما هو القادر على أصول النعم و النفع و الضر و الخلق و الإحياء و الرزق و لا يقدر على ذلك غير الله فلا يستحق العبادة سواه «وَ اَللََّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ» لأقوالكم «اَلْعَلِيمُ» بضمائركم و في هذا تحذير من الجزاء و استدعاء إلى التوبة ثم دعاهم إلى ترك الغلو فقال‏} «قُلْ» يا محمد للنصارى فإنهم المخاطبون هنا و قال قوم أنه خطاب لليهود و النصارى لأن اليهود غلوا أيضا في تكذيب عيسى و محمد «يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لاََ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ» أي لا تتجاوزوا الحد الذي حده الله لكم إلى الإزدياد و ضده التقصير و هو الخروج عن الحد إلى النقصان و الزيادة في الحد و النقصان عنه كلاهما فساد و دين الله الذي أمر به هو بين الغلو و التقصير و هو الاقتصار «غَيْرَ اَلْحَقِّ» أي مجاوزين الحق إلى الغلو و إلى التقصير فيفوتكم الحق و من قال إن الخطاب لليهود و النصارى فغلو نصارى في عيسى ادعاؤهم له الإلهية و غلو اليهود فيه تكذيبهم له و نسبتهم إياه إلى أنه لغير رشدة «وَ لاََ تَتَّبِعُوا أَهْوََاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ» قال‏

356

(1) - ابن عباس كل هوى ضلالة يعني بالقوم الذين ضلوا من قبل رؤساء الضلالة من فريقي اليهود و النصارى و الآية خطاب للذين كانوا في عصر النبي (ص ) نهوا أن يتبعوا أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم و أن يقلدوهم فيما هووا و الأهواء هاهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة لأن الإنسان قد يستثقل النظر لما فيه من المشقة و يميل طبعه إلى بعض المذاهب فيعتقده و هو ضلال فيهلك به و الاتباع هو سلوك الثاني طريقة الأول على وجه الاقتداء به‏و قد يتبع الثاني الأول في الحق و قد يتبعه في الباطل و إنما يعلم أحدهما بدليل «وَ أَضَلُّوا كَثِيراً» يعني به هؤلاء الذين ضلوا عن الحق أضلوا كثيرا من الخلق أيضا و نسب الإضلال إليهم من حيث كان بدعائهم و إغوائهم «وَ ضَلُّوا عَنْ سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ» قيل في معناه قولان (أحدهما) أنهم ضلوا بإضلالهم غيرهم عن الزجاج (و الثاني) أنهم ضلوا من قبل بكفرهم بعيسى و أضلوا غيرهم من بعد بكفرهم بمحمد (ص) فلذلك كرر و معنى «سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ» مستقيم الطريق و قيل له سواء لاستمراره على استواء و قيل لأنه يستقيم بصاحبه إلى الجنة و الخلود في النعيم.

ـ

اللغة

للتناهي هاهنا معنيان (أحدهما) أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضا (و الثاني) أنه بمعنى الانتهاء يقال انتهى عن الأمر و تناهي عنه إذا كف عنه.

الإعراب‏

«لَبِئْسَ مََا» يجوز أن يكون ما هاهنا كافة لبئس كما تكف في إنما و لكنما و بعد ما و ربما و اللام فيه للقسم و يجوز أن يكون اسما نكرة فكأنه قال بئس شيئا فعلوه كما تقول بئس رجلا كان عندك و محل «أَنْ سَخِطَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ» رفع كرفع زيد في قولك بئس رجلا

357

(1) - زيد فيكون مبتدأ و بئس و ما عملت فيه خبره أو يكون خبر مبتدإ محذوف كأنه لما قال بئس رجلا قيل من هو فقال زيد أي هو زيد و يجوز أن يكون محله نصبا على تأويل بئس الشي‏ء ذلك لأن سخط الله عليهم.

المعنى‏

ثم أخبر تعالى عما جرى على أسلافهم فقال «لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى‏ََ لِسََانِ دََاوُدَ وَ عِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ » قيل في معناه أقوال (أحدها) أن معناه لعنوا على لسان داود فصاروا قردة و على لسان عيسى فصاروا خنازير و إنما خص عيسى و داود لأنهما أنبه الأنبياء المبعوثين من بعد موسى و لما ذكر داود أغنى عن ذكر سليمان لأن قولهما واحد عن الحسن و مجاهد و قتادة

و قال أبو جعفر الباقر (ع) أما داود فإنه لعن أهل إيلة لما اعتدوا في سبتهم‏و كان اعتداؤهم في زمانه فقال اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء و مثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة فأما عيسى (ع) فإنه لعن الذين أنزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك‏

(و ثانيها) ما قاله ابن عباس أنه يريد في الزبور و في الإنجيل و معنى هذا إن الله تعالى لعن في الزبور من يكفر من بني إسرائيل و في الإنجيل كذلك فلذلك قيل «عَلى‏ََ لِسََانِ دََاوُدَ وَ عِيسَى » (و ثالثها) أن يكون عيسى و داود علما أن محمدا نبي مبعوث و لعنا من يكفر به عن الزجاج و الأول أصح و المراد أن الله أيسهم من المغفرة مع الإقامة على الكفر لدعاء الأنبياء عليهم بالعقوبة و دعوتهم مستجابة و إنما ذكر اللعن على لسانهما إزالة للإبهام بأن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من العقوبة «ذََلِكَ» إشارة إلى اللعن المتقدم ذكره «بِمََا عَصَوْا وَ كََانُوا يَعْتَدُونَ» أي بمعصيتهم و اعتدائهم ثم بين تعالى حالهم فقال‏} «كََانُوا لاََ يَتَنََاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ» أي لم يكن ينهى بعضهم بعضا و لا ينتهون أي لا يكفون عما نهوا عنه قال ابن عباس كان بنو إسرائيل ثلاث فرق فرقة اعتدوا في السبت و فرقة نهوهم و لكن لم يدعوا مجالستهم و لا مؤاكلتهم و فرقة لما رأوهم يعتدون ارتحلوا عنهم و بقيت الفرقتان المعتدية و الناهية المخالطة فلعنوا جميعا و لذلك‏

قال رسول الله (ص) لتأمرن بالمعروف و لتنهن عن المنكر و لتأخذن على يد السفيه و لتأطرنه على الحق أطرأ أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض و يلعنكم كما لعنهم‏

و إنما سمي القبيح منكرا لأنه ينكره العقل من حيث أن العقل يقبل الحسن و يعترف به و لا يأباه و ينكر القبيح و يأباه و ما ينكره العقل فهو الباطل و ما يقر به فهو الحق و قيل إن المراد بالمنكر هنا صيدهم السمك يوم السبت و قيل هو أخذهم‏

358

(1) - الرشى في الأحكام و قيل أكلهم الربا و أثمان الشحوم ثم أقسم سبحانه فقال «لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَفْعَلُونَ» أي بئس شيئا فعلهم‏} «تَرى‏ََ كَثِيراً مِنْهُمْ» أي من اليهود «يَتَوَلَّوْنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» يريد كفار مكة عنى بذلك كعب بن الأشرف و أصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله و ذكرنا ذلك عند قوله‏ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هََؤُلاََءِ أَهْدى‏ََ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً

و قال أبو جعفر الباقر (ع) يتولون الملوك الجبارين و يزينون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم‏

و في هذا توبيخ لأولئك القوم و تنبيه على سوء فعالهم و خبث عقائدهم «لَبِئْسَ مََا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ» أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة «أَنْ سَخِطَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ» أي سخط الله عليهم «وَ فِي اَلْعَذََابِ هُمْ خََالِدُونَ» و ذهب ابن عباس و مجاهد و الحسن إلى أن هذه الآية في المنافقين من اليهود و الكناية في قوله «مِنْهُمْ» عائدة إليهم و يؤكده ما بعد هذه الآية.

المعنى‏

«وَ لَوْ كََانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ» أي لو كانوا يصدقون الله «وَ اَلنَّبِيِّ » محمد (ص) «وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِ» من القرآن و يعتقدون ذلك على الحقيقة كما يظهرونه «مَا اِتَّخَذُوهُمْ» يعني الكافرين «أَوْلِيََاءَ» عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قيل المراد بالنبي موسى و بما أنزل إليه التوراة فيكون المراد بهم اليهود الذين جاهروا بالعداوة لرسول الله و التولي للمشركين و يكون معنى الموالاة التناصر و المعاونة على محاربة النبي (ص) و معاداته و يجوز أن يكون يريد الموالاة على الحقيقة «وَ لََكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فََاسِقُونَ» وصفهم بالفسق و إن كان الكفر أبلغ في باب الذم لأمرين (أحدهما) أنهم خارجون عن أمر الله و هذا المعنى لا يظهر بأن يصفهم بالكفر (و الآخر) أن الفاسق في كفره هو المتمرد فيه و الكلام يدل على أنهم فاسقون في كفرهم أي خارجون إلى التمرد فيه.

359

(1) -

اللغة

قال الزجاج القسيس و القس من رؤساء النصارى فأما القس في اللغة فهو النميمة و نشر الحديث يقال قس فلان الحديث قسا قال الفراء و يجمع القسيس قساوسة جمعوه على مهالبة فكانت قساسسة فكسرت السينان فأبدلوا إحداهن واوا و القسوسة مصدر القس و القسيس و قد تكلمت العرب بهما و أنشد المازني :

لو عرضت لأيبلي قس # أشعث في هيكله مندس

حن إليها كحنين الطس‏

و قال أمية :

لو كان منقلب كانت قساوسة # يحييهم الله في أيديهم الزبر

و الرهبان جمع راهب مثل راكب و ركبان و فارس و فرسان و الرهبانية مصدره و الترهب التعبد في صومعة و أصله من الرهبة المخافة و قال جرير :

رهبان مدين لو رأوك تنزلوا # و العصم من شعف الجبال الفادر

و قال بعضهم الرهبان يكون واحدا و جمعا فمن جعله واحدا جعله بناء على فعلان و أنشد:

لو عاينت رهبان دير في القلل # لانحدر الرهبان يمشي و نزل‏

360

(1) - و فيض العين من الدمع امتلاءها منه كفيض النهر من الماء و فيض الإناء و هو سيلانه من شدة امتلائه و فاض صدر فلان بسره و أفاض القوم من عرفات إلى منى إذا دفعوا و أفاضوا في الحديث إذا تدافعوا فيه و الدمع الماء الجاري من العين و يشبه به الصافي فيقال كأنه دمعة و المدامع مجاري الدمع و شجة دامعة تسيل دما و الطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى المحبوب و نظيره الأمل و الرجاء و الطمع أن يكون معه الخوف أن لا يكون و الصالح هو الذي يعمل الصلاح في نفسه فإن كان عمله في غيره فهو مصلح فلذلك يوصف الله تعالى بأنه مصلح و لم يوصف بأنه صالح .

الإعراب‏

اللام في «لَتَجِدَنَّ» لام القسم و النون دخلت ليفصل بين الحال و الاستقبال هذا مذهب الخليل و سيبويه و «عَدََاوَةً» منصوب على التمييز و «يَقُولُونَ رَبَّنََا» في موضع نصب على الحال و تقديره قائلين ربنا و لا نؤمن في موضع نصب على الحال تقديره أي شي‏ء لنا تاركين الإيمان أي في حال تركنا الإيمان و «مِنَ اَلْحَقِّ» معنى من تبيين الإضافة التي تقوم مقام الصفة كأنه قيل و الجائي لنا الذي هو الحق و قيل أنها للتبعيض لأنهم آمنوا بالذي جاءهم على التفصيل.

ـ

النزول و القصة

نزلت في النجاشي و أصحابه قال المفسرون ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم و يعذبونهم فافتتن من افتتن و عصم الله منهم من شاء و منع الله رسوله بعمه أبي طالب

فلما رأى رسول الله ما بأصحابه و لم يقدر على منعهم و لم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة و قال إن بها ملكا صالحا لا يظلم و لا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله عز و جل للمسلمين فرجا

و أراد به النجاشي و اسمه أصحمة و هو بالحبشية عطية و إنما النجاشي اسم الملك كقولهم تبع و كسرى و قيصر فخرج إليها سرا أحد عشر رجلا و أربع نسوة و هم عثمان بن عفان و امرأته رقية بنت رسول الله و الزبير بن العوام و عبد الله بن مسعود و عبد الرحمن بن عوف و أبو حذيفة بن عتبة و امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو و مصعب بن عمير و أبو سلمة بن عبد الأسد و امرأته أم سلمة بنت أبي أمية و عثمان بن مظعون و عامر بن ربيعة و امرأته ليلى بنت أبي خيثمة و حاطب بن عمرو و سهل بن البيضاء فخرجوا إلى البحر و أخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار و ذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله و هذه هي الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب و تتابع المسلمون إليها و كان‏

361

(1) - جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين و ثمانين رجلا سوى النساء و الصبيان فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص و صاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا إلى النجاشي و إلى بطارقته ليردوهم إليهم و كان عمارة بن الوليد شابا حسن الوجه و أخرج عمرو بن العاص أهله معه فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر فقال عمارة لعمرو بن العاص قل لأهلك تقبلني فأبى فلما انتشى عمرو دفعه عمارة في الماء و نشب عمرو في صدر السفينة و أخرج من الماء و ألقى الله بينهما العداوة في مسيرهما قبل أن يقدما إلى النجاشي ثم وردا على النجاشي فقال عمرو بن العاص أيها الملك إن قوما خالفونا في ديننا و سبوا آلهتنا و صاروا إليك فردهم إلينا فبعث النجاشي إلى جعفر فجاءه فقال يا أيها الملك سلهم أ نحن عبيد لهم فقال لا بل أحرار قال فسلهم أ لهم علينا ديون يطالبوننا بها قال لا ما لنا عليكم ديون قال فلكم في أعناقنا دماء تطالبونا بها قال عمرو لا قال فما تريدون منا آذيتمونا فخرجنا من دياركم ثم قال أيها الملك بعث الله فينا نبيا أمرنا بخلع الأنداد و ترك الاستقسام بالأزلام و أمرنا بالصلاة و الزكاة و العدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و نهانا عن الفحشاء و المنكر و البغي فقال النجاشي بعث الله عيسى ثم قال النجاشي لجعفر هل تحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا قال نعم فقرأ سورة مريم فلما بلغ قوله‏ وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسََاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا قال هذا و الله هو الحق فقال عمرو أنه مخالف لنا فرده إلينا فرفع النجاشي يده و ضرب بها وجه عمرو و قال اسكت و الله لئن ذكرته بعد بسوء لأفعلن بك و قال أرجعوا إلى هذا هديته و قال لجعفر و أصحابه امكثوا فإنكم سيوم و السيوم الآمنون و أمر لهم بما يصلحهم من الرزق فانصرف عمرو و أقام المسلمون هناك بخير دار و أحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله و علا أمره و هادن قريشا و فتح خيبر فوافى جعفر إلى رسول الله بجميع من كانوا معه‏

فقال رسول الله لا أدري أنا بفتح خيبر أسر أم بقدوم جعفر

و وافى جعفر و أصحابه رسول الله في سبعين رجلا منهم اثنان و ستون من الحبشة و ثمانية من أهل الشام فيهم بحيراء الراهب فقرأ عليهم رسول الله (ص) سورة يس إلى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن و آمنوا و قالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فأنزل الله فيهم هذه الآيات و قال مقاتل و الكلبي كانوا أربعين رجلا اثنان و ثلاثون من الحبشة و ثمانية من أهل الشام و قال عطا كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن كعب و اثنان و ثلاثون من الحبشة و ثمانية روميون من أهل الشام .

362

(1) -

المعنى‏

ثم ذكر تعالى معاداة اليهود للمسلمين فقال «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ اَلنََّاسِ عَدََاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا» وصف اليهود و المشركين بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين‏لأن اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين مع أن المؤمنين يؤمنون بنبوة موسى و التوراة التي أتى بها فكان ينبغي أن يكونوا إلى من وافقهم في الإيمان بنبيهم و كتابهم أقرب و إنما فعلوا ذلك حسدا للنبي (ص) «وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ قََالُوا إِنََّا نَصََارى‏ََ » يعني الذين قدمنا ذكرهم من النجاشي ملك الحبشة و أصحابه عن ابن عباس و سعيد بن جبير و عطا و السدي و الذين جاءوا مع جعفر مسلمين عن مجاهد «ذََلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ» أي من النصارى «قِسِّيسِينَ» أي عبادا عن ابن زيد و قيل علماء عن قطرب و قيل إن النصارى ضيعت الإنجيل و أدخلوا فيه ما ليس فيه و بقي من علمائهم واحد على الحق و الاستقامة فهو قسيسا فمن كان على هداه و دينه فهو قسيس «وَ رُهْبََاناً» أي أصحاب الصوامع «وَ أَنَّهُمْ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ» معناه أن هؤلاء النصارى الذين آمنوا لا يستكبرون عن اتباع الحق و الانقياد له كما استكبر اليهود و عباد الأوثان و أنفوا عن قبول الحق أخبر الله تعالى في هذه الآية عن عداوة مجاوري النبي (ص) من اليهود و مودة النجاشي و أصحابه الذين أسلموا معه من الحبشة لأن الهجرة كانت إلى المدينة و بها اليهود و إلى الحبشة و بها النجاشي و أصحابه ثم وصفهم فقال‏} «وَ إِذََا سَمِعُوا مََا أُنْزِلَ إِلَى اَلرَّسُولِ » من القرآن «تَرى‏ََ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اَلدَّمْعِ مِمََّا عَرَفُوا مِنَ اَلْحَقِّ» أي لمعرفتهم بأن المتلو عليهم كلام الله و أنه حق «يَقُولُونَ رَبَّنََا آمَنََّا» أي صدقنا بأنه كلامك أنزلته على نبيك «فَاكْتُبْنََا» أي فاجعلنا بمنزلة من قد كتب و دون و قيل فاكتبنا في أم الكتاب و هو اللوح المحفوظ «مَعَ اَلشََّاهِدِينَ» أي مع محمد و أمته الذين يشهدون بالحق عن ابن عباس و قيل مع الذين يشهدون بالإيمان عن الحسن و قيل مع الذين يشهدون بتصديق نبيك و كتابك عن الجبائي } «وَ مََا لَنََا لاََ نُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ مََا جََاءَنََا مِنَ اَلْحَقِّ» معناه لأي عذر لا نؤمن بالله و هذا جواب لمن قال لهم من قومهم تعنيفا لهم لم آمنتم عن الزجاج و قيل أنهم قدروا في أنفسهم كان سائلا سألهم عنه فأجابوا بذلك و الحق هو القرآن و الإسلام و وصفه بالمجي‏ء مجازا كما يقال نزل و إنما نزل به الملك فكذلك جاء به الملك و قيل إن جاء بمعنى حدث نحو قوله‏ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ «وَ نَطْمَعُ» أي نرجو و نأمل «أَنْ يُدْخِلَنََا رَبُّنََا» يعني في الجنة لإيماننا بالحق فحذف لدلالة الكلام عليه «مَعَ اَلْقَوْمِ اَلصََّالِحِينَ» المؤمنين من أمة محمد .

363

(1) -

اللغة

أثابهم أي جازاهم و أصل الثواب الرجوع و الإحسان إيصال النفع الحسن إلى الغير و ضده الإساءة و هو إيصال الضرر القبيح إليه و ليس كل من كان من جهته إحسان فهو محسن مطلقا فالمحسن فاعل الإحسان بشرط أن يكون خاليا من وجود القبح و الجحيم النار الشديدة الإيقاد و هو هنا اسم من أسماء جهنم و جحم فلان النار إذا شدد إيقادها و يقال لعين الأسد جحمة لشدة إيقادها قال:

"و الحرب لا يبقى لجاحمها التخيل و المراح"

.

ـ

المعنى‏

«فَأَثََابَهُمُ» أي جازاهم «اَللََّهُ بِمََا قََالُوا» أي بالتوحيد عن الكلبي و على هذا فإنما علق الثواب بمجرد القول لأنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوه و هو المعرفة في قوله مِمََّا عَرَفُوا مِنَ اَلْحَقِّ و البكاء المؤذن بحقيقة الإخلاص و استكانة القلب و معرفته و القول إذا اقترن به المعرفة و الإخلاص فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه الثواب و قيل إن المراد بما قالوا ما سألوا يعني قوله فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ وَ نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنََا الآية عن عطاء عن ابن عباس و على هذا فيكون القول معناه المسألة للجنة «جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا» مر تفسيره «وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلْمُحْسِنِينَ» أي المؤمنين عن الكلبي و الموحدين عن ابن عباس } «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْجَحِيمِ» لما ذكر سبحانه الوعد لمؤمنيهم ذكر الوعيد لمن كفر منهم و كذب و أطلق اللفظ به ليكون لهم و لمن جرى مجراهم في الكفرو إنما شرط في الوعيد على الكفر التكذيب بالآيات و إن كان كل منهما يستحق به العقاب لأن صفة الكفار من أهل الكتاب أنهم يكذبون بالآيات فلم يصح هاهنا أو كذبوا لأنهم جمعوا الأمرين و ليس من شرط المكذب أن يكون عالما بأن ما كذب به صحيح بل إذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذبا و إن لم يعلم أنه كذب و إنما يستحق به الذم لأنه جعل له طريق إلى أن يعلم صحة ما كذب به.

364

(1) -

النزول و القصة

قال المفسرون‏

جلس رسول الله يوما فذكر الناس و وصف القيامة فرق الناس و بكوا و اجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي و هم علي و أبو بكر و عبد الله بن مسعود و أبو ذر الغفاري و سالم مولى أبي حذيفة و عبد الله بن عمر و المقداد بن الأسود الكندي و سلمان الفارسي و معقل بن مقرن و اتفقوا على أن يصوموا النهار و يقوموا الليل و لا يناموا على الفرش و لا يأكلوا اللحم و لا الودك و لا يقربوا النساء و الطيب و يلبسوا المسوح و يرفضوا الدنيا و يسيحوا في الأرض و هم بعضهم أن يجب مذاكيره فبلغ ذلك رسول الله ص فأتى دار عثمان فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية و اسمها حولاء و كانت عطارة أ حق ما بلغني عن زوجك و أصحابه فكرهت أن تكذب رسول الله ص و كرهت أن تبدي على زوجها فقالت يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك فانصرف رسول الله فلما دخل عثمان أخبرته بذلك فأتى رسول الله ص هو و أصحابه فقال لهم رسول الله أ لم أنبئكم أنكم اتفقتم على كذا و كذا قالوا بلى يا رسول الله ص و ما أردنا إلا الخيرفقال رسول الله إني لم أومر بذلك ثم قال إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا و أفطروا و قوموا و ناموا فإني أقوم و أنام و أصوم و أفطر و آكل اللحم و الدسم و آتي النساء و من رغب عن سنتي فليس مني ثم جمع الناس و خطبهم و قال ما بال أقوام حرموا النساء و الطعام و الطيب و النوم و شهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين و رهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم و لا النساء و لا اتخاذ الصوامع و إن سياحة أمتي الصوم و رهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا و حجوا و اعتمروا و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و صوموا رمضان و استقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات و الصوامع فأنزل الله الآية

و روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال نزلت في علي و بلال و عثمان ابن مظعون فأما علي (ع) فإنه حلف أن لا ينام بالليل أبدا إلا ما شاء الله و أما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا و أما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا.

المعنى‏

لما تقدم ذكر الرهبان‏و كانوا قد حرموا على أنفسهم الطيبات نهى الله‏

365

(1) - المؤمنين عن ذلك فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي يا أيها المؤمنون «لاََ تُحَرِّمُوا طَيِّبََاتِ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكُمْ» و هو يحتمل وجوها منها أن يريد لا تعتقدوا تحريمها و منها أن يريد لا تظهروا تحريمها و منها أن يريد لا تحرموها على غيركم بالفتوى و الحكم و منها أن يريد لا تجروها مجرى المحرمات في شدة الاجتناب و منها أن يريد لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين فوجب حمل الآية على جميع هذه الوجوه و الطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس و تميل إليها القلوب و قد يقال الطيب بمعنى الحلال كما يقال يطيب له كذا أي يحل له و لا يليق ذلك بهذا الموضع «وَ لاََ تَعْتَدُوا» أي لا تتعدوا حدود الله و أحكامه و قيل معناه لا تجبوا أنفسكم فسمي الخصاء اعتداء عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الأول أعم فائدة «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ» معناه يبغضهم و يريد الانتقام منهم‏} «وَ كُلُوا مِمََّا رَزَقَكُمُ اَللََّهُ» لفظه أمر و المراد به الإباحة «حَلاََلاً طَيِّباً» أي مباحا لذيذا و يسأل هنا فيقال إذا كان الرزق كله حلالا فلم قيد هاهنا فقال حلالا و الجواب أنه إنما ذكر حلالا على وجه التأكيد كما قال‏ وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسى‏ََ تَكْلِيماً و قد أطلق الله تعالى في موضع آخر على وجه المدح و هو قوله‏ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ* و قال ابن عباس يريد من طيبات الرزق اللحم و غيره «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه و تقديره أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا إيمانكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى‏و اتقوا في تحريم ما أحل الله لكم و في جميع معاصيه من يؤمنون و هو الله تعالى و في هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي و التفرد و التوحش و الخروج عما عليه الجمهور في الفاعل و طلب الولد و عمارة الأرض‏

و قد روي أن النبي ص كان يأكل الدجاج و الفالوذج و كان يعجبه الحلواء الحلال و قال إن المؤمن حلو يحب الحلاوة و قال إن في بطن المؤمن زاوية لا يملؤها إلا الحلواء

و روي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي فقال يا فرقد ما تقول في هذا فقال فرقد لا آكله و لا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب و قال لعاب النحل بلباب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم.

ـ

366

(1) -

القراءة

قرأ ابن عامر وحده عاقدتم برواية ابن ذكوان و قرأ أهل الكوفة غير حفص عقدتم بالتخفيف و الباقون بالتشديد

و روي أن قراءة جعفر بن محمد (ع) تطعمون أهاليكم .

الحجة

قال أبو علي من قرأ «عَقَّدْتُمُ» مشددة القاف احتمل أمرين (أحدهما) أن يكون لتكثير الفعل (و الآخر) أن لا يراد به التكثير كما أن ضاعف لا يراد به فعل الاثنين و من قرأ عقدتم خفيفة جاز أن يراد به الكثير من الفعل و القليل إلا أن فعل يختص بالكثير كما أن الركبة يختص الحال التي يكون عليها الركوب و من قرأ عاقدتم احتمل أمرين (أحدهما) أن يكون يراد به عقدتم كما أن عافاه الله و عاقبت اللص و طارقت النعل بمنزلة فعلت فيكون على هذا قراءته كقراءة من خفف و يحتمل أن يراد بعاقدتم فاعلت الذي يقتضي فاعلين فصاعدا كأنه قال يؤاخذكم بما عقدتم عليه اليمين و لما كان عاقد في المعنى قريبا من عاهد عداه بعلى كما يعدى عاهد بها قال‏ وَ مَنْ أَوْفى‏ََ بِمََا عََاهَدَ عَلَيْهُ اَللََّهَ و اتسع فحذف الجار و وصل الفعل إلى المفعول ثم حذف من الصلة الضمير الذي كان يعود إلى الموصول كما حذفه من قوله‏ فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ و مثله قول الشاعر:

كأنه واضح الأقراب في لقح # أسمى بهن و عزته الأناصيل‏

إنما هو عزت عليه فاتسع و التقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم عليه الأيمان ثم عاقدتموه الأيمان فحذف الراجع و يجوز أن يجعل ما التي مع الفعل بمعنى المصدر فيمن قرأ عقدتم و عقدتم فلا يقتضي راجعا كما لا يقتضيه في قوله‏ وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ و قوله فَالْيَوْمَ نَنْسََاهُمْ كَمََا نَسُوا لِقََاءَ يَوْمِهِمْ هََذََا وَ مََا كََانُوا بِآيََاتِنََا يَجْحَدُونَ و أما قوله أهاليكم فإن أهالي كليالي كان واحدها أهلاة و ليلاة و أنشد ابن الأعرابي :

في كل يوم ما و كل ليلاة # يا ويحه من جمل ما أشقاه‏

و من قال أهالي جمع أهلون فقد أبعد لأن هذا الجمع لا يكسر.

367

(1) -

اللغة

اللغو في اللغة ما لا يعتد به قال الشاعر:

أو مائة تجعل أولادها # لغوا و عرض المائة الجلمد

أي الذي يعارضها في قوة الجلمد يعني بالمائة نوقا أي لا يعتد بأولادها و

لغو اليمين هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد مثل قول القائل لا و الله و بلى و الله على سبق اللسان هذا هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)

يقال عقدت الحبل و العهد و اليمين عقدا قال الحطيئة :

"قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم"

البيت و قال في بيت آخر:

"و إن عاهدوا أوفوا و إن عاقدوا شدوا"

و أعقدت العسل فهو معقد و عقيد و التحرير من الحرية قال الفرزدق :

أ بني غدانة إنني حررتكم # فوهبتكم لعطية بن جعال

يريد أعتقتكم من ذل الهجا و لزوم العار .

النزول‏

قيل لما نزلت لاََ تُحَرِّمُوا طَيِّبََاتِ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكُمْ قالوا يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا فأنزل الله هذه الآية و

قيل نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاه فحلف لا يأكل من الطعام و حلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل و حلف الضيف لا يأكل أن لم يأكلا فأكل عبد الله بن رواحة و أكلا معه فأخبر النبي ص بذلك فقال له أحسنت‏

عن ابن زيد .

المعنى‏

«لاََ يُؤََاخِذُكُمُ اَللََّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمََانِكُمْ» مضى الكلام في لغو اليمين و حكمه في سورة البقرة و لا كفارة فيه عند أكثر المفسرين و الفقهاء إلا ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال فيها الكفارة «وَ لََكِنْ يُؤََاخِذُكُمْ بِمََا عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمََانَ» إن جعلت ما موصولة فمعناه بالذي عقدتم و إن جعلته مصدرية فمعناه بعقدكم أو بتعقيدكم الأيمان أو بمعاقدتكم الأيمان و تفسيره أن يضمر الأمر ثم يحلف بالله فيعقد عليه اليمين عن عطاء و قيل هو ما عقدت عليه قلبك و تعمدته عن مجاهد «فَكَفََّارَتُهُ» أي كفارة ما عقدتم إذا حنثتم و استغني عن ذكره لأنه مدلول عليه لأن الأمة قد اجتمعت على أن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث «إِطْعََامُ عَشَرَةِ مَسََاكِينَ» و اختلف في مقدار ما يعطى كل مسكين‏فقال الشافعي مد من طعام و هو ثلثا من و قال أبو حنيفة نصف صاع من حنطة أو صاع من شعير أو تمر و كذلك سائر الكفارات و قال أصحابنا يعطى كل واحد مدين أو مدا و المد رطلان و ربع و يجوز أن يجمعهم على ما هذا قدره ليأكلوه‏

368

(1) - و لا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة فإن كان المساكين ذكورا و إناثا جاز ذلك و لكن وقع بلفظ التذكير لأنه يغلب في كلام العرب «مِنْ أَوْسَطِ مََا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ» قيل فيه قولان (أحدهما) الخبز و الأدم لأن أفضله الخبز و اللحم و أدونه الخبز و الملح و أوسطه الخبز و السمن و الزيت (و الآخر) أنه الأوسط في المقدار أي تعطيهم كما تعطي أهلك في العسر و اليسر عن ابن عباس «أَوْ كِسْوَتُهُمْ» قيل لكل واحد منهم ثوب عن الحسن و مجاهد و عطاء و طاووس و هو مذهب الشافعي و قال أبو حنيفة ما يقع عليه اسم الكسوة و الذي رواه أصحابنا أن لكل واحد ثوبين مئزرا و قميصا و عند الضرورة يجزي قميص واحد «أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» معناه عتق رقبة عبد أو أمة و الرقبة يعبر بها عن جملة الشخص و هو كل رقبة سليمة من العاهات صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة لأن اللفظة مطلقة مبهمة إلا أن المؤمن أفضل و هذه الثلاثة واجبة على التخيير و قيل إن الواجب منها واحد لا بعينه و فائدة هذا الخلاف و الكلام في شرحها و في الأدلة على صحة المذهب الأول مذكور في أصول الفقه «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيََامُ ثَلاََثَةِ أَيََّامٍ» معناه فكفارته صيام ثلاثة أيام فيكون صيام مرفوعا بأنه خبر المبتدأ أو فعليه صيام ثلاثة أيام فيكون صيام مرفوعا بالابتداء أو بالظرف و حد من ليس بواجد هو من ليس عنده ما يفضل عن قوته و قوت عياله يومه و ليلته و به قال الشافعي و يجب التتابع في صوم هذه الأيام الثلاثة و به قال أبي و ابن عباس و مجاهد و قتادة و أكثر الفقهاء و في قراءة ابن مسعود و أبي ثلاثة أيام متتابعات و اليمين على ثلاثة أقسام (أحدها) ما يكون عقدها طاعة و حلها معصية و هذه تتعلق بحنثها الكفارة بلا خلاف‏و هو كما لو قيل و الله لا شربت خمرا (و الثاني) أن يكون عقدها معصية و حلها طاعة كما يقال و الله لا صليت و هذا لا كفارة في حنثه عند أصحابنا و خالف سائر الفقهاء في ذلك (و الثالث) أن يكون عقدها مباحا و حلها مباحا كما يقول و الله لا لبست هذا الثوب و هذه تتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف أيضا «ذََلِكَ» إشارة إلى ما تقدم ذكره من الكفارة «كَفََّارَةُ أَيْمََانِكُمْ إِذََا حَلَفْتُمْ» يعني إذا حلفتم و حنثتم لأن الكفارة لا تجب بنفس اليمين و إنما تجب باليمين و الحنث و قيل تجب بالحنث بشرط تقدم اليمين و اختلف فيمن كفر بعد اليمين قبل الحنث فقال أبو حنيفة لا تجزي و قال الشافعي تجزي «وَ اِحْفَظُوا أَيْمََانَكُمْ» قيل في معناه قولان قال ابن عباس يريد لا تحلفوا و قال غيره احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا و هو اختيار الجبائي و هذا هو الأقوى لأن الحلف مباح إلا في معصية بلا خلاف و إنما الواجب ترك الحنث و فيه دلالة على أن اليمين في المعصية لا تنعقد لأنها لو انعقدت للزم حفظها و إذا كانت لا تنعقد فلا يلزم فيها الكفارة «كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ‏

369

(1) - لَكُمْ آيََاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» معناه كما بين أمر الكفارة و جميع الأحكام يبين لكم آياته و فروضه لتشكروه على تبيينه لكم أموركم و نعمه عليكم.

ـ

اللغة

الخمر عصير العنب المشتد و هو العصير الذي يسكر كثيره و سمي خمرا لأنها بالسكر تغطي على العقل و أصله في الباب التغطية من قولهم خمرت الإناء إذا غطيته و دخل في خمار الناس إذا خفي فيما بينهم و الميسر القمار كله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه و أصله من اليسر خلاف العسر و سميت اليد اليسرى تفاؤلا بتيسير العمل بها و قيل لأنها تعين اليد اليمني فيكون العمل أيسر و الأنصاب الأصنام واحدها نصب و سمي ذلك لأنها كانت تنصب للعبادة لها و الانتصاب القيام و منه النصب التعب عن العمل الذي ينتصب له و نصاب السكين لأنه ينصب فيه و مناصبة العدو الانتصاب لعداوته قال الأعشى :

و ذا النصب المنصوب لا تنسكنه # و لا تعبد الشيطان و الله فاعبدا

و الأزلام القداح و هي سهام كانوا يجيلونها للقمار و قد ذكرنا ما قيل فيها في أول السورة و الرجز بالزاي هو العذاب و أصل الرجز تتابع الحركات يقال ناقة رجزاء إذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية قال الزجاج الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل يقال رجس يرجس و رجس يرجس إذا عمل عملا قبيحا و الرجس بفتح الراء شدة الصوت يقال رعد رجاس شديد الصوت فكان الرجس الذي يقبح ذكره و يرتفع في القبح .

المعنى‏

ثم عطف الله تعالى على ما بين من الأحكام بالنهي عن أفعال أهل‏

370

(1) - الجاهلية و النقل عنها إلى شريعة الإسلام فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ» مر معناهما في سورة البقرة قال ابن عباس يريد بالخمر جميع الأشربة التي تسكر

و قد قال رسول الله ص الخمر من تسع من البتع و هو العسل و من العنب و من الزبيب و من التمر و من الحنطة و من الذرة و من الشعير و السلت و قال في الميسر يريد القمارو هو في أشياء كثيرة

انتهى كلامه «وَ اَلْأَنْصََابُ وَ اَلْأَزْلاََمُ» ذكرناهما في أول السورة «رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ» لا بد من أن يكون في الكلام حذف و المعنى شرب الخمر و تناوله أو التصرف فيه و عبادة الأنصاب و الاستقسام بالأزلام رجس أي خبيث من عمل الشيطان و إنما نسبها إلى الشيطان و هي أجسام من فعل الله لما يأمر به الشيطان فيها من الفساد فيأمر بشرب المسكر ليزيل العقل و يأمر بالقمار ليستعمل فيه الأخلاق الدنية و يأمر بعبادة الأصنام لما فيها من الشرك بالله و يأمر بالأزلام لما فيها من ضعف الرأي و الاتكال على الاتفاق‏

و قال الباقر (ع) يدخل في الميسر اللعب بالشطرنج و النرد و غير ذلك من أنواع القمار حتى أن لعب الصبيان بالجوز من القمار

«فَاجْتَنِبُوهُ» أي كونوا على جانب منه أي في ناحية «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» معناه لكي تفوزوا بالثواب و في هذه الآية دلالة على تحريم الخمر و هذه الأشياء من أربعة أوجه (أحدها) أنه سبحانه وصفها بالرجس و هو النجس و النجس محرم بلا خلاف (و الثاني) أنه نسبها إلى عمل الشيطان و ذلك يوجب تحريمها (و الثالث) أنه أمر باجتنابها و الأمر يقتضي الإيجاب (و الرابع) أنه جعل الفوز و الفلاح في اجتنابها و الهاء في قوله «فَاجْتَنِبُوهُ» راجعة إلى عمل الشيطان و تقديره فاجتنبوا عمل الشيطان و كل واحد من شرب الخمر و تعاطي القمار و اتخاذ الأنصاب و الأزلام من عمل الشيطان و يجوز أن تكون الهاء عائدة إلى الرجس و الرجس واقع على الخمر و ما ذكره بعدها و قد قرن الله تعالى الخمر بعبادة الأوثان تغليظا في تحريمها و لذلك‏

قال الباقر (ع) مدمن الخمر كعابد الوثن‏

و في هذا دلالة على تحريم سائر التصرفات في الخمر من الشرب و البيع و الشراء و الاستعمال على جميع الوجوه‏ثم بين تعالى أنه إنما نهى عن الخمر لما يعلم في اجتنابه من الصلاح و خير الدارين فقال‏} «إِنَّمََا يُرِيدُ اَلشَّيْطََانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ» قال ابن عباس يريد سعد بن أبي وقاص و رجلا من الأنصار كان مواخيا لسعد فدعاه إلى الطعام فأكلوا و شربوا نبيذا مسكرا فوقع بين الأنصاري و سعد مراء و مفاخرة فأخذ الأنصاري لحي جمل فضرب به سعدا ففزر أنفه فأنزل‏

371

(1) - الله تعالى ذلك فيهما و المعنى يريد الشيطان إيقاع العداوة بينكم بالإغواء المزين لكم ذلك حتى إذا سكرتم زالت عقولكم و أقدمتم من القبائح على ما كان يمنعه منه عقولكم قال قتادة إن الرجل كان يقامر في ماله و أهله فيقمر و يبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة و البغضاء «وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ» أي يمنعكم عن الذكر لله بالتعظيم و الشكر على آلائه «وَ عَنِ اَلصَّلاََةِ» التي هي قوام دينكم «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» صيغته الاستفهام و معناه النهي و إنما جاز في صيغة الاستفهام أن يكون على معنى النهي لأن الله ذم هذه الأفعال و أظهر قبحها و إذا ظهر قبح الفعل للمخاطب ثم استفهم عن تركه لم يسعه إلا الإقرار بالترك فكأنه قيل له أ تفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما ظهر فصار المنتهي بقوله «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» في محل من عقد عليه ذلك بإقراره و كان هذا أبلغ في باب النهي من أن يقال انتهوا و لا تشربوا.

المعنى‏

لما أمر الله تعالى باجتناب الخمر و ما بعدها عقبه بالأمر بالطاعة له فيه و في غيره فقال «وَ أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ » و الطاعة هي امتثال الأمر و الانتهاء عن المنهي عنه و لذلك يصح أن يكون الطاعة طاعة الاثنين بأن يوافق أمرهما و إرادتهما «وَ اِحْذَرُوا» هذا أمر منه تعالى بالحذر من المحارم و المناهي قال عطاء يريد و احذروا سخطي و الحذر هو امتناع القادر من الشي‏ء لما فيه من الضرر «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ» أي فإن أعرضتم و لم تعملوا بما آمركم به «فَاعْلَمُوا أَنَّمََا عَلى‏ََ رَسُولِنَا اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ» معناه الوعيد و التهديد كأنه قال فاعلموا أنكم قد استحققتم العقاب لتوليكم عما أدى رسولنا إليكم من البلاغ المبين يعني الأداء الظاهر الواضح فوضع كلام موضع كلام للإيجاز و لو كان الكلام على صيغة من غير هذا التقدير لا يصح لأن عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا و ما في قوله «أَنَّمََا» كافة لأن عن عملها.

372

(1) -

النزول‏

لما نزل تحريم الخمر و الميسر قالت الصحابة يا رسول الله ما تقول في إخواننا الذين مضوا و هم يشربون الخمر و يأكلون الميسر فأنزل الله هذه الآية عن ابن عباس و أنس بن مالك و البراء بن عازب و مجاهد و قتادة و الضحاك و قيل إنها نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم و سلكوا طريق الترهيب كعثمان بن مظعون و غيره فبين الله لهم أنه لا جناح في تناول المباح مع اجتناب المحرمات.

ـ

المعنى‏

«لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جُنََاحٌ» أي إثم و حرج «فِيمََا طَعِمُوا» من الخمر و الميسر قبل نزول التحريم و

في تفسير أهل البيت (ع) فيما طعموا من الحلال‏

و هذه اللفظة صالحة للأكل و الشرب جميعا «إِذََا مَا اِتَّقَوْا» شربها بعد التحريم «وَ آمَنُوا» بالله «وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» أي الطاعات «ثُمَّ اِتَّقَوْا» أي داموا على الاتقاء «وَ آمَنُوا» أي داموا على الإيمان «ثُمَّ اِتَّقَوْا» بفعل الفرائض «وَ أَحْسَنُوا» بفعل النوافل و على هذا يكون الاتقاء الأول اتقاء الشرب بعد التحريم و الاتقاء الثاني هو الدوام على ذلك و الاتقاء الثالث اتقاء جميع المعاصي و ضم الإحسان إليه و قيل إن الاتقاء الأول هو اتقاء المعاصي العقلية التي تختص المكلف و لا تتعداه و الإيمان الأول هو الإيمان بالله تعالى و بما أوجب الله تعالى الإيمان به و الإيمان بقبح هذه المعاصي و وجوب تجنبها و الاتقاء الثاني هو اتقاء المعاصي السمعية و الإيمان بقبحها و وجوب اجتنابها و الاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد و بما يتعدى إلى الغير من الظلم و الفساد و قال أبو علي الجبائي إن الشرط الأول يتعلق بالزمان الماضي و الشرط الثاني يتعلق بالدوام على ذلك و الاستمرار على فعله و الشرط الثالث يختص بمظالم العباد ثم استدل على أن هذا الاتقاء يختص بمظالم العباد بقوله «أَحْسَنُوا» فإن الإحسان إذا كان متعديا وجب أن تكون المعاصي التي أمروا باتقائها قبله أيضا متعدية و هذا ضعيف لأنه لا تصريح في الآية بأن المراد به الإحسان المتعدي و لا يمتنع أن يريد بالإحسان فعل الحسن و المبالغة فيه و إن اختص الفاعل و لا يتعداه كما يقولون لمن بالغ في فعل الحسن أحسنت و أجملت ثم لو سلم أن المراد به الإحسان المتعدي فلم لا يجوز أن يعطف فعل متعد على فعل لا يتعدى و لو صرح تعالى فقال و اتقوا القبائح كلها و أحسنوا إلى غيرهم لم يمتنع و لعل أبا علي إنما عدل في الشرط الثالث عن ذكر الأحوال لما ظن أنه لا يمكن فيه ما أمكن في الأول و الثاني و هذا ممكن غير ممتنع بأن يحمل الشرط الأول على الماضي و الثاني على الحال و الثالث على المنتظر المستقبل‏و متى قيل أن المتكلمين عندهم لا واسطة بين‏

373

(1) - الماضي و المستقبل فإن الفعل إما أن يكون موجودا فيكون ماضيا و إما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا و إنما ذكر الأحوال الثلاثة النحويون فجوابه أن الصحيح أنه لا واسطة في الوجود بين المعدوم و الموجود كما ذكرت غير أن الموجود في أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا و نفرق بينه و بين الغابر السالف و الغابر المنتظر و وجدت السيد الأجل المرتضى علي بن الحسين الموسوي ذكر في بعض مسائله أن المفسرين تشاغلوا بإيضاح الوجه في التكرار الذي تضمنته هذه الآية و ظنوا أنه المشكل فيها و تركوا ما هو أشد إشكالا من التكرار و هو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء و الإيمان و عمل الصالحات و الإيمان و عمل الصالحات ليس بشرط في نفي الجناح فإن المباح إذا وقع من الكافر فلا إثم عليه و لا وزر قال و لنا في حل هذه الشبهة طريقان (أحدهما) أن يضم إلى المشروط المصرح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما شرط فيكون تقدير الآية ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا و غيره إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات لأن الشرط في نفي الجناح لا بد من أن يكون له تأثير حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح‏و قد علمنا أن باتقاء المحارم ينتفي الجناح فيما يطعم فهو الشرط الذي لا زيادة عليه و لما ولي ذكر الاتقاء الإيمان و عمل الصالحات و لا تأثير لهما في نفي الجناح علمنا أنه أضمر ما تقدم ذكره ليصح الشرط و يطابق المشروط لأن من اتقى المحارم فيما لا يطعم لا جناح عليه فيما يطعمه و لكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخل به من واجب أو ضيعه من فرض فإذا شرطنا أنه وقع اتقاء القبيح ممن آمن بالله و عمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كل وجه و ليس بمنكر حذف ما ذكرناه لدلالة الكلام عليه فمن عادة العرب أن يحذفوا ما يجري هذا المجرى و تكون قوة الدلالة عليه مغنية عن النطق به و مثله قول الشاعر:

تراه كان الله يجدع أنفه # و عينيه إن مولاه ثاب له وفر

لما كان الجدع لا يليق بالعين و كانت معطوفة على الأنف الذي يليق الجدع به أضمر ما يليق بالعين من البخص و ما يجري مجراه و الطريق الثاني هو أن يجعل الإيمان و عمل الصالحات هنا ليس بشرط حقيقي و إن كان معطوفا على الشرط فكأنه تعالى لما أراد أن يبين وجوب الإيمان و عمل الصالحات عطفه على ما هو واجب من اتقاء المحارم‏

374

(1) - لاشتراكهما في الوجوب و إن لم يشتركا في كونهما شرطا في نفي الجناح فيما يطعم و هذا توسع في البلاغة يحار فيه العقل استحسانا و استغرابا انتهى كلامه و قد قيل أيضا في الجواب عن ذلك أن المؤمن يصح أن يطلق عليه بأنه لا جناح عليه و الكافر مستحق للعقاب مغمور فلا يطلق عليه هذا اللفظو أيضا فإن الكافر قد سد على نفسه طريق معرفة التحريم و التحليل فلذلك خص المؤمن بالذكر و قوله «وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ» أي يريد ثوابهم أو إجلالهم و إكرامهم و تبجيلهم‏

و يروى أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر بن الخطاب فأراد أن يقيم عليه الحد فقال «لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جُنََاحٌ فِيمََا طَعِمُوا» الآية فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد فقال علي أديروه على الصحابة فإن لم يسمع أحدا منهم قرأ عليه آية التحريم فادرءوا عنه الحد و إن كان قد سمع فاستتيبوه و أقيموا عليه الحد فإن لم يتب وجب عليه القتل.

القراءة

قرأ أهل الكوفة و يعقوب «فَجَزََاءٌ» منونا «مِثْلُ» بالرفع و الباقون فجزاء مثل ما قتل بالإضافة و قرأ أهل المدينة و ابن عامر أو كفارة بغير تنوين طعام على الإضافة و الباقون «أَوْ كَفََّارَةٌ» بالتنوين «طَعََامُ» بالرفع و لم يختلفوا في «مَسََاكِينَ» أنه جمع و روي في الشواذ قراءة

375

(1) - أبي عبد الرحمن «فَجَزََاءٌ» منون مثل منصوب‏

و قراءة محمد بن علي الباقر (ع) و جعفر بن محمد الصادق (ع) يحكم به ذو عدل منكم .

ـ

الحجة

قال أبو علي حجة من رفع المثل أنه صفة الجزاء و المعنى فعليه جزاء من النعم مماثل للمقتول و التقدير فعليه جزاء أي فاللازم له أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد و قوله «مِنَ اَلنَّعَمِ» على هذه القراءة صفة للنكرة التي هي جزاء و فيه ذكر له و لا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل لأن عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله و لا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله و لا يجوز أن يكون قوله «مِنَ اَلنَّعَمِ» على هذه القراءة متعلقا بالمصدر كما جاز أن يكون الجار متعلقا به كما في قوله‏ «جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا» لأنك قد وصفت الموصول و إذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا كما أنك إذا عطفت عليه أو أكدته لم يجز أن تعلق به شيئا بعد العطف عليه و التأكيد له فأما في قراءة من أضاف الجزاء إلى مثل فإن قوله «مِنَ اَلنَّعَمِ» يكون صفة الجزاء كما كان في قول من نون و لم يصف صفة له و يجوز فيه وجه آخر لا يجوز في قول من نون و وصف و هو أن تقدره متعلقا بالمصدر و لا يجوز على هذا القول أن يكون فيه ذكر كما يتضمن الذكر لما كان صفة و إنما جاز تعلقا بالمصدر و لا يجوز على قول من أضاف لأنك لم تصف الموصول كما وصفته في قول من نون فيمتنع تعلقه به و أما من أضاف الجزاء إلى مثل فإنه و إن كان عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فإنهم قد يقولون أنا أكرم مثلك يريدون أنا أكرمك فكذلك إذا قال «فَجَزََاءٌ مِثْلُ مََا قَتَلَ» فالمراد جزاء ما قتل و إذا كان كذلك كانت الإضافة في المعنى كغير الإضافة و لو قدرت الجزاء تقدير المصدر فأضفته إلى المثل كما تضيف المصدر إلى المفعول به لكان جائزا في قول من جر مثلا على الاتساع الذي ذكرناه أ لا ترى أن المعنى فجزاء مثل ما قتل على ما قرأه أبو عبد الرحمن أي يجازى مثل ما قتل و مثله قول الشاعر:

بضرب بالسيوف رءوس قوم # أزلنا هامهن على المقيل‏

لما نون المصدر أعمله و أما الوجه في قراءة من رفع «طَعََامُ مَسََاكِينَ» أنه جعله عطفا على الكفارة عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة و لم يضف الكفارة إلى الطعام و من أضاف الكفارة

376

(1) - إلى الطعام فلأنه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء الهدي و الطعام و الصيام استجاز الإضافة لذلك فكأنه قال كفارة طعام لا كفارة هدي و لا صوم فاستقامت الإضافة و أما ذو عدل فقد قال أبو الفتح فيه أنه لم يوحد ذو لأن الواحد يكفي لكنه أراد معنى من أي يحكم به من يعدل و من يكون للاثنين كما يكون للواحد كقوله:

"نكن مثل من يا ذئب يصطحبان"

و أقول إن هذا الوجه الذي ذكره ابن جني بعيد غير مفهوم و

قد وجدت في تفسير أهل البيت منقولا عن السيدين (ع) أن المراد بذي العدل رسول الله ص و أولي الأمر من بعده‏

و كفى بصاحب القراءة خبرا بمعنى قراءته.

اللغة

البلاء الاختبار و الامتحان و أصله إظهار باطن الحال و منه البلاء النعمة لأنه يظهر به باطن حال المنعم عليه في الشكر أو الكفر و البلى الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه و الغيب ما غاب عن الحواس و منه الغيبة و هو الذكر بظهر الغيب بالقبيح و حرم جمع حرام و رجل حرام و محرم بمعنى و حلال و محل كذلك‏و أحرم الرجل دخل في الشهر الحرام و أحرم أيضا دخل في الحرم و أحرم أهل بالحج و الحرم الإحرام و منه‏

الحديث كنت أطيب النبي لحرمة

و أصل الباب المنع و سميت النساء حرما لأنها تمنع و المحروم الممنوع الرزق و المثل و المثل و الشبه و الشبه واحد و النعم في اللغة هي الإبل و البقر و الغنم و إن انفردت الإبل قيل لها نعم و إن انفردت البقر و الغنم لم تسم نعما ذكره الزجاج قال الفراء العدل بفتح العين ما عادل الشي‏ء من غير جنسه و العدل بالكسر المثل تقول عندي عدل غلامك أو شاتك إذا كانت شاة تعدل شاة أو غلام يعدل غلاما فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت فقلت عدل و قال البصريون العدل و العدل في معنى المثل كان من الجنس أو غير الجنس و الوبال ثقل الشي‏ء في المكروه و منه قولهم طعام وبيل و ماء وبيل إذا كانا ثقيلين غير ناميين في المال و منه قوله «فَأَخَذْنََاهُ أَخْذاً وَبِيلاً» أي ثقيلا شديدا و يقال لخشبة القصار وبيل من هذا قال طرفة بن العبد :

فمرت كهاة ذات خيف جلالة # عقيلة شيخ كالوبيل يلندد

.

الإعراب‏

«لَيَبْلُوَنَّكُمُ» هذه اللام لام القسم و من في قوله «مِنَ اَلصَّيْدِ» للتبعيض‏

377

(1) - و يحتمل وجهين (أحدهما) أن يكون عنى صيد البر دون البحر (و الآخر) أن يكون لما عنى الصيد ما داموا في الإحرام كان ذلك بعض الصيد و يجوز أن تكون من لتبيين الجنس كما تقول لامتحننك بشي‏ء من الورق أي لامتحننك بالجنس الذي هو ورق كقوله‏ «فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ» و الأوثان كلها رجس فالمعنى اجتنبوا الرجس الذي هو وثن و أراد بالصيد المصيد بدلالة قوله «تَنََالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمََاحُكُمْ» و لو كان الصيد مصدرا يكون حدثا فلا يوصف بنيل اليد و الرمح و إنما يوصف بذلك ما لو كان عينا و قوله «بِالْغَيْبِ» في محل النصب على الحال و المعنى من يخافه غائبا كما في قوله‏ «مَنْ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ و يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ» * و قوله «وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» في موضع النصب على الحال «هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ » منصوب على الحال و المعنى مقدرا أن يهدي قاله الزجاج قال و بالغ الكعبة لفظه لفظ معرفة و معناه النكرة أي بالغا الكعبة و حذف التنوين استخفافا و أقول يعني بذلك أن هذه الإضافة لفظية غير محضة فيكون في تقدير الانفصال و المضاف إليه و إن كان مجرورا في اللفظ فهو منصوب في المعنى لكن لما حذف التنوين من الأول طلبا للخفة انجر الثاني في اللفظو قوله «صِيََاماً» منصوب على التمييز و المعنى و مثل ذلك من الصيام و قوله «فَيَنْتَقِمُ اَللََّهُ مِنْهُ» فيه إضمار مقدر كأنه قال و من عاد فهو ينتقم الله منه لأن الفاء لا تدخل في جواب الشرط على الفعل إذا كان مستغنى عنه مع الفعل و يكون موضع الفاء مع ما بعدها جزما.

ـ

المعنى‏

لما تقدم في أول السورة تحريم الصيد على المحرم مجملا بين سبحانه ذلك هنا فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» خص المؤمنين بالذكر و إن كان الكفار أيضا مخاطبين بالشرائع لأنهم القابلون لذلك المنتفعون به و قيل لأنه لم يعتد بالكفار «لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللََّهُ» أي ليختبرن الله طاعتكم عن معصيتكم «بِشَيْ‏ءٍ مِنَ اَلصَّيْدِ» أي بتحريم شي‏ء من الصيد و إنما بعض لأنه عنى صيد البر خاصة عن الكلبي و قد ذكرناه قبل مفسرا و معنى الاختبار من الله أن يأمر و ينهى ليظهر المعلوم و يصح الجزاء قال أصحاب المعاني امتحن الله أمة محمد ص بصيد البر كما امتحن أمة موسى (ع) بصيد البحر «تَنََالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمََاحُكُمْ» قيل فيه أقوال (أحدها)

أن المراد به تحريم صيد البر و الذي تناله الأيدي فراخ الطير و صغار الوحش و البيض و الذي تناله الرماح الكبار من الصيد عن ابن عباس و مجاهد و هو المروي عن أبي عبد الله (ع)

(و ثانيها) أن المراد به صيد الحرم ينال بالأيدي و الرماح لأنه يأنس بالناس و لا ينفر منهم فيه كما ينفر في الحل و ذلك آية من آيات الله عن أبي علي الجبائي (و ثالثها) أن‏

378

(1) - المراد به ما قرب من الصيد و ما بعد «لِيَعْلَمَ اَللََّهُ مَنْ يَخََافُهُ بِالْغَيْبِ» معناه ليعاملكم معاملة من يطلب منكم أن يعلم مظاهرة في العدل و وجه آخر ليظهر المعلوم و هو أن يخاف بظهر الغيب فينتهي عن صيد الحرم طاعة له تعالى و قيل ليعلم وجود خوف من يخافه بالوجود لأنه لم يزل عالما بأنه سيخاف فإذا وجد الخوف علم ذلك موجودا و هما معلوم واحد و إن اختلفت العبارة عنه فالحدوث إنما يدخل على الخوف لا على العلم و قوله «بِالْغَيْبِ» معناه في حال الخلوة و التفرد و قيل معناه أن يخشى عقابه إذا توارى بحيث لا يقع عليه الحس عن الحسن و قال أبو القاسم البلخي أن الله تعالى و إن كان عالما بما يفعلونه فيما لم يزل فإنه لا يجوز أن يثيبهم و لا يعاقبهم على ما يعلمه منهم و إنما يستحقون ذلك إذا علمه واقعا منهم على الوجه الذي كلفهم عليه فإذا لا بد من التكليف و الابتلاء «فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ بَعْدَ ذََلِكَ» أي من تجاوز حد الله و خالف أمره بالصيد في الحرم و في حال الإحرام «فَلَهُ عَذََابٌ أَلِيمٌ» أي مؤلم ثم ذكر سبحانه عقيب ذلك ما يجب على ذلك الاعتداء من الجزاء فقال‏} «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ» اختلف في المعني بالصيد فقيل هو كل الوحش أكل أو لم يؤكل و هو قول أهل العراق و استدلوا

بقول علي (ع) :

صيد الملوك أرانب و ثعالب # فإذا ركبت فصيدي الأبطال‏

و هو مذهب أصحابنا رضي الله عنهم و قيل هو كل ما يؤكل لحمه و هو قول الشافعي «وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» أي و أنتم محرمون بحج أو عمرة و قيل معناه و أنتم في الحرم قال الجبائي الآية تدل على تحريم قتل الصيد على الوجهين معا و هو الصحيح و قال علي بن عيسى تدل على الإحرام بالحج أو العمرة فقط «وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً» قيل هو أن يتعمد القتل ناسيا لإحرامه عن الحسن و مجاهد و ابن زيد و ابن جريج و إبراهيم قالوا فأما إذا تعمد القتل ذاكرا لإحرامه فلا جزاء فيه لأنه أعظم من أن يكون له كفارة و قيل هو أن يتعمد القتل و إن كان ذاكرا لإحرامه عن ابن عباس و عطاء و الزهري و هو قول أكثر الفقهاء

فأما إذا قتل الصيد خطأ أو ناسيا فهو كالمتعمد في وجوب الجزاء عليه و هو مذهب عامة أهل التفسير و العلم و هو المروي عن أئمتنا (ع)

قال الزهري نزل القرآن بالعمد و جرت السنة في الخطإ «فَجَزََاءٌ مِثْلُ مََا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ» قد ذكرنا معناه في القراءتين قال الزجاج و يجوز أن يكون المعنى فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل فيكون جزاء مبتدأ و مثل خبره و اختلف في هذه المماثلة أ هي في القيمة أو الخلقة فالذي عليه معظم أهل العلم أن المماثلة معتبرة في الخلقة

ففي النعامة بدنة و في حمار

379

(1) - الوحش و شبهه بقرة و في الظبي و الأرنب شاة و هو المروي عن أهل البيت (ع)

و هو قول ابن عباس و الحسن و مجاهد و السدي و عطاء و الضحاك و غيرهم و قال إبراهيم النخعي يقوم الصيد قيمة عادلة ثم يشتري بثمنه مثله من النعم فاعتبر المماثلة بالقيمة و الصحيح القول الأول «يَحْكُمُ بِهِ ذَوََا عَدْلٍ مِنْكُمْ» قال ابن عباس يريد يحكم في الصيد بالجزاء رجلان صالحان منكم أي من أهل ملتكم و دينكم فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به «هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ » أي يهديه هديا يبلغ الكعبة قال ابن عباس يريد إذا أتى مكة ذبحه و تصدق به و قال أصحابنا إن كان أصاب الصيد و هو محرم بالعمرة ذبح جزاءه أو نحره بمكة قبالة الكعبة و إن كان محرما بالحج ذبحه أو نحره بمنى «أَوْ كَفََّارَةٌ طَعََامُ مَسََاكِينَ» قيل في معناه قولان (أحدهما) أن يقوم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاما و يتصدق به عن عطاء و هو الصحيح (و الآخر) أن يقوم الصيد المقتول حيا ثم يجعل طعاما عن قتادة «أَوْ عَدْلُ ذََلِكَ صِيََاماً» و فيه أيضا قولان (أحدهما) أن يصوم عن كل مد يقوم من الطعام يوما عن عطاء و هو مذهب الشافعي (و الآخر)

أن يصوم عن كل مدين يوما و هو المروي عن أئمتنا (ع)

و هو مذهب أبي حنيفة و اختلفوا في هذه الكفارات الثلاث فقيل إنها مرتبة عن ابن عباس و الشعبي و السدي قالوا و إنما دخلت أو لأنه لا يخرج حكمه عن إحدى الثلاث و قيل أنها على التخيير عن ابن عباس في رواية أخرى و عطاء و الحسن و إبراهيم و هو مذهب أبي حنيفة و الشافعي و كلا القولين رواه أصحابنا «لِيَذُوقَ وَبََالَ أَمْرِهِ» أي عقوبة ما فعله في الآخرة إن لم يتب و قيل معناه ليذوق وخامة عاقبة أمره و ثقله بما يلزمه من الجزاء فإن سأل سائل فقال كيف يسمى الجزاء وبالا و إنما هي عبادة فإذا كانت عبادة فهي نعمة و مصلحة فالجواب أن الله سبحانه شدد عليه التكليف بعد أن عصاه‏فثقل ذلك عليه كما حرم الشحم على بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت فثقل ذلك عليهم و إن كان مصلحة لهم «عَفَا اَللََّهُ عَمََّا سَلَفَ» من أمر الجاهلية عن الحسن و قيل عفا الله عما سلف من الدفعة الأولى في الإسلام أي قبل التحريم «وَ مَنْ عََادَ فَيَنْتَقِمُ اَللََّهُ مِنْهُ» أي من عاد إلى قتل الصيد محرما فالله سبحانه يكافيه عقوبة بما صنع و اختلف في لزوم الجزاء بالمعاودة فقيل أنه لا جزاء عليه عن ابن عباس و الحسن و هو الظاهر في روايات أصحابنا و قيل أنه يلزمه الجزاء عن عطاء و سعيد بن جبير و إبراهيم و به قال بعض أصحابنا «وَ اَللََّهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقََامٍ» معناه قادر لا يغلب‏

380

(1) - ذو انتقام ينتقم ممن يتعدى أمره و يرتكب نهيه.

ـ

اللغة

عنى بالبحر جميع المياه و العرب تسمي النهر بحرا و منه قوله‏ ظَهَرَ اَلْفَسََادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ و الأغلب في البحر أن يكون ماؤه ملحا و لكن إذا أطلق دخل فيه الأنهار و السيارة المسافرون.

الإعراب‏

«مَتََاعاً» نصب على المصدر لأن قوله «أُحِلَّ لَكُمْ» يدل على أنه قد متعهم به كما أنه لما قال‏ «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ» كان دليلا على أنه كتب عليهم فقال‏ كِتََابَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ .

المعنى‏

ثم بين سبحانه ما يحل من الصيد و ما لا يحل فقال «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ» أي أبيح لكم صيد الماء و إنما أحل بهذه الآية الطري من صيد البحر لأن العتيق لا خلاف في كونه حلالا عن ابن عباس و زيد بن ثابت و سعيد بن جبير و سعيد بن المسيب و قتادة و مجاهد «وَ طَعََامُهُ» يعني طعام البحر ثم اختلف فيه فقيل يريد به ما قذفه البحر ميتا عن ابن عباس و ابن عمر و قتادة و قيل يريد به المملوح عن ابن عباس في رواية أخرى و سعيد ابن المسيب و سعيد بن جبير و مجاهد و هو الذي يليق بمذهبنا و إنما سمي طعاما لأنه يدخر ليطعم فصار كالمقتات من الأغذية فيكون المراد بصيد البحر الطري و بطعامه المملوح لأن عندنا لا يجوز أكل ما يقذف به البحر ميتا للمحرم و غير المحرم و قيل المراد بطعامه ما ينبت بمائة من الزرع و الثمار «مَتََاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيََّارَةِ» قيل معناه منفعة للمقيم و المسافر عن قتادة و ابن عباس و الحسن و قيل لأهل الأمصار و أهل القرى و قيل للمحل و المحرم «وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ مََا دُمْتُمْ حُرُماً»

هذا يقتضي تحريم الاصطياد في حال الإحرام و تحريم أكل ما صاده الغير و به قال علي

و ابن عباس و ابن عمر و سعيد بن جبير و قيل أن لحم الصيد لا يحرم على المحرم إذا صاده غيره عن عمر و عثمان و الحسن و الصيد قد يكون عبارة عن الاصطياد فيكون مصدرا و يكون عبارة عن المصيد فيكون اسما و يجب حمل الآية على الأمرين و تحريم الجميع «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» هذا أمر منه تعالى بأن يتقي جميع‏

381

(1) - معاصيه و يجتنب جميع محارمه لأن إليه الرجوع في الوقت الذي لا يملك أحد فيه الضر و النفع سواه و هو يوم القيامة فيجازي المحسن بإحسانه و المسي‏ء بإساءته.

القراءة

قرأ ابن عامر وحده قيما للناس بغير ألف و الباقون «قِيََاماً» بالألف.

الحجة

القيام مصدر كالصيام و العياذ و أما القيم فيجوز أن يكون مصدرا كالشبع و يجوز أن يكون حذف الألف من القيام كما يقصر الممدود و هذا إنما يجوز في الشعر دون حال السعة و إذا كان مصدرا فإنما أعل و لم يصحح كما صحح العوض و الحول لأن المصدر يعل إذا اعتل فعله لأن المصدر يجري على فعله فإذا صح حرف العلة في الفعل صح في مصدره نحو اللواذ و الجوار فإذا اعتل في العقل اعتل في مصدره نحو الصيام و القيام.

اللغة

سميت الكعبة كعبة لتربيعها و إنما قيل للمربع كعبة لنتوء زواياه الأربع و الكعوبة النتوء و منه كعب الإنسان لنتوئه و كعبت المرأة إذا نتا ثديها و كعبت بمعناه و العرب تسمي كل بيت مربع كعبة و قيل سميت كعبة لانفرادها عن البنيان و هذا أيضا يرجع إلى الأول لأن المتفرد من البنيان كعبة لنتوئه من الأرض قال الرماني و البيت الحرام سمي بذلك لأن الله حرم أن يصاد صيده و أن يعضد شجرة و أن يختلى خلاه و لأنه عظم حرمته و

في الحديث مكتوب في أسفل المقام إني أنا الله ذو بكة حرمتها يوم خلقت السموات و الأرض و يوم وضعت هذين الجبلين و حففتهما بسبعة أملاك حنفاء من جاءني زائرا لهذا البيت عارفا بحقه مذعنا لي بالربوبية حرمت جسده على النار

.

المعنى‏

لما ذكر سبحانه حرمة الحرم عقبه بذكر البيت الحرام و الشهر الحرام فقال «جَعَلَ اَللََّهُ اَلْكَعْبَةَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرََامَ » أي جعل الله حج الكعبة أو نصب الكعبة «قِيََاماً

382

(1) - لِلنََّاسِ» أي لمعايش الناس و مكاسبهم لأنه مصدر قاموا كان المعنى قاموا بنصبه ذلك لهم فاستتبت معايشهم بذلك و استقامت أحوالهم به لما يحصل لهم في زيارتها من التجارة و أنواع البركة و لهذا قال سعيد بن جبير

من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا و الآخرة أصابه و هو المروي عن أبي عبد الله (ع)

و قال ابن عباس معناه جعل الله الكعبة أمنا للناس بها يقومون أي يأمنون و لولاها لفنوا و هلكوا و ما قاموا و كان أهل الجاهلية يأمنون به فلو لقي الرجل قاتل أبيه و ابنه في الحرم ما قتله و قيل أن معنى قوله «قِيََاماً لِلنََّاسِ» أنهم لو تركوه عاما واحدا لا يحجونه ما نوظروا أن يهلكوا عن عطاء

و رواه علي بن إبراهيم عنهم (ع) قال ما دامت الكعبة يحج الناس إليها لم يهلكوا فإذا هدمت و تركوا الحج هلكوا

«وَ اَلشَّهْرَ اَلْحَرََامَ» يعني الأشهر الحرم الأربعة واحد فرد و ثلاثة سرد أي متتابعة فالفرد رجب و السرد ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و إنما خرج مخرج الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس و هو عطف على المفعول الأول لجعل كما يقال ظننت زيدا منطلقا و عمرا «وَ اَلْهَدْيَ وَ اَلْقَلاََئِدَ» مر ذكرهما في أول السورة و إنما ذكر هذه الجملة بعد ذكر البيت لأنها من أسباب حج البيت فدخلت في جملته فذكرت معه و كان أهل الجاهلية لا يغزون في أشهر الحرم و كانوا ينصلون فيها الأسنة و يتفرغ الناس فيها إلى معايشهم و كان الرجل يقلد بغيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يخاف و كانوا قد توارثوه من دين إسماعيل (ع) فبقوا عليه رحمة من الله لخلقه إلى أن قام الإسلام فحجزهم عن البغي و الظلم و قال أبو بكر الأنباري فقد حصل في الآية طريقان (أحدهما) أن الله تعالى من على المسلمين بأن جعل الكعبة صلاحا لدينهم و دنياهم و قياما لهم (و الثاني) أنه أخبر عما فعله من أمر الكعبة في الجاهلية «ذََلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَنَّ اَللََّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» قد اعترض على هذا فقيل أي تعلق لهذا بقوله «جَعَلَ اَللََّهُ اَلْكَعْبَةَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرََامَ قِيََاماً لِلنََّاسِ» و الجواب عنه من وجوه (أحدها) أن فيما جعله الله تعالى في البلد الحرام و الشهر الحرام من الآيات و الأعاجيب دلالة على أنه تعالى لا يخفى عليه شي‏ء و ذلك أنه جعل الحرم أمنا يسكن فيه كل شي‏ء فالظبي يأنس فيه بالسبع و الذئب ما دام في الحرم فإذا خرج من الحرم خاف و طلبه السبع و هرب منه الظبي حتى يرجع إلى الحرم فإذا رجع إليه كف السبع عنه و كذلك الطير و الحمام يأنس بالإنسان فإذا خرج من الحرم خافه مع أمور كثيرة و عجائب شهيرة ذكرنا بعضها في أول سورة آل عمران عند قوله‏ «فِيهِ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ» فيكون ما دبره الله من ذلك دالا على أنه عالم بمصالح الخلق و بكل شي‏ء (و ثانيها) أنه تعالى علم أن العرب يكونون أصحاب عداوات و طوائل‏

383

(1) - و أنهم يكونون حوالي الكعبة فلما خلق السموات و الأرض جعل الكعبة موضع أمن‏و عظم حرمتها في القلوب و بقيت تلك الحرمة إلى يومنا هذا فلو لا كونه سبحانه عالما بالأشياء قبل كونها لما كان هذا التدبير وفقا للصلاح (و ثالثها) أنه تعالى لما أخبر في هذه السورة بقصة موسى و عيسى (ع) و التوراة و الإنجيل و ما فيهما من الأحكام و الأخبار و ذلك كله مما لم يشاهده نبينا محمد ص و لا أحد في عصره قال فيما بعد «ذََلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ» و معناه لو لا أنه سبحانه بكل شي‏ء عليم لما جاز أن يخبركم عنهم فقوله «ذََلِكَ» إشارة إلى ما أنبأهم به من علم الغيب و العلم بالكائنات.

ـ

اللغة

العلم ما اقتضى سكون النفس فإن شئت قلت هو اعتقاد الشي‏ء على ما هو به عليه مع سكون النفس إلى ما اعتقده و الأول أوجز و لا يجوز أن يحد العلم بالمعرفة لأن المعرفة هي العلم فكيف يحد الشي‏ء بنفسه و العلم يتناول الشي‏ء على ما هو به و كذلك الرؤية و الفرق بينهما أن العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه و الرؤية لا تتعلق بالمرئي إلا على وجه واحد و العلم معنى يحل القلب و الرؤية ليست معنى على الحقيقة لكن للرائي صفة بكونه رائيا و العقاب هو الضرر المستحق المقارن للاستخفاف و الإهانة و لو اقتصرت على أن تقول هو الضرر المستحق لكان كافيا و كذلك لو قلت هو الضرر الذي يقارنه استخفاف و إهانة لكفى و إنما سمي عقابا لأنه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه و المغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها و أصل الرسول من الإرسال و هو الإطلاق يقال أرسل الطير إذا أطلقه و ترسل في القراءة إذا تثبت و استرسل الشي‏ء إذا تسلس و الرسل اللبن لاسترساله من الضرع و الفرق بين الإرسال و الإنباء أن الإنباء عن الشي‏ء قد يكون من غير تحميل النبإ و الإرسال لا يكون إلا بتحميل الرسالة و البلاغ وصول المعنى إلى غيره و هو هاهنا وصول الإنذار إلى نفوس المكلفين و أصل البلاغ البلوغ و منه البلاغة و هي إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ و البلاغ الكفاية لأنه يبلغ مقدار الحاجة .

384

(1) -

المعنى‏

لما تقدم بيان الأحكام عقبه سبحانه بذكر الوعد و الوعيد فقال «اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ» لمن عصاه «وَ أَنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» لمن تاب و أناب و أطاع‏و جمع بين المغفرة و الرحمة ليعلم أنه لا يقتصر على وضع العقاب عنه بل ينعم عليه بفضله و لما أنذر و بشر في هذه الآية عقبها بقوله‏} «مََا عَلَى اَلرَّسُولِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ» أي ليس على الرسول إلا أداء الرسالة و بيان الشريعة فأما القبول و الامتثال فإنه يتعلق بالمكلفين المبعوث إليهم «وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا تَكْتُمُونَ» أي لا يخفى عليه شي‏ء من أحوالكم التي تظهرونها و تخفونها و فيه غاية الزجر و التهديد و في قوله سبحانه «اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ» الآية دلالة على وجوب معرفة العقاب و الثواب لكونهما لطفا في باب التكليف.

اللغة

الاستواء على أربعة أقسام استواء في المقدار و استواء في المكان و استواء في الذهاب و استواء في الإنفاق و الاستواء بمعنى الاستيلاء راجع إلى الاستواء في المكان لأنه تمكن و اقتدار و الخبيث أصله الردي‏ء مأخوذ من خبث الحديد و هو ردية بعد ما يخلص بالنار جيده ففي الحديد امتزاج جيد بردي و الإعجاب سرور بما يتعجب منه و العجب و الإعجاب و التعجب من أصل واحد و العجب مذموم لأنه كبر يدخل على النفس بحال يتعجب منها و عجب الذنب أصله و عجوب الرمل أواخره لانفراده عن جملته كانفراد ما يتعجب به .

المعنى‏

لما بين سبحانه الحلال و الحرام بين أنهما لا يستويان فقال «قُلْ» يا محمد «لاََ يَسْتَوِي» أي لا يتساوى «اَلْخَبِيثُ وَ اَلطَّيِّبُ» أي الحرام و الحلال عن الحسن و الجبائي و قيل الكافر و المؤمن عن السدي «وَ لَوْ أَعْجَبَكَ» أيها السامع أو أيها الإنسان «كَثْرَةُ اَلْخَبِيثِ» أي كثرة ما تراه من الحرام لأنه لا يكون في الكثير من الحرام بركة و يكون في القليل من الحلال بركة و قيل إن الخطاب للنبي (ص) و المراد أمته «فَاتَّقُوا اَللََّهَ» أي فاجتنبوا ما حرم الله عليكم «يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ» يا ذوي العقول «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» أي لتفلحوا و تفوزوا بالثواب العظيم و النعيم المقيم.

385

(1) -

اللغة

أبدى الشي‏ء إذا أظهره و بدا يبدو بدوا إذا ظهر و بدا له رأيه بداء إذا تغير رأيه لأنه ظهر له و البادية خلاف الحاضرة و البدو خلاف الحضر من الظهور و منه قوله تعالى‏ «وَ بَدََا لَهُمْ سَيِّئََاتُ مََا عَمِلُوا وَ حََاقَ» الآية و لم يجي‏ء في أقوال العرب البداء بمعنى الندامة و تغير الرأي و إذا كان لفظ البداء يطلق على الله فالمراد به الإرادة و الظهور دون ما يظن قوم من الجهال و عليه تشهد أقوال العرب و أشعارهم فمن ذلك:

قل ما بدا لك من زور و من كذب # حلمي أصم و أذني غير صماء

و أمثال ذلك و الله أعلم.

الإعراب‏

«أَشْيََاءَ» في موضع جر إلا أنها فتحت لأنها لا تنصرف قال الكسائي أشياء أشياء آخرها آخر حمراء و كثر استعمالها فلم تصرف و قد أجمع البصريون على أن قوله هذا خطأ و ألزموه أن لا يصرف أبناء و أسماء و قال الخليل أن أشياء اسم للجمع كان أصله شيئاء على فعلاء مثل الطرفاء و القصباء و الحلفاء في أنها على لفظ الآحاد و المراد الجمع فاستثقلت الهمزتان بينهما ألف و ليس بحاجز قوي لأجل أنه ساكن و من جنس الهمزة أ لا تراه يعود إليها إذا تحركت و استثقلت فقدموا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فقالوا أشياء و وزنها لفعاء كما قالوا في أنوق أينق و في أقوس قسي و هو مذهب سيبويه و المازني و جميع البصريين قالوا و الدلالة على أن أشياء اسم مفرد ما روي من تكسيرها على أشاوي كما كسروا صحراء على صحاري حيث كانت مثلها في الأفراد و قال الأخفش أبو الحسن سعيد بن مسعدة و الفراء أصل أشياء أشيياء على أفعلاء فحذفت الهمزة التي هي لام كما حذفت من قولهم سوائية حيث قالوا سواية و لزم حذفها في أفعلاء لأمرين (أحدهما) تقارب الهمزة و إذا كانوا قد حذفوا الهمزة منفردة فإذا تكررت لزم الحذف (و الآخر) أن الكلمة جمع و قد يستثقل في‏

386

(1) - الجمع ما لا يستثقل في الآحاد و وزن أشياء على هذا القول أفعاء و ذكروا أن المازني ناظر الأخفش في هذا الباب فسأله كيف تصغر أشياء فقال أشياء فقال له لو كانت أفعلاء لردت في التصغير إلى واحدها فقال شييات كما قالوا في تصغير أصدقاء صديقات فقطع الأخفش فأجاب عنه أبو علي الفارسي فقال أن أفعلاء في هذا الموضع جاز تحقيرها و إن لم تحقر في غير هذا الموضع لأنها صارت بدلا من أفعال بدلالة استجازتهم إضافة العدد القليل إليها كما أضيف إلى أفعال و يدل على كونها بدلا من أفعال تذكيرهم العدد المضاف إليها نحو ثلاثة أشياء فجاز تصغيرها كما يجوز تصغير أفعال و قوله «إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» جملة شرطية في موضع جر بكونها صفة لأشياء.

النزول‏

اختلف في نزولها

فقيل سأل الناس رسول الله (ص) حتى أحفوه بالمسألة فقام مغضبا خطيبا فقال سلوني فو الله لا تسألوني عن شي‏ء إلا بينته لكم فقام رجل من بني سهم يقال له عبد الله بن حذافة و كان يطعن في نسبه‏فقال يا نبي الله من أبي فقال أبوك حذافة بن قيس فقام إليه رجل آخر فقال يا رسول الله أين أبي فقال في النار فقام عمر بن الخطاب و قبل رجل رسول الله (ص) و قال إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية و شرك فاعف عنا عفا الله عنك فسكن غضبه فقال أما و الذي نفسي بيده لقد صورت لي الجنة و النار آنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير و الشر عن الزهري و قتادة عن أنس

و قيل كان قوم يسألون رسول الله (ص) استهزاء مرة و امتحانا مرة فيقول له بعضهم من أبي و يقول الآخر أين أبي و يقول الآخر إذا ضلت ناقته أين ناقتي فأنزل الله عز و جل هذه الآية عن ابن عباس و قيل‏

خطب رسول الله (ص) فقال إن الله كتب عليكم الحج‏فقام عكاشة بن محصن و قيل سراقة بن مالك فقال أ في كل عام يا رسول الله فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا فقال رسول الله ويحك و ما يؤمنك أن أقول نعم و الله لو قلت نعم لوجبت و لو وجبت ما استطعتم و لو تركتم لكفرتم فاتركوني كما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم و إذا نهيتكم عن شي‏ء فاجتنبوه عن علي بن أبي طالب (ع)

و أبي أمامة الباهلي و قيل نزلت حين سألوا رسول الله (ص) عن البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحامي عن مجاهد .

ـ

المعنى‏

«يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيََاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» خاطب الله المؤمنين و نهاهم عن المسألة عن أشياء لا يحتاجون إليها في الدين إذا أبديت و أظهرت‏

387

(1) - ساءت و حزنت و ذلك نحو ما مضى ذكره من الرجل الذي سأل عن أبيه و أشباه ذلك من أمور الجاهلية و قيل أن تقديره لا تسألوه عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم فقدم و أخر فعلى هذا يكون قوله «عَفَا اَللََّهُ عَنْهََا» صفة لأشياء أيضا و معناه كف الله عن ذكرها و لم يوجب فيها حكما و كلام الزجاج يدل على هذا لأنه قال أعلم الله إن السؤال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع فإنه إذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك و خاصة في وقت سؤال النبي (ص) على جهة تبيين الآيات‏فنهى الله عز و جل عن ذلك و اعلم أنه قد عفا عنها و لا وجه لمسألة ما عفا الله عنه و لعل فيه فضيحة على السائل إن ظهر و إلى هذا المعنى‏

أشار أمير المؤمنين (ع) في قوله إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها و حد لكم حدودا فلا تعتدوها و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها

و قال مجاهد كان ابن عباس إذا سئل عن الشي‏ء لم يجي‏ء فيه أثر يقول هو من العفو ثم يقرأ هذه الآية «وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْهََا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ» معناه و إن ألححتم و سألتم عنها عند نزول القرآن أظهر لكم جوابها إذا لم تقصدوا التعنت على النبي محمد (ص) فلا تتكلفوا السؤال عنها في الحال و قيل معناه و إن تسألوا عن أشياء حين ينزل القرآن تحتاجون إليها في الدين من بيان محمد (ص) و نحو ذلك تكشف لكم و هذه الأشياء غير الأشياء الأولى إلا أنه قال «وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْهََا» لأنه كان قد سبق ذكر الأشياء و قيل إن الهاء راجعة إلى الأشياء الأولى فبين لهم أنكم إن سألتم عنها عند نزول القرآن في الوقت الذي يأتيه الملك بالقرآن يظهر لكم ما تسألون عنه في ذلك الوقت فلا تسألوه و دعوه مستورا ثم قال «عَفَا اَللََّهُ عَنْهََا» أي عفا الله عن تبعة سؤالكم و يكون تقديره عفا الله عن مسألتكم التي سلفت منكم مما كرهه النبي (ص) «وَ اَللََّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ» فلا تعودوا إلى مثلها و هذا قول ابن عباس في رواية عطا و أما على ما ذكرنا من أن قوله «عَفَا اَللََّهُ» على التقديم‏فيكون تقدير الآية لا تسألوا عن أشياء ترك الله ذكرها و بيانها لأنكم لا تحتاجون إليها في التكليف أن تظهر لكم تحزنكم و تغمكم و قال بعضهم أنها نزلت فيما سألت الأمم أنبياءها من الآيات و يؤيده الآية التي بعدها.

النظم‏

قيل في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه (أحدها) أنه تتصل بقوله «تُفْلِحُونَ» لأن من الفلاح ترك السؤال عما لا يحتاج إليه (و ثانيها) أنه تتصل بقوله «مََا عَلَى اَلرَّسُولِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ» فإنه يبلغ ما فيه المصلحة فلا تسألوه عما لا يعنيكم (و ثالثها) أنها تتصل بقوله «وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ مََا تُبْدُونَ وَ مََا تَكْتُمُونَ» أي لا تسألوه فيظهر سرائركم.

388

(1) -

اللغة

البحر الشق و بحرت أذن الناقة أبحرها بحرا إذا شققتها شقا واسعا و الناقة بحيرة و هي فعيلة بمعنى المفعول مثل النطيحة و الذبيحة و أصل الباب السعة و سمي البحر بحرا لسعته و فرس بحر واسع الجري و

في الحديث أنه (ع) قال لفرس له وجدته بحرا

و السائبة فاعلة من ساب الماء إذا جرى على وجه الأرض و يقال سيبت الدابة أي تركتها تسيب حيث شاءت و يقال للعبد يعتق و لا ولاء عليه لمعتقه سائبة لأنه يضع ماله حيث شاء و أصله المخلاة و هي المسيبة و أخذت من قولهم سابت الحية و انسابت إذا مضت مستمرة و الوصل نقيض الفصل و لعن رسول الله (ص) الواصلة و هي التي تصل شعر المرأة بشعر آخر فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها و يجوز أن يكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها و هذا أظهر في الآية و أنشد أهل اللغة في البحيرة:

محرمة لا يأكل الناس لحمها # و لا نحن في شي‏ء كذاك البحائر

و أنشدوا في السائبة:

و سائبة لله ما لي تشكرا # إن الله عافى عامرا و مجاشعا

و أنشدوا في الوصيلة لتأبط شرا :

أ جدك أما كنت في الناس ناعقا # تراعي بأعلى ذي المجاز الوصائلا

و أنشد في الحامي:

حماها أبو قابوس في غير كنهه # كما قد حمى أولاد أولاده الفحلا.

ـ

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه أن قوما سألوا مثل سؤالهم فلما أجيبوا إلى ما سألوا كفروا فقال «قَدْ سَأَلَهََا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهََا كََافِرِينَ» و فيه أقوال (أحدها) أنهم قوم عيسى (ع) سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها عن ابن عباس (و ثانيها) أنهم قوم صالح سألوه‏

389

(1) - الناقة ثم عقروها و كفروا بها (و ثالثها) أنهم قريش حين سألوا النبي (ص) أن يحول الصفا ذهباعن السدي (و رابعها) أنهم كانوا سألوا النبي (ص) عن مثل هذه الأشياء يعني من أبى و نحوه فلما أخبرهم بذلك قالوا ليس الأمر كذلك فكفروا به فيكون على هذا نهيا عن سؤال النبي (ص) عن أنساب الجاهلية لأنهم لو سألوا عنها ربما ظهر الأمر فيها على خلاف حكمهم فيحملهم ذلك على تكذيبه عن أبي علي الجبائي فإن قيل ما الذي يجوز أن يسأل عنه و ما الذي لا يجوز فالجواب إن الذي يجوز السؤال عنه هو ما يجوز العمل عليه في الأمور الدينية أو الدنيوية و ما لا يجوز العمل عليه في أمور الدين و الدنيا لا يجوز السؤال عنه فعلى هذا لا يجوز أن يسأل الإنسان من أبي لأن المصلحة قد اقتضت أن يحكم على كل من ولد على فراش إنسان بأنه ولده و إن لم يكن مخلوقا من مائه فالمسألة بخلاف ذلك سفه لا يجوز ثم ذكر سبحانه الجواب عما سألوه عنه و قيل إنه لما تقدم ذكر الحلال و الحرام بين حال ما يعتقده أهل الجاهلية من ذلك فقال‏} «مََا جَعَلَ اَللََّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ» يريد ما حرمها على ما حرمها أهل الجاهلية من ذلك و لا أمر بها و البحيرة هي الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن و كان آخرها ذكرا بحروا أذنها و امتنعوا من ركوبها و نحرها و لا تطرد عن ماء و لا تمنع من مرعى فإذا لقيها المعيي لم يركبها عن الزجاج و قيل إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن كان ذكرا نحروه فأكله الرجال و النساء جميعا و إن كانت أنثى شقوا أذنها فتلك البحيرةثم لا يجز لها وبر و لا يذكر عليها اسم الله إن ذكيت و لا حمل عليها و حرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئا و لا أن ينتفعن بها و كان لبنها و منافعها للرجال خاصة دون النساء حتى تموت فإذا ماتت اشتركت الرجال و النساء في أكلها عن ابن عباس و قيل إن البحيرة بنت السائبة عن محمد بن إسحاق «وَ لاََ سََائِبَةٍ» و هي ما كانوا يسيبونه فإن الرجل إذا نذر القدوم من سفر أو البرء من علة أو ما أشبه ذلك قال ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها و أن لا تخلى عن ماء و لا تمنع من مرعى عن الزجاج و هو قول علقمة و قيل هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها و كان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجي‏ء به إلى السدنة و هم خدمة آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل و نحو ذلك عن ابن عباس و ابن مسعود و قيل إن السائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها و لم يجزوا وبرها و لم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلي سبيلها مع أمها و هي البحيرة عن محمد بن إسحاق «وَ لاََ وَصِيلَةٍ» و هي في الغنم كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم و إذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم فإن ولدت ذكرا و أنثى قالوا وصلت أخاها فلم‏

390

(1) - يذبحوا الذكر لآلهتهم عن الزجاج و قيل كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع جديا ذبحوه لآلهتهم و لحمه للرجال دون النساء و إن كان عناقا استحيوها و كانت من عرض الغنم و إن ولدت في البطن السابع جديا و عناقاقالوا إن الأخت وصلت أخاها فحرمته علينا فحرما جميعا فكانت المنفعة و اللبن للرجال دون النساء عن ابن مسعود و مقاتل و قيل الوصيلة الشاة إذا أتأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة فقالوا قد وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث عن محمد بن إسحاق «وَ لاََ حََامٍ» و هو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره فلا يحمل عليه و لا يمنع من ماء و لا من مرعى عن ابن عباس و ابن مسعود و هو قول أبي عبيدة و الزجاج و قيل إنه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل حمي ظهره فلا يركب عن الفراء أعلم الله أنه لم يحرم من هذه الأشياء شيئا و قال المفسرون‏

و روى ابن عباس عن النبي (ص) أن عمرو ابن لحي بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكة و كان أول من غير دين إسماعيل و اتخذ الأصنام و نصب الأوثان و بحر البحيرة و سيب السائبة و وصل الوصيلة و حمى الحامي‏

قال رسول الله (ص) فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه‏

و يروى يجر قصبه في النار

«وَ لََكِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ» هذا إخبار منه تعالى إن الكفار يكذبون على الله بادعائهم إن هذه الأشياء من فعل الله أوامره «وَ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ» خص الأكثر بأنهم لا يعقلون لأنهم أتباع فهم لا يعقلون أن ذلك كذب و افتراء كما يعقله الرؤساء عن قتادة و الشعبي و قيل إن معناه أن أكثرهم لا يعقلون ما حرم عليهم و ما حلل لهم يعني أن المعاند هو الأقل منهم عن أبي علي الجبائي و في هذه الآية دلالة على بطلان قول المجبرة لأنه سبحانه نفي أن يكون جعل البحيرة و غيرها و عندهم أنه سبحانه هو الجاعل و الخالق له ثم بين أن هؤلاء قد كفروا بهذا القول و افتروا على الله الكذب بأن نسبوا إليه ما ليس بفعل له و هذا واضح.

391

(1) -

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن الكفار الذين جعلوا البحيرة و غيرها و يفترون على الله الكذب من كفار قريش و غيرهم فقال «وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا» أي هلموا «إِلى‏ََ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ» من القرآن و اتباع ما فيه و الإقرار بصحته «وَ إِلَى اَلرَّسُولِ » و تصديقه و الاقتداء به و بأفعاله «قََالُوا» في الجواب عن ذلك «حَسْبُنََا» أي كفانا «مََا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا» يعني مذاهب آبائنا ثم أخبر سبحانه منكرا عليهم «أَ وَ لَوْ كََانَ آبََاؤُهُمْ» أي أنهم يتبعون آباءهم فيما كانوا عليه من الشرك و عبادة الأوثان و إن كان آباؤهم «لاََ يَعْلَمُونَ شَيْئاً» من الدين «وَ لاََ يَهْتَدُونَ» إليه و قيل في معنى «لاََ يَهْتَدُونَ» قولان (أحدهما) أنه يذمهم بأنهم ضلال (و الآخر) بأنهم عمي عن الطريق فلا يهتدون طريق العلم و في هذه الآية دلالة على فساد التقليد و أنه لا يجوز العمل في شي‏ء من أمور الدين إلا بحجة و في هذه الآية دلالة أيضا على وجوب المعرفة و أنها ليست بضرورية على ما قاله أصحاب المعارف فإنه سبحانه بين الحجاج عليهم فيها ليعرفوا صحة ما دعاهم الرسول إليه‏و لو كانوا يعرفون الحق ضرورة لم يكونوا مقلدين لآبائهم و نفي سبحانه عنهم الاهتداء و العلم معا لأن بينهما فرقا فإن الاهتداء لا يكون إلا عن حجة و بيان و العلم قد يكون ابتداء عن ضرورة.

ـ

القراءة

روي في الشواذ عن الحسن لا يضركم و عن إبراهيم لا يضركم .

الحجة

و في ذلك أربع لغات ضاره يضوره و ضاره يضيره و ضره يضره و هي عربية أعني يفعل في المضاعف متعدية و إنما جزم يضركم و يضركم لأنه جواب الأمر و هو قوله «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» و يجوز أن يكون لا هنا بمعنى النهي فيكون يضركم مجزوما به.

الإعراب‏

قال الزجاج «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» أجريت مجرى الفعل فإذا قلت عليك زيدا فتأويله ألزم زيدا و «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» معناه ألزموا أمر أنفسكم و قال غيره العرب تأمر من الصفات بعليك و عندك و دونك فتعديها إلى المفعول و تقيمها مقام الفعل فينتصب بها على الإغراء

392

(1) - تقول عليك زيدا كأنه قيل خذ زيدا فقد علاك أي أشرف عليك و عندك زيدا أي حضرك فخذه و دونك أي قرب منك فخذه و قد تقيم العرب غير هذه الأحرف مقام الفعل لكن لا تعديه إلى المفعول و ذلك نحو قولهم إليك عني أي تأخر عني و وراءك بمعناه قالوا و لا يجوز ذلك إلا في الخطاب لو قلت عليه زيدا لم يجز و قوله «لاََ يَضُرُّكُمْ» الأجود أن يكون إعرابه رفعا و يكون على جهة الخبر و يجوز أن يكون موضعه جزما و يكون الأصل لا يضرركم إلا أن الراء الأولى أدغمت في الثانية فضمت الثانية لالتقاء الساكنين و يجوز في العربية لا يضركم بفتح الراء و لا يضركم بكسرها فالضم لاتباع الضم و الفتح للخفة و الكسر لأن أصل التقاء الساكنين الكسرة و هذا النهي بلفظ غائب يراد به المخاطبون إذا قلت لا يضررك كفر فلان فمعناه لا تعدن أنت كفره ضررا كما أنك إذا قلت لا أرينك هاهنا فالنهي في اللفظ لنفسك فمعناه لمخاطبك و معناه لا تكونن هنا.

المعنى‏

لما بين الله سبحانه حكم الكفار الذين قلدوا آباءهم و أسلافهم و ركنوا إلى أديانهم عقبه بالأمر بالطاعة و بيان أن المطيع لا يؤاخذ بذنوب العاصي فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» معناه احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي و الإصرار على الذنوب عن الفراء و غيره و قيل معناه ألزموا أمر أنفسكم فإنما ألزمكم الله أمرها عن الزجاج و هذا موافق لما روي عن ابن عباس أن معناه أطيعوا أمري و احفظوا وصيتي «لاََ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ» أي لا يضركم ضلال من ضل من آبائكم و غيرهم إذا كنتم مهتدين‏و يقال هل تدل هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و جوابه أن في هذا وجوها (أحدها) أن الآية لا تدل على ذلك بل توجب أن المطيع لربه لا يؤاخذ بذنوب العاصي (و ثانيها) إن الاقتصار على الاهتداء باتباع أمر الله إنما يجوز في حال التقية أو حال لا يجوز تأثير إنكاره فيها أو يتعلق بإنكاره مفسدة

و روي أن أبا ثعلبة سأل رسول الله (ص) عن هذه الآية فقال ائتمروا بالمعروف و تناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة و شحا مطاعا و هوى متبعا و إعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك و ذر الناس و عوامهم‏

(و ثالثها) إن هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لأن الله تعالى خاطب بها المؤمنين فقال «عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» يعني عليكم أهل دينكم كما قال و لا تقتلوا أنفسكم لا يضركم من ضل من الكفار و هذا قول ابن عباس في رواية عطا عنه قال يريد يعظ بعضكم بعضا و ينهى بعضكم بعضا و يعلم بعضكم بعضا ما يقربه إلى الله و يبعده من الشيطان و لا

393

(1) - يضركم من ضل من المشركين و المنافقين و أهل الكتاب «إِلَى اَللََّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً» أي مصيركم و مصير من خالفكم «فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» أي يجازيكم بأعمالكم و في هذه غاية الزجر و التهديد و في الآية دلالة على فساد قول من قال إن الله يعذب الأطفال بذنوب الآباء و يعذب الميت ببكاء الحي عليه.

القراءة

روي في الشواذ عن الحسن و الشعبي و الأعرج شهادة بينكم و عن الأعرج أيضا شهادة بينكم بالنصب و روي عن علي و الشعبي بخلاف و نعيم بن ميسرة أنهم قرءوا شهادة آلله بنصب شهادة و المد في الله و هو قراءة يعقوب و الشعبي برواية روح و زيد و روي شهادة الله مقصورة عن الحسن و يحيى بن يعمر و سعيد بن جبير و الكلبي و الشعبي .

الحجة

أما قول شهادة بالرفع بينكم بالنصب فعلى نحو القراءة المشهورة «شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ» إلا أنه حذف التنوين فانجر الاسم و يجوز أن يكون المضاف محذوفا من آخر الكلام أي شهادة بينكم شهادة اثنين أي ينبغي أن تكون الشهادة المعتمدة هكذا و أما شهادة بينكم بالنصب و التنوين فعلى إضمار فعل أي ليقم شهادة بينكم اثنان ذوا عدل و أما قوله «وَ لاََ نَكْتُمُ شَهََادَةَ» فهو أعم من قراءة الجماعة المشهورة «شَهََادَةَ اَللََّهِ» بالإضافة و أما المد في الله فعلى أن همزة الاستفهام صارت عوضا من حرف القسم و وقوا همزة الله من الحذف الذي كان يجب فيها من حيث كانت موصولة ثم فصل بين الهمزتين بألف كما في قوله‏ «آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ اَلْأُنْثَيَيْنِ» * و أما الله مقصورة بالجر فعلى ما حكاه سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم‏

394

(1) - و لا يعوض منه همزة الاستفهام فيقول الله لقد كان كذا و ذلك لكثرة الاستعمال و أما تقدير الكلام فعلى أنه يقول أ تقسم بالله أي أ تقدم على هذا اليمين و هذا إنما يكون على وجه الإعظام لليمين و التهيب لها.

ـ

الإعراب‏

قال الزجاج شهادة بينكم ) يرتفع من وجهين (أحدهما) أن يرتفع بالابتداء و يكون خبرها اثنان و المعنى شهادة هذا الحال شهادة اثنين فيحذف شهادة و يقام اثنان مقامها (و الآخر) أن يكون التقدير و فيما فرض عليكم في شهادتكم أن يشهد اثنان فيرتفع اثنان بشهادة و هو قول الفراء و اختار أبو علي الفارسي القول الأول قال و اتسع في بين فأضيف إليه المصدر و هذا يدل على قول من قال إن الظرف يستعمل اسما في غير الشعر أ لا ترى أنه قد جاء ذلك في التنزيل و هو لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ بالرفع كما جاء في الشعر نحو قوله:

(فصادف بين عينيه الحبونا)

و أما قوله «حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ» فيجوز أن يتعلق بالشهادة فيكون معمولها و لا يجوز أن يتعلق بالوصية لأمرين (أحدهما) أن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف لأنه لو عمل فيه للزم أن يقدر وقوعه في موضعه و إذا قدر ذلك لزم أن يقدم المضاف إليه على المضاف و من ثم لم يجز القتال زيدا حين يأتي (و الآخر) أن الوصية مصدر فلا يتعلق به ما يتقدم عليه و أما قوله «حِينَ اَلْوَصِيَّةِ اِثْنََانِ» فلا يجوز حمله على الشهادة لأنه إذا عمل في ظرف من الزمان لم يعمل في ظرف آخر منه و لكن يحمله على أحد ثلاثة أوجه إما أن يتعلق بالموت كأنه يموت في ذلك الحين و هذا إنما يكون على ما قرب منه كقوله‏ «حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ» و هذا القول إنما يكون قبل الموت و إما أن يتعلق بحضر أي إذا حضر هذا الحين و إما أن يكون محمولا على البدل من إذا لأن ذلك الزمان في المعنى هو هذا الزمان فتبدله منه كما تبدل الشي‏ء من الشي‏ء إذا كان إياه و قوله «مِنْكُمْ» صفة لقوله «اِثْنََانِ» كما أن «ذَوََا عَدْلٍ» صفة لهما و في الظرف ضميرهما و قوله «أَوْ آخَرََانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» تقديره أو شهادة آخرين من غيركم و «مِنْ غَيْرِكُمْ» صفة لآخرين كما كان منكم صفة لاثنين «إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَأَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةُ اَلْمَوْتِ» اعتراض بين الصفة و الموصوف و علم به أن شهادة الآخرين اللذين هما من غير أهل ملتنا إنما يجوز في السفر فاستغنى عن جواب إن بما تقدم من قوله «أَوْ آخَرََانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» لأنه و إن كان على لفظ الخبر فالمعنى على الأمر كان المعنى ينبغي أن‏

395

(1) - تشهدوا إذا ضربتم في الأرض آخرين من غير أهل ملتكم و يجوز أيضا أن يستغني عن جواب إذا في قوله «إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ» بما تقدمها من قوله «شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ» فإن جعلت إذا بمنزلة حين فلم تجعل له جوابا كان بمنزلة الحين و ينتصب الموضع بالمصدر الذي هو شهادة بينكم كما تقدم و إن قدرت له جوابا كان قوله «شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ» يدل عليه و يكون موضع إذا في قوله «إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ» نصبا بالجواب المقدر المستغنى عنه بقوله «شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ» لأن المعنى ينبغي أن تشهدوا و قوله «تَحْبِسُونَهُمََا مِنْ بَعْدِ اَلصَّلاََةِ» صفة ثانية لقوله «أَوْ آخَرََانِ» و قوله «مِنْ بَعْدِ اَلصَّلاََةِ» يتعلق بتحبسونهما «فَيُقْسِمََانِ بِاللََّهِ» الفاء لعطف الجملة على الجملة و إن شئت جعلت الفاء للجزاء كما في قول ذي الرمة :

و إنسان عيني يحبس الماء مرة # فيبدو و تارات يجم فيغرق‏

تقديره عندهم إذا حبس بدا فكذلك إذا حبستموهما أقسما و قوله «لاََ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً» جواب ما يقتضيه قوله «فَيُقْسِمََانِ بِاللََّهِ» لأن أقسم و نحوه يتلقى بما يتلقى به الأيمان و التقدير لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنا أي ذا ثمن فحذف المضاف في الموضعين و إنما ذكر الشهادة لأن الشهادة قول كما قال‏ وَ إِذََا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ ثم قال‏ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ لما كان القسمة يراد به المقسوم أ لا ترى أن القسمة التي هي إفراز الأنصباء لا يرزق منه و إنما يرزق من التركة المقسومة «وَ لَوْ كََانَ ذََا قُرْبى‏ََ» التقدير و لو كان المشهود له ذا قربى و أضاف الشهادة إلى الله لأمره بإقامتها و نهيه عن كتمانها في قوله‏ وَ أَقِيمُوا اَلشَّهََادَةَ لِلََّهِ و قوله‏ مَنْ يَكْتُمْهََا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ، هذا كله مأخوذ من كلام أبي علي الفارسي و ناهيك به فارسا في هذا الميدان نقابا يخبر عن مكنون هذا العلم بواضح البيان.

النزول‏

سبب نزول هذه الآية

أن ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجارا إلى الشام تميم ابن أوس الداري و أخوه عدي و هما نصرانيان و ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص السهمي و كان مسلما حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصيته بيده و دسها في متاعه و أوصى إليهما و دفع المال إليهما و قال أبلغا هذا أهلي فلما مات فتحا المتاع و أخذا ما أعجبهما منه ثم رجعا بالمال إلى الورثة فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ما كان قد خرج به صاحبهم فنظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيها تاما فكلموا تميما و صاحبه فقالا لا علم لنا به‏

396

(1) - و ما دفعه إلينا أبلغناه كما هو فرفعوا أمرهم إلى النبي ص فنزلت الآية عن الواقدي عن أسامة ابن زيد عن أبيه و عن جماعة المفسرين و هو المروي عن أبي جعفر (ع) .

ـ

المعنى‏

لما قدم الأمر بالرجوع إلى ما أنزل عقبه بذكر هذا الحكم المنزل فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي يا أيها المؤمنون «شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ» قيل في معنى الشهادة هنا أقوال (أحدها) إنها الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام و قد تقدم ذكر ما قيل في تقدير الآية على هذا المعنى و هو قول ابن عباس (و ثانيها) إنها بمعنى الحضور كما يقال شهدت وصية فلان و منه قوله‏ وَ لْيَشْهَدْ عَذََابَهُمََا طََائِفَةٌ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدََاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ اَلْمَوْتُ فيكون تقديره ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت و أردتم الوصية اثنان ذوا عدل منكم أي وصيان من أهل العدالة جعلهما اثنين تأكيدا للأمر في الوصية عن ابن الأنباري و هو قول سعيد بن جبير و ابن زيد (و الثالث) إنها شهادة إيمان بالله إن ارتاب الورثة بالوصيين من قول القائل في اللعان أشهد بالله أني لمن الصادقين و الأول أقوى و أليق بالآية و قال صاحب كتاب نظم القرآن شهادة مصدر بمعنى الشهود كما يقال رجل عدل و رضا و رجلان عدل و رضا ثم قدر حذف المضاف فيكون المعنى عدد شهود بينكم اثنان كقوله‏ اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومََاتٌ أي وقت الحج أشهر و قال ابن جني و يجوز أن يكون التقدير تقيموا شهادة بينكم اثنان فيكون على هذين القولين حذف المضاف من المبتدأ و على قول الزجاج و أبي علي من الخبر «إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ حِينَ اَلْوَصِيَّةِ» أي حضر أسباب الموت من مرض و غيره و قال الزجاج معناه أن الشهادة في وقت الوصية هي للموت ليس أن الموت حاضر و هو يوصي إنما يقول الموصي صحيحا كان أو غير صحيح إذا حضرني الموت و إذا مت فافعلوا و اصنعوا «اِثْنََانِ ذَوََا عَدْلٍ مِنْكُمْ» أي من أهل دينكم و ملتكم‏

«أَوْ آخَرََانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» أي من غير أهل ملتكم عن ابن عباس و سعيد بن المسيب و سعيد بن جبير و شريح و مجاهد و ابن سيرين و ابن زيد و إبراهيم و هو المروي عن الباقر و الصادق (ع)

فيكون أو هاهنا للتفصيل لا للتخيير لأن المعنى أو آخران من غيركم إن لم تجدوا شاهدين منكم و قيل معناه ذوا عدل من عشيرتكم أو آخران من غير عشيرتكم عن الحسن و الزهري و عكرمة و الأصم و قالوالأن عشيرة الموصي أعلم بأحواله من غيرهم و أجدر أن لا ينسوا ما شهدوا عليه و قالوا لا يجوز شهادة كافر في سفر و لا حضر و اختاره الزجاج و ذهب جماعة إلى أن الآية كانت في شهادة أهل الذمة فنسخت و قد بين أبو عبيدة هذه الأقاويل ثم قال جل العلماء يتأولونها في أهل الذمة و يرونها محكمة

397

(1) - و يقوي هذا القول تتابع الآثار في سورة المائدة بقلة المنسوخ و أنها من محكم القرآن و آخر ما نزل «إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي اَلْأَرْضِ فَأَصََابَتْكُمْ مُصِيبَةُ اَلْمَوْتِ» و معناه فأصابكم الموت علم الله تعالى أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين و ينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم و يحضره الموت فلا يجد من يشهده من المسلمين فقال «أَوْ آخَرََانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» أي من غير دينكم إن أنتم سافرتم فأصابتكم مصيبة الموت فالعدلان من المسلمين للحضر و السفر إن أمكن إشهادهما في السفر و الذميان في السفر خاصة إذا لم يوجد غيرهما ثم قال «تَحْبِسُونَهُمََا مِنْ بَعْدِ اَلصَّلاََةِ فَيُقْسِمََانِ بِاللََّهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ» المعنى‏

تحبسونهما من بعد صلاة العصر لأن الناس كانوا يحلفون بالحجاز بعد صلاة العصر لاجتماع الناس و تكاثرهم في ذلك الوقت و هو المروي عن أبي جعفر (ع)

و قتادة و سعيد بن جبير و غيرهم و قيل هي صلاة الظهر أو العصر عن الحسن و قيل بعد صلاة أهل دينهما يعني الذميين عن ابن عباس و السدي و معنى تحبسونهما تقفونهما كما تقول مر بي فلان على فرس فحبس على دابته أي وقفه و قيل معناه تصبرونهما على اليمين و هو أن يحمل على اليمين و هو غير متبرع بها إن ارتبتم في شهادتهما و شككتم و خشيتم أن يكونا قد غيرا أو بدلا أو كتما و خانا و الخطاب في تحبسونهما للورثة و يجوز أن يكون خطابا للقضاة و يكون بمعنى الأمرأي فاحبسوهما ذكره ابن الأنباري و كان يقف على قوله «مُصِيبَةُ اَلْمَوْتِ» و يبتدي بقوله «تَحْبِسُونَهُمََا» و يحتمل أن يكون أراد به وصي الميت إذا ارتاب بهما الورثة و ادعوا أنهما استبدا بشي‏ء من التركة فيصيران مدعى عليهما فيحلفان بالله «لاََ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً» أي لا نشتري بتحريف الشهادة ثمنا و التقدير لا نشتري به ذا ثمن أ لا ترى أن الثمن لا يشتري و إنما يشتري المبيع دون ثمنه و قيل إن الهاء في به يعود إلى القسم بالله و قيل معناه لا نبيعه بعرض من الدنيا لأن من باع شيئا فقد اشترى ثمنه و يريد لا نحابي في شهادتنا أحدا «وَ لَوْ كََانَ» المشهود له «ذََا قُرْبى‏ََ» خص ذا القربى بالذكر لميل الناس إلى أقربائهم و من يناسبونه «وَ لاََ نَكْتُمُ شَهََادَةَ اَللََّهِ» أي شهادة لزمنا أداؤها بأمر الله تعالى «إِنََّا إِذاً لَمِنَ اَلْآثِمِينَ» أي إنا إن فعلنا ذلك كنا من الآثمين.

ـ

398

(1) -

القراءة

قرأ أبو بكر عن عاصم و حمزة و خلف و يعقوب استحق بضم التاء و الحاء الأولين جمع و قرأ حفص عن عاصم «اِسْتَحَقَّ» بفتح التاء و الحاء «اَلْأَوْلَيََانِ» بالألف تثنية الأولى و قرأ الباقون استحق بضم التاء «اَلْأَوْلَيََانِ» بالألف.

الحجة و الإعراب‏

قال الزجاج هذا الموضع من أصعب ما في القرآن في الإعراب، و «اَلْأَوْلَيََانِ» في قول أكثر البصريين يرتفعان على البدل مما في يقومان المعنى فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين «فَيُقْسِمََانِ بِاللََّهِ لَشَهََادَتُنََا أَحَقُّ مِنْ شَهََادَتِهِمََا» فإذا ارتفع الأوليان على البدل فالذي في استحق من الضمير معنى الوصية المعنى فليقم الأوليان من الذين استحقت الوصية و الإيصاء عليهم و جائز أن يرتفعا باستحق و يكون معناهما الأوليان باليمين أي بأن يحلفا من يشهد بعدهما فإن جاز شهادة النصرانيين كان الأوليان على هذا القول النصرانيين و الآخران من غير أهل بيت الميت و قال أبو علي لا يخلو ارتفاعه من أن يكون على الابتداء و قد أخر كأنه في التقدير فالأوليان بأمر الميت آخران من أهله أو من أهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين عثر على خيانتهما كقولهم تميمي أنا أو يكون خبر مبتدإ محذوف كأنه قال فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان أو يكون بدلا من الضمير الذي في يقومان أو يكون مسندا إليه استحق و قد أجاز أبو الحسن فيه شيئا آخر و هو أن يكون الأوليان صفة لقوله «فَآخَرََانِ» من غيركم لأنه لما وصف آخران اختص فوصف لأجل الاختصاص الذي صار له مما يوصف به المعارف و معنى الأوليان الأوليان بالشهادة على وصية الميت و إنما كانا أولى به ممن اتهم بالخيانة لأنهما أعرف بأحوال الميت و أموره و لأنهما من المسلمين أ لا ترى أن وصفهم بأنه استحق عليهم يدل على أنهم مسلمون لأن الخطاب من أول الآية مصروف إليهم فأما ما يسند إليه استحق فلا يخلو من أن يكون الإيصاء أو الوصية أو الإثم أو الجار

399

(1) - و المجرور و إنما جاز استحق الإثم لأن أخذه بأخذه إثم فسمي إثما كما سمي ما يؤخذ منا بغير حق مظلمة قال سيبويه المظلمة اسم ما أخذ منك فلذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر فأما قوله «عَلَيْهِمُ» فيحتمل ثلاثة أضرب أحدها أن يكون على فيه بمنزلة قولك استحق على زيد مال بالشهادة أي لزمه و وجب عليه الخروج منه لأن الشاهدين لما عثر على خيانتهما استحق عليهما ما ولياه من أمر الشهادة و القيام بها و وجب عليهما الخروج منها و ترك الولاية لها فصار إخراجهما منها مستحقا عليهما كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه هذا كلام أبي علي و أقول إن الظاهر أن «اَلَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ» في الآية ورثة الميت و المفهوم من كلام أبي علي هذا أن الشاهدين اللذين من غيرنا هما المعنيان بذلك على ما قرره و الذي يصح في نفسي أن التقدير من الذين استحقت عليهم الوصية أو استحق عليهم الإيصاء هم عشيرة الميت و الضرب الآخر أن يكون على فيه بمنزلة من كأنه قال من الذين استحق منهم الإثم و مثل هذا قوله‏ إِذَا اِكْتََالُوا عَلَى اَلنََّاسِ أي من الناس و الثالث أن يكون على بمنزلة في كأنه استحق فيهم و قام على مقام في كما قام في مقام على في قوله‏ «وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ اَلنَّخْلِ» و المعنى من الذين استحق عليهم بشهادة الآخرين اللذين هما من غيرنا و أقول إن هذا المعنى أيضا إنما يلائم الضرب الأول و الذي يلائم هذا الضرب أن يقال المعني من الذين استحق فيهم الإثم أي بسببهم استحق الآخران من غيرنا اللذان خانا في الوصية فيهما الإثم بخيانتهما و يمينهما الكاذبة ثم قال أبو علي فإن قلت هل يجوز أن يسند استحق إلى الأوليان فالقول في ذلك أنه لا يجوز لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئا منها و لا يجوز أن يستحقا فيسندا استحق إليهما و أما من قرأ من الذين استحق عليهم الأولين على الجمع فهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله «مِنَ اَلَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ» تقديره من الأولين الذين استحق عليهم الإيصاء أو الإثم و إنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر أ لا ترى أنه قد تقدم «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا شَهََادَةُ بَيْنِكُمْ» و كذلك «اِثْنََانِ ذَوََا عَدْلٍ مِنْكُمْ» و ذكرا في اللفظ قبل قوله «أَوْ آخَرََانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» و احتج من قرأ الأولين على من قرأ «اَلْأَوْلَيََانِ» بأن قال أ رأيت إن كان الأوليان صغيرين أراد أنهما إن كانا صغيرين لم يقوما مقام الكبيرين في الشهادة و لم يكونا لصغرهما أولى بالميت و إن كانا كبيرين كانا أولى به فيقسمان بالله أي يقسم الآخران اللذان يقومان مقام الشاهدين اللذين هما آخران من غيرنا و قوله «لَشَهََادَتُنََا أَحَقُّ مِنْ شَهََادَتِهِمََا» متلقى به فيقسمان بالله و من قرأ «اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْأَوْلَيََانِ» فاستحق هاهنا بمعنى حق أي وجب فالمعنى فآخران من الذين وجب عليهم الإيصاء بتوصية ميتهم و هم ورثته و قال أبو علي تقديره من الذين استحق‏

400

(1) - عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصي بها إلى غير أهل دينه و المفعول محذوف و حذف المفعول في نحو هذا كثير و قال الإمام المحمود الزمخشري معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة و يظهروا بهما كذب الكاذبين و هذا أحسن الأقوال.

اللغة

عثر الرجل على الشي‏ء يعثر عثورا إذا اطلع على أمر لم يطلع عليه غيره و أعثرت فلانا على أمر أطلعته عليه و منه قوله‏ وَ كَذََلِكَ أَعْثَرْنََا عَلَيْهِمْ و أصله الوقوع بالشي‏ء من قولهم عثر الرجل عثارا إذا وقعت إصبعه بشي‏ء صدمته و عثر الفرس عثارا قال الأعشى :

بذات لوث عفرناة إذا عثرت # فالتعس أولى بها من أن يقال لعا

و العثير الغبار لأنه يقع على الوجه و غيره و العاثور حفرة تحفر ليعثر بها الأسد فيصطاد و الاستحقاق و الاستيجاب قريبان و استحق عليه كأنه ملك عليه حقا و حققت عليه القضاء حقا و أحققته إذا أوجبته و يكون حق بمعنى استحق .

النزول‏

قالوا لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله ص العصر و دعا تميم و عدي فاستحلفهما عند المنبر بالله ما قبضنا له غير هذا و لا كتمناه فخلى رسول الله ص سبيلهما به ثم اطلعوا على إناء من فضة منقوش بذهب معهما فقالوا هذا من متاعه فقالا اشتريناه منه و نسينا أن نخبركم به فرفعوا أمرهما إلى رسول الله ص فنزل قوله «فَإِنْ عُثِرَ عَلى‏ََ أَنَّهُمَا اِسْتَحَقََّا إِثْماً» إلى آخره فقام رجلان من أولياء الميت أحدهما عمرو بن العاص و الآخر المطلب بن أبي وداعة السهمي فحلفا بالله أنهما خانا و كذبا فدفع الإناء إليهما و إلى أولياء الميت و كان تميم الداري بعد ما أسلم يقول صدق الله و صدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله و أستغفره.

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه الحكم بعد ظهور الخيانة من الوصيين أو الشاهدين فقال «فَإِنْ عُثِرَ» أي اطلع و ظهر «عَلى‏ََ أَنَّهُمَا» أي الشاهدين‏عن ابن عباس و الوصيين عن سعيد ابن جبير «اِسْتَحَقََّا» أي استوجبا «إِثْماً» أي ذنبا بأيمانهما الكاذبة و خيانتهما و قصدهما في‏

401

(1) - شهادتهما إلى غير الاستقامة و قيل معناه استحقا عقوبة إثم من قوله تعالى‏ «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ» أي بعقوبة إثم قتلي و عقوبة معاصيك المتقدمة عن الجبائي «فَآخَرََانِ يَقُومََانِ مَقََامَهُمََا» أي مقام الشاهدين اللذين هما من غيرنا و قيل مقام الوصيين «مِنَ اَلَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ اَلْأَوْلَيََانِ» المعنى ليقم الأوليان بالميت من الذين استحقت عليهم الوصية أو يكون التقدير فالأوليان بأمر الميت آخران من أهله يقومان مقام الخائنين اللذين عثر على خيانتهما و قد بينا ما قيل فيه و في القراءتين الأخريين فيما قيل و يجوز أن يكون الأوليان بدلا من قوله «فَآخَرََانِ» فقد يجوز إبدال المعرفة من النكرة و معنى الأوليين الأقربان إلى الميت و يجوز أن يكون معناه الأوليان باليمين و إنما كانا أوليين باليمين لأن الوصيين ادعيا أن الميت باع الإناء فانتقل اليمين إلى الأوليين لأنهما صارا مدعى عليهما أن مورثهما باع الإناء و هذا كما لو أقر إنسان لآخر بدين و ادعى قضاءه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين لأنه صار مدعى عليه أنه استوفى و قيل معناه الأوليان بالشهادة من المسلمين عن ابن عباس و شريح «فَيُقْسِمََانِ بِاللََّهِ لَشَهََادَتُنََا أَحَقُّ مِنْ شَهََادَتِهِمََا» قيل إنه على الظاهر أي شهادتنا و قولنا في وصية صاحبنا أحق بالقبول و الصدق من شهادتهما و قولهما و قيل يريد به فيقولان و الله ليميننا خير من يمينهما عن ابن عباس و سميت اليمين هاهنا شهادة لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك «وَ مَا اِعْتَدَيْنََا» أي و ما جاوزنا الحق فيما طلبناه من حقنا عن ابن عباس و قيل فيما قلناه من أن شهادتنا أحق من شهادتهما «إِنََّا إِذاً لَمِنَ اَلظََّالِمِينَ» تقديره إنا إن اعتدينا لمن جملة الظالمين لنفوسنا و هذه الآية مع الآية التي قبلها من أعوص آيات القرآن إعرابا و معنى و حكما و لست تجدهما في شي‏ء من مظانهما أوفر فائدة و أغزر عائدة و أجمع علما و أوجز لفظا و معنى مما لخصته لك و سقته إليك و بالله التوفيق ثم بين سبحانه وجه الحكمة في استحلاف اليهود فقال «ذََلِكَ أَدْنى‏ََ» أي ذلك الإحلاف و الأقسام أو ذلك الحكم أقرب إلى «أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهََادَةِ عَلى‏ََ وَجْهِهََا» أي حقها و صدقها لا يكتمون شيئا و لا يزيدون شيئا لأن اليمين تردع عن أمور كثيرة لا يرتدع عنها مع عدم اليمين «أَوْ يَخََافُوا» أي أقرب إلى أن يخافوا «أَنْ تُرَدَّ أَيْمََانٌ» إلى أولياء الميت «بَعْدَ أَيْمََانِهِمْ» فيحلفوا على خيانتهم و كذبهم فيفتضحوا و يغرموا فربما لا يحلفون كاذبين و يتحفظون في الشهادة مخافة رد اليمين و الشهادة إلى المستحق عليهم «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ» أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة «وَ اِسْمَعُوا» الموعظة «وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ» إلى ثوابه و جنته.

402

(1) -

الإعراب‏

«يَوْمَ» ينتصب على تقدير و اتقوا يوم يجمع و يتصل بقوله وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ اِسْمَعُوا عن الزجاج و قيل إنه يتعلق بقوله لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ ` يَوْمَ يَجْمَعُ اَللََّهُ اَلرُّسُلَ عن المغربي و قيل إنه يتعلق بمحذوف على تقدير احذروا أو اذكروا ذلك اليوم.

المعنى‏

«يَوْمَ يَجْمَعُ اَللََّهُ اَلرُّسُلَ» هو كقوله‏ «وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللََّهِ» و إنما انتصب يوم على أنه مفعول به و لم ينتصب على الظرف لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم و المعنى اتقوا عقاب يوم يجمع الله فيه الرسل لأن اليوم لا يتقى و لا يحذر فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه «فَيَقُولُ» لهم «مََا ذََا أُجِبْتُمْ» أي ما الذي أجابكم قومكم فيما دعوتموهم إليه و هذا تقرير في صورة الاستفهام على وجه التوبيخ للمنافقين عند إظهار فضيحتهم على رءوس الأشهاد «قََالُوا لاََ عِلْمَ لَنََا» قيل فيه أقوال (أحدها) أن للقيامة أهوالا حتى تزول القلوب من مواضعها فإذا رجعت القلوب إلى مواضعها شهدوا لمن صدقهم على من كذبهم يريد أنه عزبت عنهم أفهامهم من هول يوم القيامةفقالوا لا علم لنا عن عطاء عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و السدي و الكلبي و هو اختيار الفراء (و ثانيها) أن المراد لا علم لنا كعلمك لأنك تعلم باطنهم و أنا لا نعلم غيبهم و باطنهم و ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء عن الحسن في رواية أخرى و اختاره الجبائي و أنكر القول الأول و قال كيف يجوز ذهولهم من هول يوم القيامة مع قوله‏ لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ و قوله‏ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ* و يمكن أن يجاب عن ذلك بأن الفزع الأكبر دخول النار و قوله‏ «لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» * إنما هو كالبشارة بالنجاة من أهوال ذلك اليوم مثل ما يقال للمريض لا بأس عليك و لا خوف عليك (و ثالثها) أن معناه لا حقيقة لعلمنا إذ كنا نعلم جوابهم و ما كان من أفعالهم وقت حياتنا و لا تعلم ما كان منهم بعد وفاتنا و إنما الثواب و الجزاء يستحقان بما يقع به الخاتمة مما يموتون عليه عن ابن الأنباري (و رابعها) أن المراد لا علم لنا إلا ما علمتنا فحذف لدلالة الكلام عليه عن ابن عباس في رواية أخرى (و خامسها) أن المراد به تحقيق فضيحتهم أي أنت أعلم بحالهم منا و لا تحتاج في ذلك إلى شهادتنا «إِنَّكَ أَنْتَ عَلاََّمُ اَلْغُيُوبِ» إنما قال علام للمبالغة لا للتكثير و قيل أراد به تكثير المعلوم و المراد أنت تعلم ما غاب و ما بطن و نحن إنما