مجمع البيان في تفسير القرآن - ج3

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
418 /
403

(1) - نعلم ما نشاهدو في هذه الآية دلالة على إثبات المعاد و الحشر و النشر و ذكر الحاكم أبو سعيد في تفسيره أنها تدل على بطلان قول الإمامية إن الأئمة يعلمون الغيب و أقول إن هذا القول ظلم منه لهؤلاء القوم فإنا لا نعلم أحدا منهم بل أحدا من أهل الإسلام يصف أحدا من الناس بعلم الغيب و من وصف مخلوقا بذلك فقد فارق الدين و الشيعة الإمامية برآء من هذا القول فمن نسبهم إلى ذلك فالله فيما بينه و بينهم.

ـ

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم ساحر مبين بالألف و كذلك في سورة يونس و هود و الصف و قرأ ابن كثير و عاصم في سورة يونس لساحر مبين بالألف فقط و أهل المدينة و البصرة و الشام «سِحْرٌ مُبِينٌ» بغير ألف في جميع ذلك.

الحجة

من قرأ «إِلاََّ سِحْرٌ» جعله إشارة إلى ما جاء به كأنه قال ما الذي جئت به إلا سحر مبين و من قرأ إلا ساحر أشار إلى الشخص لا إلى الحديث الذي أتى به و كلاهما حسن لاستواء كل واحد منهما في أن ذكره قد تقدم غير أن الاختيار سحر لوقوعه على الحدث و الشخص أما وقوعه على الحدث فظاهر و أما وقوعه على الشخص فهو أن يراد به ذو سحر كما

404

(1) - جاء وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ أي ذا البر و قالوا إنما أنت سير و إنما هي إقبال و إدبار و قد جاء أيضا فاعل يراد به الكثرة في حروف ليست بالكثيرة نحو عائذا بالله من شرها أي عياذا و نحو العافية و لم تصر هذه الحروف من الكثرة بحيث يقاس عليها.

الإعراب‏

العامل في إذ يحتمل أمرين (أحدهما) الابتداء عطفا على قوله يَوْمَ يَجْمَعُ اَللََّهُ اَلرُّسُلَ ثم قال و ذلك إذ قال فيكون موضعه رفعا كما يقول القائل كأنك بنا قد وردنا بلد كذا و صنعنا فيه و فعلنا إذ صاح بك صائح فأجبته و تركتني (و الثاني) اذكر إذ قال الله فيكون موضعه نصبا «يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ » يجوز أن يكون عيسى مضموما في التقدير فإنه منادى مفرد فيكون نداءين و تقديره يا عيسى يا ابن مريم أو تكون وصفت المضموم بمضاف فنصب المضاف كقول الشاعر:

"يا زبرقان أخا بني خلف "

و يجوز أن يكون عيسى مبنيا مع الابن على الفتح في التقدير لوقوع الابن بين علمين و هذا كما أنشد النحويون من قول الشاعر:

يا حكم بن المنذر بن الجارود # أنت الجواد بن الجواد بن الجود

روي في حكم الضم و الفتح «تُكَلِّمُ اَلنََّاسَ» في موضع نصب على الحال‏و كهلا عطف على موضع في المهد و هو جملة ظرفية في موضع نصب على الحال من تكلم فالمعنى مكلما الناس صغيرا و كبيرا.

المعنى‏

لما عرف سبحانه يوم القيامة بما وصفه به من جمع الرسل فيه عطف عليه بذكر المسيح فقال «إِذْ قََالَ اَللََّهُ» و معناه إذ يقول الله في الآخرة و ذكر لفظ الماضي تقريبا للقيامة لأن ما هو آت فكان قد وقع «يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ » و هذا إشارة إلى بطلان قول النصارى لأن من له أم لا يكون إلها «اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى‏ََ وََالِدَتِكَ» أي اذكر ما أنعمت به عليك و على أمك و اشكره أفرد النعمة في اللفظ و يريد به الجمع كما قال تعالى «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا» * و إنما جاز ذلك لأنه مضاف فصلح للجنس ثم فسر نعمته بأن قال «إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ » و هو جبرائيل (ع) و قد مضى تفسيره في سورة البقرة عند قوله‏ وَ أَيَّدْنََاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ * «تُكَلِّمُ اَلنََّاسَ فِي اَلْمَهْدِ وَ كَهْلاً» أي في حال ما كنت صبيا في المهد و في حال ما كنت كهلا و قال الحسن المهد حجر أمه «وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ اَلْكِتََابَ» قيل الكتابة يعني الخط «وَ اَلْحِكْمَةَ» أي العلم و الشريعة و قيل أراد الكتب فيكون الكتاب اسم جنس ثم فصله بذكر التوراة و الإنجيل فقال «وَ اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ

405

(1) - اَلطَّيْرِ بِإِذْنِي» أي و اذكر ذلك أيضا إذ تصور الطين كهيئة الطير الذي تريد أي كخلقته و صورته و سماه خلقا لأنه كان يقدره و قوله «بِإِذْنِي» أي تفعل ذلك بإذني و أمري‏ «فَتَنْفُخُ فِيهََا» أي تنفخ فيها الروح لأن الروح جسم يجوز أن ينفخه المسيح بأمر الله «فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي» و الطير يؤنث و يذكر فمن أنث فعلى الجمع و من ذكر فعلى اللفظ و واحد الطير طائر فيكون مثل ظاعن و ظعن و راكب و ركب و بين بقوله «فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي» أنه إذا نفخ المسيح فيها الروح قلبها الله لحما و دما و يخلق فيها الحياة فصارت طائرا بإذن الله أي بأمره و إرادته لا بفعل المسيح «وَ تُبْرِئُ» أي تصحح «اَلْأَكْمَهَ» الذي ولد أعمى «وَ اَلْأَبْرَصَ» من به برص مستحكم «بِإِذْنِي» أي بأمري و معناه أنك تدعوني حتى أبرئ الأكمه و الأبرص و نسب ذلك إلى المسيح لما كان بدعائه و سؤاله «وَ إِذْ تُخْرِجُ اَلْمَوْتى‏ََ بِإِذْنِي» أي اذكر إذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك و أخرجهم من القبور حتى يشاهدهم الناس أحياء و نسب ذلك إلى المسيح لما كان بدعائه «وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَنْكَ» عن قتلك و أذيتك «إِذْ جِئْتَهُمْ» أي حين جئتهم «بِالْبَيِّنََاتِ» مع كفرهم و عنادهم و يجوز أن يكون تعالى كفهم عنه بألطافه التي لا يقدر عليها غيره و يجوز أن يكون كفهم بالمنع و القهر كما منع من أراد قتل نبينا و معنى جئتهم بالبينات أتيتهم بالحجج و المعجزات «فَقََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» و جحدوا نبوتك «مِنْهُمْ» أي من بني إسرائيل «إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ» يعنون به عيسى و «سِحْرٌ مُبِينٌ» يعني به أن ما جاء به سحر ظاهر واضح و ينبغي أن يكون قوله سبحانه في أول الآية «إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي» يعني أخبر بها قومك الذين كذبوا عليك ليكون حجة عليهم لأنهم ادعوا عليه أنه الله ثم عدد النعمة نعمة نعمة على ما بيناه.

اللغة

الوحي إلقاء المعنى إلى النفس على وجه يخفى ثم ينقسم فيكون بإرسال الملك و يكون بمعنى الإلهام قال الشاعر:

الحمد لله الذي استقلت # بإذنه السماء و اطمأنت

أوحى لها القرار فاستقرت‏

أي ألقى إليها و يروى:

"وحي لها القرار"

و الفرق بين أوحى و وحي من وجهين (أحدهما) أن أوحى بمعنى جعلها على صفة و وحي بمعنى جعل فيها معنى الصفة لأن أفعل‏

406

(1) - أصله التعدية و قيل إنهما لغتان و الحواري خالصة الرجل و خلصاءه من الخبز الحواري لأنه أخلص لبه من كل ما يشوبه و أصله الخلوص و منه حار يحور إذا رجع إلى حال الخلوص ثم كثر حتى قيل لكل راجع .

المعنى‏

ثم بين سبحانه تمام نعمته على عيسى فقال «وَ إِذْ أَوْحَيْتُ» أي و اذكر إذ أوحيت «إِلَى اَلْحَوََارِيِّينَ» أي ألهمتهم و قيل ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم إياها و مضى الكلام في الحواريين في سورة آل عمران و هم وزراء عيسى عن قتادة و أنصاره عن الحسن «أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي» أي صدقوا بي و بصفاتي و بعيسى أنه عبدي و نبيي «قََالُوا» أي قال الحواريون «آمَنََّا» أي صدقنا «وَ اِشْهَدْ» يا الله «بِأَنَّنََا مُسْلِمُونَ» .

ـ

القراءة

قرأ الكسائي وحده هل تستطيع بالتاء ربك بالنصب و الباقون «يَسْتَطِيعُ» بالياء «رَبُّكَ» مرفوع و أدغم الكسائي اللام في التاء.

الحجة

وجه قراءة الكسائي أن المراد هل تستطيع سؤال ربك و ذكروا الاستطاعة في سؤالهم لا لأنهم شكوا في استطاعته و لكن كأنهم ذكروه على وجه الاحتجاج عليه منهم كأنهم قالوا إنك مستطيع فما يمنعك و مثل ذلك قولك لصاحبك أ تستطيع أن تذهب عني فإني مشغول أي اذهب لأنك غير عاجز عن ذلك و «أَنْ يُنَزِّلَ» على هذه القراءة متعلق بالمصدر المحذوف لا يستقيم الكلام إلا على تقدير ذلك أ لا ترى أنه لا يصح أن تقول هل تستطيع أن يفعل غيرك فأن ينزل في موضع نصب بأنه مفعول به و التقدير هل تستطيع أن تسأل ربك إنزال مائدة من السماء علينا

و روي عن أبي عبد الله (ع) ما يقارب هذا التقدير قال يعني‏

407

(1) - هل تستطيع أن تدعو ربك‏

و أما إدغام اللام في التاء فإنه حسن لأن أبا عمرو أدغم اللام في الثاء في‏ هَلْ ثُوِّبَ اَلْكُفََّارُ و التاء أقرب إلى اللام من الثاء و الإدغام إنما يحسن في المتقاربين و أنشد سيبويه :

فذر ذا و لكن هتعين متيما # على ضوء برق آخر الليل ناصب.

اللغة

الفرق بين الاستطاعة و القدرة أن الاستطاعة انطباق الجوارح للفعل و القدرة هي ما أوجب كون القادر عليه قادرا و لذلك لا يوصف تعالى بأنه مستطيع و يوصف بأنه قادر و المائدة الخوان قال الأزهري في تهذيب اللغة هي في المعنى مفعولة و لفظها فاعلة لأنها من العطاء و قد ماد زيد عمرا إذا أعطاه و قيل هي من ماد يميد إذا تحرك فهي فاعلة و يقال مائدة و ميدة قال الشاعر:

و ميدة كثيرة الألوان # تصنع للإخوان و الجيران‏

و ماد به البحر يميد فهو مائد إذا تحرك به و ماد يميد إذا تبختر و ماد أهله إذا مادهم و أصله الحركة .

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن الحواريين و سؤالهم فقال «إِذْ قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ» و العامل في إذ قوله «أَوْحَيْتُ» و يحتمل أن يكون معناه و اذكر إذ قال الحواريون «يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنََا مََائِدَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ» قيل فيه أقوال (أحدها) أن يكون معناه هل يفعل ربك ذلك بمسألتك إياه ليكون علما على صدقك و لا يجوز أن يكونوا شكوا في قدرة الله تعالى على ذلك لأنهم كانوا عارفين مؤمنين و كأنهم سألوه ذلك ليعرفوا صدقه و صحة أمره من حيث لا يعرض عليهم فيه إشكال و لا شبهة و من ثم قالوا} «وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنََا» كما قال إبراهيم «وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» عن أبي علي الفارسي (و ثانيها) أن المراد هل يقدر ربك و كان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله و لذلك أنكر عليهم عيسى (ع) فقال «اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» لأنهم لم يستكمل إيمانهم في ذاك الوقت (و ثالثها) أن يكون معناه هل يستجيب لك ربك و إليه ذهب السدي في قوله يريد هل يطيعك ربك أن سألته و هذا على أن يكون استطاع بمعنى أطاع كما يكون استجاب بمعنى أجاب قال الزجاج يحتمل مسألة الحواريين عيسى (ع) المائدة على ضربين: (أحدهما)

408

(1) - أن يكونوا أرادوا أن يزدادوا تثبيتا كما قال إبراهيم «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ» (و جائز) أن يكون مسألتهم المائدة قبل علمهم أنه أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيا الموتى «قََالَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» معناه اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم تسأله الأمم قبلكم و قيل أن معناه الأمر بالتقوى مطلقا كما أمر الله المؤمنين بها في قوله‏ «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ» * عن أبي علي الفارسي و قيل أمرهم أن لا يقترحوا الآيات و أن لا يقدموا بين يدي الله و رسوله لأن الله تعالى قد أراهم البراهين و المعجزات بإحياء الموتى و غيره مما هو أوكد مما سألوه و طلبوه عن الزجاج «قََالُوا» أي قال الحواريون «نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهََا» قيل في معناه قولان (أحدهما) أن تكون الإرادة التي هي من أفعال القلوب و يكون التقدير فيه نريد السؤال من أجل هذا الذي ذكرنا و الآخر أن يكون الإرادة هاهنا بمعنى المحبة التي هي ميل الطباع أي نحب ذلك «وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنََا» يجوز أن يكونوا قالوا و هم مستبصرون في دينهم و معناه نريد أن نزداد يقينا و ذلك أن الدلائل كلما كثرت مكنت المعرفة في النفس عن عطاء «وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنََا» بأنك رسول الله و هذا يقوي قول من قال إن هذا كان في ابتداء أمرهم و الصحيح أنهم طلبوا المعاينة و العلم الضروري و التأكيد في الإعجاز «وَ نَكُونَ عَلَيْهََا مِنَ اَلشََّاهِدِينَ» لله بالتوحيد و لك بالنبوة و قيل من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم.

القراءة

قرأ أهل المدينة و الشام و عاصم «مُنَزِّلُهََا» بالتشديد و الباقون منزلها مخففة.

الحجة

يقوي التخفيف قوله «أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً» و الأولى أن يكون الجواب على وفق السؤال و الوجه في التشديد أن نزل و أنزل بمعنى واحد.

409

(1) -

اللغة

العيد اسم لما عاد إليك من شي‏ء في وقت معلوم حتى قالوا للخيال عيد و لما يعود إليك من الحزن عيد قال الأعشى :

فوا كبدي من لاعج الهم و الهوى # إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها

و قال الليث العيد كل يوم مجمع قال العجاج :

"كما يعود العيد نصراني"

قال المفضل عادني عيدي أي عادتي و أنشد:

"عاد قلبي من الطويلة عيد"

و إنما قول تابط شرا :

"يا عيد ما لك من شوق و إبراق"

فإنه أراد الخيال الذي يعتاده .

الإعراب‏

«تَكُونُ لَنََا» في موضع النصب صفة لمائدة و لنا في موضع الحال لأن تقديره تكون عيدا لنا فقوله «لَنََا» صفة لعيد فلما تقدمه انتصب على الحال و قوله «لِأَوَّلِنََا وَ آخِرِنََا» بدل من قوله «لَنََا» .

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن سؤال عيسى (ع) إياه فقال «قََالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ » عن قومه لما التمسوا منه و قيل أنه إنما سأل ربه ذلك حين أذن له في السؤال «اَللََّهُمَّ رَبَّنََا أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً» أي خوانا عليه طعام‏ «مِنَ اَلسَّمََاءِ تَكُونُ لَنََا عِيداً» قيل في معناه قولان (أحدهما) نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيدا نعظمه نحن و من يأتي بعدنا عن السدي و قتادة و ابن جريج و هو قول أبي علي الجبائي (و الثاني) أن معناه تكون عائدة فضل من الله علينا و نعمة منه لنا و الأول هو الوجه «لِأَوَّلِنََا وَ آخِرِنََا» أي لأهل زماننا و من يجي‏ء بعدنا و قيل معناه يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم عن ابن عباس «وَ آيَةً مِنْكَ» أي و دلالة منك عظيمة الشأن في إزعاج قلوب العباد إلى الإقرار بمدلولها و الاعتراف بالحق الذي تشهد به ظاهرها تدل على توحيدك و صحة نبوة نبيك «وَ اُرْزُقْنََا» أي و اجعل ذلك رزقا لنا و قيل معناه و ارزقنا الشكر عليها عن الجبائي «وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ» و في هذا دلالة على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضا لأنه لو لم يكن كذلك لم يصح أن يقال له سبحانه «أَنْتَ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ» كما لا يجوز أن يقال أنت خير الآلهة لما لم يكن غيره إلها} «قََالَ اَللََّهُ» مجيبا له إلى ما التمسه «إِنِّي مُنَزِّلُهََا» يعني المائدة «عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ» أي بعد إنزالها عليكم «فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذََاباً لاََ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ اَلْعََالَمِينَ» قيل في معناه أقوال (أحدها) أنه أراد عالمي زمانه فجحد القوم فكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة و خنازير عن قتادة

و روي عن أبي الحسن موسى

410

(1) - أنهم مسخوا خنازير

(و ثانيها) أنه أراد عذاب الاستئصال (و ثالثها) أنه أراد جنسا من العذاب لا يعذب به أحدا غيرهم و إنما استحقوا هذا النوع من العذاب بعد نزول المائدة لأنهم كفروا بعد ما رأوا الآية التي هي من أزجر الآيات عن الكفر بعد سؤالهم لها فاقتضت الحكمة اختصاصهم بفن من العذاب عظيم الموضع كما اختصت آيتهم بفن من الزجر عظيم الموقع.

ـ

[القصة]

اختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا فقال الحسن و مجاهد إنها لم تنزل و إن القوم لما سمعوا الشرط استعفوا عن نزولها و قالوا لا نريدها و لا حاجة لنا فيها فلم تنزل‏و الصحيح أنها نزلت لقوله تعالى «إِنِّي مُنَزِّلُهََا عَلَيْكُمْ» و لا يجوز أن يقع في خبره الخلف و

لأن الأخبار قد استفاضت عن النبي ص و الصحابة و التابعين أنها نزلت‏

قال كعب أنها نزلت يوم الأحد و لذلك اتخذه النصارى عيدا و اختلفوا في كيفية نزولها و ما عليها

فروي عن عمار بن ياسر عن النبي قال نزلت المائدة خبزا و لحما و ذلك لأنهم سألوا عيسى (ع) طعاما لا ينفد يأكلون منها قال فقيل لهم فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا و تخبأوا و ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتم قال فما مضى يومهم حتى خبأوا و رفعوا و خانوا

و قال ابن عباس أن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل صوموا ثلاثين يوما ثم اسألوا الله ما شئتم يعطيكم فصاموا ثلاثين يوما فلما فرغوا قالوا يا عيسى إنا لو عملنا لأحد من الناس فقضينا عمله لأطعمنا طعاما و إنا صمنا و جعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها عليها سبعة أرغفة و سبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم و هو المروي عن أبي جعفر (ع)

و روى عطاء بن السائب عن زاذان و ميسرة قالا كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل اختلف عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلا اللحم‏و روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أنزل على المائدة كل شي‏ء إلا الخبز و اللحم و قال عطاء نزل عليها كل شي‏ء إلا السمك و اللحم و قال عطية العوفي نزل من السماء سمكة فيها طعم كل شي‏ء و قال عمار و قتادة كان عليها ثمر من ثمار الجنة و قال قتادة كانت تنزل عليهم بكرة و عشيا حيث كانوا كالمن و السلوى لبني إسرائيل و قال يمان بن رئاب كانوا يأكلون منها ما شاءوا و روى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي أنه قال و الله ما تبع عيسى شيئا من المساوئ قط و لا انتهر

411

(1) - يتيما و لا قهقه ضحكا و لا ذب ذبابا عن وجهه و لا أخذ على أنفه من شي‏ء نتن قط و لا عبث قط و لما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا و بكى و قال «اَللََّهُمَّ رَبَّنََا أَنْزِلْ عَلَيْنََا مََائِدَةً» الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين و هم ينظرون إليها و هي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى و قال اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة و لا تجعلها مثلة و عقوبة و اليهود ينظرون إليها ينظرون إلى شي‏ء لم يروا مثله قط و لم يجدوا ريحا أطيب من ريحه فقام عيسى فتوضأ و صلى صلاة طويلة ثم كشف المنديل عنها و قال بسم الله خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها تسيل سيلا من الدسم و عند رأسها ملح و عند ذنبها خل و حولها من أنواع البقول ما عدا الكراث‏و إذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون و على الثاني عسل و على الثالث سمن و على الرابع جبن و على الخامس قديد فقال شمعون يا روح الله أ من طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة فقال عيسى ليس شي‏ء مما ترون من طعام الدنيا و لا من طعام الآخرة و لكنه شي‏ء افتعله الله بالقدرة الغالبة كلوا مما سألتم يمددكم و يزدكم من فضله فقال الحواريون يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية اليوم آية أخرى فقال عيسى يا سمكة أحيي بإذن الله فاضطربت السمكة و عاد عليها فلوسها و شوكها ففزعوا منها فقال عيسى ما لكم تسألون أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها ما أخوفني عليكم أن تعذبوا يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله فعادت السمكة مشوية كما كانت فقالوا يا روح الله كن أول من يأكل منها ثم نأكل نحن فقال عيسى معاذ الله أن آكل منها و لكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها فدعا لها عيسى أهل الفاقة و الزمنى و المرضى و المبتلين فقال كلوا منها جميعا و لكم المهنأ و لغيركم البلاء فأكل منها ألف و ثلاثمائة رجل و امرأة من فقير و مريض و مبتلى و كلهم شبعان يتجشى‏ثم نظر عيسى إلى السمكة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السماء ثم طارت المائدة صعدا و هم ينظرون إليها حتى توارت عنهم فلم يأكل منها يومئذ زمن إلا صح و لا مريض إلا أبرئ و لا فقير إلا استغني و لم يزل غنيا حتى مات و ندم الحواريون و من لم يأكل منها و كانت إذا نزلت اجتمع الأغنياء و الفقراء و الصغار و الكبار يتزاحمون عليها فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبة بينهم فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتى فاء الفي‏ء طارت صعدا و هم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم و كانت تنزل غبا يوما و يوما لا فأوحى الله إلى عيسى اجعل مائدتي للفقراء دون الأغنياء فعظم‏

412

(1) - ذلك على الأغنياء حتى شكوا و شككوا الناس فيها فأوحى الله إلى عيسى إني شرطت على المكذبين شرطا أن من كفر بعد نزولها أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال عيسى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ فمسخ منهم ثلثمائة و ثلاثة و ثلاثون رجلا باتوا من ليلهم على فرشهم مع نسائهم في ديارهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات و الكناسات و يأكلون العذرة في الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى و بكوا و بكى على الممسوخين أهلوهم فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا

و في تفسير أهل البيت (ع) كانت المائدة تنزل عليهم فيجتمعون عليها و يأكلون منها ثم ترتفع فقال كبراؤهم و مترفوهم لا ندع سفلتنا يأكلون منها معنا فرفع الله المائدة ببغيهم و مسخوا قردة و خنازير.

اللغة

النفس تقع على وجوه فالنفس نفس الإنسان و غيره من الحيوان و هي التي إذا فارقها خرج من كونه حيا و منه قوله‏ «كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ» * و النفس أيضا ذات الشي‏ء الذي يخبر عنه كقولهم فعل ذلك فلان نفسه و النفس أيضا الإرادة كما في قول الشاعر:

فنفساي نفس قالت ائت ابن بجدل # تجد فرجا من كل غمي تهابها

413

(1) - و نفس تقول اجهد بخائك لا تكن # كخاضبة لم يغن شيئا خضابها

و قال النمر بن تولب :

أما خليلي فإني لست معجله # حتى يؤامر نفسية كما زعما

نفس له من نفوس القوم صالحة # تعطي الجزيل و نفس ترضع الغنما

يريد أنه بين نفسين نفس تأمره بالجود و أخرى تأمره بالبخل و كنى برضاع الغنم عن البخل كما يقال لئيم راضع و النفس العين التي تصيب الإنسان‏

و روي أن رسول الله ص كان يرقي‏فيقول بسم الله أرقيك و الله يشفيك من كل داء هو فيك من كل عين عاين و نفس نافس و حسد حاسد

قال ابن الأعرابي النفوس الذي تصيب الناس بالنفس و ذكر رجلا فقال كان حسودا نفوسا كذوبا و قال ابن قيس الرقيات :

يتقي أهلها النفوس عليها # فعلى نحرها الرقى و التميم‏

و قال مضرس :

و إذا نموا صعدا فليس عليهم # منا الخيال و لا نفوس الحسد

و النفس الغيب يقال إني لأعلم نفس فلان أي غيبه و على هذا تأويل الآية و يقال النفس أيضا العقوبة و عليه حمل بعضهم قوله تعالى‏ «وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ» و الرقيب أصله من الترقب و هو الانتظار و معناه الحافظ و رقيب القوم حارسهم و الشهيد الشاهد لما يكون و يجوز أن يكون بمعنى العليم .

ـ

الإعراب‏

حقيقة إذ أن يكون لما مضى و هذا معطوف على ما قبله فكأنه قال يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا أجبتم و ذلك إذ يقول يا عيسى و قيل أنه تعالى إنما قال له ذلك حين رفعه إليه فيكون القول ماضيا عن البلخي و هذا قول السدي و الصحيح الأول لأن الله عقب هذه الآية بقوله هََذََا يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ و أراد به يوم القيامة و إنما خرج هذا مخرج الماضي و هو للمستقبل تحقيقا لوقوعه كقوله تعالى‏ «وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ» و مثله قوله‏ «وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ فَزِعُوا فَلاََ فَوْتَ» يريد إذ يفزعون و كذلك قوله‏ «وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ وُقِفُوا عَلَى اَلنََّارِ» و قال أبو النجم :

414

(1) -

ثم جزاه الله عني إذ جزى # جنات عدن في العلالي العلا

«مِنْ دُونِ اَللََّهِ» من زائدة مؤكدة للمعنى قوله «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ» المعنى إن أكن الآن قلته فيما مضى و ليس كان فيه على المعنى لأن الشرط و الجزاء لا يقعان إلا فيما يستقبل و حرف الجزاء يغير معنى المضي إلى الاستقبال لا محالة هذا قول المحققين و قوله «أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ» ذكر في محله وجوه (أحدها) النصب بدلا مما أمرتني به (و الثاني) أن يكون مجرور الموضع بدلا من الهاء في «بِهِ» (و الثالث) أن يكون أن مفسرة لما أمر به بمعنى أي و على هذا فلا موضع لها من الإعراب.

المعنى‏

ثم عطف سبحانه على ما تقدم من أمر المسيح فقال «وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ» و المعنى إذ يقول الله يوم القيامة لعيسى «يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ» هذا و إن خرج مخرج الاستفهام فهو تقريع و تهديد لمن ادعى ذلك عليه من النصارى كما جرى في العرف بين الناس أن من ادعى على غيره قولا فيقال لذلك الغير بين يدي المدعي عليه ذلك القول أ أنت قلت هذا القول ليقول لا فيكون ذلك استعظاما لذلك القول و تكذيبا لقائله و ذكر فيه وجه آخر و هو أن يكون تعالى أراد بهذا القول تعريف عيسى أن قوما قد اعتقدوا فيه و في أمه أنهما إلهان لأنه يمكن أن يكون عيسى لم يعرف ذلك إلا في تلك الحال عن البلخي و الأول أصح‏و قد اعترض على قوله «إِلََهَيْنِ» فقيل لا يعلم في النصارى من اتخذ مريم إلها و الجواب عنه من وجوه (أحدها) أنهم لما جعلوا المسيح إلها لزمهم أن يجعلوا والدته أيضا إلها لأن الولد يكون من جنس الوالدة فهذا على طريق الإلزام لهم (و الثاني) أنهم لما عظموهما تعظيم الآلهة أطلق اسم الآلهة عليهما كما أطلق اسم الرب على الرهبان و الأحبار في قوله‏ «اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ» لما عظموهم تعظيم الرب (و الثالث) أنه يحتمل أن يكون فيهم من قال بذلك و يعضد هذا القول ما حكاه الشيخ أبو جعفر عن بعض النصارى أنه قد كان فيما مضى قوم يقال لهم المريمية يعتقدون في مريم أنها إله فعلى هذا يكون القول فيه كالقول في الحكاية عن اليهود و قولهم‏ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ «قََالَ» يعني عيسى «سُبْحََانَكَ» جل جلالك و عظمت و تعاليت عن عطاء و قيل معناه تنزيها لك و براءة مما لا يجوز عليك و قيل تنزيها لك من أن تبعث رسولا

415

(1) - يدعي إلهية لنفسه و يكفر بنعمتك فجمع بين التوحيد و العدل ثم تبرأ من قول النصارى فقال «مََا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مََا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» أي لا يجوز لي أن أقول لنفسي ما لا يحق لي فأمر الناس بعبادتي و أنا عبد مثلهم و إنما تحق العبادة لك لقدرتك على أصول النعم ثم استشهد الله تعالى على براءته من ذلك القول فقال «إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ» يريد أني لم أقله لأني لو كنت قلته لما خفي عليك لأنك علام الغيوب «تَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِي وَ لاََ أَعْلَمُ مََا فِي نَفْسِكَ» أي تعلم غيبي و سري و لا أعلم غيبك و سرك عن ابن عباس و إنما ذكر النفس لمزاوجة الكلام و العادة جارية بأن الإنسان يسر في نفسه فصار قوله «مََا فِي نَفْسِي» عبارة عن الإخفاء ثم قال «مََا فِي نَفْسِكَ» على جهة المقابلة و إلا فالله منزه عن أن يكون له نفس أو قلب تحل فيه المعاني و يقوي هذا التأويل قوله تعالى «إِنَّكَ أَنْتَ عَلاََّمُ اَلْغُيُوبِ» لأنه علل علمه بما في نفس عيسى بأنه علام الغيوب و عيسى ليس كذلك فلذلك لم يعلم ما يختص الله بعلمه ثم قال حكاية عن عيسى في جواب ما قرره تعالى عليه «مََا قُلْتُ لَهُمْ إِلاََّ مََا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ» أي لم أقل للناس إلا ما أمرتني به من الإقرار لك بالعبودية و إنك ربي و ربهم و إلهي و إلههم و أمرتهم أن يعبدوك وحدك و لا يشركوا معك غيرك في العبادة «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً» أي شاهدا «مََا دُمْتُ» حيا «فِيهِمْ» بما شاهدته منهم و علمته و بما أبلغتهم من رسالتك التي حملتنيها و أمرتني بأدائها إليهم «فَلَمََّا تَوَفَّيْتَنِي» أي قبضتني إليك و أمتني عن الجبائي و قيل معناه وفاة الرفع إلى السماء عن الحسن «كُنْتَ أَنْتَ اَلرَّقِيبَ» أي الحفيظ «عَلَيْهِمْ» عن السدي و قتادة «وَ أَنْتَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ» أي أنت عالم بجميع الأشياء لا تخفى عليك خافية و لا يغيب عنك شي‏ء قال الجبائي و في هذه الآية دلالة على أنه أمات عيسى و توفاه ثم رفعه إليه لأنه بين أنه كان شهيدا عليهم ما دام فيهم فلما توفاه الله كان هو الشهيد عليهم و هذا ضعيف لأن التوفي لا يستفاد من إطلاقه الموت أ لا ترى إلى قوله‏ «اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا» فبين أنه تعالى يتوفى الأنفس التي لم تمت‏} «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ» لا يقدرون على دفع شي‏ء من أنفسهم «وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ» في تسليم الأمر لمالكه و تفويض إلى مدبره و تبرؤ من أن يكون إليه شي‏ء من أمور قومه كما يقول الواحد منا إذا تبرأ من تدبير أمر من الأمور و يريد تفويضه إلى غيره هذا الأمر لا مدخل لي فيه فإن شئت فافعله و إن شئت فاتركه مع علمه و قطعه على أن أحد الأمرين لا يكون منه‏و قيل أن المعنى إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم و إن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم‏

416

(1) - عن الحسن فكأنه اشترط التوبة و إن لم يكن الشرط ظاهرا في الكلام و إنما لم يقل فإنك أنت الغفور الرحيم لأن الكلام لم يخرج مخرج السؤال و لو قال ذلك لأوهم الدعاء لهم بالمغفرة على أن قوله «اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ» أبلغ في المعنى و ذلك أن المغفرة قد تكون حكمة و قد لا تكون و الوصف بالعزيز الحكيم يشتمل على معنى الغفران و الرحمة إذا كانا صوابين و يزيد عليهما باستيفاء معان كثيرة لأن العزيز هو المنيع القادر الذي لا يضام و القاهر الذي لا يرام و هذا المعنى لا يفهم من الغفور الرحيم و الحكيم هو الذي يضع الأشياء مواضعها و لا يفعل إلا الحسن الجميل فالمغفرة و الرحمة إن اقتضتهما الحكمة دخلتا فيه و زاد معنى هذا اللفظ عليهما من حيث اقتضى وصفه بالحكمة في سائر أفعاله.

ـ

القراءة

قرأ نافع وحده يوم ينفع بالنصب و الباقون بالرفع.

الحجة

قال أبو علي من رفع يوما جعله خبر المبتدأ الذي هو هذا و أضاف يوما إلى ينفع و الجملة التي هي من المبتدأ و الخبر في موضع نصب بأنه مفعول القول كما تقول قال زيد عمرو أخوك و من قرأ هذا يوم ينفع احتمل أمرين (أحدهما) أن يكون مفعول قال تقديره قال الله هذا القصص أو هذا الكلام «يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ» فيوم ظرف للقول و هذا إشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله‏ «إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ » و جاء على لفظ الماضي و إن كان المراد به الآتي كما قال‏ وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ و نحو ذلك و ليس ما بعد قال حكاية في هذا الوجه كما كان إياها في الوجه الآخر و يجوز أن يكون المعنى على الحكاية و تقديره «قََالَ اَللََّهُ هََذََا يَوْمُ يَنْفَعُ» أي هذا الذي اقتصصنا يقع أو يحدث يوم ينفع و خبر المبتدأ الذي هو هذا الظرف لأنه إشارة إلى حدث و ظروف الزمان تكون أخبارا عن الأحداث و الجملة في موضع نصب بأنها في موضع مفعول قال و لا يجوز أن تكون في موضع رفع و قد فتح لأن المضاف‏

417

(1) - إليه معرب و إنما يكتسب البناء من المضاف إليه إذا كان المضاف إليه مبنيا و المضاف مبهما كما يكون ذلك في هذا الضرب من الأسماء إذا أضيف إلى ما كان مبنيا نحو وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ و مِنْ عَذََابِ يَوْمِئِذٍ و صار في المضاف البناء للإضافة إلى المبني كما صار فيه الاستفهام للإضافة إلى المستفهم به نحو غلام من أنت و كما صار فيه الجزاء نحو غلام من تضرب اضرب و ليس المضارع في هذا كالماضي في نحو قوله:

على حين عاتبت المشيب على الصبا # فقلت أ لما أصح و الشيب وازع‏

لأن الماضي مبني و المضارع معرب و إذا كان معربا لم يكن شي‏ء يحدث من أجله البناء في المضاف و الإضافة إلى الفعل نفسه في الحقيقة لا إلى مصدره و لو كانت الإضافة إلى المصدر لم يبن المضاف لبناء المضاف إليه.

المعنى‏

لما بين عيسى بطلان ما عليه النصارى «قََالَ اَللََّهُ» تعالى «هََذََا يَوْمُ يَنْفَعُ اَلصََّادِقِينَ صِدْقُهُمْ» يعني ما صدقوا فيه في دار التكليف لأن يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد و لا يخبر أحد فيه إلا بالصدق و لا ينفع الكفار صدقهم في يوم القيامة إذا أقروا على أنفسهم بسوء أعمالهم و قيل أن المراد بصدقهم تصديقهم لرسل الله تعالى و كتبه و قيل أنه الصدق في الآخرة و أنه ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله فعلى هذا يكون المراد به صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ‏ «لَهُمْ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً» أي دائمين فيها في نعيم مقيم لا يزول «رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ» بما فعلوا «وَ رَضُوا عَنْهُ» بما أعطاهم من الجزاء و الثواب «ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ» هو ما يحصلون فيه من الثواب قال الحسن فازوا بالجنة و نجوا من النار ثم بين تعالى عظيم قدرته و اتساع مملكته فقال‏} «لِلََّهِ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا فِيهِنَّ» نزه تعالى نفسه عما قالت النصارى أن معه إلها فقال «لِلََّهِ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» دون كل من سواه لقدرته عليه وحده و قيل أن هذا جواب لسؤال مضمر في الكلام كأنه قيل من يعطيهم ذلك الفوز العظيم فقيل الذي له ملك السماوات و الأرض و جمع السماوات و وحد الأرض تفخيما لشأن السماوات «وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» فهو يقدر على المعدومات بأن يوجدها و على الموجودات بأن يعدمها و على كثير منها بأن يعيدها بعد الإفناء و على مقدورات غيره بأن يقدر عليها و يمنع منها و قيل معناه أنه قادر

418

(1) - على كل شي‏ء يصح أن يكون مقدورا له كقوله‏ «خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» * عن أبي علي الجبائي .