الأغاني - ج19

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
209 /
55

و ما زلت أسترعي‏[1]لك اللّه غائبا # و أظهر إشفاقا عليك و أكتم

و أعلم أنّ الجود ما غبت غائب # و أنّ النّدى في حيث كنت مخيّم‏[2]

إلى أن زجرت الطير سعدا سوانحا # و حمّ لقاء بالسّعود و مقدم

و ظلّ يناجيني بمدحك خاطر[3] # و ليلي ممدود الرّواقين أدهم

و قال: طواه الحجّ فاخشع لفقده # و لا عيش حتى يستهلّ المحرّم

سيفخر ما ضمّ الحطيم و زمزم # بمطّلب لو أنه يتكلّم

و ما خلقت إلا من الجود كفّه # على أنها و البأس خدنان توأم

أعدت إلى أكناف مكة بهجة # خزاعيّة كانت تجلّ و تعظم

ليالي سمّار الحجون إلى الصّفا # خزاعة إذ خلّت لها البيت جرهم

و لو نطقت بطحاؤها و حجونها # و خيف منّى و المأزمان‏[4]و زمزم

إذا لدعت‏[5]أجزاء جسمك كلها # تنافس في أقسامه لو تحكّم

و لو ردّ مخلوق إلى بدء خلقه # إذا كنت جسما بينهن تقسّم

/سما بك منها كل خيف فأبطح # نما بك‏[6]منه الجوهر المتقدّم

و حنّ إليك الركن حتى كأنّه # و قد جئته خلّ عليك مسلّم‏

قال: فوصله صلة سنية و أهدى له هدية حسنة من طرف ما قدم به و حمله، و اللّه أعلم.

مدح الحسن بن سهل فأطربه و لم يقصد غيره إلى أن مات‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني الحسن بن الحسن بن رجاء، عن أبيه و أهله، /قالوا:

كان محمد بن وهيب الحميريّ لمّا قدم المأمون من خراسان مضاعا مطّرحا، إنما يتصدى للعامة و أوساط الكتّاب‏[7]و القوّاد بالمديح و يسترفدهم فيحظى باليسير، فلما هدأت الأمور و استقرّت و استوسقت جلس أبو محمد الحسن بن سهل يوما منفردا بأهله و خاصّته و ذوي مودّته و من يقرب من أنسه، فتوسل إليه محمد بن وهيب بأبي حتى أوصله مع الشعراء، فلما انتهى إليه القول استأذن في الإنشاد فأذن له، فأنشده قصيدته الّتي أولها:

ودائع أسرار طوتها السرائر # و باحت بمكتوماتهنّ النّواظر

ملكت بها[8]طيّ الضمير و تحته # شبالوعة عضب الغرارين باتر

[1]ب: «أستدعي» و أسترعي لك اللّه: أطلب منه أن يرعاك.

[2]ب:

«في حيث أنت مخيم»

.

[3]ب: «خاطري» .

[4]المأزمان: موضع بمكة بين المشعر الحرام و مكة.

[5]ف:

«إذا لادعت... # تنافس في أحكامها»

.

[6]ف:

«نصابك منه»

.

[7]مي: «و أوساط الناس من الكتاب» .

[8]ف:

«تمكن في طي الضمير»

. و في المختار:

«ملكن إلى طي الضمير»

.

56

فأعجم عنها ناطق و هو معرب # و أعربت العجم الجفون العواطر[1]

أ لم تغذني السّرّاء في ريّق الهوى‏[2] # غريرا بما تجني عليّ الدّوائر

تسالمني الأيّام في عنفوانه # و يكلؤني طرف من الدهر ناظر

حتى انتهى إلى قوله:

/

إلى الحسن الباني العلا يمّمت بنا[3] # عوالي المنى حيث الحيا المتظاهر

إلى الأمل المبسوط و الأجل الّذي # بأعدائه تكبوا الجدود العواثر

و من أنبعت عين المكارم كفّه # يقوم مقام القطر و الروض دائر

تعصّب تاج الملك في عنفوانه # و أطّت به عصر الشّباب المنابر[4]

تعظّمه‏[5]الأوهام قبل عيانه # و يصدر عنه الطّرف و الطّرف حاسر

به تجتدى النّعمى و تستدرك المنى # و تستكمل الحسنى و ترعى الأواصر

أصات بنا داعي نوالك مؤذنا # بجودك إلا أنه لا يحاور[6]

قسمت صروف الدهر بأسا و نائلا # فمالك موتور و سيفك واتر

و لمّا رأى اللّه الخلافة قد وهت # دعائمها و اللّه بالأمر خابر

بنى بك أركانا عليك محيطة # فأنت لها دون الحوادث ساتر[7]

و أرعن فيه للسوابغ جنّة # و سقف سماء أنشأته الحوافر[8]

يعني أنّ على الدروع من الغبار ما قد غشيها فصار كالجنة لها.

لها فلك فيه الأسنّة أنجم # و نقع المنايا مستطير و ثائر

أجزت قضاء الموت في مهج العدا # ضحى فاستباحتها المنايا الغوادر

/لك اللّحظات الكالئات قواصدا # بنعمى و بالبأساء و هي شوازر[9]

و لم لم تكن إلا بنفسك فاخرا # لما انتسبت إلاّ إليك المفاخر

قال: فطرب أبو محمد حتى نزل عن سريره إلى الأرض و قال: أحسنت و اللّه و أجملت، و لو لم تقل قط [1]في ب:

«و أعجبت العجم»

. و في مي، مد:

«الجفون الفواتر»

. و في ف:

«الجفون النواظر»

.

[2]ب:

«أ لم تقذني السراء في رتق الهوى»

.

[3]ف:

«... المعالي صمت بنا»

.

[4]و أطت المنابر: صوتت. و في ف:

«و أطت به غض الشباب المآثر»

.

[5]ب: «تعطفه» .

[6]ب:

«أهاب بنا... # بدونك إلا أنه لا يحاور»

.

[7]في المختار: جاء عجز البيت التالي مكان هذا العجز.

[8]جيش أرعن: له فضول يشبه رعن الجبل. و يقال: لقوهم بأرعن أي بجيش مضطرب لكثرته. و السوابغ جمع سابغة، و هي الدرع الواسعة. الجنة: السترة. الحوافر جمع حافر، و هو من الدابة بمنزلة القدم للإنسان.

[9]في ب:

«و بالبأساء فيه شواذر»

. و الشوازر من شزره و شزر إليه: نظر إليه بمؤخر عينه. و أكثر ما يكون في حال الإعراض أو الغضب.

57

و لا تقول في باقي دهرك غير هذا لما احتجت إلى القول، و أمر له بخمسة آلاف دينار فأحضرت و اقتطعه إلى نفسه، فلم يزل في جنبته‏[1]أيّام ولايته و بعد ذلك إلى أن مات ما تصدّى لغيره.

تردد على علي بن هشام فحجبه فهجاه هجاء موجعا

حدّثني أحمد بن جعفر جحظة، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال:

كان/محمد بن وهيب الحميريّ الشاعر قد مدح عليّ بن هشام و تردّد إليه و إلى بابه دفعات، فحجبه و لقيه يوما، فعرض له في طريقه و سلّم عليه، فلم يرفع إليه طرفه، و كان فيه تيه شديد، فكتب إليه رقعة يعاتبه فيها، فلما وصلت إليه خرّقها و قال: أيّ شي‏ء يريد هذا الثقيل السّيّئ الأدب؟فقيل له ذلك فانصرف مغضبا و قال: و اللّه ما أردت ماله و إنما أردت التوسّل بجاهه سيغني اللّه جل و عز عنه، أما و اللّه ليذمّنّ مغبّة فعله. و قال يهجوه:

أزرت بجود عليّ خيفة العدم‏[2] # فصدّ منهزما عن شأو ذي الهمم

لو كان من فارس في بيت مكرمة # أو كان من ولد الأملاك في العجم

أو كان أوله أهل البطاح أو الرّ # كب الملبّنون إهلالا إلى الحرم

أيام تتّخذ الأصنام آلهة # فلا ترى عاكفا إلا على صنم

لشجّعته على فعل الملوك لهم # طبائع لم ترعها خيفة العدم

/لم تند كفّاك‏[3]من بذل النّوال كما # لم يند سيفك مذ قلّدته بدم

كنت امرأ رفعته فتنة فعلا # أيامها غادرا بالعهد و الذّمم

حتى إذا انكشفت عنّا عمايتها[4] # و رتّب النّاس بالأحساب و القدم

مات التّخلّق و ارتدّتك مرتجعا # طبيعة نذلة الأخلاق و الشّيم

كذاك من كان لا رأسا و لا ذنبا # كزّ[5]اليدين حديث العهد بالنّعم

هيهات ليس بحمّال الدّيات و لا # معطي الجزيل و لا المرهوب ذي النّقم‏

قال: فحدّثني بعض بني هاشم أنّ هذه الأبيات لمّا بلغت عليّ بن هشام ندم على ما كان منه، و جزع لها و قال: لعن اللّه اللّجاج فإنه شرّ خلق تخلّقه الناس، ثم أقبل على أخيه الخليل بن هشام فقال: اللّه يعلم أني لا أدخل على الخليفة و عليّ السيف إلا و أنا مستح منه، أذكر قول ابن وهيب فيّ:

لم تند كفّاك من بذل النّوال كما # لم يند سيفك مذ قلّدته بدم‏

حدثني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدثني ميمون‏[6]بن هارون، قال: من سمع ابن الأعرابيّ، يقول:

[1]جنبته: ناجيته.

[2]ف:

«ازردت عليه بجود خيفة العدم»

.

[3]في المختار:

«لم تند كفك»

.

[4]في المختار، مي، ب: «غيابتها» .

[5]في معاهد التنصيص 1: 224: «كد اليدين» .

[6]ف: «محمد بن هارون» .

58

أهجى بيت قاله المحدثون قول محمد بن وهيب:

لم تند كفّاك من بذل النوال كما # لم يند سيفك مذ قلّدته بدم‏

تعرض لأعرابية فأجابته جوابا مسكتا

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني محمد بن مرزوق البصريّ، قال:

/حدثني محمد بن وهيب قال: جلست بالبصرة إلى عطّار فإذا أعرابية سوداء قد جاءت فاشترت من العطّار خلوقا فقلت له: تجدها اشترته لابنتها و ما ابنتها و ما ابنتها إلا خنفساء، فالتفتت إليّ متضاحكة، ثم قالت: لا و اللّه، لكن مهاة جيداء[1]، إن قامت فقناة، و إن قعدت فحصاة، و إن مشت فقطاه، أسفلها كثيب، و أعلاها قضيب، لا كفتياتكم اللواتي تسمّنونهن بالفتوت‏[2]، ثم انصرفت و هي تقول:

إن الفتوت للفتاة مضرطه # يكربها في البطن حتى تثلطه‏[3]

//فلا أعلمني ذكرتها إلا أضحكني ذكرها.

تردد على مجلس يزيد بن هارون ثم تركه‏

حدثني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدثنا أبو هفّان، قال:

كان محمد بن وهيب يتردد إلى مجلس يزيد بن هارون، فلزمه عدّة مجالس يملي فيها كلها فضائل أبي بكر و عمر و عثمان رضي اللّه عنهم، لا يذكر شيئا من فضائل عليّ عليه السّلام، فقال فيه ابن وهيب:

آتي يزيد بن هارون أدالجه‏[4] # في كل يوم و ما لي و ابن هارون

فليت لي بيزيد حين أشهده # راحا و قصفا و ندمانا يسلّيني

أغدو إلى عصبة صمّت مسامعهم # عن الهدى بين زنديق و مأفون

لا يذكرون عليّا في مشاهدهم # و لا بنيه بني البيض الميامين

/اللّه‏[5]يعلم أني لا أحبّهم # كما هم بيقين لا يحبّوني

و يستطيعون عن ذكرى‏[6]أبا حسن # و فضله قطّعوني بالسّكاكين

و لست أترك تفضيلي له أبدا # حتى الممات على رغم الملاعين‏[7]

[1]ب: «لا و اللّه و لكن مهاة خبنداة» .

[2]فت الشي‏ء: دقه و كسره فهو مفتوت و فتيت و فتوت.

[3]ب:

«يكربها بالليل»

-و يكربها: يشق عليها.

[4]أصل المدالجة: السير في آخر الليل، و منه قول البحتري:

و من سحر به دالجت فيها # تغنم قينة و هبوب ساق‏

و المقصود هنا أسهر معه وقتا طويلا من الليل.

[5]مي، مد، ف: «إني لأعلم» .

[6]مي، ف: «في ذكري» .

[7]ف:

«على رغم المعادين»

.

59

مذهبه من شعره‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني إسحاق بن محمد الكوفيّ، قال: حدثني محمد بن القاسم بن يوسف. و أخبرني به الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن القاسم، قال: حدثني إسحاق، عن محمد بن القاسم بن يوسف قال:

كان محمد بن وهيب يأتي أبي فقال له أبي يوما: إنك تأتينا و قد عرفت مذاهبنا فنحبّ أن تعرّفنا مذهبك فنوافقك أو نخالفك، فقال له: في غد أبيّن لك أمري و مذهبي. فلما كان من غد كتب إليه:

أيّها السّائل قد بيّ # نت إن كنت ذكيّا

أحمد اللّه كثيرا # بأياديه عليّا

شاهدا[1]أن لا إله # غيره ما دمت حيّا

و على أحمد بالصّد # ق رسولا و نبيّا

و منحت الودّ قربا # ه و واليت الوصيّا

و أتاني خبر مطّرح # لم يك شيّا

أن على غير اجتماع # عقدوا الأمر بديّا

فوقفت القوم تيما # و عديّا و أميّا

غير شتّام و لكنّي # تولّيت عليّا

اعتزازه بشعره‏

حدثني جحظة، قال: حدثني عليّ بن يحيى المنجم، قال:

بلغ محمد بن وهيب أنّ دعبل بن عليّ قال: أنا ابن قولي‏[2]:

لا تعجبي يا سلم من رجل # ضحك المشيب برأسه فبكى‏

و أنّ أبا تمام قال: أنا ابن قولي‏[2]:

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل‏

فقال محمد بن وهيب: و أنا ابن قولي‏[2]:

ما لمن تمّت محاسنه # أن يعادي طرف من رمقا

/لك أن تبدي لنا حسنا # و لنا أن نعمل الحدقا

قال أبو الفرج الأصبهانيّ‏[3]: و هذا من جيّد شعره و نادره، و أول هذه الأبيات قوله:

نم فقد وكّلت بي الأرقا # لاهيا تغري بمن عشقا[4]

[1]ف: «شاهد» بدل «شاهدا» .

[2]في ب: «قال أين قولي» .

[3]ف: «قال مؤلف هذا الكتاب» .

[4]ف:

«لاهيا بعدا لمن عشقا»

.

60

إنّما أبقيت من جسدي # شبحا غير الّذي خلقا

كنت كالنّقصان في قمر # ماحقا[1]منه الّذي اتّسقا

و فتى ناداك من كثب # أسعرت أحشاؤه حرقا[2]

غرقت في الدّمع مقلته # فدعا إنسانها الغرقا

إنّما عاقبت ناظره # أن أعاد اللّحظ[3]مسترقا

ما لمن تمّت محاسنه # أن يعادي طرف من رمقا

/لك أن تبدي لنا حسنا # و لنا أن نعمل الحدقا

قدحت كفّاك زند هوى # في سواد القلب فاحترقا

وصف غلمان أحمد بن هشام فوهبه غلاما فمدحه‏

حدثني عمّي، قال: حدثني أبو عبد اللّه الهشاميّ، عن أبيه، قال:

دخل محمد بن وهيب على أحمد بن هشام يوما و قد مدحه، فرأى بين يديه غلمانا روقة مردا و خدما بيضا فرّها[4]في نهاية الحسن و الكمال و النظافة، فدهش لما رأى و بقي متبلّدا لا ينطق حرفا، فضحك أحمد منه و قال له:

ما لك؟ويحك!تكلّم بما تريد، فقال:

قد كانت الأصنام و هي قديمة # كسرت و جدّعهنّ إبراهيم

و لديك أصنام سلمن من الأذى # وصفت لهنّ غضارة[5]و نعيم

و بنا إلى صنم نلوذ بركنه # فقر و أنت إذا هززت كريم‏

فقال له: اختر من شئت، فاختار واحدا منهم، فأعطاه إياه، فقال يمدحه:

فضلت مكارمه على الأقوام # و علا فحاز[6]مكارم الأيّام

و علته أبّهة الجلال كأنّه # قمر بدا لك من خلال غمام

إنّ الأمير على البريّة كلّها # بعد الخليفة أحمد بن هشام‏

الحسن بن سهل يصله بالمأمون فيمدحه‏

و أخبرني جعفر بن قدامة في خبره الّذي ذكرته آنفا عنه، عن الحسن بن الحسن بن رجاء، عن أبيه، قال:

لمّا قدم المأمون، لقيه أبو محمد الحسن بن سهل، فدخلا جميعا، فعارضهما ابن وهيب و قال:

/

اليوم جدّدت النّعماء و المنن # فالحمد للّه حلّ العقدة الزّمن‏

[1]ب:

«ما خفي منه»

.

[2]ف:

«... من كرب... # ملأت أحشاءه حرقا»

.

[3]ب:

«إذ أعاد الطرف»

.

[4]الروقة: الجميل جدا من الغلمان و الجواري-للمذكر و المؤنث و المفرد و المثنى و الجمع. و فره فراهة: جمل و حسن أو حذق و مهر فهو فاره جمعه فرّه.

[5]ف: «نضارة» . و الغضارة: النعمة و طيب العيش.

[6]ف، ب، المختار: «فخار» .

61

اليوم أظهرت الدّنيا محاسنها # للنّاس لما التقى المأمون و الحسن‏

قال: فلما جلسا سأله المأمون عنه فقال: هذا رجل من حمير، شاعر مطبوع، اتصل بي متوسلا إلى أمير المؤمنين و طالبا الوصول مع نظرائه، فأمر المأمون بإيصاله مع الشعراء، فلما وقف بين يديه، و أذن له في الإنشاد، أنشده قوله:

طلان طال عليهما الأمد # دثرا فلا علم و لا نضد

/لبسا البلى فكأنّما وجدا # بعد الأحبّة مثل ما أجد

حيّيتما طللين، حالهما # بعد الأحبّة غير ما عهدوا

إمّا طواك‏[1]سلوّ غانية # فهواك لا ملل و لا فند

إن كنت صادقة الهوى فردي # في الحبّ منهلي‏[2]الّذي أرد

أدمي هرقت و أنت آمنة # أم ليس لي عقل و لا قود[3]؟

إن كنت فتّ و خانني سبب # فلربّما يخطئ‏[4]مجتهد

حتى انتهى إلى قوله في مدح المأمون:

يا خير منتسب لمكرمة # في المجد حيث تبحبح‏[5]العدد

في كل أنملة لراحته # نوء يسحّ و عارض حشد[6]

/و إذا القنا رعفت أسنّته # علقا و صمّ كعوبها قصد[7]

فكأنّ ضوء جبينه قمر # و كأنّه في صولة أسد

و كأنّه روح تدبّرنا # حركاته و كأنّنا جسد

المأمون يستشير فيه الحسن بن سهل ثم يلحقه بجوائز مروان بن أبي حفصة

فاستحسنها المأمون و قال لأبي محمد: احتكم له، فقال: أمير المؤمنين أولى بالحكم، و لكن إن أذن لي في المسألة سألت له، فأما الحكم فلا، فقال: سل، فقال: يلحقه بجوائز مروان بن أبي حفصة، فقال: ذلك و اللّه أردت، و أمر بأن تعدّ أبيات قصيدته و يعطى لكل بيت ألف درهم، فعدّت فكانت خمسين، فأعطي خمسين ألف درهم.

من مدائحه للمأمون‏

قال الأصبهانيّ: و له في المأمون و الحسن بن سهل خاصة مدائح شريفة نادرة، من عيونها قوله في المأمون في قصيدة أولها:

[1]في ف: «إن ماطلوك» .

[2]في مد: «منهلنا» . و في المختار و معاهد التنصيص: «منهله» .

[3]لا عقل و لا قود أي لا دية و لا قصاص.

[4]مد، ف:

«فلربما لم يحظ مجتهد»

.

[5]في ب، المختار:

«حيث ينتج العدد»

.

[6]النوء: المطر. و العارض: السحاب المعترض في الأفق. و حشد: لا ينقطع ماؤه.

[7]العلق: القطعة من العلق للدم، و الرمح الأصم: الصلب المتين، و القصد: جمع قصدة؛ و هي القطعة مما يكسر.

62

العذر إن أنصفت متّضح # و شهيد حبّك‏[1]أدمع سفح

فضحت ضميرك عن ودائعه # إنّ الجفون نواطق فصح‏[2]

و إذا تكلّمت العيون‏[3]على # إعجامها فالسّر مفتضح

ربما أبيت معانقي قمر # للحسن فيه مخايل تضح‏[4]

نشر الجمال على محاسنه # بدعا و أذهب همّه الفرح

يختال في حلل الشّباب به # مرح و داؤك أنه مرح

ما زال يلثمني مراشفه # و يعلّني الإبريق و القدح

/حتى استردّ اللّيل خلعته # و نشا خلال سواده وضح

و بدا الصّباح كأن غرّته # وجه الخليفة حين يمتدح‏

يقول فيها:

نشرت بك الدّنيا محاسنها # و تزيّنت بصفاتك المدح

و كأنّ ما قد غاب عنك له # بإزاء طرفك عارضا شبح‏[5]

و إذا سلمت فكلّ حادثة # جلل فلا بؤس و لا ترح‏

مدح المطلب بن عبد اللّه فوصله و أقام عنده مدة

/أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدثني أهلنا:

أنّ محمد بن وهيب قصد المطّلب بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ-عمّ أبي-و قد ولي الموصل و كان له صديقا حفيّا، و كان كثير الرّفد له و الثّواب على مدائحه، فأنشده قوله فيه:

صوت‏

دماء المحبّين لا تعقل # أ ما في الهوى حاكم‏[6]يعدل

تعبّدني حور الغانيات # و دان الشّباب له الأخطل‏[7]

و نظرة عين تلافيتها # غرارا كما ينظر الأحول

مقسّمة بين وجه الحبـ # يب و طرف الرّقيب متى يغفل

أذمّ على غربات‏[8]النّوى # إليك السّلوّ و لا أذهل‏

[1]ف: «و شهود حبك» .

[2]مي، مد، ب: «فضح» .

[3]التجريد:

«و إذا تكلمت الجفون»

.

[4]مي، مد:

«ربما أبيت... مخايل فصح»

. و في ب: «مخايل نصح» . و تضح: تبين و تظهر.

[5]ف:

«بإزاء طرفك عارض سنح»

.

[6]ب: «حكم يعدل» .

[7]ب: «الأخطل» . و الأخطل: الخفيف السريع أو الأحمق.

[8]الغربات جمع غربة، و هي البعد.

63

و قالوا عزاؤك بعد الفراق # إذا حمّ مكروهه أجمل

أقيدي دما سفكته العيون # بإيماض كحلاء لا تكحل

فكلّ سهامك لي مقصد[1] # و كلّ مواقعها مقتل

سلام على المنزل المستحيل # و إن ضنّ بالمنطق المنزل

و عضب‏[2]الضّريبة يلقى الخطوب # بجدّ عن الدّهر لا ينكل

تغلغل شرقا إلى مغرب # فلمّا تبدّت له الموصل

ثوى حيث لا يستمال الأريب # و لا يؤلف اللّقن الحوّل

لدى ملك قابلته السّعود # و جانبه الأنجم الأفّل

لأيّامه سطوات الزّمان # و إنعامه حين لا موئل

سما مالك بك للباهرات # و أوحدك المربأ الأطول

و ليس بعيدا بأن تحتذي‏[3] # مذاهب آسادها الأشبل‏

قال: فوصله و أحسن جائزته و أقام عنده مدة، ثم استأذنه في الانصراف فلم يأذن له، و زاد في ضيافته‏[4] و جراياته و جدّد له صلة، فأقام عنده برهة أخرى، ثم دخل عليه فأنشده:

ألا هل إلى ظلّ العقيق و أهله‏[5] # إلى قصر أوس فالحزير معاد؟

و هل لي بأكناف المصلّى فسفحه # إلى السّور مغدى ناعم و مراد؟

فلم تنسني نهر الأبلّة نيّة # و لا عرصات المربدين بعاد[6]

/هنالك لا تبني الكواعب خيمة # و لا تتهادى كلثم و سعاد

أجدّي‏[7]لا ألقى النّوى مطمئنّة # و لا يزدهيني مضجع و مهاد

فقال له: أبيت إلا الوطن و النّزاع إليه!ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، و أوقر له زورقا من طرف الموصل و أذن له.

المأمون يتمثل من شعره‏

[8]حدثني محمد بن يحيى الصّولي، قال: حدثني أبو عبد اللّه الماقطانيّ، عن عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى، عن سعيد بن وهيب، قال:

كان المأمون كثيرا ما يتمثّل إذا كربه الأمر:

[1]مقصد: مصيب قاتل.

[2]ب: «و غض الضريبة» .

[3]مد:

«و ليس بديعا بأن تحتذي»

. و في مي:

«و ليس عجيبا بأن تحتذى»

. و في ف:

«و ليس بديعا بأن تقتفى»

.

[4]ف، مي: «في إقامته» .

[5]ب:

«ألا هل إليّ فيّ العقيق و ظلّه»

.

[6]ف:

«و لا يتهادى بالمرين بعاد»

.

[7]ف:

«أجدك لا تلقى النوى»

.

[8]من أول هنا حتى آخر الترجمة ساقط من ب ثابت في ف، مي، مم.

64

ألا ربّما ضاق الفضاء بأهله # و أمكن من بين الأسنّة مخرج‏

قصيدته في ابن عباد وزير المأمون حين أبعده‏

قال الأصبهانيّ: و هذا الشعر لمحمد بن وهيب يقوله في ابن عبّاد وزير المأمون، و كان له صديقا، فلما ولي الوزارة اطّرحه لانقطاعه إلى الحسن بن سهل فقال فيه قصيدة أوّلها:

تكلّم بالوحي البنان المخضّب # و للّه شكوى معجم كيف يعرب؟

أ إيماء أطراف البنان و وجهها # أباتا له كيف الضّمير المغيّب؟

و قد كان حسن الظّنّ أنجب مرّة # فأحمد عقبى أمره المتعقّب

فلما تدبّرت الظّنون‏[1]مراقبا # تقلّب حاليها إذا هي تكذب

بدأت بإحسان فلما شكرته # تنكّرت لي حتى كأنّي مذنب

و كلّ فتى يلقي الخطوب بعزمه # له مذهب عمّن له عنه مذهب

/و هل يصرع الحبّ الكريم و قلبه # عليم بما يأتي و ما يتجنّب

تأنّيت حتى أوضح العلم أنّني # مع الدهر يوما مصعد و مصوّب

و ألحقت أعجاز الأمور صدورها # و قوّمها غمز القداح المقلّب

و أيقنت أن اليأس للعرض صائن # و أن سوف أغضي للقذي حين أرغب

أ غادرتني بين الظّنون مميّزا # شواكل أمر بينهن مجرّب

يقرّبني من كنت أصفيك دونه # بودّي و تنأى بي فلا أتقرّب

فللّه حظّي منك كيف أضاعه # سلوّك عنّي و الأمور تقلب

أبعدك أستسقي بوارق مزنة # و إن جاد هطّل من المزن هيدب‏[2]

إذا ما رأيت البرق أغضيت دونه # و قلت إذا ما لاح: ذا البرق خلّب

و إن سنحت لي فرصة لم أسامها # و أعرضت عنها خوف ما أترقّب

تأدّبت عن حسن الرّجاء فلن أرى # أعود له إن الزّمان‏[3]مؤدّب‏

و قال له أيضا:

هل الهمّ إلا كربة تتفرّج # لها معقب تحدى إليه و تزعج‏[4]

و ما الدّهر إلا عائد مثل سالف # و ما العيش إلا جدّة ثم تنهج‏[5]

و كيف أشيم البرق و البرق خلّب # و يطمعني ريعانه المتبلّج‏[6]

/و كيف أديم الصبر لابي ضراعة # و لا الرّزق محظور و لا أنا محرج؟

[1]ف: «الأمور» .

[2]الهيدب: السحاب المتدلى الّذي يدنو من الأرض و يرى كأنه خيوط عند انصبابه.

[3]مي، مم: «الرجاء» .

[4]مي: «هل الدهر» بدل: «هل الهم» .

[5]المختار:

«و ما الدهر إلا غابر»

. الجدّة: الطريقة. و تنهج: تبلى.

[6]المختار:

«و مطمعني إنعامه المتبلج»

. و المبتلج: المنير.

65

ألا ربّما كان التّصبّر ذلّة # و أدنى إلى الحال الّتي هي أسمج

و هل يحمل الهمّ الفتى و هو ضامن # سرى الليل رحّال العشيّات مدلج

و لا صبر ما أعدى على الدّهر مطلب # و أمكن إدلاج و أصحر منهج‏[1]

ألا ربّما ضاق الفضاء بأهله # و أمكن من بين الأسنّة مخرج

و قد يركب الخطب الّذي هو قاتل # إذا لم يكن إلا عليه معرّج‏

مدح الأفشين فأجازه المعتصم‏

حدثني بعض أصحابنا عن أحمد بن أبي كامل قال:

كان محمد بن وهيب تيّاها شديد الذّهاب بنفسه، فلمّا قدم الأفشين-و قد قتل بابك-مدحه بقصيدته الّتي أوّلها:

طلول و مغانيها # تناجيها و تبكيها

يقول فيها:

بعثت الخيل، و الخير # عقيد في نواصيها

و هي من جيّد شعره، فأنشدناها ثم قال: ما لها عيب سوى أنها لا أخت لها.

قال: و أمر المعتصم للشعراء الذين مدحوا الأفشين بثلاثمائة ألف درهم جرت تفرقتها على يد ابن أبي دواد، فأعطى منها محمد بن وهيب ثلاثين ألفا، و أعطى أبا تمّام عشرة آلاف درهم. قال ابن أبي كامل: فقلت لعليّ بن يحيى المنجّم: أ لا تعجب من هذا الحظّ؟يعطى أبو تمام عشرة آلاف و ابن وهيب ثلاثين ألفا، و بينهما كما بين السماء و الأرض. /فقال: لذلك علّة لا تعرفها؛ كان ابن وهيب مؤدّب الفتح بن خاقان، فلذلك وصل إلى هذه الحال.

يذكر الدنيا و يصف حاله و هو عليل‏

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ. قال: حدثني أبو زكوان، قال:

حدثني من دخل إلى محمد بن وهيب يعوده و هو عليل قال: فسألته عن خبره فتشكّى ما به ثم قال:

نفوس المنايا بالنّفوس تشعّب # و كلّ له من مذهب الموت مذهب

نراع لذكر الموت ساعة ذكره # و تعترض الدّنيا فنلهو و نلعب

و آجالنا في كلّ يوم و ليلة # إلينا على غرّاتنا تتقرّب

أ أيقن أنّ الشيب ينعى حياته # مدرّ لأخلاف الخطيئة مذنب

يقين كأنّ الشّكّ أغلب أمره # عليه و عرفان إلى الجهل ينسب

و قد ذمّت الدّنيا إليّ نعيمها # و خاطبني إعجامها و هو معرب‏

[1]البيت من نسختي مي، مم. و جاء مكان هذا البيت في المختار:

أبي لي إغضاء الجفون على القذى # يقيني ألاّ عسر إلا سيفرج‏

و أصحر: اتسع.

66

و

لكنّني منها خلقت لغيرها # و ما كنت منه فهو عندي‏[1]محبّب‏

ابن أبي فنن و أبو يوسف الكندي يطعنان عليه فيرد عليهما من ينصفه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني أحمد بن أبي كامل، قال:

كنّا في مجلس و معنا أبو يوسف الكنديّ و أحمد بن أبي فنن، فتذاكرنا شعر محمد بن وهيب فطعن عليه ابن أبي فنن و قال: هو متكلّف حسود، إذا أنشد شعرا لنفسه قرظه و وصفه في نصف يوم و شكا أنّه مظلوم منحوس الحظّ و أنّه لا تقصّر به عن مراتب القدماء حال، فإذا أنشد شعر غيره حسده، و إن كان على نبيذ عربد عليه، و إن كان صاحيا عاداه و اعتقد فيه كلّ مكروه. فقلت له: كلاكما لي صديق، و ما أمتنع من/وصفكما جميعا بالتّقدّم و حسن الشعر، فأخبرني عمّا أسألك عنه إخبار منصف، أو يعدّ متكلّفا من يقول:

أبي لي إغضاء الجفون على القذى # يقيني أن لا عسر إلاّ مفرّج

ألا ربّما ضاق الفضاء بأهله # و أمكن من بين الأسنّة مخرج؟

أو يعدّ متكلّفا من يقول:

رأت وضحا من مفرق الرأس راعها # شريحين مبيضّ به و بهيم؟

فأمسك ابن أبي فنن، و اندفع الكنديّ فقال: كان ابن وهيب ثنويّا. فقلت له: من أين علمت ذاك؟أكلّمك على مذهب الثّنويّة قطّ؟قال: لا، و لكني استدللت من شعره على مذهبه، فقلت: حيث يقول ما ذا؟فقال: حيث يقول:

طللان طال عليهما الأمد

و حيث يقول:

تفترّ عن سمطين من ذهب‏

إلى غير ذلك مما يستعمله في شعره من ذكر الاثنين.

فشغلني و اللّه الضّحك عن جوابه. و قلت له: يا أبا يوسف، مثلك لا ينبغي أن يتكلّم فيما لم ينفذ فيه علمه.

يستنجز محمد بن عبد الملك الزيات حاجته‏

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، عن أبيه، قال:

سأل محمد بن وهيب محمد بن محمد بن عبد الملك الزّيّات حاجة فأبطأ فيها، فوقف عليه ثم قال له:

/

طبع الكريم على وفائه # و على التّفضّل في إخائه‏

تغني عنايته الصّديق عن التّعرّض لاقتضائه

حسب الكريم حياؤه‏[2] # فكل الكريم إلى حيائه‏[2]

فقال له: حسبك فقد بلغت إلى ما أحببت‏[3]، و الحاجة تسبقك إلى منزلك. و وفى له بذلك.

[1]المختار:

«فهو شي‏ء محبب»

.

[2]و في التجريد:

«.... حباؤه # ... حبائه»

بدل:

«حياؤه... # حياته... »

.

[3]ف: «فقد حثثت فأبلغت» . و في التجريد: «قد حنّنت فأبلغت» .

67
صوت‏

وددت على ما كان من سرف الهوى # و غيّ الأماني أنّ ما شئت يفعل

/فترجع أيّام تقضّت و لذّة # تولّت، و هل يثنى من الدّهر[1]أوّل!

الشعر لمزاحم العقيليّ، و الغناء لمقاسة بن ناصح، خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ. قال الهشاميّ. قال الهشاميّ: و فيه لأحمد بن يحيى المكّيّ رمل.

[1]ب، س: «من العيش» .

68

5-أخبار مزاحم و نسبه‏

نسبه‏

هو مزاحم بن عمرو[1]بن الحارث بن مصرّف بن الأعلم بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.

و قيل: مزاحم بن عمرو بن مرّة بن الحارث بن مصرّف بن الأعلم، و هذا القول عندي أقرب إلى الصواب.

بدويّ شاعر فصيح إسلاميّ، صاحب قصيد و رجز، كان في زمن جرير و الفرزدق. و كان جرير يصفه و يقرّظه و يقدّمه.

بيتان له تمنى جرير أنهما له‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني الفضل بن محمد اليزيديّ، عن إسحاق الموصليّ، قال:

قال لي عمارة بن عقيل: كان جرير يقول: ما من بيتين كنت أحبّ أن أكون سبقت إليهما غير بيتين من قول مزاحم العقيليّ:

وددت على ما كان من سرف الهوى # و غيّ الأماني أنّ ما شئت يفعل

فترجع أيّام مضين و لذّة # تولّت و هل يثنى من العيش أوّل!

قال المفضّل: قال إسحاق: سرف الهوى: خطؤه، و مثله قول جرير:

أعطوا هنيدة[2]تحدوها ثمانية # ما في عطائهم منّ و لا سرف‏

/أراد أنهم يحفظون‏[3]مواضع الصنائع، لا أنه وصفهم بالاقتصاد و التوسّط في الجود.

إسحاق يعجب بشعره‏

قال إسحاق: و واعدني زياد الأعرابيّ موضعا من المسجد، فطلبته فيه فلم أجده، فقلت له بعد ذلك: طلبتك لموعدك‏[4]فلم أجدك. فقال: أين طلبتني؟فقلت: في موضع كذا و كذا، فقال: هناك و اللّه سرفتك، أي أخطأتك.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال:

[1]مي، ف: «مزاحم بن الحارث بن مصرف» ، و في الخزانة 3: 45: «مزاحم بن الحارث: شاعر إسلامي من بني عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة» .

[2]هنيدة: مائة من الإبل.

[3]ف: «لا يخطئون» بدل «يحفظون» . و في ب: «أراد أنهم لا يخطئون مواضع الصنائع إلا أنه... » .

[4]مي: «لموضعك» .

69

أنشدني حماد عن أبيه لمزاحم العقيليّ قال-و كان يستجيدها و يستحسنها-:

لصفراء في قلبي من الحبّ شعبة # حمى لم تبحه الغانيات صميم‏[1]

بها حلّ بيت الحبّ ثم ابتنى بها # فبانت بيوت الحيّ و هو مقيم

بكت دارهم من نأيهم فتهلّلت # دموعي فأيّ الجازعين ألوم!

أ مستعبرا يبكي من الحزن و الجوى # أم آخر يبكي شجوه فيهيم؟

تضمّنه من حبّ صفراء بعد ما # سلا هيضات الحب فهو كليم‏[2]

و من يتهيّض‏[3]حبّهن فؤاده # يمت أو يعش ما عاش و هو سقيم

كحرّان صاد ذيد عن برد مشرب # و عن بللات الرّيق‏[4]فهو يحوم‏

منعه عمه من زواجه بابنته لفقره‏

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا أبو سعيد السّكّري، قال: أخبرنا محمد بن حبيب، عن ابن أبي الدّنيا العقيليّ-قال ابن حبيب: و هو صاحب الكسائيّ و أصحابنا-قال:

كان مزاحم العقيليّ خطب ابنة عم له دنية[5]فمنعه أهلها لإملاقه و قلة ماله، و انتظروا/بها/رجلا موسرا في قومها كان يذكرها و لم يحقق، و هو يومئذ غائب. فبلغ ذلك مزاحما من فعلهم، فقال لعمّه: يا عمّ، أ تقطع رحمي و تختار عليّ غيري لفضل أباعر تحوزها و طفيف من الحظ تحظى به!و قد علمت أني أقرب إليك من خاطبها الّذي تريده، و أفصح منه لسانا، و أجود كفّا، و أمنع جانبا، و أغنى عن العشيرة!فقال له: لا عليك فإنها إليك صائرة، و إنما أعلّل أمّها بهذا، ثم يكون أمرها لك، فوثق به.

تزوجت ابنة عمه في غيابه فقال فيها شعرا

و أقاموا مدة، ثم ارتحلوا و مزاحم غائب، و عاد الرجل الخاطب لها فذاكروه‏[6]أمرها، فرغب فيها، فأنكحوه إياها، فبلغ ذلك مزاحما فأنشأ يقول:

نزلت بمفضى سيل حرسين و الضّحى # يسيل بأطراف المخارم آلها[7]

بمسقيّة الأجفان أنفد دمعها # مقاربة الألاّف ثمّ زيالها[8]

فلما نهاها اليأس أن تؤنس الحمى # حمى البئر جلّى عبرة العين جالها[9]

[1]ب: «سموم» . و في مي، مد: «جموم» . و في ب:

«لم تبحه الغانيات سموم»

.

[2]ب: «فهو كظيم» . و الهيضات جمع هيضة، و هي معاودة الهم و الحزن.

[3]تهيضه الغرام: عاوده مرة بعد أخرى.

[4]مي: «نهلات الريق» .

[5]ابنة عم له دنية أي، لاصقة النسب.

[6]ب: «فذكروا» .

[7]حرس: من مياه بني عقيل بنجد. و المخارم: الطرق في الغليظ من الأرض. و في مي، مد، ف: «نظرت» بدل: «نزلت» . و في ب:

«يسير بأيام المخارم»

.

[8]ف: «مفارقة الألاف» .

[9]مي، ف:

«حمى البين جلى عبرة البين جالها»

.

70

أ يا ليل إن تشحط بك الدار غربة # سوانا و يعيي النّفس فيك احتيالها

فكم ثم كم من عبرة قد رددتها # سريع على جيب القميص انهلالها[1]

خليليّ هل من حيلة تعلمانها # يقرّب من ليلى إلينا احتيالها

فإنّ بأعلى الأخشبين أراكة # عدتني عنها الحرب دان ظلالها

و في فرعها لو تستطاع جنابها # جنى يجتنيه المجتني لو ينالها

هنيئا لليلى مهجة ظفرت بها # و تزويج ليلى حين حان ارتحالها

/فقد حبسوها محبس البدن و ابتغى # بها الرّبح أقوام تساخف مالها[2]

فإنّ مع الرّكب الذين تحمّلوا # غمامة صيف زعزعتها شمالها

سجنه ثم هربه‏

و قال محمد بن حبيب في خبره، قال ابن الأعرابيّ:

وقع بين مزاحم العقيلي و بين رجل من بني جعدة لحاء في ماء فتشاتما و تضاربا بعصيّهما، فشجّه مزاحم شجّة أمّته‏[3]، فاستعدت بنو جعدة على مزاحم فحبس حبسا طويلا، ثم هرب من السّجن، فمكث في قومه مدة، و عزل ذلك الوالي و ولى غيره، فسأله ابن عمّ لمزاحم يقال له مغلّس أن يكتب أمانا لمزاحم، فكتبه له، و جاء مغلّس و الأمان معه، فنفر مزاحم منه و ظنّها خيلة من السّلطان، فهرب و قال في ذلك:

أتاني بقرطاس الأمير مغلّس # فأفزع قرطاس الأمير فؤاديا

فقلت له: لا مرحبا بك مرسلا # إليّ و لا لي من أميرك داعيا[4]

أ ليست جبال القهر قعسا مكانها # و عروى و أجبال الوحاف كما هيا؟[5]

أخاف ذنوبي أن تعدّ ببابه # و ما قد أزلّ الكاشحون أماميا

و لا أستريم عقبة الأمر بعد ما # تورّط في بهماء كعبي و ساقيا[6]

هوى امرأة من قومه و تزوجت غيره‏

أخبرني محمد بن مزيد، و أحمد بن جعفر جحظة، قالا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

كان مزاحم العقيليّ يهوى امرأة من قومه يقال لها ميّة، فتزوّجت رجلا كان/أقرب إليها من مزاحم، فمر عليها بعد أن دخل بها زوجها، فوقف عليها ثم قال:

/

أيا شفتي ميّ أ ما من شريعة # من الموت إلا أنتما توردانيا!

و يا شفتي ميّ أمالي إليكما # سبيل و هذا الموت قد حلّ دانيا!

[1]ف: «انهمالها» .

[2]تساخف مالها: رق حالها.

[3]أمته: أصابت أم دماغه.

[4]ف، مي:

«و لا لبّى أميرك»

.

[5]قعسا جمع أقعس أي ثابتة. و في مد: «تمسي مكانها» .

[6]مد، ف:

«و لا أستديم... # تورّط بي و هنا بكعبي و ساقيا»

. ـ

71

و يا شفتي ميّ أ ما تبذلان لي # بشي‏ء و إن أعطيت أهلي و ماليا!

فقالت: أعزز عليّ يا بن عمّ بأن تسأل ما لا سبيل إليه، و هذا أمر قد حيل دونه، فاله عنه. فانصرف.

جرير يتمنى أن يكون له بعض شعر مزاحم‏

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد النّحويّ، قال:

حدّثني عمارة بن عقيل قال: قال لي أبي: قال عبد الملك بن مروان لجرير: يا أبا حرزة، هل تحب أن يكون لك بشي‏ء من شعرك شي‏ء من شعر غيرك؟قال: لا، ما أحبّ ذلك، إلا أنّ غلاما ينزل الرّوضات من بلاد بني عقيل يقال له مزاحم العقيليّ، يقول حسنا من الشعر[1]لا يقدر أحد من أن يقول مثله، كنت أحبّ أن يكون لي بعض شعره مقايضة ببعض شعري.

هوى امرأة من قومه يقال لها ليلى و تزوجت غيره‏

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثني عمّي، عن العبّاس بن هشام، عن أبيه، قال:

كان مزاحم العقيليّ يهوى امرأة من قومه يقال لها ليلى، فغاب غيبة عن بلاده، ثم عاد و قد زوّجت، فقال في ذلك:

أتاني بظهر الغيب أن قد تزوّجت # فظلّت بي الأرض الفضاء تدور

و زايلني لبّي و قد كان حاضرا # و كاد جناني عند ذاك يطير

فقلت و قد أيقنت أن ليس بيننا # تلاق و عيني بالدموع‏[2]تمور

/أ يا سرعة الأخبار حين تزوّجت # فهل يأتينّي بالطّلاق بشير

و لست بمحص حبّ ليلى لسائل # من النّاس إلا أن أقول كثير

صوت‏

لها في سواد القلب تسعة أسهم # و للناس طرّا من هواي عشير[3]

قال ابن الكلبيّ: و من الناس من يزعم أنّ ليلى هذه التي يهواها مزاحم العقيليّ هي التي كان يهواها المجنون، و أنهما اجتمعا هو و مزاحم في حبّها.

هوى امرأة أخرى من قشير و تزوجت غيره‏

قال الأصبهانيّ: و قد أخبرني بشرح هذا الخبر الحسن بن عليّ، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، عن عليّ بن الصّباح، عن ابن الكلبيّ، قال:

كان مزاحم بن مرّة العقيلي يهوي امرأة[4]من قشير يقال لها ليلى بنت موازر، و يتحدّث إليها مدة حتى شاع أمرهما، و تحدّثت جواري الحيّ به، فنهاه أهلها عنها، و كانوا متجاورين، و شكوه إلى الأشياخ من قومه فنهوه [1]مي، مد: «وحشيّا من الشعر» .

[2]مي:

«و عيني بالدماء»

.

[3]عشير، أي جزء من العشرة.

[4]ف: «جارية من قشير» .

72

و اشتدّوا عليه، فكان يتفلّت إليها في أوقات الغفلات، فيتحدّثان و يتشاكيان، ثم انتجعت بنو قشير في ربيع لهم ناحية غير تلك قد نضّرها غيث و أخصبها، فبعد عليه خبرها و اشناقها، فكان يسأل عنها كلّ وارد، و يرسل إليها بالسلام مع كل صادر، حتى ورد عليه يوما راكب من قومها، فسأله عنها فأخبره أنها خطبت فزوّجت، فوجم طويلا ثم أجهش باكيا و قال:

أتاني بظهر الغيب أن قد تزوّجت # فظلّت بي الأرض الفضاء تدور

و ذكر الأبيات الماضية.

/و قد أنشدني هذه القصيدة لمزاحم ابن أبي الأزهر، عن حمّاد/عن أبيه، فأتى بهذه الأبيات و زاد فيها:

و تنشر نفسي بعد موتي بذكرها # مرارا فموت مرّة و نشور

عججت لربي عجّة[1]ما ملكتها # و ربّي بذي الشّوق الحزين بصير

ليرحم ما ألقى و يعلم أنّني # له بالذي يسدي إليّ شكور

لئن كان يهدى برد أنيابها العلا # لأحوج منّي إنّني لفقير

الفرزدق و جرير و ذو الرمة يفضلونه على أنفسهم‏

حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبو أيوب المدينيّ، قال: قال أبو عدنان:

أخبرنا تميم بن رافع قال: حدّثت أنّ الفرزدق دخل على عبد الملك بن مروان-أو بعض بنيه-فقال له:

يا فرزدق، أ تعرف أحدا أشعر منك؟قال: لا، إلا غلاما من بني عقيل، يركب أعجاز الإبل و ينعت الفلوات فيجيد، ثم جاءه جرير فسأله عن مثل ما سأل عنه الفرزدق فأجابه بجوابه، فلم يلبث أن جاءه ذو الرّمة فقال له: أنت أشعر النّاس؟قال: لا، و لكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم يسكن الرّوضات؟يقول وحشيّا من الشعر لا يقدر على مثله، فقال: فأنشدني بعض ما تحفظ من ذلك، فأنشده قوله:

خليليّ عوجا بي على الدار نسأل # متى عهدها بالظّاعن المترحّل‏[2]

فعجت و عاجوا فوق بيداء موّرت‏[3] # بها الريح جولان التراب المنخّل‏

حتى أتى على آخرها ثم قال: ما أعرف أحدا يقول قولا يواصل هذا.

صوت‏

أكذّب طرفي عنك في كلّ ما أرى # و أسمع أذني منك ما ليس تسمع

فلا كبدي تبلى و لا لك رحمة # و لا عنك إقصار و لا فيك مطمع

لقيت أمورا فيك لم ألق مثلها # و أعظم منها فيك ما أتوقع

فلا تسأليني في هواك زيادة # فأيسره يجزي و أدناه يقنع‏

الشعر لبكر بن النّطّاح، و الغناء لحسين بن محرز ثقيل أول بالوسطى عن الهشاميّ.

[1]عج الرجل: صاح و رفع صوته، و في ف: حججت لربي حجة.

[2]في الخزانة 3: 45:

«بالظاعن المتحمل»

.

[3]مي، مد: «صفقت» ، و موّرت: أثارت.

73

6-أخبار بكر بن النطاح و نسبه‏

اسمه و نسبه‏

بكر بن النطّاح الحنفيّ‏[1]. يكنى أبا وائل، هكذا أخبرنا وكيع عن عبد اللّه بن شبيب، و ذكر غيره أنه عجليّ من بني سعد بن عجل، و احتجّ من ذكر أنه عجليّ بقوله:

فإن يك جدّ القوم فهر بن مالك # فجدّي عجل قرم بكر بن وائل‏

و أنكر ذلك من زعم أنه حنفيّ و قال: بل قال:

فجدّي لجيم قرم بكر بن وائل‏

و عجل بن لجيم و حنيفة بن لجيم أخوان.

و كان بكر بن النطّاح صعلوكا يصيب الطّريق، ثم أقصر عن ذلك، فجعله أبو دلف من الجند، و جعل له رزقا سلطانيّا، و كان شجاعا بطلا فارسا شاعرا حسن الشّعر و التصرّف فيه، كثير الوصف لنفسه بالشجاعة و الإقدام.

قصته مع أبي دلف‏

/فأخبرني الحسن بن عليّ‏[2]، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أبي، قال:

قال بكر بن النّطّاح الحنفيّ قصيدته التي يقول فيها:

هنيئا لإخواني ببغداد عيدهم # و عيدي بحلوان قراع الكتائب‏

و أنشدها أبا دلف فقال له: إنك لتكثر الوصف لنفسك بالشّجاعة، و ما رأيت لذلك عندك أثرا قطّ، و لا فيك، فقال له: أيّها الأمير و أيّ غناء يكون عند الرجل الحاسر الأعزل؟فقال: أعطوه فرسا و سيفا و ترسا و درعا و رمحا، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه و ركب الفرس و خرج على وجهه، فلقيه مال لأبي دلف يحمل من بعض ضياعه، فأخذه /و خرج جماعة من غلمانه فمانعوه عنه، فجرحهم جميعا و قطعهم و انهزموا. و سار بالمال، فلم ينزل إلا على عشرين فرسخا، فلما اتصل خبره بأبي دلف قال: نحن جنينا على أنفسنا، و قد كنّا أغنياء عن إهاجة أبي وائل، ثم كتب إليه بالأمان، و سوّغه المال، و كتب إليه: صر إلينا فلا ذنب لك، لأنا نحن كنا سبب فعلك بتحريكنا إياك و تحريضنا؛ فرجع و لم يزل معه يمتدحه، حتى مات.

[1]في تاريخ بغداد 7: 90: بكر بن النطاح بن أبي حمار الحنفي.

[2]ف: «عليّ بن الحسين» .

74

قصته مع الرشيد و يزيد بن مزيد

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن موسى، قال: حدّثني الحسن بن إسماعيل، عن ابن الحفصيّ، قال: قال يزيد بن مزيد:

وجّه إليّ الرشيد في وقت يرتاب فيه البري‏ء، فلمّا مثلت بين يديه قال: يا يزيد، من الّذي يقول:

و من يفتقر منّا يعش بحسامه # و من يفتقر من سائر النّاس يسأل‏

فقلت له: و الّذي شرّفك و أكرمك بالخلافة ما أعرفه، قال: فمن الّذي يقول:

و إن يك جدّ القوم فهر بن مالك # فجدّي لجيم قرم بكر بن وائل‏

قلت: لا و الّذي أكرمك و شرّفك يا أمير المؤمنين ما أعرفه، قال: و الّذي كرّمني و شرّفني إنك لتعرفه، أ تظن يا يزيد أني إذا أوطأتك بساطي و شرّفتك بصنيعتي أني أحتملك على هذا؟أو تظن أني لا أراعي أمورك و أتقصّاها، و تحسب أنه يخفى عليّ شي‏ء منها؟و اللّه إن عيوني لعليك في خلواتك و مشاهدك، هذا جلف من أجلاف ربيعة عدا طوره و ألحق قريشا بربيعة فأتني به. فانصرفت و سألت عن قائل الشعر، فقيل لي: هو بكر بن النطاح، و كان أحد أصحابي، فدعوته و أعلمته ما كان من الرشيد، فأمرت له بألفي درهم، و أسقطت اسمه من الديوان، و أمرته ألا يظهر ما دام الرّشيد حيّا، فما ظهر حتى مات الرشيد، فلما مات ظهر، فألحقت اسمه و زدت في عطائه‏[1].

شعره في جارية تدعى رامشنة

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثني محمد بن حمزة العلويّ، قال: حدّثني أبو غسّان دماذ، قال:

حضرت بكر بن النّطّاح الحنفيّ في منزل بعض الحنفيّين، و كانت للحنفيّ جارية يقال لها رامشنة، فقال فيها بكر بن النطاح:

حيّتك بالرّامشن رامشنة # أحسن من رامشنة الآس

جارية لم يقتسم بضعها # و لم تبت‏[2]في بيت نخّاس

أفسدت إنسانا على أهله # يا مفسد النّاس على النّاس‏

/و قال فيها:

أكذّب طرفي عنك و الطّرف صادق # و أسمع أذني منك ما ليس تسمع

و لم أسكن الأرض التي تسكنينها # لكي لا يقولوا صابر ليس يجزع

فلا كبدي تبلى و لا لك رحمة # و لا عنك إقصار و لا فيك مطمع

لقيت أمورا فيك لم ألق مثلها # و أعظم منها منك ما أتوقّع

فلا تسأليني في هواك زيادة # فأيسره يجزي و أدناه يقنع‏

[1]مي، مد، ف: «و زدت في إنزاله» .

[2]ف، مي، مد: «تقم» ، بدل: «تبت» .

75

المأمون يعجب بشعره و ينقد سلوكه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، عن عليّ بن الصّباح-و أظنه مرسلا و أن بينه و بينه ابن أبي سعد أو غيره، لأنه لم يسمع من عليّ بن الصبّاح-قال: حدّثني أبو الحسين الراوية، قال لي المأمون:

أنشدني أشجع بيت و أعفّه و أكرمه من شعر المحدثين، فأنشدته:

و من يفتقر منّا يعش بحسامه # و من يفتقر من سائر النّاس يسأل

و إنّا لنلهو بالسّيوف كما لهت # عروس بعقد أو سخاب‏[1]قرنفل‏

/فقال: ويحك!من يقول هذا؟فقلت: بكر بن النطّاح، فقال: أحسن و اللّه، و لكنه قد كذب في قوله، فما باله يسأل أبا دلف و يمتدحه و ينتجعه!هلاّ أكل خبزه بسيفه كما قال!.

مدح أبا دلف فأعطاه جائزة

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أبو الحسن الكسكريّ‏[2]، قال:

بلغني أن أبا دلف لحق أكرادا قطعوا الطّريق في عمله، و قد أردف منهم فارس رفيقا له خلفه، فطعنهما جميعا فأنفذهما، فتحدّث الناس بأنه نظم‏[3]بطعنة واحدة فارسين على فرس، فلما قدم من وجهه دخل إليه بكر بن النّطّاح فأنشده:

صوت‏

قالوا: و ينظم فارسين بطعنة # يوم اللّقاء و لا يراه جليلا

لا تعجبوا فلو أنّ طول قناته # ميل إذا نظم الفوارس ميلا[4]

قال: فأمر له أبو دلف بعشرة آلاف درهم، فقال بكر فيه:

له راحة لو أنّ معشار جودها # على البرّ كان البرّ أندى من البحر

و لو أنّ خلق اللّه في جسم فارس # و بارزه كان الخليّ من العمر

أبا دلف بوركت في كل بلدة # كما بوركت في شهرها ليلة القدر

عشق غلاما نصرانيا و قال فيه شعرا

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، و عيسى بن الحسين، قالا: حدّثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدّثني أبو زائدة، قال:

/كان بكر بن النّطّاح الحنفيّ يتعشّق غلاما نصرانيّا و يجنّ به، و فيه يقول:

[1]سخاب قرنفل: عقد قرنفل.

[2]ف: «العسكري» . و في مد: «الكسكوبي» . و الكسكري نسبة إلى كسكر: كورة واسعة بالقرب من البصرة.

[3]ف: «أنه أنفذ بطعنة واحدة» .

[4]في فوات الوفيات 1: 79:

«لا تعجبن لو كان مد قناته # ... ميلا... »

.

76

يا من إذا درس الإنجيل كان له # قلب التّقيّ عن القرآن منصرفا

إنّي رأيتك في نومي تعانقني # كما تعانق لام الكاتب الألفا

رده أبو دلف فغضب عليه و انصرف عنه‏

أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ، قال: حدّثني الحسن بن عبد الرحمن/الرّبعيّ‏[1]، قال:

كان بكر بن النّطّاح يأتي أبا دلف في كل سنة، فيقول له: إلى جنب أرضي أرض تباع و ليس يحضرني ثمنها، فيأمر له بخمسة آلاف درهم و يعطيه ألفا لنفقته‏[2]، فجاءه في بعض السنين فقال له مثل ذلك، فقال له أبو دلف:

ما تفنى هذه الأرضون الّتي إليها جانب ضيعتك‏[3]!فغضب و انصرف عنه، و قال:

يا نفس لا تجزعي من التّلف # فإن في اللّه أعظم الخلف

إن تقنعي باليسير تغتبطي # و يغنك اللّه عن أبي دلف‏

رده قرّة بن محرز فغضب عليه و انصرف عنه كذلك‏

قال: و كان بكر بن النّطّاح يأتي قرّة بن محرز الحنفيّ بكرمان فيعطيه عشرة آلاف درهم، و يجري عليه في كل شهر يقيم عنده ألف درهم، فاجتاز به قرّة يوما و هو ملازم في السّوق و غرماؤه يطالبونه بدين، فقال له: ويحك!أ ما يكفيك ما أعطيك حتى تستدين و تلازم في السّوق!فغضب عليه و انصرف عنه و أنشأ يقول:

ألا يا قرّ لا تك سامريّا[4] # فتترك من يزورك في جهاد

أتعجب أن رأيت عليّ دينا # و قد أودى الطّريف مع التّلاد

ملأت يدي من الدّنيا مرارا # فما طمع العواذل في اقتصادي

و لا وجبت عليّ زكاة مال # و هل تجب الزّكاة على جواد!

مدح أبا دلف ببيتين فأعطاه جائزة

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

كنت يوما عند عليّ بن هشام، و عنده جماعة فيهم عمارة بن عقيل، فحدّثته أنّ بكر بن النطّاح دخل إلى أبي دلف و أنا عنده، فقال لي أبو دلف: يا أبا محمد أنشدني مديحا فاخرا تستطرفه، فبدر إليه بكر و قال: أنا أنشدك أيها الأمير بيتين قلتهما فيك في طريقي هذا إليك و أحكّمك، فقال: هات، فإن شهد لك أبو محمد رضينا، فأنشده:

إذا كان الشّتاء فأنت شمس # و إن حضر المصيف‏[5]فأنت ظلّ

و ما تدري إذا أعطيت مالا # أ تكثر في سماحك أم تقل‏

[1]ف، ب: «الحسن بن عبد اللّه بن الربعيّ» .

[2]ف، مي: «لنفقتها» .

[3]مي، مد: «أرضك» .

[4]سامري، منسوب إلى السامريّ، من قوم موسى الّذي جعل من الذهب عجلا يعبد.

[5]فوات الوفيات 1: 79:

«و إن كان المصيف... »

.

77

فقلت له: أحسن و اللّه ما شاء و وجبت مكافأته، فقال: أما إذ رضيت فأعطوه عشرة آلاف درهم، فحملت إليه، و انصرفت إلى منزلي، فإذا أنا بعشرين ألفا قد سبقت إليّ، وجّه بها أبو دلف، قال: فقال عمارة لعليّ بن هشام: فقد قلت أنا في قريب من هذه القصّة:

و لا عيب فيهم غير أنّ أكفّهم # لأموالهم مثل السّنين الحواطم‏[1]

و أنهم لا يورثون بذيهم # -و إن ورثوا خيرا-كنوز الدّراهم‏

رثى معقل بن عيسى‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، قال:

كان معقل بن عيسى صديقا لبكر بن النطّاح، و كان بكر فاتكا صعلوكا، فكان لا يزال قد أحدث حادثة في عمل أبي دلف، أو جنى جناية، فيهمّ به فيقوم دونه معقل حتى يتخلّصه، فمات معقل فقال بكر بن النطاح يرثيه بقوله:

/

و حدّث عنه بعض من قال إنّه # رأت عينه فيما ترى عين حالم‏[2]

/كأنّ الّذي يبكي على قبر معقل‏[3] # و لم يره يبكي على قبر حاتم

و لا قبر كعب إذ يجود بنفسه # و لا قبر حلف الجود قيس بن عاصم

فأيقنت أنّ اللّه فضّل معقلا # على كل مذكور بفضل المكارم‏

هجاه عباد بن الممزق لبخله‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا الكرانيّ، قال: حدّثني العمريّ، قال:

كان بكر بن النّطاح الحنفيّ أبو وائل بخيلا، فدخل عليه عبّاد بن الممزّق يوما، فقدّم إليه خبزا يابسا قليلا بلا أدم، و رفعه من بين يديه قبل أن يشبع، فقال عبّاد يهجوه:

من يشتري مني أبا وائل # بكر بن نطّاح بفلسين؟

كأنما الآكل من خبزه # يأكله من شحمة العين‏

قال: و كان عبّاد هذا هجّاء ملعونا، و هو القائل:

أنا الممزّق أعراض اللّئام كما # كان الممزّق أعراض اللّئام أبي‏

مدح مالك بن طوق ثم هجاه‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا أبو هفّان، قال:

كان بكر بن النّطّاح قصد مالك بن طوق فمدحه، فلم يرض ثوابه، فخرج من عنده و قال يهجوه:

فليت جدا مالك كلّه # و ما يرتجى منه من مطلب

أصبت بأضعاف أضعافه # و لم أنتجعه و لم أرغب‏

[1]حطمه: كسره، و السنون الحواطم: المهلكة.

[2]ف، المختار:

و حدثني عن بعض من قال إنه # رأت عينه فيما ترى عين نائم‏

[3]المختار:

«كأن الندى يبكي على قبر معقل»

.

78

أسأت اختياري منك الثّواب‏[1] # لي الذّنب جهلا و لم تذنب‏

/و كتبها في رقعة و بعث بها إليه، فلما قرأها وجّه جماعة من أصحابه في طلبه، و قال لهم: الويل لكم إن فاتكم بكر بن النّطّاح.

اعتذر إليه و أعطاه فمدحه‏

و لا بد أن تنكفئوا على أثره‏[2]و لو صار إلى الجبل، فلحقوه فردّوه إليه، فلما دخل داره و نظر إليه قام فتلقاه و قال: يا أخي، عجلت علينا و ما كنّا نقتصر بك على ما سلف و إنما بعثنا إليك بنفقة، و عوّلنا بك على ما يتلوها، و اعتذر كلّ واحد منهما إلى صاحبه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر بن النّطّاح يمدحه:

أقول لمرتاد ندى غير مالك # كفى بذل هذا الخلق بعض عداته

فتى جاد بالأموال في كلّ جانب # و أنهبها[3]في عوده و بداته

فلو خذلت أمواله بذل‏[4]كفّه # لقاسم من يرجوه شطر حياته‏

و لو لم يجد في العمر قسمة ماله‏[5] # و جاز له الإعطاء من حسناته

لجاد بها من غير كفر بربّه # و شاركهم في صومه و صلاته‏

فوصله صلة ثانية لهذه الأبيات، و انصرف عنه راضيا.

هكذا ذكر أبو هفّان في خبره و أحسبه غلطا، لأن أكثر مدائح بكر بن النّطّاح في مالك بن عليّ الخزاعيّ-و كان يتولّى طريق خراسان-و صار إليه بكر بن النّطاح بعد وفاة أبي دلف و مدحه، فأحسن تقبّله و جعله في جنده، و أسنى له الرّزق، فكان معه، إلى أن قتله الشّراة بحلوان، فرثاه بكر بعدّة قصائد هي من غرر شعره و عيونه.

كان مع مالك الخزاعي يوم أن قتل فرثاه‏

فحدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، عن أبي وائلة السّدوسيّ، قال:

عاثت الشّراة بالجبل عيثا شديدا، و قتلوا الرجال و النساء و الصّبيان، /فخرج إليهم مالك بن عليّ الخزاعيّ و قد وردوا حلوان، فقاتلهم قتالا شديدا فهزمهم عنها، و ما زال يتبعهم حتى بلغ بهم قرية يقال لها: حدّان‏[6]، فقاتلوه عندها قتالا شديدا، و ثبت الفريقان إلى الليل حتى حجز بينهم، و أصابت مالكا ضربة على رأسه أثبتته‏[7]، و علم أنه ميّت، فأمر بردّه إلى حلوان، فما بلغها حتى مات، فدفن على باب حلوان، و بنيت لقبره قبّة على قارعة الطريق، و كان معه بكر بن النّطّاح يومئذ، فأبلى بلاء حسنا، و قال بكر يرثيه:

[1]ب:

«أسأت اختياري فنلت النوى»

.

[2]مي: «و لا بد أن تبلغوا في أثره» .

[3]فوات الوفيات 1: 79: «و أوهبها» .

[4]فوات الوفيات: «جود كفه» .

[5]فوات الوفيات: «قسمة باذل» .

[6]حدّان-بالضم-: إحدى محالّ البصرة القديمة. و في ف: «حيداد» .

[7]أثبتته: جعلته ثابتا في مكانه لا يفارقه.

79

يا عين جودي بالدّموع السّجام # على الأمير اليمنيّ الهمام

على فتى الدّنيا و صنديدها # و فارس الدّين و سيف الإمام

لا تدخري الدمع على هالك # أيتم إذ أودى جميع الأنام

طاب ثرى حلوان إذ ضمّنت # عظامه، سقيا لها من عظام

أغلقت الخيرات أبوابها # و امتنعت بعدك يا بن الكرام

و أصبحت خيلك بعد الوجا # و الغزو تشكو منك طول الجمام

ارحل بنا نقرب إلى مالك # كيما نحيّي قبره بالسّلام

كان لأهل الأرض في كفّه # غنى عن البحر و صوب الغمام

و كان في الصّبح كشمس الضّحى # و كان في الليل كبدر الظّلام‏[1]

وسائل يعجب من موته # و قد رآه و هو صعب المرام

/قلت له عهدي به معلما # يضربهم عند ارتفاع القتام

و الحرب من طاولها[2]لم يكد # يفلت من وقع صقيل حسام

لم ينظر الدّهر لنا إذ عدا # على ربيع النّاس في كل عام

لن يستقيلوا أبدا فقده # ما هيّج الشّجو دعاء الحمام‏

قال: و قال أيضا يرثيه:

أيّ امرئ خضب الخوارج ثوبه‏[3] # بدم عشيّة راح من حلوان

يا حفرة ضمّت محاسن مالك # ما فيك من كرم و من إحسان

لهفي على البطل المعرّض خدّه # و جبينه لأسنة الفرسان

خرق الكتيبة معلما متكنّبا[9] # و المرهفات عليه كالنّيران

ذهبت بشاشة كلّ شي‏ء بعده # فالأرض موحشة بلا عمران

هدم الشّراة غداة مصرع مالك # شرف العلا و مكارم البنيان

قتلوا فتى العرب الّذي كانت به # تقوى على اللّزبات‏[4]في الأزمان

حرموا معدّا ما لديه و أوقعوا # عصبيّة في قلب كلّ يماني

تركوه في رهج العجاج كأنه‏[5] # أسد يصول بساعد و بنان

هوت الجدود عن السّعود لفقده # و تمسّكت بالنّحس و الدّبران

/لا يبعدنّ أخو خزاعة إذ ثوى # مستشهدا في طاعة الرّحمن

/عزّ الغواة به و ذلّت أمة # محبوّة بحقائق الإيمان‏

[1]في المختار:

«و كان بالليل كبدر التمام»

.

[2]مي: «حاولها» .

[3]ف: «تربه» .

[4]ف، المختار: «الأزمات» . و اللزبات جمع: لزبة، و هي الشدة أو القحط.

[5]المختار: «تركوه في رهج الغبار كأنه» و الرهج: الغبار أو ما أثير منه. و العجاج: الغبار.

80

و بكاه مصحفه و صدر قناته‏[1] # و المسلمون و دولة السّلطان

و غدت تعقّر خيله و تقسّمت # أدراعه و سوابغ الأبدان

أ فتحمد الدّنيا و قد ذهبت # بمن كان المجير لنا من الحدثان!

تشوقه بغداد و هو بالجبل‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: أنشدني أبو غسّان دماذ لبكر بن النّطّاح يتشوّق بغداد و هو بالجبل يومئذ:

نسيم المدام و برد السّحر # هما هيّجا الشّوق حتى ظهر

تقول: اجتنب دارنا بالنّهار # و زرنا إذا غاب ضوء القمر

فإنّ لنا حرسا إن رأوك # ندمت و أعطوا عليك الظّفر

و كم صنع اللّه من مرّة # عليهم و قد أمروا بالحذر

سقى اللّه بغداد من بلدة # و ساكن بغداد صوب المطر

و نبّئت أنّ جواري القصو # ر صيّرن ذكري حديث السّمر

ألا ربّ سائلة بالعرا # ق عنّي و أخرى تطيل الذّكر[2]

تقول: عهدنا أبا وائل # كظبي الفلاة المليح الحور

ليالي كنت أزور القيان # كأنّ ثيابي بهار الشّجر[3]

هوى جارية من القيان و قال فيها شعرا

حدّثني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال:

كان بكر بن النّطّاح يهوى جارية من جواري القيان و تهواه، و كانت لبعض الهاشميّين، يقال لها درّة، و هو يذكرها في شعره كثيرا، و كان يجتمع معها في منزل/رجل من الجند من أصحاب أبي دلف يقال له: الفرز، فسعى به إلى مولاها، و أعلمه أنه قد أفسدها و واطأها على أن تهرب معه إلى الجبل، فمنعه من لقائها و حجبه عنها، إلى أن خرج إلى الكرج مع أبي دلف، فقال بكر بن النّطّاح في ذلك:

أهل دار بين الرّصافة و الجسـ # ر أطالوا غيظي بطول الصّدود

عذّبوني ببعدهم و ابتلوا قلبـ # ي بحزنين‏[4]: طارف و تليد

ما تهبّ الشّمال إلا تنفّ # ست و قال الفؤاد للعين: جودي

قلّ عنهم صبري و لم يرحموني # فتحيّرت كالطّريد الشّريد

وكلتني الأيام فيك إلى نفسـ # ي فأعييت و انتهى مجهود

و قال فيها أيضا و فيه غناء من الرمل الطنبوريّ:

[1]مد، ب: «و صدر حسامه» .

[2]ف، مي: «الفكر» .

[3]البهار: نبت طيب الرائحة.

[4]ب: «بحبين» .

81

العين تبدي الحبّ و البغضا # و تظهر الإبرام و النّقضا

درّة ما أنصفتني في الهوى # و لا رحمت الجسد المنضى‏[1]

مرّت بنا في قرطق‏[2]أخضر # يعشق منها بعضها بعضا

غضبي و لا و اللّه يا أهلها # لا أشرب البارد أو ترضى

/كيف أطاعتكم بهجري و قد # جعلت خدّيّ لها أرضا!

و قال فيها أيضا و فيه رمل طنبوري:

صدّرت فأمسى لقاؤها حلما[3] # و استبدل الطرف بالدّموع دما

و سلّطت حبّها على كبدي # فأبدلتني بصحّة سقما

/و صرت فردا أبكي لفرقتها # و أقرع السّنّ بعدها ندما

شقّ عليها قول الوشاة لها: # أصبحت في أمر ذا الفتى علما

لو لا شقائي و ما بليت به # من هجرها ما استثرت ما اكتتما[4]

كم حاجة في الكتاب بحت بها # أبكيت منها القرطاس و القلما

و قال فيها أيضا، و فيه رمل لأبي الحسن أحمد بن جعفر جحظة:

بعدت عني فتغيّرت لي # و ليس عندي لك تغيير

فجدّدي ما رثّ من وصلنا # و كلّ ذنب لك مغفور

أطيّب النّفس بكتمان ما # سارت به من غدرك العير

وعدك يا سيّدتي غرّني # منك و من يعشق مغرور

يحزنني علمي بنفسي إذا # قال خليلي أنت مهجور

يا ليت من زيّن هذا لها # جارت لنا فيه المقادير

ساقي النّدامى سقّها صاحبي‏[5] # فإنني ويحك معذور

أ أشرب الخمر على هجرها # إني إذا بالهجر مسرور!

و فيها يقول و قد خرج مع أبي دلف إلى أصبهان:

يا ظبية السّيب التي أحببتها # و منحتها لطفي و لين جناحي

عيناي باكيتان بعدك للّذي # أودعت قلبي من ندوب جراح

سقيا لأحمد من أخ و لقاسم # فقدا غدوّي لاهيا و رواحي‏

[1]المنضى: المهزول.

[2]القرطق: قباء ذو طاق واحد «معرب» .

[3]مي: «حرما» ، و في ب: «حمما» .

[4]ب:

«لو لا سقامي ما بيت به # من هجرها لاستترت فاكتتما»

[5]ب:

«ساقي المدام أسقها صاحبي»

. ـ

82

/

و تردّدي من بيت فرز آمنا # من قرب كلّ مخالف و ملاحي

أيام تغبطني الملوك و لا أرى # أحدا له كتدلّلي و مراحي

تصف القيان إذا خلون مجانتي # و يصفن للشّرب الكرام سماحي‏

و مما يغنّى فيه من شعر بكر بن النّطّاح في هذه الجارية قوله:

صوت‏

هل يبتلى أحد بمثل بليّتي # أم ليس لي في العالمين ضريب؟

قالت عنان و أبصرتني شاحبا: # يا بكر مالك قد علاك شحوب؟

فأجبتها: يا أخت لم يلق الّذي # لاقيت إلا المبتلى أيّوب

قد كنت أسمع بالهوى فأظنّه # شيئا يلذّ لأهله و يطيب

حتى ابتليت بحلوه و بمرّه # فالحلو منه للقلوب مذيب

و المرّ يعجز منطقي عن وصفه # للمرّ وصف يا عنان عجيب

/فأنا الشّقيّ بحلوه و بمرّه # و أنا المعنّى الهائم المكروب

يا درّ حالفك الجمال فما له # في وجه إنسان سواك نصيب

كلّ الوجوه تشابهت و بهرتها # حسنا فوجهك في الوجوه غريب

و الشمس يغرب في الحجاب ضياؤها # عنّا و يشرق وجهك المحجوب‏

و مما يغنّى فيه من شعره فيها أيضا:

غضب الحبيب عليّ في حبّي له # نفسي الفداء لمذنب غضبان

ما لي بما ذكر الرّسول يدان بل # إن تمّ رأيك ذا خلعت عناني

/يا من يتوق إلى حبيب مذنب # طاوعته فجزاك بالعصيان

هلاّ انتحرت فكنت أول هالك # إن لم يكن لك بالصّدود يدان

كنّا و كنتم كالبنان و كفّها # فالكفّ مفردة بغير بنان

خلق السّرور لمعشر خلقوا له # و خلقت للعبرات و الأحزان‏

صوت‏

ليت شعري أ أوّل الهرج هذا # أم زمان من فتنة غير هرج‏[1]

إن يعش مصعب فنحن بخير # قد أتانا من عيشنا ما نرجّي‏[2]

ملك يطعم الطّعام و يسقي # لبن البخت في عساس الخلنج‏[3]

[1]الهرج: الفتنة و الاختلاط.

[2]في الديوان-180 ط. بيروت:

«... فإنا بخير # ... قد أتانا من عيشه... »

.

[3]في الديوان-180:

83

جلب الخيل من تهامة حتّى # بلغت خيله‏[1]قصور زرنج‏

حيث لم تأت قبله خيل ذي الأكتاف يوجفن‏[2]بين قفّ و مرج عروضه من الخفيف. الشعر لعبيد اللّه بن قيس الرّقيّات، و الغناء ليونس الكاتب ماخوري بالبنصر، و فيه لمالك ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.

«ملك يبرم الأمور و لا # يشرك في رأيه الضعيف المزجّي»

و البخت: الإبل الخراسانية، و عساس جمع عس، و هو القدح الكبير، و الخلنج: شجر تصنع من خشبه القصاع.

[1]في الديوان-180: «وردت خيله» و زرنج: مدينة بسجستان.

[2]في الديوان-180: «يرجعن» . و ذو الأكتاف: سابور بن هرمز قاتل العرب و نزع أكتاف من قتلهم.

84

7-مقتل مصعب بن الزبير

خرج لمحاربة عبد الملك بن مروان‏

و هذا الشعر يقوله عبيد اللّه بن قيس لمصعب بن الزّبير لما حشد للخروج عن الكوفة لمحاربة عبد الملك بن مروان.

استشارة عبد الملك بن مروان في المسير إلى العراق‏

و كان السبب في ذلك، فيما أجاز لنا الحرميّ بن أبي العلاء روايته عنه، عن الزّبير بن بكار، عن المدائنيّ، قال:

لما كانت سنة اثنتين و سبعين، استشار عبد الملك بن مروان عبد الرحمن بن الحكم في المسير إلى العراق و مناجزة مصعب، فقال: يا أمير المؤمنين، قد واليت بين عامين تغزو فيهما و قد خسرت خيلك و رجالك، و عامك هذا عام حارد فأرح نفسك و رجلك‏[1]ثم ترى رأيك. فقال: إني أبادر ثلاثة أشياء، و هي أنّ الشام أرض بها المال قليل فأخاف أن ينفد ما عندي، و أشراف أهل العراق قد كاتبوني يدعونني إلى أنفسهم، و ثلاثة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد كبروا و نفدت أعمارهم، و أنا أبادر بهم الموت أحبّ أن يحضروا معي.

ثم دعا يحيى بن الحكم-و كان يقول: من أراد أمرا فليشاور يحيى بن الحكم فإذا أشار عليه بأمر فليعمل بخلافه. فقال: ما ترى في المسير إلى العراق؟قال: أرى أن ترضى بالشام و تقيم بها و تدع مصعبا/بالعراق، فلعن اللّه العراق!فضحك عبد الملك.

و دعا عبد اللّه بن خالد بن أسيد فشاوره، فقال: يا أمير المؤمنين قد غزوت مرة فنصرك اللّه، ثم غزوت ثانية فزادك اللّه بها عزّا، فأقام عامك هذا.

فقال لمحمد بن مروان: ما ترى؟قال: أرجو أن ينصرك اللّه أقمت أم غزوت، فشمّر فإن اللّه ناصرك. فأمر الناس فاستعدوا للمسير، فلما أجمع عليه قالت عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجته: يا أمير المؤمنين، وجّه الجنود و أقم، فليس الرأي أن يباشر/الخليفة الحرب بنفسه، فقال: لو وجّهت أهل الشام كلّهم فعلم مصعب أنّي لست معهم لهلك الجيش كله، ثم تمثل:

و مستخبر عنّا يريد بنا الرّدى # و مستخبرات و العيون سواكب‏

ثم قدّم محمد بن مروان و معه عبد اللّه بن خالد بن أسيد و بشر بن مروان، و نادى مناديه: إن أمير المؤمنين قد استعمل عليكم سيّد الناس محمد بن مروان. و بلغ مصعب بن الزبير مسير عبد الملك، فأراد الخروج فأبى عليه أهل [1]ف: «فأرح نفسك و جسدك» .

85

البصرة و قالوا: عدوّنا مطلّ علينا-يعنون الخوارج-فأرسل إليهم بالمهلّب و هو بالموصل، و كان عامله عليها، فولاّه قتال الخوارج، و خرج مصعب فقال بعض الشعراء:

أ كلّ عام لك باجميرا # تغزو بنا و لا تفيد خيرا[1]

القتال بينه و بين عبد الملك‏

قال: و كان مصعب كثيرا ما يخرج إلى باجميرا يريد الشام ثم يرجع، فأقبل عبد الملك حتى نزل الأخنونيّة[2] و نزل مصعب بمسكن إلى جنب أوانا[3]و خندق خندقا ثم تحوّل و نزل دير الجاثليق و هو بمسكن، و بين العسكرين ثلاثة فراسخ-و يقال فرسخان-فقدّم عبد الملك محمدا و بشرا أخويه و كلّ واحد منهما على جيش و الأمير محمد، و قدّم مصعب إبراهيم بن الأشتر، ثم كتب عبد الملك إلى أشراف أهل الكوفة و البصرة، يدعوهم إلى نفسه و يمينهم، فأجابوه و شرطوا عليه شروطا، و سألوه ولايات، و سأله ولاية أصبهان أربعون رجلا منهم، فقال عبد الملك لمن حضره: ويحكم!ما أصبهان هذه!تعجّبا ممن يطلبها[4]، و كتب إلى إبراهيم بن الأشتر: لك ولاية ما سقى الفرات إن تبعتني، فجاء إبراهيم بالكتاب إلى مصعب فقال: هذا كتاب عبد الملك، و لم يخصصني بهذا دون غيري من نظرائي، ثم قال: فأطعني فيهم، قال: أصنع ما ذا؟قال: تدعوهم/فتضرب أعناقهم. قال: أقتلهم على ظن ظننته! قال: فأوقرهم حديدا و ابعث بهم إلى أرض المدائن‏[5]حتى تنقضي الحرب، قال: إذا تفسد قلوب عشائرهم، و يقول الناس: عبث مصعب بأصحابه. قال: فإن لم تفعل فلا تمدّني بهم فإنهم كالمومسة تريد كل يوم خليلا، و هم يريدون كل يوم أميرا.

أرسل عبد الملك إلى مصعب رجلا يدعوه إلى أن يجعل الأمر شورى في الخلافة، فأبى مصعب، فقدّم عبد الملك أخاه محمدا ثم قال: اللهم انصر محمدا-ثلاثا-ثم قال: اللهم انصر أصلحنا و خيرنا لهذه الأمة. قال:

و قدّم مصعب إبراهيم بن الأشتر، فالتقت المقدمتان و بين عسكر مصعب و عسكر ابن الأشتر فرسخ، و دنا عبد الملك حتى قرب من عسكر محمد، فتناوشوا، فقتل رجل على مقدمة محمد/يقال له فراس، و قتل صاحب لواء بشر و كان يقال له أسيد، فأرسل محمد إلى عبد الملك أنّ بشرا قد ضيّع لواءه. فصرف‏[6]عبد الملك الأمر كله إلى محمد، و كفّ الناس و تواقفوا، و جعل أصحاب ابن الأشتر يهمّون بالحرب و محمد بن مروان يكف أصحابه، فأرسل عبد الملك إلى محمد: ناجزهم، فأبى، فأوفد[7]إليه رسولا آخر و شتمه، فأمر محمد رجلا فقال له: قف خلفي في ناس من أصحابك فلا تدعنّ أحدا يأتيني من قبل عبد الملك، و كان قد دبّر تدبيرا سديدا في تأخير المناجزة إلى وقت رآه، فكره أن يفسد عبد الملك تدبيره عليه، فوجّه إليه عبد الملك عبد اللّه بن خالد بن أسيد، فلما رأوه أرسلوه إلى محمد بن مروان: هذا عبد اللّه بن خالد بن أسيد، فقال: ردّوه بأشد ممّا رددتم من جاء قبله، فلما قرب المساء أمر [1]باجميرا: موضع في أرض الموصل. ذكره ياقوت في 1: 454، و أورد البيت و عزاه لأبي جهم الكناني.

[2]في معجم البلدان: الأخنونية: موضع من أعمال بغداد.

[3]في معجم البلدان: أوانا: بليدة كثيرة البساتين و الشجر نزهة، بينها و بين بغداد عشرة فراسخ.

[4]ف: «تعجبا من كثرة من يطلبها» .

[5]الطبري 7: 185: ط الحسينية: «أبيض كسرى» . و في ف: «أبيض المدائن» .

[6]ف: «فصيّر عبد الملك الأمر كله إلى محمد» .

[7]ف: «فرد عليه رسولا آخر» .

86

محمد بن مروان أصحابه بالحرب، و قال: حرّكوهم قليلا، فتهايج الناس، و وجه مصعب عتّاب‏[1]بن ورقاء الرّياحيّ يعجّز إبراهيم، فقال له: قد قلت له: لا تمدّني بأحد من أهل العراق فلم يقبل، و اقتتلوا، و أرسل/إبراهيم بن الأشتر إلى أصحابه-بحضرة الرسول ليرى خلاف أهل العراق عليه في رأيه-ألا تنصرفوا عن الحرب حتى ينصرف أهل الشام عنكم، فقالوا: و لم لا ننصرف؟فانصرفوا و انهزم الناس حتى أتوا مصعبا. و صبر إبراهيم بن الأشتر فقاتل حتى قتل، فلما أصبحوا أمر محمد بن مروان رجلا فقال: انطلق إلى عسكر مصعب فانظر كيف تراهم بعد قتل ابن الأشتر، قال: لا أعرف موضع عسكرهم، فقال له إبراهيم بن عديّ الكنانيّ: انطلق فإذا رأيت النخل فاجعله منك موضع سيفك، فمضى الرجل حتى أتى عسكر مصعب، ثم رجع إلى محمد فقال: رأيتهم منكسرين. و أصبح معصب فدنا منه، و دنا محمد بن مروان حتى التقوا، فترك قوم من أصحاب مصعب مصعبا و أتوا محمد بن مروان، فدنا إلى مصعب ثم ناداه: فداك أبي و أمي، إن القوم خاذلوك و لك الأمان، فأبى قبول ذلك، فدعا محمد بن مروان ابنه عيسى بن مصعب، فقال له أبوه: انظر ما يريد محمد، فدنا منه فقال له: إني لكم ناصح؛ إن القوم خاذلوكم و لك و لأبيك الأمان، و ناشده. فرجع إلى أبيه فأخبره، فقال: إني أظن القوم سيفون، فإن أحببت أن تأتيهم فأتهم، فقال: و اللّه لا تتحدث نساء قريش أني خذلتك و رغبت بنفسي عنك، قال: فتقدم حتى أحتسبك، فتقدم و تقدم ناس معه فقتل و قتلوا، و ترك أهل العراق مصعبا حتى بقي في سبعة. و جاء رجل من أهل الشام ليحتز رأس عيسى، فشد عليه مصعب فقتله، ثم شد على الناس فانفرجوا، ثم رجع فقعد على مرفقة ديباج، ثم جعل يقوم عنها و يحمل على أهل الشام فيفرجون عنه، ثم يرجع فيقعد على المرفقة، حتى فعل ذلك مرارا، و أتاه عبيد اللّه بن زياد بن ظبيان فدعاه إلى المبارزة، فقال له: اعزب يا كلب، و شد عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها و جرحه، فرجع عبيد اللّه فعصّب رأسه، و جاء ابن أبي فروة كاتب مصعب فقال له: جعلت فداك، قد تركك القوم و عندي خيل مضمّرة فاركبها و انج بنفسك، فدفع في صدره و قال: ليس أخوك بالعبد.

مقتل مصعب‏

و رجع ابن ظبيان إلى مصعب، فحمل عليه، و زرق‏[2]/زائدة بن قدامة مصعبا و نادى: /يا لثارات المختار! فصرعه، و قال عبيد اللّه لغلام له‏[3]: احتزّ رأسه، فنزل فاحتز رأسه، فحمله إلى عبد الملك، فيقال: إنه لما وضعه بين يديه سجد. قال ابن ظبيان: فهمت و اللّه أن أقتله فأكون أفتك العرب، قتلت ملكين من قريش في يوم واحد، ثم وجدت نفس تنازعني إلى الحياة فأمسكت.

قال: و قال يزيد بن الرّقاع العامليّ أخو عديّ بن الرقاع و كان شاعر أهل الشام:

نحن قتلنا ابن الحواريّ مصعبا # أخا أسد و المذحجيّ اليمانيا

يعني ابن الأشتر، قال:

و مرّت عقاب الموت منا بمسلم # فأهوت له ظفرا[4]فأصبح ثاويا

[1]ف: «و وجه مصعب إبراهيم بن عتاب بن ورقة» .

[2]زرقه: رماه بالمزراق. و في ف: «و زرق ابن زائدة بن قدامة مصعبا» .

[3]مم: «لغلام له ديلمي» .

[4]ب، مد:

«فأهوت له طير»

. و في الطبري 7: 187 ط الحسينية:

«فأهوت له نابا»

.

87

قال الزبير: و يروى هذا الشعر للبعيث اليشكريّ، و مسلم الّذي عناه هو مسلم بن عمرو الباهلي.

مقتل مسلم بن عمرو الباهلي‏

حدثنا محمد بن العباس اليزيديّ، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا محمد بن الحكم، عن عوانة، قال:

كان مسلم بن عمرو الباهليّ على ميسرة إبراهيم بن الأشتر، فطعن و سقط فارتثّ‏[1]، فلما قتل مصعب أرسل إلى خالد بن يزيد بن معاوية أن يطلب له الأمان من عبد الملك، فأرسل إليه: ما تصنع بالأمان و أنت بالموت؟قال:

ليسلم لي مالي و يأمن ولدي. قال: فحمل على سرير فأدخل على عبد الملك بن مروان، فقال عبد الملك لأهل الشام: هذا أكفر الناس لمعروف، ويحك أ كفرت معروف يزيد بن معاوية عندك؟فقال له خالد: تؤمّنه يا أمير المؤمنين، فأمّنه، ثم حمل فلم يبرح الصّحن حتى مات، فقال الشاعر:

نحن قتلنا ابن الحواريّ مصعبا # أخا أسد و المذحجيّ اليمانيا

/حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز، عن المدائنيّ، قال:

قال رجل لعبيد اللّه بن زياد بن ظبيان: بما ذا تحتجّ عند اللّه عز و جل من قتلك لمصعب؟قال: إن تركت أحتجّ رجوت أن أكون أخطب من صعصعة بن صوحان.

مصعب و سكينة بنت الحسين‏

و قال مصعب الزبيريّ في خبره: قال الماجشون:

فلما كان يوم قتل مصعب دخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السّلام فنزع عنه ثيابه، و لبس غلالة[2]و توشح بثوب، و أخذ سيفه، فعلمت سكينة أنه لا يريد أن يرجع فصاحت من خلفه: وا حزناه‏[3]عليك يا مصعب، فالتفت إليها و قد كانت تخفى ما في قلبها منه، أو كلّ هذا لي في قلبك!فقالت: إي و اللّه، و ما كنت أخفي أكثر، فقال:

لو كنت أعلم أن هذا كله لي عندك لكانت لي و لك حال، ثم خرج و لم يرجع.

قال مصعب: و حدثني مصعب بن عثمان: أن مصعب بن الزبير لما قدمت عليه سكينة أعطى أخاها عليّ بن الحسين عليهم السّلام-و هو كان حملها إليه-أربعين ألف دينار.

قال مصعب: و حدثني معاوية بن بكر الباهليّ قال:

قالت سكينة: دخلت على مصعب و أنا أحسن من النار الموقدة. قال: و كانت قد ولدت منه بنتا، فقال لها:

سميها زبراء، فقالت: بل أسميها باسم بعض أمهاتي، فسمتها الرّباب.

قال: فحدثني محمد بن سلام، عن شعيب بن صخر، عن أمه سعدة بنت عبد اللّه بن سالم، قالت:

لقيت سكينة بنت الحسين بين مكة و منّى فقالت: قفي يا بنت عبد اللّه، ثم كشفت عن ابنتها فإذا هي قد أثقلتها [1]ارتث: حمل من المعركة جريحا و فيه رمق.

[2]الغلالة: شعار يلبس تحت الثوب و تحت الدرع أيضا.

[3]ف: « وا حرباه عليك يا مصعب» .

88

باللؤلؤ. فقالت: و اللّه ما ألبستها/إياه إلا لتفضحه، قال: فلما/قتل مصعب ولي أمر ماله عروة بن الزبير، فزوّج‏[1] ابنه عثمان بن عروة ابنة أخيه من سكينة و هي صغيرة فماتت قبل أن تبلغ، فورث عثمان بن عروة منها عشرة آلاف دينار.

قال: و لما دخلت سكينة الكوفة بعد قتل مصعب خطبها عبد الملك فقالت: و اللّه لا يتزوجني بعده قاتله أبدا.

و تزوجت عبد اللّه بن عثمان بن عبد اللّه بن حكيم بن حزام، و دخلت بينها و بينه رملة بنت الزبير أخت مصعب حتى تزوجها خوفا من أن تصير إلى عبد الملك، فولدت منه ابنا فسمته عثمان-و هو الّذي يلقّب بقرين-و ربيحة ابني عبد اللّه بن عثمان، فتزوج ربيحة العباس بن الوليد بن عبد الملك.

عبيد اللّه بن قيس الرقيات يرثي مصعبا

ثم مات عبد اللّه بن عثمان عنها فتزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فقال عبيد اللّه بن قيس الرقيات يرثي مصعبا:

صوت‏

إن الرّزيّة يوم مسـ # كن‏[2]و المصيبة و الفجيعة

يا ابن الحواريّ الّذي # لم يعده يوم الوقيعه

غدرت به مضر العرا # ق و أمكنت منه ربيعة[3]

تاللّه‏[4]لو كانت له # بالدّير يوم الدير شيعه

لوجدتموه حين يد # لج لا يعرّس‏[5]بالمضيعه‏

غنّاه يونس الكاتب من كتابه، و لحنه خفيف رمل بالوسطى، و فيه لموسى/شهوات خفيف رمل بالبنصر عن حبش، و قيل: بل هو هذا اللحن، و غلط من نسبه إلى موسى.

و قال عديّ بن الرّقاع العامليّ يذكر مقتله:

لعمري لقد أصحرت‏[6]خيلنا # بأكناف دجلة للمصعب

يهزّون كلّ طويل القنا # ة معتدل النّصل و الثّعلب‏[7]

فداؤك أمّي و أبناؤها # و إن شئت زدت عليهم‏[8]أبي‏

[1]ب: «فزوج ابنه عثمان بن عروة منها بعشرة آلاف دينار» .

[2]مسكن «بكسر الكاف» : موضع على نهر دجيل عند دير الجاثليق به قبر مصعب. «معجم البلدان» .

[3]في معجم البلدان بعد هذا البيت:

و أصبت و ترك يا ربـ # يع و كنت سامعا مطيعا

[4]في معجم البلدان: يا لهف لو كانت لها... و جاء بعده:

أو لم يخونوا عهده # أهل العراق بنو اللكيعة

[5]عرّس المسافر: نزل آخر الليل للراحة.

[6]أصحرت: برزت في الصحراء.

[7]الثعلب هنا: طرف الرمح في أسفل السنان.

[8]ف: «زدت عليها» .

89

و ما قلتها رهبة إنما # يحلّ العقاب على المذنب

إذا شئت دافعت مستقتلا[1] # أزاحم كالجمل الأجرب

فمن يك منّا يبت آمنا # و من يك من غيرنا يهرب‏

غنّاه معبد من رواية إسحاق ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.

ابن قيس يرثي مصعبا

و قال ابن قيس يرثي مصعبا:

لقد أورث المصرين خزيا و ذلّة # قتيل بدير الجاثليق مقيم

فما قاتلت في اللّه بكر بن وائل # و لا صبرت عند اللّقاء تميم

و لكنه رام القيام و لم يكن # لها مضريّ يوم ذاك كريم‏

مصعب يسأل عن قتل الحسين‏

قال الزبير: و كان مصعب لمّا قدم الكوفة يسأل عن الحسين بن عليّ عليهما السّلام و عن قتله، فجعل عروة بن المغيرة يحدّثه عن ذلك، فقال متمثّلا بقول سليمان بن قتّة:

فإنّ الألى بالطّفّ من آل هاشم # تأسّوا فسنّوا للكرام التّأسّيا

/قال عروة: فعلمت أن مصعبا لا يفرّ أبدا.

الحجاج يتأسى بموقف مصعب‏

قال الزبير: و قال أبو الحكم بن خلاد بن قرّة السّدوسيّ: حدثني أبي، قال:

لما كان يوم السّبخة حين عسكر الحجاج بإزاء شبيب الشاريّ قال له الناس: لو تنحّيت أيها الأمير عن هذه السّبخة؟فقال لهم: ما تنحّوني-و اللّه-إليه أنتن، و هل ترك مصعب لكريم مفرّا؟ثم تمثّل قول الكلحبة:

إذا المرء لم يغش المكاره أوشكت # حبال الهوينى بالفتى أن تقطّعا

خطبة عبد اللّه بن الزبير بعد مقتل مصعب‏

قال الزبير: و حدّثني المدائنيّ، عن عوانة و الشّرقيّ بن القطاميّ، عن أبي جناب، قال: حدّثني شيخ من أهل مكة، قال:

لما أتى عبد اللّه بن الزبير قتل مصعب أضرب عن ذكره أياما حتى تحدثت به إماء مكة في الطريق، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليّا لا يتكلم، فنظرت إليه و الكآبة على وجهه، و جبينه يرشح عرقا، فقلت لآخر إلى جنبي: ما له لا يتكلم؟أ تراه يهاب المنطق؟فو اللّه إنه لخطيب، فما تراه يهاب؟قال: أراه يريد أن يذكر قتل مصعب سيّد العرب فهو يفظع لذكره، و غير ملوم‏[2]فقال: الحمد للّه الّذي له الخلق و الأمر و مالك الدنيا و الآخرة، يعزّ من يشاء و يذلّ [1]ف، المختار: «نازلت مستقبلا» .

[2]ب: «و هو بفظيع ما تذكره غير ملوم» .

90

من يشاء، ألا إنه لم يذلّ و اللّه من كان الحق معه و إن كان مفردا ضعيفا، و لم يعزّ من كان الباطل معه، و إن كان في العدّة و العدد و الكثرة، ثم قال: إنه قد أتانا خبر من العراق بلد الغدر و الشقاق فساءنا و سرّنا، أتانا أن مصعبا قتل رحمة اللّه عليه و مغفرته، فأما الّذي أحزننا من ذلك فإن لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذو الرأي و الدين إلى جميل الصبر. و أما الّذي سرّنا منه فإنا قد علمنا أن قتله شهادة له و أن اللّه عز و جل جاعل لنا و له ذلك خيرة إن شاء اللّه تعالى. إن أهل العراق أسلموه و باعوه بأقل ثمن كانوا يأخذونه منه و أخسره، أسلموه إسلام/النّعم المخطّم‏[1]فقتل، و لئن قتل لقد قتل أبوه و عمّه و أخوه و كانوا الخيار الصالحين، إنا و اللّه ما نموت حتف أنوفنا، ما نموت إلا قتلا، قعصا بين قصد[2]الرّماح و تحت ظلال السّيوف و ليس كما يموت بنو مروان، و اللّه ما قتل رجل منهم في جاهلية و لا إسلام قط، و إنما الدنيا عارية من الملك القهار، الّذي لا يزول سلطانه، و لا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ الأشر البطر، و إن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر. ثم نزل.

رجل من بني أسد يرثي مصعبا

و قال رجل من بني أسد بن عبد العزّى يرثي مصعبا:

لعمرك إنّ الموت منا لمولع # بكلّ فتى رحب الذّراع أريب

فإن يك أمسى مصعب نال حتفه # لقد كان صلب العود غير هيوب‏[3]

جميل المحيّا يوهن القرن غربه # و إن عضّه دهر فغير رهوب

أتاه حمام الموت وسط جنوده # فطاروا شلالا[4]و استقى بذنوب

و لو صبروا نالوا حبا[5]و كرامة # و لكنّهم ولّوا بغير قلوب‏

كان مصعب أشجع الناس‏

قال: و قال عبد الملك يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟فأكثروا في هذا المعنى، فقال: أشجع الناس مصعب بن الزبير، جمع بين عائشة بنت طلحة و سكينة بنت الحسين و أمة[6]الحميد بنت عبد اللّه بن عاصم، و ولي العراقين، ثم زحف إلى الحرب، فبذلت له الأمان/و الحباء و الولاية و العفو عمّا خلص في يده، فأبى قبول ذلك، و اطّرح كل/ما كان مشغوفا[7]به من ماله و أهله وراء ظهره، و أقبل بسيفه قرما[8]يقاتل و ما بقي معه إلا سبعة نفر حتى قتل كريما.

[1]المخطم: الّذي جعل الخطام على أنفه ليعتاد به.

[2]قصد الرماح جمع قصدة؛ و هي القطعة منه بعد كسرها.

[3]ف:

جميل المحيا يوهن القرن عزمه # و إن عزه دهر فغير هيوب

و إن يك أمسى مصعب نال حتفه # لقد كان صلب العود غير رهوب‏

[4]فطاروا شلالا: فروا متفرقين.

[5]الحبا: جمع حبوة، و هي العطية.

[6]ف: «و أمة الحميد... » .

[7]ف: «ما كان مشغولا به من ماله» .

[8]ف، مد: «و أقبل بسيفه قدما» .. و قرم: شديد الرغبة، من قرم اللحم و إليه: اشتدت شهوته إليه فهو قرم.

91

ابن قيس الرقيات يمدح مصعبا

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال:

لمّا ولي مصعب بن الزبير العراق أقرّ عبد العزيز بن عبد اللّه بن عامر على سجستان و أمدّه بخيل، فقال ابن قيس الرّقيّات:

ليت شعري أ أوّل الهرج هذا # أم زمان من فتنة غير هرج؟

إن يعش مصعب فنحن بخير # قد أتانا من عيشنا ما نرجّي‏

أعطي النّصر و المهابة في الأعداء حتى أتوه من كل فجّ حيث لم تأت قبله خيل ذي الأكتاف يوجفن بين قفّ و مرج

ملك يطعم الطّعام و يسقى # لبن البخت في عساس الخلنج‏

قال الزبير: حدّثني عمّي مصعب: أن عبيد اللّه بن قيس كان عند عبد الملك، فأقبل غلمان له معهم عساس خلنج فيها لبن البخت، فقال عبد الملك: يا بن قيس، أين هذا من عساس مصعب التي تقول فيها:

ملك يطعم الطعام و يسقي # لبن البخت في عساس الخلنج؟

فقال: لا أين يا أمير المؤمنين، لو طرحت عساسك هذه في عسّ من عساس مصعب لوسعها و تغلغلت في جوفه، فضحك عبد الملك ثم قال: قاتلك اللّه يا بن قيس، فإنك تأبى إلا كرما و وفاء.

قصة يونس الكاتب و الوليد بن يزيد

حدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن الطيب، قال: قال لي أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود:

خرج يونس الكاتب من المدينة يريد الشام بتجارة، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه فأتته رسله و هو في الخان، و ذلك في خلافة هشام، و الوليد يومئذ أمير، فقالوا له: أجب الأمير، قال: فذهبت معهم، فأدخلوني عليه و لا أدري من هو إلا أنه حسن الوجه نبيل، فسلمت عليه، فأمرني بالجلوس فجلست، و دعا بالشراب و الجواري، فكنّا يومنا و ليلتنا في أمر عجيب، و غنيته فأعجبه غنائي، و كان ممّا أعجبه:

ليت شعري أ أوّل الهرج هذا # أم زمان من فتنة غير هرج؟

فلم يزل يستعيده إلى الصبح، ثم اصطبح عليه ثلاثة أيام، فقلت: أيها الأمير، أنا رجل تاجر قدمت هذا البلد في تجارة لي، و قد ضاعت، فقال: تخرج غدا غدوة و قد ربحت أكثر من تجارتك. و تمّم شربه، فلما أردت الانصراف لحقني غلام من غلمانه بثلاثة آلاف دينار، فأخذتها و مضيت، فلما أفضت الخلافة إليه أتيته، فلم أزل مقيما عنده حتى قتل.

قال أحمد بن الطيب-و ذكر مصعب الزّبيريّ-أنّ يونس قال:

كنت أشرب مع أصحاب لي فأردت أن أبول، فقمت و جلست أبول على كثيب رمل، فخطر ببالي قول ابن قيس:

ليت شعري أ أوّل الهرج هذا

92

فغنيت فيه لحنا استحسنته و جاء عجبا من العجب، فألقيته على جاريتي عاتكة، و ردّدته حتى أخذته، و شاع لي في الناس‏[1]، فكان أول صوت شاع لي و ارتفع به قدري و قرنت بالفحول من المغنّين، و عاشرت الخلفاء من أجله، و أكسبني مالا جليلا.

صوت‏

أ لا ناد جيراننا[2]يقصدوا # فنقضى اللّبانة أو نعهد

كأنّ على كبدي جمرة[3] # حذارا من البين ما تبرد

الشعر لكثيّر، و الغناء لأشعب المعروف بالطمع‏[4]، ثاني ثقيل بالوسطى، و في البيت الثاني لابن جامع لحن من الثقيل الأول بالبنصر عن حبش.

[1]ف: «و شاع في الدنيا» .

[2]ب:

«أنادي لجيراننا»

.

[3]ب:

«كأن على كبدي قرحة»

.

[4]ف: «لأشعب الطامع» .

93

8-ذكر أشعب و أخباره‏

نسبه‏

هو أشعب بن جبير، و اسمه شعيب، و كنيته أبو العلاء، كان يقال لأمه: أم الخلندج، و قيل: بل أم جميل، و هي مولاة أسماء بنت أبي بكر و اسمها حميدة[1]. و كان أبوه خرج مع المختار بن أبي عبيدة[2]، و أسره مصعب فضرب عنقه صبرا، و قال: تخرج عليّ و أنت مولاي؟و نشأ أشعب بالمدينة في دور[3]آل أبي طالب، و تولّت تربيته و كفلته عائشة بنت عثمان بن عفان.

و حكي عنه أنه حكى عن أمه أنها كانت تغري بين أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و أنها زنت فحلقت و طيف بها، و كانت تنادي على نفسها: من رآني فلا يزنين‏[4]، فقالت لها امرأة كانت تطّلع عليها: يا فاعلة، نهانا اللّه عز و جل عنه فعصيناه، أو نطيعك و أنت مجلودة محلوقة راكبة على جمل!.

أمه كانت مستظرفة من زوجات النبي‏

و ذكر رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ فيما أجاز لي روايته عنه، عن يوسف بن الداية، عن إبراهيم بن المهدي:

أن عبيدة بن أشعب أخبره-و قد سأله عن أوّلهم و أصلهم-أن أباه و جدّه كانا موليي عثمان، و أن أمه كانت مولاة لأبي سفيان بن حرب، و أن ميمونة أم المؤمنين أخذتها معها لمّا تزوجها النبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فكانت تدخل إلى أزواج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فيستظرفنها، ثم إنها فارقت ذلك و صارت تنقل أحاديث بعضهن إلى بعض و تغري بينهن، فدعا النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عليها فماتت.

/و ذكروا أنه كان مع عثمان-رضي اللّه عنه-في الدار، فلما حصر جرّد مماليكه السيوف ليقاتلوا، فقال لهم عثمان: من أغمد سيفه فهو حرّ، قال أشعب: فلما وقعت و اللّه في أذني كنت أول من أغمد سيفه، فأعتقت.

سنّ أشعب‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني إسحاق الموصليّ، قال:

حدّثني الفضل بن الرّبيع، قال:

[1]ف، و التجريد: «أم الجلندح، و قيل: بل أم حميد» . و في تاريخ بغداد 7: 37: أم حميدة بضم الحاء و بفتحها، و قيل: إن أمه جعدة مولاة اسماء بنت أبي بكر الصديق.

[2]ف، مي: «عبيد» .

[3]ب: «في ديوان آل أبي طالب» .

[4]ف: «فلا يزني» .

94

كان أشعب عند أبي سنة أربع و خمسين و مائة، ثم خرج إلى المدينة فلم يلبث أن جاء نعيه. و هو أشعب بن جبير، و كان أبوه مولى لآل الزّبير، فخرج مع المختار، فقتله مصعب صبرا مع من قتل.

أخبرني الجوهريّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل اليزيديّ، قال: حدّثني التّوزيّ، عن الأصمعيّ، قال:

قال أشعب: نشأت أنا و أبو الزّناد في حجر عائشة بنت عثمان، فلم يزل يعلو و أسفل حتى بلغنا هذه المنزلة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا الزّبير بن بكّار، قال:

حدثنا عبيد اللّه‏[1]بن الحسن والي المأمون على المدينة، قال:

حدّثني محمد بن عثمان بن عفان قال: قلت لأشعب: لي إليك حاجة، فحلف بالطلاق لابنة وردان‏[2]:

لا سألته حاجة إلا قضاها، فقلت له: أخبرني عن سنّك، فاشتد ذلك عليه حتى ظننت أنه سيطلّق، فقلت له: على رسلك، و حلفت له إني لا أذكر سنّه ما دام حيّا، فقال لي: أمّا إذ فعلت فقد هوّنت عليّ، أنا و اللّه حيث حصر جدّك عثمان بن عفان، أسعى في الدار ألتقط السهام. قال الزبير/: و أدركه أبي.

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه اليعقوبيّ، عن الهيثم بن عديّ، قال:

/قال أشعب: كنت ألتقط السهام من دار عثمان يوم حوصر، و كنت في شبيبتي ألحق الحمر الوحشية عدوا.

أمه يطاف بها بعد أن بغت‏

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الجهم أبو مسلم و أحمد بن إسماعيل، قالا: أخبرنا المدائنيّ، قال:

كان أشعب الطامع‏[3]-و اسمه شعيب-مولى لآل الزبير من قبل أبيه، و كانت أمه مولاة لعائشة بنت عثمان بن عفان؛ و كانت بغت‏[4]فضربت و حلقت و طيف بها و هي تنادي: من رآني فلا يزنين، فأشرفت عليها امرأة فقالت:

يا فاعلة، نهانا اللّه عز و جل عن الزنا فعصيناه، و لسنا ندعه لقولك و أنت محلوقة مضروبة يطاف بك.

أخبرني أحمد، قال: حدثنا أحمد بن مهرويه، قال: كتب إليّ ابن أبي خيثمة يخبرني أن مصعب بن عبد اللّه أخبره، قال:

اسم أشعب شعيب، و يكنى أبا العلاء، و لكنّ الناس قالوا أشعب فبقيت عليه، و هو شعيب بن جبير مولى آل الزبير، و هم يزعمون اليوم أنهم من العرب، فزعم أشعب أن أمه كانت تغري بين أزواج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و رحمهم، و امرأة أشعب بنت وردان، و وردان الّذي بني قبر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم حين بني عمر بن العزيز المسجد.

[1]ف: «عبد اللّه بن الحسن» .

[2]ف: «فحلف بطلاق بنت وردان» .

[3]ب: «الطمع» . و في مد: «كثير الطمع» .

[4]ف: «و كانت تعيث فحلقت و ضربت و حملت على جمل و طيف بها» .

95

كان أشعب حسن الصوت بالقرآن‏

أخبرني أحمد قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: و كتب إليّ ابن أبي خيثمة يخبرني أنّ مصعب بن عبد اللّه أخبره، قال:

كان أشعب من القرّاء للقرآن، و كان قد نسك و غزا، و كان حسن الصوت بالقرآن، و ربما صلّى بهم القيام.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدّثني أحمد بن يحيى، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال:

/كان أشعب مع ملاحته و نوادره يغني أصواتا فيجيدها، و فيه يقول عبد اللّه بن مصعب الزّبيريّ:

صوت‏

إذا تمزّزت صراحيّة[1] # كمثل ريح المسك أو أطيب

ثم تغنّى لي بأهزاجه # زيد أخو الأنصار أو أشعب

حسبت أنّي ملك جالس # حفّت به الأملاك و الموكب

و ما أبالي و إله الورى # أ شرّق العالم أم غرّبوا

غنّى في هذه الأبيات زيد الأنصاريّ خفيف رمل بالبنصر.

و قد روى أشعب الحديث عن جماعة من الصحابة:

أخبرني عمي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد أن الربيع بن ثعلب حدثهم، قال: حدّثني أبو البحتري:

حدّثني أشعب، عن عبد اللّه بن جعفر، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لو دعيت إلى ذراع لأجبت، و لو أهدي إليّ كراع لقبلت» .

أشعب و سالم بن عبد اللّه‏

قال ابن أبي سعد، و روي عن محمد بن عباد بن موسى، عن عتّاب بن إبراهيم‏[2]، عن أشعب الطامع-قال عتاب: و إنما حملت هذا الحديث عنه لأنه عليه-قال: دخلت إلى سالم بن عبد اللّه بستانا له‏[3]فأشرف عليّ و قال:

يا أشعب، ويلك لا تسأل، فإني سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «ليأتينّ أقوام يوم القيامة ما في وجوههم/مزعة لحم‏[4]، قد أخلقوها بالمسألة» .

و يروى عن يزيد بن موهب الرمليّ‏[5]، عن عثمان بن محمد، عن أشعب، عن/عبد اللّه بن جعفر: أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم تختّم في يمينه.

[1]تمزز الشراب: تمصصه. و الصراحية: آنية الخمر و المراد الخمر.

[2]ف: «عباد بن إبراهيم» .

[3]ف: «بيتا له» .

[4]المزعة: القطعة من اللحم و غيرها.

[5]ب: «يزيد بن وهب المؤملي» .

96

أخبرني أحمد، قال: حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني الأصمعيّ، عن أشعب، قال: استنشدني ابن لسالم بن عبد اللّه بن عمر غناء الرّكبان بحضرة أبيه سالم فأنشدته، و رأس أبيه سالم في بتّ‏[1]فلم ينكر ذلك.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أبو مسلم، عن عبد الرحمن بن الحكم‏[2]، عن المدائني، قال: دفعت عائشة بنت عثمان أشعب في البزّازين فقالت له بعد حول:

أ توجّهت لشي‏ء؟قال: نعم، تعلمت نصف العمل و بقي نصفه، قالت: و ما تعلمت؟قال: تعلمت النشر و بقي الطيّ.

أشعب يدعو اللّه أن يذهب عنه الحرص ثم يستقبل ربه‏

قال المدائنيّ: و قال أشعب: تعلقت بأستار الكعبة فقلت: اللهم أذهب عني الحرص و الطلب إلى الناس، فمررت بالقرشيّين و غيرهم فلم يعطني أحد شيئا، فجئت إلى أمي فقالت: ما لك قد جئت خائبا؟فأخبرتها، فقالت:

لا و اللّه لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربّك، فرجعت فقلت: يا رب أقلني، ثم رجعت، فلم أمرّ بمجلس لقريش و غيرهم إلا أعطوني و وهب لي غلام، فجئت إلى أمي بحمار موقر من كل شي‏ء، فقالت: ما هذا الغلام؟فخفت أن أخبرها بالقصة فتموت فرحا، فقلت: وهبوا لي، قالت: أي شي‏ء؟قلت: غين، قالت: أيّ شي‏ء غين؟قلت: لام، قالت: و أيّ شي‏ء لام؟قلت: ألف، قالت: و أيّ شي‏ء ألف؟قلت: ميم، قال: و أيّ شي‏ء ميم؟قلت: غلام. فغشي عليها. و لو لم أقطّع الحروف لماتت الفاسقة فرحا.

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدّثني العباس بن ميمون، قال: سمعت الأصمعيّ، يقول:

سمعت أشعب يقول: سمعت الناس يموجون في أمر عثمان. قال الأصمعيّ: ثم أدرك المهديّ.

صفته‏

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدّثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق بن سعيد الرّبيعيّ‏[3]، قال: حدّثني هند بن حمدان‏[4]الأرقميّ المخزوميّ، قال: أخبرني أبي، قال: كان أشعب أزرق أحول أكشف أقرع‏[5].

قال: و سمعت الأرقميّ يقول: كان أشعب يقول: كنت أسقي الماء في فتنة عثمان بن عفان. و اللّه أعلم.

أشعب و الدينار

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدثنا عيسى بن موسى، قال: حدّثنا الأصمعيّ، قال:

أصاب أشعب دينارا بالمدينة، فاشترى به قطيفة، ثم خرج إلى قباء يعرّفها، ثم أقبل عليّ فيما أحسب-شك أبو يحيى-فقال: أ تراها تعرّف.

[1]البت: الطيلسان من خز و نحوه.

[2]ف، مم: «أبو مسلم عبد الرحمن بن الجهم» .

[3]ب: «عبد الخالق بن سعيد الزينبي» .

[4]ف: «هند بن حمران الأرقمي» .

[5]ف: «أفدع» و الأكشف: الّذي انحسر مقدم شعر رأسه.

97

قال أحمد: و حدثناه أبو محمد بن سعد، قال: حدّثني أحمد بن معاوية بن بكر، قال: حدّثني الواقديّ، قال:

كنت مع أشعب نريد المصلّى، فوجد دينارا، فقال لي: يا بن واقد، قلت: ما تشاء؟قال: وجدت دينارا فما أصنع به؟قال: قلت: عرّفه، قال: أم العلاء إذا طالق، قال: قلت: فما تصنع به إذا؟قال: أشتري به قطيفة أعرّفها.

قال: و حدّثني محمد بن القاسم، قال: و حدّثنيه محمد بن عثمان‏[1]الكريزيّ، عن الأصمعيّ: أن أشعب وجد دينارا فتخرّج من أخذه دون أن يعرّفه، فاشترى به قطيفة، ثم قام على باب المسجد الجامع فقال: من يتعرف الوبدة[2]؟.

أخبرني أحمد الجوهريّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: سألت العنزيّ، فقال: الوبد/من كل شي‏ء:

الخلق؛ وبد الثوب و ومد إذا أخلق.

أشعب يطرب الناس بغنائه‏

أخبرنا أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدثنا عيسى بن موسى، قال: حدثنا الأصمعيّ، قال:

رأيت أشعب يغنّي و كأن صوته صوت بلبل.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبد اللّه في رفقة فيها ألف محمل، و كان ثمّ قاصّ يقصّ عليهم، فجئت فأخذت في أغنية من الرقيق، فتركوه و أقبلوا إليّ، فجاء يشكوني إلى سالم فقال: إن هذا صرف وجوه الناس عني، قال: و أتيت سالما-و أحسبه قال-و القاسم، فسألتهما بوجه اللّه العظيم، فأعطياني، و كانا يبغضانني أو أجدهما يبغضني في اللّه، قال: قلنا: لا تجعل هذا في الحديث، قال: بلى.

حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا محمد بن القاسم، قال: و حدّثناه قعنب بن محرز الباهليّ، قال: أخبرنا الأصمعيّ، عن أشعب، قال:

قدم علينا قاصّ كوفيّ يقصّ في رفقته، و فيها ألف بعير، فخرجنا و أحرمنا من الشّجرة بالتّلبية، فأقبل الناس إليّ و تركوه. قال: ابن أمّ حميد، فجاء إليّ عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان، فقال: إنّ مولاك هذا قد ضيّق عليّ معيشتي.

أشعب و زياد بن عبد اللّه الحارثي‏

أخبرنا أحمد، قال: حدّثنا محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن الجهم، عن المدائنيّ، قال:

تغدّى أشعب مع زياد بن عبد اللّه الحارثيّ، فجاءوا بمضيرة[3]، فقال أشعب لخبّاز: ضعها بين يديّ، فوضعها بين يديه، فقال زياد: من يصلّي بأهل السّجن؟قال: ليس لهم إمام، قال: أدخلوا أشعب يصلّي بهم، قال أشعب:

أو غير ذلك أصلح اللّه الأمير؟قال: و ما هو؟قال: أحلف ألاّ آكل مضيرة أبدا.

أخبرنا أحمد، قال: حدّثنا محمد بن القاسم، قال: حدّثني قعنب بن المحرز، قال: حدّثنا الأصمعيّ، قال:

[1]ف: «محمد بن عمران الكريزي» .

[2]ف: «من يتعرف الومدة» .

[3]المضيرة عند العرب: طبخ اللحم باللبن البحت الصريح الّذي قد حذى اللسان حتى ينضج اللحم و تخثر المضيرة.

98

/ولّى المنصور زياد بن عبد اللّه الحارثيّ مكة و المدينة، قال أشعب: فلقيته بالجحفة[1]فسلّمت عليه، قال:

فحضر الغداء، و أهدي إليه جدّي فطبخه مضيرة، و حشيت القبة[2]قال: فأكلت أكلا أتملّح به، و أنا أعرف صاحبي، ثم أتي بالقبّة، فشققتها، فصاح الطبّاخ: إنا للّه!شقّ القبة، قال: فانقطعت، فلما فرغت قال: يا أشعب!هذا رمضان قد حضر، و لا بدّ أن تصلي بأهل السجن، قلت: و اللّه ما أحفظ من كتاب اللّه إلا ما أقيم به صلاتي، قال: لا بدّ منه، قال: قلت: أ و لا آكل جديا مضيرة؟قال: و ما أصنع به و هو في بطنك؟قال: قلت: الطّريق بعيد أريد أن أرجع إلى المدينة، قال: يا غلام، هات ريشة ذنب ديك-قال أشعب: و الجحفة أطول بلاد اللّه ريشة ذنب ديك-قال:

فأدخلت في حلقي فتقيّأت ما أكلت، ثم قال لي: ما رأيك؟قال: قلت: لا أقيم ببلدة يصاح فيها: شقّ القبة، قال:

لك وظيفة على السلطان و أكره أن أكسرها عليك، فقل و لا تشطط قال: قلت: نصف درهم كراء حمار يبلّغني المدينة، قال: أنصفت و أعطانيه.

من طرائف أشعب‏

أخبرنا أحمد، قال: حدّثنا محمد بن القاسم، قال: أخبرني أبو مسلم، عن المدائنيّ، قال:

أتي أشعب بفالوذجة عند بعض الولادة، فأكل منها، فقيل له: كيف تراها يا أشعب؟قال: امرأته طالق إن لم تكن عملت قبل أن يوحي اللّه عز و جل إلى النحل.

أخبرنا أحمد، قال: حدّثنا محمد بن القاسم، قال: حدّثنا عبد اللّه بن شعيب الزّبيريّ‏[3]، عن عمّه. قال أبو بكر: و حدّثني ابن أبي سعد، قال: حدّثني عبد اللّه بن شعيب‏[3]و هو أتمّ من هذا و أكثر كلاما، قال:

/جاء/أشعب إلى أبي بكر بن يحيى من آل الزبير، فشكا إليه، فأمر له بصاع من تمر، و كانت حال أشعب رثّة، فقال له أبو بكر بن يحيى: ويحك يا أشعب!أنت في سنّك و شهرتك تجي‏ء في هذه الحال فتضع نفسك فتعطي مثل هذا؟اذهب فادخل الحمام فاخضب لحيتك، قال أشعب: ففعلت، ثم جئته فألبسني ثياب صوف له و قال: اذهب الآن فاطلب، قال: فذهبت إلى هشام بن الوليد صاحب البغلة من آل أبي ربيعة، و كان رجلا شريفا موسرا، فشكا إليه فأمر له بعشرين دينارا، فقبضها أشعب و خرج إلى المسجد، و طفق كلما جلس في حلقة يقول:

أبو بكر بن يحيى، جزاه اللّه عني خيرا، أعرف الناس بمسألة، فعل بي و فعل، فيقص قصته، فبلغ ذلك أبا بكر فقال: يا عدوّ نفسه!فضحتني في الناس، أ فكان هذا جزائي!.

أخبرنا أحمد، قال: قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: أخبرني محمد بن الحسين بن عبد الحميد، قال:

حدّثني شيخ أنه نظر إلى أشعب بموضع يقال له الفرع‏[4]يبكي و قد خضب بالحناء، فقالوا: يا شيخ ما يبكيك؟قال: لغربة هذا الجناح، و كان على دار واحدة ليس بالفرع غيره.

أخبرنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: أخبرني محمد بن الحسين، قال: حدّثني أبي، قال:

[1]الجحفة: قرية كبيرة على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل. و في ب: «بالمحفة» تحريف.

[2]القبة: هنة ذات أطباق متصلة بالكرش.

[3]ف: «عبد اللّه بن مصعب الزبيري» .

[4]الفرع: قرية من نواحي الربذة بينها و بين المدينة ثمانية برد على طريق مكة.

99

نظرت إلى أشعب يسلّم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: و هو يدعو و يتضرّع، قال: فأدمت نظري إليه، فكلما أدمت النظر إليه كلّح و بثّ أصابعه في يده بحذائي حتى هربت فسألت عنه فقالوا: هذا أشعب.

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدّثني محمد بن الحسين، قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن عجلان الفهريّ، قال:

/إن أشعب مرّ برشّ قد رشّ من الليل في بعض نواحي المدينة فقال: كأن هذا الرش كساء برنكانيّ‏[1]فلما توسطه قال: أظنني و اللّه قد صدقت، و جلس يلمس الأرض.

أخبرنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: حدّثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا بعض المدنيين، قال:

كان لأشعب خرق في بابه، فينام و يخرج يده من الخرق و يطمع أن يجي‏ء إنسان فيطرح في يده شيئا؛ من الطمع.

أخبرني أحمد، قال: حدثني محمد بن القاسم، قال: حدّثنا الزبير، قال: حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزهريّ، قال:

صلّى أشعب يوما إلى جانب مروان بن أبان بن عثمان، و كان مروان عظيم الخلق و العجيزة، فأفلتت منه ريح عند نهوضه، لها صوت، فانصرف أشعب من الصلاة، فوهم الناس أنه هو الّذي خرجت منه الريح، فلما انصرف مروان إلى منزله جاءه أشعب فقال له: الدّية، فقال: دية ما ذا؟فقال: دية الضرطة الّتي تحمّلتها عنك، و اللّه و إلا شهّرتك، فلم يدعه حتى أخذ منه شيئا صالحا.

أخبرنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: حدّثني إبراهيم بن الجنيد، قال: حدّثني سوّار بن عبد اللّه‏[2]، قال: حدّثني مهديّ‏[3]بن سليمان المنقريّ مولى لهم، عن أشعب، قال:

دخلت على القاسم بن محمد و كان يبغضني في اللّه و أحبّه فيه، فقال: ما أدخلك عليّ؟اخرج عني، فقلت:

أسألك باللّه لما جددت‏[4]عذقا، قال: يا غلام، جدّ له عذقا، فإنه سأل بمسألة لا يفلح من ردّها أبدا.

/أخبرنا أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدثنا الرّياشيّ، قال: حدّثني أبو سلمة أيوب بن عمر، عن المحرزيّ، و هو أيوب بن عباية أبو سليمان، قال:

كان/لأشعب عليّ في كل سنة دينار، قال: فأتاني يوما ببطحان‏[5]فقال: عجّل لي ذلك الدينار، ثم قال: لقد رأيتني أخرج من بيتي فلا أرجع شهرا مما آخذ من هذا و هذا و هذا.

[1]البرنكانيّ: كساء من صوف.

[2]ب: «سوار بن عبد» .

[3]ب: «معدي بن سليمان» .

[4]جددت: قطعت.

[5]بطحان: واد بالمدينة و هو أحد أوديتها الثلاثة، و هي العقيق و بطحان و قناة.

100

بين أشعب و ابنه‏

أخبرنا أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن محمد النوفليّ، قال: سمعت أبي يحكي عن بعض المدنيين، قال:

كبر أشعب فملّه الناس و برد عندهم، و نشأ ابنه فتغنّى و بكى و أندر[1]، فاشتهى الناس ذلك، فأخصب و أجدب أبوه، فدعاه يوما و جلس هو و عجوزه، و جاء ابنه و امرأته فقال له: بلغني أنك قد تغنّيت و أندرت و حظيت‏[2]، و أن الناس قد مالوا إليك فهلم حتى أخايرك‏[3]، قال: نعم، فتغنّى أشعب فإذا هو قد انقطع و أرعد، و تغنّى ابنه فإذا هو حسن الصوت مطرب، و انكسر أشعب ثم أندر فكان الأمر كذلك، ثم خطبا فكان الأمر كذلك، فاحترق أشعب فقام فألقى ثيابه، ثم قال: نعم، فمن أين لك مثل خلقي؟من لك بمثل حديثي؟قال: و انكسر الفتى، فنعرت‏[4]العجوز و من معها عليه.

حديثه عن وفاة بنت الحسين بن علي‏

أخبرني أحمد، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدّثني عليّ بن الحسين‏[5]بن هارون، قال: حدّثني محمد بن عباد بن موسى، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن جعفر بن سليمان و كان جارنا هنا، قال:

حدّثني محمد بن حرب الهلاليّ-و كان على شرطة محمد بن سليمان-قال:

دخلت على جعفر بن سليمان و عنده أشعب يحدّثه قال:

/كانت بنت حسين بن عليّ عند عائشة بنت عثمان تربّيها حتى صارت امرأة، و حج الخليفة فلم يبق في المدينة خلق من قريش إلا وافى الخليفة إلا من لا يصلح لشي‏ء، فماتت بنت حسين بن عليّ، فأرسلت عائشة إلى محمد بن عمرو بن حزم و هو والي المدينة، و كان عفيفا حديدا[6]عظيم اللّحية، له جارية موكّلة بلحيته إذا ائتزر لا يأتزر عليها، و كان إذا جلس للناس جمعها ثم أدخلها تحت فخذه. فأرسلت عائشة: يا أخي قد ترى ما دخل عليّ من المصيبة بابنتي، و غيبة[7]أهلي و أهلها، و أنت الوالي، فأمّا ما يكفي النساء من النساء فأنا أكفيكه بيدي و عيني، و أما ما يكفي الرجال من الرجال فاكفنيه، مر بالأسواق أن ترفع، و أمر بتجويد عمل نعشها، و لا يحملها إلا الفقهاء الألبّاء من قريش بالوقار و السكينة، و قم على قبرها و لا يدخله إلا قرابتها من ذوي الحجا و الفضل، فأتى ابن حزم رسولها حين تغدّى و دخل ليقيل، فدخل عليه فأبلغه رسالتها، فقال ابن حزم لرسولها: أقرى‏ء ابنة المظلوم السّلام و أخبرها أني قد سمعت الواعية[8]و أردت الركوب إليها فأمسكت عن الركوب حتى أبرد، ثم أصلّي، ثم أنفّذ كلّ ما أمرت به. و أمر حاجبه و صاحب شرطته برفع الأسواق، و دعا الحرس و قال: خذوا السّياط حتى تحولوا بين [1]أندر: أتى بنادر من قول أو فعل.

[2]ب: «و خطبت» .

[3]خايره في كذا: غالبه فغلبه و كان خيرا منه.

[4]نعرت العجوز: صاحت و صخبت.

[5]ب: «علي بن الحسن» .

[6]رجل حديد: فيه بأس و شدّة.

[7]ف: «و نجيبة أهلي و أهلها» .

[8]الواعية: الصراخ على الميت.

101

الناس و بين النعش إلا ذوي قرابتها بالسكينة و الوقار، ثم نام و انتبه و أسرج له، و اجتمع كلّ من كان بالمدينة، و أتى باب عائشة حين أخرج النعش، فلما رأى الناس النعش التقفوه، فلم يملك ابن حزم و لا الحرس منه شيئا، و جعل ابن حزم يركض خلف النعش و يصيح بالناس من السّفلة و الغوغاء: اربعوا أي ارفقوا فلم يسمعوا، حتى بلغ بالنعش القبر، فصلى عليها، ثم وقف على القبر فنادى: من هاهنا من قريش؟فلم يحضره إلا مروان بن أبان بن عثمان، /و كان رجلا عظيم البطن بادنا[1]لا يستطيع أن ينثني من بطنه، سخيف‏[2]العقل، فطلع و عليه سبعة قمص، /كأنها درج، بعضها أقصر من بعض و رداء عدنيّ يثمن ألفي درهم، فسلّم و قال له ابن حزم: أنت لعمري قريبها، و لكنّ القبر ضيّق لا يسعك، فقال: أصلح اللّه الأمير إنما تضيق الأخلاق. قال ابن حزم: إنا للّه، ما ظننت أن هذا هكذا كما أرى، فأمر أربعة فأخذوا بضبعه‏[3]حتى أدخلوه في القبر، ثم أتى خراء الزّنج، و هو عثمان بن عمرو بن عثمان فقال: السّلام عليك أيها الأمير و رحمة اللّه، ثم قال: وا سيدتاه وا بنت أختاه!فقال ابن حزم: تاللّه لقد كان يبلغني عن هذا أنه مخنّث، فلم أكن أرى أنه بلغ هذا كله، دلّوه فإنه عورة هو و اللّه أحق بالدفن منها، فلما أدخلا قال مروان لخراء الزنج: تنحّ إليك شيئا فقال له خراء الزنج: الحمد للّه رب العالمين، جاء الكلب الإنسيّ يطرد الكلب الوحشيّ، فقال لهما ابن حزم: اسكتا قبّحكما اللّه و عليكما لعنته، أيكما الإنسيّ من الوحشيّ، و اللّه لئن لم تسكتا لآمرنّ بكما تدفنان، ثم جاء خال للجارية من الحاطبيّين و هو ناقة من مرض لو أخذ بعوضة لم يضبطها فقال: [4]أنا خالها و أمي سودة و أمها حفصة، ثم رمى بنفسه في القبر، فأصاب ترقوة خراء الزنج فصاح: أوه‏[4]ألح اللّه الأمير دقّ و اللّه عرقوبي، فقال ابن حزم: دق اللّه عرقوبك، و ترقوتك اسكت ويلك، ثم أقبل على أصحابه فقال: ويحكم إني خبّرت أن الجارية بادن، و مروان لا يقدر أن ينثني من بطنه، و خراء الزنج مخنّث لا يعقل سنّة و لا دفنا، و هذا الحاطبيّ لو أخذ عصفورا لم يضبطه لضعفه، فمن يدفن هذه الجارية؟و اللّه ما أمرتني بهذا بنت المظلوم، فقال له جلساؤه: لا و اللّه ما بالمدينة خلق من قريش، و لو كان في هؤلاء خير لما بقوا، فقال: من هاهنا من مواليهم؟فإذا أبو هانئ الأعمى و هو ظئر[5]لها، فقال ابن حزم: من أنت رحمك اللّه؟قال: أنا أبو هانئ ظئر عبد اللّه بن عمرو بن عثمان و أنا أدفن أحياءهم و أمواتهم، فقال: أنا في طلبك، ادخل رحمك اللّه، فادفن/هؤلاء الأحياء، حتى يدلّى عليك‏[6]الموتى‏[7]ثم أقبل على أصحابه فقال: إنا للّه-و هذا أيضا أعمى لا يبصر، فنادوا: من هاهنا من مواليهم‏[7]فإذا برجل يزيديّ يقال له أبو موسى قد جاء، فقال له ابن حزم: من أنت أيضا؟قال: أنا أبو موسى صالمين، و أنا ابن السميط سميطين‏[8]و السعيد سعيدين، و الحمد للّه رب العالمين، فقال ابن حزم: و اللّه العظيم لتكونن لهم خامسا، رحمك اللّه يا بنت رسول اللّه، فما اجتمع على جيفة خنزير و لا كلب ما اجتمع على جثتك، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، [9]و أظنه سقط رجل آخر[9].

[1]ف: «عظيم البطن فأفاء» .

[2]رجل سخيف العقل: ناقصه.

[3]الضبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها و هما ضبعان.

(4-4) . تكملة من ف.

[5]الظئر: الناقة تعطف على ولد غيرها، و منه قيل للمرأة الأجنبية تحضن ولد غيرها: ظئر و للرجل الحاضن: ظئر أيضا.

[6]ف: «حتى يدلي إليك الموتى» .

(7-7) . التكملة من ف.

[8]ف: «و أنا ابن أبي السميط سميطين» .

(9-9) . التكملة من ف. ـ

102

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدّثني اليعقوبيّ محمد بن عبد اللّه، قال: حدّثني أبو بكر الزلال الزبيريّ، قال: [1]حدّثني من رأى أشعب و قد علّق رأس كلبه و هو يضربه و يقول له: تنبح الهدية و تبصبص للضيف.

أرضع أشعب جديا لبن زوجته‏

أخبرنا أحمد، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن محمد الزّبيري أبو الطّاهر، قال: [1]حدّثني يحيى بن محمد بن أبي قتيلة، قال:

غذا أشعب جديا بلبن زوجته و غيرها حتى بلغ الغاية قال: و من مبالغته في ذلك أن قال لزوجته: أي ابنة وردان، إني أحب أن ترضعيه بلبنك. قال: ففعلت، قال: ثم جاء به إلى إسماعيل بن جعفر بن محمد فقال: باللّه إنه لابني، قد رضع بلبن زوجتي و قد حبوتك به، و لم أر أحدا يستأهله سواك، قال: فنظر إسماعيل إلى فتنة من الفتن فأمر به فذبح و سمط، فأقبل عليه أشعب، فقال: المكافأة، فقال: ما عندي و اللّه اليوم شي‏ء، و نحن من تعرف، و ذلك غير فائت لك، فلما يئس منه قام من عنده فدخل على أبيه جعفر بن محمد، ثم اندفع يشهق/حتى التقت أضلاعه، ثم قال: أخلني، قال: ما معنا أحد يسمع و لا عين عليك، قال: وثب ابنك إسماعيل على ابني فذبحه و أنا أنظر إليه، قال: فارتاع/جعفر و صاح: ويلك!و فيم؟و تريد ما ذا؟قال: أمّا ما أريد فو اللّه ما لي في إسماعيل حيلة و لا يسمع هذا سامع أبدا بعدك. فجزاه خيرا و أدخله منزله، و أخرج إليه مائتي دينار و قال له: خذ هذه و لك عندنا ما تحبّ، قال: و خرج إلى إسماعيل لا يبصر ما يطأ عليه، فإذا به مترسّل في مجلسه، فلما رأى وجه أبيه نكره، و قام إليه، فقال: يا إسماعيل أو فعلتها بأشعب؟قتلت ولده، قال: فاستضحك و قال: جاءني بجدي من صفته كذا، و خبّره الخبر، فأخبره أبوه ما كان منه و صار إليه. قال: فكان جعفر يقول لأشعب: رعبتني رعبك اللّه‏[2]فيقول:

روعة ابنك و اللّه إيّاي في الجدي أكبر من روعتك أنت في المائتي الدّينار.

حزن أشعب لوفاة خالد بن عبد اللّه‏

أخبرنا أحمد، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن إسحاق المسيّبيّ‏[3]، قال:

حدّثني عمير بن عبد اللّه بن أبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة-قال: و عمير لقب و اسمه عبد الرحمن-عن أشعب، قال:

أتيت خالد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان ليلة أسأله، فقال لي: أنت على طريقة لا أعطي على مثلها، قلت: بلى جعلت فداءك، فقال: قم فإن قدر شي‏ء فسيكون، قال: فقمت، فإني لفي بعض سكك المدينة، إذ لقيني رجل فقال: يا أشعب إن كان اللّه قد ساق إليك رزقا فما أنت صانع؟قلت: أشكر اللّه و أشكر من فعله، قال: كم عيالك؟فأخبرته قال: قد أمرت أن أجري عليك و على عيالك ما كنت‏[4]حيّا، قال: من أمرك؟قال:

(1-1) تكملة من ف.

[2]ف: «رعتني راعك اللّه» .

[3]ب: «السيبي» ، و في مد، مم: «السبيبيّ» .

[4]ف: «ما دمت حيا» .

103

لا أخبرك ما كانت هذه فوق هذه، يريد السماء، و أشار إليها قال: قلت: إن هذا معروف يشكر، قال: الّذي أمرني لم يرد شكرك، و هو يتمنى‏[1]ألاّ يصل مثلك. قال: فمكثت آخذ ذلك إلى أن توفّي خالد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، قال: فشهدته قريش و حفل له الناس قال: فشهدته فلقيني ذلك الرجل فقال: يا أشعب/انتف رأسك و لحيتك، هذا و اللّه صاحبك الّذي كان يجري عليك ما كنت أعطيك، و كان و اللّه يتمنّى مباعدة مثلك، قال: فحمله و اللّه الكرم إذ سألته أن فعل بك ما فعل، قال عمير: قال أشعب: فعملت بنفسي و اللّه حينئذ ما حلّ و حرم.

أشعب في المسجد

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال:

كان أشعب يوما في المسجد يدعو و قد قبّض وجهه فصيّره كالصّبرة[2]المجموعة، فرآه عامر بن عبد اللّه بن الزبير فحصبه‏[3]و ناداه: يا أشعب، إذا تناجى ربك فناجه بوجه طلق، قال: فأرخى لحيه‏[4]حتى وقع على زوره، قال: فأعرض عنه عامر و قال: و لا كلّ هذا.

جز أشعب لحيته‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدّثني الزّبير، قال: حدّثني مصعب، قال:

جزّ أشعب لحيته فبعث إليه نافع بن ثابت بن عبد اللّه بن الزّبير: أ لم أقل لك إن البطّال‏[5]أملح ما يكون إذا طالت لحيته فلا تجزز لحيتك.

طرائف من طمعه و بخله‏

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن يحيى، قال: أخبرنا أبو الحسن المدائنيّ، قال:

وقف أشعب على امرأة تعمل طبق خوص فقال: لتكبّريه فقالت: لم؟أ تريد أن تشتريه؟قال: لا، و لكن عسى أن يشتريه إنسان فيهدي إليّ فيه/، فيكون كبيرا خير من أن يكون صغيرا.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى/قال: أخبرنا المدائنيّ، قال: قالت صديقة أشعب لأشعب: هب لي خاتمك أذكرك به، قال: اذكريني أنّي منعتك إياه؛ فهو أحبّ إليّ.

أخبرني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

[1]ف: «و هو يتمرى» .

[2]الصبرة: الكومة من الطعام. و في ف: «كالسفرة» .

[3]ب: «فحبسه» .

[4]اللحى: عظم الحنك و هو الّذي عليه الأسنان. و في ف: «إنما تناجى ربك فناجه... » .

[5]البطال: المتعلل.

104

قال أشعب مرة للصبيان: هذا عمرو بن عثمان يقسّم مالا، فمضوا، فلما أبطئوا عنه اتّبعهم؛ يحسب أنّ الأمر قد صار حقّا كما قال.

أخبرنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

دعا زياد بن عبد اللّه أشعب فتغدّى معه، فضرب بيده إلى جدي بين يديه، و كان زياد أحد[1]البخلاء بالطعام، فغاظه ذلك، فقال لخدمه: أخبروني عن أهل السجن ألهم إمام يصلّي بهم؟و كان أشعب من القرّاء لكتاب اللّه تعالى، قالوا: لا، قال: فأدخلوا أشعب فصيّروه إماما لهم، قال أشعب: أو غير ذلك؟قال: و ما هو؟قال:

أحلف لك-أصلحك اللّه-ألاّ أذوق جديا أبدا، فخلاّه.

أخبرنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

رأيت أشعب بالمدينة يقلّب مالا كثيرا فقلت له: ويحك ما هذا الحرص!و لعلك أن تكون أيسر ممّن تطلب منه‏[2]، قال: إني قد مهرت في هذه‏[3]المسألة، فأنا أكره أن أدعها فتنفلت منّي.

/أخبرنا أحمد، قال: حدّثنا محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟قال: ما رأيت اثنين يتسارّان قطّ إلا كنت أراهما يأمران لي بشي‏ء.

أخبرنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: حدثنا أبو مسلم، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

قال أشعب لأمه: رأيتك في النوم مطليّة بعسل و أنا مطليّ بعذرة، فقالت: يا فاسق هذا عملك الخبيث كساكه‏[4]اللّه عز و جل، قال: إن في الرؤيا شيئا آخر، قالت: ما هو؟قال: رأيتني ألطعك و أنت تلطعيني‏[5]، قالت:

لعنك اللّه يا فاسق.

أخبرنا أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

كان أشعب يتحدّث إلى امرأة بالمدينة حتى عرف ذلك، فقالت لها جاراتها يوما: لو سألته شيئا فإنه موسر، فلما جاء قالت: إن جاراتي ليقلن لي: ما يصلك بشي‏ء، فخرج نافرا من منزلها، فلم يقربها شهرين، ثم إنه جاء ذات يوم فجلس على الباب، فأخرجت إليه قدحا ملآن ماء، فقالت: اشرب هذا من الفزع، فقال: اشربيه أنت من الطمع.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أبو مسلم و أحمد بن يحيى -و اللّفظ لأحمد-قال: أخبرنا المدائنيّ عن جهم بن خلف، قال:

حدّثني رجل قال: قلت لأشعب: لو تحدّثت عندي العشيّة؟فقال: أكره أن يجي‏ء ثقيل، قال: قلت: ليس غيرك و غيري، قال: فإذا صلّيت الظهر فأنا عندك، /فصلّى و جاء، فلما وضعت الجارية الطعام إذا بصديق لي يدقّ الباب، فقال: أ لا ترى قد صرت إلى ما أكره؟قال: قلت: إن عندي فيه عشر خصال، قال: فما هي؟قال: أولها أنه [1]ب: «أخا البخلاء» .

[2]ب: «... و لعلك أن تكون أسيرا ممن تطلب منه» .

[3]ب: «إني قد مهدت المسألة» .

[4]ف: «ألبسكه اللّه» .

[5]لطع الشي‏ء: لحسه.