الأغاني - ج19

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
209 /
105

لا يأكل و لا يشرب، قال: التّسع الخصال لك، أدخله. قال أبو مسلم/: إن كرهت واحدة منها لم أدخله.

أخبرنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

دخل أشعب يوما على الحسين بن عليّ و عنده أعرابيّ قبيح المنظر مختلف الخلقة، فسبّح أشعب حين رآه، و قال للحسين عليه السّلام: بأبي أنت و أمي، أ تأذن لي أن أسلح عليه؟فقال الأعرابيّ: ما شئت، و مع الأعرابيّ قوس و كنانة، ففوّق له سهما و قال: و اللّه لئن فعلت لتكوننّ آخر سلحة سلحتها، قال أشعب للحسين: جعلت فداءك، قد أخذني القولنج‏[1].

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

ذكر أشعب بالمدينة رجلا قبيح الاسم، فقيل له: يا أبا العلاء، أ تعرف فلانا؟قال: ليس هذا من الأسماء الّتي عرضت على آدم.

وجدت في بعض الكتب، عن أحمد بن الحارث الخراز[2]، عن المدائنيّ، قال:

توضّأ أشعب فغسل رجله اليسرى و ترك اليمنى فقيل له: لم تركت غسل اليمنى؟قال: لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال:

«أمّتي غرّ محجّلون من آثار الوضوء، و أنا أحبّ أن أكون أغرّ محلا مطلق اليمنى» [3].

/و أخبرت بهذا الإسناد قال:

سمع أشعب حبّي المدينيّة تقول: اللهم لا تمتني حتى تغفر لي ذنوبي، فقال لها: يا فاسقة أنت لم تسألي اللّه المغفرة إنما سألته عمر الأبد، يريد أنه لا يغفر لها أبدا.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: أخبرنا المدائنيّ، عن فليح بن سليمان، قال:

ساوم أشعب رجلا بقوس عربيّة فقال الرجل: لا أنقصها عن دينار، قال أشعب: أعتق ما أملك لو أنها إذا رمي بها طائر في جوّ السماء وقع مشويّا بين رغيفين ما أخذتها بدينار.

أخبرنا أحمد، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: أخبرنا مسلم، قال: أخبرنا المدائني، قال:

أهدى رجل من بني عامر بن لؤيّ إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر بن محمد فالوذجة، و أشعب حاضر، قال:

كل يا أشعب، فلما أكل منها قال: كيف تجدها يا أشعب؟قال: أنا بري‏ء من اللّه و رسوله إن لم تكن عملت قبل أن يوحي اللّه عزّ و جلّ إلى النّحل، أي ليس فيها من الحلاوة شي‏ء.

أخبرنا أحمد قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: أخبرنا المدائنيّ، قال:

سأل سالم بن عبد اللّه أشعب عن طمعه، قال: قلت لصبياني مرّة: هذا سالم قد فتح باب صدقة عمر[4]، [1]القولنج: مرض معوي مؤلم يصعب معه خروج البراز و الريح.

[2]ب: «الحزاز» .

[3]ب: «أغر محجل ثلاث مطلق اليمين» .

[4]مد: «صدقاته» .

106

فانطلقوا يعطكم تمرا، فمضوا، فلما أبطئوا ظننت أنّ الأمر كما قلت فاتّبعتهم.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: أخبرني المدائنيّ، قال:

/بينا أشعب يوما يتغدّى إذ دخلت جارة[1]له، و مع أشهب امرأته تأكل، فدعاها لتتغدّى، فجاءت الجارة[1] فأخذت العرقوب بما عليه-قال: و أهل المدينة يسمونه عرقوب ربّ البيت-قال: فقام أشعب فخرج ثم عاد فدقّ الباب، فقالت له امرأته: يا سخين العين ما لك!قال: أدخل؟قالت: أ تستأذن أنت، و أنت ربّ البيت؟قال: لو كنت ربّ البيت ما كانت العرقوب بين يدي هذه.

أشعب يبكي نفسه‏

أخبرني بعض أصحابنا، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ، قال: حدثنا الزبير، قال: حدّثني مصعب، قال: قال لي ابن كليب:

حدّثت مرّة أشعب بملحة فبكى، فقلت: ما يبكيك؟قال: أنا بمنزلة شجرة/الموز إذا نشأت ابنتها قطعت، و قد نشأت أنت في مواليّ و أنا الآن أموت، فإنما أبكي على نفسي.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثنا الزّبير بن بكّار، قال:

كان أشعب الطّمع يغنّي و له أصوات قد حكيت عنه، و كان ابنه عبيدة يغنّيها، فمن أصواته هذه:

أروني من يقوم لكم مقامي # إذا ما الأمر جلّ عن الخطاب

إلى من تفزعون إذا حثوتم # بأيديكم عليّ من التراب‏

أشعب و سكينة بنت الحسين‏

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ، قال: حدثنا الزبير بن بكّار، قال:

حدثنا شعيب بن عبيدة بن أشعب، عن أبيه، عن جدّه، قال:

كانت سكينة بنت الحسين بن عليّ عليهم السّلام عند زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان/قال: و قد كانت أحلفته ألاّ يمنعها سفرا و لا مدخلا و لا مخرجا فقالت: اخرج بنا إلى حمران‏[2]من ناحية عسفان، فخرج بها فأقامت، ثم قالت له: اذهب بنا نعتمر، فدخل بها مكة، فأتاني آت، فقال: تقول لك ديباجة الحرم-و هي امرأة من ولد عتّاب بن أسيد-: لك عشرون دينارا إن جئتني يزيد بن عمرو الليلة في الأبطح، [3]قال أشعب: و أنا أعرف سكينة و أعلم ما هي، ثم غلب عليّ طباع السوء و الشره، فقلت لزيد فيما بيني و بينه: إن ديباجة الحرم أرسلت إليّ بكيت و كيت، فقال: عدها الليلة بالأبطح‏[3]، فأرسلت إليها فواعدتها الأبطح و إذا الديباجة قد افترشت بساطا في الأبطح و طرحت النمارق، و وضعت حشايا و عليها أنماط، فجلست عليها، فلما طلع زيد قامت إليه، فتلقّته و سلّمت [1]ب: «جارية» .

[2]حمران: ماء في ديار الرباب (معجم البلدان) . و في ب، مد: «حمدان» ، تحريف.

(3-3) التكملة من ف.

107

عليه، ثم رجعت إلى مجلسها، فلم ننشب أن سمعنا شحيج بغلة سكينة، فلما استبانها زيد قام فأخذ بركابها، و اختبأت ناحية، فقامت الديباجة إلى سكينة فتلقّتها و قبّلت بين عينيها، و أجلستها على الفراش، و جلست هي على بعض النمارق، فقالت سكينة: أشعب و اللّه صاحب هذا الأمر، و لست لأبي إن لم يأت يصيح صياح الهرة[1]لن يقوم لي بشي‏ء أبدا، فطلعت على أربع أصيح صياح الهرة[1]، ثم دعت جارية معه مجمر كبير فحفنت منه و أكثرت، و صبّت في حجر الديباجة، [2]و حفنت لمن معها فصبّته في حجورهن‏[2]و ركبت و ركب زيد و أنا معهم، فلما صارت إلى منزلها قالت لي: يا أشعب أ فعلتها؟قلت: جعلت فداءك، إنما جعلت لي عشرين دينارا، و قد عرفت طمعي و شرهي، و اللّه لو جعلت لي العشرين دينارا على قتل أبويّ لقتلتهما، قال: فأمرت بالرحيل إلى الطائف، فأقامت بالطائف و حوّطت‏[3]من ورائها بحيطان و منعت زيدا أن يدخل عليها. قال: ثم قالت لي يوما: قد أثمنا في زيد و فعلنا[4]ما لا يحل لنا، ثم أمرت بالرحيل إلى المدينة، و أذنت لزيد فجاءها.

/قال الزّبير: و حدّثني عبد اللّه بن محمد بن أبي سلمة قال:

جاء أشعب إلى مجلس أصحابنا فجلس فيه، فمرّت جارية لأحدهم بحزمة عراجين من صدقة عمر، فقال له أشعب: فديتك، أنا محتاج إلى حطب فمر لي بهذه الحزمة، قال: لا، و لكن أعطيك نصفها على أن تحدّثني بحديث ديباجة الحرم، فكشف أشعب ثوبه عن استه و استوفز و جعل يخنس‏[5]و يقول: إن لهذا زمانا[6]، و جعلت خصيتاه تخطّان الأرض، ثم قال: أعطاني و اللّه فلان في حديث ديباجة الحرم عشرين دينارا، و أعطاني فلان كذا، و أعطاني فلان كذا، حتى عدّ أموالا، و أنت الآن تطلبها مني بنصف حزمة عراجين!ثم قام فانصرف.

و في ديباجة الحرم يقول عمر بن أبي ربيعة:

صوت‏

ذهبت و لم تلمم بديباجة الحرم # و قد كنت منها في عناء و في سقم

جننت بها لمّا سمعت بذكرها # و قد كنت مجنونا بجاراتها القدم

إذا أنت لم تعشق و لم تدر ما لهوي # فكن حجرا بالحزن من حرّة أصمّ‏[7]

غناه مالك بن أبي السّمح من رواية يونس عن حبيش‏[8].

قال الزبير: و حدّثني شعيب بن عبيدة، عن أبيه، قال:

دخل رجل من قريش على سكينة بنت الحسين عليهما السّلام، قال: فإذا أنا بأشعب متفحّج‏[9]جالس تحت (1-1) التكملة من ف.

(2-2) التكملة من ف.

[3]ف: «و أحاطت» .

[4]ف: «و عملنا ما لا يحل لنا» .

[5]استوفز في قعدته: قعد منتصبا غير مطمئن. و خنس: تأخر.

[6]ف: «أف لهذا زمنا، أف لهذا زمنا» ، بدل: «إن لهذا زمانا» .

[7]ف: «من صخرة أصم» .

[8]ب، مد، مم: «غير مجنس» بدل: «عن حبيش» .

[9]المتفحج: المفرج بين رجليه.

108

السرير، فلما رآني جعل يقرقر مثل الدجاجة فجعلت أنظر إليه و أعجب، فقالت: ما لك تنظر إلى هذا؟قلت: إنه لعجب، قالت: إنه لخبيث، قد أفسد علينا أمورنا بغباوته، فحضنته بيض دجاج، ثم أقسمت أنه لا يقوم عنه حتى ينفق‏[1]. /و هذا الخبر عندنا غير مشروح، و لكن هذا ما سمعناه، و نسخته على الشرح من أخبار إبراهيم بن المهديّ الّتي رواها عنه يوسف بن إبراهيم، و قد ذكر في أخبار سكينة.

و روى عن أحمد بن الحسن البزّاز: وجدت بخط ابن الوشّاء، عن أبي الوشاء، عن الكديمي، عن أبي عاصم قال: قيل لأشعب الطامع: أ رأيت أحدا قط أطمع منك، قال: نعم كلبا يتبعني أربعة أميال على مضغ العلك‏[2].

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، و عمي عبد العزيز بن أحمد[3]، و حبيب بن نصر المهلّبيّ، قالوا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدّثني مصعب، عن عثمان بن المنذر، عن عبد اللّه بن أبي بشر بن عثمان بن المغيرة، قال:

سمعت جلبة شديدة مقبلة من البلاط، و أسرعت فإذا جماعة مقبلة، و إذا امرأة قد فرعتهم طولا، و إذا أشعب بين أيديهم بكفّه دفّ و هو يغنّي به و يرقص و يحرف استه و يحركها و يقول:

ألا حيّ الّتي خرجت # قبيل الصّبح فاختمرت

يقال بعينها رمد # و لا و اللّه ما رمدت‏

فإذا تجاوز في الرقص الجماعة رجع إليهم حتى يخالطهم و يستقبل المرأة فيغنّي في وجهها و هي تبسم و تقول:

حسبك الآن، فسألت عنها، فقالوا: هذه جارية صريم المغنية استلحقها صريم عند موته، و اعترف بأنها بنته، فحاكمت ورثته‏[4]إلى السلطان، فقامت لها البينة فألحقها به و أعطاها الميراث منه، و كانت أحسن خلق اللّه غناء، كان يضرب بها المثل في الحجاز فيقال: أحسن من غناء الصّريميّة.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا الدمشقيّ، قال: حدثنا الزّبير بن بكّار، قال: و حدّثني أبي، قال:

/اجتازت جنازة الصّريميّة بأشعب و هو جالس في قوم من قريش فبكى عليها ثم قال: ذهب اليوم الغناء كله، و على أنها الزانية كانت-لا رحمها اللّه-شرّ خلق اللّه، فقيل: يا أشعب ليس بين بكائك عليها و لعنك إيّاها فصل في كلامك، قال: نعم، كنّا نجيئها الفاجرة بكبش، فيطبخ لنا في دارها ثم لا تعشّينا-يشهد اللّه-إلا بسلق.

أشعب و الغاضري‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا مصعب:

بلغ أشعب أن الغاضريّ‏[5]قد أخذ في مثل مذهبه و نوادره، و أن جماعة قد استطابوه، فرقبه حتى علم أنه في مجلس/من مجالس قريش يحادثهم و يضحكهم فصار إليه، ثم قال له: قد بلغني أنك قد نحوت نحوي و شغلت عنّي من كان يألفني فإن كنت مثلي فافعل كما أفعل، ثم غضّن‏[6]وجهه و عرّضه و شنّجه حتى صار عرضه أكثر من طوله، [1]ف: «ينقب» .

[2]العلك: اللبان.

[3]كذا في جميع النسخ و نرجح أن يكون أحمد بن عبد العزيز.

[4]ف: «فخاصمت ورثته» .

[5]ب: «الناضري» .

[6]غضن وجهه: ثناه. و في ب: «غض» .

109

و صار في هيئة لم يعرفه أحد بها، ثم أرسل وجهه و قال له: افعل هكذا و طوّل وجهه حتى كاد ذقنه يجوز صدره، و صار كأنه وجه الناظر في سيفه، ثم نزع ثيابه و تحادب فصار في ظهره حدبة كسنام البعير، و صار طوله مقدار شبر أو أكثر، ثم نزع سراويله و جعل يمد جلد خصييه حتى حكّ بهما الأرض، ثم خلاّهما من يده و مشى و جعل يخنس‏[1]و هما يخطّان الأرض، ثم قام فتطاول و تمدّد و تمطّى حتى صار أطول ما يكون من الرجال، فضحك و اللّه القوم حتى أغمي عليهم و قطع الغاضريّ فما تكلم بنادرة، و لا زاد على أن يقول: يا أبا العلاء لا أعاود ما تكره، إنما أنا تلميذك و خرّيجك، ثم انصرف أشعب و تركه.

من أخلاق أمه‏

أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ، قال: حدثنا يوسف بن إبراهيم، عن إبراهيم بن المهديّ، عن عبيدة بن أشعب، عن أبيه: أنه كان مولده في سنة تسع من الهجرة، و أن أباه كان من مماليك عثمان، و أنّ أمّه كانت تنقل كلام أزواج النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بعضهن إلى بعض، فتلقي بينهن الشّرّ، فتأذّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بذلك، /فدعا اللّه عز و جل عليها فأماتها، و عمّر ابنها أشعب حتى هلك في أيام المهديّ.

كان من المعتزلة

و كان في أشعب خلال، منها أنه كان أطيب أهل زمانه عشرة و أكثرهم نادرة، و منها: أنه كان أحسن الناس أداء لغناء سمعه، و منها: أنه أقوم أهل دهره بحجج المعتزلة و كان امرأ منهم.

أشعب و عبد اللّه بن عمر

قال إبراهيم بن المهديّ فحدّثني عبيدة بن أشعب، عن أبيه، قال: بلغني أن عبد اللّه بن عمر كان في مال له‏[2] يتصدق بثمرته، فركبت ناضحا[3]و وافيته في ماله، فقلت: يا بن أمير المؤمنين و يا بن الفاروق أوقر لي بعيري هذا تمرا، فقال لي: أ من المهاجرين أنت؟قلت: اللهمّ لا، قال: فمن الأنصار أنت؟فقلت: اللهم لا، قال: أ فمن التابعين بإحسان؟فقلت: أرجو، فقال: إلى أن يحقّق رجاؤك، قال: أ فمن أبناء السبيل أنت؟قلت: لا، قال: فعلام أوقر لك بعيرك تمرا؟قلت: لأني سائل، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إن أتاك سائل على فرس فلا تردّه» ، فقال: لو شئنا أن نقول لك: إنه قال: لو أتاك على فرس، و لم يقل أتاك على ناضح بعير[4]لقلنا، و لكنّي أمسك عن ذلك لاستغنائي عنه؛ لأني قلت لأبي عمر بن الخطاب: إذا أتاني سائل على فرس يسألني أعطيته؟فقال: إني سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عما سألتني عنه، فقال لي: نعم إذا لم تصب راجلا و نحن أيها الرّجل نصيب رجّالة فعلام أعطيك و أنت على بعير؟فقلت له: بحق أبيك الفاروق، و بحق اللّه عز و جل، و بحق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لما أوقرته لي تمرا، فقال لي عبد اللّه: أنا موقره لك تمرا، و و حق اللّه و و حق رسوله لئن عاودت استحلافي لا أبررت لك قسمك، و لو أنك اقتصرت على استحلافي بحق أبي عليّ في تمرة أعطيكها لما أنفدت قسمك، لأني سمعت أبي يقول: إن [1]خنس: تخلف و توارى.

[2]ف: «بلغني مكان عبد اللّه بن عمر في مال له» .

[3]ف: «أتاك على بعير» .

[4]الناضح: البعير يتسقى عليه.

110

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: لا تشدّ الرّحال إلى مسجد لرجاء الثواب إلا إلى المسجد الحرام و مسجدي/بيثرب، /و لا يبرّ امرؤ قسم مستحلفه إلا أن يستحلفه بحق اللّه و حق رسوله، ثم قال للسودان في تلك الحال‏[1]: أوقروا له بعيره تمرا، قال: و لما أخذ السودان في حشو الغرائر قلت: إن السودان أهل طرب، و إن أطربتهم أجادوا حشو غرائري، فقلت:

يا بن الفاروق، أ تأذن لي في الغناء فأغنّيك؟فقال لي: أنت و ذلك‏[2]، فاندفعت في النّصب‏[3]، فقال لي: هذا الغناء الّذي لم نزل نعرفه. ثم غنيته صوتا آخر لطويس المغنّي و هو:

خليليّ ما أخفي من الحب ناطق # و دمعي بما قلت الغداة شهيد[4]

فقال لي عبد اللّه: يا هناه، لقد حدث في هذا المعنى ما لم نكن نعرفه، قال: ثم غنّيته لابن سريج:

يا عين جودي بالدموع السّفاح # و ابكي على قتلى قريش البطاح‏

فقال: يا أشعب، ويحك، هذا يحيق الفؤاد-أراد: يحرق الفؤاد، لأنه كان ألثغ لا يبين بالراء و لا باللام. قال أشعب: و كان بعد ذلك لا يرائي إلا استعادني هذا الصوت.

من نوادره‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمي، قال:

لقي أشعب صديق لأبيه فقال له: ويحك يا أشعب، كان أبوك ألحى و أنت أنطّ[5]فإلى من خرجت؟قال: إلى أمّي.

من حيله‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: أخبرنا أحمد بن أبي خيثمة، قال: حدثنا مصعب بن عبد اللّه، عن مصعب بن عثمان، قال:

لقي أشعب سالم بن عبد اللّه بن عمر فقال: يا أشعب، هل لك في هريس قد أعدّ لنا؟قال: نعم، بأبي أنت و أمي. قال: فصر إليّ، فمضى إلى منزله، فقالت له امرأته: قد/وجّه إليك عبد اللّه بن عمرو بن عثمان يدعوك.

قال: ويحك، إن لسالم بن عبد اللّه هريسة قد دعاني إليها، و عبد اللّه بن عمرو في يدي متى شئت، و سالم إنما دعوته للناس فلتة، و ليس لي بدّ من المضيّ إليه. قالت: إذا يغضب عبد اللّه، قال: آكل عنده، ثم أصير إلى عبد اللّه. فجاء إلى سالم و جعل يأكل أكل متعالل فقال له: كل يا أشعب و ابعث ما فضل عنك إلى منزلك، قال: ذاك أردت بأبي أنت و أمّي، فقال: يا غلام، احمل هذا إلى منزله، فحمله و مضى معه فجاء به امرأته فقالت له: ثكلتك أمّك، قد حلف عبد اللّه أن لا يكلّمك شهرا، قال: دعيني و إياه، هاتي شيئا من زعفران، فأعطته و دخل الحمّام يمسح على وجهه و يديه‏[6]و جلس في الحمام حتى صفّره، ثم خرج متكئا على عصا يرعد، حتى أتى دار عبد اللّه بن عمرو، [1]ب: «ثم قال للسودان في ذلك المال» .

[2]ف: «أنت و رأيك» .

[3]النصب: نوع من الغناء.

[4]ب: «باطل» بدل «ناطق» . و «شهير» بدل «شهيد» .

[5]الأنط: الخفيف شعر اللحية أو الحاجبين.

[6]ف: «و بدنه» .

111

فلما رآه حاجبه قال: ويحك، بلغت بك العلّة ما أرى؟و دخل و أعلم صاحبه فأذن له، فلما دخل عليه إذا سالم بن عبد اللّه عنده، فجعل يزيد في الرّعدة و يقارب الخطو، فجلس و ما يقدر أن يستقلّ، فقال عبد اللّه: ظلمناك يا أشعب في غضبنا عليك، فقال له سالم: ما لك ويلك!أ لم تكن عندي آنفا و أكلت هريسة؟فقال له: و أيّ أكل ترى بي؟ قال: ويلك!أ لم أقل لك كيت و كيت و تقل لي كيت و كيت؟قال له: شبّه لك، قال: لا حول و لا قوة إلا باللّه، و اللّه إني لأظنّ الشيطان يتشبّه بك. ويلك!أ جادّ أنت؟قال: عليّ و عليّ إن كنت خرجت منذ شهر[1]. فقال له عبد اللّه:

اعزب ويحك أ تبهته، لا أمّ لك!قال: ما قلت إلا حقّا، قال: بحياتي اصدقني و أنت آمن من غضبي، قال:

لا و حياتك لقد صدق. ثم حدّثه بالقصة فضحك حتى استلقى على قفاه.

ابنه يذكر بعض طرائف أبيه‏

[2]أخبرني رضوان بن أحمد بن يوسف بن إبراهيم، عن إبراهيم بن المهديّ:

أنّ الرشيد لمّا ولاّه دمشق بعث إليه عبد اللّه بن أشعب، و كان يقدم عليه من الحجاز إذا أراد أن يطرب.

/قال إبراهيم: و كان يحدّثني من حديث أبيه بالطرائف:

عادلته‏[3]يوما و أنا خارج من دمشق في قبّة على بغل لألهو بحديثه، فأصابنا في الطريق برد شديد فدعوت بدوّاج سمّور[4]لألبسه، فأتيت به فلما لبسته أقبلت على ابن أشعب فقلت: حدّثني بشي‏ء من طمع أبيك. فقال لي:

ما لك و لأبي، ها أنا إذا دعوت بالدّوّاج فما شككت و اللّه في أنك إنما جئت به لي، فضحكت من قوله، و دعوت بغيره فلبسته و أعطيته إياه، ثم قلت له:

أ لأبيك ولد غيرك؟فقال: كثير، فقلت: عشرة؟قال: أكثر، قلت: فخمسون؟قال: أكثر كثير، قلت: مائة؟ قال: دع المئين و خذ الألوف، فقلت: ويلك!أيّ شي‏ء تقوله؟أشعب أبوك ليس بينك و بينه أب، فكيف يكون له ألوف من الولد؟فضحك ثم قال: لي في هذا خبر ظريف، فقلت له: حدّثني به، فقال:

كان أبي منقطعا إلى سكينة بنت الحسين، و كانت متزوجة بزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان و كانت محبّة له، فكان لا يستقر معها، تقول له: أريد الحج فيخرج معها، فإذا أفضوا إلى مكة تقول: أريد الرجوع إلى المدينة، فإذا عاد إلى المدينة، قالت: أريد العمرة، فهو معها في سفر لا ينقضي. قال عبد اللّه: فحدّثني أبي قال:

كانت قد حلّفته بما لا كفّارة له ألا يتزوج عليها و لا يتسرّى و لا يلمّ بنسائه و جواريه إلا بإذنها، و حجّ الخليفة في سنة من السنين فقال لها: قد حج الخليفة و لا بدّ لي من لقائه، قالت: فاحلف بأنك لا تدخل الطائف، و لا تلمّ بجواريك على وجه و لا سبب، فحلف لها بما رضيت به من الأيمان على ذلك، ثم قالت له: احلف بالطلاق، فقال: لا أفعل، و لكن ابعثي معي بثقتك، فدعتني و أعطتني ثلاثين دينارا و قالت لي: اخرج معه، و حلّفتني/بطلاق بنت وردان زوجتي ألا أطلق له الخروج إلى الطائف بوجه و لا سبب، فحلفت لها بما أثلج صدرها، فأذنت له فخرج و خرجت معه. فلما حاذينا الطائف قال لي: يا أشعب، أنت تعرفني و تعرف صنائعي عندك، و هذه ثلاثمائة دينار، [1]ف: «إن كنت رأيتك منذ شهر» .

[2]سقط هذا الخبر من ب، و أثبتناه من ف، ما، مد.

[3]عادله: ركب معه.

[4]الدواج: اللحاف الّذي يلبس. و السمور: حيوان بري يتخذ من جلده فراء ثمينة للينها و خفتها و إدفائها. ـ

112

خذها بارك اللّه لك فيها و أذن لي ألمّ بجواريّ، فلما سمعتها ذهب عقلي ثم قلت: يا سيدي، هي سكينة، فاللّه اللّه فيّ. فقال: أو تعلم سكينة الغيب!فلم يزل بي حتى أخذتها و أذنت له، فمضى و بات عند جواريه. فلما أصبحنا رأيت أبيات قوم من العرب قريبة منا، فلبست حلّة وشي كانت لزيد قيمتها ألف دينار، و ركبت فرسه و جئت إلى النساء فسلّمت فرددن، و نسبنني فانتسبت نسب زيد، فحادثنني و أنسن بي. و أقبل رجال الحيّ، و كلما جاء رجل سأل عن نسبي فخبّر به هابني و سلّم عليّ و عظّمني و انصرف، إلى أن أقبل شيخ كبير منكر مبطون، فلما خبّر بي و بنسبي شال حاجبيه عن عينه، ثم نظر إليّ و قال: و أبي ما هذه خلقة قرشيّ و لا شمائله، و ما هو إلا عبد لهم نادّ، و علمت أنه يريد شرّا، فركبت الفرس ثم مضيت، و لحقني فرماني بسهم فما أخطأ قربوس السرج، و ما شككت أنه يلحقني بآخر يقتلني فسلحت-يعلم اللّه-في ثيابي فلوّثها و نفذ إلى الحلّة فصيّرها شهرة[1]، و أتيت رحل زيد بن عمرو فجلست أغسل الحلّة و أجففها، و أقبل زيد بن عمرو، فرأى ما لحق الحلّة و السرج، فقال لي: ما القصة؟ ويلك!فقلت: يا سيدي الصدق أنجى، و حدثته الحديث فاغتاظ ثم قال لي: أ لم يكفك أن تلبس حلتي و تصنع بها ما صنعت، و تركب فرسي و تجلس إلى النساء حتى انتسبت بنسبي و فضحتني، و جعلتني عند العرب ولاّجا جمّاشا[2]، و جرى عليك ذلّ نسب إليّ، أنا نفيّ من أبي و منسوب إلى أبيك إن لم أسؤك و أبلغ في ذلك.

ثم لقي الخليفة و عاد و دخلنا إلى سكينة، فسألته عن خبره كله فخبرها حتى انتهى إلى ذكر/جواريه، فقالت:

إيه و ما كان من خبرك في طريقك؟هل مضيت إلى جواريك بالطائف؟فقال لها: لا أدري، سلي ثقتك. فدعتني فسألتني، و بدأت فحلفت لها بكل يمين محرجة أنه ما مرّ بالطائف و لا دخلها و لا فارقني، فقال لها: اليمين الّتي حلف بها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف و بتّ عند جواريّ و غسّلتهن‏[3]جميعا، و أخذ مني ثلاثمائة دينار، و فعل كذا و كذا، و حدّثها الحديث كله و أراها الحلّة و السرج، فقالت لي: أ فعلتها يا أشعب!أنا نفيّة من أبي إن أنفقتها إلا فيما يسوؤك، ثم أمرت بكبس‏[4]منزلي و إحضارها الدنانير فأحضرت، فاشترت بها خشبا و بيضا و سرجينا، و عملت من الخشب بيتا فحبستني فيه و حلفت ألا أخرج منه و لا أفارقه حتى أحضن البيض كلّه إلى أن ينقب، فمكثت أربعين يوما أحضن لها البيض حتى نقب، و خرج منه فراريج كثيرة فربّتهن و تناسلن فكنّ بالمدينة يسمّين بنات أشعب و نسل أشعب، فهؤلاء إلى الآن بالمدينة نسل يزيد على الألوف، كلهن أهلي و أقاربي.

قال إبراهيم: فضحكت و اللّه من قوله ضحكا ما أذكر أنّي ضحكت مثله قط و وصلته، و لم يزل عندي زمانا حتى خرج إلى المدينة و بلغني أنه مات هناك‏[5].

يتسور البستان طلبا للطعام‏

أخبرني أحمد، قال: حدّثنا مصعب بن عبد اللّه بن عثمان، قال:

قال رجل/لأشعب: إنّ سالم بن عبد اللّه قد مضى إلى بستان فلان و معه طعام كثير، فبادر حتى لحقه فأغلق [1]الشهرة: ظهور الشي‏ء في شنعة.

[2]الولاج: الكثير الدخول. و الجماش: المتعرض للنساء.

[3]غسلتهن: جامعتهن.

[4]كبس دار فلان: هجم عليها فجأة و أحاط بها.

[5]انتهى الخبر المشار إلى أوله في الحاشية رقم 3 ص 162.

113

الغلام الباب دونه، فتسوّر عليه، فصاح به سالم: بناتي ويلك بناتي، فناداه أشعب: لَقَدْ عَلِمْتَ مََا لَنََا فِي بَنََاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مََا نُرِيدُ [1]، فأمر بالطعام فأخرج إليه منه ما كفاه.

يقوقئ مثل الدجاجة

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمّي، قال:

/بعثت سكينة إلى أبي الزّناد فجاءها تستفتيه في شي‏ء، فاطّلع أشعب عليه من بيت و جعل يقوقئ مثل ما تقوقى‏ء الدجاجة، قال: فسبّح أبو الزّناد و قال: ما هذا؟فضحكت و قالت: إن هذا الخبيث أفسد علينا بعض أمرنا، فحلفت أن يحضن بيضا في هذا البيت و لا يفارقه حتى ينقب، فجعل أبو الزّناد يعجب من فعلها.

و قد أخبرني محمد بن جعفر النحويّ بخبر سكينة الطويل على غير هذه الرواية، و هو قريب منها، و قد ذكرته في أخبار سكينة بنت الحسين مفردا عن أخبار أشعب هذه في أخبارها مع زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان.

عبد يسلح في يده‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة، قال: حدثنا مصعب، قال: حدّثني بعض المدنيين، قال:

كان لأشعب حرق في بابه، فكان ينام ثم يخرج يده من الخرق يطمع في أن يجي‏ء إنسان يطرح في يده شيئا من شدة الطمع، فبعث إليه بعض من كان يعبث به من مجّان آل الزبير بعبد له فسلح في يده، فلم يعد بعدها إلى أن يخرج يده.

و أخبرني به الجوهريّ، عن ابن مهرويه، عن محمد بن الحسن، عن مصعب، عن بعض المدنيين فذكر نحوه و لم يذكر ما فعل به الماجن.

أشعب و سالم بن عبد اللّه بن عمر

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن محمد الزّبيريّ أبو طاهر، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن أبي قتيلة، قال: حدّثني إسماعيل بن جعفر بن محمد الأعرج أنّ أشعب حدّثه، قال:

جاءني فتية من قريش فقالوا: إنا نحب أن تسمع سالم بن عبد اللّه بن عمر صوتا من الغناء و تعلمنا ما يقول لك، و جعلوا لي على ذلك جعلا فتنني‏[2]، فدخلت على سالم فقلت: /يا أبا عمر، إنّ لي مجالسة و حرمة و مودة و سنّا، و أنا مولع بالتّرنم، قال: و ما التّرنّم؟قلت: الغناء، قال: في أي وقت؟قلت: في الخلوة و مع الإخوان في المنزه، فأحب أن أسمعك، فإن كرهته أمسكت عنه، و غنّيته فقال: ما أرى بأسا، فخرجت فأعلمتهم، قالوا: و أي شي‏ء غنيته؟قلت: غنيته:

قرّبا مربط النّعامة منّي # لقحت حرب وائل عن حيالي‏[3]

[1]سورة هود: 79.

[2]ف: «جعلا قيدني» . و الجعل: الأجر الّذي يأخذه الإنسان على فعل شي‏ء.

[3]البيت للحارث بن عباد، و انظر الأمالي 2: 131 ط دار الكتب.

114

فقالوا: هذا بارد و لا حركة فيه، و لسنا نرضى، فلما رأيت دفعهم إياي و خفت ذهاب ما جعلوه لي رجعت فقلت: يا أبا عمر، آخر، فقال: ما لي و لك؟فلم أملّكه كلامه حتى غنيت، فقال: ما أرى بأسا، فخرجت إليهم فأعلمتهم فقالوا: و أي شي‏ء غنيته؟فقلت: غنّيته قوله:

لم يطيقوا أن ينزلوا و نزلنا # و أخو الحرب من أطاق النّزالا

فقالوا: ليس هذا بشي‏ء، فرجعت إليه فقال: مه، قلت: و آخر، فلم أملّكه أمره حتى غنيت:

غيّضن من عبراتهنّ و قلن لي: # ما ذا لقيت من الهوى و لقينا[1]

/فقال: نهلا نهلا[2]، فقلت: لا و اللّه إلا بذاك السّداك، و فيه تمر عجوة من صدقة عمر فقال: هو لك، فخرجت به عليهم و أنا أخطر فقالوا: مه، فقلت: غنّيت الشيخ:

غيّضن من عبراتهنّ و قلن لي # .....................

فطرب و فرض لي فأعطاني هذا، و كذبتهم، و اللّه ما أعطانيه إلا استكفافا حتى صمتّ.

/قال ابن أبي سعد: السّداك: الزّبيل الكبير. و فرض لي أي نقّطني، يعني ما يهبه الناس للمغنّين و يسمّونه النّقط.

كانت له ألحان مطربة و شهد له معبد

حدّثني الجوهريّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: حدّثني قعنب بن المحرز، عن الأصمعيّ، قال:

حدّثني جعفر بن سليمان، قال:

قدم أشعب أيام أبي جعفر، فأطاف به فتيان بني هاشم و سألوه أن يغنّيهم فغنّى فإذا ألحانه مطربة[3]و حلقه على حاله، فقال له جعفر بن المنصور: لمن هذا الشعر و الغناء:

لمن طلل بذات الجيـ # ش أمسى دارسا خلقا؟

فقال له: أخذت الغناء عن معبد، و هو للدّلال، و لقد كنت آخذ اللحن عن معبد فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب فإنه أحسن تأدية له مني.

أشعب يلازم جريرا و يغنيه في شعره‏

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن عبد اللّه بن مصعب، قال:

قدم جرير المدينة، فاجتمع إليه الناس يستنشدونه و يسألونه عن شعره، فينشدهم و يأخذون عنه و ينصرفون، و لزمه أشعب من بينهم فلم يفارقه، فقال له جرير: أراك أطولهم جلوسا و أكثرهم سؤالا، و إني لأظنّك ألأمهم حسبا، فقال له: يا أبا حزرة، أنا و اللّه أنفعهم لك، قال: و كيف ذلك؟قال: أنا آخذ شعرك فأحسّنه و أجوّده، قال:

[1]البيت لجرير في شرح ديوان جرير 578 ط الصاوي، و قبله:

إن الذين غدوا بلبك غادروا # و شلا بعينك ما يزال معينا

[2]ف، مد: «مهلا مهلا» . و النهل: ما أكل من الطعام.

[3]ف: «ألحانه طربة» .

115

كيف تحسّنه و تجوّده؟قال: فاندفع فغناه في شعره و الغناء لابن سريج:

صوت‏

يا أخت ناجية السّلام عليكم # قبل الرحيل و قبل لوم العذّل‏[1]

لو كنت أعلم أن آخر عهدكم # يوم الرّحيل فعلت ما لم أفعل‏

/قال: فطرب جرير حتى بكى و جعل يزحف إليه حتى لصقت ركبته بركبته و قال: أشهد أنك تحسّنه و تجوّده، فأعطاه من شعره ما أراد، و وصله بدنانير و كسوة.

حدّثني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا محمد بن القاسم، قال: حدّثني أبي، قال: قال الهيثم بن عديّ:

لقيت أشعب فقلت له: كيف ترى أهل زمانك هذا؟قال: يسألون عن أحاديث الملوك و يعطون إعطاء العبيد.

أشعب و أم عمر بنت مروان‏

حدّثني أحمد، قال: حدّثني محمد بن القاسم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: أخبرنا مصعب، قال:

حجّت أم عمر بنت مروان فاستحجبت‏[2]أشعب و قالت له: أنت أعرف الناس بأهل المدينة، فأذن لهم على مراتبهم، و جلست لهم مليّا، ثم قامت فدخلت القائلة، فجاء طويس فقال لأشعب: استأذن لي على أم عمر، فقال:

ما زالت جالسة و قد دخلت، فقال له: يا أشعب ملكت يومين فلم تفتّ بعرتين و لم تقطع شعرتين، فدقّ أشعب الباب و دخل إليها، فقال لها: أنشدك اللّه يا ابنة مروان، هذا طويس بالباب فلا تتعرّضي للسانه و لا تعرّضيني، فأذنت له، فلما دخل إليها قال لها: و اللّه لئن كان بابك غلقا لقد كان باب/أبيك فلقا[3]، ثم أخرج دفّه و نقر به و غنّى:

ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه # في النوم غير مصرّد محسوب

كان المنى بلقائها فلقيتها # فلهوت من لهو امرئ مكذوب‏

قالت: أيهما أحبّ إليك العاجل أم الآجل؟فقال: عاجل و آجل، فأمرت له بكسوة.

/أخبرني الجوهريّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، عن أبي مسلم، عن المدائنيّ، قال:

حدّث رجل من أهل المدينة أشعب بحديث أعجبه فقال له: في حديثك هذا شي‏ء، قال: و ما هو؟قال: تقليبه على الرأس.

أشعب و الوليد بن يزيد

أخبرني الجوهريّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: أخبرنا أبو مسلم، قال: حدثنا المدائنيّ، قال:

بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعد ما طلّق امرأته سعدة فقال له: يا أشعب، لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلّغ رسالتي سعدة، فقال له: أحضر المال حتى أنظر إليه، فأحضر الوليد بدرة فوضعها أشعب على عنقه، ثم قال: هات رسالتك يا أمير المؤمنين، قال: قل لها: يقول لك:

[1]ف: «قبل الفراق و قبل عذل العذل» .

[2]استحجبت أشعب: ولته الحجابة.

[3]باب غلق: مغلق، فعل بمعنى مفعول. و فلق: مفتوح. و في مد: «دلقا» .

116

أ سعدة هل إليك لنا سبيل # و هل حتى القيامة من تلاقي؟!

بلى، و لعلّ دهرا أن يواتي # بموت من حليلك أو طلاق

فأصبح شامتا و تقرّ عيني # و يجمع شملنا بعد افتراق‏

قال: فأتى أشعب الباب، فأخبرت بمكانه، فأمرت ففرشت لها فرش و جلست فأذنت له، فدخل فأنشدها ما أمره، فقالت لخدمها: خذوا الفاسق، فقال: يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم، قالت: و اللّه لأقتلنّك أو تبلّغه كما بلغتني، قال: و ما تهبين لي؟قالت: بساطي الّذي تحتي، قال: قومي عنه، فقالت فطواه ثم قال: هاتي رسالتك جعلت فداءك، قالت: قل له:

أ تبكي على لبنى و أنت تركتها # فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع؟!

فأقبل أشعب فدخل على الوليد فأنشده البيت، فقال: أوّه!قتلتني و اللّه، ما تراني صانعا بك يا بن الزانية؟اختر إمّا أن أدلّيك منكّسا في بئر، أو أرمي بك من فوق القصر/منكّسا، أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، فقال:

ما كنت فاعلا بي شيئا من ذلك، قال: و لم؟قال: لأنّك لم تكن لتعذّب رأسا فيه عينان قد نظرتا إلى سعدة فقال:

صدقت يا بن الزّانية، اخرج عنّي.

و قد أخبرني بهذا الخبر محمد بن مزيد، عن حمّاد، عن أبيه، عن الهيثم بن عديّ، أنّ سعدة لمّا أنشدها أشعب قوله:

أ سعدة هل إليك لنا سبيل # و هل حتّى القيامة من تلاقي؟!

قالت: لا و اللّه لا يكون ذلك أبدا، فلما أنشدها:

بلى و لعلّ دهرا أن يواتي # بموت من حليلك أو طلاق‏

قالت: كلاّ إن شاء اللّه، بل يفعل اللّه ذلك به، فلمّا أنشدها:

فأصبح شامتا و تقرّ عيني # و يجمع شملنا بعد افتراق‏

قالت: بل تكون الشّماتة به، و ذكر باقي الخبر مثل حديث الجوهريّ، عن ابن مهرويه.

/أخبرني عمّي، قال: حدّثنا محمد بن سعد الكرانيّ، قال: حدّثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، قال:

كتب الوليد بن يزيد في إشخاص أشعب من الحجاز إليه و جمله على البريد، فحمل إليه، فلما دخل أمر بأن يلبس تبّانا[1]و يجعل فيه ذنب قرد، و يشدّ في رجليه أجراس، و في عنقه جلاجل، ففعل به ذلك، فدخل و هو عجب من العجب، فلما رآه ضحك منه و كشف عن أيره، قال أشعب: فنظرت إليه كأنّه ناي مدهون، فقال لي: /اسجد للأصمّ ويلك، يعني أيره، فسجدت، ثم رفعت رأسي و سجدت أخرى، فقال: ما هذا؟فقلت: الأولى للأصمّ، و الثانية لخصيتيك، فضحك و أمر بنزع ما كان ألبسنيه و وصلني، و لم أزل من ندمائه حتى قتل.

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

قال رجل لأشعب إنه أهدي إلى زياد بن عبد اللّه الحارثيّ قبّة أدم قيمتها عشرة آلاف درهم فقال: امرأته الطّلاق [1]التبان: سراويل قصيرة إلى الركبة أو ما فوقها تستر العورة. و في مد: «ثيابا» .

117

لو أنّها قبّة الإسلام ما ساوت ألف درهم. فقيل له: إن معها جبّة وشي حشوها قزّ قيمتها عشرون ألف دينار، فقال:

أمّه زانية لو أنّ حشوها زغب أجنحة الملائكة ما ساوت عشرين دينارا.

أشعب و رجل من ولد عامر بن لؤي‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني أبو أيوب المدائنيّ، قال: حدّثني مصعب بن عبد اللّه الزّبيري، عن أبيه، قال:

حدّثني أشعب، قال:

ولي المدينة رجل من ولد عامر بن لؤيّ، و كان أبخل النّاس و أنكدهم‏[1]، و أغراه اللّه بي يطلبني في ليله و نهاره، فإن هربت منه هجم على منزلي بالشّرط، و إن كنت في موضع بعث إلى من أكون معه أو عنده يطلبني منه، فيطالبني بأن أحدّثه و أضحكه، ثم لا أسكت و لا ينام‏[2]، و لا يطعمني و لا يعطيني شيئا، فلقيت منه جهدا عظيما و بلاء شديدا. و حضر الحجّ، فقال لي: يا أشعب، كن معي، فقلت: بأبي أنت و أمي، أنا عليل، و ليست لي نية في الحج. فقال: عليه و عليه، و قال: إن الكعبة بيت النّار، لئن لم تخرج معي لأودعنّك الحبس حتى أقدم، فخرجت معه مكرها، فلما نزلنا المنزل أظهر أنّه صائم و نام حتى تشاغلت، ثم أكل ما في سفرته، و أمر غلامه أن يطعمني رغيفين بملح، فجئت و عندي أنّه صائم، و لم أزل أنتظر المغرب/أتوقّع إفطاره، فلما صلّيت المغرب قلت لغلامه:

ما ينتظر بالأكل؟قال: قد أكل منذ زمان، قلت: أ و لم يكن صائما؟قال: لا، قلت: أ فأطوي أنا؟قال: قد أعدّ لك ما تأكله فكل، و أخرج إليّ الرّغيفين و الملح فأكلتهما و بتّ ميّتا جوعا، و أصبحت فسرنا حتى نزلنا المنزل، فقال لغلامه: ابتع لنا لحما بدرهم، فابتاعه، فقال: كبّب لي قطعا، ففعل، فأكله و نصب القدر، فلما اغبرّت قال: اغرف لي منها قطعا، ففعل، فأكلها، ثم قال: اطرح فيها دقّة و أطعمني منها، ففعل، ثم قال: ألق توابلها و أطعمني منها، ففعل؛ و أنا جالس أنظر إليه لا يدعوني، فلما استوفى اللّحم كلّه قال: يا غلام، أطعم أشعب، و رمى إليّ برغيفين، فجئت إلى القدر و إذا ليس فيها إلا مرق و عظام، فأكلت الرّغيفين، و أخرج له جرابا فيه فاكهة يابسة، فأخذ منها حفنة فأكلها، و بقي في كفّه كفّ لوز بقشره، و لم يكن له فيه حيلة، فرمى به إليّ و قال: كل هذا يا أشعب، فذهبت أكسر واحدة منها فإذا بضرسي قد انكسرت منه قطعة فسقطت/بين يديّ، و تباعدت أطلب حجرا أكسره به، فوجدته، فضربت له لوزة فطفرت-يعلم اللّه-مقدار رمية حجر، و عدوت في طلبها، فبينما أنا في ذلك إذ أقبل بنو مصعب -يعني ابن ثابت و إخوته-يلبّون بتلك الحلوق الجهوريّة، فصحت بهم: الغوث الغوث العياذ باللّه و بكم يا آل الزّبير، الحقوني أدركوني، فركضوا إليّ، فلما رأوني قالوا: أشعب، ما لك ويلك!قلت: خذوني معكم تخلّصوني من الموت، فحملوني معهم، فجعلت أرفرف بيدي كما يفعل الفرخ إذا طلب الزّقّ من أبويه، فقالوا: ما لك ويلك! قلت: ليس هذا وقت الحديث، زقّوني مما معكم، فقد متّ ضرّا و جوعا منذ ثلاث، قال: فأطعموني حتى تراجعت نفسي، و حملوني معهم في محمل، ثم قالوا: أخبرنا بقصّتك، فحدّثتهم و أريتهم ضرسي المكسورة، فجعلوا يضحكون/و يصفّقون و قالوا: ويلك!من أين وقعت على هذا؟هذا من أبخل خلق اللّه و أدنئهم نفسا، فحلفت بالطّلاق أني لا أدخل المدينة ما دام له بها سلطان، فلم أدخلها حتى عزل.

[1]مد: «و أنكرهم» .

[2]ف: «و لا أنام» .

118

أشعب يسقط الغاضري‏

أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ، قال: حدّثنا يوسف بن إبراهيم، قال: حدّثنا إبراهيم بن المهديّ، قال:

حدّثني عبيدة بن أشعب، قال:

كان الغاضريّ مندر[1]أهل المدينة و مضحكهم قبل أبي، فأسقطه أبي و اطّرح، و كان الغاضريّ حسن الوجه مادّ القامة عبلا فخما، و كان أبي قصيرا دميما قليل اللّحم؛ إلاّ أنّه كان يتضرّم و يتوقّد ذكاء و حدّة و خفّة روح، و كان الغاضريّ يحسده إلا أنهما متساويان، و كان الغاضريّ لقيطا منبوذا لا يعرف له أب، فمرّ يوما-و معه فتية من قريش- بأبي في المسجد و قد تأذّي بثيابه فنزعها، و تجرّد و جلس عريانا، فقال لهم الغاضريّ: أنشدتكم اللّه هل رأيتم أعجب من هذه الخلقة!يريد خلقة أبي، فقال له أبي: إنّ خلقتي لعجيبة، و أعجب منها أنه زقّني‏[2]اثنان فصرت نضوا[3]، و زقّك واحد فصرت بختيّا[4]، قال: و أهل المدينة يسمون المهلوس‏[5]من الفراخ النّضو و المسرول‏[6]البختيّ، فغضب الغاضريّ عند ذلك و شتمه، فسقط و استبرد، و ترك النوادر بعد ذلك، و غلب أبي على أهل المدينة و استطابوه، و كان هذا سببه.

أشعب و زياد بن عبد اللّه الحارثي‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

/كان زياد بن عبد اللّه الحارثيّ أبخل خلق اللّه، فأولم وليمة لطهر بعض أولاده، و كان النّاس يحضرون و يقدّم الطّعام فلا يأكلون منه إلا تعلّلا و تشعّثا[7]لعلمهم به، فقدّم فيما قدّم جدي مشويّ فلم يعرض له أحد، و جعل يردّده على المائدة ثلاثة أيّام و الناس يجتنبونه إلى أن انقضت الوليمة، فأصغى أشعب إلى بعض من كان هناك فقال: امرأته الطّلاق إن لم يكن هذا الجدي بعد أن ذبح و شوي أطول عمرا و أمدّ حياة منه قبل أن يذبح، فضحك الرّجل، و سمعها زياد فتغافل.

غضبت سكينة عليه فأمرت بحلق لحيته‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، عن إسحاق، قال: حدّثني إبراهيم بن المهديّ، عن عبيدة بن أشعب، قال:

غضبت سكينة على أبي في شي‏ء خالفها فيه فحلفت لتحلقنّ لحيته، و دعت بالحجّام فقالت له: احلق لحيته، فقال له الحجّام: انفخ شدقيك حتى أتمكّن منك، فقال له: يا بن البظراء، أمرتك أن تحلق لحيتي أو تعلّمني الزّمر! خبّرني عن امرأتك إذا أردت أن تحلق/حرها تنفخ أشداقه!فغضب الحجّام و حلف ألاّ يحلق لحيته و انصرف، و بلغ سكينة الخبر و ما جرى بينهما فضحكت و عفت عنه.

[1]أندر: أتى بالنوادر من قول أو فعل فهو مندر.

[2]زق الطائر فرخه: أطعمه بفيه.

[3]النضو: المهزول.

[4]البختي: الواحد من الإبل الخراسانية.

[5]هلسه المرض: هزله فهو مهلوس.

[6]حمامة مسرولة: في رجليها ريش كأنه سراويل.

[7]تشعث من الطعام: أكل منه قليلا.

119

بين زياد بن عبد اللّه الحارثي و كاتبه‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أبو العيناء، عن الأصمعيّ، قال:

أهدى كاتب لزياد بن عبد اللّه الحارثيّ إليه طعاما، فأتي به و قد تغدّى فغضب و قال: ما أصنع به و قد أكلت؟ ادعوا أهل الصّفة[1]يأكلونه، فبعث إليهم و سأل/كاتبه: فيم دعا أهل الصّفّة؟فعرّف، فقال الكاتب: عرّفوه أنّ في السّلال أخبصة[2]و حلواء و دجاجا و فراخا، فأخبر بذلك، فأمر بكشفها، فلما رآها أمر برفعها فرفعت، و جاء أهل الصّفّة فأعلم، فقال: اضربوهم عشرين عشرين درّة، و احبسوهم فإنهم يفسون في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و يؤذون المصلّين، فكلّم فيهم، فقال: حلّفوهم ألاّ يعاودوا و أطلقوهم.

أشعب و أبان بن عثمان و الأعرابي‏

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا ابن زبالة، قال: حدثنا ابن زبنّج راوية ابن هرمة، عن أبيه، قال:

كان أبان بن عثمان من أهزل النّاس و أعبثهم‏[3]، و بلغ من عبثه أنه كان يجي‏ء باللّيل إلى منزل رجل في أعلى المدينة له لقب يغضب منه فيقول له: أنا فلان بن فلان، ثم يهتف بلقبه، فيشتمه أقبح شتم و أبان يضحك. فبينما نحن ذات يوم عنده و عنده أشعب إذ أقبل أعرابيّ و معه جمل له، و الأعرابيّ أشقر أزرق أزعر[4]غضوب يتلظّى كأنه أفعى، و يتبيّن الشّرّ في وجهه ما يدنو منه أحد إلا شتمه و نهره، فقال أشعب لأبان: هذا و اللّه من البادية[5]ادعوه، فدعي و قيل له: إن الأمير أبان بن عثمان يدعوك، فأتاه فسلّم عليه، فسأله أبان عن نسبه فانتسب له، فقال: حيّاك اللّه يا خالي، حبيب ازداد حبّا، فجلس، فقال له: إنّي في طلب جمل مثل جملك هذا منذ زمان فلم أجده كما أشتهي بهذه الصّفة، و هذه القامة، و اللون، و الصدر، و الورك، و الأخفاف، /فالحمد للّه الّذي جعل ظفري به من عند من أحبّه، أ تبيعه؟فقال: نعم أيها الأمير، فقال: فإنّي قد بذلت لك به مائة دينار-و كان الجمل يساوي عشرة دنانير- فطمع الأعرابيّ و سرّ و انتفخ، و بان السّرور و الطّمع في وجهه، فأقبل أبان على أشعب ثم قال له: ويلك يا أشعب!إنّ خالي هذا من أهلك و أقاربك-يعني في الطمع-فأوسع له ممّا عندك. فقال له: نعم بأبي أنت و زيادة، فقال له أبان: يا خالي، إنما زدتك في الثمن على بصيرة و إنما الجمل يساوي ستّين دينارا، و لكن بذلت لك مائة لقلّة النّفد عندنا، و إني أعطيك به عروضا[6]تساوي مائة، فزاد طمع الأعرابيّ و قال: قد قبلت ذلك أيّها الأمير، فأسرّ إلى أشعب، فأخرج شيئا مغطّى فقال له: أخرج ما جئت به، فأخرج جرد عمامة خزّ خلق تساوي أربعة دراهم، فقال له:

قوّمها يا أشعب، فقال له: عمامة الأمير تعرف به، و يشهد فيها الأعياد و الجمع و يلقى فيها الخلفاء؛ خمسون دينارا.

[1]أهل الصفة: فقراء المهاجرين و من لم يكن له منزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه.

[2]الأخبصة جمع خبيص؛ و هي الحلواء المخلوطة من التمر و السمن.

[3]مد، و نهاية الأرب 4: 34: «و أولعهم» .

[4]الأزعر: السيئ الخلق.

[5]ف: «الهابة» ، أي الصنف. يقال: هذا بابته: من الصنف الّذي يصلح للسخرية. و في معجم البلدان 1: 452: بابه: من قرى بخارى.

[6]العروض جمع عرض، و هو كل شي‏ء سوى الدراهم و الدنانير.

120

فقال: ضعها بين يديه. و قال لابن زبنج، أثبت قيمتها. فكتب ذلك، و وضعت العمامة بين يدي الأعرابيّ، فكاد يدخل بعضه في بعض غيظا، و لم يقدر على الكلام، ثم قال: هات قلنسوتي، فأخرج قلنسوة طويلة خلقة قد علاها الوسخ و الدّهن و تخرّقت، تساوي نصف درهم، فقال: قوّم، فقال: قلنسوة الأمر تعلو هامته/و يصلّي فيها الصّلوات الخمس، و يجلس للحكم؛ ثلاثون دينارا. قال: أثبت، فأثبت ذلك، و وضعت القلنسوة بين يدي الأعرابيّ، فتربّد وجهه و جحظت عيناه و همّ بالوثوب، ثم تماسك و هو متقلقل.

ثم قال لأشعب: هات ما عندك، فأخرج خفّين خلقين قد نقبا[1]و تقشّرا و تفتّقا، فقال له: قوّم، فقال: خفّا الأمير يطأ بهما الرّوضة، و يعلو بهما منبر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم؛ /أربعون دينارا. فقال: ضعهما بين يديه فوضعهما. ثم قال للأعرابيّ: اضمم إليك متاعك، و قال لبعض الأعوان: اذهب فخذ الجمل، و قال لآخر: امض مع الأعرابيّ فاقبض منه ما بقي لنا عليه من ثمن المتاع و هو عشرون دينارا، فوثب الأعرابيّ فأخذ القماش فضرب به وجوه القوم لا يألو في شدّة الرّمي به، ثم قال له: أ تدري أصلحك اللّه من أي شي‏ء أموت؟قال: لا، قال: لم أدرك أباك عثمان فأشترك و اللّه في دمه إذ ولد مثلك، ثم نهض مثل المجنون حتى أخذ برأس بعيره، و ضحك أبان حتى سقط و ضحك كلّ من كان معه. و كان الأعرابيّ بعد ذلك إذا لقي أشعب يقول له: هلمّ إليّ يا بن الخبيثة حتى أكافئك على تقويمك المتاع يوم قوّم، فيهرب أشعب منه.

يخشى أن تحسده العجوز على خفة موته‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنيّ، قال: حدّثني شيخ من أهل المدينة، قال:

كانت بالمدينة عجوز شديدة العين، لا تنظر إلى شي‏ء تستحسنه إلا عانته‏[2]، فدخلت على أشعب و هو في الموت، و هو يقول لبنته: يا بنيّة، إذا متّ فلا تندبيني، و الناس يسمعونك، فتقولين: وا أبتاه أندبك للصّوم و الصّلوات، وا أبتاه أندبك للفقه و القراءة، فيكذّبك النّاس و يلعنوني. و التفت أشعب فرأى المرأة، فغطّى وجهه بكمّه و قال لها: يا فلانة باللّه إن كنت استحسنت شيئا ممّا أنا فيه فصلّي على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لا تهلكيني. فغضبت المرأة و قالت: سخنت عينك‏[3]، في أيّ شي‏ء أنت مما يستحسن!أنت في آخر رمق!قال: قد علمت و لكن قلت لئلا تكوني/قد استحسنت خفّة الموت عليّ و سهولة النّزع، فيشتدّ ما أنا فيه. و خرجت من عنده و هي تشتمه، و ضحك كلّ من كان حوله من كلامه، ثم مات.

أمثلة من طرائفه و طمعه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا أحمد بن أبي طاهر، قال: حدّثنا أبو أيوب المدينيّ، عن مصعب، قال:

لاعب أشعب رجلا بالنّرد، فأشرف على أن يقمره إلا بضرب دو يكين، و وقع الفصّان في يد ملاعبه، فأصابه [1]نقبا: تخرقا.

[2]عانته: حسدته.

[3]سخنت عينك، نقيض قرّت. ـ

121

زمع‏[1]و جزع، فضرب يكين و ضرط مع الضّربة فقال له أشعب: امرأته طالق إن لم أحسب لك الضّرطة بنقطة حتى يصير لك اليكّان دو و يك و تقمر[2]. و سلّم له القمر بسبب الضّرطة.

أخبرني الحسن، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثني أبو أيّوب، عن حمّاد، عن ابن إسحاق، عن أبيه، قال:

قال رجل لأشعب: كان أبوك ألحى و أنت أثطّ[3]فإلى من خرجت؟قال: إلى أمّي، فمرّ الرجل و هو يعجب من جوابه، و كان رجلا صالحا.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثني الرّياشيّ، قال:

سمعت أبا عاصم النّبيل يقول: رأيت أشعب و سأله رجل: ما بلغ من طمعك؟قال: ما زفّت عروس بالمدينة إلى زوجها قطّ إلا فتحت بابي، رجاء أن تهدي إليّ.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، عن عمّه، قال:

تظلّمت/امرأة أشعب منه إلى أبي بكر محمد[4]بن عمرو بن حزم و قالت: /لا يدعني أهدأ من كثرة الجماع، فقال له أشعب: أ تراني أعلف و لا أركب، لتكفّ ضرسها لأكفّ أيري.

قال: و شكا خال لأشعب إليه امرأته و أنها تخونه في ماله، فقال له: فديتك لا تأمنن قحبة، و لو أنّها أمّك، فانصرف عنه و هو يشتمه.

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني قعنب بن المحرز، عن الأصمعيّ، عن جعفر بن سليمان، قال:

قدم علينا أشعب أيّام أبي جعفر، فأطاف به فتيان بني هاشم، و سألوه أن يغنّي فغنّاهم فإذا ألحانه مطربة[5] و حلقه على حاله، فسألوه: لمن هذا اللّحن:

لمن طلل بذات الجـ # يش أمسى دارسا خلقا؟

فقال: للدلال، و أخذته عن معبد، و لقد كنت آخذ عنه الصوت، فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب فإنه أحسن أداء له مني.

الحسن بن الحسن بن علي يعبث به‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: ذكر الزّبير بن بكّار، عن شعيب بن عبيدة بن أشعب، عن أبيه، قال:

كان الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام يعبث بأبي أشدّ عبث، و ربما أراه في عبثه أنه قد ثمل و أنه يعربد عليه، ثم يخرج إليه بسيف مسلول و يريه أنه يريد قتله، فيجري بينهما في ذلك كلّ مستمع، فهجره أبي مدّة طويلة، ثم لقيه يوما، فقال له: يا أشعب، هجرتني و قطعتني و نسيت عهدي، فقال له: بأبي أنت و أمّي، لو كنت تعربد بغير السّيف ما هجرتك، و لكن ليس مع السّيف لعب، فقال له: فأنا أعفيك من هذا فلا تراه منّي أبدا، [1]الزمع: الدهش و الخوف.

[2]قمره قمرا: غلبه في لعب القمار.

[3]الأثط: الّذي لا لحية له.

[4]ب، س: «إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم» .

[5]ف: «فإذا ألحانه طريّة» .

122

و هذه عشرة دنانير، و لك حماري الّذي/تحتي أحملك عليه، و صر إليّ و لك الشرط ألاّ ترى في داري سيفا، قال:

لا و اللّه أو تخرج كلّ سيف في دارك قبل أن نأكل قال: ذلك لك، قال: فجاءه أبي، و وفّى له بما قال من الهبة و إخراج السّيوف، و خلّف عنده سيفا في الدار، فلما توسّط الأمر قام إلى البيت فأخرج السيف مشهورا، ثم قال:

يا أشعب إنما أخرجت هذا السيف لخير أريده بك، قال: بأبي أنت و أمّي، و أيّ خير يكون مع السّيف؟أ لست تذكر الشرط بيننا؟قال له: فاسمع ما أقول لك، لست أضربك به، و لا يلحقك منه شي‏ء تكرهه، و إنما أريد أن أضجعك و أجلس على صدرك، ثم آخذ جلدة حلقك بإصبعي من غير أن أقبض على عصب و لا ودج و لا مقتل، فأحزّها بالسيف، ثم أقوم عن صدرك و أعطيك عشرين دينارا، فقال: نشدتك اللّه يا بن رسول اللّه ألاّ تفعل بي هذا!و جعل يصرخ و يبكي و يستغيث، و الحسن لا يزيده على الحلف له أنه لا يقتله، و لا يتجاوز به أن يحزّ جلده فقط، و يتوعّده مع ذلك بأنّه إن لم يفعله طائعا فعله كارها، حتى إذا طال الخطب بينهما، و اكتفى الحسن من المزح معه، أراه أنّه يتغافل عنه، و قال له: أنت لا تفعل هذا طائعا، و لكن أجي‏ء بحبل فأكتفك به، و مضى كأنه يجي‏ء بحبل، فهرب أشعب و تسوّر حائطا بينه و بين عبد اللّه بن حسن أخيه فسقط إلى داره، فانفكّت رجله و أغمي عليه، فخرج عبد اللّه فزعا، فسأله عن قصته، فأخبره، فضحك منه و أمر له بعشرين دينارا، و أقام في منزله/يعالجه و يعوله إلى أن صلحت حاله. قال: و ما رآه الحسن بن الحسن بعدها.

و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمّي، قال:

دعا حسن بن حسن بن عليّ عليهم السّلام أشعب، فأقام عنده، فقال لأشعب يوما: أنا أشتهي كبد هذه الشّاة -لشاة عنده عزيزة عليه فارهة-فقال له أشعب: /بأبي أنت و أمّي اعطنيها و أنا أذبح لك أسمن شاة بالمدينة، فقال:

أخبرك أني أشتهي كبد هذه و تقول لي: أسمن شاة بالمدينة، اذبح يا غلام، فذبحها و شوى له من كبدها و أطايبها، فأكل. ثم قال لأشعب من الغد: يا أشعب أنا أشتهي من كبد نجيبي هذا-لنجيب كان عنده ثمنه ألوف دراهم-فقال له أشعب: يا سيدي في ثمن هذا و اللّه غناي، فأعطنيه و أنا و اللّه أطعمك من كبد كلّ جزور بالمدينة، فقال: أخبرك أنّي أشتهي من كبد هذا و تطعمني من غيره!يا غلام انحر، فنحر النّجيب و شوى كبده فأكلا، فلما كان اليوم الثالث قال له: يا أشعب، أنا و اللّه أشتهي أن آكل من كبدك، فقال له: سبحان اللّه أ تأكل من أكباد النّاس!قال: قد أخبرتك، فوثب أشعب فرمى بنفسه من درجة عالية فانكسرت رجله، فقيل له: ويلك أ ظننت أنّه يذبحك؟فقال: و اللّه لو أنّ كبدي و جميع أكباد العالمين جميعا اشتهاها لأكلها. و إنّما فعل حسن بالشّاة و النّجيب ما فعل توطئة للعبث بأشعب.

تمت أخباره.

صوت‏

ألمّت خناس و إلمامها # أحاديث نفس و أحلامها

يمانية من بني مالك # تطاول في المجد أعمامها

الشعر لعويف القوافي الفزاريّ و الغناء للهذليّ رمل بالوسطى، عن عمرو، و ذكر حمّاد[1]بن إسحاق، عن أبيه أن فيه لحنا لجميلة و لم يذكر طريقته، و فيه لأبي العبيس بن حمدون خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى.

[1]مد: «أحمد بن إسحاق» .

123

9-أخبار عويف و نسبه‏

نسبه‏

هو عويف بن معاوية بن عقبة بن حصن، و قيل: ابن عقبة بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤيّة بن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.

و عويف القوافي شاعر مقلّ من شعراء الدّولة الأمويّة من ساكني الكوفة، و بيته أحد البيوت المقدّمة الفاخرة في العرب.

بيوتات العرب المشهورة بالشرف ثلاثة

قال أبو عبيدة: حدّثني أبو عمرو بن العلاء أنّ العرب كانت تعدّ البيوتات المشهورة بالكبر و الشّرف من القبائل بعد بيت هاشم بن عبد مناف في قريش ثلاثة بيوت، و منهم من يقول أربعة، أولها بيت آل حذيفة بن بدر الفزاريّ بيت قيس، و بيت آل زرارة بن عدس الدّارميّين بيت تميم، و بيت آل ذي الجدّين بن عبد اللّه بن همّام بيت شيبان، و بيت بني الدّيان من بني الحارث بن كعب بيت اليمن.

و أما كندة فلا يعدّون/من أهل البيوتات، إنما كانوا ملوكا.

كسرى يسأل النعمان عن شرف القبيلة

و قال ابن الكلبيّ: قال كسرى للنّعمان: هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة؟قال: نعم. قال: بأيّ شي‏ء؟ قال: من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء، ثم اتّصل ذلك بكمال الرّابع، و البيت من قبيلته فيه، قال: فاطلب لي ذلك، فطلبه فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر بيت قيس بن عيلان، و آل حاجب بن زرارة بيت تميم، و آل ذي الجدّين بيت شيبان، و آل الأشعث بن قيس بيت كندة. قال: فجمع هؤلاء/الرّهط و من تبعهم من عشائرهم، فأقعد لهم الحكّام العدول، فأقبل من كلّ قوم منهم شاعرهم، و قال لهم: ليتكلّم كلّ رجل منكم بمآثر قومه و فعالهم، و ليقل شاعرهم فيصدق، فقام حذيفة بن بدر-و كان أسنّ القوم و أجرأهم مقدما-فقال: لقد علمت معدّ أنّ منا الشّرف الأقدم، و العزّ الأعظم، و مأثرة الصّنيع الأكرم، فقال من حوله: و لم ذاك يا أخا فزارة؟فقال: ألسنا الدّعائم الّتي لا ترام، و العزّ الّذي لا يضام!قيل له: صدقت، ثم قام شاعرهم فقال:

فزارة بيت العزّ و العزّ فيهم # فزارة قيس حسب قيس نضالها

لها العزّة القعساء و الحسب الّذي # بناه لقيس في القديم رجالها

فمن ذا إذا مدّ الأكفّ إلى العلا # يمدّ بأخرى مثلها فينالها

فهيهات قد أعيا القرون مضت # مآثر قيس مجدها و فعالها

124

و هل أحد إن مدّ يوما بكفّه # إلى الشمس في مجرى النّجوم ينالها!

و إن يصلحوا يصلح لذاك جميعنا # و إن يفسدوا يفسد على النّاس حالها[1]

ثم قام الأشعث بن قيس-و إنّما أذن له أن يقوم قبل ربيعة و تميم لقرابته بالنّعمان-فقال: لقد علمت العرب أنّا نقاتل عديدها الأكثر، و قديم زحفها الأكبر، و أنا غياث اللّزبات‏[2]. فقالوا: لم يا أخا كندة؟قال: لأنّا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه، و تقلّدنا منكبه الأعظم، و توسّطنا بحبوحة الأكرم، ثم قام شاعرهم فقال:

/

إذا قست أبيات الرّجال ببيتنا # وجدت له فضلا على من يفاخر

فمن قال: كلاّ أو أتانا بخطّة # ينافرنا يوما فنحن نخاطر

تعالوا فعدّوا يعلم النّاس أيّنا # له الفضل فيما أورثته الأكابر

ثم قام بسطام بن قيس فقال: لقد علمت ربيعة أنّا بناة بيتها الّذي لا يزول، و مغرس عزّها الّذي لا ينقل، قالوا: و لم يا أخا شيبان؟قال: لأنّا أدركهم للثّأر، و أقتلهم للملك الجبّار، و أقولهم للحقّ، و ألدّهم للخصم، ثم قام شاعرهم فقال:

لعمري لبسطام أحقّ بفضلها # و أولى ببيت العزّ عزّ القبائل

فسائل-أبيت اللّعن-عن عزّ قومنا # إذا جدّ يوم الفخر كلّ مناضل

أ لسنا أعزّ النّاس قوما و أسرة # و أضربهم للكبش‏[3]بين القبائل

فيخبرك الأقوام عنها فإنها[4] # وقائع ليست نهزة للقبائل

/وقائع عزّ كلّها ربعيّة # تذلّ لهم فيها رقاب المحافل

إذا ذكرت لم ينكر النّاس فضلها # و عاذ بها من شرّها كلّ قائل

و إنّا ملوك النّاس في كل بلدة # إذا نزلت بالنّاس إحدى الزّلازل‏

ثم قام حاجب بن زرارة فقال: لقد علمت معدّ أنّا فرع دعامتها، و قادة زحفها، فقالوا له: بم ذاك يا أخا بني تميم؟قال: لأنّا أكثر الناس إذا نسبنا عددا[5]، و أنجبهم ولدا، و أنّا أعطاهم للجزيل، و أحملهم للثّقيل، ثم قام شاعرهم فقال:

لقد علمت أبناء[6]خندف أنّنا # لنا العزّ قدما في الخطوب الأوائل

و أنّا هجان‏[7]أهل مجد و ثروة # و عزّ قديم ليس بالمتضائل

/فكم فيهم من سيّد و ابن سيّد # أغرّ نجيب ذي فعال و نائل‏

[1]ف، المختار:

فإن تصالحوا نصلح كذاك جميعنا # و إن تفسدوا يفسد على الناس حلها

[2]اللزبات جمع لزبة، و هي الشدة أو القحط.

[3]الكبش هنا: سيد القوم و قائدهم، و قيل: المنظور إليهم فيهم.

[4]ف:

«فيخبرك الأقوام عنا بأنها»

.

[5]مي، مد: «إذا شئنا عديدا» .

[6]مد: «آباء» .

[7]الهجان: أخيار و الخالص من كل شي‏ء، يستوي فيه المذكر و المؤنث و المفرد و المثنى و الجمع.

125

فسائل-أبيت اللّعن-عنّا فإنّنا # دعائم هذا النّاس عند الجلائل‏

ثم قام قيس بن عاصم فقال: لقد علم هؤلاء أنّا أرفعهم في المكرمات دعائم، و أثبتهم في النّائبات مقاوم، قالوا: و لم ذاك يا أخا بني سعد؟قال: لأنّا أمنعهم للجار، و أدركهم للثأر، و أنّا لا ننكل‏[1]إذا حملنا، و لا نرام إذا حللنا، ثم قام شاعرهم فقال:

لقد علمت قيس و خندف كلّها # و جلّ تميم و الجموع الّتي ترى‏[2]

بأنّا عماد في الأمور و أنّنا # لنا الشّرف الضّخم المركّب في النّدى

و أنّا ليوث النّاس في كل مأزق # إذا اجتزّ بالبيض الجماجم و الطّلى‏[3]

و أنّا إذا داع دعانا لنجدة # أجبنا سراعا في العلا ثمّ من دعا

فمن ذا ليوم الفخر يعدل عاصما # و قيسا إذا مدّ الأكفّ إلى العلا

فهيهات قد أعيا الجميع فعالهم # و فاتوا بيوم الفخر مسعاة من سعى‏

فلما سمع كسرى ذلك منهم قال‏[4]: ليس منهم إلا سيّد يصلح لموضعه، فأثنى حباءهم.

سبب تسميته عويف القوافي‏

و إنّما قيل لعويف: عويف القوافي لبيت قاله، نسخت خبره في ذلك من كتاب محمد بن الحسن بن دريد و لم أسمعه منه. قال: أخبرنا السّكن بن سعيد، عن محمد بن عبّاد، عن ابن الكلبيّ، قال:

أقبل عويف القوافي-و هو عويف بن معاوية بن عقبة بن حصن بن حذيفة/الفزاريّ، و إنّما قيل له عويف القوافي، كما حدّثني عمّار بن أبان بن سعيد بن عيينة، ببيت قاله:

سأكذب من قد كان يزعم أنّني # إذا قلت قولا لا أجيد القوافيا

قال: فوقف على جرير بن عبد اللّه البجليّ و هو في مجلسه‏[5]فقال:

أصبّ على بجيلة من شقاها # هجائي حين أدركني المشيب‏

فقال له جرير: أ لا أشتري منك أعراض بجيلة؟قال: بلى، قال: بكم؟قال: بألف درهم و برذون، فأمر له بما طلب فقال:

لو لا جرير هلكت بجيله # نعم الفتى و بئست القبيله‏

فقال جرير: ما أراهم نجوا منك بعد.

نسخت من كتاب أبي سعيد السكريّ في كتاب/ «من قال بيتا فلقّب به» قال: أخبرني محمد بن حبيب قال:

و إنّما قيل لعويف: عويف القوافي لقوله، و قد كان بعض الشعراء عيّره بأنّه لا يجيد الشّعر، فقال أبياتا منها:

[1]ف: «نتكل» .

[2]ف، مي، مد:

«و الجموع الّذي ترى»

.

[3]الطّلى: الرقاب. و في ف:

«إذا اختل بالبيض الجماجم و الطلى»

.

[4]في مد: «قال لقيس: ما منهم إلا سيد... الخ» .

[5]ب: «في مسجده» .

126

سأكذب من قد كان يزعم أنّني # إذا قلت شعرا[1]لا أجيد القوافيا

فسمّي عويف القوافي.

قصته مع عبد الملك بن مروان‏

أخبرنا محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثني أحمد[2]بن إسحاق، عن أبيه، قال: حدّثني عزيز بن طلحة بن عبد اللّه بن عثمان بن الأرقم المخزوميّ، قال: حدّثني غير واحد من مشيخة قريش، قالوا:

لم يكن رجل من ولاة أولاد عبد الملك بن مروان كان أنفس على قومه، و لا أحسد/لهم من الوليد بن عبد الملك. فأذن يوما للنّاس فدخلوا عليه؛ و أذن للشّعراء، فكان أوّل من بدر بين يديه عويف القوافي الفزاريّ، فاستأذنه في الإنشاد فقال: ما بقّيت لي بعد ما قلت لأخي بني زهرة!قال: و ما قلت له مع ما قلت لأمير المؤمنين؟ قال: أ لست الّذي تقول:

يا طلح أنت أخو النّدى و حليفه # إنّ النّدى من بعد طلحة ماتا

إنّ الفعال إليك أطلق رحله # فبحيث بتّ من المنازل باتا

أ و لست الّذي تقول:

إذا ما جاء يومك يا بن عوف # فلا مطرت على الأرض السّماء

و لا سار البشير[3]بغنم جيش # و لا حملت على الطّهر النّساء

تساقى الناس بعدك يا بن عوف # ذريع الموت ليس له شفاء

أ لم تقم علينا السّاعة يوم قامت عليه؟لا و اللّه لا أسمع منك شيئا، و لا أنفعك بنافعة أبدا، أخرجوه عنّي.

قصته مع طلحة أخي بني زهرة

فلما أخرج قال له القرشيّون و الشاميّون: و ما الّذي أعطاك طلحة حين استخرج هذا منك؟قال: أما و اللّه لقد أعطاني غيره أكثر من عطيّته، و لكن لا و اللّه ما أعطاني أحد قطّ أحلى في قلبي و لا أبقى شكرا و لا أجدر ألاّ أنساها ما عرفت الصّلات من عطيّته، قالوا: و ما أعطاك؟قال: قدمت المدينة و معي بضيعة[4]لي لا تبلغ عشرة دنانير، أريد أن أبتاع قعودا من قعدان الصّدقة، فإذا برجل في صحن السّوق على طنفسة[5]قد طرحت له، و إذا النّاس حوله، و إذا بين يديه إبل معلوفة[6]له، فظننت/أنه عامل السّوق، فسلّمت عليه، فأثبتني و جهلته، فقلت: أي رحمك اللّه، هل أنت معيني ببصرك على قعود من هذه القعدان تبتاعه لي؟فقال: نعم، أو معك ثمنه؟فقلت: نعم، فأهوى بيده إليّ فأعطيته بضيعتي، فرفع طنفسته و ألقاها تحتها، و مكث طويلا، ثم قمت إليه فقلت: أي رحمك اللّه، انظر في حاجتي فقال: ما منعني منك إلا النّسيان، أ معك حبل؟قلت: نعم، قال: هكذا أفرجوا، فأفرجوا عنه حتى استقبل [1]ف:

«إذا قلت قولا»

.

[2]ف: «حماد بن إسحاق» .

[3]ف، التجريد، مد: «العزيز» .

[4]بضيعة: تصغير بضاعة، و هي مقدار من المال، يعد للتجارة.

[5]الطنفسة: البساط.

[6]مي، المختار: «معقولة» .

127

الإبل الّتي بين يديه، فقال: اقرن‏[1]هذه و هذه و هذه، فما برحت حتى أمر لي بثلاثين بكرة أدنى بكرة منها-و لا دنيّة فيها-خير من بضاعتي. ثم رفع طنفسته فقال: و شأنك ببضاعتك فاستعن بها على من ترجع إليه، فقلت: أي رحمك اللّه، أ تدري ما تقول!فما بقي عنده إلا من نهرني و شتمني، ثم بعث معي نفرا فأطردوها حتى أطلعوها من رأس/الثّنيّة، فو اللّه لا أنساه ما دمت حيّا أبدا.

و هذا الصّوت المذكور تمثّل به إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ يوم مقتله.

حدّثني ابن عبيد اللّه‏[2]بن عمّار، قال: حدّثني ميسرة بن سيّار[3]أبو محمد، قال: حدّثني إبراهيم بن علي الرّافقيّ، عن المفضّل الضّبّيّ، و حدّثنا يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم، و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا:

حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني عبد الملك بن سليمان، عن عليّ بن الحسن، عن المفضّل الضّبّيّ؛ و رواية ابن عمّار أتمّ من هذه الرّواية[4].

/و نسخت هذا الخبر أيضا من بعض الكتب عن أبي حاتم السّجستانيّ، عن أبي عثمان اليقطريّ‏[5]، عن أبيه، عن المفضّل، و هو أتم الرّوايات، و أكثر اللفظ له قال:

قال المفضّل: خرجت مع إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن حسن، فلمّا صار بالمربد، وقف على رأس سليمان بن عليّ فأخرج إليه صبيان من ولده، فضمّهم‏[6]إليه و قال: هؤلاء و اللّه منّا و نحن منهم، إلا أنّ آباءهم فعلوا بنا و صنعوا، و ذكر كلاما يعتدّ عليهم فيه بالإساءة، ثم توجّه لوجهه و تمثّل:

مهلا بني عمّنا ظلامتنا # إنّ بنا سورة من القلق

لمثلكم نحمل السيوف و لا # تغمز أحسابنا من الدّقق‏[7]

إنّي لأنمي إذا انتميت إلى # عزّ عزيز و معشر صدق

بيض سباط كأنّ أعينهم # تكحل يوم الهياج بالعلق‏[8]

فقلت: ما أفحل هذه الأبيات، فلمن هي؟قال: لضرار بن الخطّاب الفهريّ، قالها يوم الخندق، و تمثّل بها عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يوم صفّين، و الحسين بن عليّ يوم قتل، و زيد بن عليّ عليهم السّلام، و لحق القوم، ثم مضى إلى باخمرى‏[9]، فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد، فتمثّل:

نبّئت أنّ بني ربيعة أجمعوا # أمرا خلالهم لتقتل خالدا

إن يقتلوني لا تصب أرماحهم # ثأري و يسعى القوم سعيا جاهدا

[1]ف: «اقترن» .

[2]ف: «أحمد بن عبيد اللّه بن عمار» .

[3]ف، مي: «ميسرة بن حسان» .

[4]مي: «أتم الروايات» .

[5]ف: «القطيني» .

[6]ف: «صبيّان من ولده فضمهما إليه» .

[7]الدّقق: جمع داق و هم المظهرون عيوب الناس. و في ب: «من الرفق» .

[8]العلق جمع علوق، و هي المنية. و في ف، مي، مد: «بالزرق» .

[9]باخمري: موضع بين الكوفة و واسط، و هو إلى الكوفة أقرب؛ «معجم البلدان» .

128

أرمي الطريق و إن صددت بضيقه # و أنازل البطل الكميّ الجاحدا

/فقلت: لمن هذه الأبيات؟فقال: للأحوص بن جعفر بن كلاب، تمثّل بها يوم شعب جبلة، و هو اليوم الّذي لقيت فيه قيس تميما، قال: و أقبلت عساكر أبي جعفر، فقتل من أصحابه و قتل من القوم، و كاد أن يكون الظّفر له‏[1].

قال ابن عمّار في حديثه: قال المفضّل: فقال لي: حرّكني بشي‏ء، فأنشدته هذه الأبيات:

ألا أيّها النّاهي فزارة بعد ما # أجدّت بسير إنما أنت حالم

أبى كلّ حرّ أن يبيت بوتره # و يمنع منه النوم إذا أنت نائم

أقول لفتيان العشيّ: تروّحوا # على الجرد في أفواههنّ الشّكائم

قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها # و من يخترم لا تتّبعه اللّوائم

و هل أنت إن باعدت نفسك منهم # لتسلم فيما بعد ذلك سالم‏

فقال لي: أعد، فتنبّهت، و ندمت، فقلت: أو غير ذلك؟فقال: لا، أعدها، فأعدتها، فتمطّى في ركابيه حتى خلته قد قطعهما، ثم خمل فكان آخر العهد به.

هذه رواية ابن عمّار، و في الرواية الأخرى/: فحمل فطعن رجلا، و طعنه آخر، فقلت: أ تباشر الحرب بنفسك و العسكر منوط بك؟فقال: إليك يا أخا بني ضبّة، كأنّ عويفا أخا بني فزارة نظر في يومنا هذا حيث يقول:

ألمّت خناس و إلمامها # أحاديث نفس و أحلامها[2]

يمانيّة من بني مالك # تطاول في المجد أعمامها

/و إنّ لنا أصل جرثومة # تردّ الحوادث أيّامها

تردّ الكتيبة مغلولة # بها أفنها و بها آمها[3]

قال: و جاءه السّهم العائر[4]فشغله عني.

اعترض عمر بن عبد العزيز و أسمعه شعرا

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثني محمد بن معاوية الأسديّ، قال: حدّثني أصحابنا الأسديّون، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ، قال:

حضرت مع عمر بن عبد العزيز جنازة، فلما انصرف انصرفت معه، و عليه عمامة قد سدلها من خلفه، فما علمت به حتى اعترضه رجل على بعير فصاح به:

أجبني أبا حفص لقيت محمدا # على حوضه مستبشرا و رآكا[5]

[1]مي: «الغزو له» .

[2]ب: «و أسقامها» .

[3]ب: «و بها ذامها» . و الأفن: ضعف الرأي، و الآم: العيب و النقص.

[4]العائر من السهام: ما لا يدري راميه. و في ف: «العابر» .

[5]ف:

«على حوضه يحظيك منه دراكا»

. و في المختار:

«على حوضه يسقى به و يراكا»

. و في الخزانة 3: 88:

«على حوضه مستبشرا و أراكا»

.

129

فقال له عمر: لبّيك، و وقف و وقف النّاس معه، ثم قال له: فمه، فقال:

فأنت امرؤ كلتا يديك مفيدة # شمالك خير من يمين سواكا

قال: ثم مه، فقال:

بلغت مدى المجرين قبلك إذ جروا # و لم يبلغ المجرون بعد مداكا[1]

فجدّاك لا جدّين أكرم منهما # هناك تناهي المجد ثم هناكا

فقال له عمر: ألا أراك شاعرا!ما لك عندي من حقّ، قال: لا، و لكني سائل/و ابن سبيل و ذو سهمة[2].

فالتفت عمر إلى قهرمانه فقال: أعطه فضل نفقتي، قال: و إذا هو عويف القوافي الفزاريّ.

هجا بني مرة

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة، قال:

لما كان يوم ابن جرح، و افتتلت‏[3]بنو مرّة و بنو حنّ بن عذرة، قال عويف القوافي لبني مرّة يهجوهم و يوبّخهم بتركهم نصرهم:

كنّا لكم يا مرّ أمّا حفيّة # و كنتم لنا يا مرّ بوّا[4]مجلّدا

و كنتم لنا سيفا و كنّا وعاءه # إذا نحن خفنا أن يكلّ فيغمدا

عقيل بن علفة يجيبه بقصيدة

فأجابه عقيل بن علّفة بقصيدته الّتي أوّلها:

أ ماويّ إنّ الركب مرتحل غدا # و حقّ ثويّ نازل أن يزوّدا

يقول فيها يخاطب عويفا:

إذا قلت: قد سامحت سهما و مازنا[5] # أبى النّسب الدّاني و كفرهم اليدا

و قد أسلموا أستاههم لقبيلة # قضاعيّة يدعون حنّا[6]و أصيدا

فما كنت أمّا بل جعلتك لي أخا # و قد كنت في النّاس الطّريد المشرّدا

عويف استها قد رمت ويلك مجدنا # قديما فلم تعد الحمار المقيّدا

/و لو أنّني يوم ابن جرح لقيتهم # لجرّدت في الأعداء عضبا مهنّدا

و أبيات عويف هذه يقولها يوم مرج راهط؛ و هي الحرب الّتي كانت بين قيس و كلب.

[1]ف، المختار:

«و لن يدرك المجرون بعد مداكا»

.

[2]السّهمة: القرابة، و النصيب، و القسمة، و في المختار: «و ذو نهمة» .

[3]ف: «و أقبلت بنو مرة» .

[4]البو: جلد ولد الناقة يحشى تبنا بعد موته و يقرب من أمه لتدرّ عليه.

[5]ف:

«أيا قلب قد سامحت شمخا و مازنا»

.

[6]حن: أبو حي من عذرة.

130

يوم مرج راهط

أخبرني بالسّبب فيه أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: أخبرني سليمان بن أيّوب بن أعين أبو أيّوب المدينيّ‏[1]، قال: حدّثنا المدائنيّ، قال:

كان بدء حرب قيس و كلب في فتنة ابن الزّبير ما كان من وقعة مرج راهط، و كان من قصّة المرج أنّ مروان بن الحكم بن أبي العاص قدم بعد هلاك يزيد بن معاوية و النّاس يموجون، و كان سعيد بن بحدل الكلبيّ على قنّسرين، فوثب عليه زفر بن الحارث فأخرجه منها و بايع لابن الزّبير، فلما قعد زفر على المنبر قال: الحمد للّه الّذي أقعدني مقعد الغادر الفاجر، و حصر، فضحك الناس من قوله، و كان النّعمان بن بشير على حمص، فبايع لابن الزّبير. و كان حسّان‏[2]بن بحدل على فلسطين و الأردنّ، فاستعمل على فلسطين روح بن زنباع الجذاميّ، و نزل هو الأردنّ فوثب نابل بن قيس الجذاميّ على روح بن زنباع، فأخرجه من فلسطين و بايع لابن الزّبير.

موقف الضحاك بن قيس الفهري‏

و كان الضّحّاك بن قيس الفهريّ عاملا ليزيد بن معاوية على دمشق حتى هلك، فجعل يقدّم رجلا و يؤخّر أخرى، إذا جاءته اليمانية و شيعة بني أميّة أخبرهم أنه أمويّ، و إذا جاءته القيسيّة أخبرهم أنه يدعو إلى ابن الزّبير، فلما قدم مروان قال له الضّحّاك: هل لك أن تقدم على ابن الزّبير ببيعة أهل الشام؟قال: نعم، و خرج من عنده، فلقيه عمرو بن سعيد بن العاص، و مالك بن هبيرة، و حصين بن نمير الكنديّان، و عبيد اللّه بن زياد، فسألوه عمّا أخبره به الضّحّاك، فأخبرهم، فقالوا له: أنت شيخ بني أميّة، و أنت عمّ الخليفة، هلمّ نبايعك. فلما فشا ذلك أرسل الضّحّاك إلى بني أميّة/يعتذر إليهم، و يذكر حسن بلائهم عنده، و أنّه لم يرد شيئا يكرهونه، فاجتمع مروان بن الحكم، و عمرو بن سعيد بن العاص، و خالد و عبد اللّه ابنا يزيد بن معاوية و قال لهم: اكتبوا إلى حسّان بن بحدل فليسر من الأردنّ حتى ينزل الجابية، و نسير من هاهنا حتى نلقاه، فيستخلف رجلا ترضونه، فكتبوا إلى حسّان، فأقبل في أهل الأردنّ، و سار الضّحّاك بن قيس و بنو أميّة في أهل دمشق، فلما استقلّت الرّايات من جهة دمشق، قالت القيسيّة للضّحّاك: دعوتنا لبيعة ابن الزّبير، و هو رجل هذه الأمّة، فلما تابعناك خرجت تابعا لهذا الأعرابيّ من كلب تبايع لابن أخته تابعا له، قال: فتقولون ما ذا؟قالوا: نقول: أن تنصرف و تظهر بيعة ابن الزّبير و نظهرها معك، فأجابهم إلى ذلك، و سار حتى نزل مرج راهط، و أقبل حسّان حتى لقي مروان بن الحكم، فسار حتى دخل دمشق، فأتته اليمانية تشكر بلاء بني أميّة، فساروا مع مروان حتى نزلوا المرج على الضّحّاك، و هم نحو سبعة آلاف، و الضّحّاك في نحو من ثلاثين ألفا، فلقوا الضّحّاك، فقتل الضحّاك، و قتل معه أشراف من قيس، فأقبل زفر هاربا من وجهه ذاك حتى دخل قرقيسيا، و أقام عمير بن الحباب شيئا على طاعة بني مروان، ثم أقبل حتى دخل قرقيسيا على زفر فأقام معه، و ذلك بعد يوم خازر[3]حين قتل عبيد اللّه/بن زياد.

[1]ب: «المدائنيّ» .

[2]ف: «جساس» .

[3]خازر: نهر بين إربل و الموصل، يصب في دجلة عن (معجم البلدان) .

131

ما قيل في يوم المرج‏

و أقبل زفر يبكي قتلى المرج و يقول:

لعمري لقد أبقت وقيعة راهط # لمروان صدعا بيننا متنائيا

أ تذهب كلب لم تنلها رماحنا # و يترك قتلى راهط هي ماهيا!

/فقد ينبت المرعى على دمن الثّرى # و تبقى حزازات النّفوس كما هيا

أبعد ابن صقر و ابن عمرو تتابعا # و مصرع همّام أمنّى الأمانيا[1]!

فقال ابن المخلاة الكلبيّ يجيبه:

لعمري لقد أبقت وقيعة راهط # على زفر داء من الدّاء باقيا

تبكّي على قتلى سليم و عامر # و ذبيان مغرورا[2]و تبكى البواكيا

و قال ابن المخلاة في يوم المرج:

و يوم ترى الرّايات فيه كأنّها # حوائم طير مستدير و واقع

مضى أربع بعد اللّقاء و أربع # و بالمرج باق من دم القوم‏[3]ناقع

طعنّا زيادا في استه و هو مدبر # و ثور أصابته السّيوف القواطع

و نجّى حبيشا ملهب‏[4]ذو علالة # و قد جذّ من يمنى يديه الأصابع

و قد شهد الصّفّين عمرو بن محرز # فضاق عليه المرج و المرج واسع‏

و قال رجل من بني عذرة:

سائل بني مروان أهل العجّ‏[5] # رهط النّبيّ و ولاة الحجّ

عنّا و عن قيس غداة المرج # إذ يثقفون ثقفا بنجّ‏[6]

تسديس أطراف القنا المعوجّ # إذ أخلف الضّحّاك ما يرجّي

مذ تركوا من بعد طول هرج‏[7] # لحم ابن قيس للضّباع العرج‏

/و قال جوّاس بن القعطل‏[8]الكلابيّ في يوم المرج:

هم قتلوا براهط جدّ قيس‏[9] # سليما و القبائل من كلاب‏

[1]في معجم ياقوت 2: 744 ط ليبزج:

أبعد ابن عمرو و ابن معن تتابعا # و مقتل همام أمنّى الأمانيا

[2]مي: «معروفا» .

[3]ف: «من دم الجوف» .

[4]الملهب: الفرس الشديد الجري المثير للغبار. و جذّ: قطع.

[5]مي، ف: «أهل الفج» . و عج بالتلبية في الحج: رفع صوته.

[6]مي، ف:

«إذ يثقفون نقفا خرفج»

. و ثقفة بالرمح: طعنه. و النج: سيل الجرح بما فيه.

[7]مي:

«فتركوا من بين ضرب هرج»

. و في ف:

«فتركوا من بعد... »

.

[8]ب: «جواس بن قعطل» . و في مد، ف: «جواس بن يعطل» .

[9]ف: «جلّ قيس» .

132

و هم قتلوا بني بدر و عبسا # و ألصق حرّ وجهك‏[1]بالتّراب

تذكّرت الذّحول‏[2]فلن تقضّى # ذحولك‏[2]أو تساق إلى الحساب

إذا سارت قبائل من جناب # و عوف أشحنوا[3]شمّ الهضاب

و قد حاربتنا فوجدت حربا # تغصّك حين تشرب بالشّراب‏

فأقبل عمير يخطر، فخرج من قرقيسيا يتطرّف‏[4]بوادي كلب، فيغير عليها و على من أصاب من قضاعة و أهل اليمن، و يخصّ كلبا و معشر تغلب‏[5]، قبل أن تقع الحرب بين قيس و تغلب، فجعل أهل البادية ينتصفون من أهل القرار[6]كلّهم. فلما رأت كلب ما لقي أصحابهم، و أنهم لا يمتنعون من خيل الحاضرة، اجتمعوا إلى حميد بن حريث بن بحدل، فسار بهم حتى نزل تدمر، و به بنو نمير، و قد كان بين النّميريّين خاصة و بين الكلبيّين الذين بتدمر عقد مع ابن بحدل بن بعّاج الكلبيّ، فأرسلت بنو نمير رسلا إلى حميد يناشدونه الحرمة، فوثب عليهم/ابن بعّاج الكلبيّ فذبحهم، و أرسلوا إليهم: إنّا قد قطعنا الّذي بينا و بينكم، فالحقوا بما يسعكم من/الأرض، فالتقوا فقتل ابن بعّاج و ظفر بالنّميريّين فقتلوا قتلا ذريعا و أسروا[7]، فقال راعي الإبل في قتل ابن بعّاج و لم يذكر غيره من الكلبيّين:

تجي‏ء[8]ابن بعّاج نسور كأنّها # مجالس تبغي بيعة عند تاجر

تطيف بكلبي عليه جديّة[9] # طويل القرا[10]يقذفنه في الحناجر

يقول له من كان يعلم علمه # كذاك انتقام اللّه من كلّ فاجر

و قد كان زفر بن الحارث لمّا أغار عمير بن الحباب على الكلبيّين قال يعيّرهم بقوله:

يا كلب قد كلب الزّمان عليكم # و أصابكم منّي عذاب مرسل

إنّ السّماوة لا سماوة فالحقي # بمنابت الزّيتون و ابني بحدل‏[11]

و بأرض عكّ و السّواحل إنّها # أرض تذوّب باللّقاح و تهزل‏[12]

[1]ف:

«و ألصق خد قيس»

.

[2]الذّحول: الثارات. و في ب، مي، مد:

«الدخول... دخولك»

.

[3]أشحنوا: ملئوا. و في مي: «أبحروا» .

[4]مي: «يتطوف» .

[5]ب، مي: «و يحض كلبا و معه تغلب» .

[6]القرار: الحضر. و في ب، مد، مي: «القرى» .

[7]ف: «فقتلوا قتلا شديدا و سيّروا» .

[8]مد، مي: «تجر» .

[9]الجدية: الدم.

[10]القرا: الظهر.

[11]في البيت إقواء. و السماوة: ماءة لكلب بين الكوفة و الشام.

[12]مي:

«تذوب بها اللقاح»

.

133

حميد بن بحدل يغير على بوادي قيس‏

فجمع لهم حميد بن الحريث بن بحدل، ثم خرج يريد الغارة على بوادي قيس، فانتهى إلى ماء لبني تغلب، فإذا النّساء و الصّبيان يبكون، فقالت لهم النساء-و هن يحسبنهم قيسا-: ويحكم، ما ردّكم إلينا، فقد فعلتم بنا بالأمس ما فعلتم!فقالت لهم كلب: و ما لكم؟قالوا: أغار علينا بالأمس عمير بن الحباب، فقتل رجالنا، و استاق أموالنا، و لم يشككن أنّ الخيل خيل قيس و أنّ عميرا عاد إليهن، فقال بعض كلب لحميد: ما تريد من نسوة قد أغير عليهن و حربن، و صبية يتامى، و تدع عميرا. فاتّبعوه، فبينا هم يسيرون إذ أخذوا رجلا ربيئة للقوم. فسألوه فقال لهم: هذا الجيش/ هاهنا و الأموال، و قد خرج عمير في فوارس يريد الغارة على أهل بيت من بني زهير بن جناب، أخبر عنهم مخبر، فأقام حميد حتى جنّ عليه اللّيل، ثم بيّت القوم بياتا. و قال حميد لأصحابه: شعاركم: نحن عباد اللّه حقّا. فأصابوا عامة ذلك العسكر، و نجا فيمن نجا رجل عريان قذف ثوبه و جلس على فرس عري، فلما انتهى إلى عمير، قال عمير: قد كنت أسمع بالنذير العريان‏[1]فلم أره، فهو هذا، ويلك ما لك!قال: لا أدري غير أنه لقينا قوم فقتلوا من قتلوا و أخذوا العسكر، فقال: أ فتعرفهم؟قال: لا، فقصد عمير القوم و قال لأصحابه: إن كانت الأعاريب فسيسارعون إلينا إذا رأونا، و إن كانت خيول أهل الشام فستقف. و أقبل عمير، فقال حميد لأصحابه: لا يتحرّكن منكم أحد، و انصبوا القنا، فحمل عمير حملة لم تحرّكهم، ثم حمل فلم يتحرّكوا، فنادى مرارا: ويحكم من أنتم؟!فلم يتكلّموا، فنادى عمير أصحابه: ويلكم خيل بني بحدل و الأمانة، و انصرف على حاميته، فحمل عليه فوارس من كلب يطلبونه، و لحقه مولى لكلب يقال له شقرون، فاطّعنا، فجرح عمير و هرب حتى دخل قرقيسيا إلى زفر، و رجع حميد إلى من ظفر به من الأسرى و القتلى، فقطع سبالهم‏[2]و أنفسهم، فجعلها في خيط، ثم ذهب بها إلى الشّام، و قال قائل: بل بعث بها إلى عمير و قال: كيف ترى؟أ وقعي أم وقعك؟فقال في ذلك سنان بن جابر الجهنيّ:

لقد طار في الآفاق أنّ ابن بحدل # حميدا شفى كلبا فقرّت عيونها

/و عرّف قيسا بالهوان‏[3]و لم تكن # لتنزع إلاّ عند أمر يهينها

/فقلت له: قيس بن عيلان إنّه # سريع-إذا ما عضّت الحرب-لينها

سما بالعتاق الجرد من مرج راهط # و تدمر ينوي بذلها لا يصونها[4]

فكان لها عرض السّماوة ليلة # سواء عليها سهلها و حزونها

فمن يحتمل في شأن كلب ضغينة # علينا إذا ما حان في الحرب حينها

فإنّا و كلبا كاليدين متى تضع # شمالك في شي‏ء[5]تعنها يمينها

لقد تركت قتلي حميد بن بحدل # كثيرا ضواحيها قليلا دفينها

و قيسيّة قد طلّقتها رماحنا # تلفت كالصّيداء[6]أودى جنينها

[1]ب: «كنت أسمع بالمدينة بلاء نذيره العريان» .

[2]السبال جمع سبلة؛ و هي الدائرة في وسط الشفة العليا، و قيل: ما على الشارب من الشعر. و في مي: «بنانهم» .

[3]ب: «بالقوافي» .

[4]ب:

«و تدمر تنزى بزلها لا يصونها»

.

[5]مي: «في أمر» .

[6]الصيداء: المائلة العنق.

134

و قال سنان أيضا في هذا الأمر بعد ما أوقع ببني فزارة:

يا أخت قيس سلي عنّا علانية # كي تخبري من بيان العلم‏[1]تبيانا

إنّا ذوو حسب مال و مكرمة # يوم الفخار و خير النّاس فرسانا

منّا ابن مرّة عمر و قد سمعت به # غيث الأرامل لا يردين‏[2]ما كانا

و البحدليّ الّذي أردت فوارسه # قيسا غداة اللّوى من رمل عدنانا

فغادرت حلبسا منها بمعترك # و الجعد منعفرا لم يكس أكفانا

كائن تركنا غداة العاه‏[3]من جزر # للطير منهم و من ثكلى و ثكلانا

و من غوان تبكّي لا حميم لها # بالعاه‏[3]تدعو بني عمّ و إخوانا

فلما انتهى الخبر إلى عبد الملك بن مروان، و عبد اللّه و مصعب يومئذ حيّان، /و عند عبد الملك حسّان بن مالك بن بحدل و عبد اللّه بن مسعدة بن حكم الفزاريّ، و جي‏ء بالطّعام، فقال عبد الملك لابن مسعدة: ادن، فقال ابن مسعدة: لا و اللّه، لقد أوقع حميد بسليم و عامر وقعة لا ينفعني بعدها طعام حتى يكون لها غير، فقال له حسّان:

أ جزعت أن كان بيني و بينكم في الحاضرة على الطّاعة و المعصية، فأصبنا منكم يوم المرج، و أغار أهل قرقيسيا بالحاضرة على البادية بغير ذنب؟فلما رأى حميد ذلك طلب بثأر قومه، فأصاب بعض ما أصابهم، فجزعت من ذلك، و بلغ حميدا قول ابن مسعدة فقال: و اللّه لأشغلنّه بمن هو أقرب إليه من سليم و عامر.

ذكر في شعره إيقاع حميد ببني فزارة

فخرج حميد في نحو من مائتي فارس، و معه رجلان من كلب دليلان، حتى انتهى إلى بني فزارة أهل العمود لخمس عشرة مضت من شهر رمضان، فقال: بعثني عبد الملك بن مروان مصدّقا: فابعثوا إلى كل من يطيق أن يلقانا، ففعلوا، فقتلهم أو من استطاع منهم، و أخذ أموالهم، فبلغ قتلاهم نحوا من مائة و نيّف، فقال عويف القوافي:

منا اللّه‏[4]أن ألقى حميد بن بحدل # بمنزلة فيها إلى النّصف معلما

لكيما نعاطيه و نبلو بيننا # سريجيّة[5]يعجمن في الهام معجما

ألا ليت أنّي صادفتني منيّتي # و لم أر قتلى العام يا أمّ أسلما

و لم أر قتلى لم تدع لي بعدها[6] # يدين فما أرجو من العيش أجذما

/و أقسم ما ليث بخفّان‏[7]خادر # بأشجع من جعد جنانا و مقدما

[1]مي: «الأمر» .

[2]ف:

«لا يؤذين ما كانا»

.

[3]العاه: جبل بأرض فزارة (معجم البلدان) . و في ب: «الفاه» ، تصحيف.

[4]منا اللّه كذا: قدره.

[5]السريجية: السيوف المنسوبة إلى سريج، و هو قين كان يعملها:

[6]مي:

«و لم أر قتلى لم يدع لي قتلها»

.

[7]خفان: موضع قرب الكوفة (معجم البلدان) .

135

/يعني الجعد بن عمران بن عيينة و قتل يومئذ.

أسماء بن خارجة يشكو حميدا إلى عبد الملك‏

فلما رجع عبد الملك من الكوفة و قتل مصعب، لحقه أسماء بن خارجة بالنّخيلة، فكلّمه فيما أتى حميد به إلى أهل العمود من فزارة، و قال: حدّثنا أنه مصدّقك و عاملك، فأجبناك و بك عذنا، فعليك و في ذمتك ما على الحرّ في ذمّته، فأقدنا من قضاعيّ سكّير، فأبى عبد الملك و قال: انظر في ذلك و أستشير[1]و حميد يجحد و ليست لهم بيّنة، فوادهم ألف و ألف و مائتي ألف، و قال: إني حاسبها في أعطيات قضاعة، فقال في ذلك عمرو بن مخلاة الكلبيّ.

صوت‏

خذوها يا بني ذبيان عقلا # على الأجياد و اعتقدوا الخداما[2]

دراهم من بني مروان بيضا # ينجّمها لكم عاما فعاما

و أيقن أنّه يوم طويل # على قيس يذيقهم السّماما[3]

و مختبّ أمام القوم يسعى # كسرحان التّنوفة حين ساما[4]

رأى شخصا على بلد بعيد # فكبّر حين أبصره و قاما

و أقبل يسأل البشرى إلينا[5] # فقال: رأيت إنسا أو نعاما

و قال لخيله سيري حميد # فإنّ لكلّ ذي أجل حماما

/فما لاقيت من سجح‏[6]و بدر # و مرّة فاتركي حطبا حطاما

بكل مقلّص عبل شواه # يدقّ بوقع نابيه اللّجاما[7]

و كل طمرّة مرطى سبوح # إذا ما شدّ فارسها الحزاما[8]

و قائلة على دهش و حزن # و قد بلّت مدامعها اللّثاما

كأنّ بني فزارة لم يكونوا # و لم يرعوا بأرضهم الثّماما[9]

و لم أر حاضرا منهم بشاء # و لا من يملك النّعم الرّكاما[10]

[1]ب: «انظر في ذلك و استشر» .

[2]في أنساب الأشراف:

«على الأحياء و اعتقدوا الخزاما»

. و اعتقد الشي‏ء: نقيض حله، و الخدام: جمع خدمة، و هي السير الغليظ المحكم مثل الحلقة تشد في رسغ البعير.

[3]السمام جمع سم، و هو القاتل من الأدوية و نحوها.

[4]المختب: المسرع. و السرحان: الذئب. و التنوفة: الأرض الواسعة أو الصحراء. و سام: ذهب في ابتغاء الشي‏ء.

[5]ف:

«فأقبل يسأل اليسرى إلينا»

.

[6]ف، مي: «شمخ» .

[7]ف:

«يدق بهمز نابيه اللجاما»

.

[8]الطمرة: الفرس الجواد الشديد العدو. المرطى: الخفيف شعر الجسد. و السبوح: الفرس يمد يديه في الجري.

[9]الثمام: عشب من الفصيلة النخيلية.

[10]النعم الركام: النعم الضخم.

136

فزارة تنتقم من قيس‏

قال: فلما أخذوا الدّية انطلقت فزارة فاشترت خيلا و سلاحا، ثم استتبعت سائر قبائل قيس، ثم أغارت على ماء يدعى بنات قين، يجمع بطونا من بطون كلب كثيرة و أكثر من عليه بنو عبد ودّ و بنو عليم بن جناب، و على قيس يومئذ سعيد بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، و حلحلة[1]بن قيس بن الأشيم بن يسار أحد بني العشراء[2]، فلما أغاروا نادوا بني عليم: إنا لا نطلبكم بشي‏ء، و إنما نطلب بني عبد ودّ بما صنع الدّليلان اللّذان حملا حميدا، و هما المأمور و رجل آخر اسمه أبو أيّوب، فقتل من العبديّين تسعة عشر[3]رجلا، ثم مالوا على العليميّين فقتلوا منهم خمسين رجلا، و ساقوا أموالا.

موقف عبد الملك بن مروان و عرضه الدية

فبلغ الخبر عبد الملك، فأمهل حتى إذا ولي الحجّاج العراق كتب إليه يبعث إليه سعيد بن عيينة و حلحلة بن قيس و معهما نفر من الحرس، فلما قدم بهما عليه قذفهما في/السّجن و قال لكلب: و اللّه لئن قتلتم رجلا لأهريقنّ دماءكم، فقدم عليه من بني عبد ودّ عياض و معاوية ابنا ورد، و نعمان بن سويد، و كان سويد أبوه ابن مالك يومئذ أشرف من قتل يوم بنات قين، و كان شيخ بني عبد ودّ، فقال/له النّعمان: دماءنا يا أمير المؤمنين، فقال له عبد الملك: إنما قتل منكم الصّبيّ الصّغير و الشيخ الفاني، فقال النّعمان: قتل منا و اللّه من لو كان أخا لأبيك لاختير عليك في الخلافة، فغضب عبد الملك غضبا شديدا، فقال له معاوية و عياض: يا أمير المؤمنين، شيخ كبير موتور.

فأعرض عنه عبد الملك و عرض الدّية، و جعل خالد بن يزيد بن معاوية و من ولدته كلب يقولون: القتل، و من كانت أمّه قيسيّة من بني أميّة يقولون: لا، بل الدّية كما فعل بالقوم، حتى ارتفع الكلام بينهم بالمقصورة، فأخرجهم عبد الملك و دفع حلحلة إلى بعض بني عبد ودّ، و دفع سعيد بن عيينة إلى بعض بني عليم، و أقبل عليهما عبد الملك فقال: أ لم تأتياني تستعدياني فأعديتكما و أعطيتكما الدّية، ثم انطلقتما فأخفرتما ذمّتي و صنعتما ما صنعتما، فكلّمه سعيد بكلام يستعطفه به و يرقّقه، فضرب حلحلة صدره و قال: أ ترى خضوعك لابن الزّرقاء نافعك عنده، فغضب عبد الملك و قال: اصبر حلحلة، فقال له: أصبر من عود بجنبيه جلّب‏[4]فقتلا و شقّ ذلك على قيس، و أعظمه أهل البادية منهم و الحاضرة، فقال في ذلك عليّ بن الغدير الغنويّ:

لحلحلة القتيل و لابن بدر # و أهل دمشق أنجبة تبين

فبعد اليوم أيّام طوال # و بعد خمود فتنتكم فتون

و كلّ صنيعة رصد ليوم # تحلّ به لصاحبها الزّبون‏[5]

/خليفة أمّة قسرت عليه # تخمّط[6]و استخفّ بمن يدين‏

[1]ب: «طلحة بن قيس» .

[2]بنو العشراء: قوم من فزارة، و في ب: «بنو العسراء» ، تصحيف.

[3]ف: «فقتل من العبديين سبعة عشر رجلا» .

[4]جلب الرحل و جلبه (بالضم و الكسر) عيدانه.

[5]ف: «تحل به لصاحبه الديون» .

[6]تخمط: تكبر.

137

فقد أتيا حميد ابن المنايا[1] # و كلّ فتى ستشعبه المنون‏

و قال رجل من بني عبد ودّ:

نحن قتلنا سيّديهم بشيخنا # سويد فما كانا وفاء به دما

و قال حلحلة و هو في السّجن:

لعمري لئن شيخا فزارة أسلما # لقد خزيت قيس و ما ظفرت كلب‏

و قال أرطاة بن سهيّة يحرّض قيسا:

أ يقتل شيخنا و يرى حميد # رخيّ البال منتشيا[2]خمورا

فإن دمنا بذاك و طال عمر # بنا و بكم و لم نسمع نكيرا

فناكت أمّها قيس جهارا # و عضّت بعدها مضر الأيورا

و قال عميرة بنت حسّان الكلبيّة تفخر بفعل حميد في قيس:

سمت كلب إلى قيس بجمع # يهدّ مناكب الأكم الصّعاب

بذي لجب يدقّ الأرض حتى # تضايق من دعا بهلا وهاب‏[3]

نفين إلى الجزيرة فلّ قيس # إلى بقّ بها و إلى ذباب‏[4]

و ألفينا هجين بني سليم # يفدّي المهر من حبّ الإياب

فلو لا عدوة المهر المفدّى # لأبت و أنت منخرق الإهاب

/و نجّاه حثيث الرّكض منا # أصيلانا و لون الوجه كابي

و آض كأنه يطلى بورس # و دقّ هويّ كاسرة عقاب

حمدت اللّه إذ لقّى سليما # على دهمان صقر بني جناب

تركن الرّوق‏[5]من فتيات قيس # أيامى قد يئسن من الخضاب

فهنّ إذا ذكرن حميد كلب # نعقن برنّة بعد انتحاب

متى تذكر فتى كلب حميدا # تر القيسيّ يشرق بالشّراب‏

مدح عيينة بن أسماء رغم تطليقه أخته‏

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أخي الأصمعيّ، عن عمه، قال:

أنشدني رجل من بني فزارة لعويف القوافي-و هو عويف بن معاوية بن عقبة بن حصن بن حذيفة الفزاري- و كانت أخته عند عيينة بن أسماء بن خارجة فطلّقها، فكان عويف مراغما لعيينة و قال: الحرة لا تطلّق بغير ما بأس، [1]ف:

«فقد لقيا حميد ابن المنايا»

.

[2]انتشى فلان: بدأ سكره.

[3]هلا: زجر للخيل، وهاب: زجر للإبل عند السوق.

[4]بق: مدينة على شاطئ الفرات، و ذباب: جبل بالمدينة.

[5]الروق: الجميلات.

138

فلما حبس الحجّاج عيينة و قيّده قال عويف:

منع الرّقاد-فما يحسّ رقاد- # خبر أتاك و نامت العوّاد[1]

خبر أتاني عن عيينة موجع # و لمثله تتصدّع الأكباد

بلغ النفوس بلاؤها[2]فكأننا # موتى و فينا الرّوح و الأجساد

ساء الأقارب يوم ذاك فأصبحوا # بهجين قد سرّوا به الحسّاد[3]

/يرجون عثرة جدّنا و لو أنّهم # لا يدفعون بنا المكاره بادوا

لمّا أتاني عن عيينة أنّه # عان تظاهر فوقه الأقياد[4]

نخلت‏[5]له نفسي النّصيحة إنه # عند الشّدائد تذهب الأحقاد

و ذكرت أيّ فتى يسدّ مكانه # بالرّفد حين تقاصر الأرفاد

أم من يهين لنا كرائم ماله # و لنا إذا عدنا إليه معاد

لو كان من حضن تضاءل ركنه # أو من نضاد بكت عليه نضاد[6]

مدح عبد الرحمن ابن مروان و هو صغير السن‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: قال العتبيّ:

سأل عويف القوافي في حمالة، فمرّ به عبد الرّحمن بن محمد بن مروان و هو حديث السّنّ، فقال له: لا تسأل أحدا و صر إليّ أكفك، فأتاه فاحتملها جمعاء له، فقال عويف يمدحه:

غلام رماه اللّه بالخير يافعا # له سيمياء لا تشقّ على البصر

كأنّ الثّريّا علّقت في جبينه # و في حدّه الشّعرى و في جيده القمر

و لمّا رأى المجد استعيرت ثيابه # تردّى رداء واسع الذّيل و اتّزر

إذا قيلت العوراء أغضى‏[7]كأنّه # ذليل بلا ذلّ و لو شاء لانتصر

رآني فآساني و لو صدّ لم ألم # على حين لا باد يرجّى و لا حضر

/قال أبو زيد: هذه الأبيات لابن عنقاء الفزاريّ، يقولها في ابن أخ له، كان قوم من العرب أغاروا على نعم ابن عنقاء، فاستاقوها، حتى لم يبق له منها شي‏ء، فأتى ابن أخيه فقال له: يا بن أخي، إنه قد نزل بعمّك ما ترى، [1]في سمط اللآلي 813:

«مما شجاك و حفت العواد»

. و في شرح ديوان الحماسة لأبي تمام 1: 253 ط حجازي:

«مما شجاك و نامت العواد»

.

[2]مي، مد: «بلاؤنا» . و في شرح ديوان الحماسة 1: 253 و المختار: «بلاؤه» .

[3]هجين: موضع.

«و قد سروا به الحساد»

كذا في جميع النسخ بلغة أكلوني البراغيث و لعلها

«قد سرت به الحساد»

.

[4]في شرح ديوان الحماسة 1: 254 ط حجازي:

«أمسي عليه تظاهر الأقياد»

.

[5]نخلت له نفسي النصيحة: أخلصتها.

[6]حضن: جبل بأعلى نجد، و هو أول حدود نجد. و نضاد: جبل بالعالية، و بيني عند أهل الحجاز على الكسر و عند تميم ينزلونه منزلة ما لا ينصرف. و روى البيت في معجم البلدان 4: 790:

«لو كان من حضن قضاك منية»

، و الأبيات في الخزانة 3: 88 فيما عدا الأخير، و في شرح الحماسة 1: 253 فيما عدا الرابع و الأخير.

[7]ب: «ولّى» .

139

فهل من حلوبة؟قال: نعم يا عمّ، يروح المال و أبلغ مرادك، /فلما راح ماله قاسمه إيّاه و أعطاه شطره، فقال ابن عنقاء:

رآني على ما بي عميلة فاشتكى # إلى ما له حالي أسرّ كما جهر

و ذكر بعد هذا البيت باقي الأبيات. قال أبو زيد: و إنّما تمثّلها[1]عويف.

رثى سليمان بن عبد الملك و مدح عمر بن عبد العزيز

أخبرني محمد بن خلف وكيع، و الحسن بن عليّ قالا: حدّثنا الغلابيّ، قالا: حدثنا محمد بن عبيد اللّه، عن عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان، قال:

لما مات سليمان بن عبد الملك و ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، وفد إليه عويف القوافي و قال شعرا رثى به سليمان و مدح عمر فيه، فلما دخل إليه أنشده:

لاح سحاب فرأينا برقه # ثم تدانى فسمعنا صعقه

و راحت الرّيح تزجّي بلقه # و دهمه ثم تزجّي ورقه

ذاك سقى قبرا فروّى ودقه # قبر امرئ عظّم ربّي حقّه

قبر سليمان الّذي من عقّه # و جحد الخير الّذي قد بقّه‏[2]

في المسلمين جلّه و دقّه # فارق في الجحود منه صدقه‏[3]

قد ابتلى اللّه بخير خلقه # ألقى إلى خير قريش و سقه

/يا عمر الخير الملقّى وفقه # سمّيت بالفاروق فافرق فرقه

و ارزق عيال المسلمين رزقه # و اقصد إلى الجود و لا توقّه

بحرك عذب الماء ما أعقّه # ريّك فالمحروم من لم يسقه‏

فقال له عمر: لسنا من الشّعر في شي‏ء، و مالك في بيت المال حقّ، فألحّ عويف يسأله فقال: يا مزاحم، انظر فيما بقي من أرزاقنا فشاطره إيّاه، و لنصبر على الضّيق إلى وقت العطاء، فقال له عبد الرّحمن بن سليمان بن عبد الملك: بل توفّر يا أمير المؤمنين و عليّ رضا الرّجل، فقال: ما أولاك بذلك، فأخذ بيده و انصرف به إلى منزله، و أعطاه حتى رضى.

صوت‏

صفراء يطويها الضّجيع لصلبها # طيّ الحمالة ليّن مثناها

نعم الضّجيع إذا النّجوم تغوّرت # بالغور أولاها على أخراها

[1]ف: «تمثل بها عويف» .

[2]بقه: وسعه.

[3]مي:

«فارق منه في الجحود صدقه»

.

140

عذب مقبّلها وثير ردفها # عبل شواها طيّب مجناها

يا دار صهباء[1]الّتي لا أنتهي # عن حبّها أبدا و لا أنساها

الشعر لعبد اللّه بن جحش الصعاليك، و الغناء فيه لعليّ بن هشام ثقيل أول بالوسطى من كتاب أحمد بن المكيّ.

[1]ف:

«يا دار صفراء»

.

141

10-أخبار عبد اللّه بن جحش‏

طلاق صهباء من ابن عمها

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني محمد بن يحيى أبو غسّان، عن غسّان بن عبد الحميد قال:

كان بالمدينة امرأة يقال لها: صهباء من أحسن الناس وجها، و كانت من هذيل، فتزوّجها ابن عمّ لها، فمكث حينا معها لا يقدر عليها من/شدّة ارتتاقها، فأبغضته و طالبته بالطّلاق، فطلّقها. ثم أصاب الناس مطر شديد في الخريف، فسال العقيق سيلا عظيما، و خرج أهل المدينة، و خرجت صهباء معهم، فصادفت عبد اللّه بن جحش و أصحابه في نزهة، فرآها و افترقا.

يهيم بصهباء و يتقدم لخطبتها

ثم مضت إلى أقصى الوادي فاستنقعت في الماء و قد تفرّق النّاس و خفّوا، فاجتاز بها ابن جحش فرآها فتهالك عليها و هام بها، و كان بالمدينة امرأة تدلّ على النّساء يقال لها: قطنة، كانت تداخل القرشيّات و غيرهن، فلقيها ابن جحش فقال لها: اخطبي عليّ صهباء، فقالت: قد خطبها عيسى بن طلحة بن عبيد اللّه و أجابوه، و لا أراهم يختارونك عليه، فشتمها ابن جحش و قال لها: كلّ مملوك له فهو حرّ، لئن لم تحتالي فيها حتى أتزوّجها لأضربنّك ضربة بالسيف-و كان مقداما جسورا-ففرقت منه فدخلت على صهباء و أهلها، فتحدّثت معهم، ثم ذكرت ابن عمّها، فقالت لعمة صهباء: ما باله فارقها، فأخبرتها خبرها، و قالت: لم يقدر عليها و عجز عنها. فقالت لها:

و أسمعت صهباء-: إنّ هذا ليعتري كثيرا من الرجال فلا ينبغي أن تتقدّموا في أمرها إلا على من تختبرونه، و أما و اللّه لو كان ابن جحش لصهباء/لثقبها ثقب اللّؤلؤ و لو رتقت بحجر، ثم خرجت من عندهم.

زواجه بصهباء

فأرسلت إليها صهباء: مري ابن جحش فليخطبني، فلقيته قطنة فأخبرته الخبر، فمضى فخطبها، فأنعمت له‏[1] و أبى أهلها إلا عيسى بن طلحة، و أبت هي إلا ابن جحش، فتزوّجته و دخل بها و افتضّها، و أحبّ كلّ واحد منهما صاحبه فقال فيها:

نعم الضّجيع إذا النّجوم تغوّرت # بالغور أولاها على أخراها

عذب مقبّلها وثير ردفها # عبل شواها طيّب مجناها

صفراء يطويها الضجيع لجنبها # طيّ الحمالة ليّن متناها[2]

[1]أنعمت له: قالت: نعم.

[2]ب: «لحينها» بدل «لجنبها» . و في التجريد: «لحسنها» . و في ف: «مثناها» بدل «متناها» . (و انظر ص 211) . ـ

142

لو يستطيع ضجيعها لأجنّها # في الجوف حبّ نسيمها و نشاها[1]

يا دار صهباء الّتي لا أنتهي # عن ذكرها أبدا و لا أنساها

كان عبد الملك بن مروان معجبا بشعره‏

أخبرني حبيب‏[2]بن نصر المهلبي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عبد الرّحيم‏[3]بن أحمد بن زيد بن الفرج، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه، قال:

كان عبد الملك بن مروان معجبا بشعر عبد اللّه بن جحش، فكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فورد كتابه و قد توفّي، فقال إخوانه لابنه:

ذهب ابنه إلى عبد الملك فطرده لتضييعه أدب أبيه‏

لو شخصت إلى أمير المؤمنين عن إذنه لأبيك لعلّه كان ينفعك، ففعل، فبينا هو في طريقه إذ ضاع منه كتاب الإذن، فهمّ بالرّجوع، ثم مضى لوجهه، /فلما قدم على عبد الملك سأله عن أبيه فأخبره بوفاته، ثم سأله عن كتابه فأخبره بضياعه فقال له: أنشدني قول أبيك:

صوت‏

هل يبلغنها السّلام أربعة # منّي و إن يفعلوا فقد نفعوا

على مصكّين من جمالهم # و عنتريسين فيهما سطع‏[4]

قرّب جيراننا جمالهم # صبحا فأضحوا بها قد انتجعوا

ما كنت أدري بوشك بينهم # حتى رأيت الحداة قد طلعوا

/قد كاد[5]قلبي-و العين تبصرهم # لما تولّى بالقوم-ينصدع

ساروا و خلّفت بعدهم دنفا # أ ليس باللّه بئس ما صنعوا!

قال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين ما أرويه، قال: لا عليك، فأنشدني قول أبيك:

صوت‏

أجدّ اليوم جيرتك الغيارا # رواحا أم أرادوه ابتكارا

بعينك كان ذاك و إن يبينوا # يزدك البين صدعا مستطارا[6]

بلى أبقت من الجيران عندي # أناسا ما أوافقهم كثارا

[1]مد: «في القلب» بدل «في الجوف» . و في التجريد:

«حب نسيمها و جناها»

. و في المختار:

«شهوة ريحها و جناها»

. و النشا: نسيم الريح الطيبة (و انظر ص 215) .

[2]ف: «جعفر بن نصر المهلبي» .

[3]ف: «عبد الرحمن بن أحمد» .

[4]المصك: القوي. و العنتريس: الناقة القوية الغليظة. و السطع: طول العنق.

[5]ف: «قد كان» .

[6]ف: «شعبا مستطارا» .

143

و ما ذا كثرة الجيران تغنّي # إذا ما بان من أهوى فسارا

/قال: لا و اللّه ما أرويه يا أمير المؤمنين، قال: و لا عليك، فأنشدني قول أبيك:

دار لصهباء الّتي لا ينثني # عن ذكرها قلبي و لا أنساها

صفراء يطويها الضّجيع لصلبها # طيّ الحمالة ليّن متناها

لو يستطيع ضجيعها لأجنّها # في القلب شهوة ريحها و نشاها

قال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، ما أرويه، و إنّ صهباء هذه لأمّي، قال: و لا عليك، قد يبغض الرجل أن يشبّب بأمّه، و لكن إذا نسب بها غير أبيه، فأفّ لك!و رحم اللّه أباك، فقد ضيّعت أدبه و عققته؛ إذ لم ترو شعره. اخرج فلا شي‏ء لك عندنا.

صوت‏

أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها # و أدنت على الخدّين بردا مهلهلا

من اللاّء لم يحججن يبغين حسبة # و لكن يقتّلن‏[1]البري‏ء المغفّلا

رأتني خضيب الرّأس شمّرت مئزري # و قد عهدتني أسود الرّأس مسبلا

خطوّا[2]إلى اللّذات أجررت مئزري # كإجرارك الحبل الجواد المحجّلا

صريع الهوى لا يبرح الحبّ قائدي # بشرّ[3]فلم أعدل عن الشّرّ معدلا

لدى الجمرة القصوى فريعت و هلّلت # و من ريع في حجّ من الناس هلّلا

الشعر للعرجيّ، و الغناء لعبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ ثقيل أول في الأول و الثاني و الخامس و السادس من هذه الأبيات، و هو من جيّد الغناء و فاخر الصنعة، و يقال: إنّه أول شعر[4]صنعه، و لعزار[5]المكّيّ في الثّالث و ما بعده ثاني ثقيل، عن يحيى المكّيّ و غيره، و فيه خفيف ثقيل ينسب إلى معبد و إلى ابن سريج و إلى الغريض، و فيه لإبراهيم لحن من كتابه غير مجنّس، و أنا ذاكر هاهنا أخبارا لهذا الشّعر من أخبار العرجيّ؛ إذ كان أكثر أخباره قد مضى سوى هذه.

[1]ف: «ليقنلن» .

[2]ف: «خطوطا» .

[3]ف: «لشرّ» .

[4]ف: «إنّه أول غناء صنعه» .

[5]ف: «و لغرار المكي» .

144

11-بعض أخبار للعرجي‏

امرأة تتمثل بشعره‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثنا إسماعيل بن مجمّع، عن المدائنيّ، عن عبد اللّه بن سليم، قال:

قال عبيد اللّه بن عمر العمريّ:

خرجت حاجّا فرأيت امرأة جميلة تتكلم بكلام رفثت‏[1]فيه، فأدنيت ناقتي منها، ثم قلت لها: يا أمة اللّه، أ لست حاجّة!أ ما تخافين اللّه!فسفرت عن وجه يبهر الشّمس حسنا، ثم قالت: تأمّل يا عمّي، /فإنّي ممّن عنى العرجيّ بقوله:

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة # و لكن ليقتلن البري‏ء المغفّلا

قال: فقلت لها: فإني أسأل اللّه ألاّ يعذّب هذا الوجه بالنّار. قال: و بلغ ذلك سعيد بن المسيّب فقال: أما و اللّه لو كان من بعض بغضاء أهل العراق لقال لها: اعزبي قبّحك اللّه، و لكنّه ظرف‏[2]عبّاد الحجاز.

و قد رويت هذه الحكاية عن أبي حازم بن دينار.

أخبرني به وكيع، قال: حدّثنا أحمد بن زهير، قال: حدّثنا مصعب الزّبيريّ، قال: حدّثني عبد الرّحمن بن أبي الحسن‏[3]و قد روى عنه ابن أبي ذئب، قال:

بينا أبو حازم يرمي الجمار إذ هو بامرأة متشعبذة-يعني حاسرة-فقال لها: أيّتها المرأة استتري، فقالت: إنّي و اللّه من اللّواتي قال فيهن الشّاعر قوله:

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة # و لكن ليقتلن البري‏ء المغفّلا

و ترمي بعينيها القلوب و لا ترى # لها رمية لم تصم منهن مقتلا

/فقال أبو حازم لأصحابه: ادعوا اللّه لهذه الصّورة الحسنة ألاّ يعذّبها بالنار.

و أبو حازم هذا هو أبو حازم بن دينار من وجوه التّابعين، قد روى عن سهل بن سعد و أبي هريرة، و روى عنه مالك و ابن أبي ذئب و نظراؤهما.

حدّثني عمّي، قال: حدّثني الكرانيّ، قال: حدّثني العمريّ، عن العتبيّ، عن الحكم بن صخر، قال:

[1]رفث في كلامه: أفحش.

[2]ف، مي، مد: «و لكنه أظرف عباد الحجاز» .

[3]ف: «عبد اللّه بن أبي الحنبش» .

145

انصرفت من منّي فسمعت زفنا[1]من بعض المحامل، ثم ترنّمت جارية فتغنّت:

من اللاّء لم يحججن يبغين حسبة # و لكن ليقتلن البري‏ء المغفّلا

فقلت لها: أ هذا مكان هذا يرحمك اللّه!فقالت: نعم و إيّاك أن تكونه.

[1]زفن زفنا: رقص، و أصله الدفع الشديد و الضرب بالرجل كما يفعل الراقص.

146

12-أخبار عبد اللّه بن العباس الربيعى‏

نسبه‏

عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع، و الرّبيع-على ما يدّعيه أهله-ابن يونس بن أبي فروة، و قيل: إنه ليس ابنه، و آل أبي فروة يدفعون ذلك و يزعمون أنه لقيط، وجد منبوذا، فكفله يونس بن أبي فروة و ربّاه، فلما خدم المنصور ادّعى إليه‏[1]، و أخباره مذكورة مع أخبار ابنه الفضل في شعر يغنّى به من شعر الفضل و هو:

كنت صبّا و قلبي اليوم سالي‏

و يكنى عبد اللّه بن العبّاس أبا العبّاس.

كان شاعرا مطبوعا و مغنيا جيد الصنعة

و كان شاعرا مطبوعا، و مغنّيا محسنا جيّد الصّنعة نادرها، حسن الرّواية، حلو الشعر ظريفه، ليس من الشّعر الجيّد الجزل و لا من المرذول، و لكنه شعر مطبوع ظريف مليح المذهب، من أشعار المترفين و أولاد النّعم.

حدّثني أبو القاسم الشّيربابكيّ [2]-و كان نديما لجدّي يحيى بن محمد-عن يحيى بن حازم، قال: حدّثني عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ، قال:

دخل محمد بن عبد الملك الزيات على الواثق و أنا بين يديه أغنّيه، و قد استعادني‏[3]صوتا فاستحسنه، فقال له محمد بن عبد الملك: هذا و اللّه يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه و استحسانك له و اصطناعك إيّاه، فقال:

أجل، هذا مولاي و ابن مولاي و ابن مواليّ لا يعرفون غير ذلك، فقال له: ليس كلّ مولى-يا أمير المؤمنين-/بوليّ /لمواليه، و لا كلّ مولّى متجمّل بولائه، يجمع ما جمع عبد اللّه من ظرف و أدب و صحّة عقل و جودة شعر، فقال الحسن له: صدقت يا محمد. فلما كان من الغد جئت محمد بن عبد الملك شاكرا لمحضره‏[4]، فقلت له في أضعاف كلامي: و أفرط الوزير-أعزه اللّه-في وصفي و تقريظي بكلّ شي‏ء حتى وصفني بجودة الشّعر و ليس ذلك عندي، و إنما أعبث بالبيتين و الثّلاثة، و لو كان عندي أيضا شي‏ء بعد ذلك لصغر عن أن يصفه الوزير، و محلّه في هذا الباب المحلّ الرفيع المشهور، فقال: و اللّه يا أخي، لو عرفت مقدار شعرك و قولك:

يا شادنا رام إذ مرّ # في السّعانين قتلي‏

[1]ادعى إليه: انتسب.

[2]مي، مد: «السير بابكي» . و في ب: «السشير بابكي» .

[3]ب: «و قد استغناني» .

[4]ف، مي: «شاكرا لحسن محضره» .

147

يقول لي: كيف أصبـ # حت كيف يصبح مثلي!

لما قلت هذا القول، و اللّه لو لم يكن لك شعر في عمرك كله إلا قولك: «كيف يصبح مثلي» لكنت شاعرا مجيدا.

حدّثني جحظة، قال: حدّثني أحمد بن الطّيّب، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق، قال:

سمعت عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ يقول: أنا أوّل من غنّى بالكنكلة[1]في الإسلام و وضعت هذا الصوت عليها:

أتاني يؤامرني في الصّبو # ح ليلا فقلت له: غادها

سبب تعلمه الغناء

حدّثني جعفر بن قدامة، قال: حدّثنا عليّ بن يحيى المنجّم، قال: حدّثني عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ، قال:

كان سبب دخولي في الغناء و تعلّمي إياه أنّي كنت أهوى جارية لعمّتي رقيّة بنت الفضل بن الرّبيع، فكنت لا أقدر على ملازمتها و الجلوس معها خوفا من أن يظهر ما لها عندي فيكون ذلك سبب منعي منها، فأظهرت لعمّتي أنني أشتهي أن أتعلّم الغناء و يكون ذلك في ستر عن جدّي، و كان جدّي و عمّتي في حال من الرّقة عليّ و المحبّة لي لا نهاية وراءها، لأنّ أبي توفّي في حياة جدّي الفضل، فقالت: يا بنيّ، و ما دعاك إلى ذلك؟فقلت: شهوة غلبت على قلبي إن منعت منها متّ غمّا، و كان لي في الغناء طبع قويّ، فقالت لي: أنت أعلم و ما تختاره، و اللّه ما أحبّ منعك من شي‏ء، و إني لكارهة أن تحذق ذلك و تشهر به فتسقط و يفتضح أبوك و جدّك، فقلت: لا تخافي ذلك، فإنما آخذ منه مقدار ما ألهو به، و لازمت الجارية لمحبّتي إيّاها بعلّة الغناء، فكنت آخذ عنها و عن صواحباتها حتى تقدّمت الجماعة حذقا، و أقررن لي بذلك، و بلغت ما كنت أريد من أمر الجارية، و صرت ألازم مجلس جدّي فكان يسرّ بذلك و يظنّه تقرّبا مني إليه، و إنما كان وكدي فيه أخذ الغناء، فلم يكن يمرّ لإسحاق و لا لابن جامع و لا للزّبير بن دحمان و لا لغيرهم صوت إلا أخذته، فكنت سريع الأخذ، و إنما كنت أسمعه مرّتين أو ثلاثا، و قد صحّ لي و أحسست من نفسي قوّة في الصّناعة، فصنعت أول صوت صنعته في شعر العرجيّ:

أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها # و أدنت على الخدّين بردا مهلهلا

ثم صنعت في:

أقفر من بعد خلّة سرف # فالمنحنى فالعقيق فالجرف‏[2]

/و عرضتهما على الجارية الّتي كنت أهواها و سألتها عمّا عندها فيهما، فقالت: لا يجوز/أن يكون في الصّنعة شي‏ء فوق هذا، و كان جواري الحارث بن بُسخُنَّر[3]و جواري ابنه محمد يدخلن إلى دارنا فيطرحن على جواري [1]مي، مد: «بالكبكلة» . و في المختار: «بالكلكلة» . و جاء في مقال للأستاذ بهجت الأثري عضو المجمع اللغوي عنوانه «الألفاظ الحضارية و دلالتها التاريخية» ؛ الكنكلة: آلة طرب هندية ذات وتر واحد يمر على قرعة فيقوم مقام أوتار العود «عن كتاب فخر السودان على البيضان للجاحظ» ، أو لعلها نغمة من نغمات الموسيقى أو آلة من آلات الطرب عرفها العباسيون و استعملوها في أواخر القرن الثاني. و انظر «نهاية الأرب» للنويري 5: 22.

[2]سرف و المنحنى و العقيق و الجرف: مواضع. و في ب: «من بعد حلة» .

[3]ب: «بشخير» .

148

عمّتي و جواري جدّي و يأخذن أيضا مني ما ليس عندهن من غناء دارنا، فسمعنني ألقي هذين الصّوتين على الجارية، فأخذنهما منّي و سألن الجارية عنهما، فأخبرتهن أنّهما من صنعتي، فسألنها أن تصحّحهما لهنّ، ففعلت فأخذنهما عنها، ثم اشتهر حتى غنّي الرّشيد بهما يوما، فاستظرفهما و سأل إسحاق: هل تعرفهما؟فقال: لا، و إنّهما لمن حسن الصّنعة و جيّدها و متقنها، ثم سأل الجارية عنهما فتوقّفت خوفا من عمّتي و حذرا أن يبلغ جدّي أنها ذكرتني، فانتهرها الرشيد، فأخبرته بالقصة.

جدّه ينفي معرفته بأنه يغني‏

فوجّه من وقته فدعا بجدّي، فلما أحضره قال له: يا فضل، يكون لك ابن يغنّي ثم يبلغ في الغناء المبلغ الّذي يمكنه معه أن يصنع صوتين يستحسنهما إسحاق و سائر المغنّين و يتداولهما جواري القيان و لا تعلمني بذلك؟كأنك رفعت قدره عن خدمتي في هذا الشأن!فقال له جدّي: و حقّ ولائك يا أمير المؤمنين و نعمتك، و إلاّ فأنا نفيّ منهما بري‏ء من بيعتك‏[1]و عليّ العهد و الميثاق و العتق و الطّلاق، إن كنت علمت بشي‏ء من هذا قطّ إلا منك السّاعة، فمن هذا من ولدي؟قال: عبد اللّه بن العبّاس هو، فأحضرنيه السّاعة. فجاء جدّي و هو يكاد أن ينشقّ غيظا، فدعاني، فلمّا خرجت إليه شتمني و قال: يا كلب، بلغ من أمرك و مقدارك أن تجسر على أن تتعلّم الغناء بغير إذني، ثم زاد ذلك حتى صنعت، و لم تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجواري في داري، ثم تجاوزتهن إلى جواري الحارث بن بُسخُنَّر، فاشتهرت و بلغ أمرك أمير المؤمنين، فتنكّر لي و لا مني و فضحت آباءك/في قبورهم، و سقطت الأبد إلا من المغنّين و طبقة الخنياكرين‏[2]. فبكيت غمّا بما جرى، و علمت أنه قد صدق، فرحمني و ضمّني إليه و قال: قد صارت الآن مصيبتي في أبيك مصيبتين: إحداهما به و قد مضى و فات، و الأخرى بك و هي موصولة بحياتي، و مصيبة باقية العار عليّ و على أهلي بعدي، و بكى و قال: عزّ عليّ يا بنيّ أن أراك أبدا ما بقيت على غير ما أحبّ، و ليست لي في هذا الأمر حيلة، لأنّه أمر قد خرج عن يدي، ثم قال: جئني بعود حتى أسمعك و أنظر كيف أنت، فإن كنت تصلح للخدمة في هذه الفضيحة، و إلا جئته بك منفردا و عرّفته خبرك و استعفيته لك، فأتيته بعود و غنّيته غناء قديما، فقال: لا، بل غنّي صوتيك اللذين صنعتهما، فغنّيته إيّاهما فاستحسنهما و بكى، ثم قال: بطلت و اللّه يا بنيّ و خاب أملي فيك، فوا حزني عليك و على أبيك!فقلت له: يا سيّدي، ليتني متّ من قبل ما أنكرته أو خرست، و ما لي حيلة و لكنّي و حياتك يا سيّدي، و إلا فعليّ عهد اللّه و ميثاقه و العتق و الطّلاق و كلّ يمين يحلف بها حالف لازمة لي، لا غنّيت أبدا إلا لخليفة أو وليّ عهد، فقال: قد أحسنت فيما نبّهت‏[3]عليه من هذا.

غنى أمام الرشيد فطرب و كافأه و كساه‏

ثم ركب و أمرني، فأحضرت فوقفت بين يدي الرّشيد و أنا أرعد فاستدناني حتى صرت أقرب الجماعة إليه و مازحني و أقبل عليّ و سكّن منّي، و أمر جدّي بالانصراف و أمر الجماعة فحدّثوني‏[4]، و سقيت أقداحا و غنى المغنّون جميعا، فأومأ إليّ إسحاق الموصليّ بعينه/أن ابدأ فغنّ إذا بلغت النّوبة إليك قبل أن تؤمر بذلك، ليكون ذلك أصلح [1]ف: «بري‏ء من تبعتك» .

[2]خنياگر: كلمة فارسية بمعنى المطرب و الموسيقيّ.

[3]ف: «تنبهت عليه من هذا» .

[4]ف، المختار: «و أومأ إلى الجماعة فخدموني» .

149

و أجود بك، فلما جاءت النّوبة إليّ أخذت عودا ممّن كان إلى جنبي و قمت قائما و استأذنت في الغناء، فضحك الرشيد و قال: غنّ جالسا، فجلست و غنّيت لحني الأوّل/فطرب و استعاده ثلاث مرّات، و شرب عليه ثلاثة أنصاف، ثم غنّيت الثاني، فكانت هذه حاله، و سكر، فدعا بمسرور فقال له: احمل السّاعة مع عبد اللّه عشرة آلاف دينار و ثلاثين ثوبا من فاخر ثيابي، و عيبة مملوءة طيبا، فحمل ذلك أجمع معي.

المعتصم يأمره بالتكفير عن يمينه و الغناء لأصحابه جميعا

قال عبد اللّه: و لم أزل كلّما أراد وليّ عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة الوالي أ هو أم غيره دعاني فأمرني بأن أغنّي، فأعرّفه بيميني، فيستأذن الخليفة في ذلك، فإن أذن لي في الغناء عنده عرف أنه وليّ عهد، و إلاّ عرف أنه غيره حتى كان آخرهم الواثق، فدعاني في أيّام المعتصم و سأله أن يأذن لي في الغناء، فأذن لي، ثم دعاني من الغد فقال: ما كان غناؤك إلا سببا لظهور سرّي و سرّ الخلفاء قبلي، و لقد همّمت أن آمر بضرب رقبتك. لا يبلغني أنّك امتنعت من الغناء عند أحد، فو اللّه لئن بلغني لأقتلنّك، فأعتق من كنت تملكه يوم حلفت، و طلق من كان يوجد عندك من الحرائر، و استبدل بهنّ و عليّ العوض من ذلك، و أرحنا من يمينك هذه المشئومة، فقمت و أنا لا أعقل خوفا منه، فأعتقت جميع من كان بقي عندي من مماليكي، الذين حلفت يومئذ و هم في ملكي، و تصدّقت بجملة، و استفتيت في يميني أبا يوسف القاضي حتى خرجت منها، و غنّيت بعد ذلك إخواني جميعا حتى اشتهر أمري، و بلغ المعتصم خبري، فتخلّصت منه، ثم غضب عليّ الواثق لشي‏ء أنكره، و ولي الخلافة و هو ساخط عليّ فكتبت إليه:

اذكر أمير المؤمنين وسائلي‏[1] # أيّام أرهب سطوة السّيف

أدعو إلهي أن أراك خليفة # بين المقام و مسجد الخيف‏

فدعاني و رضي عنّي.

/حدّثني سليمان بن أبي شيخ قال:

دخلت على العبّاس بن الفضل بن الربيع ذات يوم و هو مختلط مغتاظ و ابنه عبد اللّه عنده، فقلت له: ما لك أمتع اللّه بك؟قال: لا يفلح و اللّه ابني عبد اللّه أبدا. فظننته قد جنى جناية، و جعلت أعتذر إليه له، فقال: ذنبه أعظم من ذلك و أشنع، فقلت: و ما ذنبه؟قال: جاءني بعض غلماني فحدّثني أنه رآه بقطربّل يشرب نبيذ الدّاذيّ‏[2]بغير غناء، فهل هذا فعل من يفلح؟فقلت له و أنا أضحك: سهّلت عليّ القصّة، قال: لا تقل ذاك فإنّ هذا من ضعة النّفس و سقوط الهمّة، فكنت إذا رأيت عبد اللّه بعد ذلك في جملة المغنّين، و شاهدت تبذّله في هذه الحال و انخفاضه عن مراتب أهله تذكّرت قول أبيه فيه.

صنع غناء في شعر لأبي العتاهية و غناه‏

قال: و سمعته يوما يغني بصنعته في شعر أبي العتاهية:

[1]المختار: «رسائلي» .

[2]الداذي: شراب الفساق. و في ف: «يشرب الداذيّ» .

150
صوت‏

أنا عبد لها مقرّ و ما يملك غيرها من النّاس رقّا

ناصح مشفق و إن كنت ما أر # زق منها و الحمد للّه عتقا

ليتني متّ فاسترحت فإنّي # أبدا ما حييت منها ملقّى‏

/لحن عبد اللّه بن العبّاس في هذا الشّعر رمل.

إسحاق الموصلي يصنع له لحنا من شعره‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني عليّ بن يحيى و أحمد بن حمدون، عن أبيه. و أخبرني جحظة، عن أبي عبد اللّه الهاشميّ، أنّ إسحاق الموصليّ دخل يوما إلى الفضل/بن الرّبيع و ابن ابنه عبد اللّه بن العبّاس في حجره قد أخرج إليه و له نحو السّنتين، و أبوه العبّاس واقف بين يديه، فقال إسحاق للوقت:

مدّ لك اللّه الحياة مدّا # حتى يكون ابنك هذا جدّا

مؤزّرا بمجده مردّى # ثم يفدّى مثل ما تفدّى

أشبه منك سنّة[1]و خدّا # و شيما محمودا و مجدا

كأنّه أنت إذا تبدّى‏

قال: فاستحسن الفضل الأبيات و صنع فيها إسحاق لحنه المشهور، و قال جحظة في خبره عن الهاشميّ، و هو رمل ظريف من حسن الأرمال و مختارها، فأمر له الفضل بثلاثين ألف درهم.

أصبح العباس بن الفضل مهموما فنشطه الشعر و الشراب‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمر، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، قال:

حدّثني بعض ندماء الفضل بن الربيع قال: كنا عند الفضل بن الربيع في يوم دجن، و السماء ترشّ‏[2]و هو أحسن يوم و أطيبه، و كان العبّاس يومئذ قد أصبح مهموما، فجهدنا أن ينشط، فلم تكن لنا في ذلك حيلة، فبينا نحن كذلك إذ دخل عليه بعض الشعراء، إمّا الرّقاشيّ و إمّا غيره من طبقته، فسلّم و أخذ بعضادتي الباب ثم قال:

ألا أنعم صباحا يا أبا الفضل‏[3]و اربع # على مربع القطربليّ المشعشع

و علّل نداماك العطاش بقهوة # لها مصرع في القوم غير مروّع

فإنك لاق كلّما شئت ليلة # و يوما يغصّان الجفون بأدمع‏

/قال: فبكى العبّاس و قال: صدقت و اللّه، إن الإنسان ليلقى ذلك متى يشاء، ثم دعا بالطّعام فأكل، ثم دعا بالشّراب فشرب و نشط، و مرّ لنا يوم حسن طيّب.

[1]السنة: الوجه أو الجبهة.

[2]ف: «تطش» . و في مد: «تبغش» . و في مي: «تبعثر» .

[3]ت: «أيها الفضل» .

151

وسط أحمد بن المرزبان المنتصر

حدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، قال:

جاءني عبد اللّه بن العبّاس في خلافة المنتصر و قد سألني عرض رقعة عليه، فأعلم أنّي نائم، و قد كنت شربت باللّيل شربا كثيرا، فصلّيت الغداة و نمت، فلما انتبهت إذا رقعة عند رأسي و فيها مكتوب:

أنا بالباب واقف منذ أصبـ # حت على السّرج ممسك بعناني

و بعين البوّاب كلّ الّذي بي # و يراني كأنّه لا يراني‏

فأمرت بإدخاله، فدخل، فعرّفته خبري و اعتذرت إليه و عرضت رقعته على المنتصر و كلّمته حتى قضى حاجته.

غناؤه مع إسحاق‏

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، قال:

دعا عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ يوما أبي، و سأله أن يبكر إليه‏[1]ففعل، فلما دخل بادر إليه عبد اللّه بن العبّاس ملتقيا و في يده العود و غنّاه:

قم نصطبح يفديك كلّ مبخّل # عاب‏[2]الصّبوح لحبّه للمال

من قهوة صفراء صرف‏[3]مزّة # قد عتّقت في الدّنّ مذ أحوال‏

/قال: و قدّم الطّعام فأكلنا و اصطبحنا، و اقترح أبي هذا الصّوت عليه بقيّة يومه.

يناشد الشعر مع إسحاق بعد أن غنى‏

قال: و أتيته في داره بالمطيرة[4]عائدا، فوجدته في عافية، فجلسنا نتحدّث فأنشدته لذي الرّمّة:

إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه # بلا إحنة بين النّفوس و لا ذحل

تبسّمن عن نور الأقاحيّ في الثّرى # و فتّرن عن أبصار مكحولة نجل

و كشفن عن أجياد غزلان رملة # هجان فكان القتل أو شبهة[5]القتل

و إنّا لنرضى حين نشكو بخلوة # إليهن حاجات النّفوس بلا بذل

و ما الفقر أزرى عندهنّ بوصلنا # و لكن جرت أخلاقهنّ على البخل‏

قال: فأنشدني هو:

أنّى اهتدت لمناخنا[6]جمل # و من الكرى لعيوننا كحل‏

[1]ب: «يبكر عليه» .

[2]ب: «دأب الصبوح» .

[3]ب: «صفر مرة» .

[4]المطيرة: قرية من نواحي سامراء، كانت من متنزهات بغداد و سامراء.

[5]ف: «أو شبه» . و في مي، مد: «مشبه القتل» .

[6]المناخ: محل الإقامة.

152

طرقت أخا سفر و ناجية # خرقاء عرّفني بها الرّحل‏[1]

في مهمه هجع الدّليل به # و تعلّلت بصريفها البزل‏[2]

فكأنّ أحدث من ألمّ به # درجت على آثاره النّمل‏

قال إسحاق: فقال لي عبد اللّه بن العبّاس: كلّ ما يملك في سبيل اللّه إن فارقتك و لم نصطبح على هذين الشّعرين، و أنشدك و تنشدني، ففعلنا ذلك و ما غنّينا و لا غنّينا.

اصطبح مع خادم صالح بن عجيف على زنا بنت الخس‏

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

/لقيت عبد اللّه بن العبّاس يوما في الطّريق فقلت له: ما كان خبرك أمس؟فقال: اصطحبت، فقلت: على ما ذا و مع من؟فقال: مع خادم صالح بن عجيف، و أنت به عارف، و بخبري معه و محبّتي له عالم، فاصطبحنا على زنا بنت الخسّ‏[3]لمّا حملت من زنا، و قد سئلت: ممّن حملت؟فقالت:

أشمّ كغصن البان جعد مرجّل # شغفت به لو كان شيئا مدانيا

ثكلت أبي إن كنت ذقت كريقه # سلافا و لا عذبا من الماء صافيا[4]

و أقسم لو خيّرت بين فراقه # و بين أبي لاخترت أن لا أبا ليا

فإن لم أوسّد ساعدي بعد هجعة[5] # غلاما هلاليّا فشلّت بنانيا[6]

فقلت له: أقمت على لواط و شربت على زنا، و اللّه ما سبقك إلى هذا أحد.

طلب من فائز غلام محمد بن راشد الغناء و هم يشربون‏

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ، قال: أخبرني ميمون بن هارون، قال:

كان محمد بن راشد الخنّاق عند عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع على القاطول في أيام المعتصم، و كان لمحمد بن راشد غلام يقال له: فائز، يغنّي غناء حسنا، فأظلّتهم سحابة و هم يشربون، فقال عبد اللّه بن العبّاس:

محمد قد جادت علينا بمائها # سحابة مزن برقها يتهلّل

و نحن من القاطول في متربّع # و منزلنا فيه المنابت مبقل‏[7]

فمر فائزا يشدو إذا ما سقيتني # أ عن ظعن الحيّ الألى كنت تسأل

و لا تسقني إلا حلالا فإنّني # أعاف من الأشياء ما لا يحلّل‏

[1]ف، مد: «عرّق نيّها الرحل» . و في مي: «عرق قتبها» . و الناجية: الناقة السريعة.

[2]المهمه: المفازة البعيدة، و الصريف: صرير ناب البعير، و البزل جمع بازل، و هو البعير الّذي انشق نابه بدخوله في السنة التاسعة.

[3]ب: «الحسن» . و في مي، مد: «الخنس» .

[4]ف: «سلافا و لا ماء من المزن صافيا» .

[5]ف: «بعد رقدة» .

[6]المختار: «فشلت يمينيا» .

[7]القاطول: اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة، و كان في موضع سامراء قبل أن تعمر و كان الرشيد أول من حفر هذا النهر. (معجم البلدان) . و في ب:

«و منزلنا جم المذانب مبقل»

. ـ

153

/قال: فأمر محمد بن راشد غلامه فائزا، فغنّاه بهذا الصوت، و شرب عليه حتى سكر.

قال: و كان أبو أحمد بن الرّشيد قد عشق فائزا، فاشتراه من محمد بن راشد بثلاثمائة ألف درهم، فبلغ ذلك المأمون، فأمر بأن يضرب محمد بن راشد ألف سوط، ثم سئل فيه فكفّ عنه، و ارتجع منه نصف المال، و طالبه بأكثر فوجده قد أنفقه و قضى دينه، ثم حجر على أبي أحمد بن الرّشيد، فلم يزل محجورا عليه طوال أيام المأمون؛ و كان أمر ماله مردودا إلى مخلد بن أبان.

شرب الخمر في ليلة من رمضان إلى الفجر

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: أخبرني ابن الجرجانيّ‏[1]، قال:

اتفق يوم النيروز في شهر رمضان، فشرب عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل في تلك اللّيلة إلى أن بدا الفجر أن يطلع، و قال في ذلك و غنّى فيه قوله:

اسقني صفراء صافية # ليلة النّيروز و الأحد

حرّم الصّوم اصطباحكما # فتزوّد شربها لغد

صنع لحنا للواثق و غناه في يوم نيروز فلم يستعد غيره‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر، قال:

قال لي محمد بن الفضل الجرجانيّ: أنشدت عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ للمعلّى الطائيّ:

باكر صبوحك صبحة النّيروز # و اشرب بكأس مترع و بكوز

ضحك الربيع إليك عن نوّاره # آس و نسرين و مرماحوز

فاستعادنيهما فأعدتهما عليه، و سألني أن أمليهما، و صنع فيهما لحنا غنّى به الواثق في يوم نيروز، فلم يستعد غيره يومئذ، و أمر له بثلاثين ألف درهم.

تأثر من شعر لجميل إلى أن بكى‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني عليّ بن يحيى، قال:

أنشدني عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع لجميل، و أنشدنيه و هو يبكي و دموعه تنحدر على لحيته.

صوت‏

فما لك لما خبّر الناس أنّني # غدرت بظهر الغيب لم تسليني‏[2]

فأحلف بتّا أو أجي‏ء بشاهد # من الناس عدل إنّهم ظلموني‏

قال: و له فيه صنعة من خفيف الثّقيل و خفيف الرمل.

[1]ف: «ابن الجرجراني» .

[2]ب: «لم تسأليني» ، و هو بذلك يختل وزنه.

154

كان مصطبحا دهره و يقول الشعر في الصبوح‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عبيد اللّه بن محمد بن عبد الملك الزّيات، قال: حدّثنا نافذ مولانا، قال:

كان عبد اللّه بن العبّاس صديقا لأبيك، و كان يعاشره كثيرا، و كان عبد اللّه بن العباس مصطبحا دهره لا يفوته ذلك إلاّ في يوم جمعة أو صوم شهر رمضان، و كان يكثر المدح للصّبوح و يقول الشّعر فيه، و يغنّي فيما يقوله، قال عبيد اللّه: فأنشدني نافذ مولانا و غيره من أصحابنا في ذلك، منهم حمّاد بن إسحاق:

صوت‏

و مستطيل على الصّهباء باكرها # في فتية باصطباح الرّاح حذّاق

فكلّ شي‏ء رآه خاله‏[1]قدحا # و كلّ شخص رآه خاله‏[1]الساقي‏

قال: و لحنه فيه خفيف رمل ثقيل. قال حمّاد: و كان أبي يستجيد هذا الصّوت من صنعته/، و يستحسن شعره و يعجب من قوله:

/

فكلّ شي‏ء رآه خاله قدحا # و كلّ شخص رآه خاله السّاقي‏

و يعجب من قوله:

و مستطيل على الصّهباء باكرها

و يقول: و أيّ شي‏ء تحته من المعاني الظريفة!.

قال: و سمعه أبي يغنّيه فقال له: كأنّك و اللّه يا عبد اللّه خطيب يخطب على المنبر، قال عبد اللّه بن محمد:

فأنشدني حمّاد له في الصّبوح:

لا تعذلن في صبوحي # فالعيش شرب الصّبوح

ما عاب مصطبحا قـ # طّ غير وغد شحيح‏

قال عمّي: قال عبيد اللّه: دخل يوما عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ على أبي مسلّما، فلما استقرّ به المجلس و تحادثا ساعة قال له: أنشدني شيئا من شعرك، فقال: إنما أعبث و لست ممّن يقدم عليك بإنشاد شعره، فقال:

أ تقول هذا و أنت القائل:

يا شادنا رام إذ مرّ # في السّعانين قتلي

تقول لي: كيف أصبحت؟ # كيف يصبح مثلي!

أنت و اللّه أعزّك اللّه أغزل الناس و أرقّهم شعرا، و لو لم تقل غير هذا البيت الواحد لكفاك و لكنت شاعرا.

كتب شعرا في ليلة مقمرة و صنع فيه لحنا

أخبرني عمّي و الحسين بن القاسم الكوكبيّ، قالا: حدّثنا أحمد بن أبي طاهر، قال: حدّثني أحمد بن الحسين الهشاميّ‏[2]أبو عبد اللّه، قال:

[1]التجريد: «ظنه» .

[2]ف: «الهاشمي» .