الأغاني - ج19

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
209 /
155

حدّثني عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع قال:

/كنت جالسا على دجلة في ليلة من اللّيالي، و أخذت دواة و قرطاسا و كتبت شعرا حضرني و قلته في ذلك الوقت:

صوت‏

أخلفك الدهر ما تنظره # فاصبر فذا جلّ أمر ذا القدر[1]

لعلّنا أن نديل من زمن‏[2] # فرّقنا و الزّمان ذو غير

قال: ثم أرتج عليّ فلم أدر ما أقول حتى يئست من أن يجيئني شي‏ء، فالتفتّ فرأيت القمر و كانت ليلة تتمّته فقلت:

فانظر إلى البدر فهو يشبهه # إن كان قد ضنّ عنك بالنّظر

ثم صنعت فيه لحنا من الثّقيل الثاني. قال أبو عبد اللّه الهشاميّ: و هو و اللّه صوت حسن.

وصف البرق و صنع فيه لحنا غناه للواثق‏

أخبرني جحظة عن ابن حمدون، و أخبرني به الكوكبيّ، عن عليّ بن محمد بن نصر، عن خالد بن حمدون، قال:

كنّا عند الواثق في يوم دجن، فلاح برق و استطار، فقال: لو في هذا شي‏ء[3]، فبدرهم عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع، فقال هذين البيتين:

أعنّي على لامع بارق # خفيّ كلمحك بالحاجب

كأنّ تألّقه في السّماء # يدا كاتب أو يدا حاسب‏

/و صنع فيه لحنا شرب فيه الواثق بقيّة يومه، و استحسن شعره و معناه و صنعته، و وصل عبد اللّه بصلة سنيّة.

صنع لحنا في شعر الحسين بن الضحاك و غناه‏

حدّثني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد/بن محمد بن مروان، قال: حدّثني الحسين بن الضّحّاك، قال:

كنت عند عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع، و هو مصطبح، و خادم له قائم يسقيه فقال لي: يا أبا عليّ، قد استحسنت سقي هذا الخادم، فإن حضرك شي‏ء في قصّتنا هذه فقل، فقلت:

أحيت صبوحي فكاهة اللاّهي # و طاب يومي بقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكامنه # من قبل يوم منغّص ناهي

بابنة كرم من كفّ منتطق # مؤتزر بالمجون تيّاه‏

[1]ف:

«فاصبر فهذي جرائر القدر»

.

[2]أدال اللّه بني فلان من عدوهم: جعل الكرة لهم عليه. و في ف: لعلنا أن ندال» .

[3]ف: «قولوا في هذا شيئا» . و في مي، مد: «لو أن في هذا شيئا» .

156

يسقيك من طرفه و من يده‏[1] # سقي لطيف مجرّب داهي

طاسا و كاسا[2]كأنّ شاربها # حيران بين الذّكور و السّاهي‏

فاستحسنه عبد اللّه، و غنّى فيه لحنا مليحا، و شربنا عليه بقيّة يومنا.

قصته مع جارية نصرانية أحبها

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه أحمد بن المرزبان بن الفيرزان‏[3]، قال: حدّثني شيبة بن هشام، قال:

كان عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع قد علق جارية نصرانيّة قد رآها في بعض أعياد النّصارى، فكان لا يفارق البيع في أعيادهم شغفا بها، فخرج في عيد ما سرجيس فظفر بها في بستان إلى جانب البيعة، و قد كان قبل ذلك يراسلها و يعرّفها حبّه لها، فلا تقدر على مواصلته و لا على لقائه إلا على الطّريق، فلما ظفر بها التوت عليه /و أبت بعض الإباء، ثم ظهرت له و جلست معه، و أكلوا و شربوا، و أقام معها و مع نسوة كنّ معها أسبوعا، ثم انصرفت في يوم خميس، فقال عبد اللّه بن العبّاس في ذلك و غنّى فيه:

ربّ صهباء من شراب المجوس # قهوة بابليّة خندريس

قد تجلّيتها بناي و عود # قبل ضرب الشّمّاس بالنّاقوس

و غزال مكحّل ذي دلال # ساحر الطرف سامريّ عروس

قد خلونا بطيبه نجتليه # يوم سبت إلى صباح الخميس

بين ورد و بين آس جنيّ # وسط بستان دير ما سرجيس

يتثنّى بحسن جيد غزال # و صليب مفضّض آبنوسي

كم لثمت الصّليب في الجيد منها # كهلال مكلّل بشموس‏

تطير من الغراب و استبشر بالهدهد

أخبرني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، عن شيبة بن هشام، قال:

كان عبد اللّه بن العبّاس يوما جالسا ينتظر هذه النّصرانيّة الّتي كان يهواها، و قد وعدته بالزّيارة، فهو جالس ينتظرها و يتفقّدها إذ سقط غراب على برّادة[4]داره فنعب مرّة واحدة ثم طار، فتطيّر عبد اللّه من ذلك و لم يزل ينتظرها يومه فلم يرها، فأرسل رسوله عشاء[5]يسأل عنها، فعرّف أنها قد انحدرت مع أبيها[6]إلى بغداد، فتنغّص عليه يومه، و تفرّق من كان عنده، و مكث مدّة لا يعرف لها خبرا. فبينا هو جالس ذات يوم مع أصحابه، إذ سقط هدهد على برّادته، فصاح ثلاثة أصوات و طار، فقال عبد اللّه بن العبّاس: و أيّ شي‏ء أبقى الغراب للهدهد علينا؟ [1]ف:

«يسقيك من عينه و من يده»

.

[2]ف: «كأسا و كأسا» .

[3]ف: «المرزبان بن الفيروزان» .

[4]البرادة: شي‏ء يتخذ فوق الدار. توضع عليه أواني الماء لتبرد.

[5]ف: «فوجه برسوله عشيّا» .

[6]ف: «مع أخيها» .

157

و هل ترك لنا أحدا يؤذينا بفراقه؟و تطيّر من ذلك، فما فرغ من كلامه حتى دخل رسولها يعلمه/أنها/قد قدمت منذ ثلاثة أيام، و أنها قد جاءته زائرة على إثر رسولها، فقال في ذلك من وقته:

سقاك اللّه يا هد # هد و سميّا من القطر

كما بشّرت بالوصل # و ما أنذرت بالهجر

فكم ذا لك من بشرى # أتتني منك في ستر

كما جاءت سليمان # فأوفت منه بالنّذر

و لا زال غراب البـ # ين في قفّاعة[1]الأسر

كما صرّح بالبين # و ما كنت به أدري‏

و لحنه في هذا الشّعر هزج.

غنى للمتوكل لحنا لم يعجبه فذكره بألحان له سابقة

حدّثني عمّي، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن مصعب:

قال لي عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ: لمّا صنعت لحني في شعري:

ألا اصبحاني يوم السّعانين # من قهوة عتّقت بكركين‏[2]

عند أناس قلبي بهم كلف # و إن تولّوا دينا سوى ديني

قد زيّن الملك جعفر و حكى # جود أبيه و بأس هارون

و أمّن‏[3]الخائف البري‏ء كما # أخاف أهل الإلحاد في الدّين‏

دعاني المتوكّل، فلما جلست في مجلس المنادمة غنّيت هذا الصّوت فقال لي: يا عبد اللّه، أين غناؤك في هذا الشعر في أيّامي هذه من غنائك في:

/

أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها # و أدنت على الخدّين بردا مهلهلا

و من غنائك في:

أقفر من بعد خلّة سرف # فالمنحنى فالعقيق فالجرف‏

و من سائر صنعتك المتقدّمة الّتي استفرغت محاسنك فيها، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنّي كنت أتغنّى في هذه الأصوات و لي شباب و طرب و عشق، و لو ردّ عليّ لغنّيت مثل ذلك الغناء، فأمر لي بجائزة و استحسن قولي.

غنى للمنتصر بشعر لم يطلبه منه فلم يصله بشي‏ء

حدّثني عمّي، قال: حدّثنا أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني أبي، قال:

ذكر المنتصر يوما عبد اللّه بن العبّاس و هو في قراح‏[4]النّرجس مصطبح، فأحضره و قال له: يا عبد اللّه، اصنع [1]القفاعة: شي‏ء يتخذ من جريد النخل، ثم يرسل به على الصيد فيصاد.

[2]كركين: من قرى بغداد (معجم ياقوت) . و في ب: «بكرين» و هو تحريف.

[3]ف: «و آس الخائف» .

[4]القراح من كل شي‏ء: الخالص.

158

لحنا في شعري الفلانيّ، و غنّني به، و كان عبد اللّه حلف لا يغنّي في شعره، فأطرق مليّا، ثم غنّى في شعر قاله للوقت و هو:

يا طيب يومي في قراح النّرجس # في مجلس ما مثله من مجلس!

تسقى مشعشعة كأنّ شعاعها # نار تشبّ لبائس مستقبس‏

قال: فجهد أبي بالمنتصر يوما و احتال عليه بكلّ حيلة أن يصله بشي‏ء فلم يفعل.

غنى للمتوكل فأطربه و أمر له بجائزة

حدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني أبي، قال:

غضبت قبيحة على المتوكّل و هاجرته، فجلس و دخل الجلساء و المغنّون، و كان فيهم عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ، و كان قد عرف الخبر، فقال هذا الشّعر و غنّى فيه:

لست منّي و لست منك فدعني # و امض عنّي مصاحبا بسلام‏[1]

/لم تجد علّة تجنّى بها الـ # ذّنب فصارت تعتلّ بالأحلام

/فإذا ما شكوت ما بي قالت: # قد رأينا خلاف ذا في المنام‏

قال: فطرب المتوكّل و أمر له بعشرين ألف درهم و قال له: إنّ في حياتك يا عبد اللّه لأنسا و جمالا و بقاء للمروءة و الظّرف.

غنى بشعر للسليك‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ، قال:

كنت في بعض العساكر فأصابتنا السّماء حتى تأذّينا، فضربت لي قبّة تركيّة، و طرح لي فيها سريران، فخطر بقلبي قول السّليك:

صوت‏

قرّب النّحّام‏[2]و اعجل يا غلام # و اطرح السّرج عليه و اللّجام

أبلغ‏[3]الفتيان أنّى خائض # غمرة الضّرب فمن شاء أقام‏

فغنّيت فيه لحني المعروف، و غدونا فدخلت مدينة، فإذا أنا برجل يغنّي به و و اللّه ما سبقني إليه أحد و لا سمعه منّي أحد، فما أدري من الرّجل، و لا من أين كان له، و ما أرى إلا أنّ الجنّ أوقعته في لسانه!.

[1]ف:

«يا حبيبي مصاحبا بسلام»

.

[2]النحام: اسم فرس.

[3]ف: «أبلغ» .

159

غنى لمحمد بن الجهم فاحتمل خراجه في سنة

حدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ، قال:

كنت عند محمد بن الجهم البرمكيّ بالأهواز، و كانت ضيعتي في يده، فغنّيته في يوم مهرجان و قد دعانا للشّرب:

صوت‏

المهرجان و يوم الاثنين # يوم سرور قد حفّ بالزّين‏[1]

ينقل من وغرة المصيف إلى‏[2] # برد شتاء ما بين فصلين

محمد يا بن الجهم و من بنى # للمجد بيتا من خير بيتين‏[3]

عش ألف نيروز و مهرج فرحا # في طيب عيش و قرّة العين‏[4]

قال: فسرّ بذلك و احتمل خراجي في تلك السّنة، و كان مبلغه ثلاثين ألف درهم.

عشق جارية عند أبي عيسى بن الرشيد فوجه بها معه إلى منزله‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني ابن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة القطرانيّ، عن محمد بن حسين‏[5]، قال:

كنّا عند أبي عيسى بن الرّشيد في زمن الرّبيع و معنا مخارق، و علّوية، و عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ، و محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر[6]، و نحن مصطبحون في طارمة[7]مضروبة على بستانه، و قد تفتّح فيه ورد و ياسمين و شقائق، و السماء متغيّمة غيما مطبقا، و قد بدأت ترشّ رشّا ساكبا[8]، فنحن في أكمل نشاط و أحسن يوم إذ خرجت قيّمة دار أبي عيسى فقالت: يا سيّدي، قد جاءت عساليج، فقال: لتخرج إلينا، فليس بحضرتنا من تحتشمه، فخرجت إلينا جارية شكلة[9]حلوة، حسنة العقل و الهيئة/و الأدب، في يدها عود. فسلّمت، فأمرها أبو عيسى بالجلوس فجلست، و غنّى القوم حتى انتهى الدّور إليها، و ظنّنا أنها لا تصنع شيئا و خفنا أن تهابنا فتحصر، فغنّت غناء حسنا مطربا متقنا، و لم تدع أحدا ممّن حضر إلا غنّت صوتا من صنعته و أدّته على غاية الإحكام، فطربنا [1]ف: «يوم سرور طيب زين» .

[2]ف: «ينقل من حر مصيف إلى» .

[3]ف:

«محمد بن الجهم يا من بنا # ه المجد من أكرم بيتين»

[4]ف، مي، مد:

«عش ألف نيروز و مهرج بنا # مغتبطا في قرة العين»

[5]ف: «محمد بن جبر» .

[6]ب، مي، مد: «بن بشخير» .

[7]الطارمة: بيت من خشب كالقبة (معرب) .

[8]ف: «رشّا ساكنا» .

[9]شكلت المرأة شكلا: كانت ذات دلال و غزل، فهي شكلة.

160

و استحسنّا غناءها و خاطبناها بالاستحسان، و ألحّ عبد اللّه بن العبّاس من بيننا بالاقتراح عليها و المزاح معها و النّظر إليها، فقال له أبو عيسى: عشقتها و حياتي يا عبد اللّه، قال: لا و اللّه/يا سيّدي و حياتك ما عشقتها، و لكني استحسنت‏[1]كلّ ما شاهدت منها من منظر و شكل و عقل و عشرة و غناء، فقال له أبو عيسى: فهذا و اللّه هو العشق و سببه، و ربّ جدّ جرّه اللّعب. و شربنا، فلما غلب النّبيذ على عبد اللّه غنّى أهزاجا قديمة و حديثة، و غنّى فيما غنّى بينهما هزجا في شعر قاله فيها لوقته، فما فطن له إلا أبو عيسى و هو:

صوت‏

نطق السّكر بسرّي فبدا # كم يرى المكتوم يخفى لا يضح

سحر عينيك إذا مارنتا # لم يدع ذا صبوة أو يفتضح

ملكت قلبا[2]فأمسى غلقا # عندها صبّا بها لم يسترح

بجمال و غناء حسن # جلّ عن أن ينتقيه المقترح

أورث القلب هموما و لقد # كنت مسرورا بمرآه فرح

و لكم مغتبق همّا و قد # بكر[3]اللّهو بكور المصطبح‏

-الغناء لعبد اللّه بن العبّاس هزج-فقال له أبو عيسى: فعلتها و اللّه يا عبد اللّه، و طار/طربا[4]، و شرب على الصّوت و قال له: صحّ و اللّه قولي لك في عساليج، و أنت تكابرني حتّى فضحك السّكر. فجحد، و قال: هذا غناء كنت أرويه، فحلف أبو عيسى أنه ما قاله و لا غنّاه إلا في يومه، و قال له: احلف بحياتي أنّ الأمر ليس هو كذلك، فلم يفعل، فقال له أبو عيسى: و اللّه لو كانت لي لوهبتها لك، و لكنها لآل يحيى بن معاذ، و اللّه لئن باعوها لأملّكنّك إيّاها و لو بكلّ ما أملك، و و حياتي لتنصرفنّ قبلك إلى منزلك، ثم دعا بحافظتها و خادم‏[5]من خدمه، فوجّه بها معهما إلى منزله. و التوى عبد اللّه قليلا و تجلّد، و جاحدنا أمره ثم انصرف.

اشترت عمته عساليج ثم وهبتها له‏

و اتّصل الأمر بينهما بعد ذلك، فاشترتها عمّته رقيّة بنت الفضل بن الرّبيع من آل يحيى بن معاذ، و كانت عندهم حتى ماتت.

فحدّثني جعفر بن قدامة بن زياد عن بعض شيوخه-سقط عني اسمه-قال: قالت بذل الكبيرة لعبد اللّه بن العبّاس: قد بلغني أنك عشقت جارية يقال لها عساليج فاعرضها عليّ، فإمّا أن عذرتك و إمّا أن عذلتك، فوجّه إليها فحضرت، و قال لبذل: هذه هي يا ستي فانظري و اسمعي، ثم مريني بما شئت أطعك، فأقبلت عليه عساليج و قالت:

يا عبد اللّه أ تشاور فيّ؟فو اللّه ما شاورت لمّا صاحبتك، فنعرت‏[6]بذل و صاحت: إيه، أحسنت و اللّه يا صبيّة، و لو لم [1]ف: «استملحت» .

[2]مي، مد، التجريد: «قلبي» . و في ف: «ملكت كفي» .

[3]ف:

«و لكم مقترح هما و قد # باكر... »

.

[4]ف: «و نقر طربا» .

[5]ف: «ثم دعا حافظتها و خادما» .

[6]نعرت: صاحت و صوتت بخيشومها.

161

تحسني شيئا و لا كانت فيك خصلة تحمد لوجب أن تعشقي لهذه الكلمة، أحسنت و اللّه، ثم قالت لعبد اللّه:

ما ضيّعت‏[1]، احتفظ بصاحبتك.

غنى الواثق في يوم نيروز فأمر له بجائزة

حدّثني عمّي، قال: حدّثني محمد[2]بن المرزبان، عن أبيه، عن عبد اللّه بن العبّاس، قال:

/دعانا الواثق في يوم نوروز، فلما دخلت عليه غنّيته في شعر قلته و صنعت فيه لحنا و هو:

هيّ للنّيروز جاما # و مداما و ندامى

يحمدون اللّه و الوا # ثق هارون الإماما

ما رأى كسرى أنوشر # و ان مثل العام عاما

نرجسا غضّا و وردا # و بهارا و خزامى‏

/قال: فطرب و استحسن الغناء، و شرب عليه حتى سكر، و أمر لي بثلاثين ألف درهم.

حدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني شيبة بن هشام قال:

ألقت متيّم على جوارينا هذا اللحن و زعمت أنّها أخذته من عبد اللّه بن العبّاس و الصّنعة له:

صوت‏

اتّخذت عدوّة # فسقى الإله عدوّتي

و فديتها بأقاربي # و بأسرتي و بجيرتي

جدلت كجدل الخيزرا # ن و ثنّيت فتثنّت

و استيقنت أنّ الفؤا # د يحبّها فأدلّت‏

عشق مصابيح و قال فيها شعرا

قال: ثم حدّثتنا متيّم أنّ عبد اللّه بن العبّاس كان يتعشّق مصابيح جارية الأحدب المقيّن‏[3]، و أنّه قال هذا الشعر فيها، و غنّى فيه هذا اللّحن بحضرتها، فأخذته عنه. /هكذا ذكر شيبة بن هشام من أمر مصابيح، و هي مشهورة من جواري آل يحيى بن معاذ، و لعلها كانت لهذا المقيّن قبل أن يملكها آل يحيى، و قبل أن تصل‏[4]إلى رقيّة بنت الفضل بن الرّبيع.

و حدّثنا أيضا عمّي، قال: حدّثنا أحمد بن المرزبان، عن شيبة ابن هشام، قال:

كان عبد اللّه بن العبّاس يتعشّق جارية الأحدب المقيّن-و لم يسمّها في هذا الخبر-فغاضبها في شي‏ء بلغه عنها، ثم رام بعد ذلك أن يترضّاها فأبت، و كتب إليها رقعة يحلف لها على بطلان ما أنكرته، و يدعو اللّه على من [1]ب: ما صنعت «تصحيف» .

[2]ف: «أحمد بن المرزبان» .

[3]ب: «القين» .

[4]ف: «تصير» .

162

ظلم، فلم تجبه عن شي‏ء ممّا كتب به، و وقّعت تحت دعائه: آمين، و لم تجب عن شي‏ء مما تضمّنته الرّقعة بغير ذلك، فكتب إليها:

أمّا سروري بالكتا # ب فليس يقنى ما بقينا

و أتى الكتاب و فيه لي‏[1] # آمين ربّ العالمينا

قال: و زارته في ليلة من ليالي شهر رمضان و أقامت عنده ساعة، ثم انصرفت و أبت أن تبيت و تقيم ليلتها عنده، فقال هذا الشّعر و غنّى فيه هزجا و هو مشهور من أغانيه و هو:

صوت‏

يا من لهمّ أمسى يؤرّقني # حتى مضى شطر ليلة الجهني‏[2]

عنّي و لم أدر أنّها حضرت # كذاك من كان حزنه حزني‏[3]

/إنّي سقيم‏[4]مولّه دنف # أسقمني حسن وجهك الحسن

جودي له بالشفاء منيته # لا تهجري هائما عليك ضني‏

قال: و ليلة الجهنيّ ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، قال رجل من جهينة: إنّه رأى فيها ليلة القدر فيما يرى النّائم فسمّيت ليلة الجهنيّ.

غنى في دار محمد بن حماد

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني شيبة بن هشام، قال:

دعانا محمد بن حمّاد بن دنقش‏[5]و كان له ستارة في نهاية الوصف، و حضر معنا عبد اللّه بن العباس، فقال عبد اللّه و غنّى فيه:

دع عنك لومي فإنّي غير منقاد # إلى الملام و إن أحببت إرشادي

/فلست أعرف لي يوما سررت به # كمثل يومي في دار ابن حمّاد

غنى الواثق بشعر ذكرت فيه أعياد النصارى فخشي أن ينتصر

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى، قال: حدّثني أبو أيّوب المدينيّ، قال: حدّثني ابن المكّيّ، عن عبد اللّه بن العبّاس، قال: لمّا صنعت لحني في شعري:

[1]ف:

«وافي و قد وقّعت لي»

.

[2]ف:

«حتى مضى الشطر ليلة الجهني»

.

[3]ف:

«كذاك من كان حزنها حزني»

.

[4]مد، مي: «إني شقيّ» .

[5]غير واضحة في ف.

163
صوت‏

يا ليلة ليس لها صبح # و موعدا ليس له نجح

من شادن مرّ على وعده الميـ # لاد و السّلّاق و الذّبح‏

-هذه أعياد النّصارى-غنّيته الواثق فقال: ويلكم، أدركوا هذا لا يتنصّر، و تمام هذا الشّعر:

و في السّعانين لو أنّي به # و كان أقصى الموعد الفصح

فاللّه أستعدي على ظالم # لم يغن عنه الجود و الشّحّ‏

/نسخت من كتاب أبي سعيد السّكّريّ: قال أبو العتاهية: و فيه لعبد اللّه بن العبّاس غناء حسن:

أنا عبد لها مقرّ و ما يمـ # لك لي غيرها من الناس رقّا

ناصح مشفق و إن كنت ما أر # زق منها و الحمد للّه عتقا

و من الحين و الشّقاء تعلّ # قت مليكا مستكبرا حين يلقى

إن شكوت الّذي لقيت إليه # صدّ عنّي و قال: بعدا و سحقا

حكى حاله في غناء بحضرة حمدون بن إسماعيل‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عليّ بن محمد بن نصر، عن جدّه حمدون بن إسماعيل، قال:

دخلت يوما إلى عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ، و خادم له يسقيه، و بيده عوده، و هو يغنّي هذا الصوت:

إذا اصطبحت ثلاثا # و كان عودي نديمي

و الكأس تغرب‏[1]ضحكا # من كفّ ظبي رخيم

فما عليّ طريق # لطارقات الهموم‏

قال: فما رأيت أحسن ممّا حكى حاله في غنائه، و لا سمعت أحسن ممّا غنّى.

عشق غلام حزام خادم المعتصم‏

أخبرني الحسين‏[2]بن القاسم الكوكبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني دوسر[3]الخراسانيّ قال:

اشترى حزام‏[4]خادم المعتصم خادما نظيفا، كان عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل/بن الربيع يتعشّقه، فسأله هبته له أو بيعه منه فأبى، فقال عبد اللّه أبياتا و صنع فيها غناء، و هي قوله:

يوم سبت فصرّفا لي المداما # و اسقياني لعلّني أن أناما

شرّد النوم حبّ ظبي غرير # ما أراه يرى الحرام حراما

[1]ف: «فضحك ضحكا» .

[2]ب: «الحسن بن القاسم» .

[3]ب: «دوس الخراساني» .

[4]ب: «حزم» .

164

اشتراه يوما بعلفة يوم # أصبحت عنده‏[1]الدواب صياما

فاتصلت الأبيات و خبرها بحزام، فخشي أن تشتهر و يسمعها المعتصم فيأتي عليه؛ فبعث بالغلام إلى عبد اللّه، و سأله أن يمسك عن الأبيات، ففعل.

إبراهيم الموصلي يغني أمام الرشيد لحنا من صنعته فيرسل إليه و يلازمه‏

حدّثني الصّوليّ، قال: حدّثني الحسين بن يحيى، قال: قلت لعبد اللّه بن العبّاس: إنه بلغني لك خبر مع الرّشيد أول ما شهرت بالغناء، /فحدّثني به، قال: نعم أول صوت صنعته:

أتاني يؤامرني في الصّبو # ح ليلا فقلت له: غادها

فلما تأتّى‏[2]لي و ضربت عليه بالكنكلة؛ عرضته على جارية لنا يقال لها راحة، فاستحسنته و أخذته عنّي، و كانت تختلف إلى إبراهيم الموصليّ، فسمعها يوما تغنّيه و تناغي‏[3]به جارية من جواريه، فاستعادها إيّاه و أعادته عليه، فقال لها: لمن هذا؟فقالت: صوت قديم، فقال لها: كذبت، لو كان قديما لعرفته، و ما زال يداريها و يتغاضب عليها حتى اعترفت له بأنّه من صنعتي، فعجب من ذلك، ثم غنّاه يوما بحضرة الرشيد، فقال له: لمن هذا اللّحن يا إبراهيم؟فأمسك عن الجواب و خشي أن يكذبه فينمي الخبر إليه من غيره، و خاف من جدّي أن يصدقه، فقال له: ما لك/لا تجيبني؟فقال: لا يمكنني يا أمير المؤمنين، فاستراب بالقصّة، ثم قال: و اللّه، و تربة المهديّ لئن لم تصدقني لأعاقبنّك عقوبة موجعة، و توهّم أنّه لعليّة أو لبعض حرمه فاستطير غضبا، فلما رأى إبراهيم الجدّ منه صدقه فيما بينه و بينه سرّا، فدعا لوقته الفضل بن الرّبيع ثم قال له: أ يصنع ولدك غناء و يرويه الناس و لا تعرّفني؟ فجزع و حلف بحياته و بيعته أنه ما عرف ذلك قطّ، و لا سمع به إلا في وقته ذلك، فقال له: ابن‏[4]ابنك عبد اللّه بن العبّاس أحضرنيه السّاعة، فقال: أنا أمضي و أمتحنه، فإن كان يصلح للخدمة أحضرته، و إلاّ كان أمير المؤمنين أولى من ستر عورتنا، فقال: لا بدّ من إحضاره. فجاء جدّي فأحضرني و تغيّظ عليّ، فاعتذرت و حلفت له أن هذا شي‏ء ما تعمّدته، و إنما غنّيت لنفسي، و ما أدري من أين خرج، فأمر بإحضار عود فأحضر، و أمرني فغنّيته الصوت، فقال:

قد عظمت مصيبتي فيك يا بنيّ، فحلفت له بالطلاق و العتاق ألاّ أقبل على الغناء رفدا أبدا، و لا أغنّي إلا خليفة أو وليّ عهد، و من لعلّه أن يكون حاضرا مجالسهم، فطابت نفسه. فأحضرني‏[5]، فغنّيت الرشيد الصوت فطرب و شرب عليه أقداحا، و أمرني بالملازمة مع الجلساء، و جعل لي نوبة، و أمر بحمل عشرة آلاف دينار إلى جدّي، و أمره أن يبتاع ضيعة لي بها، فابتاع لي ضيعتي بالأهواز، و لم أزل ملازما للرّشيد حتى خرج إلى خراسان، و تأخرت عنه و فرّق الموت بيننا.

[1]ف: «أصبحت غبّه» .

[2]ف: «فلما دار لي» .

[3]ف: «و تعايي» .

[4]ف: «أين ابنك عبد اللّه بن العباس» .

[5]ف: «فأحضرت» .

165

اقترض الواثق مالا ليعطيه له‏

قال ابن المرزبان: فكان عبد اللّه بن العبّاس سببا لمعرفة أولياء العهود برأي الخلفاء فيهم، فكان منهم الواثق، فإنه أحبّ أن يعرف: هل يولّيه المعتصم العهد بعده أم لا، فقال له عبد اللّه: أنا أدلّك على وجه تعرف به ذلك، فقال: و ما هو؟فقال: تسأل أمير المؤمنين أن يأذن للجلساء و المغنّين أن يصيروا إليك، فإذا فعل ذلك فاخلع عليهم /و عليّ معهم، فإني لا أقبل خلعتك لليمين الّتي عليّ؛ ألاّ أقبل رفدا إلا من خليفة أو وليّ عهد. فقعد الواثق ذات يوم و بعث إلى المعتصم و سأله الإذن إلى الجلساء[1]، فأذن لهم، فقال له عبد اللّه بن العبّاس: قد علم أمير المؤمنين يميني، فقال له: امض إليه فإنك لا تحنث، فمضى إليه و أخبره الخبر فلم يصدّقه، و ظنّ أنه يطيّب نفسه، فخلع عليه و على الجماعة، فلم يقبل عبد اللّه خلعته، و كتب إلى المعتصم يشكوه، فبعث إليه: اقبل الخلعة، /فإنه وليّ عهدي، و نمى إليه الخبر أنّ هذا كان حيلة من عبد اللّه، فنذر دمه، ثم عفا عنه.

و سرّ الواثق بما جرى، و أمر إبراهيم بن رياح، فاقترض له ثلاثمائة ألف درهم، ففرّقها على الجلساء، ثم عرف غضب المعتصم على عبد اللّه بن العباس و اطّراحه إيّاه، فاطّرحه هو أيضا. فلمّا ولي الخلافة استمرّ على جفائه، فقال عبد اللّه:

ما لي جفيت و كنت لا أجفى # أيام أرهب سطوة السّيف

أدعو إلهي أن أراك خليفة # بين المقام و مسجد الخيف‏

و دسّ من غنّاه الواثق، فلما سمعه سأل عنه، فعرف قائله، فتذمّم‏[2]و دعا عبد اللّه فبسطه و نادمه إلى أن مات.

و ذكر العتّابيّ عن ابن الكلبيّ أنّ الواثق كان يشتهي على عبد اللّه بن العباس:

أيّها العاذل جهلا تلوم # قبل أن ينجاب عنه الصّريم‏[3]

و أنه غنّاه يوما فأمر بأن يخلع عليه خلعة، فلم يقبلها ليمينه، فشكاه إلى المعتصم، فكاتبه في الوقت، فكتب إليه مع مسرور سمّانة: اقبل خلع‏[4]هارون فإنك لا تحنث، فقبلها و عرف الواثق أنّه وليّ عهد.

خرج يوم الشعانين ليرى محبوبته النصرانية

حدّثني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني شيبة بن هشام، قال:

كان عبد اللّه بن العبّاس يهوى جارية نصرانيّة لم يكن يصل إليها و لا يراها إلا إذا خرجت إلى البيعة، فخرجنا يوما معه إلى السّعانين، فوقف حتى إذا جاءت فرآها، ثم أنشدنا لنفسه، و غنّى فيه بعد ذلك:

[1]ف: «و سأله الإذن للجلساء» .

[2]تذمم: استنكف و استحيا.

[3]الصريم: القطعة من الليل.

[4]ف: «خلعة» .

166
صوت‏

إن كنت ذا طبّ فداويني‏[1] # و لا تلم فاللّوم يغريني

يا نظرة أبقت جوى قائلا # من شادن يوم السّعانين

و نظرة من ربرب‏[2]عين # خرجن في أحسن تزيين

خرجن يمشين إلى نزهة # عواتقا[3]بين البساتين

مزنّرات بهمايينها[4] # و العيش ما تحت الهمايين‏

لحن عبد اللّه بن العبّاس في هذا الشعر هزج.

شرب ليلة الشك في رمضان في يوم نيروز

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا محمد بن عمر الجرجانيّ، و محمد بن حمّاد كاتب راشد، قالا:

كتب عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ في يوم نيروز-و اتّفق في يوم الشّكّ بين شهري رمضان و شعبان-إلى محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر يقول:

اسقني صفراء صافية # ليلة النّيروز و الأحد

/حرّم الصّوم‏[5]اصطباحكما # فتزوّد شربها لغد

و ائتنا أو فادعنا عجلا # نشترك في عيشة رغد

قال: فجاءه محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر فشربا ليلتهما.

صنع لحنا من شعره للواثق فأمر له بجائزة

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى، قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ، قال: حدّثنا أحمد بن المكّيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ، /قال:

جمع الواثق يوما المغنّين ليصطبح، فقال: بحياتي إلاّ صنعت لي هزجا حتى أدخل و أخرج إليكم السّاعة، و دخل إلى جواريه، فقلت هذه الأبيات و غنّيت فيها هزجا قبل أن يخرج، و هي:

صوت‏

بأبي زور أتانى بالغلس # قمت إجلالا له حتى جلس

فتعانقنا جميعا ساعة # كادت الأرواح فيها تختلس‏

[1]إثبات الياء هنا ضرورة شعرية.

[2]الربرب: القطيع من الظباء، و من البقر الوحشيّ و الإنسيّ، لا واحد له.

[3]عواتق جمع عاتقة، و هي الشابة أول ما أدركت فخدرت في بيت أهلها و لم تبن إلى زوج.

[4]مزنّرات: لابسات الزنار؛ و هو حزام يشده النصراني على وسطه، و الهمايين جمع هميان، و هو كيس تجعل فيه النفقة و يشد على الوسط.

[5]ب: «النوم» .

167

قلت: يا سؤلي و يا بدر الدّجى # في ظلام اللّيل ما خفت العسس!

قال: قد خفت و لكنّ الهوى # آخذ بالرّوح منّي و النّفس

زارني يخطر في مشيته # حوله من نور خدّيه قبس‏

قال: فلمّا خرج من دار الحرم قال لي: يا عبد اللّه، ما صنعت؟فاندفعت فغنّيته، فشرب حتى سكر، و أمر لي بخمسة آلاف درهم، و أمرني بطرحه على الجواري، فطرحته عليهن.

صنع لحنا جميلا من شعر يوسف بن الصقيل‏

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى، قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ، عن حمّاد، قال:

من مليح صنعة عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ، و الشّعر ليوسف بن الصّيقل، و لحنه هزج:

صوت‏

أبعد المواثيق لي # و بعد السؤال الحفي

و بعد اليمين الّتي # حلفت على المصحف

تركت الهوى بيننا # كضوء سراج طفي

فليتك إذ لم تفي # بوعدك لم تخلفي‏

غنى للواثق لحنا من شعر الأحوص فأعطاه ألف دينار

حدّثني الصّوليّ، قال: حدّثني يزيد بن محمد المهلّبيّ، قال:

كان الواثق قد غضب على فريدة لكلام أخفته إيّاه فأغضبته، و عرفنا ذلك و جلس في تلك الأيّام للصّبوح، فغنّاه عبد اللّه بن العبّاس:

صوت‏

لا تأمني الصّرم منّي أن تري كلفي # و إن مضى لصفاء الودّ أعصار

ما سمّي القلب إلا من تقلّبه # و الرأي يصرف و الأهواء أطوار

كم من ذوي مقة[1]قبلي و قبلكم # خانوا فأضحوا إلى الهجران قد صاروا

فاستعاده الواثق مرارا، و شرب عليه و أعجب به، و أمر لعبد اللّه بألف دينار و خلع عليه.

الشّعر للأحوص، و الغناء لعبد اللّه بن العبّاس هزج بالوسطى عن عمرو.

فضّله المتوكل على سائر المغنين‏

و أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الربيع، قال:

[1]المقة: الحب، و في ف: «سمة» .

168

/غنّيت المتوكّل ذات يوم:

أحبّ إلينا منك دلاّ و ما يرى # له عند فعلي من ثواب و لا أجر

فطرب و قال: أحسنت و اللّه يا عبد اللّه، أما و اللّه لو رآك النّاس كلّهم كما أراك لما ذكروا مغنّيا سواك أبدا.

أشار بذكره ابن الزيات عند المعتصم‏

نسخت من كتاب لأبي العبّاس بن ثوابة بخطّه: حدّثني أحمد بن إسماعيل بن حاتم، قال: قال لي عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ:

دخلت على المعتصم أودّعه/و أنا أريد الحجّ، فقبّلت يده و ودّعته، فقال: يا عبد اللّه إنّ فيك لخصالا تعجبني كثّر اللّه في مواليّ مثلك، فقبّلت رجله و الأرض بين يديه، و أحسن محمد بن عبد الملك الزّيّات محضري و قال له:

إنّ له يا أمير المؤمنين، أدبا حسنا و شعرا جيّدا، فلما خرجت قلت له: أيّها الوزير، ما شعري أنا في الشعر تستحسنه و تشيد بذكره بين يدي الخليفة!فقال: دعنا منك، تنتفي من الشّعر و أنت الّذي تقول:

يا شادنا مرّ إذ را # م في السّعانين قتلي

يقول لي: كيف أصبحـ # ت، كيف يصبح مثلي!

أحسنت و اللّه في هذا، و لو لم تقل غير هذا لكنت شاعرا.

طلب منه سوار بن عبد اللّه القاضي أن يصنع له لحنا في شعر قاله‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا أحمد بن المرزبان، قال: قال أبي: قال عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ:

لقيني سوّار بن عبد اللّه القاضي-و هو سوّار الأصغر-فأصغى إليّ و قال: إنّ لي إليك حاجة فأتني في خفي، فجئته، فقال: لي إليك حاجة قد أنست بك فيها، لأنك لي/كالولد، فإن شرطت لي كتمانها أفضيت بها إليك، فقلت: ذلك للقاضي عليّ شرط واجب، فقال: إني قلت أبياتا في جارية لي أميل إليها و قد قلتني و هجرتني:

و أحببت أن تصنع فيها لحنا و تسمعنيه، و إن أظهرته و غنّيته بعد ألاّ يعلم أحد أنه شعري، فلست أبالي، أ تفعل ذلك؟ قلت: نعم حبّا و كرامة، فأنشدني:

صوت‏

سلبت عظامي لحمها فتركتها # عواري في أجلادها[1]تتكسّر

و أخليت منها مخّها فكأنّها # أنابيب في أجوافها الرّيح تصفر

إذا سمعت باسم الفراق ترعّدت # مفاصلها من هول ما تتحذّر

خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري # بلى جسدي لكنّني أتستّر

و ليس الّذي يجري من العين ماؤها # و لكنّها روح تذوب فتقطر

-اللحن الّذي صنعه عبد اللّه بن العبّاس في هذا الشّعر ثقيل أول-قال عبد اللّه: فصنعت فيه لحنا، ثم عرّفته [1]أجلاد الإنسان: تجاليده، و هي جماعة جسمه و بدنه.

169

خبره في رقعة كتبتها إليه، و سألته وعدا يعدني به للمصير إليه، فكتب إليّ: نظرت في القصّة فوجدت هذا لا يصلح و لا ينكتم عليّ حضورك و سماعي إيّاك، و أسأل اللّه أن يسرّك و يبقيك. فغنّيت الصوت و ظهر حتى تغنّى به الناس، فلقيني سوّار يوما فقال لي: يا بن أخي، قد شاع أمرك في ذلك الباب حتى سمعناه من بعد كأنّا لم نعرف القصّة فيه، و جعلنا جميعا نضحك.

صنع لحنا جيدا في شفاء بشر خادم بن عجيف‏

كان بشر خادم صالح بن عجيف عليلا ثم برئ، فدخل إلى عبد اللّه بن/العبّاس، فلما رآه قام فتلقّاه و أجلسه إلى جانبه، و شرب سرورا بعافيته، و صنع لحنا من الثقيل الأول و هو من جيّد صنعته:

صوت‏

مولاي ليس لعيش لست حاضره # قدر و لا قيمة عندي و لا ثمن

و لا فقدت من الدّنيا و لذّتها # شيئا إذا كان عندي وجهك الحسن‏

غنى الواثق بعد شفائه لحنا في شعر قاله فأجازه‏

/حدّثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن العبّاس الربيعيّ، قال:

جمعنا الواثق يوما بعقب علّة غليظة كان فيها، فعوفي و صحّ جسمه، فدخلت إليه مع المغنّين و عودي في يدي، فلما وقعت عيني عليه من بعيد، و صرت بحيث يسمع صوتي، ضربت و غنّيت في شعر قلته في طريقي إليه، و صنعت فيه لحنا و هو:

صوت‏

اسلم و عمّرك الإله لأمّة # بك أصبحت قهرت ذوي الإلحاد

لو تستطيع وقتك كلّ أذيّة # بالنّفس و الأموال و الأولاد

فضحك و سرّ و قال: أحسنت يا عبد اللّه و سررتني، و تيمنت بابتدائك، ادن مني، فدنوت منه حتى كنت أقرب المغنّين إليه، ثم استعادني الصوت، فأعدته ثلاث مرّات، و شرب عليه ثلاثة أقداح، و أمر لي بعشرة آلاف درهم و خلعة من ثيابه.

فاجأته محبوبته النصرانية بالوداع فقال شعرا و غناه‏

/حدّثني الصّوليّ، قال: حدّثني عون بن محمد الكنديّ، قال:

كان عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع يهوى جارية نصرانيّة، فجاءته يوما تودّعه، فأعلمته أن أباها يريد الانحدار إلى بغداد و المضيّ بها معه، فقال في ذلك و غنّى فيه:

170
صوت‏

أفدي الّتي قلت لها # و البين منّا قد دنا:

فقدك قد أنحل جسمـ # ي و أذاب البدنا

قالت: فما ذا حيلتي # كذاك قد ذبت أنا!

باليأس بعدي فاقتنع # قلت: إذا قلّ الغنا

طلب من علي بن عيسى الهاشمي تأجيل الصوم و مباشرة الشرب فأجابه‏

حدّثني الصّوليّ، قال: حدّثني عون بن محمد، قال: حدّثني عليّ بن عيسى بن جعفر الهاشميّ، قال:

دخل عليّ عبد اللّه بن العبّاس في يوم النّصف من شعبان، و هو يوم سبت، و قد عزمت على الصّوم، فأخذ بعضادتي باب مجلسي، ثم قال: يا أميري:

تصبح في السّبت غير نشوان # و قد مضى عنك نصف شعبان!

فقلت: قد عزمت على الصوم، فقال: أ فعليك وزر إن أفطرت اليوم-لمكاني و سررتني بمساعدتك لي- و صمت غدا، و تصدّقت مكان إفطارك؟فقلت: أفعل، فدعوت بالطّعام فأكلت، و بالنبيذ فشربنا، و أصبح من غد عندي، فاصطبح و ساعدته، فلما كان اليوم الثالث انتبهت سحرا و قد قال هذا الشعر و غنّى فيه:

/

شعبان لم يبق منه # إلا ثلاث و عشر

فباكر الرّاح صرفا # لا يسبقنّك فجر

فإن يفتك اصطباح # فلا يفوتنك سكر

و لا تنادم فتى وقت # شربه الدّهر عصر

قال: فأطربني و اصطبحت معه في اليوم الثّالث، فلمّا كان من آخر النّهار سكر و انصرف، /و ما شربنا يومنا كلّه إلا على هذا الصّوت.

دخل على المتوكل في آخر شعبان و طلب منه الشراب فأجابه‏

حدّثني عمّي، قال: حدّثني ابن دهقانة النّديم، قال:

دخل عبد اللّه بن العباس إلى المتوكّل في آخر شعبان فأنشده:

علّلاني نعمتما بمدام # و اسقياني من قبل شهر الصّيام

حرّم اللّه في الصّيام التّصابي # فتركناه طاعة للإمام‏

أظهر العدل فاستنار به الدّين و أحيا شرائع الإسلام فأمر المتوكّل بالطّعام فأحضر، و بالنّديم و بالجلساء فأتي بذلك، فاصطبح و غنّاه عبد اللّه في هذه الأبيات، فأمر له بعشرة آلاف درهم.

حرم المرابين من مائة ألف دينار

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا يزيد بن محمد المهلّبيّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن العبّاس قال:

171

كنت مقيما بسرّ من رأى و قد ركبني دين ثقيل أكثره عينة[1]و ربا، فقلت في المتوكّل:

اسقياني سحرا بالكبّره‏[2] # ما قضى اللّه ففيه الخيره

أكرم اللّه الإمام المرتضى # و أطال اللّه فينا عمره

/إن أكن أقعدت عنه هكذا # قدّر اللّه رضينا قدرا

سرّه اللّه و أبقاه لنا # ألف عام و كفانا الفجره‏

و بعثت بالأبيات إليه، و كنت مستترا من الغرماء، فقال لعبيد اللّه بن يحيى: وقّع إليه: من هؤلاء الفجرة الذين استكفيت اللّه شرّهم؟فقلت: المعيّنون الذين قد ركبني لهم أكثر مما أخذت منهم من الدّين بالرّبا، فأمر عبيد اللّه أن يقضي ديني، و أن يحتسب لهم رءوس أموالهم، و يسقط الفضل، و ينادي بذلك في سرّ من رأى حتى لا يقضي أحد أحدا إلاّ رأس ماله، و سقط عنّي و عن النّاس من الأرباح زهاء مائة ألف دينار كانت أبياتي هذه سببها.

عتب على إخوانه لأنهم لم يعودوه في مرضه فجاءوه معتذرين‏

حدّثني الصّوليّ، قال: حدّثني عون بن محمد الكنديّ، قال: حدّثني أبي، قال:

مرض عبد اللّه بن العباس بسرّ من رأى في قدمة قدمها إليها، فتأخّر عنه من كان يثق به، فكتب إليهم:

ألا قل لمن بالجانبين بأنّني # مريض عداني‏[3]عن زيارتهم ما بي

فلو بهم بعض الّذي لي لزرتهم # و حاش لهم من طول سقمي و أوصابي

و إن أقشعت عني سحابة علّتي # تطاول عتبي إن تأخّر إعتابي‏[4]

قال: فما بقي أحد من إخوانه إلا جاءه عائدا معتذرا.

غنى عند علوية بشعر في النصرانية التي كان يهواها

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن محمد بن موسى، قال:

سمعت عبد اللّه بن العبّاس يغنّي و نحن مجتمعون عند علّوية بشعر في النّصرانيّة الّتي كان يهواها و الصّنعة له:

صوت‏

إنّ في القلب من الظّبي كلوم # فدع اللّوم فإن اللّوم لوم‏[5]

حبّذا يوم السّعانين و ما # نلت فيه من نعيم لو يدوم

إن يكن أعظمت أن همت به # فالذي تركب من عذلي عظيم

/لم أكن أوّل من سنّ الهوى # فدع اللّوم فذا داء قديم‏

الغناء لعبد اللّه هزج بالوسطى.

[1]العينة: أن يبيع الرجل متاعه إلى أجل، ثم يشتريه في المجلس بثمن حال ليسلم به من الربا.

[2]الكبرة: مبالغة في الكبير.

[3]عداني: صرفني و منعني.

[4]أعتبني: أزال الشكوى و العتاب، الهمزة للسلب.

[5]القافية مرفوعة في «ف» .

172

علّم وصيفته هيلانة الغناء

حدّثني أبو بكر الرّبيعيّ، قال: حدّثتني عمتي-و كانت ربّيت في دار عمّها عبد اللّه بن العباس-قالت: كان عبد اللّه لا يفارق الصّبوح أبدا إلا في يوم جمعة، أو شهر رمضان، و إذا حجّ. و كانت له وصيفة يقال لها: هيلانة قد ربّاها و علّمها الغناء، فأذكره يوما و قد اصطبح، و أنا في حجره جالسة و القدح في يده اليمنى، و هو يلقي على الصّبيّة صوتا أوله:

صدع البين الفؤادا # إذ به الصائح نادى‏

فهو يردّده، و يومئ بجميع أعضائه إليها يفهمها نغمه، و يوقّع بيده على كتفي مرّة و على فخذي أخرى، و هو لا يدري حتى أوجعني، فبكيت و قلت: قد أوجعتني ممّا تضربني و هيلانة لا تأخذ الصّوت و تضربني أنا، فضحك حتى استلقى و استملح قولي، فوهب لي ثوب قصب أصفر، و ثلاثة دنانير جددا، فما أنسى فرحي بذلك و قيامي به إلى أمّي، و أنا أعدو إليها و أضحك فرحا به.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

صدع البين الفؤادا # إذ به الصائح نادى

بينما الأحباب مجمو # عون إذ صاروا فرادى

فأتى بعض بلادا # و أتى بعض بلادا

كلّما قلت: تناهى # حدثان الدّهر عادا

الشعر و الغناء لعبد اللّه هزج بالوسطى عن عمرو.

صوت‏

حضر الرحيل و شدّت الأحداج‏[1] # و غدا بهنّ مشمّر مزعاج

للشوق نيران قدحن بقلبه # حتى استمرّ به الهوى الملجاج

أزعج هواك إلى الّذين تحبّهم # إن المحبّ يسوقه الإزعاج

لن يدنينّك للحبيب و وصله # إلاّ السّرى و البازل الهجهاج‏[2]

الشعر لسلم الخاسر، و الغناء لهاشم بن سليمان ثقيل أول بالوسطى.

[1]أحداج: جمع حدج؛ و هو مركب من مراكب النساء مثل الهودج.

[2]البازل: الجمل حين يدخل في التاسعة؛ و الهجهاج: الشديد الهدير.

173

13-أخبار سلم الخاسر و نسبه‏[1]

نسبه، و مقدرته الشعرية

سلم بن عمرو مولى بني تيم بن مرّة، ثم مولى أبي بكر الصديق، رضوان اللّه عليه، بصريّ، شاعر مطبوع متصرّف في فنون الشّعر، من شعراء الدولة العباسية. و هو راوية بشار بن برد و تلميذه، و عنه أخذ، و من بحره اغترف، و على مذهبه و نمطه قال الشعر.

سبب تلقيبه سلم الخاسر

و لقّب سلم بالخاسر[2]-فيما يقال-لأنه ورث من أبيه مصحفا، فباعه و اشترى بثمنه طنبورا. و قيل: بل خلّف له أبوه مالا، فأنفقه على الأدب و الشعر، فقال له بعض أهله: إنك لخاسر الصفقة، فلقّب بذلك.

صداقته للموصلي و أبي العتاهية و انقطاعه للبرامكة

و كان صديقا لإبراهيم الموصليّ، و لأبي العتاهية خاصة من الشعراء و المغنين، ثم فسد ما بينه و بين أبي العتاهية. و كان سلم منقطعا إلى البرامكة، و إلى الفضل بن يحيى خصوصا من بينهم. و فيه يقول أبو العتاهية:

إنما الفضل لسلم وحده # ليس فيه لسوى سلم درك‏[3]

من قول أبي العتاهية له‏

و كان هذا أحد الأسباب في فساد ما بينه و بين أبي العتاهية. و لسلم يقول أبو العتاهية و قد حج مع عتبة[4]:

/

و اللّه و اللّه ما أبالي متى # ما متّ يا سلم بعد ذا السفر

أ ليس قد طفت حيث طافت و قبّ # لت الّذي قبلت من الحجر[5]

و له يقول أبو العتاهية و قد حبس إبراهيم الموصليّ:

سلم يا سلم ليس دونك سرّ # حبس الموصليّ فالعيش مرّ

ما استطاب اللذات مذ سكـ # ن المطبق‏[6]رأس اللذات و اللّه، حرّ

[1]هذه الترجمة مما سقط من التراجم من طبعة بولاق، و موضعها هنا بحسب المخطوطات المعتمدة.

[2]في ما، ف: و «لقب الخاسر» . و كان القياس سلما الخاسر على أن الخاسر صفة، و لكن لشيوعها نزلت منزلة اللقب فصار يضاف إليها الاسم.

[3]الدرك: الإدراك و اللحاق.

[4]كذا في ف، ما، و في باقي النسخ: «حج معه عتبة» .

[5]كذا في ف، و في غيرها: «طفت» مكان «طافت» . و هو تحريف.

[6]المطبق، كمشفق: السجن تحت الأرض. و في ما، ف: المطبق «بفتح الباء» .

174

ترك الموصليّ من خلق اللّ # ه جميعا و عيشهم مقشعرّ

يرد مصحفا من ميراث أبيه و يأخذ مكانه دفاتر شعر

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن الحسن الواسطيّ، قال: حدّثني أبو عمرو سعيد بن الحسن الباهليّ الشاعر، قال:

لما مات عمرو أبو سلم الخاسر اقتسموا ميراثه، فوقع في قسط سلم مصحف، فردّه و أخذ مكانه دفاتر شعر كانت عند أبيه، فلقّب الخاسر بذلك.

أجازه المهدي أو الرشيد بمائة ألف درهم ليكذب تلقيبه بالخاسر

أخبرني الحسن، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عمر الجرجاني، قال:

ورث سلم الخاسر أباه مائة[1]ألف درهم، فأنفقها على الأدب، و بقي لا شي‏ء عنده، فلقبه الجيران و من يعرفه بسلم الخاسر، و قالوا: أنفق ماله على ما لا ينفعه. ثم مدح المهديّ، أو الرشيد-و قد كان بلغه اللقب الّذي لقّب به-فأمر له بمائة ألف درهم، و قال له: كذّب بهذا المال جيرانك، فجاءهم بها، و قال لهم: هذه المائة الألف الّتي أنفقتها و ربحت الأدب، فأنا سلم الرّابح، لا سلم الخاسر.

ورث مصحفا فباعه و اشترى بثمنه طنبورا فلقب الخاسر

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثني عليّ بن محمد النوفليّ، عن أبيه، قال:

إنما لقّب الخاسر لأنه ورث عن أبيه مصحفا فباعه، و اشترى بثمنه طنبورا.

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ، قال: حدّثني عمر[2]الفضل، قال:

قال لي الجمّاز: سلم الخاسر خالي لحّا[3]، فسألته: لم لقب الخاسر؟فضحك، ثم قال: إنه قد كان نسك مدة يسيرة، ثم رجع إلى أقبح ما كان عليه، و باع مصحفا له ورثه عن أبيه-و كان لجدّه قبله-و اشترى بثمنه طنبورا.

فشاع خبره و افتضح، فكان يقال له: ويلك!هل فعل أحد ما فعلت؟فقال: لم أجد شيئا أتوسّل به إلى إبليس هو أقرّ لعينه من هذا.

أخبرني عمّي، قال: أنبأنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن صالح المؤدب، و أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة، قال: حدّثني أبي، عن أحمد بن صالح، قال: قال بشار بن برد:

صوت‏

لا خير في العيش إن دمنا كذا أبدا # لا نلتقي و سبيل الملتقى نهج‏[4]

[1]كذا في س، و الفعل (ورث) ينصب مفعولا واحدا فيما رجعنا إليه من معاجم، فكأن «مائة ألف» بدل اشتمال حذف معه ضمير المبدل منه.

[2]ف، ما: «عمي بدل عمر» .

[3]لحا: لاصق النسب.

[4]نهج، بسكون الهاء: واضح، و حركها للوزن.

175

قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم # ما في التّلاقي و لا في غيره حرج

من راقب الناس لم يظفر بحاجته # و فاز بالطيّبات الفاتك اللهج‏[1]

قال: فقال سلم الخاسر أبياتا، ثم أخذ معنى هذا البيت، فسلخه، و جعله في قوله:

من راقب الناس مات غمّا # و فاز باللذة الجسور

سبب غضب بشار عليه ثم رضاه عنه‏

فبلغ بيته بشارا، فغضب و استشاط، و حلف ألا يدخل إليه، و لا يفيده و لا ينفعه ما دام حيّا. فاستشفع إليه بكلّ صديق له، و كلّ من يثقل عليه ردّه، فكلّموه فيه، فقال: أدخلوه إليّ، فأدخلوه إليه فاستدناه، ثم قال: إيه يا سلم، من الّذي يقول:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته # و فاز بالطيّبات الفاتك اللهج‏

قال: أنت يا أبا معاذ، قد جعلني اللّه فداءك!قال: فمن الّذي يقول:

من راقب الناس مات غمّا # و فاز باللذة الجسور؟

قال: تلميذك، و خرّيجك، و عبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه، و قنّعه‏[2]بمخصرة[3]كانت في يده ثلاثا، و هو يقول: لا أعود يا أبا معاذ إلى ما تنكره، و لا آتي شيئا تذمّه، إنما أنا عبدك، و تلميذك، و صنيعتك، و هو يقول له:

يا فاسق!أ تجي‏ء إلى معنى قد سهرت له عيني، و تعب فيه فكري و سبقت الناس إليه، فتسرقه، ثم تختصره لفظا تقرّبه به، لتزري عليّ، و تذهب بيتي؟و هو يحلف له ألا يعود، و الجماعة يسألونه. فبعد لأي و جهد ما[4]شفّعهم فيه، و كفّ عن ضربه، ثم رجع له، و رضي عنه.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار[5]، قال: أخبرني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور، قال: حدّثني عبد الوهاب بن مرّار، قال: حدّثني أبو معاذ النّميريّ راوية بشار، قال:

قد كان بشار قال قصيدة فيها هذا البيت:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته # و فاز بالطيّبات الفاتك اللهج‏

/قال: فقلت له يا أبا معاذ!قد قال سلم الخاسر بيتا، هو أحسن و أخفّ على الألسن من بيتك هذا، قال:

و ما هو؟فقلت:

من راقب الناس مات غمّا # و فاز باللذة الجسور

فقال بشار: ذهب و اللّه بيتنا، أما و اللّه لوددت أنه ينتمي في غير ولاء أبي بكر-رضي اللّه عنه-و أني مغرم‏[6] [1]اللهج بالشي‏ء: المولع به.

[2]قنعه بالعصا و نحوها: غشاه بها.

[3]المخصرة: أداة كالسوط.

[4]ما شفعهم: «ما» زائدة.

[5]ف: «محمد بن عبد اللّه بن عمار» .

[6]مغرم: ملزم. ـ

176

ألف دينار محبة منّي لهتك عرضه و أعراض مواليه!قال: فقلت له: ما أخرج هذا القول منك إلا غمّ. قال: أجل، فو اللّه لا طعمت اليوم طعاما، و لا صمت.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن إسحاق بن محمد النّخعيّ‏[1]، قال: قال أبو معاذ النميريّ: قال بشار قصيدة، و قال فيها:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته # و فاز بالطيّبات الفاتك اللهج‏

فعرّفته أن سلما قد قال:

من راقب الناس مات غمّا # و فاز باللذة الجسور

فلما سمع بشار هذا البيت قال: سار و اللّه بيت سلم، و خمل بيتنا!قال: و كان كذلك، لهج الناس ببيت سلم، و لم ينشد بيت بشار أحد.

شعره في قصر صالح بن المنصور

أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ، قال: حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثني أبو مالك محمد بن موسى اليمانيّ، قال:

لما بنى صالح بن المنصور قصره بدجلة قال فيه سلم الخاسر:

/

يا صالح الجود الّذي مجده # أفسد مجد الناس بالجود

بنيت قصرا مشرفا عاليا # بطائري سعد و مسعود

كأنما يرفع بنيانه # جنّ سليمان بن داود

لا زلت مسرورا به سالما # على اختلاف البيض و السود

-يعني الأيام و الليالي-، فأمر له صالح بألف درهم.

ينشد عمر بن العلاء قصيدة لبشار فيه، ثم ينشده لنفسه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني بعض آل ولد[2]حمدون بن إسماعيل-و كان ينادم المتوكل-عن أبيه، قال:

كان سلم الخاسر من غلمان بشار، فلما قال بشار قصيدته الميمية في عمر بن العلاء-و هي الّتي يقول فيها:

إذا نبّهتك صعاب الأمور[3] # فنبّه لها عمرا ثم نم

فتى لا يبيت على دمنة[4] # و لا يشرب الماء إلا بدم‏

بعث بها مع سلم الخاسر إلى عمر بن العلاء، فوافاه فأنشده إياها، فأمر لبشار بمائة ألف درهم. فقال له [1]ف: «إسحاق بن محمد النخعي» .

[2]مم، ف: بعض ولد «حمدون» .

[3]مم: «الخطوب» .

[4]الدمنة: الحقد القديم الثابت.

177

سلم: إنّ خادمك-يعني نفسه-قد قال في طريقه فيك قصيدة، قال: فإنك لهناك‏[1]؟قال: تسمع، ثم تحكم، ثم قال: هات، فأنشده:

صوت‏

قد عزّني الداء فما لي دواء # ممّا ألاقي من حسان النساء

قلب صحيح كنت أسطو به # أصبح من سلمى بداء عياء[2]

/أنفاسها مسك و في طرفها # سحر و ما لي غيرها من دواء

وعدتني وعدا فأوفي به # هل تصلح الخمرة إلا بماء؟

و يقول فيها:

كم كربة قد مسّني ضرّها # ناديت فيها عمر بن العلاء

قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فكانت أول عطية سنية وصلت إليه.

صداقته لعاصم بن عتبة و مدحه إياه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: وجدت في كتاب بخط الفضل بن مروان:

و كان عاصم بن عتبة الغساني جدّ أبي السمراء الّذي كان مع عبد اللّه بن طاهر صديقا لسلم الخاسر، كثير البرّ به، و الملاطفة له، و فيه يقول سلم:

الجود في قحطان # ما بقيت غسان

اسلم و لا أبالي‏[3] # ما فعل الإخوان

ما ضرّ مرتجيه # ما فعل الزمان

من غاله مخوف # فعاصم أمان‏

و كانت سبعين بيتا، فأعطاه عاصم سبعين ألف درهم، و كان مبلغ ما وصل إلى سلم من عاصم خمسمائة ألف درهم، فلما حضرته الوفاة دعا عاصما فقال له: إني ميّت، /و لا ورثة لي، و إن مالي مأخوذ، فأنت أحقّ به، فدفع إليه خمسمائة ألف درهم، و لم يكن لسلم وارث. قال: و كان عاصم هذا جوادا.

يزيد بن مزيد يحسد عاصم بن عتبة على شعره فيه‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن طهمان، قال:

أخبرني القاسم بن موسى بن مزيد.

أن يزيد بن مزيد قال: ما حسدت أحدا قطّ على شعر مدح به إلا عاصم بن عتبة الغسّانيّ، فإني حسدته على قول سلم الخاسر فيه:

[1]فإنك لهناك؟: أ فأنت تطيق ذلك؟.

[2]مم:

«للّه قلب كنت أسطو به»

.

[3]في المختار: أسلم لا أبالي.

178

لعاصم سماء # عارضها تهتان

أمطارها اللجين # و الدر[1]و العقيان‏[2]

و ناره تنادي # إذ خبت النّيران

الجود في قحطان # ما بقيت غسان

اسلم و لا أبالي # ما فعل الإخوان

صلت له المعالي # و السيف و السنان‏

كان يقدم أبا العتاهية على بشار ثم فسد ما بينهما

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه‏[3]بن عمار، قال: حدثنا يعقوب بن نعيم، عن‏[4]محمد بن القاسم بن مهرويه، و أخبرني به الحسن بن علي، عن ابن مهرويه، عن الغريبي، عن محمد بن عمر الجرجاني، قال:

كان سلم تلميذ بشار، إلا أنه كان تباعد ما بينهما، فكان سلم يقدّم أبا العتاهية، و يقول: هو أشعر الجن و الإنس، إلى أن قال أبو العتاهية يخاطب سلما:

/

تعالى اللّه يا سلم بن عمرو # أذلّ الحرص أعناق الرجال

هب الدّنيا تصير إليك عفوا # أ ليس مصير ذاك إلى زوال!

قال: و بلغ الرشيد هذا الشعر فاستحسنه، و قال: لعمري إن الحرص لمفسدة لأمر الدين و الدنيا، و ما فتّشت عن حريص قطّ مغيّبه‏[5]إلا انكشف لي عمّا أذمّه. و بلغ ذلك سلما، فغضب على أبي العتاهية، و قال: ويلي على الجرّار ابن الفاعلة الزّنديق!زعم أني حريص، و قد كنز البدور[6]و هو يطلب و أنا في ثوبيّ هذين، لا أملك غيرهما.

و انحرف عن أبي العتاهية بعد ذلك.

يرد على أبي العتاهية حين اتهمه بالحرص في شعر له‏

أخبرني محمد بن يحيى الصوليّ، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: أخبرني محمد بن إسماعيل السّدوسي، قال: حدّثني جعفر العاصمي، و أخبرني عمي، عن أحمد بن أبي طاهر، عن القاسم بن الحسن، عن زكريا بن يحيى المدائني، عن علي بن المبارك القضاعيّ، عن سلم الخاسر.

أن أبا العتاهية لما قال هذا الشعر فيه كتب إليه:

ما أقبح التزهيد من واعظ # يزهّد الناس و لا يزهد

لو كان في تزهيده صادقا # أضحى و أمسى بيته المسجد

و رفض الدنيا و لم يلقها # و لم يكن يسعى و يسترفد

[1]في المختار: الإبريز مكان (الدر) ، و الإبريز من الذهب: خالصه.

[2]العقيان: الذهب الخالص.

[3]ف: «أخبرني عبيد اللّه بن عمار» .

[4]مم: «و محمد بن القاسم» .

[5]كذا في ف، و مغيبه بدل من حريص، و في س: «معيبه» ، و هو تحريف. و في المختار: ما فتشت عن حريص قط إلا انكشف.

[6]البدور، جمع البدرة، بفتح فسكون، و هي: قدر كبير من المال.

179

يخاف‏[1]أن تنفذ أرزاقه # و الرزق عند اللّه لا ينفد

الرّزق مقسوم على من ترى # يناله الأبيض و الأسود

كلّ يوفّى رزقه كاملا # من كفّ عن جهد و من يجهد

ابن أخته ينتصر له من أبي العتاهية

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أبو العسكر المسمعيّ، و هو محمد بن سليمان، قال: حدّثني العبّاس بن عبد اللّه بن سنان بن عبد الملك بن مسمع، قال:

كنا عند قثم بن جعفر بن سليمان، و هو يومئذ أمير البصرة، و عنده أبو العتاهية ينشده شعره في الزهد، فقال لي: قثم: يا عباس!اطلب لي الجمّاز الساعة حيث كان فجئني به، و لك سبق‏[2]، فطلبته؛ فوجدته جالسا ناحية عند ركن دار جعفر بن سليمان، فقلت: له أجب الأمير، فقام معي حتى أتى قثم فجلس في ناحية مجلسه و أبو العتاهية ينشده، ثم قام إليه الجمّاز فواجهه، و أنشد قول سلم الخاسر فيه:

ما أقبح التزهيد[3]من واعظ # يزهّد الناس و لا يزهد

لو كان في تزهيده صادقا # أضحى و أمسى بيته المسجد

و ذكر الأبيات كلها، فقال أبو العتاهية: من هذا أعز اللّه الأمير؟قال: هذا الجماز، و هو ابن أخت سلم الخاسر، انتصر لخاله منك حيث قلت له:

تعالى اللّه يا سلم بن عمرو # أذلّ الحرص أعناق الرجال‏

قال: فقال أبو العتاهية للجماز: يا بن أخي، إني لم أذهب في شعري الأول حيث ذهب خالك؛ و لا أردت أن أهتف به، و لا ذهبت أيضا في حضوري و إنشادي حيث ذهبت من الحرص على الرزق، و اللّه يغفر لكما!ثم قام فانصرف.

مبلغ ما وصل إليه من الرشيد و البرامكة

أخبرني عمّي، عن أحمد بن أبي طاهر، عن أبي هفّان، قال:

وصل إلى سلم الخاسر من آل برمك خاصة سوى ما وصل إليه من غيرهم عشرون ألف دينار، و وصل إليه من الرشيد مثلها.

يطلب إلى أبي محمد اليزيدي أن يهجوه فيفعل فيندم‏

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدّثني عمّاي عبيد اللّه و الفضل؛ عن أبيهما، عن أبي محمد اليزيديّ:

أنه حضر مجلس عيسى بن عمر، و حضر سلم الخاسر، فقال له: يا أبا محمد، اهجني على رويّ قصيدة امرئ القيس:

[1]كذا في المختار، و في س: «فخاف» ، و هو تحريف.

[2]و السبق، بالتحريك: ما يتراهن عليه المتسابقون.

[3]في س: «الزهيد» ، و هو تحريف.

180

ربّ رام من بني ثعل # مخرج كفيه في ستره‏[1]

قال: فقلت له: ما دعاك إلى هذا؟قال: كذا أريد. فقلت له: يا هذا أنا و أنت أغنى الناس عما تستدعيه من الشر فلتسعك العافية، فقال: إنك لتحتجز منّي نهاية الاحتجاز، و أراد أن يوهم عيسى أني مفحم عييّ لا أقدر على ذلك، فقال لي عيسى: أسألك يا أبا محمد بحقّي عليك إلا فعلت. فقلت:

ربّ مغموم بعاقبة # غمط النعمة من أشره

و امرئ طالت سلامته # فرماه الدهر من غيره

بسهام غير مشوية # نقضت منه قوى مرره‏[2]

و كذاك الدهر منقلب # بالفتى حالين من عصره

يخلط العسر بميسرة # و يسار المرء في عسره

عقّ سلم أمّه صغرا # و أبا سلم على كبره

/كلّ يوم خلفه رجل # رامح يسعى على أثره

يولج الغرمول‏[3]سبّته‏[4] # كولوج الضّبّ في جحره‏

قال: فاغتم سلم و ندم، و قال: هكذا تكون عاقبة البغي و التعرض للشر، فضحك عيسى، و قال له: قد جهد الرجل أن تدعه، و صيانته و دينه فأبيت إلا أن يدخلك في حر أمك.

ترفهه و تخشن مروان بن أبي حفصة

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ، قال: سمعت أبي يقول:

كان المهدي يعطي مروان و سلما الخاسر عطية واحدة، فكان سلم يأتي باب المهدي على البرذون الفاره، قيمته عشرة آلاف درهم، بسرج و لجام مفضّضين، و لباسه الخزّ و الوشي، و ما أشبه ذلك من الثياب الغالية الأثمان و رائحة المسك و الطّيب و الغالية تفوح منه، و يجي‏ء مروان بن أبي حفصة عليه فرو[5]كبل و قميص كرابيس‏[6] و عمامة كرابيس و خفا كبل‏[7]و كساء غليظ، و هو منتن الرائحة. و كان لا يأكل اللحم حتى يقرم إليه بخلا، فإذا قرم أرسل غلامه، فاشترى له رأسا فأكله. فقال له قائل: أراك لا تأكل إلا الرأس!قال: نعم، أعرف سعره، فآمن خيانة [1]روى: «متلج» مكان «مخرج» ، و «قتره» مكان «ستره» . و متلج: أصله مولج، قلبت الواو تاء شذوذا. و الستر: جمع سترة، و هو الموضع الّذي يستتر الصائد فيه، و قيل: هو الكم. و القتر: جمع قترة، بضم فسكون. و هي حفيرة يكمن فيه الصائد. و ثعل: أبو قبيلة من طي كانت أرمى العرب.

و أراد بالرامي هنا: عمرو بن المسح بن كعب بن طريف. ديوان الشاعر: 164، و شرح شواهد الشافية: 467.

[2]أشوى السهم: لم يصب مقتلا. المرر، جمع مرة، بالكسر و من معانيها طاقة الحبل. و في س: «غير مبرية» .

[3]الغرمول: الذكر.

[4]السبة: الاست.

[5]فرو كبل، بالتحريك: قصير.

[6]قميص كرابيس: الكرابيس، جمع كرباس. و هو ثوب من القطن الأبيض، وصف بجمعه.

[7]الكبل: جلد شفة الدلو، و الكثير الصوف من الفراء.

181

الغلام، و لا اشترى لحما فيطبخه فيأكل منه. و الرأس آكل منه ألوانا: آكل منه عينيه لونا، و من غلصمته‏[1]لونا، و من دماغه لونا.

ابتلاؤه بالكيمياء ثم انصرافه عنها

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا يحيى بن الحسن الربيعيّ، قال: أخبرني أبي، قال:

كان سلم الخاسر قد بلي بالكيمياء فكان يذهب بكلّ شي‏ء له باطلا، فلما أراد اللّه-عز و جل-أن يصنع‏[2]له عرّف أنّ بباب الشام صاحب كيمياء عجيبا، و أنه لا يصل إليه أحد إلا ليلا، فسأل عنه فدلوه عليه.

قال: فدخلت إليه إلى موضع معور[3]، فدققت الباب فخرج إليّ، فقال: من أنت عافاك اللّه؟فقلت: رجل معجب بهذا العلم. قال: فلا تشهرني، فإني رجل مستور، إنما أعمل للقوت. قال: قلت: لأني لا أشهرك، إنما أقتبس منك، قال: فاكتم ذلك. قال: و بين يديه كوز شبه‏[4]صغير. فقال لي: اقلع عروته، فقلعتها. فقال: اسبكها في البوطقة، فسبكتها، فأخرج شيئا من تحت مصلاّه، فقال: ذرّه عليه، ففعلت. فقال: أفرغه، فأفرغته. فقال:

دعه معك، فإذا أصبحت فأخرج، فبعه و عد إليّ، فأخرجته إلى باب الشام، فبعت المثقال بأحد و عشرين درهما، و رجعت إليه فأخبرته. فقال: اطلب الآن ما شئت. قلت: تفيدني. قال: بخمسمائة درهم على أن لا تعلّمه أحدا، فأعطيته، و كتب لي صفة، فامتحنتها، فإذا هي باطلة. فعدت إليه، فقيل لي: قد تحوّل، و إذا عروة الكوز المشبّه‏[5] من ذهب مركبة عليه، و الكوز شبه. و لذلك كان يدخل إليه من يطلبه ليلا، ليخفى عليه، فانصرفت، و علمت أن اللّه -عز و جل-أراد بي خيرا، و أن هذا كله باطل.

يرثي البانوكة بنت المهدي‏

أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ، قال: حدثنا العنزيّ، قال: حدّثني أبو مالك اليماني، قال: حدّثني أبو كعب، قال:

لما ماتت البانوكة بنت المهدي رثاها سلم الخاسر بقوله:

أودى ببانوكة ريب الزمان # مؤنسة المهديّ و الخيزران

لم تنطو الأرض على مثلها # مولودة حنّ لها الوالدان

بانوك يا بنت إمام الهدى # أصبحت من زينة أهل الجنان

بكت لك الأرض و سكّانها # في كل أفق بين إنس و جان‏

[1]الغلصمة: اللحم بين العنق و الرأس، و تطلق على غير ذلك.

[2]يصنع له: يريد الخير له.

[3]معور: لا يؤمن الشر فيه، من أعور الفارس: إذا بدا فيه موضع خلل للضرب.

[4]الشبه: النحاس الأصفر.

[5]المشبه: الملبس الّذي لا تعرف حقيقته.

182

كان يهاجي والبة بن الحباب‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن الحسن الشيبانيّ، قال: حدّثني أبو المستهلّ الأسديّ، و هو عبد اللّه بن تميم بن حمزة، قال:

كان سلم الخاسر يهاجي والبة بن الحباب، فأرسلني إليه و قال: قل له:

يا والب بن الحباب يا حلقي‏[1] # لست من أهل الزناء فانطلق

دخل فيه الغرمول تولجه # مثل ولوج المفتاح في الغلق‏

قال: فأتيت والبة فقلت له ذلك، فقال لي: قل له: يا بن الزانية، سل عنك ريعان التميمي-يعني أنه ناكه- قال: و كان ريعان لوطيا آفة من الآفات، و كان علاّمة ظريفا.

قال: فحدّثني جعفر بن قدامة عن محمد العجلي، عن أحمد بن معاوية الباهليّ، قال: سمعت ريعان يقول:

نكت الهيثم بن عديّ، فمن ترونه يفلت مني بعده؟.

يعتذر إلى المهدي من مدحه لبعض العلويين‏

و أخبرني أحمد بن العباس العسكري، قال: حدثنا العنزيّ، قال: حدّثني أبو مالك/محمد بن موسى اليمانيّ، قال:

كان سلم الخاسر مدح بعض العلويين، فبلغ ذلك المهديّ، فتوعّده و همّ به، فقال سلم فيه:

إني أتتني على المهديّ معتبة # تكاد من خوفها الأحشاء تضطرب

اسمع فداك بنو حواء كلّهم # و قد يجور برأس الكاذب الكذب

فقد حلفت يمينا غير كاذبة # يوم المغيبة لم يقطع لها سبب

ألاّ يحالف مدحي غيركم أبدا # و لو تلاقى عليّ الغرض‏[2]و الحقب‏[3]

و لو ملكت عنان الريح أصرفها # في كلّ ناحية ما فاتها الطلب

مولاك مولاك لا تشمت أعاديه # فما وراءك لي ذكر و لا نسب‏

فعفا عنه.

كان لا يحسن المدح و يحسن الرثاء

و أخبرني أحمد بن العباس‏[4]، و أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قالا: حدثنا العنزيّ، قال: حدّثني العباس بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان، قال: حدّثني موسى بن عبد اللّه بن شهاب المسمعيّ، قال:

سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى يقول: كان سلم الخاسر لا يحسن أن يمدح، و لكنه كان يحسن أن يرثي و يسأل.

[1]الحلقي، من قولهم: أتان حلقية؛ بالتحريك: إذا تداولها الحمر حتى أصابها داء في رحمها.

[2]الغرض؛ هو للرحل كالحزام للسرج.

[3]الحقب؛ محركة: الحزام يلي حقو البعير، و الحقو بفتح فسكون: الكشح. ابن منظور لسان العرب 4/189 مادة (حفا) .

[4]ف: «أحمد بن عبد العزيز» .

183

بعد الرثاء في حياة من يعنيه رثاؤهم‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن الحسن الشّيبانيّ، قال: حدّثني أبو المستهلّ، قال:

/دخلت يوما على سلم الخاسر، و إذا بين يديه قراطيس فيها أشعار يرثي ببعضها أمّ جعفر، و ببعضها جارية غير مسمّاة، و ببعضها أقواما لم يموتوا، و أمّ جعفر يومئذ باقية. فقلت له: ويحك!ما هذا؟فقال: تحدث الحوادث فيطالبوننا[1]بأن نقول فيها، و يستعجلوننا[1]، و لا يجمل بنا أن نقول غير الجيّد، فنعدّ لهم هذا قبل كونه، فمتى حدث حادث أظهرنا ما قلناه فيه قديما، على أنه قيل في الوقت.

إعجاب المأمون ببيت: تعالى اللّه يا سلم‏

أخبرني محمد بن مزيد و عيسى بن الحسين، قالا: حدثنا الزبير بن بكّار، قال: قال عبد اللّه بن الحسن الكاتب:

أنشد المأمون قول أبي العتاهية:

تعالى اللّه يا سلم بن عمرو # أذلّ الحرص أعناق الرجال‏

فقال المأمون: صدق لعمر اللّه، إنّ الحرص لمفسدة للدّين و المروءة، و اللّه ما رأيت من رجل قط حرصا و لا شرها، فرأيت فيه مصطنعا. فبلغ ذلك سلما الخاسر، فقال: ويلي على ابن الفاعلة بياع الخزف، كنز البدور بمثل ذلك الشعر المفكّك الغثّ، ثم تزهّد بعد أن استغني، و هو دائبا يهتف بي، و ينسبني إلى الحرص، و أنا لا أملك إلا ثوبيّ هذين.

يسكت أبا الشمقمق عن هجائه بخمسة دنانير

أخبرني عمّي و الحسن بن عليّ، قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا زكريا بن مهران، قال:

طالب أبو الشمقمق سلما الخاسر بأن يهب له شيئا، و قد خرجت لسلم جائزة، فلم يفعل، فقال أبو الشمقمق يهجوه:

يا أمّ سلم هداك اللّه زورينا # كيما ننيك فردا أو تنيكينا

/ما إن ذكرتك إلاّ هاج‏[2]لي شبق # و مثل ذكراك أمّ السلم يشجينا

قال: فجاءه سلم فأعطاه خمسة دنانير، و قال: أحبّ أن تعفيني من استزارتك أمّي و تأخذ هذه الدنانير فتنفقها.

من شعره حين ولى يعقوب بن داود بعد أبي عبيد اللّه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، قال:

حدّثني محمد بن القاسم بن الربيع عن أبيه، قال:

[1]كذا في المختار، و في س: «يطالبونا و يستعجلونا» ، و ما أثبتناه أكثر استعمالا.

[2]في المختار:

«هجت لي شبقا»

.

184

دخل الرّبيع على المهديّ و أبو عبيد اللّه جالس يعرض كتبا، فقال له أبو عبيد اللّه: مر هذا أن يتنحّى-يعني الربيع-فقال له المهدي: تنحّ، فقال: لا أفعل. فقال: كأنك تراني بالعين الأولى!فقال: لا، بل أراك بالعين الّتي أنت بها. قال: فلم لا تتنحّى إذ أمرتك؟فقال له: أنت ركن الإسلام، و قد قتلت ابن هذا، فلا آمن أن يكون معه حديدة يغتالك بها، فقام المهديّ مذعورا، و أمر بتفتيشه، فوجدوا بين جوربه و خفّه سكّينا، فردّت الأمور كلّها إلى الربيع، و عزل أبو عبيد اللّه، و ولّي يعقوب بن داود، فقال سلم الخاسر فيه:

يعقوب ينظر في الأمو # ر و أنت تنظر ناحيه

أدخلته فعلا علـ # يك كذاك شؤم الناصية

قال: و كان بلغ المهديّ من جهة الربيع أن ابن أبي عبيد اللّه زنديق، فقال له المهديّ: هذا حسد منك. فقال:

افحص عن هذا، فإن كنت مبطلا بلغت منّي الّذي يلزم من كذبك. فأتى بابن عبيد اللّه، فقرّره تقريرا خفيّا، فأقرّ بذلك، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فقال لأبيه: اقتله، فقال: لا تطيب نفسي بذلك. فقتله و صلبه على باب أبي عبيد اللّه.

/قال: و كان ابن أبي عبيد اللّه هذا من أحمق الناس: وهب له المهديّ وصيفة، ثم سأله بعد ذلك عنها، فقال: ما وضعت بيني و بين الأرض حشيّة قطّ أوطأ منها حاشا سامع‏[1]، فقال المهديّ لأبيه: أ تراه يعنيني، أو يعنيك؟قال: بل يعني أمّه الزانية، لا يكنى.

شعره في الفضل بن الربيع حين أخذ البيعة للمهدي‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني يحيى بن الحسن، قال: حدّثني أبي، قال:

كنت أنا و الربيع نسير قريبا من محمل المنصور حين‏[2]قال للربيع: رأيت كأن الكعبة تصدّعت، و كأن رجلا جاء بحبل أسود فشدّدها، فقال له الربيع: من الرجل؟فلم يجبه، حتى إذا اعتلّ قال للربيع: أنت الرجل الّذي رأيته في نومي شدّد الكعبة!فأيّ شي‏ء تعمل بعدي؟قال: ما كنت أعمل في حياتك، فكان من أمره في أخذ البيعة للمهديّ ما كان، فقال سلم الخاسر في الفضل بن الربيع:

يا بن‏[3]

الّذي جبر الإسلام يوم و هي # و استنقذ الناس من عمياء صيخود[4]

قالت قريش غداة أنهاض ملكهم: # أين‏[5]الربيع و أعطوا بالمقاليد

فقام بالأمر مئناس بوحدته # ماضي العزيمة ضرّاب القماحيد[6]

إن الأمور إذا ضاقت مسالكها # حلّت يد الفضل منها كلّ معقود

[1]كذا في الأصول: و قد تكون: سامع هذا.

[2]في س: «حتى» ، و هو تحريف.

[3]كذا في المختار، و في س: «و ابن» ، و ما أثبتناه هو ما يقتضيه بدء الكلام.

[4]الصيخود، هي في الأصل: الصخرة الشديدة، و يوم صيخود: شديد الحر. وصف بها الفتنة الشديدة العمياء الّتي كان يمكن أن يتعرض لها الناس لو لا صنيع الفضل.

[5]كذا في س، ف. و في مم: «يا بن الربيع» .

[6]القماحيد، جمع القمحدوة، كالقلنسوة. و هي: الهنة الناشزة فوق القفا و أعلى القذال. و القذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس.

و جمع القحمدوة قماحد، فأشبع كسرة الحاء.

185

/

إنّ الربيع و إن الفضل قد بنيا # رواق مجد على العبّاس ممدود

قال: فوهب له الفضل خمسة آلاف دينار.

شعره حين عقدت البيعة للأمين‏

أخبرني عمّي، قال: حدثنا أبو هفّان، قال: حدّثني سعيد أبو هريم‏[1]و أبو دعامة، قالا: لما قال سلم الخاسر في الرشيد حين عقد البيعة لابنه محمد الأمين:

قد بايع الثّقلان في مهد الهدى # لمحمد بن زبيدة ابنة جفر

ولّيته عهد الأنام و أمرهم # فدمغت بالمعروف رأس المنكر

أعطته زبيدة مائة ألف درهم.

المهدي يأمر له بخمسمائة ألف درهم لقصيدته فيه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا عبد اللّه بن عمرو، قال:

حدّثني أحمد بن محمد بن عليّ الخراسانيّ‏[2]، عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، عن أبيه، قال:

قال سلم الخاسر في المهديّ قصيدته الّتي يقول فيها:

له شيمة عند بذل العطا # ء لا يعرف الناس مقدارها

و مهديّ أمّتنا و الّذي # حماها و أدرك أوتارها

فأمر له المهديّ بخمسمائة ألف درهم.

طلب إلى الرشيد أن يفضله في الجائزة على مروان بن أبي حفصة فأجابه‏

أخبرنا وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن سليمان، قال: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، قال:

شهدت المهديّ و قد أمر لمروان بن أبي حفصة بأربعين ألف درهم، و فرض له على أهل بيته و جلسائه ثلاثين ألف درهم. و أمر الرشيد بعد ذلك لمّا ولى الخلافة لسلم الخاسر-/و قد مدحه-بسبعين ألف درهم، فقال له:

يا أمير المؤمنين، إنّ أكثر ما أعطى المهديّ مروان سبعون ألف درهم، فزدني و فضّلني عليه، ففعل ذلك، و أعطاه تتمة ثمانين ألف درهم، فقال سلم‏

فخره على مروان بجائزته و رد مروان عليه‏

ألا قل لمروان أتتك رسالة # لها نبأ لا ينثني عن لقائكا

حباني أمير المؤمنين بنفحة # مشهّرة قد طأطأت من حبائكا

ثمانين ألفا حزت من صلب ماله # و لم يك قسما من أولى و أولائكا

فأجابه مروان فقال:

[1]ف: «ابن مريم» .

[2]أحمد بن محمد بن عيسى» .

186

أسلم بن عمرو قد تعاطيت غاية # تقصّر عنها بعد طول عنائكا

فأقسم لو لا ابن الربيع و رفده # لما ابتلّت الدّلو الّتي في رشائكا

و ما نلت مذ صوّرت إلا عطيّة # تقوم بها مصرورة في ردائكا

مات عن غير وارث فوهب الرشيد تركته‏

حدّثني وسواسة بن الموصليّ، و هو محمد بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدّثني حماد، عن أبيه.

قال:

استوهب أبي من الرشيد تركة سلم الخاسر، و كان قد مات عن غير وارث، فوهبها له قبل أن يتسلّمها صاحب المواريث، فحصّل منها خمسين ألف دينار.

أخبرني عمي، قال: حدّثني أبو هفّان، عن سعيد بن هريم و أبي دعامة أنه رفع إلى الرشيد أن سلما الخاسر قد توفي، و خلّف ممّا أخذه منه خاصة و من زبيدة ألف ألف و خمسمائة ألف درهم سوى ما خلّفه من عقار و غيره مما اعتقده‏[1]قديما، فقبضه الرشيد. و تظلم إليه مواليه من آل أبي بكر الصديق، رضوان اللّه عليه، فقال: هذا/خادمي و نديمي، و الّذي خلّفه من مالي، فأنا أحقّ به، فلم يعطهم إلا شيئا يسيرا من قديم أملاكه.

رثاؤه معن بن زائدة و مالكا و شهابا ابني عبد الملك بن مسمع‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل، عن القحذميّ، قال: كان مالك و شهاب ابنا عبد الملك بن مسمع و معن بن زائدة متواخين، لا يكادون يفترقون. و كان سلم الخاسر ينادمهم و يمدحهم، و يفضلون عليه و لا يحوجونه إلى غيرهم، فتوفّي مالك ثم أخوه ثم معن في مدة متقاربة، فقال سلم يرثيهم:

عين جودي بعبرة تهتان‏[2] # و اندبي من أصاب ريب الزمان

و إذا ما بكيت قوما كراما # فعلى مالك أبي غسّان

أين معن أبو الوليد و من كا[3] # ن غياثا للهالك الحيران

طرقتك المنون لا واهي الحبـ # ل و لا عاقدا بحلف يمان

و شهاب و أين مثل شهاب # عند بذل النّدى و حرّ الطّعان

ربّ خرق‏[4]رزئته من بني قيـ # س و خرق رزئت من شيبان

درّ[5]درّ الأيام ما ذا أجنّت‏[6] # منهم في لفائف الكتان‏[7]!

ذاك معن ثوى ببست‏[8]رهينا # و شهاب ثوى بأرض عمان‏

[1]اعتقده: جمعه.

[2]عبرة تهتان: منصبة، وصف بالمصدر.

[3]ف: «و قد كان» .

[4]الخرق: السخي، أو الظريف في سخاوة.

[5]در: كثر، و الدر: اللبن. و دردره: دعاء له بكثرة الخير؛ و المراد هنا التعجب.

[6]أجنت: وارت.

[7]مم: «الأكفان» .

[8]س: «يئست» ، تحريف. ـ

187

/

و هما ما هما لبذل العطايا # و للفّ الأقران بالأقران

يسبقان المنون طعنا و ضربا # و يفكّان كلّ كبل‏[1]و عان‏[2]

أمر له الرشيد بمائة ألف درهم في قصيدة أنشده إياها

أخبرني وكيع، قال: حدّثني يزيد بن محمد المهلّبيّ، قال: حدّثني عبد الصمد بن المعذّل، قال:

لما أنشد سلم الخاسر الرشيد قصيدته فيه:

حضر الرّحيل و شدّت الأحداج‏

أمر له بمائة ألف درهم.

من شعره في الفضل بن يحيى و جائزته عليه‏

حدّثني جحظة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال:

دخل سلم الخاسر على الفضل بن يحيى في يوم نيروز و الهدايا بين يديه، فأنشده:

أ من ربع تسائله # و قد أقوت منازله

بقلبي من هوى الأطلا # ل حبّ ما يزايله

رويدكم عن المشغو # ف إنّ الحبّ قاتله

بلابل صدره تسري # و قد نامت عواذله

أحقّ الناس بالتفضـ # يل من ترجى فواضله

رأيت مكارم الأخلا # ق ما ضمّت حمائله

فلست أرى فتى في النا # س إلا الفضل فاضله

يقول لسانه خيرا # فتفعله أنامله

/و مهما يرج‏[3]من خير # فإن الفضل فاعله‏

و كان إبراهيم الموصليّ و ابنه إسحاق حاضرين، فقال لإبراهيم: كيف‏[4]ترى و تسمع؟قال: أحسن مرئيّ و مسموع، و فضل الأمير أكثر منه. فقال: خذوا جميع ما أهدي إليّ اليوم فاقتسموه بينكم أثلاثا[5]إلا ذلك التمثال، فإني أريد أن أهديه اليوم إلى دنانير، ثم قال: لا، و اللّه، ما هكذا تفعل الأحرار، يقوّم و ندفع إليهم ثمنه، ثم نهديه.

فقوّم بألفي دينار، فحملها إلى القوم من بيت ماله، و اقتسموا جميع الهدايا بينهم.

[1]الكبل: القيد؛ أو أعظم ما يكون من القيود.

[2]العاني: الأسير.

[3]في التجريد: «ترج» .

[4]في التجريد: «كيف ما ترى» . و سقط فيه: كلمة «تسمع» .

[5]كذا في المختار و في س: «ثلاثا» ، و هو تحريف.

188

شعر له يعده معن بن زائدة أحسن ما مدح به‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثني عيسى بن إسماعيل تينة، قال: حدّثني القحذميّ، قال:

قيل لمعن بن زائدة: ما أحسن ما مدحت به من الشعر عندك؟قال: قول سلم الخاسر:

أبلغ الفتيان مألكة[1] # أنّ خير الودّ ما نفعا

أنّ قرما[2]من بني مطر # أتلفت كفّاه ما جمعا

كلّما عدنا لنائله # عاد في معروفه جذعا[3]

شعر له في الفضل بن يحيى و قد أشار برأي أخذ به‏

أخبرني عمي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة، و أخبرني الحسن بن عليّ، قال:

حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، عن أبي توبة، قال:

حدث في أيام الرشيد أمر فاحتاج فيه‏[4]إلى الرأي، فأشكل، و كان الفضل بن/يحيى غائبا، فورد في ذلك الوقت، فأخبروه بالقصة، فأشار بالرأي في وقته، و أنفذ الأمر على مشورته، فحمد ما جرى فيه، فدخل عليه سلم الخاسر فأنشده:

بديهته و فكرته سواء # إذا ما نابه الخطب الكبير

و أحزم ما يكون الدّهر رأيا # إذا عيّ‏[5]المشاور و المشير[6]

فأمر له بعشرة آلاف درهم.

اشترى سكوت أبي الشمقمق عن هجائه‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني أبو العيناء، قال: حدّثني الجمّاز أنّ أبا الشمقمق جاء إلى سلم الخاسر يستميحه فمنعه، فقال له: اسمع إذا ما قلته، و أنشده:

حدّثوني أنّ سلما # يشتكي جارة أيره

فهو لا يحسد شيئا # غير أير في است غيره

و إذا سرّك يوما # يا خليلي نيل خيره

قم فمر راهبك الأصـ # لع يقرع باب ديره‏

فضحك سلم، و أعطاه خمسة دنانير، و قال له: أحب-جعلت فداءك-أن تصرف راهبك الأصلع عن باب ديرنا.

[1]المألكة: الرسالة.

[2]القرم: السيد.

[3]الجذع: الشاب الحدث، و المراد: عاد أكثر ارتياحا للندى.

[4]كذا في المختار، و في س: «إليه» ، و هو تحريف. و في التجريد، ف، مم: «فاحتيج» .

[5]في التجريد: «أعيا» .

[6]زاد في المختار بعد هذا البيت:

و صدر فيه للهم اتساع # إذا ضاقت عن الهمّ الصدور

189

أنشد الرشيد فتطير و أمر بإخراجه‏

أخبرنا الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أحمد بن أبي كامل، قال: حدّثني أبو دعامة، قال:

دخل سلم الخاسر على الرشيد، فأنشده:

/

حيّ الأحبّة بالسلام‏

فقال الرشيد:

حياهم اللّه بالسلام‏

فقال:

على وداع أم مقام‏

فقال الرشيد: حيّاهم اللّه على أيّ ذلك كان، فأنشده:

لم يبق منك و منهم # غير الجلود على العظام‏

فقال له الرشيد: بل منك، و أمر بإخراجه، و تطيّر منه، و من قوله، فلم يسمع منه باقي الشعر و لا أثابه بشي‏ء.

شعره في الهادي حين بويع له‏

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

أتت وفاة المهديّ إلى موسى الهادي، و هو بجرجان، فبويع له هناك، فدخل عليه سلم الخاسر مع المهنئين، فهنأه بخلافة اللّه، ثم أنشده:

لمّا أتت خير بني هاشم # خلافة اللّه بجرجان

شمّر للحزم‏[1]سرابيله # برأي لا غمر و لا وان

لم يدخل الشّورى على رأيه # و الحزم لا يمضيه رأيان‏

يقر بأستاذية بشار له‏

أخبرني الحسن بن عليّ و عمي، قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني صالح بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال:

دخل سلم الخاسر على الرشيد، و عنده العباس بن محمد و جعفر بن يحيى، فأنشده قوله فيه:

/

حضر الرّحيل و شدّت الأحداج‏[2]

[1]في التجريد: «للحرب» .

[2]عجزه كما في التجريد:

و غدا بهن مشمر مزعاج‏

و الأحداج، جمع الحدج، بكسر فسكون، و هو مركب للنساء.

190

فلما انتهى إلى قوله:

إن المنايا في السيوف كوامن # حتى يهيّجا فتى هيّاج‏

فقال الرشيد: كان ذلك معن بن زائدة، فقال: صدق أمير المؤمنين، ثم أنشد حتى انتهى إلى قوله:

و مدجّج يغشى المضيق بسيفه # حتى يكون بسيفه الإفراج‏

فقال الرشيد: ذلك يزيد بن مزيد، فقال: صدق أمير المؤمنين، فاغتاظ جعفر بن يحيى، و كان يزيد بن مزيد عدوّا للبرامكة، مصافيا للفضل بن الربيع، فلما انتهى إلى قوله:

نزلت نجوم الليل فوق رءوسهم # و لكلّ قوم كوكب وهّاج‏

قال له جعفر بن يحيى: من قلّة الشعر حتى‏[1]تمدح أمير المؤمنين بشعر قيل في غيره!هذا لبشّار في فلان التميميّ، فقال الرشيد: ما تقول يا سلم؟قال: صدق يا سيدي، و هل أنا إلا جزء من محاسن بشار، و هل أنطلق إلا بفضل منطقه!و حياتك يا سيدي إني لأروي له تسعة آلاف بيت ما يعرف أحد غيري منها شيئا، فضحك الرشيد، و قال: ما أحسن الصدق!امض في شعرك، و أمر له بمائة ألف درهم، ثم قال للفضل بن الربيع: هل قال أحد غير سلم في طيّنا المنازل شيئا؟-و كان الرشيد قد انصرف من الحج، /و طوى المنازل.

وصفه هو و النمري على الرشيد للمنازل‏

فوصف ذلك سلم-فقال الفضل: نعم يا أمير المؤمنين، النّمريّ، فأمر سلما أن يثبت قائما حتى يفرغ النمريّ من إنشاده، فأنشده النّميريّ قوله:

تخرّق سربال الشباب مع البرد # و حالت لنا أمّ الوليد عن العهد

فقال الرشيد للعباس بن محمد: أيّهما أشعر عندك يا عم؟قال: كلاهما شاعر، و لو كان كلام يستفحل‏[2] لجودته حتى يؤخذ منه نسل لاستفحلت كلام النّمريّ، فأمر له بمائة ألف درهم أخرى.

رثاه أشجع السلمي‏

أخبرني عمي، قال: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لأشجع السّلميّ يرثي سلما الخاسر و مات سلم قبله:

يا سلم إن أصبحت في حفرة # موسّدا تربا و أحجارا

فربّ بيت حسن قلته # خلّفته في الناس تيّارا

قلّدته ربّا و سيّرته # فكان فخرا منك أو عارا

لو نطق الشعر بكى بعده # عليه إعلانا و إسرارا

صوت‏

يا ويح من لعب الهوى بحياته # فأماته من قبل حين مماته

من ذا كذا كان الشقي بشادن # هاروت بين لسانه و لهاته‏

[1]في التجريد: «من قلة شعر يمدح» .

[2]في التجريد: «و لو كان الشعر يستفحل» .

191

و حياة من أهوى فإنّي لم أكن # يوما لأحلف كاذبا بحياته

لأخالفنّ عواذلي في لذّتي # و لأسعدنّ أخي على لذّاته‏

الشعر لبعض شعراء الحجازيين و لم يقع إلينا اسمه، و الغناء لأبي صدقة رمل بالبنصر[1].

[1]كذا في ف، مم، ما، مج. و جاء في ب، س مكان هذه الأبيات بعد كلمة صوت:

أجدك ما تعفو كلوم مصيبة # على صاحب إلا فجعت بصاحب

تقطع أحشائي إذا ما ذكرتكم # و تنهل عيني بالدموع السواكب‏

عروضه من الطويل. الشعر لسلمة بن عياش، و الغناء لحكم، و له فيه لحنان بالبنصر و هزج بالوسطى. و ما أثبتناه أنسب للترجمة التالية.

192

14-أخبار أبي صدقة *

اسمه و ولاؤه‏

اسمه مسكين بن صدقة من أهل المدينة، مولى لقريش. و كان مليح الغناء، طيّب الصوت، كثير الرواية، صالح الصنعة؛ من أكثر الناس نادرة، و أخفّهم روحا، و أشدّهم طمعا، و ألحّهم في مسألة. و كان له ابن يقال له:

صدقة يغنّي، و ليس من المعدودين، و ابن ابنه أحمد بن صدقة الطّنبوريّ-أحد المحسنين من الطّنبوريين، و له صنعة جيدة، و كان أشبه الناس بجدّه في المزح و النوادر. و أخباره تذكر بعد أخبار جدّه. و أبو صدقة من المغنين الذين أقدمهم هارون الرشيد من الحجاز في أيامه.

يذكر أسباب كثرة سؤاله‏

أخبرني عليّ بن عبد العزيز، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، قال:

قيل لأبي صدقة ما أكثر سؤالك، و أشدّ إلحاحك!فقال: و ما يمنعني من ذلك، و اسمي مسكين، و كنيتي أبو صدقة، و امرأتي فاقة، و ابني صدقة!.

يتغنى مع مغني الرشيد فيشتد طرب الرشيد لغنائه‏

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلانيّ، قال: حدثنا يوسف بن إبراهيم، قال:

حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي أن الرشيد قال للحارث بن بُسخُنَّر: قد اشتهيت أن أرى ندمائي و من يحضر مجلسي من المغنين جميعا في مجلس واحد، يأكلون و يشربون، و يتبذّلون منبسطين على غير هيبة و لا احتشام، بل يفعلون ما يفعلون في منازلهم و عند نظرائهم، و هذا لا يتمّ إلا بأن أكون بحيث لا يرونني، عن غير علم منهم برؤيتي إياهم. فأعدّ لي مكانا أجلس فيه أنا و عمّي سليمان و إخوتي: إبراهيم بن المهديّ، /و عيسى بن جعفر[1]، و جعفر بن يحيى. فإنا مغلّسون‏[2]عليك غداة غد، و استزر أنت محمد بن خالد بن برمك، و خالدا أخا مهرويه، و الخضر بن جبريل، و جميع المغنين، و أجلسهم بحيث نراهم و لا يروننا، و ابسط الجميع، و أظهر برّهم، و اخلع عليهم، و لا تدع من الإكرام شيئا إلا فعلته بهم. ففعل ذلك الحارث، و قدّم إليهم الطعام فأكلوا، و الرشيد ينظر إليهم، ثم دعا لهم بالنبيذ. فشربوا، و أحضرت الخلع، و كان ذلك اليوم يوما شديد البرد، فخلع على ابن جامع جبة خزّ طارونيّ‏[3]مبطنة بسمّور صينيّ، و خلع على إبراهيم الموصلي جبّة وشي كوفي مرتفع مبطنة بفنك‏[4]، و خلع (*) هذه الترجمة مما سقط من طبعة بولاق.

[1]ف: «إسماعيل بن جعفر» .

[2]مغلسون: قادمون بغلس، و هو ظلمة آخر الليل.

[3]الطاروني: نوع من الخز.

[4]الفنك، بالتحريك: دابة فروتها أطيب الفراء، و المراد بجلد فنك.

193

على أبي صدقة درّاعة[1]ملحم‏[2]خراسانيّ محشوّة بقز، ثم تغنى ابن جامع، و تغنى بهذه إبراهيم، و تلاهما أبو صدقة فغنّى لابن سريج:

و من أجل ذات الخال أعملت ناقتي # أكلّفها سير الكلال مع الظّلع‏[3]

فأجاده، و استعاده الحارث ثلاثا و هو يعيده. فقال له الحارث: أحسنت و اللّه يا أبا صدقة!قال له: هذا غنائي و قد قرصني البرد، فكيف تراه‏[4]-فديتك-كان يكون‏[4]لو كان تحت درّاعتي هذه شعيرات؟يعني الوبر، و الرشيد يسمع ذلك/فضحك، فأمر بأن يخلع عليه دراعة ملحم مبطنة بفنك، ففعلوا، ثم تغنى الجماعة، و غنى أبو صدقة لمعبد:

بأن الخليط على بزل‏[5]مخيّسة[6] # هدل المشافر أدنى سيرها الرّمل‏

ثم تغنى بعده لمعبد أيضا:

بأن الخليط و لو طووعت ما بانا # و قطّعوا من حبال الوصل أقرانا[7]

فأقام فيهما جميعا القيامة، فطرب الرشيد حتى كاد أن يخرج إلى المجلس طربا فقال له الحارث: أحسنت و اللّه يا أبا صدقة-فديتك-و أجملت، فقال أبو صدقة: فكيف ترى-فديتك-الحال تكون لو كانت على هذه الدراعة نقيطات؟يعني الوشي، فضحك الرشيد حتى ظهر ضحكه، و علموا بموضعه، و عرف علمهم بذلك، فأمر بإدخالهم إليه، و أمر بأن يخلع على أبي صدقة دراعة أخرى مبطنة، فخلعت عليه.

صادره الحسن بن سليمان على جعل يأخذه و يكف عن السؤال فلم يف له‏

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

سأل الحسن‏[8]بن سليمان أخو عبيد اللّه بن سليمان الطفيليّ‏[9]الفضل و جعفرا ابني يحيى أن يقيما عنده يوما، فأجاباه‏[10]، فواعد عدة من المغنين، فيهم أبو صدقة المدني، فقال لأبي صدقة: إنك تبرم بكثرة السؤال:

فصادرني‏[11]على شي‏ء أدفعه إليك/و لا تسأل شيئا غيره، فصادره على شي‏ء أعطاه إياه. فلما جلسوا و غنّوا أعجبوا بغناء أبي صدقة، و اقترحوا عليه أصواتا من غناء ابن سريج و معبد و ابن محرز و غيرهم، فغنّاهم، ثم غنى-و الصنعة له رمل:

[1]الدراعة: جبة مشقوقة المقدم.

[2]الملحم: نوع من الثياب.

[3]البيت لعمر بن أبي ربيعة، في ديوانه-330، و الظلع: مصدر ظلع، كمنع: إذا غمز في مشيه.

[4]في س: «فتكون» ، و هو تحريف.

[5]البزل: جمع البازل، و هو الجمل أو الناقة بزل نابها: أي انشق، و يكون ذلك في تاسع سنيه.

[6]مخيسة: مروضة مذللة.

[7]الأقران: جمع قرن، كسهل، و هو الحبل المفتول من لحاء الشجر، و الخصلة المفتولة من الصوف.

[8]ف: «الحسين بن سليمان» .

[9]ف: «اللطفي» .

[10]في س: «فأجابه» ، و هو تحريف.

[11]صادرني على شي‏ء: طالبني به.

194

يا ويح من لعب الهوى بحياته # فأماته من قبل حين مماته

من ذا كذا كان الشقيّ بشادن‏[1] # هاروت بين لسانه و لهاته‏[2]

و ذكر الأبيات الأربعة المتقدّم ذكرها، قال: فأجاد و أحسن ما شاء، و طرب جعفر، فقال له: أحسنت و حياتي، و كان عليه دوّاج‏[3]خزّ مبطن بسمّور جيد، فلما قال له ذلك شرهت نفسه و عاد إلى طبعه، فقال:

لو أحسنت ما كان هذا الدّوّاج عليك، و لتخلعنّه عليّ، فألقاه عليه، ثم غنّى أصواتا من القديم و الحديث، و غنّى بعدها من صناعته في الرمل:

لم يطل العهد فتنساني # و لم أغب عنك فتنعاني

بدّلت بي غيري و باهتّني‏[4] # و لم تكن صاحب بهتان

لا وثقت نفسي بإنسان # بعدك في سرّ و إعلان

أعطيتني ما شئت من موثق # منك و من عهد و أيمان‏

فقال له الفضل: أحسنت و حياتي!فقال: لو أحسنت لخلعت عليّ جبّة تكون شكلا لهذا الدّوّاج، فنزع جبته و خلعها عليه، و سكروا و انصرفوا. فوثب الحسن بن سليمان، فقال له: قد وافقتك على ما أرضاك، و دفعته إليك على ألا تسأل أحدا شيئا، فلم تف، /و قد أخذت مالك!و اللّه لا تركت عليك شيئا مما أخذته، ثم انتزعه منه كرها و صرفه، فشكاه أبو صدقة إلى الفضل و جعفر، فضحكا منه، و أخلفا عليه ما ارتجعه الطفيلي‏[5]منه من خلعهما.

نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الغناء

صوت‏

بان الخليط على بزل مخيّسة # هدل المشافر أدنى سيرها الرمل

من كل أعيس‏[6]نضّاح القفا قطم‏[7] # ينفي الزمام إذا ما حنّت الإبل‏

الغناء لابن عائشة، خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو الهشامي، و قال الهشامي خاصة: فيه لابن محرز هزج، و لإسحاق ثقيل أول، و وافقه ابن المكّيّ. و ما وجدت لمعبد فيه صنعة في شي‏ء من الروايات، إلا في المذكور.

و أ ما:

بان الخليط و لو طووعت ما بانا

فقد مضى في المائة المختارة، و نسب هناك و ذكرت أخباره.

[1]الشادن: ولد الظبية.

[2]اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق.

[3]الدواج: اللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد و نحوه.

[4]باهتني: حيرتني و أدهشتني بما تفتري عليّ من الكذب.

[5]ف: «اللّطفى» .

[6]الأعيس: البعير الأبيض يخالط بياضه شقره.

[7]القطم: الفحل يشتهي الضراب، و الفعل قطم، كفرح.

195

يذكر للرشيد أسباب إلحاحه في المسألة

أخبرني رضوان بن أحمد، قال: حدثنا يوسف بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ، قال:

كان أبو صدقة أسأل خلق اللّه و ألحّهم، فقال له الرشيد: ويلك ما أكثر سؤالك!/فقال: و ما يمنعني من ذلك، و اسمي مسكين، و كنيتي أبو صدقة، و اسم ابني صدقة، و كانت أمي تلقّب فاقة، و اسم أبي صدقة، فمن أحق مني بهذا؟.

كثرة عبث الرشيد به‏

و كان الرشيد يعبث به عبثا شديدا، فقال ذات يوم لمسرور: قل لابن جامع و إبراهيم الموصلي و زبير بن دحمان و زلزل و برصوما و ابن أبي مريم المديني: إذا رأيتموني قد طابت نفسي، فليسألني كل واحد منهم حاجة، مقدارها مقدار صلته. و ذكر لكل واحد منهم مقدار[1]ذلك، و أمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة، فقال لهم مسرور ما أمره به، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم، فلما جلس قال له: يا أبا صدقة، قد أضجرتني بكثرة مسألتك، و أنا في هذا اليوم ضجر، و قد أحببت أن أتفرّج و أفرح، و لست آمن أن تنغّص عليّ مجلسي بمسألتك، فإمّا أن أعفيتني من أن تسألني اليوم حاجة و إلا فانصرف. فقال له: يا سيدي لست أسألك في هذا اليوم، و لا إلى شهر حاجة، فقال له الرشيد: أما إذا شرطت لي هذا على نفسك، فقد اشتريت منك حوائجك بخمسمائة دينار، و ها هي ذه فخذها هنيئة معجلة، فإن سألتني شيئا بعدها في هذا اليوم، فلا لوم عليّ إن لم أصلك سنة بشي‏ء. فقال له: نعم، و سنتين. فقال له الرشيد: زدني في الوثيقة، فقال: قد جعلت أمر أمّ صدقة في يدك، فطلّقها متى شئت، إن شئت واحدة، و إن شئت ألفا إن سألتك في يومي هذا حاجة. و أشهد[2]اللّه و من حضر على ذلك، فدفع إليه المال، ثم أذن للجلساء و المغنين فحضروا، و شرب القوم.

فلما طابت نفس الرشيد قال له ابن جامع: يا أمير المؤمنين، قد نلت منك ما لم تبلغه أمنيّتي، و كثر إحسانك إليّ حتى كبتّ أعدائي و قتلتهم. و ليست لي بمكة دار تشبه/حالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دارا، و أفرشها بباقيه لأفقأ عيون أعدائي و أزهق نفوسهم-فعل، فقال: و كم قدّرت لذلك؟قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها. ثم قام إبراهيم الموصليّ فقال له: قد ظهرت نعمتك عليّ و على أكابر ولدي، و في أصاغرهم من قد بلغ، و أريد تزويجه، و من أصاغرهم من أحتاج إلى أن أطهره، و منهم صغار أحتاج إلى أن أتخذ لهم خدما، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك فعل، فأمر له بمثل ما أمر لابن جامع، و جعل كلّ‏[3]واحد منهم يقوم فيقول من الثناء ما يحضره، و يسأل حاجة على قدر جائزته، و أبو صدقة ينظر إليهم و إلى الأموال تفرّق يمينا و شمالا، فوثب على رجليه قائما، و قال للرشيد: يا سيدي، أقلني، أقال اللّه عثرتك!فقال له الرشيد: لا أفعل، فجعل يستحلفه و يضطرب‏[4]و يلحّ، و الرشيد يضحك و يقول: ما إلى ذلك سبيل، الشرط أملك.

[1]في التجريد: «مبلغ» .

[2]ف: «و أشهدت اللّه» .

[3]كذا في التجريد، و في س: «لكل» ، و هو تحريف.

[4]كذا في التجريد، و في س: «يضرب» ، و هو تحريف.

196

فلما عيل صبره أخذ الدنانير فرمى بها بين يدي الرشيد، و قال له: هاكها قد رددتها عليك و زدتك فرج أمّ صدقة فطلّقها إن شئت واحدة، و إن شئت ألفا. و إن لم تلحقني بجوائز القوم فألحقني بجائزة هذا البارد ابن الباردة عمرو الغزّال‏[1]، و كانت صلته ألف دينار. فضحك الرشيد حتى استلقى، ثم ردّ عليه الخمسمائة الدينار، و أمر له بألف دينار معها. و كان ذلك أكثر ما أخذه منه مذ يوم خدمه إلى أن مات، فانصرف يومئذ بألف و خمسمائة دينار.

عبث جعفر بن يحيى و الرشيد به‏

أخبرني رضوان بن أحمد، قال: حدّثني يوسف بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو إسحاق، قال:

/مطرنا و نحن مع الرشيد بالرّقة مطرا مع الفجر، و اتصل إلى غد ذلك اليوم، و عرفنا خبر الرشيد، و أنه مقيم عند أمّ ولده المسماة بسحر، فتشاغلنا في منازلنا. فلما كان من غد جاءنا رسول الرشيد، فحضرنا جميعا، و أقبل يسأل واحدا واحدا عن يومه الماضي: ما صنع فيه فيخبره، إلى أن انتهى إلى جعفر بن يحيى، فسأله عن خبره، فقال: كان عندي أبو زكّار الأعمى و أبو صدقة، فكان أبو زكار كلما غنّى صوتا لم يفرغ منه حتى يأخذه أبو صدقة، فإذا انتهى الدور إليه أعاده، و حكى أبا زكار فيه و في شمائله و حركاته، و يفطن أبو زكار لذلك فيجن و يموت غيظا، و يشتم أبا صدقة كلّ شتم حتى يضجر، و هو لا يجيبه و لا يدع العبث به، و أنا أضحك من ذلك إلى أن توسطنا الشراب و سئمنا من العبث به، فقلت له: دع هذا و غنّ غناءك، فغنّى رملا ذكر أنه من صنعته، طربت له-و اللّه يا أمير المؤمنين-طربا ما أذكر أني طربت مثله منذ حين، و هو:

صوت‏

فتنتني بفاحم اللون جعد # و بثغر كأنه نظم درّ

و بوجه كأنه طلعة البد # ر و عين في طرفها نفث سحر

فقلت له: أحسنت و اللّه يا أبا صدقة، فلم أسكت عن هذه الكلمة حتى قال لي: إني قد بنيت دارا حتى أنفقت‏[2]عليها حريبتي‏[3]، و ما أعددت لها فرشا، فافرشها لي، نجّد[4]اللّه لك في الجنة ألف قصر. فتغافلت عنه، و عاود الغناء، فتعمدت أن قلت له: أحسنت، ليعاود مسألتي و أتغافل عنه، فسألني و تغافلت، فقال لي: يا سيدي هذا التغافل متى حدث لك؟/سألتك باللّه، و بحق أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي و لو بشتم!فأقبلت عليه و قلت له: أنت و اللّه بغيض، اسكت يا بغيض، و اكفف عن هذه المسألة الملحّة، فوثب من بين يديّ، و ظننت أنه خرج لحاجة، و إذا هو قد نزع ثيابه و تجرد منها خوفا من أن تبتلّ، و وقف تحت السماء، لا يواريه منها شي‏ء و المطر يأخذه، و رفع رأسه و قال: يا ربّ أنت تعلم أني مله، و لست نائحا، و عبدك هذا الّذي رفعته و أحوجتني إلى خدمته يقول لي: أحسنت، لا يقول لي: أسأت، و أنا منذ جلست أقول له: بنيت، لم أقل: هدمت، فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض، فاحكم بيني و بينه يا سيدي، فأنت خير الحاكمين.

[1]ف: «عمرو بن الغزال» .

[2]ف: «دارا أنفقت» .

[3]حريبة الرجل: ماله الّذي سلبه.

[4]نجّد: زين. ـ

197

فغلبني الضحك، و أمرت به فتنحّى، و جهدت به أن يغني، فامتنع حتى حلفت له بحياتك يا أمير المؤمنين أنى أفرش له داره، و خدعته فلم أسمّ له ما أفرشها به، فقال الرشيد: طيّب و اللّه!الآن تمّ لنا به اللهو، و هو ذا أدعو به، فإذا رآك فسوف يقتضيك الفرش، لأنك حلفت له بحياتي، فهو يتنجّز ذلك بحضرتي ليكون أوثق له، فقل له: أنا أفرشها لك بالبواري‏[1]، و حاكمه إليّ. ثم دعا به فأحضر، فما استقرّ في مجلسه حتى قال لجعفر بن يحيى: الفرش الّذي حلفت لي بحياة أمير المؤمنين أنك تفرش به داري، تقدّم فيه، فقال له جعفر: اختر، إن شئت فرشتها لك بالبواري، و إن شئت بالبرديّ من الحصر، فضج و اضطرب.

فقال له الرشيد: و كيف كانت القصة؟فأخبره، فقال له: أخطأت يا أبا صدقة، إذ لم تسمّ النوع و لا حدّدت القيمة، فإذا فرشها لك بالبواري أو بالبرديّ أو بما دون ذلك فقد و في يمينه، و إنما خدعك، و لم تفطن له أنت، و لا توثقت، و ضيّعت حقك. فسكت، /و قال: نوفّر البرديّ و البواريّ عليه أيضا، أعزه اللّه. و غنى المغنون حتى انتهى إليه الدور، فأخذ يغني غناء الملاّحين و البنائين و السقائين و ما جرى مجراه من الغناء، فقال له الرشيد: أيش هذا الغناء ويلك!قال: من فرشت داره بالبواري و البردي فهذا الغناء كثير منه، و كثير أيضا لمن هذه صلته، فضحك الرشيد و اللّه و طرب و صفّق، ثم أمر له بألف دينار من ماله و قال له: افرش دارك من هذه، فقال: و حياتك لا آخذها يا سيدي أو تحكم لي على جعفر بما وعدني، و إلاّ متّ و اللّه أسفا لفوات ما حصل في طمعي و وعدت به، فحكم له على جعفر بخمسمائة دينار، فقبلها جعفر، و أمر له بها.

قصة وصوله إلى السلطان‏

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال: كان سبب وصول أبي صدقة إلى السلطان أنّ أبي لما حجّ مرّ بالمدينة، فاحتاج إلى قطع ثياب، فالتمس خياطا حاذقا، فدلّ على أبي صدقة، و وصف به بالحذق في الخياطة و الحذق في الغناء و خفة الروح، فأحضره فقطع له ما أراد و خاطه، و سمع غناءه فأعجبه؛ و سأله عن حاله، فشكا إليه الفقر، فخلّف لعياله نفقة سابغة لسنة، ثم أخذه معه و خلطه بالسلطان.

قال‏[2]حماد: فقال أبو صدقة يوما لأبي: قد اقتصرت بي‏[3]على صنعة أبي إسحاق أبيك، رحمه اللّه عندي، و أنت لا، ربّ‏[4]ذلك بشي‏ء، فقال له: هذه الصينيّة الفضة الّتي بين يديّ لك إذا انصرفت، فشكره و سرّ بذلك، و لم يزل يغنيه بقية يومه، فلما أخذ النبيذ فيه قام قومة ليبول، فدعا أبي بصينية رصاص فحول قنّينته و قدحه فيها، و رفع الصينية الفضة، فلما أراد أبو صدقة الانصراف شد أبي الصينية في منديل، و دفعها إلى غلامه، و قال له: بت الليلة عندي و اصطبح غدا، و اردد دابتك. فقال: إني إذا/لأحمق، أدفع إلى غلامي صينية فضة، فيأخذها و يطمع فيها أو يبيعها، و يركب الدابة و يهرب، و لكني أبيت عندك، فإذا انصرفت غدا أخذتها معي، و بات و أصبح عندنا مصطبحا، فلما كان وقت انصرافه أخذها و مضى، فلم يلبث من غد أن جاءنا و الصينية معه، فإذا هو قد وجّه بها لتباع، فعرّفوه أنها رصاص، فلما رآه أبي من بعيد ضحك، و عرف القصة، و تماسك، فقال له أبو صدقة: نعم الخلافة خلفت [1]البواري: جمع البارية، و هي الحصير المنسوج.

[2]الفقرة الّتي أولها: قال حماد إلى آخر الترجمة زيادة في س على ما في ف.

[3]في س: «به» ، و هو تحريف.

[4]رب ذلك: زدت.

198

أباك، و ما أحسن ما فعلت بي!قال: و أيّ شي‏ء فعلت بك؟قال: أعطيتني صينية رصاص، فقال له أبي: سخنت عينك!سخرت امرّتك بك، و أنا من أين لي صينية رصاص؟فتشكك ساعة، ثم قال: أظن و اللّه أن ذلك كذلك، فقام. فقال له أبي: إلى أين؟قال: أضع و اللّه عليها السوط فأضربها به حتى تردّ الصينية، فلما رأى أبي الجدّ منه قال له: اجلس يا أبا صدقة، فإنما مزحت معك، و أمر له بوزنها دراهم.

صوت‏

إنّ من يملك رقّي # مالك دقّ الرّقاب

لم يكن يا أحسن العا # لم هذا في حسابي‏

الشعر لفضل الشاعرة، و الغناء لعريب خفيف ثقيل بالوسطى، عن ابن المعتز[1].

[1]كذا في ف، ما: حم، حج، و جاء في س مكان هذين البيتين بعد كلمة «صوت» :

لقد علمت و ما الإسراف من خلقي # أن الّذي هو رزقي سوف يأتيني

أسعى له فيغنيني تطلبه # و لو جلست أتاني لا يعنيني‏

الشعر لعروة بن أذينة، و الغناء لمخارق، ثقيل أول بالبنصر، عن عمرو. و ما أثبناه أنسب للترجمة التالية.

199

15-أخبار فضل الشاعرة[1]

نشأتها و صفاتها

كانت فضل جارية مولّدة من مولّدات البصرة، و كانت أمها من مولّدات اليمامة. بها ولدت، و نشأت في دار رجل من عبد القيس، و باعها بعد أن أدّبها و خرّجها، فاشتريت و أهديت إلى المتوكل. و كانت هي تزعم أن الّذي باعها أخوها، و أن أباها وطئ أمها فولدتها منه، فأدّبها و خرّجها معترفا بها، و أنّ بنيه من غير أمها تواطئوا على بيعها و جحدها، و لم تكن تعرف بعد أن أعتقت إلا بفضل العبدية. و كانت حسنة الوجه و الجسم و القوام، أديبة فصيحة سريعة البديهة، مطبوعة في قول الشعر. و لم يكن في نساء زمانها أشعر منها.

كانت تجلس للرجال و يجيبها الشعراء

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، قال: كانت فضل الشاعرة لرجل من النخّاسين بالكرخ يقال له: حسنويه، فاشتراها محمد بن الفرج أخو عمر بن الفرج الرّخّجيّ، و أهداها إلى المتوكل، فكانت تجلس للرجال، و يأتيها الشعراء، فألقى عليها أبو دلف القاسم بن عيسى:

قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم # أشهى المطيّ إليّ ما لم يركب

كم بين حبّة لؤلؤ مثقوبة # نظمت و حبة لؤلؤ لم تثقب‏

فقالت فضل مجيبة له:

إن المطية لا يلذّ ركوبها # ما لم تذلّل بالزّمام و تركب

و الدّرّ ليس بنافع أصحابه # حتى يؤلّف للنّظام بمثقب‏[2]

شعرها في المتوكل حين دخلت عليه‏

حدّثني عمّي و محمد بن خلف، قالا: حدثنا أبو العيناء، قال: لما دخلت فضل الشاعرة على المتوكل يوم أهديت إليه قال لها: أشاعرة أنت؟قالت: كذا زعم من باعني و اشتراني، فضحك و قال: أنشدينا شيئا من شعرك فأنشدته:

استقبل الملك إمام الهدى # عام ثلاث و ثلاثينا

-تعني سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين من سني الهجرة-:

[1]و هذه الترجمة أيضا مما سقط من طبعة بولاق.

[2]في المختار:

و الحبّ ليس بنافع أربابه ما لم يؤلف في النظام و يثقب.

200

خلافة أفضت إلى جعفر # و هو ابن سبع بعد عشرينا

إنّا لنرجو يا إمام الهدى # أن تملك الناس‏[1]ثمانينا

لا قدّس اللّه امرأ لم يقل # عند دعائي لك: آمينا

فاستحسن الأبيات، و أمر لها بخمسة آلاف درهم، و أمر عريب‏[2]فغنّت فيها.

شعرها على لسان المعتمد في جارية

حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبو عبد اللّه أحمد بن حمدون، قال: عرضت على المعتمد جارية تباع في خلافة المتوكل، و هو يومئذ حديث السنّ، فاشتطّ مولاها في السّوم، فلم يشترها، و خرج بها إلى ابن الأغلب، فبيعت هناك. فلما ولي المعتمد الخلافة سأل عن خبرها، و قد ذكرها فأعلم أنها بيعت و أولدها مولاها، فقال لفضل الشاعرة: قولي فيها شيئا، فقالت:

علم الجمال تركتني # في الحبّ أشهر من علم

و نصبتني يا منيتي # غرض المظنّة و التّهم

فارقتني بعد الدّنوّ # فصرت عندي كالحلم

فلو أنّ نفسي‏[3]فارقت # جسمي لفقدك لم تلم

/ما كان ضرّك لو وصـ # لت فخف عن قلبي الألم

برسالة تهدينها # أو زورة تحت الظّلم

أو لا فطيفي‏[4]في المنا # م فلا أقلّ من اللّمم

صلة المحبّ حبيبه # اللّه يعلمه كرم‏

شعر لها تجيب به عن شعر في الشوق إليها

حدّثني محمد بن العباس اليزيديّ، قال: كتب بعض أهلنا إلى فضل الشاعرة:

أصبحت فردا[5]هائم العقل # إلى غزال حسن الشكل

أضنى فؤادي طول عهدي به # و بعده منّي و من وصلي

منية نفسي في هوى فضل # أن يجمع اللّه بها شملي

أهواك يا فضل هوى خالصا # فما لقلبي عنك من شغل‏

قال: فأجابته:

[1]ف: «الأرض» ، و في ما: «الأمر» .

[2]في المختار، ف: «ما عربها» ، و هو تحريف.

[3]ف، ما: «روحي» .

[4]طيفي: أمر من طاف الخيال يطيف: إذا جاء في النوم، و في ف، مم: «أولا فطيف» .

[5]ف، ما: «صبا» .

201
صوت‏

الصبر ينقص و السّقام‏[1]يزيد # و الدار دانية و أنت بعيد

أشكوك أم أشكو إليك فإنه # لا يستطيع سواهما المجهود

إني أعوذ بحرمتي بك في الهوى # من أن يطاع لديك فيّ حسود[2]

في هذه الأبيات رمل طنبوري. و أظنه لجحظة.

شعر آخر تبادل فيه شوقا بشوق‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني الحسن بن عيسى الكوفيّ، قال: حدثنا أبو دهمان، و أخبرني أيضا به عبد اللّه بن نصر المروزيّ، قالا:

/كانت فضل الشاعرة من أحسن الناس وجها و خلقا و خلقا و أرقّهم شعرا، فكتب إليها بعض من كان يجمعه و إياها مجلس الخليفة، و لا تطلعه على حبها[3]له:

ألا ليت شعري فيك‏[4]هل تذكرينني # فذكراك في الدنيا إليّ حبيب

و هل لي نصيب في فؤادك ثابت # كما لك عندي في الفؤاد نصيب

و لست بموصول فأحيا بزورة # و لا النفس عند اليأس عنك تطيب‏

قال: فكتبت إليه:

نعم‏[5]و إلهي إنني بك صبّة # فهل أنت يا من لا عدمت مثيب؟[6]

لمن أنت منه في الفؤاد مصوّر # و في العين نصب العين حين تغيب

فثق بوداد أنت مظهر مثله # على أنّ بي سقما و أنت طبيب‏

تجيز بيتا أنشده المتوكل‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم، قال: حدّثني الفضل بن العباس الهاشميّ، قال: حدّثتني بنان الشاعرة، قالت‏[7]:

اتكأ المتوكل على يدي و يد فضل الشاعرة، و جعل يمشي بيننا، ثم قال: أجيزا لي قول الشاعر:

تعلمت أسباب الرضا خوف عتبها[8] # و علّمها حبّي لها كيف تغضب‏

[1]في المختار: «الغرام» .

[2]في ما: «يا منيتي من أن يطاع حسود» .

[3]في المختار: «يطلعها على حبه لها» .

[4]في المختار: «فضل» ، و هي أوضح و أشبه.

[5]في المختار: «لعمر إلهي» .

[6]في المختار: «نصيب» .

[7]في س: «قال» ، و هو تحريف.

[8]في المختار: «سخطها» .

202

فقال له فضل:

تصدّ و أدنو بالمودة جاهدا # و تبعد عني بالوصال و أقرب‏

/فقلت أنا:

و عندي لها العتبي على كلّ حالة # فما منه لي بدّ و لا عنه مذهب‏

تجيب ببيت عن بيت ألقي عليها

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، قال: ألقى بعض أصحابنا على فضل الشاعرة:

و مستفتح باب البلاء بنظرة # تزوّد منها قلبه حسرة الدهر

فقالت:

فو اللّه ما يدري أ تدري بما جنت # على قلبه أو أهلكته و ما تدري؟

ارتجالها شعرا تجيز به بيتا

أخبرني محمد بن خلف‏[1]، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، قال:

ألقيت أنا على فضل الشاعرة:

علم الجمال تركتني # بهواك‏[2]أشهر من علم‏

فقالت على البديهية:

و أبحتني يا سيّدي # سقما يجلّ عن السقم

و تركتني غرضا-فديـ # تك-للعواذل و التّهم

صلة المحبّ حبيبه # اللّه يعلمه كرم‏

أخبرني محمد بن خلف، قال: حدّثني محمد بن الوليد، قال:

سمعت عليّ بن الجهم يقول: كنت يوما عند فضل الشاعرة، فلحظتها لحظة استرابت بها، فقالت:

يا ربّ رام حسن تعرّضه # يرمي و لا يشعر أني غرضه‏

/فقلت:

أيّ فتى لحظك ليس يمرضه # و أيّ عقد محكم لا ينقضه!

فضحكت، و قالت: خذ في غير هذا الحديث.

تتشوق إلى حبيب‏

حدّثني عمّي، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر، قال:

[1]ف: «أخبرني على بن صالح» .

[2]ف، ما: في «الحب» .

203

كتبت فضل الشاعرة إلى سعيد بن حميد أيام كانت بينهما محبة و تواصل:

و عيشك لو صرّحت باسمك في الهوى # لأقصرت عن أشياء في الهزل و الجدّ

و لكنني أبدي لهذا مودّتي # و ذاك، و أخلو فيك بالبثّ و الوجد

مخافة أن يغري بنا قول كاشح # عدوّا[1]فيسعى بالوصال إلى الصدّ

فكتب إليها سعيد:

تنامين عن ليلى و أسهره وحدي # و أنهى جفوني أن تبثّك ما عندي

فإن كنت لا تدرين ما قد فعلته # بنا فانظري ما ذا على قاتل العمد؟

قال عمي: هكذا ذكر ابن مهرويه.

و حدّثني به عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى، فذكر أن بيتي سعيد كانا الابتداء، و أن أبيات فضل كانت الجواب. و ذكر لهما خبرا في عتاب عاتبها به، و لم أحفظه، و إنما سمعته يذكره، ثم أخرج إليّ كتابا بعد ذلك فيه أخبار عن عليّ بن الحسين، فوجدت هذا الخبر فيه، فقرأته عليه.

قال عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى:

/حضر سعيد بن حميد مجلسا حضرته فضل الشاعرة و بنان، و كان سعيد يهواها، و تظهر له هوى، و يتهمها مع ذلك ببنان، فرأى فيها إقبالا شديدا على بنان، فغضب و انصرف، فكتبت إليه فضل بالأبيات الأوّل، و أجابها بالبيتين الآخرين، فاتفقت رواية ابن مهرويه و عليّ بن الحسين في هذا الخبر.

تعتذر من حجب زائرين عنها دون علمها

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أبو يوسف بن الدقاق الضرير، قال:

صرت أنا و أبو منصور الباخرزيّ إلى منزل فضل الشاعرة فحجبنا عنها و انصرفنا، و ما علمت بنا، ثم بلغها مجيئنا و انصرافنا فكرهت ذلك و غمّها، فكتبت إلينا تعتذر:

و ما كنت أخشى أن تروا لي زلّة # و لكنّ أمر اللّه ما عنه مذهب

أعوذ بحسن الصفح منكم و قبلنا # بصفح و عفو ما تعوّذ مذنب‏

فكتب إليها أبو منصور الباخرزيّ:

لئن أهديت عتباك لي و لإخوتي # فمثلك يا فضل الفضائل‏[2]يعتب

إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه # و كلّ امرئ لا يقبل العذر مذنب‏

شعرها للمتوكل و قد يئست من إيقاظه لموعد بينهما

حدّثني عليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى المنجّم، قال: حدّثني عمّي عن جدّي، قال:

قال لي المتوكل يوما-و فضل واقفة بين يديه: يا عليّ، كان بيني و بين فضل موعد، فشربت شربا فيه فضل، [1]في س: «عدو» ، بالرفع.

[2]في مم: «الفواضل» .

204

فسكرت و نمت، و جاءتني للموعد، فحركتني بكل ما ينتبه به النائم من قرص و تحريك و غمز و كلام، فلم أنتبه. فلما علمت أنه لا حيلة لها فيّ كتبت رقعة و وضعتها على مخدّتي، فانتبهت فقرأتها، فإذا فيها:

/

قد بدا شبهك يا مو # لاي يحدو بالظلام

قم بنا نقض لبانا # ت التزام و التثام

قبل أن تفضحنا عو # دة أرواح النّيام‏

تهاجي جارية هشام المكفوف‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، قال:

كانت فضل الشاعرة تهاجي خنساء جارية هشام المكفوف، و كانت شاعرة، و كان أبو شبل عاصم‏[1]بن وهب يعاون فضلا عليها، و يهجوها مع فضل. و كان القصيديّ و الحفصي‏[2]يعينان خنساء على فضل و أبي شبل، فقال أبو شبل على لسان فضل:

خنساء طيري بجناحين # أصبحت معشوقة نذلين

من كان يهوى عاشقا واحدا # فأنت تهوين عشيقين

هذا القصيديّ و هذا الفتى الحـ # فصيّ قد زاراك فردين

نعمت من هذا و هذا كما # ينعم خنزير بحشّين‏[3]

فقالت خنساء تجيبها:

ما ذا مقال لك يا فضل بل # مقال خنزيرين فردين

يكنى أبا الشبل و لو أبصرت # عيناه شبلا راث‏[4]كرّين‏[5]

و قالت فضل في خنساء:

/

إنّ خنساء لا جعلت فداها # اشتراها الكسّار من مولاها

و لها نكهة يقول محاذيـ # ها أ هذا حديثها أم فساها!

و قالت خنساء في فضل و أبي شبل:

تقول له فضل إذا ما تخوّفت # ركوب قبيح الذّلّ في طلب الوصل

حر امّ فتى لم يلق في الحب ذلة # فقلت لها لا بل حر امّ أبي الشبل‏

و قالت خنساء تهجو أبا شبل:

ما ينقضي فكري و طول تعجّبي # من نعجة تكنى أبا الشبل‏

[1]ف، مم: «عصم بن وهب» .

[2]ف، ما: «الصلحي» .

[3]الحشان: مثنى حشن، و هو البستان، ثم نقل إلى موضع قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين.

[4]يقال: راث الفرس، كما يقال: تغوط الإنسان.

[5]الكران: مثنى كر، بالضم. و هو مكيال، قيل: إنه أربعون إردبا.