التفسير الكبير - ج19

- الفخر الرازي‏ المزيد...
181 /
55

القول الثاني: أراد بالكتاب القرآن، أي أن الكتاب الذي جئتكم به معجز قاهر و برهان باهر، إلا أنه لا يحصل العلم بكونه معجزا إلا لمن علم ما في هذا الكتاب من الفصاحة و البلاغة، و اشتماله على الغيوب و على العلوم الكثيرة. فمن عرف هذا الكتاب على هذا الوجه علم كونه معجزا. فقوله: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ أي و من عنده علم القرآن و هو قول الأصم.

القول الثالث: و من عنده علم الكتاب المراد به: الذي حصل عنده علم التوراة و الإنجيل، يعني: أن كل من كان عالما بهذين الكتابين علم اشتمالهما على البشارة بمقدم محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فإذا أنصف ذلك العالم و لم يكذب كان شاهدا على أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم رسول حق من عند اللّه تعالى.

القول الرابع: و من عنده علم الكتاب هو اللّه تعالى، و هو قول الحسن، و سعيد بن جبير، و الزجاج قال الحسن: لا و اللّه ما يعني إلا اللّه، و المعنى: كفى بالذي يستحق العبادة و بالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدا بيني و بينكم، و قال الزجاج: الأشبه أن اللّه تعالى لا يستشهد على صحة حكمه بغيره، و هذا القول مشكل، لأن عطف الصفة على الموصوف و إن كان جائزا في الجملة إلا أنه خلاف الأصل. لا يقال: شهد بهذا زيد و الفقيه، بل يقال: شهد به زيد الفقيه، و أما قوله إن اللّه تعالى لا يستشهد بغيره على صدق حكمه فبعيد، لأنه لما جاز أن يقسم اللّه تعالى على صدق قوله بقوله: وَ اَلتِّينِ وَ اَلزَّيْتُونِ [التين: 1]فأي امتناع فيما ذكره الزجاج.

و أما القراءة الثانية: و هي قوله: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ على من الجارة فالمعنى: و من لدنه علم الكتاب، لأن أحدا لا يعلم الكتاب إلا من فضله و إحسانه و تعليمه، ثم على هذه القراءة ففيه أيضا قراءتان: و من عنده علم الكتاب، و المراد العلم الذي هو ضد الجهل، أي هذا العلم إنما حصل من عند اللّه.

و القراءة الثانية: و من عنده علم الكتاب بضم العين و بكسر اللام و فتح الميم على ما لم يسم فاعله، و المعنى: أنه تعالى لما أمر نبيه أن يحتج عليهم بشهادة اللّه تعالى على ما ذكرناه، و كان لا معنى لشهادة اللّه تعالى على نبوته إلا إظهار القرآن على وفق دعواه، و لا يعلم كون القرآن معجزا إلا بعد الإحاطة بما في القرآن و أسراره، بين تعالى أن هذا العلم لا يحصل إلا من عند اللّه، و المعنى: أن الوقوف على كون القرآن معجزا لا يحصل إلا إذا شرف اللّه تعالى ذلك العبد بأن يعلمه علم القرآن. و اللّه تعالى أعلم بالصواب.

تم تفسير هذه السورة يوم الأحد الثامن عشر من شعبان سنة إحدى و ستمائة. و أنا ألتمس من كل من نظر في كتابي هذا و انتفع به أن يخص ولدي محمدا بالرحمة و الغفران، و أن يذكرني بالدعاء. و أقول في مرثية ذلك الولد شعرا:

أرى معالم هذا العالم الفاني # ممزوجة بمخافات و أحزان

خيراته مثل أحلام مفزعة # و شره في البرايا دائم داني‏

56

سورة إبراهيم‏

مكية إلا آيتي 28 و 29 فمدنيتان و آياتها 52 نزلت بعد سورة نوح بسم اللّه الرحمن الرحيم

سورة إبراهيم عليه السلام خمسون و آيتان مكية بسم اللّه الرحمن الرحيم اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد. و متى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة و المدينة سواء، و إنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ و منسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة و قوله: الر كِتََابٌ معناه أن السورة المسماة بالر كتاب أنزلناه إليك لغرض كذا و كذا فقوله: الر مبتدأ و قوله: كِتََابٌ خبره و قوله: أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ صفة لذلك الخبر و فيه مسائل:

المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلا من عند اللّه تعالى. قالت المعتزلة:

النازل و المنزل لا يكون قديما.

و جوابنا: أن الموصوف بالنازل و المنزل هو هذه الحروف و هي محدثة بلا نزاع.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: اللام في قوله: لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ لام الغرض و الحكمة، و هذا يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض، و ذلك يدل على أن أفعال اللّه تعالى و أحكامه معللة برعاية المصالح.

أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلا لأجل شي‏ء آخر فهذا إنما يفعله لو كان عاجزا عن تحصيل هذا

57

المقصود إلا بهذه الواسطة و ذلك في حق اللّه تعالى محال، و إذا ثبت بالدليل أنه يمتنع تعليل أفعال اللّه تعالى و أحكامه بالعلل ثبت أن كل ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر.

المسألة الثالثة: إنما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية و شبه الإيمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته.

المسألة الرابعة: قال القاضي: هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات: أحدها: أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح إخراجه منه بالكتاب. و ثانيها: أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول صلّى اللّه عليه و سلم فإن كان خالق ذلك الكفر هو اللّه تعالى فكيف يصح من الرسول عليه الصلاة و السلام إخراجهم منه و كان للكافر أن يقول: إنك تقول: إن اللّه خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن تخرجنا منه فإن قال لهم: أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع، فلهم أن يقولوا: إن كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج و إن لم يخلقه فنحن خارجون منه بلا إخراج. و ثالثها: أنه صلّى اللّه عليه و سلم إنما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليهم ليتدبروه و ينظروا فيه فيعلموا بالنظر و الاستدلال كونه تعالى عالما قادرا حكيما و يعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و حينئذ يقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع، و ذلك لا يصح إلا إذا كان الفعل لهم و يقع باختيارهم، و يصح منهم أن يقدموا عليه و يتصرفوا فيه.

و الجواب عن الكل أن نقول: الفعل الصادر من العبد إما أن يصدر عنه حال استواء الداعي إلى الفعل و الترك أو حال رجحان أحد الطرفين على الآخر. و الأول: باطل، لأن صدور الفعل رجحان لجانب الوجود على جانب العدم، و حصول الرجحان حال حصول الاستواء محال. و الثاني: عين قولنا لأنه يمتنع صدور الفعل عنه إلا بعد حصول الرجحان، فإن كان ذلك الرجحان منه عاد السؤال، و إن لم يكن منه بل من اللّه تعالى، فحينئذ يكون المؤثر الأول هو اللّه تعالى و ذلك هو المطلوب و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا على صحة قولهم في أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى بقوله تعالى:

بِإِذْنِ رَبِّهِمْ فإن معنى الآية أن رسول صلّى اللّه عليه و سلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بإذن ربهم، و المراد بهذا الإذن إما الأمر، و إما العلم، و إما المشيئة و الخلق. و حمل الإذن على الأمر محال، لأنه الإخراج من الجهل إلى العلم لا يتوقف على الأمر، فإنه سواء حصل الأمر أو لم يحصل، فإن الجهل متميز عن العلم و الباطل متميز عن الحق، و أيضا حمل الإذن على العلم محال، لأن العلم يتبع المعلوم على ما هو عليه فالعلم بالخروج من الظلمات إلى النور تابع لذلك الخروج و يمتنع أن يقال إن حصول ذلك الخروج تابع للعلم بحصول ذلك الخروج و لما بطل هذان القسمان لم يبق إلا أن يكون المراد من الإذن المشيئة و التخليق، و ذلك يدل على أن الرسول صلّى اللّه عليه و سلم لا يمكنه إخراج الناس من الظلمات إلى النور إلا بمشيئة اللّه و تخليقه.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من الإذن الإلطاف.

قلنا: لفظ اللطف لفظ مجمل و نحن نفصل القول فيه فنقول: المراد بالإذن إما أن يكون أمرا يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم أو لا يقتضي ذلك، فإن كان الثاني لم يكن فيه أمر ألبتة، فامتنع أن يقال: إنه مما حصل بسببه و لأجله فبقي الأول و هو أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على‏

58

جانب العدم. و قد دللنا في «الكتب العقلية» على أنه متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب و لا معنى لذلك إلا الداعية الموجبة و هو عين قولنا و اللّه أعلم.

المسألة السادسة: القائلون بأن معرفة اللّه تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و الإمام، احتجوا عليه بهذه الآية و قالوا: إنه تعالى صرح في هذه الآية بأن الرسول هو الذي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، و ذلك يدل على أن معرفة اللّه تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم.

و جوابنا: أن الرسول صلّى اللّه عليه و سلم يكون كالمنبه، و أما المعرفة فهي إنما تحصل بالدليل و اللّه أعلم.

المسألة السابعة: الآية دالة على أن طرق الكفر و البدعة كثيرة و أن طريق الخير ليس إلا الواحد، لأنه تعالى قال: لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ فعبر عن الجهل و الكفر بالظلمات و هي صيغة جمع و عبر عن الإيمان و الهداية بالنور و هو لفظ مفرد، و ذلك يدل على أن طرق الجهل كثيرة، و أما طريق العلم و الإيمان فليس إلا الواحد.

المسألة الثامنة: في قوله تعالى: إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ وجهان الأول: أنه بدل من قوله/إلى النور بتكرير العامل كقوله: لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75]الثاني: يجوز أن يكون على وجه الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور فقيل: إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ .

المسألة التاسعة: قالت المعتزلة: الفاعل إنما يكون آتيا بالصواب و الصلاح، تاركا للقبيح و العبث إذا كان قادرا على كل المقدورات عالما بجميع المعلومات غنيا عن كل الحاجات، فإنه إن لم يكن قادرا على الكل فربما فعل القبيح بسبب العجز، و إن لم يكن عالما بكل المعلومات فربما فعل القبيح بسبب الجهل، و إن لم يكن غنيا عن كل الحاجات فربما فعل القبيح بسبب الحاجة، أما إذا كان قادرا على الكل عالما الكل غنيا عن الكل امتنع منه الإقدام على فعل القبيح، فقوله: اَلْعَزِيزِ إشارة إلى كمال القدرة، و قوله: اَلْحَمِيدِ إشارة إلى كونه مستحقا للحمد في كل أفعاله، و ذلك إنما يحصل إذا كان عالما بالكل غنيا عن الكل فثبت بما ذكرنا أن صراط اللّه إنما كان موصوفا بكونه شريفا رفيعا عاليا لكونه صراطا مستقيما للإله الموصوف بكونه عزيزا حميدا، فلهذا المعنى: وصف اللّه نفسه بهذين الوصفين في هذا المقام.

المسألة العاشرة: إنما قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد، لأن الصحيح أن أول العلم باللّه العلم بكونه تعالى قادرا، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما، ثم بعد ذلك العلم بكونه غنيا عن الحاجات، و العزيز هو القادر و الحميد هو العالم الغني، فلما كان العلم بكونه تعالى قادرا متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا عن الكل لا جرم قدم اللّه ذكر العزيز على ذكر الحميد و اللّه أعلم.

59

في قوله تعالى اَللََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ وَيْلٌ لِلْكََافِرِينَ مِنْ عَذََابٍ شَدِيدٍ المسألة الأولى: قرأ نافع و ابن عامر الله مرفوعا بالابتداء و خبره ما بعده، و قيل التقدير هو اللّه و الباقون بالجر عطفا على قوله: اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ و هاهنا بحث، و هو أن جماعة من المحققين ذهبوا إلى أن قولنا: اللّه جار مجرى الإسم العلم لذات اللّه تعالى و ذهب قوم آخرون إلى أنه لفظ مشتق/و الحق عندنا هو الأول. و يدل عليه وجوه: الأول: أن الاسم المشتق عبارة عن شي‏ء ما حصل له المشتق منه، فالأسود مفهومه شي‏ء ما حصل له السواد، و الناطق مفهومه شي‏ء ما حصل له النطق، فلو كان قولنا اللّه اسما مشتقا من معنى لكان المفهوم منه أنه شي‏ء ما حصل له ذلك المشتق منه، و هذا المفهوم كلي لا يمتنع من حيث هو هو عن وقوع الشركة فيه، فلو كان قولنا اللّه لفظا مشتقا لكان مفهومه صالحا لوقوع الشركة فيه، و لو كان الأمر كذلك لما كان قولنا لا إله إلا اللّه موجبا للتوحيد، لأن المستثنى هو قولنا اللّه و هو غير مانع من وقوع الشركة فيه و لما اجتمعت الأمة على أن قولنا لا إله إلا اللّه يوجب التوحيد المحض علمنا أن قولنا اللّه جار مجرى الاسم العلم. الثاني: أنه كلما أردنا أن نذكر سائر الصفات و الأسماء ذكرنا أولا قولنا اللّه ثم وصفناه بسائر الصفات كقولنا هو اللّه الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس و لا يمكننا أن نعكس الأمر فنقول الرحمن الرحيم اللّه فعلمنا أن اللّه هو اسم علم للذات المخصوصة و سائر الألفاظ دالة على الصفات و النعوت. الثالث: أن ما سوى قولنا اللّه كلها دالة، إما على الصفات السلبية، كقولنا: القدوس السلام، أو على الصفات الإضافية، كقولنا الخالق الرازق أو على الصفات الحقيقية كقولنا: العالم القادر، أو على ما يتركب من هذه الثلاثة، فلو لم يكن قولنا: اللّه اسما للذات المخصوصة لكان جميع أسماء اللّه تعالى ألفاظا دالة على صفاته، و لم يحصل فيها ما يدل على ذاته المخصوصة و ذلك بعيد، لأنه يبعد أن لا يكون له من حيث إنه هو اسم مخصوص. و الرابع: قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: 65]و المراد هل تعلم من اسمه اللّه غير اللّه، و ذلك يدل على أن قولنا: اللّه اسم لذاته المخصوصة، و إذا ظهرت هذه المقدمة فالترتيب الحسن أن يذكر عقيبه الصفات كقوله تعالى: هُوَ اَللََّهُ اَلْخََالِقُ اَلْبََارِئُ اَلْمُصَوِّرُ [الحشر: 24]فإما أن يعكس فيقال: هو الخالق المصور البارئ اللّه، فذلك غير جائز.

و إذا ثبت هذا فنقول: الذين قرءوا: اَللََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ بالرفع أرادوا أن يجعلوا قوله: الله مبتدأ و يجعلوا ما بعده خبرا عنه و هذا هو الحق الصحيح، فأما الذين قرءوا: اَللََّهِ بالجر عطفا على: اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ فهو مشكل لما بينا أن الترتيب الحسن أن يقال: اللّه الخالق. و إما أن يقال: الخالق اللّه فهذا لا يحسن، و عند هذا اختلفوا في الجواب على وجوه: الأول: قال أبو عمرو بن العلاء: القراءة بالخفض على التقديم و التأخير، و التقدير: صراط اللّه العزيز الحميد الذي له ما في السموات. و الثاني: أنه لا يبعد أن يذكر الصفة أولا ثم يذكر الاسم ثم يذكر الصفة مرة أخرى كما يقال: مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه و هو بعينه نظير قوله: صِرََاطِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ*`اَللََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ و تحقيق القول فيه: أنا بينا أن الصراط إنما يكون ممدوحا محمودا إذا كان صراطا للعالم القادر الغني، و اللّه تعالى عبر عن هذه الأمور الثلاثة بقوله: اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ ثم لما ذكر هذا المعنى وقعت/الشبهة في أن ذلك العزيز من هو؟فعطف عليها قوله: اَللََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ إزالة لتلك الشبهة. الثالث: قال صاحب «الكشاف» : اللّه عطف بيان للعزيز الحميد، و تحقيق هذا القول ما قررناه فيما تقدم. الرابع: قد ذكرنا في أول هذا الكتاب أن قولنا اللّه في أصل الوضع مشتق إلا أنه بالعرف صار جاريا مجرى الإسم العلم فحيث يبدأ بذكره و يعطف عليه سائر الصفات فذلك‏

60

لأجل أنه جعل اسم علم، و أما في هذه الآية حيث جعل وصفا للعزيز الحميد، فذاك لأجل أنه حمل على كونه لفظا مشتقا فلا جرم بقي صفة. الخامس: أن الكفار ربما وصفوا الوثن بكونه عزيزا حميدا فلما قال: لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى‏ََ صِرََاطِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَمِيدِ بقي في خاطر عبدة الأوثان أنه ربما كان ذلك العزيز الحميد هو الوثن، فأزال اللّه تعالى هذه الشبهة و قال: اَللََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ أي المراد من ذلك العزيز الحميد هو اللّه الذي له ما في السموات و ما في الأرض.

المسألة الثانية: قوله: اَللََّهِ اَلَّذِي لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ يدل على أنه تعالى غير مختص بجهة العلو ألبتة، و ذلك لأن كل ما سماك و علاك فهو سماء، فلو حصل ذات اللّه تعالى في جهة فوق، لكان حاصلا في السماء، و هذه الآية دالة على أن كل ما في السموات فهو ملكه، فلزم كونه ملكا لنفسه و هو محال، فدلت هذه الآية على أنه منزه عن الحصول في جهة فوق.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى خالق لأعمال العباد لأنه قال: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و أعمال العباد حاصلة في السموات و الأرض فوجب القول بأن أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له، و الملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة للّه تعالى، و إذا ثبت أنها مقدورة للّه تعالى وجب وقوعها بقدرة اللّه تعالى، و إلا لكان العبد قد منع اللّه تعالى من إيقاع مقدوره و ذلك محال.

و اعلم أن قوله تعالى: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ يفيد الحصر و المعنى أن ما في السموات و ما في الأرض له لا لغيره و ذلك يدل على أنه لا مالك إلا اللّه و لا حاكم إلا اللّه ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال: وَ وَيْلٌ لِلْكََافِرِينَ مِنْ عَذََابٍ شَدِيدٍ و المعنى: أنهم لما تركوا عبادة اللّه تعالى الذي هو المالك للسموات و الأرض و لكل ما فيهما إلى عبادة ما لا يملك ضرا و لا نفعا و يخلق و لا يخلق، و لا إدراك لها و لا فعل، فالويل ثم الويل لمن كان كذلك، و إنما خص هؤلاء بالويل، لأن المعنى يولولون من عذاب شديد و يصيحون منه و يقولون يا ويلاه. و نظيره قوله تعالى: دَعَوْا هُنََالِكَ ثُبُوراً [الفرقان: 13] ثم بين تعالى صفة هؤلاء الكافرين الذين توعدهم بالويل الذي/يفيد أعظم العذاب و ذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع: الأول: قوله:

اَلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا عَلَى اَلْآخِرَةِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إن شئت جعلت «الذين» صفة الكافرين في الآية المتقدمة و إن شئت جعلته مبتدأ و جعلت الخبر قوله: أُولََئِكَ و إن شئت نصبته على الذم.

المسألة الثانية: الاستحباب طلب محبة الشي‏ء، و أقول إن الإنسان قد يحب الشي‏ء و لكنه لا يحب كونه محبا لذلك الشي‏ء، مثل من يميل طبعه إلى الفسق و الفجور و لكنه يكره كونه محبا لهما، أما إذا أحب الشي‏ء و طلب كونه محبا له، و أحب تلك المحبة فهذا هو نهاية المحبة فقوله: اَلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية، و لا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلا عن الحياة الأخروية، و عن معايب هذه الحياة العاجلة، و من كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة، و ذلك لأن هذه الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من العيوب. فأحدها: أن بسبب هذه الحياة انفتحت أبواب الآلام و الأسقام و الغموم و الهموم و المخاوف و الأحزان. و ثانيها: أن هذه اللذات في الحقيقة لا حاصل لها إلا دفع الآلام، بخلاف اللذات الروحانية فإنها في أنفسها لذات و سعادات. و ثالثها: أن سعادات هذه الحياة منغصة بسبب الانقطاع

61

و الانقراض و الانقضاء. و رابعها: أنها حقيرة قليلة، و بالجملة فلا يحب هذه الحياة إلا من كان غافلا عن معايبها و كان غافلا عن فضائل الحياة الروحانية الأخروية، و لذلك قال تعالى: وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ [الأعلى: 17] فهذه الكلمة جامعة لكل ما ذكرناه.

المسألة الثالثة: إنما قال: يَسْتَحِبُّونَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا عَلَى اَلْآخِرَةِ لأن فيه إضمارا، و التقدير: يستحبون الحياة الدنيا و يؤثرونها على الآخرة، فجمع تعالى بين هذين الوصفين ليتبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون مذموما إلا بعد أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة، فأما من أحبها ليصل بها إلى منافع النفس و إلى خيرات الآخرة فإن ذلك لا يكون مذموما حتى إذا آثرها على آخرته بأن اختار منها ما يضره في آخرته فهذه المحبة هي المحبة المذمومة.

النوع الثاني: من الصفات التي وصف اللّه الكفار بها قوله تعالى: وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ .

و اعلم أن من كان موصوفا باستحباب الدنيا فهو ضال، و من منع الغير من الوصول إلى سبيل اللّه و دينه فهو مضل، فالمرتبة الأولى إشارة إلى كونهم ضالين، و هذه المرتبة الثانية و هي كونهم صادين عن سبيل اللّه إشارة إلى كونهم مضلين.

و النوع الثالث: من تلك الصفات قوله: وَ يَبْغُونَهََا عِوَجاً و اعلم أن الإضلال على مرتبتين:

المرتبة الأولى: أنه يسعى في صد الغير و منعه من الوصول إلى المنهج القويم و الصراط المستقيم.

و المرتبة الثانية: أن يسعى في إلقاء الشكوك و الشبهات في المذهب الحق و يحاول تقبيح صفته بكل ما يقدر عليه من الحيل، و هذا هو النهاية في الضلال و الإضلال، و إليه الإشارة بقوله: وَ يَبْغُونَهََا عِوَجاً قال صاحب «الكشاف» الأصل في الكلام أن يقال: و يبغون لها عوجا، فحذف الجار و أوصل الفعل، و لما ذكر اللّه تعالى هذه المراتب الثلاثة لأحوال هؤلاء الكفار قال في صفتهم: أُولََئِكَ فِي ضَلاََلٍ بَعِيدٍ و إنما وصف هذا الضلال بالبعد لوجوه:

الوجه الأول: أنا بينا أن أقصى مراتب الضلال هو الذي وصفه اللّه تعالى في هذه المرتبة فهذه المرتبة في غاية البعد عن طريق الحق، فإن شرط الضدين أن يكونا في غاية التباعد، مثل السواد و البياض، فكذا هاهنا الضلال الذي يكون واقعا على هذا الوجه يكون في غاية البعد عن الحق فإنه لا يعقل ضلال أقوى و أكمل من هذا الضلال.

و الوجه الثاني: أن يكون المراد أنه يبعد ردهم عن طريقة الضلال إلى الهدى، لأنه قد تمكن ذلك في نفوسهم.

و الوجه الثالث: أن يكون المراد من الضلال الهلاك، و التقدير: أولئك في هلاك يطول عليهم فلا ينقطع، و أراد بالبعد امتداده و زوال انقطاعه.

62

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في أول السورة: كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [إبراهيم: 1]كان هذا إنعاما على الرسول من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم، و إنعاما أيضا على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر و أرشدهم إلى نور الإيمان، فذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تكميل النعمة و الإحسان في الوجهين. أما بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة و السلام، فلأنه تعالى بين أن سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة، و أما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة الخلق، فكان هذا الإنعام في حقك أفضل و أكمل، و أما بالنسبة إلى عامة الخلق، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسان أولئك القوم، فإنه متى/كان الأمر كذلك، كان فهمهم لأسرار تلك الشريعة و وقوفهم على حقائقها أسهل، و عن الغلط و الخطأ أبعد. فهذا هو وجه النظم.

المسألة الثانية: احتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توفيقية. قال لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل، و قد دلت هذه الآية على أن إرسال جميع الرسل لا يكون إلا بلغة قومهم، و ذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسل، و إذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف، فوجب حصولها بالاصطلاح.

المسألة الثالثة: زعم طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أن محمدا رسول اللّه لكن إلى العرب لا إلى سائر الطوائف، و تمسكوا بهذه الآية من وجهين: الأول: أن القرآن لما كان نازلا بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب و حينئذ لا يكون القرآن حجة إلا على العرب، و من لا يكون عربيا لم يكن القرآن حجة عليه. الثاني: قالوا: إن قوله: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ بِلِسََانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4]المراد بذلك اللسان لسان العرب، و ذلك يقتضي أن يقال: إنه ليس له قوم سوى العرب، و ذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط.

و الجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد من قَوْمِهِ أهل بلده، و ليس المراد من قَوْمِهِ أهل دعوته.

و الدليل على عموم الدعوة قوله تعالى: قُلْ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: 158]بل إلى الثقلين، لأن التحدي كما وقع مع الإنس فقد وقع مع الجن بدليل قوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى‏ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا اَلْقُرْآنِ لاََ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كََانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: 88].

المسألة الرابعة: تمسك أصحابنا بقوله تعالى: فَيُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ على أن الضلال و الهداية من اللّه تعالى، و الآية صريحة في هذا المعنى. قال الأصحاب: و مما يؤكد هذا المعنى ما

روي: أن أبا بكر و عمر أقبلا في جماعة من الناس و قد ارتفعت أصواتهما، فقال عليه السلام «ما هذا» فقال بعضهم: يا رسول اللّه يقول أبو بكر الحسنات من اللّه و السيئات من أنفسنا، و يقول: عمر كلاهما من اللّه، و تبع بعضهم أبا بكر و بعضهم عمر، فتعرف الرسول صلّى اللّه عليه و سلم ما قاله أبو بكر، و أعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله و عرف البشر في وجهه ثم قال: «أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين جبريل و ميكائيل، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر و قال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر فقضاء اسرافيل أن القدر كله خيره و شره من اللّه تعالى و هذا قضائي بينكما»

قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها و بيانه من وجوه: الأول:

63

أنه تعالى قال: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ بِلِسََانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ و المعنى: أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل و وقوفهم/على المقصود و الغرض أكمل، و هذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود اللّه تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين، فأما لو كان مقصوده الإضلال و خلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائما لهذا المقصود. و الثاني: أنه عليه السلام إذا قال لهم إن اللّه يخلق الكفر و الضلال فيكم، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك، و ما المقصود من إرسالك، و هل يمكننا أن نزيل كفرا خلقه اللّه تعالى فينا عن أنفسنا و حينئذ تبطل دعوة النبوة و تفسد بعثة الرسل. الثالث:

أنه إذا كان الكفر حاصلا بتخليق اللّه تعالى و مشيئته، وجب أن يكون الرضا به واجبا لأن الرضا بقضاء اللّه تعالى واجب، و ذلك لا يقوله عاقل. و الرابع: أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية و هو قوله: لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [إبراهيم: 1]يدل على مذهب العدل، و أيضا مؤخرة الآية يدل عليه، و هو قوله: وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ فكيف يكون حكيما من كان خالقا للكفر و القبائح و مريدا لها، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله: فَيُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد، فوجب المصير إلى التأويل، و قد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة: 26]و لا بأس بإعادة بعضها، فالأول: أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافرا ضالا كما يقال: فلان يكفر فلانا و يضلله، أي يحكم بكونه كافرا ضالا، و الثاني: أن يكون الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار، و الهداية عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة. و الثالث: أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله و لم يتعرض له صار كأنه أضله، و المهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو الذي هداه. قال صاحب «الكشاف» : المراد بالإضلال: التخلية و منع الألطاف و بالهداية التوفيق و اللطف.

و الجواب عن قولهم أولا أن قوله تعالى: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ لا يليق به أن يضلهم.

قلنا: قال الفراء: إذا ذكر فعل و بعده فعل آخر، فإن كان الفعل الثاني مشاكلا للأول نسقته عليه، و إن لم يكن مشاكلا له استأنفته و رفعته. و نظيره قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللََّهُ [التوبة: 32]فقوله: وَ يَأْبَى اَللََّهُ في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك، لأنه لا يحسن أن يقال: يريدون أن يأبى اللّه، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف، و نظيره أيضا قوله: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي اَلْأَرْحََامِ [الحج: 5]و من ذلك قولهم: أردت أن أزورك فيمنعني المطر بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه، و مثله قول الشاعر:

يريد أن يعربه فيعجمه‏

إذا عرفت هذا فنقول: هاهنا قال تعالى: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ثم قال: فَيُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ يَشََاءُ ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف و أنه غير معطوف على ما قبله، و أقول تقرير هذا/الكلام من حيث المعنى، كأنه تعالى قال: و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه، ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه و اعتادوه، ثم قال و مع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من يشاء و يهدي من يشاء، و الغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان و لا تحصل الهداية و ربما ضعف البيان و حصلت الهداية، و إنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية و الضلال لا يحصلان إلا من اللّه تعالى. أما قوله ثانيا: لو كان‏

64

الضلال حاصلا بخلق اللّه تعالى لكان الكافر أن يقول له: ما الفائدة في بيانك و دعوتك؟فنقول: يعارضه أن الخصم يسلم أن هذه الآيات أخبار عن كونه ضالا فيقول له الكافر: لما أخبر إلهك عن كوني كافرا فإن آمنت صار إلهك كاذبا فهل أقدر على جعل إلهك كاذبا، و هل أقدر على جعل علمه جهلا. و إذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضا وارد عليه. و أما قوله ثالثا: يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجبا، لأن الرضا بقضاء اللّه تعالى واجب و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

قلنا: و يلزمك أيضا على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب اللّه و في تجهيله، و هذا أشد استحالة مما ألزمته علينا، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره و علم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلا و خبره الصدق كذبا. و أما قوله رابعا: إن مقدمة الآية و هي قوله تعالى: لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [إبراهيم: 1]يدل على صحة الاعتزال فنقول: قد ذكرنا أن قوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ يدل على صحة مذهب أهل السنة. و أما قوله خامسا: أنه تعالى وصف نفسه في آخر الآية بكونه حكيما و ذلك ينافي كونه تعالى خالقا للكفر مريدا له. فنقول: و قد وصف نفسه بكونه عزيزا و العزيز هو الغالب القاهر فلو أراد الإيمان من الكافر مع أنه لا يحصل أو أراد عمل الكفر منهم، و قد حصل لما بقي عزيزا غالبا. فثبت أن الوجوه التي ذكروها ضعيفة، و أما التأويلات الثلاثة التي ذكروها فقد مر إبطالها في هذا الكتاب مرارا فلا فائدة في الإعادة.

في قوله تعالى وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مُوسى‏ََ بِآيََاتِنََا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أرسل محمدا صلّى اللّه عليه و سلم إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، و ذكر كمال إنعامه عليه و على قومه في ذلك الإرسال و في تلك البعثة، أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم و كيفية معاملة أقوامهم معهم تصبيرا للرسول عليه السلام على أذى قومه و إرشادا له إلى كيفية مكالمتهم و معاملتهم فذكر تعالى على العادة المألوفة قصص بعض الأنبياء عليهم السلام فبدأ بذكر قصة موسى عليه السلام، فقال: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مُوسى‏ََ بِآيََاتِنََا قال الأصم: آيات موسى عليه السلام هي العصا و اليد و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و فلق البحر و انفجار العيون من الحجر و إظلال الجبل و إنزال المن و السلوى.

و قال الجبائي: أرسل اللّه تعالى موسى عليه السلام إلى قومه من بني إسرائيل بآياته و هي دلالاته و كتبه المنزلة عليه، و أمره أن يبين لهم الدين. و قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه تعالى قال في صفة محمد صلّى اللّه عليه و سلم: كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [إبراهيم: 1]و قال في حق موسى عليه السلام: أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ و المقصود: بيان أن المقصود من البعثة واحد في حق جميع الأنبياء عليهم السلام، و هو أن يسعوا في إخراج الخلق من ظلمات الضلالات إلى أنوار الهدايات.

المسألة الثانية: قال الزجاج: قوله: أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ أي بأن أخرج قومك. ثم قال: أَنْ هاهنا

65

تصلح أن تكون مفسرة بمعنى أي، و يكون المعنى: و لقد أرسلنا موسى بآياتنا أي أخرج قومك، كأن المعنى قلنا له: أخرج قومك. و مثله قوله: وَ اِنْطَلَقَ اَلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا [ص: 6]أي امشوا، و التأويل قيل لهم:

امشوا، و تصلح أيضا أن تكون المخففة التي هي للخبر، و المعنى: أرسلناه بأن يخرج قومه إلا أن الجار حذف و وصلت (أن) بلفظ الأمر، و نظيره قولك: كتبت إليه أن قم و أمرته أن قم، ثم إن الزجاج حكى هذين القولين عن سيبويه.

أما قوله: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيََّامِ اَللََّهِ فاعلم أنه تعالى أمر موسى عليه السلام في هذا المقام بشيئين: أحدهما:

أن يخرجهم من ظلمات الكفر، و الثاني: أن يذكرهم بأيام اللّه، و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال الواحدي: أيام جمع يوم، و اليوم هو مقدار المدة من طلوع الشمس إلى غروبها، و كانت الأيام في الأصل أيوام فاجتمعت الياء و الواو و سبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت إحداهما في الأخرى و غلبت الياء.

المسألة الثانية: أنه يعبر بالأيام عن الوقائع العظيمة التي وقعت فيها. يقال: فلان عالم بأيام العرب و يريد وقائعها و في المثل من ير يوما ير له معناه من رؤي في يوم مسرورا بمصرع غيره ير في يوم آخر حزينا بمصرع نفسه و قال تعالى: وَ تِلْكَ اَلْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ اَلنََّاسِ [آل عمران: 140].

إذا عرفت هذا، فالمعنى عظهم بالترغيب و الترهيب و الوعد و الوعيد، فالترغيب و الوعد أن يذكرهم ما أنعم اللّه عليهم و على من قبلهم ممن آمن بالرسل في سائر ما سلف من الأيام، و الترهيب و الوعيد: أن يذكرهم بأس اللّه و عذابه و انتقامه ممن كذب الرسل ممن سلف من الأمم فيما سلف من الأيام، مثل ما نزل بعاد و ثمود و غيرهم من العذاب، ليرغبوا في الوعد فيصدقوا و يحذروا من الوعيد فيتركوا التكذيب.

و اعلم أن أيام اللّه في حق موسى عليه السلام منها ما كان أيام المحنة و البلاء و هي الأيام التي كانت بنو إسرائيل فيها تحت قهر فرعون و منها ما كان أيام الراحة و النعماء مثل إنزال المن و السلوى و انفلاق البحر و تظليل الغمام.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِكُلِّ صَبََّارٍ شَكُورٍ و المعنى أن في ذلك التذكير و التنبيه دلائل لمن كان صبارا شكورا، لأن الحال إما أن يكون حال محنة و بلية أو حال منحة و عطية فإن كان الأول، كان المؤمن صبارا، و إن كان الثاني كان شكورا. و هذا تنبيه على أن المؤمن يجب أن لا يخلو زمانه عن أحد هذين الأمرين فإن جرى الوقت على ما يلائم طبعه و يوافق إرادته كان مشغولا بالشكر، و إن جرى بما لا يلائم طبعه كان مشغولا بالصبر.

فإن قيل: إن ذلك التذكيرات آيات للكل فلما ذا خص الصبار الشكور بها؟ قلنا: فيه وجوه: الأول: أنهم لما كانوا هم المنتفعون بتلك الآيات صارت كأنها ليست آيات إلا لهم كما في قوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]و قوله: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا [النازعات: 45]. و الثاني: لا يبعد أن يقال: الانتفاع بهذا النوع من التذكير لا يمكن حصوله إلا لمن كان صابرا أو شاكرا، أما الذي لا يكون كذلك لم ينتفع بهذه الآيات.

في قوله تعالى وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ إلى قوله وَ فِي ذََلِكُمْ بَلاََءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ و اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذكرهم بأيام اللّه تعالى، حكى عن موسى عليه‏

66

السلام أنه ذكرهم بها فقال: وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجََاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ فقوله: إِذْ أَنْجََاكُمْ ظرف للنعمة بمعنى الأنعام، أي اذكروا إنعام اللّه عليكم في ذلك الوقت.

بقي في الآية سؤالات:

السؤال الأول: ذكر في سورة البقرة: يُذَبِّحُونَ [البقرة: 49]و في سورة الأعراف: يُقَتِّلُونَ [الأعراف: 41]و هاهنا وَ يُذَبِّحُونَ مع الواو فما الفرق؟ و الجواب: قال تعالى في سورة البقرة: يُذَبِّحُونَ بغير واو لأنه تفسير لقوله: سُوءَ اَلْعَذََابِ و في التفسير لا يحسن ذكر الواو تقول: أتاني القوم زيد و عمرو. لأنك أردت أن تفسر القوم بهما و مثله قوله تعالى:

وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ يَلْقَ أَثََاماً*`يُضََاعَفْ لَهُ اَلْعَذََابُ [الفرقان: 68، 69]فالآثام لما صار مفسرا بمضاعفة العذاب لا جرم حذف عنه الواو، أما في هذه السورة فقد أدخل الواو فيه، لأن المعنى أنهم يعذبونهم بغير التذبيح و بالتذبيح أيضا فقوله: وَ يُذَبِّحُونَ نوع آخر من العذاب لا أنه تفسير لما قبله.

السؤال الثاني: كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ و الجواب من وجهين: أحدهما: أن تمكين اللّه إياهم حتى فعلوا ما فعلوا كان بلاء من اللّه. و الثاني: و هو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء، و هو بلاء عظيم، و البلاء هو الابتلاء، و ذلك قد يكون بالنعمة تارة، و بالمحنة أخرى، قال تعالى: وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35]و هذا الوجه أولى لأنه يوافق صدر الآية و هو قوله تعالى: وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ .

السؤال الثالث: هب أن تذبيح الأبناء كان بلاء، أما استحياء النساء كيف يكون بلاء.

الجواب: كانوا يستخدمونهن بالاستحياء في الخلاص منه نعمة، و أيضا إبقاؤهن منفردات عن الرجال فيه أعظم المضار.

اعلم أن قوله: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ من جملة ما قال موسى لقومه كأنه قيل: و إذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة اللّه عليكم و اذكروا حين تأذن ربكم، و معنى تَأَذَّنَ أذن ربكم. و نظير تأذن و آذن توعد و أوعد و تفضل و أفضل، و لا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل، كأنه قيل: و إذ آذن ربكم إيذانا بليغا ينتفي عنده الشكوك، و تنزاح الشبهة، و المعنى: و إذ تأذن ربكم. فقال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ /فأجرى تَأَذَّنَ مجرى قال لأنه ضرب من القول، و في قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه: و إذ قال ربك لئن شكرتم .

و اعلم أن المقصود من الآية بيان أن من اشتغل بشكر نعم اللّه زاده اللّه من نعمه، و لا بد هاهنا من معرفة حقيقة الشكر و من البحث عن تلك النعم الزائدة الحاصلة عن الاشتغال بالشكر، أما الشكر فهو عبارة عن الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه و توطين النفس على هذه الطريقة، و أما الزيادة في النعم فهي أقسام: منها النعم الروحانية، و منها النعم الجسمانية، أما النعم الروحانية فهي أن الشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعم اللّه تعالى و أنواع فضله و كرمه، و من كثر إحسانه إلى الرجل أحبه الرجل لا محالة، فشغل النفس بمطالعة أنواع فضل اللّه و إحسانه يوجب تأكد محبة العبد للّه تعالى، و مقام المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد يترقى العبد من‏

67

تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلا له عن الالتفات إلى النعمة، و لا شك أن منبع السعادات و عنوان كل الخيرات محبة اللّه تعالى و معرفته، فثبت أن الاشتغال بالشكر يوجب مزيد النعم الروحانية، و أما مزيد النعم الجسمانية، فلأن الاستقراء دل على أن من كان اشتغاله بشكر نعم اللّه أكثر، كان وصول نعم اللّه إليه أكثر، و بالجملة فالشكر إنما حسن موقعه، لأنه اشتغال بمعرفة المعبود و كل مقام حرك العبد من عالم الغرور إلى عالم القدس، فهو المقام الشريف العالي الذي يوجب السعادة في الدين و الدنيا.

و أما قوله: وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذََابِي لَشَدِيدٌ فالمراد منه الكفران، لا الكفر، لأن الكفر المذكور في مقابلة الشكر ليس إلا الكفران، و السبب فيه أن كفران النعمة لا يحصل إلا عند الجهل بكون تلك النعمة نعمة من اللّه، و الجاهل بها جاهل باللّه، و الجهل باللّه من أعظم أنواع العقاب و العذاب و أيضا فههنا دقيقة أخرى و هي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته و كل ممكن لذاته فوجوده إنما يحصل بإيجاد الواجب لذاته، و عدمه إنما يحصل بإعدام الواجب لذاته، و إذا كان كذلك فكل ما سوى الحق فهو منقاد للحق مطواع له، و إذا كانت الممكنات بأسرها منقادة للحق سبحانه فكل قلب حضر فيه نور معرفة الحق و شرف جلاله، انقاد لصاحب ذلك القلب ما سواه، لأن حضور ذلك النور في قلبه يستخدم كل ما سواه بالطبع، و إذا خلا القلب عن ذلك النور ضعف و صار خسيسا فيستخدمه كل ما سواه و يستحقره كل ما يغايره فبهذا الطريق الذوقي يحصل العلم بأن الاشتغال بمعرفة الحق يوجب انفتاح أبواب الخيرات في الدنيا و الآخرة، و أما الإعراض عن معرفة الحق بالاشتغال بمجرد الجسمانيات يوجب انفتاح أبواب الآفات و المخافات في الدنيا و الآخرة.

اعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا و في الآخرة، و الاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد، و حصول الآفات في الدنيا و الآخرة، بين بعده أن منافع الشكر و مضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر و صاحب الكفران أما المعبود و المشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران، فلا جرم قال تعالى: وَ قََالَ مُوسى‏ََ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اَللََّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ و الغرض منه بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة إلى العابد لا لمنافع عائدة إلى المعبود، و الذي يدل على أن الأمر كذلك ما ذكره اللّه في قوله: فَإِنَّ اَللََّهَ لَغَنِيٌّ و تفسيره أنه واجب الوجود لذاته واجب الوجود بحسب جميع صفاته و اعتباراته، فإنه لو لم يكن واجب الوجود لذاته، لافتقر رجحان وجوده على عدمه إلى مرجح فلم يكن غنيا، و قد فرضناه غنيا هذا خلف، فثبت أن كونه غنيا يوجب كونه واجب الوجود في ذاته، و إذا ثبت أنه واجب الوجود لذاته، كان أيضا واجب الوجود بحسب جميع كمالاته، إذ لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك الكمال، لافتقر في حصول ذلك الكمال إلى سبب منفصل، فحينئذ لا يكون غنيا، و قد فرضناه غنيا هذا خلف، فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته، و إذا كان الأمر كذلك كان حميدا لذاته، ـ

68

لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق الحمد، فثبت بهذا التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنيا حميدا يقتضي أن لا يزداد بشكر الشاكرين، و لا ينتقص بكفران الكافرين، فلهذا المعنى قال: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اَللََّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ و هذه المعاني من لطائف الأسرار.

و اعلم أن قولنا: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً سواء حمل على الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر، فالمعنى لا يتفاوت ألبتة، فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته و في جميع نعوت كبريائه و جلاله.

ثم إنه تعالى قال: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ و ذكر أبو مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابا من موسى عليه السلام لقومه و المقصود منه أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم، و يجوز أن يكون مخاطبة من اللّه تعالى على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى، و المقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين، و هذا المقصود حاصل على التقديرين إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلّى اللّه عليه و سلم.

و اعلم أنه تعالى ذكر أقواما ثلاثة، و هم: قوم نوح و عاد و ثمود.

ثم قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاََ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللََّهُ و ذكر صاحب «الكشاف» فيه احتمالين: الأول: أن يكون قوله: وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاََ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللََّهُ جملة من مبتدأ و خبر وقعت اعتراضا. و الثاني: أن يقال قوله: وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ معطوف على قوم نوح و عاد و ثمود و قوله: لاََ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللََّهُ فيه قولان:

القول الأول: أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا اللّه، لأن المذكور في القرآن جملة فأما ذكر العدد و العمر و الكيفية و الكمية فغير حاصل.

و القول الثاني: أن المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلا كذبوا رسلا لم نعرفهم أصلا، و لا يعلمهم إلا اللّه و القائلون بهذا القول الثاني طعنوا في قول من يصل الأنساب إلى آدم عليه السلام كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب و قد نفى اللّه علمها عن العباد، و عن ابن عباس: بين عدنان و بين إسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون، و نظير هذه الآية قوله تعالى: وَ قُرُوناً بَيْنَ ذََلِكَ كَثِيراً [الفرقان: 38]و قوله: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنََا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: 78]و

عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم: أنه كان في انتسابه لا يجاوز معد بن عدنان بن أدد. و قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم و تعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق»

قال القاضي: و على هذا الوجه لا يمكن القطع على مقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت، لأنه إن أمكن ذلك لم يبعد أيضا تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.

فإن قيل: أي القولين أولى؟ قلنا: القول الثاني عندي أقرب، لأن قوله تعالى: لاََ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللََّهُ نفي العلم بهم، و ذلك يقتضي /نفي العلم بذواتهم إذ لو كانت ذواتهم معلومة، و كان المجهول هو مدد أعمارهم و كيفية صفاتهم لما صح نفي العلم بذواتهم، و لما كان ظاهر الآية دليلا على نفي العلم بذواتهم لا جرم كان الأقرب هو القول الثاني، ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم أنه لما جاءتهم رسلهم بالبينات و المعجزات أتوا بأمور: أولها:

69

قوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ و في معناه قولان: الأول: أن المراد باليد و الفم الجارحتان المعلومتان، و الثاني: أن المراد بهما شي‏ء غير هاتين الجارحتين و إنما ذكرهما مجازا و توسعا. أما من قال بالقول الأول ففيه ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن يكون الضمير في أَيْدِيَهُمْ و أَفْوََاهِهِمْ عائدا إلى الكفار، و على هذا ففيه احتمالات: الأول: أن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها من الغيظ و الضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل و استماع كلامهم، و نظيره قوله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ اَلْأَنََامِلَ مِنَ اَلْغَيْظِ [آل عمران: 119]و هذا القول مروي عن ابن عباس و ابن مسعود رحمهما اللّه تعالى، و هو اختيار القاضي. و الثاني: أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه و ضحكوا على سبيل السخرية، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك فوضع يده على فيه، و الثالث: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام و اسكتوا عن ذكر هذا الحديث، و هذا مروي عن الكلبي. و الرابع: أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم و إلى ما تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به، أي هذا هو الجواب عندنا عما ذكرتموه، و ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق ألا ترى إلى قوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ وَ قََالُوا إِنََّا كَفَرْنََا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ .

الوجه الثاني: أن يكون الضميران راجعين إلى الرسل عليهم السلام و فيه وجهان: الأول: أن الكفار أخذوا أيدي الرسل و وضعوها على أفواههم ليسكتوهم و يقطعوا كلامهم. الثاني: أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا و وضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم فإن من ذكر كلاما عند قوم و أنكروه و خافهم، فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه و غرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكلام ألبتة.

الوجه الثالث: أن يكون الضمير في أيديهم يرجع إلى الكفار و في الأفواه إلى الرسل و فيه و جهان: الأول:

أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء عليهم السلام و نصائحهم و كلامهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيبا لهم وردا عليهم. و الثاني: أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء عليهم السلام منعا لهم من الكلام، و من بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك. أما على القول الثاني: و هو أن ذكر اليد و الفم توسع و مجاز ففيه وجوه:

/الوجه الأول: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج و ذلك لأن أسماع الحجة انعام عظيم و الإنعام يسمى يدا. يقال لفلان عندي يد إذا أولاه معروفا، و قد يذكر اليد. المراد منها صفقة البيع و العقد كقوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يُبََايِعُونَكَ إِنَّمََا يُبََايِعُونَ اَللََّهَ يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: 10]فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها و يقررونها نعم و أياد، و أيضا العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي و جمع اليد في العدد القليل هو الأيدي و في العدد الكثير هو الأيادي، فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام و عهودهم صح تسميتها بالأيدي، و إذا كانت النصائح و العهود إنما تظهر من الفم فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت، و نظيره قوله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوََاهِكُمْ مََا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ [النور: 15]فلما كان القبول تلقيا بالأفواه عن الأفواه كان الدفع ردا في الأفواه، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه.

الوجه الثاني: نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ أنهم سكتوا

70

عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب، رد يده في فيه و تقول العرب كلمت فلانا في حاجة فرد يده في فيه إذا سكت عنه فلم يجب، ثم إنه زيف هذا الوجه و قال: إنهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: إِنََّا كَفَرْنََا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ .

الوجه الثالث: المراد من الأيدي نعم اللّه تعالى على ظاهرهم و باطنهم و لما كذبوا الأنبياء فقد عرضوا تلك النعم للإزالة و الإبطال فقوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ أي ردوا نعم اللّه تعالى عن أنفسهم بالكلمات التي صدرت عن أفواههم و لا يبعد حمل «في» على معنى الباء لأن حروف الجر لا يمتنع إقامة بعضها مقام بعض.

النوع الثاني: من الأشياء التي حكاها اللّه تعالى عن الكفار قولهم: إِنََّا كَفَرْنََا بِمََا أُرْسِلْتُمْ بِهِ و المعنى:

إنا كفرنا بما زعمتم أن اللّه أرسلكم فيه لأنهم ما أقروا بأنهم أرسلوا.

و اعلم أن المرتبة الأولى هو أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم السلام و حاولوا إسكات الأنبياء عن تلك الدعوى، و هذه المرتبة الثانية أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة.

و النوع الثالث: قولهم: وَ إِنََّا لَفِي شَكٍّ مِمََّا تَدْعُونَنََا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قال صاحب «الكشاف» : و قرئ تدعونا بإدغام النون مُرِيبٍ موقع في الريبة أو ذي ريبة من أرابه، و الريبة قلق النفس و أن لا تطمئن إلى الأمر.

فإن قيل: لما ذكروا في المرتبة الثانية أنهم كافرون برسالتهم كيف ذكروا بعد ذلك كونهم شاكين مرتابين في صحة قولهم؟ قلنا: كأنهم قالوا إما أن تكون كافرين برسالتكم أو أن ندع هذا الجزم و اليقين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، و على التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم و اللّه أعلم.

اعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل وَ إِنََّا لَفِي شَكٍّ مِمََّا تَدْعُونَنََا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [إبراهيم: 9]. قالت رسلهم: و هل تشكون في اللّه، و في كونه فاطر السموات و الأرض و فاطرا لأنفسنا و أرواحنا و أرزاقنا و جميع مصالحنا و إنا لا ندعوكم إلا إلى عبادة هذا الإله المنعم و لا نمنعكم إلا عن عبادة غيره و هذه المعاني يشهد صريح العقل بصحتها، فكيف قلتم: و إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب؟و هذا النظم في غاية الحسن. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: أَ فِي اَللََّهِ شَكٌّ استفهام على سبيل الإنكار، فلما ذكر هذا المعنى أردفه بالدلالة الدالة على وجود الصانع المختار، و هو قوله: فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و قد ذكرنا في هذا الكتاب أن وجود السموات و الأرض كيف يدل على احتياجه إلى الصانع المختار الحكيم مرارا و أطوارا فلا نعيدها هاهنا.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : أدخلت همزة الإنكار على الظرف، لأن الكلام ليس في الشك‏

71

إنما هو في أن وجود اللّه تعالى لا يحتمل الشك، و أقول من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار، و يدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك وجوه:

الوجه الأول: قال بعض العقلاء: إن من لطم على وجه صبي لطمة فتلك اللطمة تدل على/وجود الصانع المختار، فلأن الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح و يقول: من الذي ضربني و ما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها، و لأجل مختار أدخلها في الوجود فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار ذلك الحادث مع قلته و حقارته إلى الفاعل فبأن تشهد بافتقار جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى، و أما دلالتها على وجوب التكليف، فلأن ذلك الصبي ينادي و يصيح و يقول: لم ضربني ذلك الضارب؟و هذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر و النهي و مندرجة تحت التكليف، و أن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي فعل شاء و اشتهى، و أما دلالتها على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة و مادام يمكنه طلب ذلك الجزاء فإنه لا يتركه فلما شهدت الفطرة الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع الأعمال كان أولى، و أما دلالتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي و لا معنى للنبي إلا الإنسان الذي يقدر هذه الأمور و يبين لهم هذه الأحكام، فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأمور الأربعة.

الوجه الثاني: في التنبيه على أن الإقرار بوجود الصانع بديهي هو أن الفطرة شاهد بأن حدوث دار منقوشة بالنقوش العجيبة، مبنية على التركيبات اللطيفة الموافقة للحكم و المصلحة يستحيل إلا عند وجود نقاش عالم، و بان حكيم، و معلوم أن آثار الحكمة في العالم العلوي و السفلي أكثر من آثار الحكمة في تلك الدار المختصرة فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار النقش إلى النقاش، و البناء إلى الباني، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم كان أولى.

الوجه الثالث: أن الإنسان إذا وقع في محنة شديدة و بلية قوية لا يبقى في ظنه رجاء المعاونة من أحد، فكأنه بأصل خلقته و مقتضى جبلته يتضرع إلى من يخلصه منها و يخرجه عن علائقها و حبائلها و ما ذاك إلا شهادة الفطرة بالافتقار إلى الصانع المدبر.

الوجه الرابع: أن الموجود إما أن يكون غنيا عن المؤثر أو لا يكون، فإن كان غنيا عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته، فإنه لا معنى للواجب لذاته إلا الموجود الذي لا حاجة به إلى غيره. و إن لم يكن غنيا عن المؤثر فهو محتاج، و المحتاج لا بد له من المحتاج إليه و ذلك هو الصانع المختار.

الوجه الخامس: أن الاعتراف بوجود الإله المختار المكلف، و بوجود المعاد أحوط، فوجب المصير إليه فهذه مراتب أربعة: أولها: أن الإقرار بوجود الإله أحوط، لأنه لو لم يكن موجودا فلا ضرر في الإقرار بوجوده و إن كان موجودا ففي إنكاره أعظم المضار. و ثانيها: الإقرار بكونه فاعلا مختارا لأنه لو كان موجبا فلا ضرر في الإقرار بكونه مختارا. أما لو كان مختارا ففي إنكار كونه مختارا أعظم المضار. و ثالثها: الإقرار بأنه كلف عباده، لأنه لو لم يكلف أحدا من عبيده شيئا فلا ضرر في اعتقاد أنه كلف العباد، أما إنه لو كلف ففي إنكار تلك التكاليف أعظم المضار. و رابعها: الإقرار بوجود المعاد فإنه إن كان الحق أنه لا معاد فلا ضرر في الإقرار

72

بوجوده، لأنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجسمانية و هي حقيرة و منقوصة و إن كان الحق هو وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط فوجب المصير إليه، لأن بديهة العقل حاكمة بأنه يجب دفع الضرر عن النفس بقدر الإمكان.

المسألة الثالثة: لما أقام الدلالة على وجود الإله بدليل كونه فاطر السموات و الأرض وصفه بكمال الرحمة و الكرم و الجود و بين ذلك من وجهين، الأول: قوله: يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ قال صاحب «الكشاف» : لو قال قائل ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم، ثم أجاب فقال: ما جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين، كقوله: أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ*`يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نوح: 3، 4]. يََا قَوْمَنََا أَجِيبُوا دََاعِيَ اَللََّهِ وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف: 31]و قال في خطاب المؤمنين: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى‏ََ تِجََارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ [الصف: 10]إلى أن قال: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: 31]و الاستقراء يدل على صحة ما ذكرناه، ثم قال: و كأن ذلك للتفرقة بين الخطابين، و لئلا يسوي بين الفريقين في المعاد، و قيل:

إنه أراد أنه يغفر لهم ما بينهم و بين اللّه تعالى بخلاف ما بينهم و بين العباد من المظالم. هذا كلام هذا الرجل، و قال الواحدي في «البسيط» ، قال أبو عبيدة (من) زائدة، و أنكر سيبويه زيادتها في الواجب، و إذا قلنا إنها ليست زائدة فههنا و جهان: أحدهما: أنه ذكر البعض هاهنا و أريد به الجميع توسعا. و الثاني: أن (من) هاهنا للبدل و المعنى لتكون المغفرة بدلا من الذنوب فدخلت من لتضمن المغفرة معنى البدل من السيئة، و قال القاضي:

ذكر الأصم أن كلمة (من) هاهنا تفيد التبعيض، و المعنى أنكم إذا تبتم فإنه يغفر لكم الذنوب التي هي من الكبائر، فأما التي تكون من باب الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة، قال القاضي: و قد أبعد في هذا التأويل، لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر إلا بالتوبة و إنما تكون الصغيرة مغفورة من المؤمنين الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابها فأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شي‏ء من ذنوبه صغيرا و لا يكون شي‏ء/منها مغفورا. ثم قال و فيه وجه آخر و هو أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته و إنابته فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره و تاب منه فهذا جملة أقوال الناس في هذه الكلمة.

المسألة الرابعة: أقول هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يغفر الذنوب من غير توبة في حق أهل الإيمان و الدليل عليه أنه قال: يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وعد بغفران بعض الذنوب مطلقا من غير اشتراط التوبة، فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقا من غير التوبة و ذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه و الدخول في الإيمان فوجب أن يكون البعض الذي يغفر له من غير التوبة هو ما عد الكفر من الذنوب.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال كلمة (من) صلة على ما قاله أبو عبيدة أو نقول: المراد من البعض هاهنا هو الكل على ما قاله الواحدي. أو نقول: المراد منها إبدال السيئة بالحسنة على ما قاله الواحدي أيضا أو نقول:

المراد منه تمييز المؤمن عن الكافر في الخطاب على ما قاله صاحب «الكشاف» أو نقول: المراد منه تخصيص هذا الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم. أو نقول: المراد منه الذنوب التي يذكرها الكافر عند الدخول في الإيمان على ما قاله القاضي، فنقول: هذه الوجوه بأسرها ضعيفة أما قوله: إنها صلة فمعناه الحكم على كلمة من كلام اللّه تعالى بأنها حشو ضائع فاسد، و العاقل لا يجوز المصير إليه من غير ضرورة، فأما قول الواحدي:

73

المراد من كلمة (من) هاهنا هو الكل فهو عين ما قاله أبو عبيدة لأن حاصله أن قوله: لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ هو أنه يغفر لكم ذنوبكم و هذا عين ما نقله عن أبي عبيدة، و حكي عن سيبويه إنكاره، و أما قوله: المراد منه إبدال السيئة بالحسنة فليس في اللغة أن كلمة من تفيد الإبدال، و أما قول صاحب «الكشاف» : المراد تمييز خطاب المؤمن عن خطاب الكافر بمزيد التشريف فهو من باب الطامات، لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، و إن لم يحصل كان هذا الجواب فاسدا، و أما قول الأصم فقد سبق إبطاله، و أما قول القاضي فجوابه: أن الكافر إذا أسلم صارت ذنوبه بأسرها مغفورة

لقوله عليه السلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»

فثبت أن جميع ما ذكروه من التأويلات تعسف ساقط بل المراد ما ذكرنا أنه تعالى يغفر بعض ذنوبه من غير توبة و هو ما عدا الكفر، و أما الكفر فهو أيضا من الذنوب و أنه تعالى لا يغفره إلا بالتوبة، و إذا ثبت أنه تعالى يغفر كبائر كافر من غير توبة بشرط أن يأتي بالإيمان فبأن تحصل هذه الحالة للمؤمن كان أولى، هذا ما خطر بالبال على سبيل الارتجال و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

النوع الثاني: مما وعد اللّه تعالى به في هذه الآية قوله: وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى و فيه/وجهان:

الأول: المعنى أنكم إن آمنتم أخر اللّه موتكم إلى أجل مسمى و إلا عاجلكم بعذاب الاستئصال. الثاني: قال ابن عباس: المعنى يمتعكم في الدنيا بالطيبات و اللذات إلى الموت.

فإن قيل: أليس إنه تعالى قال: فَإِذََا جََاءَ أَجَلُهُمْ لاََ يَسْتَأْخِرُونَ سََاعَةً وَ لاََ يَسْتَقْدِمُونَ* [الأعراف: 34] فكيف قال هاهنا: وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى .

قلنا: قد تكلمنا في هذه المسألة في سورة الأنعام في قوله: ثُمَّ قَضى‏ََ أَجَلاً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ [الأنعام: 2]ثم حكى تعالى أن الرسل لما ذكروا هذه الأشياء لأولئك الكفار قالوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونََا عَمََّا كََانَ يَعْبُدُ آبََاؤُنََا فَأْتُونََا بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ .

و اعلم أن هذا الكلام مشتمل على ثلاثة أنوع من الشبه:

فالشبهة الأولى: أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد، و هو أن يكون الواحد منهم رسولا من عند اللّه مطلعا على الغيب مخالطا لزمرة الملائكة، و الباقون يكونون غافلين عن كل هذه الأحوال أيضا كانوا يقولون: إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة، وجب أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة، و في الحاجة إلى الأكل و الشرب و الحدث و الوقاع، و هذه الشبهة هي المراد من قولهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا .

و الشبهة الثانية: التمسك بطريقة التقليد، و هي أنهم وجدوا آباءهم و علماءهم و كبراءهم مطبقين متفقين على عبادة الأوثان. قالوا و يبعد أن يقال: إن أولئك القدماء على كثرتهم و قوة خواطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين، و أن الرجل الواحد عرف فساده و وقف على بطلانه، و العوام ربما زادوا في هذا الباب كلاما آخر، و ذلك أن الرجل العالم إذا بين ضعف كلام بعض المتقدمين قالوا له إن كلامك إنما يظهر صحته لو كان المتقدمون حاضرين، أما المناظرة مع الميت فسهلة، فهذا كلام يذكره الحمقى و الرعاع و أولئك الكفار أيضا ذكروه، و هذه الشبهة هي المراد من قوله: تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونََا عَمََّا كََانَ يَعْبُدُ آبََاؤُنََا .

74

و الشبهة الثالثة: أن قالوا المعجز لا يدل على الصدق أصلا، و إن كانوا سلموا على أن المعجز يدل على الصدق، إلا أن الذي جاء به أولئك الرسل طعنوا فيه و زعموا أنها أمور معتادة، و أنها ليست من باب المعجزات الخارجة عن قدرة البشر، و إلى هذا النوع من الشبهة الإشارة بقوله: فَأْتُونََا بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ فهذا تفسير هذه الآية بحسب الوسع و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة، حكى عن الأنبياء عليهم السلام جوابهم عنها.

أما الشبهة الأولى: و هي قولهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُنََا فجوابه: أن الأنبياء سلموا أن الأمر كذلك، لكنهم بينوا أن التماثل في البشرية و الإنسانية لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة لأن هذا المنصب منصب يمن اللّه به على من يشاء من عباده، فإذا كان الأمر كذلك فقد سقطت هذه الشبهة.

و اعلم أن هذا المقام فيه بحث شريف دقيق، و هو أن جماعة من حكماء الإسلام قالوا: إن الإنسان ما لم يكن في نفسه و بدنه مخصوصا بخواص شريفة علوية قدسية، فإنه يمتنع عقلا حصول صفة النبوة له. و أما الظاهريون من أهل السنة و الجماعة، فقد زعموا أن حصول النبوة عطية من اللّه تعالى يهبها لكل من يشاء من عباده، و لا يتوقف حصولها على امتياز ذلك الإنسان عن سائر الناس بمزيد إشراق نفساني و قوة قدسية، و هؤلاء تمسكوا بهذه الآية، فإنه تعالى بين أن حصول النبوة ليس إلا بمحض المنة من اللّه تعالى و العطية منه، و الكلام من هذا الباب غامض غائص دقيق، و الأولون أجابوا عنه بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية و الجسدانية تواضعا منهم، و اقتصروا على قولهم: وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يَمُنُّ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ بالنبوة، لأنه قد علم أنه تعالى لا يخصهم بتلك الكرامات إلا و هم موصوفون بالفضائل التي لأجلها استوجبوا ذلك التخصيص، كما قال تعالى:

اَللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ [الأنعام: 124].

و أما الشبهة الثانية: و هي قولهم: إطباق السلف على ذلك الدين يدل على كونه حقا، لأنه يبعد أن يظهر للرجل الواحد ما لم يظهر للخلق العظيم، فجوابه: عين الجواب المذكور عن الشبهة الأولى، لأن التمييز بين الحق و الباطل و الصدق و الكذب عطية من اللّه تعالى و فضل منه، و لا يبعد أن يخص بعض عبيده بهذه العطية و أن يحرم الجمع العظيم منها.

و أما الشبهة الثالثة: و هي قولهم: إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها، و إنما نريد معجزات قاهرة قوية.

فالجواب عنها: قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لَنََا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطََانٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ و شرح هذا الجواب أن

75

المعجزة التي جئنا بها و تمسكنا بها حجة قاطعة و بينة قاهرة و دليل تام، فأما الأشياء التي طلبتموها فهي أمور زائدة و الحكم فيها للّه تعالى فإن خلقها و أظهرها فله الفضل و إن لم يخلقها فله العدل و لا يحكم عليه بعد ظهور قدر الكفاية. ثم إنه تعالى حكى عن الأنبياء و الرسل عليهم السلام أنهم قالوا بعد ذلك: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ و الظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بذلك الجواب فالقوم أخذوا في السفاهة و التخويف و الوعيد، و عند هذا قالت الأنبياء عليهم السلام: لا نخاف من تخويفكم و لا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على اللّه و اعتمادنا على فضل اللّه و لعل اللّه سبحانه كان قد أوحى إليهم أن أولئك الكفرة لا يقدرون على إيصال الشر و الآفة إليهم و إن لم يكن حصل هذا الوحي، فلا يبعد منهم أن لا يلتفتوا إلى سفاهتهم لما أن أرواحهم كانت مشرقة بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء عالم الغيب و الروح متى كانت موصوفة بهذه الصفات فقلما يبالي بالأحوال الجسمانية و قلما يقيم لها وزنا في حالتي السراء و الضراء و طوري الشدة و الرخاء، فلهذا السبب توكلوا على اللّه و عولوا على فضل اللّه و قطعوا أطماعهم عما سوى اللّه، و الذي يدل على أن المراد ما ذكرناه قوله تعالى حكاية عنهم: وَ مََا لَنََا أَلاََّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللََّهِ وَ قَدْ هَدََانََا سُبُلَنََا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ََ مََا آذَيْتُمُونََا يعني أنه تعالى لما خصنا بهذه الدرجات الروحانية، و المعارف الإلهية الربانية فكيف يليق بنا أن لا نتوكل على اللّه، بل اللائق بنا أن لا نتوكل إلا عليه و لا نعول في تحصيل المهمات إلا عليه، فإن من فاز بشرف العبودية و وصل إلى مكان الإخلاص و المكاشفة يقبح به أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق سواء كان ملكا له أو ملكا أو روحا أو جسما، و هذه الآية دالة على أنه تعالى يعصم أولياءه المخلصين في عبوديته من كيد أعدائهم و مكرهم، ثم قالوا:

وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ََ مََا آذَيْتُمُونََا فإن الصبر مفتاح الفرج، و مطلع الخيرات، و الحق لا بد و أن يصير غالبا قاهرا، و الباطل لا بد و أن يصير مغلوبا مقهورا، ثم أعادوا قولهم: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ و الفائدة فيه أنهم أمروا أنفسهم بالتوكل على اللّه في قوله/ وَ مََا لَنََا أَلاََّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللََّهِ ثم لما فرغوا من أنفسهم أمروا أتباعهم بذلك و قالوا: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ و ذلك يدل على أن الآمر بالخير لا يؤثر قوله إلا إذا أتى بذلك الخير أولا، و رأيت في كلام الشيخ أبي حامد الغزالي رحمه اللّه فصلا حسنا و حاصله: أن الإنسان إما أن يكون ناقصا أو كاملا أو خاليا عن الوصفين، أما الناقص فإما أن يكون ناقصا في ذاته و لكنه لا يسعى في تنقيص حال غيره، و إما أن يكون ناقصا و يكون مع ذلك ساعيا في تنقيص حال الغير، فالأول: هو الضال، و الثاني: هو الضال المضل، و أما الكامل فإما أن يكون كاملا و لا يقدر على تكميل الغير و هم الأولياء، و إما أن يكون كاملا و يقدر على تكميل الناقصين و هم الأنبياء و لذلك‏

قال عليه السلام: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»

و لما كانت مراتب النقصان و الكمال و مراتب الإكمال و الإضلال غير متناهية بحسب الكمية و الكيفية، لا جرم كانت مراتب الولاية و الحياة غير متناهية بحسب الكمال و النقصان، فالولي هو الإنسان الكامل الذي لا يقوى على التكميل، و النبي هو الإنسان الكامل المكمل، ثم قد تكون قوته الروحانية النفسانية وافية بتكميل إنسانين ناقصين و قد تكون أقوى من ذلك فيفي بتكميل عشرة و مائة و قد تكون تلك القوة قاهرة قوية تؤثر تأثير الشمس في العالم فيقلب أرواح أكثر أهل العلم من مقام الجهل إلى مقام المعرفة و من طلب الدنيا إلى طلب الآخرة، و ذلك مثل روح محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فإن وقت ظهوره كان العالم مملوءا من اليهود و أكثرهم كانوا مشبهة و من النصارى و هم حلولية و من المجوس و قبح مذاهبهم ظاهر و من عبدة الأوثان و سخف دينهم أظهر من أن يحتاج إلى بيان فلما ظهرت دعوة محمد صلّى اللّه عليه و سلم سرت قوة روحه في الأرواح فقلب أكثر أهل العالم من الشرك إلى التوحيد، و من التجسيم إلى‏

76

التنزيه، و من الاستغراق في طلب الدنيا إلى التوجه إلى عالم الآخرة، فمن هذا المقام ينكشف للإنسان مقام النبوة و الرسالة.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: وَ مََا لَنََا أَلاََّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللََّهِ إشارة إلى ما كانت حاصلة لهم من كمالات نفوسهم، و قولهم في آخر الأمر، و على اللّه فليتوكل المتوكلون، إشارة إلى تأثير أرواحهم الكاملة في تكميل الأرواح الناقصة فهذه أسرار عالية مخزونة في ألفاظ القرآن، فمن نظر في علم القرآن و كان غافلا عنها كان محروما من أسرار علوم القرآن و اللّه أعلم، و في الآية وجه آخر و هو أن قوله: وَ مََا كََانَ لَنََا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطََانٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ المراد منه أن الذين يطلبون سائر المعجزات وجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على اللّه تعالى لا عليها، فإن شاء أظهرها و إن شاء لم يظهرها.

و أما قوله في آخر الآية: وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى‏ََ مََا آذَيْتُمُونََا وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ المراد منه الأمر بالتوكل على اللّه في دفع شر الناس الكفار و سفاهتهم، و على هذا التقدير فالتكرار غير حاصل لأن قوله: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ وارد في موضعين مختلفين بحسب مقصودين متغايرين، و قيل أيضا: الأول: ذكر لاستحداث التوكل. و الثاني: للسعي في إبقائه و إدامته و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنََا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأنبياء عليهم السلام، أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه و الاعتماد على حفظه و حياطته، حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة و قالوا: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنََا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا و المعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة إما إخراجكم و إما عودكم إلى ملتنا. و السبب فيه أن أهل الحق في كل زمان يكونون قليلين و أهل الباطل يكونون كثيرين و الظلمة و الفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة.

فإن قيل: هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها.

قلنا: الجواب من وجوه:

الوجه الأول: أن أولئك الأنبياء عليهم السلام إنما نشأوا في تلك البلاد و كانوا من تلك/القبائل و في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا .

77

الوجه الثاني: أن هذا حكاية كلام الكفار و لا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه.

الوجه الثالث: لعل الخطاب و إن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم و أصحابهم و لا بأس أن يقال: إنهم كانوا قبل ذلك الوقت على دين أولئك الكفار.

الوجه الرابع: قال صاحب «الكشاف» : العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب.

الوجه الخامس: لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل، ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة و أمرهم بشريعة أخرى و بقي الأقوام على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر، و على هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة.

الوجه السادس: لا يبعد أن يكون المعنى: أو لتعودن في ملتنا، أي إلى ما كنتم عليه قبل ادعاء الرسالة من السكوت عن ذكر معايبة ديننا و عدم التعرض له بالطعن و القدح و على جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل و اللّه أعلم.

و اعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى: فَأَوْحى‏ََ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ اَلظََّالِمِينَ‏`وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ اَلْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ قال صاحب «الكشاف» : لَنُهْلِكَنَّ اَلظََّالِمِينَ حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه، و قرأ أبو حيوة: ليهلكن الظالمين و ليسكننكم بالياء اعتبارا لأوحى فإن هذا اللفظ لفظ الغيبة و نظيره قولك أقسم زيد ليخرجن و لأخرجن، }و المراد بالأرض أرض الظالمين و ديارهم و نظيره قوله: وَ أَوْرَثْنَا اَلْقَوْمَ اَلَّذِينَ كََانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشََارِقَ اَلْأَرْضِ وَ مَغََارِبَهَا [الأعراف: 137]. وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيََارَهُمْ [الأحزاب: 27]و

عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «من آذى جاره أورثه اللّه داره»

و اعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه اللّه أمر عدوه.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ لِمَنْ خََافَ مَقََامِي وَ خََافَ وَعِيدِ فقوله ذلك إشارة إلى أن ما قضى اللّه تعالى به من إهلاك الظالمين و إسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي و فيه وجوه: الأول: المراد موقفي و هو موقف الحساب، لأن ذلك الموقف موقف اللّه تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، و نظيره قوله:

وَ أَمََّا مَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ [النازعات: 40]و قوله: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ [الرحمن: 46]/الثاني:

أن المقام مصدر كالقيامة، يقال: قام قياما و مقاما، قال الفراء: ذلك لمن خاف قيامي عليه و مراقبتي إياه كقوله:

أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ [الرعد: 33]. الثالث: ذََلِكَ لِمَنْ خََافَ مَقََامِي أي إقامتي على العدل و الصواب فإنه تعالى لا يقضي إلا بالحق و لا يحكم إلا بالعدل و هو تعالى مقيم على العدل لا يميل عنه و لا ينحرف ألبتة. الرابع: ذََلِكَ لِمَنْ خََافَ مَقََامِي أي مقام العائذ عندي و هو من باب إضافة المصدر إلى المفعول، الخامس: ذََلِكَ لِمَنْ خََافَ مَقََامِي أي لم خافني، و ذكر المقام هاهنا مثل ما يقال: سلام اللّه على المجلس الفلاني العالي و المراد: سلام اللّه على فلان فكذا هاهنا.

ثم قال تعالى: وَ خََافَ وَعِيدِ قال الواحدي: الوعيد اسم من أوعد إيعادا و هو التهديد. قال ابن عباس:

خاف ما أوعدت من العذاب.

78

و اعلم أنه تعالى ذكر أولا قوله: ذََلِكَ لِمَنْ خََافَ مَقََامِي ثم عطف عليه قوله: وَ خََافَ وَعِيدِ فهذا يقتضي أن يكون الخوف من اللّه تعالى مغايرا للخوف من وعيد اللّه، و نظيره: أن حب اللّه تعالى مغاير لحب ثواب اللّه، و هذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة و التصديق.

ثم قال: وَ اِسْتَفْتَحُوا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: للاستفتاح هاهنا معنيان: أحدهما: طلب الفتح بالنصرة، فقوله: وَ اِسْتَفْتَحُوا أي و استنصروا اللّه على أعدائهم، فهو كقوله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جََاءَكُمُ اَلْفَتْحُ [الأنفال: 19]. و الثاني: الفتح الحكم و القضاء، فقول ربنا: وَ اِسْتَفْتَحُوا أي و استحكموا اللّه و سألوه القضاء بينهم، و هو مأخوذ من الفتاحة و هي الحكومة كقوله: رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَ قَوْمِنََا بِالْحَقِّ [الأعراف: 89].

إذا عرفت هذا فنقول: كلا القولين ذكره المفسرون. أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل، و ذلك لأنهم استنصروا اللّه و دعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم: قََالَ نُوحٌ رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً [نوح: 26]و قال موسى: رَبَّنَا اِطْمِسْ [يونس: 88]الآية. و قال لوط: رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْمُفْسِدِينَ [العنكبوت: 30]و أما على القول الثالث: و هو طلب الحكمة و القضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم و ذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا، و منه قول كفار قريش: اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ [الأنفال: 32]. و كقول آخرين اِئْتِنََا بِعَذََابِ اَللََّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ [العنكبوت: 29].

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : قوله: وَ اِسْتَفْتَحُوا معطوف على قوله: فَأَوْحى‏ََ إِلَيْهِمْ و قرئ و استفتحوا بلفظ الأمر و عطفه على قوله: لَنُهْلِكَنَّ أي أوحى إليهم ربهم، و قال لهم: لَنُهْلِكَنَّ و قال لهم اِسْتَفْتَحُوا .

ثم قال تعالى: وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: إن قلنا: المستفتحون هم الرسل، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا و ظفروا بمقصودهم و فازوا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ و هم قومهم، و إن قلنا: المستفتحون هم الكفرة، فكان المعنى: أن الكفار استفتحوا على الرسل ظنا منهم أنهم على الحق و الرسل على الباطل وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ منهم و ما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل.

المسألة الثانية: الجبار هاهنا المتكبر على طاعة اللّه تعالى و عبادته. و منه قوله تعالى: وَ لَمْ يَكُنْ جَبََّاراً عَصِيًّا [مريم: 14]قال أبو عبيدة عن الأحمر: يقال فيه جبرية و جبروة و جبروت و جبورة، و حكى الزجاج: الجبرية و الجبر بكسر الجيم و الباء و التجبار و الجبرياء. قال الواحدي: فهي ثمان لغات في مصدر الجبار، و

في الحديث أن امرأة حضرت النبي صلّى اللّه عليه و سلم فأمرها أمرا فأبت عليه فقال: «دعوها فإنها جبارة»

أي مستكبرة، و أما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه، قال النضر بن شميل: العنود الخلاف و التباعد و الترك، و قال غيره: أصله من العند و هو الناحية يقال: فلان يمشي عندا، أي ناحية، فمعنى عاند و عند. أخذ في ناحية معرضا، و عاند فلان فلانا إذا جانبه و كان منه على ناحية.

79

إذا عرفت هذا فنقول: كونه جبارا متكبرا إشارة إلى الخلق النفساني و كونه عنيدا إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق، و هو كونه مجانبا عن الحق منحرفا عنه، و لا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر و التكبر و فعله هو العنود و هو الانحراف عن الحق و الصدق، كان خائبا عن كل الخيرات خاسرا عن جميع أقسام السعادات.

و اعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة و وصفه بكونه جبارا عنيدا، وصف كيفية عذابه بأمور: الأول:

قوله: مِنْ وَرََائِهِ جَهَنَّمُ و فيه إشكال و هو أن المراد: أمامه جهنم، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام و الأمام؟ و أجابوا عنه من وجوه: الأول: أن لفظ «وراء» اسم لما يوارى عنك، و قدام و خلف متوار عنك، فصح إطلاق لفظ «وراء» على كل واحد منهما. قال الشاعر:

عسى الكرب الذي أمسيت فيه # يكون وراءه فرج قريب‏

و يقال أيضا: الموت وراء كل أحد. الثاني: قال أبو عبيدة و ابن السكيت: الوراء من الأضداد يقع على الخلف و القدام، و السبب فيه أن كل ما كان خلفا فإنه يجوز أن ينقلب قداما و بالعكس، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام، و منه قوله تعالى: وَ كََانَ وَرََاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ [الكهف: 79]أي أمامهم، /و يقال:

الموت من وراء الإنسان. الثاني: قال ابن الأنباري «وراء» بمعنى بعد. قال الشاعر:

و ليس وراء الله للمرء مذهب أي و ليس بعد اللّه مذهب.

إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله: وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ .

ثم قال: مِنْ وَرََائِهِ جَهَنَّمُ أي و من بعده الخيبة يدخل جهنم.

النوع الثاني: مما ذكره اللّه تعالى من أحوال هذا الكافر قوله: وَ يُسْقى‏ََ مِنْ مََاءٍ صَدِيدٍ`يَتَجَرَّعُهُ وَ لاََ يَكََادُ يُسِيغُهُ و فيه سؤالات:

السؤال الأول: علام عطف وَ يُسْقى‏ََ .

الجواب: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها و يسقى من ماء صديد.

السؤال الثاني: عذاب أهل النار من وجوه كثيرة، فلم خص هذه الحالة بالذكر؟ الجواب: يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله: وَ يَأْتِيهِ اَلْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكََانٍ وَ مََا هُوَ بِمَيِّتٍ .

السؤال الثالث: ما وجه قوله: مِنْ مََاءٍ صَدِيدٍ .

الجواب: أنه عطف بيان و التقدير: أنه لما قال: وَ يُسْقى‏ََ مِنْ مََاءٍ فكأنه قيل: و ما ذلك الماء فقال:

صَدِيدٍ و الصديد ما يسيل جلود أهل النار. و قيل: التقدير و يسقى من ماء كالصديد. و ذلك بأن يخلق اللّه تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن و الغلظ و القذارة، و هو أيضا يكون في نفسه صديدا، لأن كراهته تصد

80

عن تناوله و هو كقوله: وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعََاءَهُمْ [محمد: 15]. وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغََاثُوا بِمََاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي اَلْوُجُوهَ بِئْسَ اَلشَّرََابُ [الكهف: 29].

السؤال الرابع: ما معنى يتجرعه و لا يكاد يسيغه.

الجواب: التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار، و يقال: ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا و أساغه إساغة. و اعلم أن (يكاد) فيه قولان:

القول الأول: أن نفيه إثبات، و إثباته نفي، فقوله: وَ لاََ يَكََادُ يُسِيغُهُ أي و يسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول: ما كدت أقوم، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى: فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71]يعني فعلوا بعد إبطاء، و الدليل على حصول الإساغة قوله تعالى: يُصْهَرُ بِهِ مََا فِي بُطُونِهِمْ وَ اَلْجُلُودُ [الحج: 20]و لا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة، و أيضا فإن قوله: يَتَجَرَّعُهُ يدل على أنهم أساغوا الشي‏ء بعد الشي‏ء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه ألبتة.

و القول الثاني: أن كاد للمقاربة فقول: لاََ يَكََادُ لنفي المقاربة يعني: و لم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإساغة كقوله تعالى: لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا [النور: 40]أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها.

فإن قيل: فقد ذكرتم الدليل على حصول الإساغة، فكيف الجمع بينه و بين هذا الوجه.

قلنا عنه جوابان: أحدهما: أن المعنى: و لا يسيغ جميعه كأنه يجرع البعض و ما ساغ الجميع. الثاني: أن الدليل الذي ذكرتم إنما دل على وصول بعض ذلك الشراب إلى جوف الكافر، إلا أن ذلك ليس بإساغة، لأن الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق بقبول النفس و استطابة المشروب و الكافر يتجرع ذلك الشراب على كراهية و لا يسيغه، أي لا يستطيبه و لا يشربه شربا بمرة واحدة و على هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة و اللّه أعلم.

النوع الثالث: مما ذكره اللّه تعالى في وعيد هذا الكافر قوله: وَ يَأْتِيهِ اَلْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكََانٍ وَ مََا هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: 17]و المعنى: أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات، و مع ذلك فإنه لا يموت و قيل من كل جزء من أجزاء جسده.

النوع الرابع: قوله: وَ مِنْ وَرََائِهِ عَذََابٌ غَلِيظٌ و فيه وجهان: الأول: أن المراد من العذاب الغليظ كونه دائما غير منقطع. الثاني: أنه في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله. قال المفضل: هو قطع الأنفاس و حبسها في الأجساد، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ إلى قوله هُوَ اَلضَّلاََلُ اَلْبَعِيدُ اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة

81

باطلة لا ينتفعون بشي‏ء منها و عند هذا يظهر كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة/إلا العقاب الشديد و كل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعا باطلا، و ذلك هو الخسران الشديد. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في ارتفاع قوله: مَثَلُ اَلَّذِينَ وجوه: الأول: قال سيبويه: التقدير: و فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم، و قوله: كَرَمََادٍ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقيل: أعمالهم كرماد. الثاني: قال الفراء: التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتمادا على ذكره بعد المضاف إليه و هو قوله: أَعْمََالُهُمْ و مثله قوله تعالى: اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ [السجدة: 7]أي خلق كل شي‏ء، و كذا قوله: وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اَللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: 60]المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على اللّه مسودة. الثالث: أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون، و ماله مبذول. الرابع: أن تكون أعمالهم بدلا من قوله: مَثَلُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و التقدير: مثل أعمالهم و قوله: كَرَمََادٍ هو الخبر. الخامس: أن يكون المثل صلة و تقديره: الذين كفروا أعمالهم.

المسألة الثانية: اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل و بين هذه الأعمال، هو أن الريح العاصف تطير الرماد و تفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر و لا خبر، فكذا هاهنا أن كفرهم أبطل أعمالهم و أحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر و لا أثر، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه:

الوجه الأول: أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة و صلة الرحم و بر الوالدين و إطعام الجائع، و ذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم، و لولا كفرهم لانتفعوا بها.

و الوجه الثاني: أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام و ما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيمانا و طريقا إلى الخلاص، و الوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالا عليهم.

و الوجه الثالث: أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت، و الأعمال التي ظنوها خيرات و أفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضا و صارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم و ندامتهم فلذلك قال تعالى: ذََلِكَ هُوَ اَلضَّلاََلُ اَلْبَعِيدُ .

المسألة الثالثة: قرئ الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم، و هو لما فيه و هو الريح أو الرياح كقولك: يوم ماطر و ليلة ساكرة، و إنما السكور لريحها قال الفراء: و إن شئت قلت/في يوم ذي عصوف، و إن شئت قلت: في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكورا قبل ذلك، و قرئ في يوم عاصف بالإضافة.

المسألة الرابعة: قوله: لاََ يَقْدِرُونَ مِمََّا كَسَبُوا عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ أي لا يقدرون مما كسبوا على شي‏ء منتفع به لا في الدنيا و لا في الآخرة و ذلك لأنه ضاع بالكلية و فسد، و هذه الآية دالة على كون العبد مكتسبا لأفعاله.

و اعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللََّهَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة، بين أن ذلك البطلان و الإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم و هو كفرهم باللّه و إعراضهم عن العبودية فإن اللّه تعالى لا يبطل أعمال

82

المخلصين ابتداء، و كيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك و أنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة و الصواب.

المسألة الثانية: قرأ حمزة و الكسائي: خالق السماوات و الأرض على اسم الفاعل على أنه خبر أن و السموات و الأرض على الإضافة كقوله: فََاطِرِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ* [إبراهيم: 10]. فََالِقُ اَلْإِصْبََاحِ [الأنعام: 95]. و جَعَلَ اَللَّيْلَ سَكَناً [الأنعام: 96]و الباقون خَلَقَ على فعل الماضي: اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بالنصب لأنه مفعول.

المسألة الثالثة: قوله: بِالْحَقِّ نظير لقوله في سورة يونس: مََا خَلَقَ اَللََّهُ ذََلِكَ إِلاََّ بِالْحَقِّ [يونس: 5] و لقوله في آل عمران: رَبَّنََا مََا خَلَقْتَ هََذََا بََاطِلاً [آل عمران: 191]و لقوله في ص: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً [ص: 27]أما أهل السنة فيقولون إلا بالحق و هو دلالتهما على وجود الصانع و علمه و قدرته، و أما المعتزلة فيقولون: إلا بالحق، أي لم يخلق ذلك عبثا بل لغرض صحيح.

ثم قال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ و المعنى: أن من كان قادرا على خلق السموات و الأرض بالحق، فبأن يقدر على إفناء قوم و إماتتهم و على إيجاد آخرين و إحيائهم كان أولى، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادرا على الأسهل الأضعف أولى. قال ابن عباس: هذا الخطاب مع كفار مكة، يريد أميتكم يا معشر الكفار، و أخلق قوما خيرا منكم و أطوع منكم.

ثم قال: وَ مََا ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ بِعَزِيزٍ أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم و إيجاده بأن يكون قادرا على إفناء أشخاص مخصوصين و إيجاده أمثالهم أولى و أحرى، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ بَرَزُوا لِلََّهِ جَمِيعاً فَقََالَ اَلضُّعَفََاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنََّا كُنََّا لَكُمْ تَبَعاً اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة، ذكر في هذه الآية كيفية خجالتهم عند تمسك أتباعهم و كيفية افتضاحهم عندهم. و هذا إشارة إلى العذاب الروحاني الحاصل بسبب الفضيحة و الخجالة، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: برز معناه في اللغة ظهر بعد الخفاء. و منه يقال للمكان الواسع: البراز لظهوره، و قيل في قوله: وَ تَرَى اَلْأَرْضَ بََارِزَةً [الكهف: 47]أي ظاهرة لا يسترها شي‏ء، و امرأة برزة إذا كانت تظهر للناس.

و يقال: برز فلان على أقرانه إذا فاقهم و سبقهم، و أصله في الخيل إذا سبق أحدها. قيل: برز عليها كأنه خرج من غمارها فظهر.

إذا عرفت هذا فنقول: هاهنا أبحاث:

البحث الأول: قوله: وَ بَرَزُوا ورد بلفظ الماضي و إن كان معناه الاستقبال، لأن كل ما أخبر اللّه تعالى‏

83

عنه فهو صدق و حق، فصار كأنه قد حصل و دخل في الوجود و نظيره قوله: وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلنََّارِ أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ [الأعراف: 50].

البحث الثاني: قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد الاستتار و هذا في حق اللّه تعالى محال، فلا بد فيه من التأويل و هو من وجوه: الأول: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش و يظنون أن ذلك خاف على اللّه تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا للّه تعالى عند أنفسهم و علموا أن اللّه لا يخفى عليه خافية. الثاني: أنهم خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب اللّه و حكمه. الثالث: و هو تأويل الحكماء أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء و الوطاء و بقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها و ذلك هو البروز للّه.

البحث الثالث: قال أبو بكر الأصم قوله: وَ بَرَزُوا لِلََّهِ هو المراد من قوله في الآية السابقة: وَ مِنْ وَرََائِهِ عَذََابٌ غَلِيظٌ : [إبراهيم: 17].

و اعلم أن قوله: وَ بَرَزُوا لِلََّهِ قريب من قوله: يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ*`فَمََا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لاََ نََاصِرٍ [الطارق: 9، 10]و ذلك لأن البواطن تظهر في ذلك اليوم و الأحوال الكامنة تنكشف فإن كانوا من السعداء برزوا للحاكم الحكيم بصفاتهم القدسية، و أحوالهم العلوية، و وجوههم المشرقة، و أرواحهم الصافية المستنيرة فيتجلى لها نور الجلال، و يعظم فيها إشراق عالم القدس، فما أجل تلك الأحوال و إن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف العظمة، و منازل الكبرياء ذليلين مهينين خاضعين خاشعين واقعين في خزي الخجالة، و مذلة الفضيحة، و موقف المهانة و الفزع، نعوذ باللّه منها. ثم حكى اللّه تعالى أن الضعفاء يقولون للرؤساء: هل تقدرون على دفع عذاب اللّه عنا؟و المعنى: أنه إنما اتبعناكم لهذا اليوم، ثم إن الرؤساء يعترفون بالخزي و العجز و الذل. قالوا:

سَوََاءٌ عَلَيْنََا أَ جَزِعْنََا أَمْ صَبَرْنََا مََا لَنََا مِنْ مَحِيصٍ و من المعلوم أن اعتراف الرؤساء و السادة و المتبوعين بمثل هذا العجز و الخزي و النكال يوجب الخجالة العظيمة و الخزي الكامل التام، فكان المقصود من ذكر هذه الآية:

استيلاء عذاب الفضيحة و الخجالة و الخزي عليهم مع ما تقدم ذكره من سائر وجوه أنواع العذاب و العقاب نعوذ باللّه منها. و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: كتبوا الضعفاء بواو قبل الهمزة في بعض المصاحف، و السبب فيه أنه كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو، و نظيره علماء بني إسرائيل.

المسألة الثالثة: الضعفاء الأتباع و العوام، و الذين استكبروا هم السادة و الكبراء. قال ابن عباس: المراد أكابرهم الذين استكبروا عن عبادة اللّه تعالى: إِنََّا كُنََّا لَكُمْ تَبَعاً أي في الدنيا. قال الفراء و أكثر أهل اللغة:

التبع تابع مثل خادم و خدم و باقر و بقر و حارس و حرس و راصد و رصد قال الزجاج: و جائز أن يكون مصدرا سمي به، أي كنا ذوي تبع.

و اعلم أن هذه التبعية يحتمل أن يقال: المراد منها التبعية في الكفر، و يحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا: فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنََّا مِنْ عَذََابِ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ أي هل يمكنكم دفع عذاب اللّه عنا.

فإن قيل: فما الفرق بين من في قوله: مِنْ عَذََابِ اَللََّهِ و بينه في قوله: مِنْ شَيْ‏ءٍ .

قلنا: كلاهما للتبعيض بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شي‏ء هو عذاب اللّه أي بعض عذاب اللّه و عند هذا

84

حكى اللّه تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا: لَوْ هَدََانَا اَللََّهُ لَهَدَيْنََاكُمْ و فيه وجوه/الأول: قال ابن عباس:

معناه لو أرشدنا اللّه لأرشدناكم، قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال، لأن اللّه تعالى أضلهم و لم يهدهم فدعوا أتباعهم إلى الضلال و لو هداهم لدعوهم إلى الهدى قال صاحب «الكشاف» : لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه و يدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اَللََّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمََا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [المجادلة: 18].

و اعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فكان هذا القول منه مخالفا لأصول مشايخه فلا يقبل منه، الثاني: قال صاحب «الكشاف» : يجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا و اهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. و ذكر القاضي هذا الوجه و زيفه بأن قال: لا يجوز حمل هذا على اللطف، لأن ذلك قد فعله اللّه تعالى. و الثالث: أن يكون المعنى لو خلصنا اللّه من العقاب و هدانا إلى طريق الجنة لهديناكم، و الدليل على أن المراد من الهدى هذا الذي ذكرناه أن هذا هو الذي التمسوه و طلبوه فوجب أن يكون المراد من الهداية هذا المعنى.

ثم قال: سَوََاءٌ عَلَيْنََا أَ جَزِعْنََا أَمْ صَبَرْنََا أي مستو علينا الجزع و الصبر و الهمزة و أم للتسوية و نظيره:

فَاصْبِرُوا أَوْ لاََ تَصْبِرُوا سَوََاءٌ عَلَيْكُمْ [الطور: 16]ثم قالوا: ما لنا من محيص، أي منجي و مهرب، و المحيص قد يكون مصدرا كالمغيب و المشيب، و مكانا كالمبيت و المضيق، و يقال حاص عنه و حاض بمعنى واحد، و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء و الأتباع من كفرة الإنس، أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان و بين أتباعه من الإنس فقال تعالى: وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ و في المراد بقوله:

لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ وجوه:

القول الأول: قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، و أهل النار في النار، أخذ أهل النار في لوم إبليس و تقريعه فيقوم في النار فيما بينهم خطيبا و يقول ما أخبر اللّه عنه بقوله: وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ .

القول الثاني: أن المراد من قوله: قُضِيَ اَلْأَمْرُ لما انقضت المحاسبة، و القول الأول أولى، لأن آخر أمر أهل القيامة استقرار المطيعين في الجنة و استقرار الكافرين في النار، ثم يدوم الأمر بعد ذلك.

و القول الثالث: و هو أن مذهبنا أن الفساق من أهل الصلاة يخرجون من النار و يدخلون الجنة فلا يبعد أن يكون المراد من قوله: لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ ذلك الوقت، لأن في ذلك الوقت تنقطع الأحوال المعتبرة، و لا يحصل بعده إلا دوام ما حصل قبل ذلك، و أما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان لفظ مفرد فيتناول الواحد و إبليس رأس الشياطين و رئيسهم، فحمل اللفظ عليه أولى، لا سيما و

قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «إذا جمع‏

85

اللّه الخلق و قضى بينهم يقول الكافر قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه و يسألونه فعند ذلك يقول هذا القول» .

أما قوله: إِنَّ اَللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ففيه مباحث:

البحث الأول: المراد أن اللّه تعالى وعدكم وعد الحق و هو البعث و الجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم و وعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم، و تقرير الكلام أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية و لا تتصور كيفية السعادات الأخروية و الكمالات النفسانية و اللّه يدعو إليها و يرغب فيها كما قال: وَ اَلْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ََ [الأعلى: 17].

البحث الثاني: قوله: وَعْدَ اَلْحَقِّ من باب إضافة الشي‏ء إلى نفسه كقوله: حَبَّ اَلْحَصِيدِ [ق: 9] و مسجد الجامع على قول الكوفيين، و المعنى: وعدكم الوعد الحق، و على مذهب البصريين يكون التقدير وعد اليوم الحق أو الأمر الحق أو يكون التقدير وعدكم الحق. ثم ذكر المصدر تأكيدا.

البحث الثالث: في الآية إضمار من وجهين: الأول: أن التقدير إن اللّه وعدكم وعد الحق فصدقكم و وعدتكم فأخلفتكم و حذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد، لأنهم كانوا يشاهدونها و ليس وراء العيان بيان و لأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك على الصدق في وعد اللّه تعالى. الثاني: أن في قوله:

وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ الوعد يقتضى مفعولا ثانيا و حذف هاهنا للعلم به، و التقدير: و وعدتكم أن لا جنة و لا نار و لا حشر و لا حساب.

أما قوله: وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ أي قدرة و مكنة و تسلط و قهر فأقهركم على الكفر /و المعاصي و ألجئكم إليها، إلا أن دعوتكم أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي و تزييني قال النحويون:

ليس الدعاء من جنس السلطان فقوله: إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ من جنس قولهم ما تحيتهم إلا الضرب، و قال الواحدي: إنه استثناء منقطع، أي لكن دعوتكم و عندي أنه يمكن أن يقال كلمة «إلا» هاهنا استثناء حقيقي، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة يكون بالقهر و القسر، و تارة يكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من أنواع التسلط، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان و على تعويج أعضائه و جوارحه، و على إزالة العقل عنه كما يقوله العوام و الحشوية، ثم قال: فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ يعني ما كان مني إلا الدعاء و الوسوسة، و كنتم سمعتم دلائل اللّه و شاهدتم مجي‏ء أنبياء اللّه تعالى فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي و لا تلتفتوا إلي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب. و في الآية مسألتان:

المسألة الأولى: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء: الأول: أنه لو كان الكفر و المعصية من اللّه تعالى لوجب أن يقال: فلا تلوموني و لا أنفسكم فإن اللّه قضى عليكم الكفر و أجبركم عليه. الثاني: ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان و على تعويج أعضائه و على إزالة العقل عنه كما تقول الحشوية و العوام. الثالث: أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يجوز ذمه و لومه و عقابه بسبب فعل الغير، و عند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم.

86

أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك به.

و أجاب الخصم عنه: بأنه لو كان هذا القول منه باطلا لبين اللّه بطلانه و أظهر إنكاره، و أيضا فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل و القول الفاسد. ألا ترى أن قوله: إِنَّ اَللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ كلام حق و قوله: وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ قول حق بدليل قوله تعالى: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ إِلاََّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغََاوِينَ [الحجر: 42].

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس، و ذلك لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة و الغضب و الوهم و الخيال لم يكن لوسوسته تأثير ألبتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس.

فإن قال قائل: بينوا لنا حقيقة الوسوسة.

قلنا: الفعل إنما يصدر عن الإنسان عند حصول أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيبا/لازما طبيعيا و بيانه أن أعضاء الإنسان بحكم السلامة الأصلية و الصلاحية الطبيعية صالحة للفعل و الترك، و الإقدام و الإحجام، فما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل، و ذلك الميل هو الإرادة الجازمة، و القصد الجازم. ثم إن تلك الإرادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم أو اعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر فإن لم يحصل فيه هذا الإعتقاد لم يحصل الميل لا إلى الفعل و لا إلى الترك، فالحاصل أن الإنسان إذا أحس بشي‏ء ترتب عليه شعوره بكونه ملائما له أو بكونه منافرا له أو بكونه غير ملائم و لا منافر، فإن حصل الشعور بكونه ملائما له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل و إن حصل الشعور بكونه منافرا له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك، و إن لم يحصل لا هذا و لا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشي‏ء و لا إلى ضده، بل بقي الإنسان كما كان، و عند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة للفعل.

إذا عرفت هذا فنقول: صدور الفعل عن مجموع القدرة و الداعي الحاصل أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه و صدور الميل عن تصور كونه خيرا أو تصور كونه شرا أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل و حصول كونه خيرا أو تصورا كونه شرا عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه، فلم يبق للشيطان مدخل في شي‏ء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئا بأن يلقي إليه حديثه مثل أن الإنسان كان غافلا عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام، و هو عين ما حكى اللّه تعالى عنه أنه قال: وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاََ تَلُومُونِي يعني ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت مني و ما كان لي فيها أثر ألبتة. بقي في هذا المقام سؤالان:

السؤال الأول: كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان و إلقاء الوسوسة إليه.

و الجواب: للناس في الملائكة و الشياطين قولان:

القول الأول: أن ما سوى اللّه بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة: المتحيز، و الحال في المتحيز،

87

و الذي لا يكون متحيزا و لا حالا فيه، و هذا القسم الثالث لم يقم الدليل ألبتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به، و هذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات القدسية فهم الملائكة و إن كانت خبيثة داعية إلى الشرور و عالم الأجساد و منازل الظلمات فهم الشياطين.

إذا عرفت هذا فنقول: فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسما يحتاج إلى الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر، و النفس الإنسانية أيضا كذلك فلا يبعد على هذا التقدير في أن يلقى شي‏ء من تلك الأرواح أنواعا من الوساوس و الأباطيل إلى جوهر النفس الإنسانية، و ذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالا ثانيا، و هو أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع، فهي طوائف، و كل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح و البشر و سهولة الأمر، و هي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية، و طائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة و القوة و الغلظة، و عدم المبالاة بأمر من الأمور، و هي تكون منتسبة إلى روح آخر من الأرواح السماوية و هذه الأرواح البشرية كالأولاد لذلك الروح السماوي و كالنتائج الحاصلة، و كالفروع المتفرعة عليها، و ذلك الروح السماوي هو الذي يتولى إرشادها إلى مصالحها، و هو الذي يخصها بالإلهامات حالتي النوم و اليقظة. و القدماء كانوا يسمون ذلك الروح السماوي بالطباع التام و لا شك أن لذلك الروح السماوي الذي هو الأصل و الينبوع شعبا كثيرة و نتائج كثيرة و هي بأسرها تكون من جنس روح هذا الإنسان و هي لأجل مشاكلتها و مجانستها يعين بعضها بعضا على الأعمال اللائقة بها و الأفعال المناسبة لطبائعها، ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة و كانت تلك الإعانة مسماة بالإلهام. و إن كانت شريرة خبيثة قبيحة الأعمال كانت شياطين و كانت تلك الإعانة مسماة بالوسوسة، و ذكر بعض العلماء أيضا فيه احتمالا ثالثا، و هو أن النفوس البشرية و الأرواح الإنسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان و كملت فيها فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة، و بين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن و بين ما كان بدنا لتلك النفس المفارقة، فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا البدن و تصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن، و معاضدة لها على أفعالها و أحوالها بسبب هذه المشاكلة ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير و البركات كان ذلك إلهاما و إن كان في باب الشر كان وسوسة فهذه وجوه محتملة تفريعا على القول بإثبات جواهر قدسية مبرأة عن الجسمية و التحيز، و القول بالأرواح الطاهرة و الخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا محمد صلّى اللّه عليه و سلم.

و أما القول الثاني: و هو أن الملائكة و الشياطين لا بد و أن تكون أجساما فنقول: إن على/هذا التقدير يمتنع أن يقال إنها أجسام كثيفة، بل لا بد من القول بأنها أجسام لطيفة و اللّه سبحانه ركبها تركيبا عجيبا و هي أن تكون مع لطافتها لا تقبل التفرق و التمزق و الفساد و البطلان و نفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد ألا ترى أن الروح الإنسانية جسم لطيف، ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن فإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن، أليس أن جرم النار يسري في جرم الفحم، و ماء الورد

88

يسري في ورق الورد، و دهن السمسم يجري في جسم السمسم فكذا هاهنا، فظهر بما قررنا أن القول بإثبات الجن و الشياطين أمر لا تحيله العقول و لا تبطله الدلائل، و أن الإصرار على الإنكار ليس إلا من نتيجة الجهل و قلة الفطنة، و لما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول: الأحق و الأولى أن يقال: الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور، و الشياطين مخلوقون من الدخان و اللهب، كما قال اللّه تعالى: وَ اَلْجَانَّ خَلَقْنََاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نََارِ اَلسَّمُومِ [الحجر: 27]و هذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة، فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا محمد صلّى اللّه عليه و سلم.

السؤال الثاني: لم قال الشيطان: فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ و هو أيضا ملوم بسبب إقدامه على تلك الوسوسة الباطلة.

و الجواب: أراد بذلك فلا تلوموني على ما فعلتم و لوموا أنفسكم عليه، لأنكم عدلتم عما توجبه هداية اللّه تعالى لكم. ثم قال اللّه تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: مََا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ مََا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: بمغيثكم و لا منقذكم، قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث و المصرخ المغيث. يقال: صرخ فلان إذا استغاث و قال: وا غوثاه و أصرحته أغثته.

المسألة الثانية: قرأ حمزة: بمصرخي بكسر الياء. قال الواحدي: و هي قراءة الأعمش و يحيى بن وثاب.

قال الفراء: و لعلها من و هم القراء فإنه قل من سلم منهم عن الوهم و لعله أن الباء في قوله: بِمُصْرِخِيَّ خافضة لجملة هذه الكلمة و هذا خطأ لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك قال، و مما نرى أنهم و هموا فيه قوله: نُوَلِّهِ مََا تَوَلََّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء: 115]بجزم الهاء ظنوا و اللّه أعلم أن الجزم في الهاء و هو خطأ، لأن الهاء في موضع نصب و قد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه، و من النحويين من تكلف في ذكر وجه لصحته إلا أن الأكثرين قالوا إنه لحن و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى حكاية عنه: إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: «ما» في قوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ فيه قولان: الأول: إنها مصدرية و المعنى: كفرت بإشراككم إياى مع اللّه تعالى في الطاعة، و المعنى: أنه جحد ما كان يعتقده أولئك الأتباع من كون إبليس شريكا للّه تعالى في تدبير هذا العالم و كفر به، أو يكون المعنى أنهم كانوا يطيعون الشيطان في أعمال الشر كما كانوا قد يطيعون اللّه في أعمال الخير و هذا هو المراد بالإشراك. و الثاني: و هو قول الفراء أن المعنى أن إبليس قال: إني كفرت باللّه الذي أشركتموني به من قبل كفركم، و المعنى: أنه كان كفره قبل كفر أولئك الأتباع و يكون المراد بقوله: (ما) في هذا الموضع «من» و القول هو الأول، لأن الكلام إنما ينتظم بالتفسير الأول، و يمكن أن يقال أيضا الكلام منتظم على التفسير الثاني، و التقدير كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر و ما كان كفري بسبب وسوسة أخرى و إلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شي‏ء آخر سوى الوسوسة، و على هذا التقدير ينتظم الكلام.

أما قوله: إِنَّ اَلظََّالِمِينَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ فالأظهر أنه كلام اللّه عز و جل و أن كلام إبليس تم قبل هذا

89

الكلام، و لا يبعد أيضا أن يكون ذلك من بقية كلام إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار عن الإعانة و الإغاثة، و اللّه أعلم.

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة، شرح أحوال السعداء، و قد عرفت أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى: وَ أُدْخِلَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ و كونها دائمة أشير إليه بقوله: خََالِدِينَ فِيهََا و التعظيم حصل من وجهين: أحدهما: أن تلك المنافع إنما حصلت بإذن اللّه تعالى و أمره. و الثاني: قوله: تَحِيَّتُهُمْ فِيهََا سَلاََمٌ لأن بعضهم يحيي بعضا بهذه الكلمة، و الملائكة يحيونهم بها كما قال: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ*`سَلاََمٌ/عَلَيْكُمْ [الرعد: 23، 24]و الرب الرحيم يحييهم أيضا بهذه الكلمة كما قال: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58].

و اعلم أن السلام مشتق من السلامة و إلا ظهر أن المراد أنهم سلموا من آفات الدنيا و حسراتها أو فنون آلامها و أسقامها، و أنواع غمومها و همومها، و ما أصدق ما قالوا، فإن السلامة من محن عالم الأجسام الكائنة الفاسدة من أعظم النعم، لا سيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالبهجة الروحانية و السعادة الملكية.

المسألة الثانية: قرأ الحسن: وَ أُدْخِلَ اَلَّذِينَ آمَنُوا على معنى و أدخلهم أنا، و على هذه القراءة فقوله:

بِإِذْنِ رَبِّهِمْ متعلق بما بعده، أي تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم. يعني: أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

في قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً إلى قوله وَ فَرْعُهََا فِي اَلسَّمََاءِ اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال الأشقياء و أحوال السعداء، ذكر مثالا يبين الحال في حكم هذين القسمين، و هو هذا المثل. و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر شجرة موصوفة بصفات أربعة ثم شبه الكلمة الطيبة بها.

فالصفة الأولى: لتلك الشجرة كونها طيبة، و ذلك يحتمل أمورا. أحدها: كونها طيبة المنظر و الصورة و الشكل. و ثانيها: كونها طيبة الرائحة. و ثالثها: كونها طيبة الثمرة يعني أن الفواكه المتولدة منها تكون لذيذة مستطابة. و رابعها: كونها طيبة بحسب المنفعة يعني أنها كما يستلذ بأكلها فكذلك يعظم الانتفاع بها، و يجب حمل قوله: شجرة طيبة، على مجموع هذه الوجوه لأن اجتماعها يحصل كمال الطيب.

و الصفة الثانية: قوله: أَصْلُهََا ثََابِتٌ أي راسخ باق آمن الانقلاع و الانقطاع و الزوال و الفناء و ذلك لأن الشي‏ء الطيب إذا كان في معرض الانقراض و الانقضاء، فهو و إن كان يحصل الفرح بسبب وجدانه إلا أنه يعظم‏

90

الحزن بسبب الخوف من زواله و انقضائه، أما إذا علم من حاله أنه باق دائم لا يزول و لا ينقضي فإنه يعظم الفرح بوجدانه و يكمل السرور بسبب الفوز به.

و الصفة الثالثة: قوله: وَ فَرْعُهََا فِي اَلسَّمََاءِ و هذا الوصف يدل على كمال حال تلك الشجرة من وجهين: الأول: أن ارتفاع الأغصان و قوتها في التصاعد يدل على ثبات الأصل و رسوخ العروق. و الثاني: أنها متى كانت متصاعدة مرتفعة كانت بعيدة عن عفونات الأرض و قاذورات الأبنية فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب.

و الصفة الرابعة: قوله: تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهََا و المراد: أن الشجرة المذكورة كانت موصوفة بهذه الصفة، و هي أن ثمرتها لا بد أن تكون حاضرة دائمة في كل الأوقات، و لا تكون مثل الأشجار التي يكون ثمارها حاضرا في بعض الأوقات دون بعض، فهذا شرح هذه الشجرة التي ذكرها اللّه تعالى في هذا الكتاب الكريم و من المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة، و أن العاقل متى أمكنه تحصيلها و تملكها فإنه لا يجوز له أن يتغافل عنها و أن يتساهل في الفوز بها.

إذا عرفت هذا فنقول: معرفة اللّه تعالى و الاستغراق في محبته و في خدمته و طاعته، تشبه هذه الشجرة في هذه الصفات الأربع.

أما الصفة الأولى: و هي كونها طيبة فهي حاصلة، بل نقول: لا طيب و لا لذيذ في الحقيقة إلا هذه المعرفة و ذلك لأن اللذة الحاصلة بتناول الفاكهة المعينة إنما حصلت، لأن إدراك تلك الفاكهة أمر ملائم لمزاج البدن، فلأجل حصول تلك الملاءمة و المناسبة حصلت تلك اللذة العظيمة و هاهنا الملائم لجوهر النفس النطقية و الروح القدسية، ليس إلا معرفة اللّه تعالى و محبته و الاستغراق في الابتهاج به فوجب أن تكون هذه المعرفة لذيذة جدا، بل نقول: اللذة الحاصلة من إدراك الفاكهة يجب أن تكون أقل حالا من اللذة الحاصلة بسبب إشراق جوهر النفس بمعرفة اللّه و بيان هذا التفاوت من وجوه:

الوجه الأول: أن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة بسبب أن سطح الحاس يلاقي سطح المحسوس فقط، فأما أن يقال إن جوهر المحسوس نفذ في جوهر الحاس فليس الأمر كذلك، لأن الأجسام يمتنع تداخلها أما هاهنا فمعرفة اللّه تعالى و ذلك النور و ذلك الإشراق صار ساريا في جوهر/النفس متحدا به و كأن النفس عند حصول ذلك الإشراق تصير غير النفس التي كانت قبل حصول ذلك الإشراق فهذا فرق عظيم بين البابين.

و الوجه الثاني: في الفرق أن في الالتذاذ بالفاكهة المدرك هو القوة الذائقة، و المحسوس هو الطعم المخصوص و هاهنا المدرك هو جوهر النفس القدسية، و المعلوم و المشعور به هو ذات الحق جل جلاله، و صفات جلاله و إكرامه، فوجب أن تكون نسبة إحدى اللذتين إلى الأخرى كنسبة أحد المدركين إلى الآخر.

الوجه الثالث: في الفرق أن اللذات الحاصلة بتناول الفاكهة الطيبة كلما حصلت زالت في الحال، لأنها كيفية سريعة الاستحالة شديدة التغير، أما كمال الحق و جلاله فإنه ممتنع التغير و التبدل و استعداد جوهر النفس لقبول تلك السعادة أيضا ممتنع التغير، فظهر الفرق العظيم من هذا الوجه.

و اعلم أن الفرق بين النوعين يقرب أن يكون من وجوه غير متناهية فليكتف بهذه الوجوه الثلاثة تنبيها

91

للعقل السليم على سائرها. و أما الصفة الثانية و هي كون هذه الشجرة ثابتة الأصل، فهذه الصفة في شجرة معرفة اللّه تعالى أقوى و أكمل، و ذلك لأن عروق هذه الشجرة راسخة في جوهر النفس القدسية، و هذا الجوهر جوهر مجرد عن الكون و الفساد بعيد عن التغير و الفناء، و أيضا مدد هذا الرسوخ إنما هو من تجلي جلال اللّه تعالى، و هذا التجلي من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور النور و مبدأ الظهور، و ذلك مما يمتنع عقلا زواله لأنه سبحانه واجب الوجود لذاته، و واجب الوجود في جميع صفاته و التغير و الفناء و التبدل و الزوال و البخل و المنع محال في حقه، فثبت أن الشجرة الموصوفة بكونها ثابتة الأصل ليست إلا هذه الشجرة.

الصفة الثالثة: لهذه الشجرة كونها بحيث يكون فرعها في السماء.

و اعلم أن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي و أغصان صاعدة في هواء العالم الجسماني.

و أما النوع الأول: فهي أقسام كثيرة و يجمعها

قوله عليه السلام: «التعظيم لأمر اللّه»

و يدخل فيه التأمل في دلائل معرفة اللّه تعالى في عالم الأرواح، و في عالم الأجسام، و في أحوال عالم الأفلاك و الكواكب، و في أحوال العالم السفلي، و يدخل فيه محبة اللّه تعالى و الشوق إلى اللّه تعالى و المواظبة على ذكر اللّه تعالى و الاعتماد بالكلية على اللّه تعالى، و الانقطاع بالكلية عما سوى اللّه تعالى و الاستقصاء في ذكر هذه الأقسام غير مطموع فيه لأنها أحوال غير متناهية.

و أما النوع الثاني: فهي أقسام كثيرة و يجمعها

قوله عليه السلام: «و الشفقة على خلق اللّه»

/و يدخل فيه الرحمة و الرأفة و الصفح و التجاوز عن الذنوب، و السعي في إيصال الخير إليهم، و دفع الشر عنهم، و مقابلة الإساءة بالإحسان. و هذه الأقسام أيضا غير متناهية و هي فروع ثابتة من شجرة معرفة اللّه تعالى فإن الإنسان كلما كان أكثر توغلا في معرفة اللّه تعالى كانت هذه الأحوال عنده أكمل و أقوى و أفضل.

و أما الصفة الرابعة: فهي قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهََا فهذه الشجرة أولى بهذه الصفة من الأشجار الجسمانية، لأن شجرة المعرفة موجبة لهذه الأحوال و مؤثرة في حصولها و السبب لا ينفك عن المسبب فأثر رسوخ شجرة المعرفة في أرض القلب أن يكون نظره بالعبرة كما قال: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ [الحشر: 2]و أن يكون سماعه بالحكمة كما قال: اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: 18]و نطقه بالصدق و الصواب كما قال: كُونُوا قَوََّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدََاءَ لِلََّهِ وَ لَوْ عَلى‏ََ أَنْفُسِكُمْ [النساء: 135]و

قال عليه السلام: «قولوا الحق و لو على أنفسكم»

و هذا الإنسان كلما كان رسوخ شجرة المعرفة في أرض قلبه أقوى و أكمل، كان ظهور هذه الآثار عنده أكثر، و ربما توغل في هذا الباب فيصير بحيث كلما لا حظ شيئا لاحظ الحق فيه، و ربما عظم ترقيه فيه فيصير لا يرى شيئا إلا و قد كان قد رأى اللّه تعالى قبله. فهذا هو المراد من قوله سبحانه و تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهََا و أيضا فما ذكرناه إشارة إلى الإلهامات النفسانية و الملكات الروحانية التي تحصل في جواهر الأرواح، ثم لا يزال يصعد منها في كل حين و لحظة و لمحة كلام طيب و عمل صالح و خضوع و خشوع و بكاء و تذلل، كثمرة هذه الشجرة.

و أما قوله: بِإِذْنِ رَبِّهََا ففيه دقيقة عجيبة، و ذلك لأن عند حصول هذه الأحوال السنية، و الدرجات‏

92

العالية، قد يفرح الإنسان بها من حيث هي هي، و قد يترقى فلا يفرح بها من حيث إنها من المولى، و عند ذلك فيكون فرحه في الحقيقة بالمولى لا بهذه الأحوال، و لذلك قال بعض المحققين: من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالفاني، و من آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول، فقد ظهر بهذا التقرير الذي شرحناه و البيان الذي فصلناه أن هذا المثال الذي ذكره اللّه تعالى في هذا الكتاب مثال هاد إلى عالم القدس، و حضرة الجلال، و سرادقات الكبرياء، فنسأل اللّه تعالى مزيد الاهتداء و الرحمة إنه سميع مجيب، و ذكر بعضهم في تقرير هذا المثال كلاما لا بأس به، فقال: إنما مثل اللّه سبحانه و تعالى الإيمان بالشجرة، لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة، إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ، و أصل قائم، و أغصان عالية. كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: معرفة في القلب، و قول باللسان، و عمل بالأبدان. و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: في نصب قوله: كَلِمَةً طَيِّبَةً وجهان: الأول: أنه منصوب بمضمر و التقدير: جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة، و هو تفسير لقوله: ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً . الثاني: قال و يجوز أن ينتصب مثلا. و كلمة بضرب، أي ضرب كلمة طيبة مثلا بمعنى جعلها مثلا، و قوله: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ خبر مبتدأ محذوف، و التقدير: هي كشجرة طيبة. الثالث: قال صاحب «حل العقد» أظن أن الأوجه أن يجعل قوله:

كَلِمَةً عطف بيان، و الكاف في قوله: كَشَجَرَةٍ في محل النصب بمعنى مثل شجرة طيبة.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا اللّه، و الشجرة الطيبة هي النخلة في قول الأكثرين. و قال صاحب «الكشاف» : إنها كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة و شجرة التين و العنب و الرمان، و أراد بشجرة طيبة الثمرة، إلا أنه لم يذكرها لدلالة الكلام عليها أصلها، أي أصل هذه الشجرة الطيبة ثابت، و فرعها أي أعلاها في السماء، و المراد الهواء لأن كل ما سماك و علاك فهو سماء تُؤْتِي أي هذه الشجرة أُكُلَهََا أي ثمرها و ما يؤكل منها كل حين، و اختلفوا في تفسير هذا الحين فقال ابن عباس ستة أشهر، لأن بين حملها إلى صرامها ستة أشهر، جاء رجل إلى ابن عباس فقال: نذرت أن لا أكلم أخي حتى حين، فقال: الحين ستة أشهر، و تلا قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ و قال مجاهد و ابن زيد: سنة، لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة. و قال سعيد بن المسيب: شهران، لأن مدة إطعام النخلة شهران. و قال الزجاج: جميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهبون إلى أن الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أم قصرت، و المراد من قوله: تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ أنه ينتفع بها في كل وقت و في كل ساعة ليلا أو نهارا أو شتاء أو صيفا. قالوا:

و السبب فيه أن النخلة إذا تركوا عليها الثمر من السنة إلى السنة انتفعوا بها في جميع أوقات السنة. و أقول:

هؤلاء و إن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية، إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود، لأنه تعالى وصف هذه الشجرة الموصوفة بالصفات الأربع المذكورة شجرة شريفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها و تملكها لنفسه، سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن، لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل، و اختلافهم في تفسير الحين أيضا من هذا الباب، و اللّه أعلم بالأمور.

ثم قال: وَ يَضْرِبُ اَللََّهُ اَلْأَمْثََالَ لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ و المعنى: أن في ضرب الأمثال زيادة إفهام‏

93

و تذكير و تصوير للمعاني، و ذلك لأن المعاني العقلية المحضة لا يقبلها الحس و الخيال و الوهم، /فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات ترك الحس و الخيال و الوهم تلك المنازعة و انطبق المعقول على المحسوس و حصل به الفهم التام و الوصول إلى المطلوب.

و أما قوله تعالى: وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ اَلْأَرْضِ مََا لَهََا مِنْ قَرََارٍ .

فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل باللّه، فإنه أول الآفات و عنوان المخافات و رأس الشقاوات ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاثة:

الصفة الأولى: أنها تكون خبيثة فمنهم من قال إنها الثوم، لأنه صلّى اللّه عليه و سلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة، و قيل:

إنها الكراث. و قيل: إنها شجرة الحنظل لكثرة ما فيها من المضار و قيل: إنها شجرة الشوك.

و اعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بحسب الرائحة و قد تكون بحسب الطعم، و قد تكون بحسب الصورة و المنظر و قد تكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة و الشجرة الجامعة لكل هذه الصفات و إن لم تكن موجودة، إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعا في المطلوب.

و الصفة الثانية: قوله: اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ اَلْأَرْضِ و هذه الصفة في مقابلة قوله: أَصْلُهََا ثََابِتٌ و معنى اجتثت استؤصلت و حقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها، و قوله: مِنْ فَوْقِ اَلْأَرْضِ معناه: ليس لها أصل و لا عرق، فكذلك الشرك باللّه تعالى ليس له حجة و لا ثبات و لا قوة.

و الصفة الثالثة: قوله ما لها من قرار، و هذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية، و المعنى أنه ليس لها استقرار.

يقال: قر الشي‏ء قرارا كقولك: ثبت ثباتا، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت.

و اعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال، و ذلك لأنه تعالى بين كونها موصوفة بالمضار الكثيرة، و خالية عن كل المنافع أما كونها موصوفة بالمضار فإليه الإشارة بقوله: خَبِيثَةٍ و أما كونها خالية عن كل المنافع فإليه الإشارة بقوله: اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ اَلْأَرْضِ مََا لَهََا مِنْ قَرََارٍ و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بين أن صفة الكلمة الطيبة أن يكون أصلها ثابتا، و صفة الكلمة الخبيثة أن لا يكون لها أصل ثابت بل تكون منقطعة و لا يكون لها قرار ذكر أن ذلك القول الثابت الصادر عنهم في الحياة الدنيا يوجب ثبات كرامة اللّه لهم، و ثبات ثوابه عليهم، و المقصود بيان أن الثبات في المعرفة و الطاعة يوجب الثبات في الثواب و الكرامة من اللّه تعالى فقوله: يُثَبِّتُ اَللََّهُ أي على الثواب و الكرامة، و قوله: بِالْقَوْلِ اَلثََّابِتِ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ فِي اَلْآخِرَةِ أي بالقول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا.

ثم قال: وَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلظََّالِمِينَ يعني كما أن الكلمة الخبيثة ما كان لها أصل ثابت و لا فرع باسق فكذلك أصحاب الكلمة الخبيثة و هم الظالمون يضلهم اللّه عن كراماته و يمنعهم عن الفوز بثوابه و في الآية قول آخر و هو

94

القول المشهور أن هذه الآية وردت في سؤال الملكين في القبر، و تلقين اللّه المؤمن كلمة الحق في القبر عند السؤال و تثبيته إياه على الحق. و

عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال في قوله: يُثَبِّتُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثََّابِتِ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ فِي اَلْآخِرَةِ قال: «حين يقال له في القبر من ربك و ما دينك و من نبيك فيقول ربي اللّه و ديني الإسلام و نبي محمد صلّى اللّه عليه و سلم،

و المراد من الباء في قوله: بِالْقَوْلِ اَلثََّابِتِ هو أن اللّه تعالى إنما ثبتهم في القبر بسبب مواظبتهم في الحياة الدنيا على هذا القول، و لهذا الكلام تقرير عقلي و هو أنه كلما كانت المواظبة على الفعل أكثر كان رسوخ تلك الحالة في العقل و القلب أقوى، فكلما كانت مواظبة العبد على ذكر لا إله إلا اللّه و على التأمل في حقائقها و دقائقها أكمل و أتم كان رسوخ هذه المعرفة في عقله و قلبه بعد الموت أقوى و أكمل. قال ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته اللّه عليها في قبره و يلقنه إياها و إنما فسر الآخرة هاهنا بالقبر، لأن الميت انقطع بالموت عن أحكام الدنيا و دخل في أحكام الآخرة و قوله: وَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلظََّالِمِينَ يعني أن الكفار إذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري و إنما قال ذلك لأن اللّه أضله و قوله: وَ يَفْعَلُ اَللََّهُ مََا يَشََاءُ يعني إن شاء هدى و إن شاء أضل و لا اعتراض عليه في فعله ألبتة.

اعلم أنه تعالى عاد إلى وصف أحوال الكفار في هذه الآية فقال: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ كُفْراً نزل في أهل مكة حيث أسكنهم اللّه تعالى حرمه الآمن و جعل عيشهم في السعة و بعث فيهم محمدا صلّى اللّه عليه و سلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنواعا من الأعمال القبيحة.

النوع الأول: قوله: بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ كُفْراً و فيه وجوه: الأول: يجوز أن يكون بدلوا شكر نعمة اللّه كفرا، لأنه لما وجب عليهم الشكر بسبب تلك النعمة أتوا بالكفر، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر و بدلوه تبديلا.

و الثاني: أنهم بدلوا نفس نعمة اللّه كفرا لأنهم لما كفروا سلب اللّه تلك النعمة عنهم فبقي الكفر معهم بدلا من النعمة. الثالث: أنه تعالى أنعم عليهم بالرسول و القرآن فاختاروا الكفر على الإيمان.

و النوع الثاني: ما حكى اللّه تعالى عنهم قوله: وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دََارَ اَلْبَوََارِ و هو الهلاك يقال رجل بائر و قوم بور، و منه قوله تعالى: وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً [الفتح: 12]و أراد بدار البوار جهنم بدليل أنه فسرها بجهنم فقال: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهََا وَ بِئْسَ اَلْقَرََارُ أي المقر و هو مصدر سمي به.

النوع الثالث: من أعمالهم القبيحة قوله: وَ جَعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم بدلوا نعمة اللّه كفرا ذكر أنهم بعد أن كفروا باللّه جعلوا له أندادا، و المراد من هذا الجعل الحكم و الاعتقاد و القول، و المراد من الأنداد الأشباه و الشركاء، و هذا الشريك يحتمل وجوها: أحدها: أنهم جعلوا للأصنام حظا فيما أنعم اللّه به عليهم نحو قولهم هذا للّه و هذا لشركائنا.

و ثانيها: أنهم شركوا بين الأصنام و بين خالق العالم في العبودية. و ثالثها: أنهم كانوا يصرحون بإثبات الشركاء للّه و هو قولهم في الحج لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه و ما ملك.

95

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و أبو عمرو ليضلوا بفتح الياء من ضل يضل و الباقون بضم الياء من أضل غيره يضل.

المسألة الثالثة: اللام في قوله: لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ لام العاقبة لأن عبادة الأوثان سبب يؤدي إلى الضلال و يحتمل أن تكون لام كي، أي الذين اتخذوا الوثن كي يضلوا غيرهم هذا إذا قرئ/بالضم فإنه يحتمل الوجهين، و إذا قرئ بالنصب فلا يحتمل إلا لام العاقبة لأنهم لم يريدوا ضلال أنفسهم. و تحقيق القول في لام العاقبة أن المقصود من الشي‏ء لا يحصل إلا في آخر المراتب كما قيل أول الفكر آخر العمل. و كل ما حصل في العاقبة كان شبيها بالأمر المقصود في هذا المعنى، و المشابهة أحد الأمور المصححة لحسن المجاز، فلهذا السبب حسن ذكر اللام في العاقبة، و لما حكى اللّه تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى اَلنََّارِ و المراد أن حال الكافر في الدنيا كيف كانت، فإنها بالنسبة إلى ما سيصل إليه من العقاب في الآخرة تمتع و نعيم، فلهذا المعنى قال: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى اَلنََّارِ و أيضا إن هذا الخطاب مع الذين حكى اللّه عنهم أنهم بدلوا نعمة اللّه كفرا، فأولئك كانوا في الدنيا في نعم كثيرة فلا جرم حسن قوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى اَلنََّارِ و هذا الأمر يسمى أمر التهديد و نظيره قوله تعالى: اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ [فصلت: 40]و كقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ [الزمر: 8].

اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد و الوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا و المبالغة في المجاهدة بالنفس و المال، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي لعبادي بسكون الياء، و الباقون: بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب.

المسألة الثانية: في قوله: يُقِيمُوا وجهان: الأول: يجوز أن يكون جوابا لأمر محذوف هو المقول تقديره: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة و أنفقوا يقيموا الصلاة و ينفقوا. الثاني: يجوز أن يكون هو أمرا مقولا محذوفا منه لام الأمر، أي ليقيموا كقولك: قل لزيد ليضرب عمرا و إنما جاز حذف اللام، لأن قوله:

قُلْ عوض منه و لو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز.

المسألة الثالثة: أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شي‏ء إلا في نفسه أو في ماله. أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة و أما المال فيجب/صرفه إلى البذل في طاعة اللّه تعالى. فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة، و هي الإيمان و الصلاة و الزكاة و تمام ما يجب أن يقال في هذه الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: 3].

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أن الرزق لا يكون حراما، لأن الآية دلت على أن الانفاق

96

من الرزق ممدوح، و لا شي‏ء من الانفاق من الحرام بممدوح فينتج أن الرزق ليس بحرام. و قد مر تقرير هذا الكلام مرارا.

المسألة الخامسة: في انتصاب قوله: سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً وجوه: أحدها: أن يكون على الحال أي ذوي سر و علانية بمعنى مسرين و معلنين. و ثانيها: على الظرف أي وقت سر و علانية. و ثالثها: على المصدر أي انفاق سر و انفاق علانية و المراد إخفاء التطوع و إعلان الواجب.

و اعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة قال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاََ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاََ خِلاََلٌ قال أبو عبيدة: البيع هاهنا الفداء و الخلال المخالة، و هو مصدر من خاللت خلالا و مخالة، و هي المصادقة. قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه و لا شراء و لا مخالة و لا قرابة، فكأنه تعالى يقول: أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا تحصل فيه مبايعة و لا مخالة. و نظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة: لاََ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاََ خُلَّةٌ وَ لاََ شَفََاعَةٌ [البقرة: 254].

فإن قيل: كيف نفي المخالة في هاتين الآيتين، مع أنه تعالى أثبتها في قوله: اَلْأَخِلاََّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67].

قلنا: الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبيعة و رغبة النفس، و الآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية اللّه تعالى و محبة اللّه تعالى و اللّه أعلم.

اعلم أنه لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء و أحوال الأشقياء، و كانت العمدة العظمى و المنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة اللّه تعالى بذاته و بصفاته، و في حصول الشقاوة فقدان هذه المعرفة، لا جرم ختم اللّه تعالى وصف أحوال السعداء و الأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع و كمال علمه و قدرته، و ذكر هاهنا عشرة أنواع من الدلائل. أولها: خلق السموات. و ثانيها: خلق الأرض، و إليهما الإشارة بقوله تعالى:

اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ . و ثالثها: وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ .

و رابعها: قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ و خامسها: قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْأَنْهََارَ .

و سادسها و سابعها: قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ دََائِبَيْنِ . و ثامنها و تاسعها: قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ . و عاشرها: قوله: وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ و هذه الدلائل العشرة قد مر ذكرها في هذا الكتاب و تقريرها و تفسيرها مرارا و أطوارا و لا بأس بأن نذكر هاهنا بعض الفوائد. الحجة الأولى و الثانية قوله تعالى اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فاعلم أن قوله تعالى: اَللََّهُ مبتدأ، و قوله: اَلَّذِي خَلَقَ خبره. ثم إنه تعالى بدأ بذكر خلق السموات و الأرض، و قد ذكرنا في هذا الكتاب أن‏

97

السماء و الأرض من كم وجه تدل على وجود الصانع الحكيم، و إنما بدأ بذكرهما هاهنا لأنهما هما الأصلان اللذان يتفرع عليهما سائر الأدلة المذكورة بعد ذلك فإنه قال بعده: الحجة الثالثة وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ و فيه مباحث:

البحث الأول: لولا السماء لم يصح إنزال الماء منها و لولا الأرض لم يوجد ما يستقر الماء فيه، فظهر أنه لا بد من وجودهما حتى يحصل هذا المقصود و هذا المطلوب.

البحث الثاني: قوله: وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً و فيه قولان: الأول: أن الماء نزل من السحاب و سمي السحاب سماء اشتقاقا من السمو، و هو الارتفاع. و الثاني: أنه تعالى أنزله من نفس السماء و هذا بعيد، لأن الإنسان ربما كان واقفا على قلة جبل عال و يرى الغيم أسفل منه فإذا نزل من ذلك الجبل يرى ذلك الغيم ماطرا عليهم و إذا كان هذا أمرا مشاهدا بالبصر كان النزاع فيه باطلا.

البحث الثالث: قال قوم: إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة، و ذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين، لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق و المتاعب، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها، و إذا كان المرء يترك الراحة و اللذات طلبا لهذه الخيرات الحقيرة، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب اللّه تعالى و يتخلص عن عقابه أولى. و لهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال اللّه تعالى كل نفس مشتهاها من غير تعب و لا نصب، هذا قول المتكلمين. و قال قوم آخرون: إنه تعالى يحدث الثمار و الزروع بواسطة هذا الماء النازل من السماء، و المسألة كلامية محضة، و قد ذكرناه في سورة البقرة.

البحث الرابع: قال أبو مسلم: لفظ اَلثَّمَرََاتِ يقع في الأغلب على ما يحصل على الأشجار، و يقع أيضا على الزروع و النبات، كقوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذََا أَثْمَرَ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصََادِهِ [الأنعام: 141].

البحث الخامس: قال تعالى: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ و المراد أنه تعالى إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقا لنا، و المقصود أنه تعالى قصد بتخليق هذه الثمرات إيصال الخير و المنفعة إلى المكلفين، لأن الإحسان لا يكون إحسانا إلا إذا قصد المحسن بفعله إيصال النفع إلى المحسن إليه.

البحث السادس: قال صاحب «الكشاف» : قوله: مِنَ اَلثَّمَرََاتِ بيان للرزق، أي أخرج به رزقا هو ثمرات، و يجوز أن يكون من الثمرات مفعول أخرج و رزقا حال من المفعول أو نصبا على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق، و التقدير: و رزق من الثمرات رزقا لكم.

فأما الحجة الرابعة: و هي قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ و نظيره قوله تعالى: وَ مِنْ آيََاتِهِ اَلْجَوََارِ فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاََمِ [الشورى: 32]ففيها مباحث:

البحث الأول: أن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجاري في البحر، و ذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من أنعمه حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض و بالعكس كثر الربح في التجارات، ثم إن هذا النقل لا يمكن إلا بسفن البر و هي الجمال أو

98

بسفن البحر و هي الفلك المذكور في هذه الآية. فإن قيل: ما معنى و سخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد؟ قلنا: أما على قولنا إن فعل العبد خلق اللّه تعالى فلا سؤال، و أما على مذهب المعتزلة فقد أجاب القاضي عنه فقال: لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن و لولا خلقه/للحديد و سائر الآلات و لولا تعريفه العباد كيف يتخذوه و لولا أنه تعالى خلق الماء على صفة السيلان التي باعتبارها يصح جري السفينة، و لولا خلقه تعالى الرياح و خلق الحركات القوية فيها و لولا أنه وسع الأنهار و جعل فيها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال، و هو المدبر لهذه الأمور و المسخر لها حسنت إضافة السفن إليه.

البحث الثاني: أنه تعالى أضاف ذلك التسخير إلى أمره لأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل و إنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيما لشأنه، و منهم من حمله على ظاهر قوله: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40]و تحقيق هذا الوجه راجع إلى ما ذكرناه.

البحث الثالث: الفلك من الجمادات فتسخيرها مجاز، و المعنى أنه لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له.

الحجة الخامسة: قوله تعالى: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْأَنْهََارَ و اعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار و العيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع و النبات، و أيضا ماء البحر لا يصلح للشرب، و الصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار.

الحجة السادسة و السابعة: قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ دََائِبَيْنِ .

و اعلم أن الانتفاع بالشمس و القمر عظيم، و قد ذكره اللّه تعالى في آيات منها قوله: وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ اَلشَّمْسَ سِرََاجاً [نوح: 16]و منها قوله: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبََانٍ [الرحمن: 5]و منها قوله:

وَ جَعَلَ فِيهََا سِرََاجاً وَ قَمَراً مُنِيراً [الفرقان: 61]و منها قوله: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً [يونس: 5]و قوله: دََائِبَيْنِ معنى الدؤب في اللغة مرور الشي‏ء في العمل على عادة مطردة يقال دأب يدأب دأبا و دؤبا و قد ذكرنا هذا في قوله: قََالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً [يوسف: 47]قال المفسرون: قوله:

دََائِبَيْنِ معناه يدأبان في سيرهما و إنارتهما و تأثيرهما في إزالة الظلمة و في إصلاح النبات و الحيوان فإن الشمس سلطان النهار و القمر سلطان الليل و لولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة، و لولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية و قد ذكرنا منافع الشمس و القمر بالاستقصاء في أول هذا الكتاب.

الحجة الثامنة و التاسعة: قوله: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ .

و اعلم أن منافعهما مذكورة في القرآن كقوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اَللَّيْلَ لِبََاساً*`وَ جَعَلْنَا اَلنَّهََارَ مَعََاشاً [النبأ:

10، 11]و قوله: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ اَلنَّهََارَ مُبْصِراً [يونس: 67]قال و لمتكلمون:

تسخير الليل و النهار مجاز لأنهما عرضان، و الأعراض لا تسخر.

و الحجة العاشرة: قوله: وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ ثم إنه تعالى لما ذكر تلك النعمة العظيمة بين‏

99

بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها، بل أعطى عباده من المنافع و المرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد و الإحصاء فقال: وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ و المفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئا، و قرئ: من كل بالتنوين و مََا سَأَلْتُمُوهُ نفي و محله نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه و يجوز أن تكون «ما» موصولة و التقدير: آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه و لم تصلح أحوالكم و معايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا قال الواحدي: النعمة هاهنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم اللّه عليه، ينعم إنعاما و نعمة أقيم الاسم مقام الإنعام كقوله: أنفقت عليه إنفاقا و نفقة بمعنى واحد، و لذلك لم يجمع لأنه في معنى المصدر، و معنى قوله: لاََ تُحْصُوهََا أي لا تقدرون على تعديد جميعها لكثرتها.

و اعلم أن الإنسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم اللّه ممتنع، فعليه أن يتأمل في شي‏ء واحد ليعرف عجز نفسه عنه و نحن نذكر منه مثالين.

المثال الأول: أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان، منها دماغية و منها نخاعية. أما الدماغية فإنها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الأرواح السبعة، ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة و كل واحد من تلك الشعب أيضا إلى شعب دقيقة أدق من الشعر و لكل واحد منها ممر إلى الأعضاء و لو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية أو بسبب الكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية، ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جدا، و لكل واحدة منها حكمة مخصوصة، فإذا نظر الإنسان في هذا المعنى عرف أن اللّه تعالى بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه و عرف قطعا أنه لا سبيل له إلى الوقوف عليها و الاطلاع على أحوالها و عند هذا يقطع بصحة قوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا و كما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين و الأوردة، و في كل واحد من الأعضاء البسيطة و المركبة بحسب الكمية و الكيفية و الوضع و الفعل و الانفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحرا لا ساحل له، و إذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان الواحد فاعرف أقسام نعم اللّه تعالى في نفسه و روحه، فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجساد ثم لما اعتبرت حالة الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الأفلاك و الكواكب و طبقات العناصر و عجائب البر و البحر و النبات و الحيوان و عند هذا تعرف/أن عقول جميع الخلائق لو ركبت و جعلت عقلا واحدا ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة اللّه تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل، فسبحانه تقدس عن أوهام المتوهمين.

المثال الثاني: أنك إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها و إلى ما بعدها أما الأمور التي قبلها: فاعرف أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم و لا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائما على الوجه الأصوب، لأن الحنطة لا بد منها، و أنها لا تنبت إلا معونة الفصول الأربعة، و تركيب الطبائع و ظهور الرياح و الأمطار، و لا يحصل شي‏ء منها إلا بعد دوران الأفلاك، و اتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات، و في كيفيتها في الجهة و السرعة و البطء ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن و الخبز، و هي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال، ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات‏

100

أخرى حديدية سابقة عليها، و لا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات، فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة، و هي الأرض و الماء و الهواء و النار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق. فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة. و أما النظر فيما بعد حصولها: فتأمل في تركيب بدن الحيوان، و هو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة، و أنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل و في أي الأعضاء تحدث تلك المضار، و لا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح و علم الطب بالكلية، فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور، و العقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث، فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا ثم إنه تعالى قال:

إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَظَلُومٌ كَفََّارٌ قيل: يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها. و قيل: ظلوم في الشدة يشكو و يجزع، كفار في النعمة يجمع و يمنع، و المراد من الإنسان هاهنا: الجنس، يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه، و هاهنا بحثان:

البحث الأول: أن الإنسان مجبول على النسيان و على الملالة، فإذا وجد نعمة نسيها في الحال و ظلمها بترك شكرها، و إن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة، و أيضا أن نعم اللّه كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي.

البحث الثاني: أنه تعالى قال في هذا الموضع: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَظَلُومٌ كَفََّارٌ و قال في سورة النحل: إِنَّ اَللََّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 18]و لما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول: إذا حصلت النعم/الكثيرة فأنت الذي أخذتها و أنا الذي أعطيتها، فحصل لك عند أخذها وصفان: و هما كونك ظلوما كفارا، و لي وصفان عند إعطائها و هما كوني غفورا رحيما، و المقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوما فأنا غفور، و إن كنت كفارا فأنا رحيم أعلم عجزك و قصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير و لا أجازي جفاء إلا بالوفاء، و نسأل اللّه حسن العاقبة و الرحمة.

اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا اللّه سبحانه و أنه لا يجوز عبادة غيره تعالى ألبتة حكى عن إبراهيم عليه السلام مبالغته في إنكار عبادة الأوثان.

و اعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من اللّه أشياء: أحدها: قوله: رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً و المراد: مكة آمنا ذا أمن.

فإن قيل: أي فرق بين قوله: اِجْعَلْ هََذََا بَلَداً آمِناً [البقرة: 126]و بين قوله: اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً .

قلنا: سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فلا يخافون، و في الثاني: أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها، و هي الخوف، و يحصل لها ضد تلك الصفة و هو الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا، و قد تقدم تفسيره في سورة البقرة. و ثانيها: قوله: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ و فيه مسائل:

101

المسألة الأولى: قرئ وَ اُجْنُبْنِي و فيه ثلاث لغات جنبه و اجنبه و جنبه. قال الفراء: أهل الحجاز يقول جنبني يجنبني بالتخفيف. و أهل نجد يقولون جنبني شره و أجنبني شره، و أصله جعل الشي‏ء عن غيره على جانب و ناحية.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: الإشكال على هذه الآية من وجوه: أحدها: أن إبراهيم عليه السلام دعا ربه أن يجعل مكة آمنا، و ما قبل اللّه دعاءه، لأن جماعة خربوا الكعبة و أغاروا على/مكة. و ثانيها: أن الأنبياء عليهم السلام لا يعبدون الوثن ألبتة، و إذا كان كذلك فما الفائدة في قوله أجنبني عن عبادة الأصنام. و ثالثها: أنه طلب من اللّه تعالى أن لا يجعل أبناءه من عبدة الأصنام و اللّه تعالى لم يقبل دعاءه، و لأن كفار قريش كانوا من أولاده، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام.

فإن قالوا: إنهم ما كانوا أبناء إبراهيم و إنما كانوا أبناء أبنائه، و الدعاء مخصوص بالأبناء، فنقول: فإذا كان المراد من أولئك الأبناء أبناءه من صلبه، و هم ما كانوا إلا إسماعيل و إسحاق، و هما كانا من أكابر الأنبياء و قد علم أن الأنبياء لا يعبدون الصنم، فقد عاد السؤال في أنه ما الفائدة في ذلك الدعاء.

و الجواب عن السؤال الأول من وجهين: الأول: أنه نقل أنه عليه السلام لما فرغ من بناء الكعبة ذكر هذا الدعاء، و المراد منه: جعل تلك البلدة آمنة من الخراب. و الثاني: أن المراد جعل أهلها آمنين، كقوله: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]أي أهل القرية، و هذا الوجه عليه أكثر المفسرين، و على هذا التقدير فالجواب من وجهين:

الوجه الأول: ما اختصت به مكة من حصول مزيد من الأمن، و هو أن الخائف كان إذا التجأ إلى مكة أمن، و كان الناس مع شدة العداوة بينهم يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضا، و من ذلك أمن الوحش فإنهم يقربون من الناس إذا كانوا بمكة، و يكونون مستوحشين عن الناس خارج مكة، فهذا النوع من الأمن حاصل في مكة فوجب حمل الدعاء عليه.

و الوجه الثاني: أن يكون المراد من قوله: اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً أي بالأمر و الحكم بجعله آمنا و ذلك الأمر و الحكم حاصل لا محالة.

و الجواب: عن السؤال الثاني قال الزجاج: معناه ثبتني على اجتناب عبادتها كما قال: وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: 128]أي ثبتنا على الإسلام.

و لقائل أن يقول السؤال؟باق لأنه لما كان من المعلوم أنه تعالى يثبت الأنبياء عليهم السلام على الاجتناب من عبادة الأصنام فما الفائدة في هذا السؤال و الصحيح عندي في الجواب و جهان: الأول: أنه عليه السلام و إن كان يعلم أنه تعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه ذكر ذلك هضما للنفس و إظهارا للحاجة و الفاقة إلى فضل اللّه في كل المطالب. و الثاني: أن الصوفية يقولون: إن الشرك نوعان: شرك جلي و هو الذي يقول به المشركون، و شرك خفي و هو تعليق القلب بالوسائط و بالأسباب الظاهرة و التوحيد المحض هو أن ينقطع نظره عن الوسائط و لا يرى متصرفا سوى الحق سبحانه و تعالى فيحتمل أن يكون قوله: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ المراد منه أن يعصمه عن هذا الشرك الخفي و اللّه أعلم بمراده.

102

و الجواب عن السؤال الثالث من وجوه: الأول: قال صاحب «الكشاف» : قوله وَ بَنِيَّ أراد بنيه من صلبه و الفائدة في هذا الدعاء عين الفائدة التي ذكرناها في قوله: وَ اُجْنُبْنِي . و الثاني: قال بعضهم أراد من أولاده و أولاد أولاده كل من كانوا موجودين حال الدعاء و لا شبهة أن دعوته مجابة فيهم. الثالث: قال مجاهد:

لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السلام صنما، و الصنم هو التمثال المصور و ما ليس بمصور فهو وثن. و كفار قريش ما عبدوا التمثال و إنما كانوا يعبدون أحجارا مخصوصة و أشجارا مخصوصة، و هذا الجواب ليس بقوي، لأنه عليه السلام لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير اللّه تعالى و الحجر كالصنم في ذلك. الرابع: أن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده و الدليل عليه أنه قال في آخر الآية: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي و ذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، و نظيره قوله تعالى لنوح: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صََالِحٍ [هود: 46]. و الخامس: لعله و إن كان عمم في الدعاء إلا أن اللّه تعالى أجاب دعاءه في حق البعض دون البعض، و ذلك لا يوجب تحقير الأنبياء عليهم السلام، و نظيره قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: قََالَ إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً قََالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قََالَ لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 124].

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بقوله: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ على أن الكفر و الإيمان من اللّه تعالى، و تقرير الدليل أن إبراهيم عليه السلام طلب من اللّه أن يجنبه و يجنب أولاده من الكفر فدل ذلك على أن التبعيد من الكفر و التقريب من الإيمان ليس إلا من اللّه تعالى، و قول المعتزلة إنه محمول على الألطاف فاسد، لأنه عدول عن الظاهر، و لأنا قد ذكرنا وجوها كثيرة في إفساد هذا التأويل.

ثم حكى اللّه تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ و اتفق كل الفرق على أن قوله: أَضْلَلْنَ مجاز لأنها جمادات، و الجماد لا يفعل شيئا البتة، إلا أنه لما حصل الإضلال عند عبادتها أضيف إليها كما تقول فتنتهم الدنيا و غرتهم، أي افتتنوا بها و اغتروا بسببها.

ثم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي يعني من تبعني في ديني و اعتقادي فإنه مني، أي جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه بي و قربه مني و من عصاني في غير الدين فإنك غفور رحيم، و احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إبراهيم عليه السلام ذكر هذا الكلام و الغرض منه الشفاعة في حق أصحاب الكبائر من أمته، و الدليل عليه أن قوله: وَ مَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ صريح في طلب المغفرة و الرحمة لأولئك العصاة فنقول: أولئك العصاة إما أن يكونوا من الكفار أو لا يكونوا كذلك، و الأول باطل من وجهين: الأول: أنه عليه السلام بين في مقدمة هذه الآية أنه مبرأ عن الكفار و هو قوله: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ و أيضا قوله: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي يدل بمفهومه على أن من لم يتبعه/على دينه فإنه ليس منه و لا يهتم بإصلاح مهماته. و الثاني: أن الأمة مجمعة على أن الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر غير جائزة، و لما بطل هذا ثبت أن قوله: وَ مَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ شفاعة في العصاة الذين لا يكونون من الكفار.

و إذا ثبت هذا فنقول: تلك المعصية إما أن تكون من الصغائر أو من الكبائر بعد التوبة أو من الكبائر قبل التوبة، و الأول و الثاني باطلان لأن قوله: وَ مَنْ عَصََانِي اللفظ فيه مطلق فتخصيصه بالصغيرة عدول عن الظاهر، و أيضا فالصغائر و الكبائر بعد التوبة واجبة الغفران عند الخصوم فلا يمكن حمل اللفظ عليه، فثبت أن هذه الآية شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر قبل التوبة، و إذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم

103

عليه السلام ثبت حصولها في حق محمد صلّى اللّه عليه و سلم لوجوه: الأول: أنه لا قائل بالفرق. و الثاني: و هو أن هذا المنصب أعلى المناصب فلو حصل لإبراهيم عليه السلام مع أنه غير حاصل لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم لكان ذلك نقصانا في حق محمد عليه السلام. و الثالث: أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم مأمور بالاقتداء بإبراهيم عليه السلام لقوله تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدَى اَللََّهُ فَبِهُدََاهُمُ اِقْتَدِهْ [الأنعام: 90]و قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً فهذا وجه قريب في إثبات الشفاعة لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم و في إسقاط العقاب عن أصحاب الكبائر. و اللّه أعلم.

إذا عرفت هذا فلنذكر أقوال المفسرين: قال السدي معناه: و من عصاني ثم تاب، و قيل: إن هذا الدعاء إنما كان قبل أن يعلم أن اللّه تعالى لا يغفر الشرك، و قيل من عصاني بإقامته على الكفر فإنك غفور رحيم، يعني أنك قادر على أن تغفر له و ترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام، و قيل المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب بل يمهلهم حتى يتوبوا أو يكون المراد أن لا تعجل اخترامهم فتفوتهم التوبة. و اعلم أن هذه الوجوه ضعيفة.

أما الأول: و هو حمل هذه الشفاعة على المعصية بشرط التوبة فقد أبطلناه.

و أما الثاني: و هو قوله إن هذه الشفاعة إنما كانت قبل أن يعلم أن اللّه لا يغفر الشرك فنقول: هذا أيضا بعيد، لأنا بينا أن مقدمة هذه الآية تدل على أنه لا يجوز أن يكون مراد إبراهيم عليه السلام من هذا الدعاء هو الشفاعة في إسقاط عقاب الكفر.

و أما الثالث: و هو قوله المراد من كونه غفورا رحيما أن ينقله من الكفر إلى الإيمان فهو أيضا بعيد، لأن المغفرة و الرحمة مشعرة بإسقاط العقاب و لا إشعار فيهما بالنقل من صفة الكفر إلى صفة الإيمان و اللّه أعلم.

و أما الرابع: و هو أن تحمل المغفرة و الرحمة على تعجيل العقاب أو ترك تعجيل الإماتة فنقول هذا باطل، لأن كفار زماننا هذا أكثر منهم و لم يعاجلهم اللّه تعالى بالعقاب و لا بالموت مع أن أهل الإسلام متفقون على أنهم ليسوا مغفورين و لا مرحومين فبطل تفسير المغفرة و الرحمة على ترك تعجيل العقاب بهذا الوجه و ظهر بما ذكرنا صحة ما قررناه من الدليل و اللّه أعلم.

اعلم أنه سبحانه و تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أمورا سبعة.

المطلوب الأول: طلب من اللّه نعمة الأمان و هو قوله: رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً [البقرة: 126] و الابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم و الخيرات و أنه لا يتم شي‏ء من مصالح‏

104

الدين و الدنيا إلا به، و سئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة؟فقال: الأمن أفضل، و الدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي و الأكل و لو أنها ربطت في موضع و ربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف و لا تتناوله إلى أن تموت/و ذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.

و المطلوب الثاني: أن يرزقه اللّه التوحيد، و يصونه عن الشرك، و هو قوله: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ [إبراهيم: 35].

و المطلوب الثالث: قوله: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ فقوله:

مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعض ذريتي و هو إسماعيل و من ولد منه بِوََادٍ هو وادي مكة غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي ليس فيه شي‏ء من زرع، كقوله: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر: 28]بمعنى لا يحصل فيه اعوجاج عند بيتك المحرم، و ذكروا في تسميته المحرم وجوها: الأول: أن اللّه حرم التعرض له و التهاون به، و جعل ما حوله حرما لمكانه. الثاني: أنه كان لم يزل ممتنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشي‏ء المحرم الذي حقه أن يجتنب. الثالث:

سمي محرما لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه. الرابع: أنه حرم على الطوفان أي امتنع منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستعل عليه. الخامس: أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل. السادس: حرم موضع البيت حين خلق السموات و الأرض و حفه بسبعة من الملائكة، و هو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم، فرفع إلى السماء السابعة. السابع: حرم على عباده أن يقربوه بالدماء و الأقذار و غيرها:

روي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت له إسماعيل عليه السلام، فقالت سارة: كنت أرجو أن يهب اللّه لي ولدا من خليله فمنعنيه و رزقه خادمتي، و قالت لإبراهيم: أبعدهما مني فنقلهما إلى مكة و إسماعيل رضيع، ثم رجع فقالت هاجر: إلى من تكلنا؟فقال إلى اللّه. ثم دعا اللّه تعالى بقوله: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ إلى آخر الآية ثم إنها عطشت و عطش الصبي فانتهت بالصبي إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «رحم اللّه أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا» ثم إن إبراهيم عليه السلام عاد بعد كبر إسماعيل و اشتغل هو مع إسماعيل برفع قواعد البيت.

قال القاضي: أكثر الأمور المذكورة في هذه الحكاية بعيدة لأنه لا يجوز لإبراهيم عليه السلام أن ينقل ولده إلى حيث لا طعام و لا ماء مع أنه كان يمكنه أن ينقلهما إلى بلدة أخرى من بلاد الشام لأجل قول سارة إلا إذا قلنا: إن اللّه أعلمه أنه يحصل هناك ماء و طعام، و أقول: أما ظهور ماء زمزم فيحتمل أن يكون إرهاصا لإسمعيل عليه السلام، لأن ذلك عندنا جائز خلافا للمعتزلة و عند المعتزلة أنه معجزة لإبراهيم عليه السلام.

ثم قال: رَبَّنََا لِيُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ و اللام متعلقة بأسكنت أي أسكنت قوما من ذريتي، و هم إسماعيل و أولاده بهذا الوادي الذي لا زرع فيه ليقيموا الصلاة.

ثم قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ و فيه مباحث:

البحث الأول: قال الأصمعي هوى يهوي هويا بالفتح إذا سقط من علو إلى سفل. و قيل: تَهْوِي إِلَيْهِمْ تريدهم، و قيل: تسرع إليهم. و قيل: تنحط إليهم و تنحدر إليهم و تنزل، يقال: هوى الحجر من رأس الجبل يهوي إذا انحدر و انصب، و هوى الرجل إذا انحدر من رأس الجبل.