التفسير الكبير - ج19

- الفخر الرازي‏ المزيد...
181 /
105

البحث الثاني: أن هذا الدعاء جامع للدين و الدنيا. أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك و الطاعة للّه تعالى. و أما الدنيا: فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم، و يكثر طعامهم و لباسهم.

البحث الثالث: كلمة (من) في قوله: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ تفيد التبعيض، و المعنى:

فاجعل أفئدة بعض الناس مائلة إليهم. قال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس و الروم و الترك و الهند. و قال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس، لحجت اليهود و النصارى المجوس، و لكنه قال: أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ فهم المسلمون.

ثم قال: وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ و فيه بحثان:

البحث الأول: أنه لم يقل: و ارزقهم الثمرات، بل قال: وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ و ذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء اتصال بعض الثمرات إليهم.

البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات و إنما يكون المراد: عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها.

ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ و ذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات و إقامة الطاعات، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات و أداء الواجبات.

المطلوب الرابع: قوله: رَبَّنََا إِنَّكَ تَعْلَمُ مََا نُخْفِي وَ مََا نُعْلِنُ .

و اعلم أنه عليه السلام لما طلب من اللّه تيسير المنافع لأولاده و تسهيلها عليهم، ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال و نهايات الأمور في المستقبل، و أنه تعالى هو العالم بها المحيط بأسرارها، فقال: رَبَّنََا إِنَّكَ تَعْلَمُ مََا نُخْفِي وَ مََا نُعْلِنُ و المعنى: أنك أعلم بأحوالنا و مصالحنا و مفاسدنا منا، قيل: ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني و بين إسماعيل، و ما نعلن من البكاء، و قيل: ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب و ما نعلن يريد ما جرى بينه و بين هاجر حيث قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟/فقال إلى اللّه أكلكم، قالت اللّه أمرك بهذا؟قال نعم: قالت إذن لا نخشي.

ثم قال: وَ مََا يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ و فيه قولان: أحدهما: أنه كلام اللّه عز و جل تصديقا لإبراهيم عليه السلام كقوله: وَ كَذََلِكَ يَفْعَلُونَ [النحل: 34]و الثاني: أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني و ما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شي‏ء في كل مكان، و لفظ «من» يفيد الاستغراق كأنه قيل:

و ما يخفى عليه شي‏ء ما.

ثم قال: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ و فيه مباحث:

البحث الأول: اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام هذين الولدين أعني إسماعيل و إسحاق على الكبر و الشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن و إنما يرجع فيه إلى‏

106

الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا و تسعين سنة، و لما ولد إسحاق كان سنه مائة و اثنتي عشرة سنة و قيل ولد له إسماعيل لأربع و ستين سنة و ولد إسحاق لتسعين سنة، و عن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة و سبع عشرة سنة، و إنما ذكر قوله: عَلَى اَلْكِبَرِ لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة و الظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم، و لأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم.

فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عند ما أسكن إسماعيل و هاجر أمه في ذلك الوادي، و في ذلك الوقت ما ولد له إسحاق فكيف يمكنه أن يقول: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ .

قلنا قال القاضي: هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء. و يمكن أيضا أن يقال: إنه عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل و ظهور إسحاق و إن كان ظاهر الروايات بخلافه.

البحث الثاني: على في قوله: عَلَى اَلْكِبَرِ بمعنى مع كقول الشاعر:

إني على ما ترين من كبري # أعلم من حيث يؤكل الكتف‏

و هو في موضع الحال و معناه: وهب لي في حال الكبر.

البحث الثالث: في المناسبة بين قوله: رَبَّنََا إِنَّكَ تَعْلَمُ مََا نُخْفِي وَ مََا نُعْلِنُ وَ مََا يَخْفى‏ََ عَلَى اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ و بين قوله: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ و ذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من اللّه إعانتهما و إعانة ذريتهما بعد موته و لكنه لم يصرح بهذا/المطلوب، بل قال:

رَبَّنََا إِنَّكَ تَعْلَمُ مََا نُخْفِي وَ مََا نُعْلِنُ أي إنك تعلم ما في قلوبنا و ضمائرنا، ثم قال: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى اَلْكِبَرِ إِسْمََاعِيلَ وَ إِسْحََاقَ و ذلك يدل ظاهرا على أنهما يبقيان بعد موته و أنه مشغول القلب بسببهما فكان هذا دعاء لهما بالخير و المعونة بعد موته على سبيل الرمز و التعريض و ذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء

قال عليه السلام حاكيا عن ربه أنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»

ثم قال: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ اَلدُّعََاءِ .

و اعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز و التعريض لا على وجه الإيضاح و التصريح قال: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ اَلدُّعََاءِ أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به أو لم أصرح و قوله: سميع الدعاء. من قولك سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به و قبله و منه سمع اللّه لمن حمده.

المطلوب الخامس: قوله: رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاََةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي و فيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذا الآية على أن أفعال العبد مخلوقة للّه تعالى فقالوا إن قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ يدل على أن ترك المنهيات لا يحصل إلا من اللّه و قوله: رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاََةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي يدل على أن فعل المأمورات لا يحصل إلا من اللّه، و ذلك تصريح بأن إبراهيم عليه السلام كان مصرا على أن الكل من اللّه.

107

المسألة الثانية: تقدير الآية: رب اجعلني مقيم الصلاة و من ذريتي. أي و اجعل بعض ذريتي كذلك لأن كلمة «من» في قوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي للتبعيض، و إنما ذكر هذا التبعيض لأنه علم بإعلام اللّه تعالى أنه يكون في ذريته جمع من الكفار و ذلك قوله: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ .

المطلوب السادس: أنه عليه السلام لما دعا اللّه في المطالب المذكورة دعا اللّه تعالى في أن يقبل دعاءه فقال: رَبَّنََا وَ تَقَبَّلْ دُعََاءِ و قال ابن عباس: يريد عبادتي بدليل قوله تعالى: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [مريم: 48].

المطلوب السابع: قوله: رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْحِسََابُ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة الذنب فهذا يدل على أنه كان قد صدر الذنب عنه و إن كان قاطعا بأن اللّه يغفر له فكيف طلب تحصيل ما كان قاطعا بحصوله؟ و الجواب: المقصود منه الالتجاء إلى اللّه تعالى و قطع الطمع إلا من فضله و كرمه و رحمته.

المسألة الثانية: إن قال قائل كيف جاز أن يستغفر لأبويه و كانا كافرين؟ فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن المنع منه لا يعلم إلا بالتوقيف فلعله لم يجد منه منعا فظن كونه حائزا. الثاني: أراد بوالديه آدم و حواء. الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام.

و لقائل أن يقول: لو كان الأمر كذلك لما كان ذلك الاستغفار باطلا و لو لم يكن لبطل قوله تعالى: إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: 4]و قال بعضهم: كانت أمه مؤمنة، و لهذا السبب خص أباه بالذكر في قوله تعالى: فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلََّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [التوبة: 114]و اللّه أعلم و في قوله: يَوْمَ يَقُومُ اَلْحِسََابُ قولان: الأول: يقوم أي يثبت و هو مستعار من قيام القائم على الرجل، و الدليل عليه قولهم: قامت الحرب على ساقها، و نظيره قوله ترجلت الشمس، أي أشرقت و ثبت ضوءها كأنها قامت على رجل. الثاني: أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز مثل قوله: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]أي أهلها. و اللّه أعلم.

اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من اللّه أن يصونه عن الشرك، و طلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة و أن يخصه بالرحمة و المغفرة في يوم القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود يوم القيامة، و ما يدل على صفة يوم القيامة، أما الذي يدل على وجود القيامة فهو قوله: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَللََّهَ غََافِلاً عَمََّا يَعْمَلُ اَلظََّالِمُونَ فالمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم، لزم أن يكون إما غافلا عن ذلك الظالم أو عاجزا عن الانتقام، أو كان راضيا بذلك الظلم، و لما كانت الغفلة و العجز و الرضا بالظلم محالا على اللّه امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم.

فإن قيل: كيف يليق بالرسول صلّى اللّه عليه و سلّم أن يحسب اللّه موصوفا بالغفلة؟

108

و الجواب من وجوه: الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب اللّه غافلا، كقوله: وَ لاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ* [الأنعام: 14]. وَ لاََ تَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ [القصص: 88]و كقوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا* . و الثاني: /أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم، و لما كان امتناع هذه الغفلة معلوما لكل أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالا. و الثالث: أن المراد و لا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، و لكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير و القطمير. الرابع: أن يكون هذا الكلام و إن كان خطابا مع النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في الظاهر، إلا أنه يكون في الحقيقة خطابا مع الأمة، و عن سفيان بن عيينة:

أنه تسلية للمظلوم و تهديد للظالم، ثم بين تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات.

الصفة الأولى: أنه تشخص فيه الأبصار. يقال: شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا يطرفها، و شخوص البصر يدل على الحيرة و الدهشة و سقوط القوة.

و الصفة الثانية: قوله: مُهْطِعِينَ و في تفسير الإهطاع أقوال أربعة:

القول الأول: قال أبو عبيدة هو الإسراع. يقال: أهطع البعير في سيره و استهطع إذا أسرع و على هذا الوجه، فالمعنى: أن الغالب من حال من يبقى بصره شاخصا من شدة الخوف أن يبقى واقفا، فبين اللّه تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد، فإنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مهطعين، أي مسرعين نحو ذلك البلاء.

القول الثاني: في الإهطاع قال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل و خشوع.

و القول الثالث: المهطع الساكت.

و القول الرابع: قال الليث: يقال للرجل إذا قر و ذل أهطع.

الصفة الثالثة: قوله: مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ و الإقناع رفع الرأس و النظر في ذل و خشوع، فقوله: مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ أي رافعي رؤوسهم و المعنى أن المعتاد فيمن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه عنه لكي لا يراه، فبين تعالى أن حالهم بخلاف هذا المعتاد و أنهم يرفعون رؤوسهم.

الصفة الرابعة: قوله: لاََ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ و المراد من هذه الصفة دوام ذلك الشخوص، فقوله:

تَشْخَصُ فِيهِ اَلْأَبْصََارُ لا يفيد كون هذا الشخوص دائما و قوله: لاََ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ يفيد دوام هذا الشخوص، و ذلك يدل على دوام تلك الحيرة و الدهشة في قلوبهم.

الصفة الخامسة: قوله: وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوََاءٌ الهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ثم جعل وصفا فقيل:

قلب فلان هواء إذا كان خاليا لا قوة فيه، و المراد بيان أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخواطر و الأفكار لعظم ما ينالهم من الحيرة و من كل رجاء و أمل لما تحققوه من العقاب و من كل سرور، لكثرة ما فيه من الحزن، إذا عرفت هذه الصفات الخمسة فقد اختلفوا/في وقت حصولها فقيل: إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقيب وصف ذلك اليوم بأنه يوم يقوم الحساب، و قيل: إنها تحصل عند ما يتميز فريق عن فريق، و السعداء يذهبون إلى الجنة، و الأشقياء إلى النار. و قيل: بل يحصل عند إجابة الداعي و القيام من القبور، و الأول أولى للدليل الذي ذكرناه، و اللّه أعلم.

109

اعلم أن قوله: يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذََابُ فيه أبحاث:

البحث الأول: قال صاحب «الكشاف» : يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذََابُ مفعول ثان لقوله: وَ أَنْذِرِ و هو يوم القيامة.

البحث الثاني: الألف و اللام في لفظ اَلْعَذََابُ للمعهود السابق، يعني: و أنذر الناس يوم يأتيهم العذاب الذي تقدم ذكره و هو شخوص أبصارهم، و كونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم.

البحث الثالث: الإنذار هو التخويف بذكر المضار، و المفسرون مجمعون على أن قوله: يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذََابُ هو يوم القيامة، و حمله أبو مسلم على أنه حال المعاينة، و الظاهر يشهد بخلافه، لأنه تعالى وصف اليوم بأن عذابهم يأتي فيه و أنهم يسألون الرجعة، و يقال لهم: أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مََا لَكُمْ مِنْ زَوََالٍ و لا يليق ذلك إلا بيوم القيامة. و حجة أبي مسلم: أن هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [المنافقون: 10]ثم حكى اللّه سبحانه ما يقول الكفار في ذلك اليوم، فقال: فَيَقُولُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنََا/أَخِّرْنََا إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ اَلرُّسُلَ و اختلفوا في المراد بقوله: أَخِّرْنََا إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ فقال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرطوا فيه، و قال: بل طلبوا الرجوع إلى حال التكليف بدليل قولهم: نجب دعوتك و نتبع الرسل، و أما على قول أبي مسلم فتأويل هذه الآية ظاهر فقال تعالى مجيبا لهم: أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مََا لَكُمْ مِنْ زَوََالٍ و معناه ما ذكره اللّه تعالى في آية أخرى، و هو قوله تعالى: وَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لاََ يَبْعَثُ اَللََّهُ مَنْ يَمُوتُ [النحل: 38]إلى غير ذلك مما كانوا يذكرونه من إنكار المعاد فقرعهم اللّه تعالى بهذا القول لأن التقريع بهذا الجنس أقوى، و معنى: ما لكم من زوال، لا شبهة في أنهم كانوا يقولون لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى، و من هذه الدار إلى دار المجازاة، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت أو عن شباب إلى هرم أو عن فقر إلى غنى، }ثم إنه تعالى زادهم تقريعا آخر بقوله: وَ سَكَنْتُمْ فِي مَسََاكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني سكنتم في مساكن الذين كفروا قبلكم، و هم قوم نوح و عاد و ثمود، و ظلموا أنفسهم بالكفر و المعصية، لأن من شاهد هذه الأحوال وجب عليه أن يعتبر، فإذا لم يعتبر كان مستوجبا للذم و التقريع.

ثم قال: وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنََا بِهِمْ و ظهر لكم أن عاقبتهم عادت إلى الوبال و الخزي و النكال.

فإن قيل: و لما ذا قيل: وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنََا بِهِمْ و لم يكن القوم يقرون بأنه تعالى أهلكهم لأجل تكذيبهم؟ قلنا: إنهم علموا أن أولئك المتقدمين كانوا طالبين للدنيا ثم إنهم فنوا و انقرضوا فعند هذا يعلمون أنه لا

110

فائدة في طلب الدنيا، و الواجب الجد و الاجتهاد في طلب الدين، و الواجب على من عرف هذا أن يكون خائفا وجلا فيكون ذلك زجرا له هذا إذا قرئ بالتاء أما إذا قرئ بالنون فلا شبهة فيه لأن التقدير كأنه تعالى قال: أولم نبين لكم كيف فعلنا بهم، و ليس كل ما بين لهم تبينوه.

أما قوله: وَ ضَرَبْنََا لَكُمُ اَلْأَمْثََالَ فالمراد ما أورده اللّه في القرآن مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء و قادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل، و ذلك في كتاب اللّه كثير. و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة عقابهم أتبعها بذكر كيفية مكرهم فقال: وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: وَ قَدْ مَكَرُوا إلى ماذا يعود؟على وجوه: الأول: أن يكون الضمير عائدا إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم و هذا القول الصحيح لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. و الثاني: أن يكون المراد به قوم محمد صلّى اللّه عليه و سلّم و الدليل عليه قوله: وَ أَنْذِرِ اَلنََّاسَ [إبراهيم: 45]يا محمد و قد مكر قومك مكرهم و ذلك المكر هو الذي ذكره اللّه تعالى في قوله: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: 30]و قوله: مَكْرَهُمْ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم. الثالث: أن المراد من هذا المكر ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتا و ربط قوائمه الأربع بأربعة نسور، و كان قد جوعها و رفع فوق الجوانب الأربعة من التابوت عصيا أربعا و علق على كل واحدة منهن قطعة لحم ثم إنه جلس مع حاجبه في ذلك التابوت فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام و غابت الدنيا عن عين نمروذ و رأى السماء بحالها فنكس تلك العصي التي علق عليها اللحم فسفلت النسور و هبطت إلى الأرض، فهذا هو المراد من مكرهم. قال القاضي: و هذا بعيد جدا لأن الخطر فيه عظيم و لا يكاد العاقل يقدم عليه و ما جاء فيه خبر صحيح معتمد و لا حجة في تأويل الآية ألبتة.

المسألة الثانية: قوله: وَ عِنْدَ اَللََّهِ مَكْرُهُمْ فيه وجهان: الأول: أن يكون المكر مضافا إلى الفاعل كالأول. و المعنى: و مكتوب عند اللّه مكرهم فهو يجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه. و الثاني: أن يكون المكر مضافا إلى المفعول، و المعنى: و عند اللّه مكرهم الذي يمكر بهم و هو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون و لا يحتسبون.

أما قوله تعالى: وَ إِنْ كََانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبََالُ فاعلم أنه قرأ الكسائي وحده لِتَزُولَ بفتح اللام الأولى و رفع اللام الأخرى منه، و الباقون بكسر الأولى و نصب الثانية.

أما القراءة الأولى: فمعناها أن مكرهم كان معدا لأن تزول منه الجبال، و ليس المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه، بل التعظيم و التهويل و هو كقوله: تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم: 90].

و أما القراءة الثانية: فالمعنى: أن لفظ «إن» في قوله، وَ إِنْ كََانَ مَكْرُهُمْ بمعنى «ما» و اللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد و من سبيلها نصب الفعل المستقبل. و النحويون يسمونها لام الجحد و مثله قوله تعالى:

111

وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ [آل عمران: 179]. مََا كََانَ اَللََّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 179] و الجبال هاهنا مثل لأمر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و لأمر دين الإسلام و إعلامه و دلالته على معنى أن ثبوتها كثبوت الجبال الراسية /لأن اللّه تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان. و يدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية:

فَلاََ تَحْسَبَنَّ اَللََّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [إبراهيم: 47]أي قد وعدك الظهور عليهم و الغلبة لهم. و المعنى: و ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي و كان مكرهم أوهن و أضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد صلّى اللّه عليه و سلّم، و دلائل شريعته، و قرأ علي و عمرو: إِنْ كََانَ مَكْرُهُمْ .

اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَللََّهَ غََافِلاً عَمََّا يَعْمَلُ اَلظََّالِمُونَ [إبراهيم: 42]و قال في هذه الآية: فَلاََ تَحْسَبَنَّ اَللََّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ و المقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم يقم القيامة و لم ينتقم للمظلومين من الظالمين، لزم إما كونه غافلا و إما كونه مخلفا في الوعد، و لما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلا و قوله: مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ يعني قوله: إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا [غافر: 51]و قوله: كَتَبَ اَللََّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي [المجادلة: 21].

فإن قيل: هلا قيل مخلف رسله وعده، و لم قدم المفعول الثاني على الأول؟ قلنا: ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا، إن اللّه لا يخلف الميعاد، ثم قال: رُسُلَهُ ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحدا و ليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته و صفوته، و قرئ: مخلف وعد رسله بجر الرسل و نصب الوعد، و التقدير: مخلف رسله وعده، و هذه القراءة في الضعف، كمن قرأ قتل أولادهم شركائهم ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ أي غالب لا يماكر ذُو اِنتِقََامٍ لأوليائه.

اعلم أن اللّه تعالى لما قال: عَزِيزٌ ذُو اِنتِقََامٍ بين وقت انتقامه فقال: يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ و عظم من حال ذلك اليوم، لأنه لا أمر أعظم من العقول و النفوس من تغيير السموات و الأرض و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين، إما على الظرف لانتقام أو على البدل من قوله: يَوْمَ يَأْتِيهِمُ اَلْعَذََابُ .

المسألة الثانية: اعلم أن التبديل يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الذات باقية و تتبدل صفتها بصفة

112

أخرى. و الثاني: أن تفنى الذات الأولى و تحدث ذات أخرى، و الدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز، أنه يقال بدلت الحلقة خاتما إذا أذبتها و سويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل، و منه قوله تعالى: فَأُوْلََئِكَ يُبَدِّلُ اَللََّهُ سَيِّئََاتِهِمْ حَسَنََاتٍ [الفرقان: 70]و يقال: بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى، و يقال: تبدل زيد إذا تغيرت أحواله، و أما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير، و منه قوله: بَدَّلْنََاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهََا [النساء: 56]و قوله: بَدَّلْنََاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [سبأ: 16]إذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان:

القول الأول: أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها، فتسير عن الأرض جبالها و تفجر بحارها و تسوى، فلا يرى فيها عوج و لا أمت.

و

روى أبو هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «يبدل اللّه الأرض غير الأرض فيبسطها و يمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجا و لا أمتا»

و قوله: وَ اَلسَّمََاوََاتُ أي تبدل السموات غير السموات، و هو

كقوله عليه السلام: «لا يقتل مؤمن بكافر و لا ذو عهد في عهده»

و المعنى: و لا ذو عهد في عهده بكافر، و تبديل السموات بانتثار كواكبها و انفطارها، و تكوير شمسها، و خسوف قمرها، و كونها أبوابا، و أنها تارة تكون كالمهل و تارة تكون كالدهان.

و القول الثاني: أن المراد تبديل الذات. قال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم و لم تعمل عليها خطيئة، فهذا شرح هذين القولين، و من الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله:

يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ المراد هذه الأرض، و التبدل صفة مضافة إليها، و عند حصول الصفة لا بد و أن يكون الموصوف موجودا، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل، و لا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل، و إلا لامتنع حصول التبدل، فوجب أن يكون الباقي هو الذات. فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية، و القائلون بهذا القول هم الذين يقولون: إن عند قيام القيامة لا يعدم اللّه الذوات و الأجسام، و إنما يعدم صفاتها و أحوالها.

و اعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض و السموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم، و يجعل السموات الجنة، و الدليل عليه قوله تعالى: كَلاََّ إِنَّ كِتََابَ اَلْأَبْرََارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: 18] و قوله: كَلاََّ إِنَّ كِتََابَ اَلفُجََّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: 7]و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ بَرَزُوا لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ فنقول أما البروز للّه فقد فسرناه في قوله تعالى: وَ بَرَزُوا لِلََّهِ جَمِيعاً و إنما ذكر الواحد القهار هاهنا، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكان الأمر في غاية الصعوبة، و نظيره قوله: لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ [غافر: 16] و لما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارا بين عجزهم و ذلتهم، فقال: وَ تَرَى اَلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ .

و اعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم و ذلتهم أمورا:

فالصفة الأولى: كونهم مقرنين في الأصفاد. يقال: قرنت الشي‏ء بالشي‏ء إذا شددته به و وصلته. و القرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان. و جاء هاهنا على التكثير لكثرة أولئك القوم و الأصفاد جمع صفد و هو القيد.

113

إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: مُقَرَّنِينَ ثلاثة أوجه: أحدها: قال الكلبي: مقرنين كل كافر مع شيطان في غل، و قال عطاء: هو معنى قوله: وَ إِذَا اَلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ [التكوير: 70]أي قرنت فيقرن اللّه تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين، و نفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، و أقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا، فإما أن يكون قد راض نفسه و هذبها و دعاها إلى معرفة اللّه تعالى و طاعته و محبته، أو ما فعل ذلك، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية و الخيالة، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية، و السعادة/بالعناية الصمدانية، و إن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف و الحزن و البلاء الشديد، بسبب الميل إلى عالم الجسم، و هذا هو المراد بقوله: وَ إِذَا اَلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ و شيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة، و الحوادث الفاسدة، و هو المراد من قول عطاء: إن كل كافر مع شيطانه يكون مقرونا في الأصفاد.

و القول الثاني: في تفسير قوله: مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفََادِ هو قرن بعض الكفار ببعض، و المراد أن تلك النفوس الشقية و الأرواح المكدرة الظلمانية، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض، و تنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات، و الخسارات هي المراد بقوله: مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفََادِ .

و القول الثالث: قال زيد بن أرقم: قرنت أيديهم و أرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، و حظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح و الأعضاء، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة، صارت في المثال كأن أيديها و أرجلها قرنت و غلت في رقابها. و أما قوله: فِي اَلْأَصْفََادِ ففيه و جهان: أحدها: أن يكون ذلك متعلقا بمقرنين، و المعنى: يقربون بالأصفاد. و الثاني: أن لا يكون متعلقا به، و المعنى: أنهم مقرنون مقيدون، و حظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه.

الصفة الثانية: قوله تعالى: سَرََابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرََانٍ السرابيل جمع سربال و هو القميص، و القطران فيه ثلاث لغات: قطران و قطران و قطرن، بفتح القاف و كسرها مع سكون الطاء و بفتح القاف و كسر الطاء، و هو شي‏ء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ و يطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته، و قد تصل حرارته إلى داخل الجوف، و من شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار، و هو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل، و هي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب، لذع القطران و حرقته، و إسراع النار في جلودهم و اللون الوحش و نتن الريح، و أيضا التفاوت بين قطران القيامة و قطران الدنيا كالتفاوت بين النارين، و أقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس و غيبة الجلال، و هذا البدن جار مجرى السربال و القميص له، و كل ما يحصل للنفس من الآلام و الغموم، فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع و حرقة في جوهر النفس، لأن الشهوة و الحرص و الغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه، و كونه للكثافة و الكدورة و الظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه و هو سبب لحصول النتن و العفونة، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران و القطر، و قرأ/بعضهم من قطر آن و القطر النحاس أو الصفر المذاب و الآني المتناهي حره. قال أبو بكر بن الأنباري: و تلك النار لا تبطل ذلك القطران و لا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم و الأغلال التي كانت عليهم.

114

الصفة الثالثة: قوله تعالى: وَ تَغْشى‏ََ وُجُوهَهُمُ اَلنََّارُ و نظيره قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ اَلْعَذََابِ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ [الزمر: 24]و قوله: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنََّارِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ [القمر: 48].

و اعلم أن موضع المعرفة و النكرة و العلم و الجهل هو القلب، و موضع الفكر و الوهم و الخيال هو الرأس.

و أثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه، فلهذا السبب خص اللّه تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب: نََارُ اَللََّهِ اَلْمُوقَدَةُ*`اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ [الهمزة: 6، 7]و قال في الوجه: وَ تَغْشى‏ََ وُجُوهَهُمُ اَلنََّارُ بمعنى تتغشى، و لما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال: لِيَجْزِيَ اَللََّهُ كُلَّ نَفْسٍ مََا كَسَبَتْ قال الواحدي: المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان، و أقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله و كسبه و لما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر و المعصية، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور، و لما كان كسب المؤمنين الأيمان و الطاعة، كان اللائق بهم هو الثواب و أيضا أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ و المراد أنه تعالى لا يظلمهم و لا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه. و حظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي المبادي لحصول الآلام الروحانية و حصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة، و على هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها و قلتها و شدتها و ضعفها و ذلك يشبه الحساب.

ثم قال تعالى: هََذََا بَلاََغٌ لِلنََّاسِ أي هذا التذكير و الموعظة بلاغ للناس، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل: إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن، و قيل: بل إشارة إلى كل هذه السورة، و قيل: بل إشارة إلى المذكور من قوله: فَلاََ تَحْسَبَنَّ إلى قوله: سَرِيعُ اَلْحِسََابِ و أما قوله: وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا: وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ أي بهذا البلاغ.

ثم قال: وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّمََا هُوَ إِلََهٌ وََاحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا في هذا الكتاب مرارا أن النفس الإنسانية لها شعبتان: القوة النظرية و كمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها و أجناسها و أنواعها حتى تصير النفس كالمرآة/التي يتجلى فيها قدس الملكوت و يظهر فيها جلال اللاهوت و رئيس هذه المعارف و الجلاء، معرفة توحيد اللّه بحسب ذاته و صفاته و أفعاله.

و الشعبة الثانية: القوة العملية و سعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها، و رئيس سعادات هذه القوة طاعة اللّه و خدمته.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّمََا هُوَ إِلََهٌ وََاحِدٌ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية و قوله: وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة و الإقبال على الأعمال الصالحة، و هذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين.

115

المسألة الثانية: هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ و النصائح يوجب الوقوف على التوحيد و الإقبال على العمل الصالح، و الوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه التخويفات و التحذيرات عظم خوفه و اشتغل بالنظر و التأمل، فوصل إلى معرفة التوحيد و النبوة و اشتغل بالأعمال الصالحة.

المسألة الثالثة: قال القاضي: أول هذه السورة و آخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله، إن شاء أطاع و إن شاء عصى، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى: لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [إبراهيم: 1]فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين و التقوى و منعهم عن الكفر و المعصية، و أما آخر السورة فلأن قوله: وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة، و إنما ذكر هذه النصائح و المواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين و يتركوا الكفر و المعصية، فظهر أن أول هذه السورة و آخرها متطابقان في إفادة هذا المعنى. و اعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة فلا فائدة في الإعادة.

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان و لا منقبة له إلا بسبب عقله، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب، و إنما بعث الرسل لتذكير أولي الألباب، فلولا الشرف العظيم و المرتبة العالية لأولي الألباب لما كان الأمر كذلك.

قال المصنف رحمه اللّه تعالى و رضي عنه: تم تفسير هذه السورة يوم الجمعة في أواخر شعبان سنة إحدى و ستمائة ختم بالخير و الغفران في صحراء بغداد، و نسأل اللّه الخلاص من الغموم و الأحزان و الفوز بدرجات الجنان و الخلاص من دركات النيران، إنه الملك المنان، الرحيم الديان، بحمد اللّه و حسن توفيقه و صلاته و سلامه على خاتم النبيين محمد و آله و سلّم.

116

سورة الحجر

مكية، إلا آية: 87، فمدنية و آياتها: 99، نزلت بعد سورة يوسف بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

اعلم أن قوله: تِلْكَ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات. و المراد بالكتاب و القرآن المبين الكتاب الذي وعد اللّه تعالى به محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم و تنكير القرآن للتفخيم، و المعنى: تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا و في كونه قرآنا مفيدا للبيان.

أما قوله: رُبَمََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كََانُوا مُسْلِمِينَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع و عاصم رُبَمََا خفيفة الباء و الباقون مشددة قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربما، و قيس و بكر يثقلونها، و أقول في هذه اللفظة لغات، و ذلك لأن الراء من/رب وردت مضمومة و مفتوحة، أما إذا كانت مضمومة فالباء قد وردت مشددة و مخففة و ساكنة و على كل التقديرات تارة مع حرف ما، و تارة بدونها و أيضا تارة مع التاء و تارة بدونها و أنشدوا:

أسمى ما يدريك أن رب فتية # باكرت لذتهم بأذكر مسرع‏

و رب بتسكين الباء و أنشدوا بيت الهذلي:

أ زهير إن يشب القذال فإنني # رب هيضل مرس كففت بهيضل‏

و الهيضل جماعة متسلحة، و أيضا هذه الكلمة قد تجي‏ء حالتي تشديد الباء و تخفيفها مع حرف «ما» كقولك: ربما و ربما و تارة مع التاء، و حرف «ما» كقولك: ربتما و ربتما هذا كله إذا كانت الراء من رب مضمومة و قد تكون مفتوحة، فيقال: رب و ربما و ربتما حكاه قطرب قال أبو على: من الحروف ما دخل عليه حرف التأنيث، نحو: ثم و ثمت، و رب و ربت، و لا و لات، فهذه اللغات بأسرها رواها الواحدي في «البسيط» . ـ

117

المسألة الثانية: رب حرف جر عند سيبويه، و يلحقها «ما» على وجهين: أحدهما: أن تكون نكرة بمعنى شي‏ء، و ذلك كقوله:

رب ما تكره النفوس من الأمر # له فرجة كحل العقال‏

فما في هذا البيت اسم و الدليل عليه عود الضمير إليه من الصفة، فإن المعنى رب شي‏ء تكرهه النفوس و إذا عاد الضمير إليه كان اسما و لم يكن حرفا، كما أن قوله تعالى: أَ يَحْسَبُونَ أَنَّمََا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مََالٍ وَ بَنِينَ [المؤمنون: 55]لما عاد الضمير إليه علمنا بذلك أنه اسم، و مما يدل على أن «ما» قد يكون اسما إذا وقعت بعد رب وقوع من بعدها في قول الشاعر:

يا رب من ينقص أزوادنا # رحن على نقصانه و اغتدين‏

فكما دخلت رب على كلمة «من» و كانت نكرة، فكذلك تدخل على كلمة (ما) فهذا ضرب و الضرب الآخر أن تدخل ما كافة كما في هذه الآية و النحويون يسمون ما هذه الكافة يريدون أنها بدخولها كفت الحرف عن العمل الذي كان له، و إذا حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه، ألا ترى أن رب إنما تدخل على الإسم المفرد نحو رب رجل يقول ذاك و لا تدخل على الفعل، فلما دخلت «ما» عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية، و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل، و هي في التقليل نظيرة كم في التكثير، فإذا قال الرجل: ربما زارنا فلان، دل ربما على تقليله الزيارة. قال الزجاج: و من قال إن رب يعني بها الكثرة، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة، و على هذا التقدير: فههنا سؤال، و هو أن تمني/الكافر الإسلام مقطوع به، و كلما رب تفيد الظن، و أيضا أن ذلك التمني يكثر و يتصل، فلا يليق به لفظة رُبَمََا مع أنها تفيد التقليل.

و الجواب عنه من وجوه:

الوجه الأول: أن من عادة العرب أنهم إذا أرادوا التكثير ذكروا لفظا وضع للتقليل، و إذا أرادوا اليقين ذكروا لفظا وضع للشك، و المقصود منه: إظهار التوقع و الاستغناء عن التصريح بالغرض، فيقولون: ربما ندمت على ما فعلت، و لعلك تندم على فعلك، و إن كان العلم حاصلا بكثرة الندم و وجوده بغير شك، و منه قول القائل:

قد أترك القرن مصفرا أنامله‏

و الوجه الثاني: في الجواب أن هذا التقليل أبلغ في التهديد، و معناه: أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا عن هذا الفعل فكيف كثيرة؟ و الوجه الثالث: في الجواب أن يشغلهم العذاب عن تمني ذاك إلا في القليل.

المسألة الرابعة: اتفقوا على أن كلمة «رب» مختصة بالدخول على الماضي كما يقال: ربما قصدني عبد اللّه، و لا يكاد يستعمل المستقبل بعدها. و قال بعضهم: ليس الأمر كذلك و الدليل عليه قول الشاعر:

ربما تكره النفوس من الأمر

118

و هذا الاستدلال ضعيف، لأنا بينا أن كلمة «رب» في هذا البيت داخلة على الإسم و كلامنا في أنها إذا دخلت على الفعل وجب كون ذلك الفعل ماضيا، فأين أحدهما من الآخر؟إلا أني أقول قول هؤلاء الأدباء إنه لا يجوز دخول هذه الكلمة على الفعل المستقبل لا يمكن تصحيحه بالدليل العقلي، و إنما الرجوع فيه إلى النقل و الاستعمال، و لو أنهم وجدوا بيتا مشتملا على هذا الاستعمال لقالوا إنه جائز صحيح و كلام اللّه أقوى و أجل و أشرف، فلم لم يتمسكوا بوروده في هذه الآية على جوازه و صحته. ثم نقول إن الأدباء أجابوا عن هذا السؤال من وجهين: الأول: قالوا: إن المترقب في أخبار اللّه تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، فكأنه قيل:

ربما ودوا. الثاني: أن كلمة «ما» في قوله: رُبَمََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اسم و يود صفة له، و التقدير: رب شي‏ء يوده الذين كفروا. قال الزجاج: و من زعم أن الآية على إضمار كان و تقديره ربما يود الذين كفروا فقد خرج بذلك عن قول سيبويه ألا ترى أن كان لا تضمر عنده و لم يجز عبد اللّه المقبول و أنت تريد كان عبد اللّه المقبول.

المسألة الخامسة: في تفسير الآية وجوه على مذهب المفسرين فإن كل أحد حمل قوله: / رُبَمََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا على محمل آخر، و الأصح ما قاله الزجاج فإنه قال: الكافر كلما رأى حالا من أحوال العذاب و رأى حالا من أحوال المسلم ود لو كان مسلما، و هذا الوجه هو الأصح. و أما المتقدمون فقد ذكروا وجوها:

قال الضحاك: المراد منه ما يكون عند الموت، فإن الكافر إذا شاهد علامات العقاب ود لو كان مسلما. و قيل:

إن هذه الحالة تحصل إذا اسودت وجوههم، و قيل: بل عند دخولهم النار و نزول العذاب، فإنهم يقولون:

أَخِّرْنََا إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ اَلرُّسُلَ [إبراهيم: 44]و

روى أبو موسى أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: «إذا كان يوم القيامة و اجتمع أهل النار في النار و معهم من شاء اللّه من أهل القبلة قال الكفار لهم: ألستم مسلمين؟قالوا بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم، و قد صرتم معنا في النار، فيتفضل اللّه تعالى بفضل رحمته، فيأمر بإخراج كل من كان من أهل القبلة من النار، فيخرجون منها، فحينئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين» و قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم هذه الآية.

و على هذا القول أكثر المفسرين، و

روى مجاهد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: ما يزال اللّه يرحم المؤمنين، و يخرجهم من النار، و يدخلهم الجنة بشفاعة الأنبياء و الملائكة، حتى أنه تعالى في آخر الأمر يقول: من كان من المسلمين فليدخل الجنة. قال: فهنالك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين.

قال القاضي: هذه الروايات مبنية على أنه تعالى يخرج أصحاب الكبائر من النار، و على أن شفاعة الرسول مقبولة في إسقاط العقاب، و هذان الأصلان عنده مردودان، فعند هذا حمل هذا الخبر على وجه يطابق قوله و يوافق مذهبه و هو أنه تعالى يؤخر إدخال طائفة من المؤمنين الجنة بحيث يغلب على ظن هؤلاء الكفرة أنه تعالى لا يدخلهم الجنة، ثم إنه تعالى يدخلهم الجنة فيزداد غم الكفرة و حسرتهم و هناك يودون لو كانوا مسلمين، قال فبهذه الطريق تصحيح هذه الأخبار و اللّه أعلم.

فإن قيل: إذا كان أهل القيامة قد يتمنون أمثال هذه الأحوال وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقل ثوابه درجة المؤمن الذي يكثر ثوابه، و المتمني لما لم يجده يكون في الغصة و تألم القلب و هذا يقضي أن يكون أكثر المؤمنين في الغصة و تألم القلب.

قلنا: أحوال أهل الآخرة لا تقاس بأحوال أهل الدنيا، فاللّه سبحانه أرضى كل أحد بما فيه و نزع عن‏

119

قلوبهم طلب الزيادات كما قال: وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ* [الحجر: 47]و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: المعنى: دع الكفار يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم و لا خلاق لهم في الآخرة و قوله: وَ يُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ يقال: لهيت عن الشي‏ء ألهي لهيا، و جاء في الحديث أن ابن/الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لهى عن حديثه. قال الكسائي و الأصمعي: كل شي‏ء تركته فقد لهيت عنه و أنشد:

صرمت حبالك فاله عنها زينب # و لقد أطلت عتابها لو تعتب‏

فقوله فاله عنها أي اتركها و أعرض عنها. قال المفسرون: شغلهم الأمل عند الأخذ بحظهم عن الإيمان و الطاعة فسوف يعلمون.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان و يفعل بالمكلف ما يكون له مفسدة في الدين، و الدليل عليه أنه تعالى قال لرسوله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ فحكم بأن إقبالهم على التمتع و استغراقهم في طول الأمل يلهيهم عن الإيمان و الطاعة ثم إنه تعالى أذن لهم فيها، و ذلك يدل على المقصود. قالت المعتزلة: ليس هذا إذنا و تجويزا بل هذا تهديد و وعيد.

قلنا ظاهر قوله: ذَرْهُمْ إذن أقصى ما في الباب أنه تعالى نبه على أن إقبالهم على هذه الأعمال يضرهم في دينهم، و هذا عين ما ذكرناه من أنه تعالى أذن في شي‏ء مع أنه نص على كون ذلك الشي‏ء مفسدة لهم في الدين.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن إيثار التلذذ و التنعم و ما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين، و عن بعضهم التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين، و الأخبار في ذم الأمل كثيرة فمنها ما

روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «يهرم ابن آدم و يشب فيه اثنان: الحرص على المال و طول الأمل»

و

عنه صلّى اللّه عليه و سلم أنه نقط ثلاث و قال: «هذا ابن آدم، و هذا الأمل، و هذا الأجل، و دون الأمل تسع و تسعون منية فإن أخذته إحداهن، و إلا فالهرم من ورائه»

و

عن علي عليه السلام أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنين: طول الأمل و اتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، و اتباع الهوى يصد عن الحق.

و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ وَ لَهََا كِتََابٌ مَعْلُومٌ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما توعد من قبل من كذب الرسول صلّى اللّه عليه و سلم بقوله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ اَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أتبعه بما يؤكد الزجر و هو قوله تعالى: وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ وَ لَهََا كِتََابٌ مَعْلُومٌ في الهلاك و العذاب و إنما يقع فيه التقديم و التأخير فالذين تقدموا كان وقت هلاكهم في الكتاب معجلا، و الذين تأخروا كان وقت هلاكهم في الكتاب مؤخرا و ذلك نهاية في الزجر و التحذير.

120

المسألة الثانية: قال قوم المراد بهذا الهلاك عذاب الاستئصال الذي كان اللّه ينزله بالمكذبين المعاندين كما بينه في قوم نوح و قوم هود و غيرهم، و قال آخرون: المراد بهذا الهلاك الموت. قال القاضي: و الأقرب ما تقدم، لأنه في الزجر أبلغ، فبين تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العاقل لأن العذاب مدخر، فإن لكل أمة وقتا معينا في نزول العذاب لا يتقدم و لا يتأخر و قال قوم آخرون: المراد بهذا الهلاك مجموع الأمرين و هو نزول عذاب الاستئصال و نزول الموت، لأن كل واحد منهما يشارك الآخر في كونه هلاكا، فوجب حمل اللفظ على القدر المشترك الذي يدخل فيه القسمان معا.

المسألة الثالثة: قال الفراء: لو لم تكن الواو مذكورة في قوله: وَ لَهََا كِتََابٌ كان صوابا كما في آية أخرى و هي قوله: وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ لَهََا مُنْذِرُونَ [الشعراء: 208]و هو كما تقول: ما رأيت أحدا إلا و عليه ثياب و إن شئت قلت: إلا عليه ثياب.

أما قوله: مََا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهََا وَ مََا يَسْتَأْخِرُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: من في قوله: مِنْ أُمَّةٍ زائدة مؤكدة كقولك: ما جاءني من أحد، و قال آخرون: إنها ليست بزائدة لأنها تفيد التبعيض أي هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة فيكون ذلك في إفادة عموم النفي آكد.

المسألة الثانية: قال صاحب «النظم» معنى سبق إذا كان واقعا على شخص كان معناه أنه جاز و خلف كقولك سبق زيد عمرا، أي جازه و خلفه وراءه، و معناه أنه قصر عنه و ما بلغه، و إذا كان واقعا على زمان كان بالعكس في ذلك، كقولك: سبق فلان عام كذا معناه مضى قبل إتيانه و لم يبلغه فقوله: مََا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهََا وَ مََا يَسْتَأْخِرُونَ معناه أنه لا يحصل ذلك الأجل قبل ذلك الوقت و لا بعده، بل إنما يحصل في ذلك الوقت بعينه، و السبب فيه أن اختصاص كل حادث بوقته المعين دون الوقت الذي قبله أو بعده ليس على سبيل الاتفاق الواقع، لا عن مرجح و لا عن مخصص فإن/رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح محال، و إنما اختص حدوثه بذلك الوقت المعين لأن إله العالم خصصه به بعينه، و إذا كان كذلك، فقدرة الإله و إرادته اقتضتا ذلك التخصيص، و علمه و حكمته تعلقا بذلك الاختصاص بعينه، و لما كان تغير صفات اللّه تعالى أعني القدرة و الإرادة و العلم و الحكمة ممتنعا كان تغير ذلك الاختصاص ممتنعا.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا الدليل بعينه قائم في أفعال العباد أعني أن الصادر من زيد هو الإيمان و الطاعة و من عمرو هو الكفر و المعصية فوجب أن يمتنع دخول التغير فيهما.

فإن قالوا: هذا إنما يلزم لو كان المقتضي لحدوث الكفر و الإيمان من زيد و عمرو هو قدرة اللّه تعالى و مشيئته. أما إذا قلنا: المقتضى لذلك هو قدرة زيد و عمرو و مشيئتهما سقط ذلك.

قلنا: قدرة زيد و عمرو و مشيئتهما إن كانتا موجبتين لذلك الفعل المعين فخالق تلك القدرة و المشيئة الموجبتين لذلك الفعل هو الذي قدر ذلك الفعل بعينه فيعود الإلزام، و إن لم تكونا موجبتين لذلك الفعل بل كانتا صالحتين له و لضده، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر لم يكن لمرجح، فقد عاد الأمر إلى أنه حصل ذلك الاختصاص لا لمخصص و هو باطل، و إن كان لمخصص فذلك المخصص إن كان هو العبد عاد البحث‏

121

و لزم التسلسل، و إن كان هو اللّه تعالى فحينئذ يعود البحث إلى أن فعل العبد إنما تعين و تقدر بتخصيص اللّه تعالى، و حينئذ لا يعود الإلزام.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله، و أن من قال: يجوز أن يموت قبل أجله فمخطى‏ء.

فإن قالوا: هذا الاستدلال إنما يتم إذا حملنا قوله: وَ مََا أَهْلَكْنََا على الموت أما إذا حملناه على عذاب الاستئصال فكيف يلزم.

قلنا: قوله: وَ مََا أَهْلَكْنََا إما أن يدخل تحته الموت أو لا يدخل، فإن دخل فالاستدلال ظاهر لازم و إن لم يدخل فنقول: إن ما لأجله وجب في عذاب الاستئصال أن لا يتقدم و لا يتأخر عن وقته المعين قائم في الموت، فوجب أن يكون الحكم هاهنا كذلك، و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد الكفار ذكر بعده شبههم في إنكار نبوته.

فالشبهة الأولى: أنهم كانوا يحكمون عليه بالجنون، و فيه احتمالات: الأول: أنه عليه السلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون، و الدليل عليه قوله: وَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ*`وَ مََا هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ [القلم: 51، 52]و أيضا قوله: أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مََا بِصََاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ [الأعراف: 184]. و الثاني: أنهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقا من عند اللّه تعالى، فالرجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره فربما قال له هذا جنون و أنت مجنون لبعد ما يذكره من طريقة العقل، و قوله: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ في هذه الآية يحتمل الوجهين.

أما قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ففيه وجهان: الأول: أنهم ذكروه على سبيل الاستهزاء كما قال فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: 27]و كما قال قوم شعيب:

إِنَّكَ لَأَنْتَ اَلْحَلِيمُ اَلرَّشِيدُ [هود: 87]و كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ* [آل عمران: 21]لأن البشارة بالعذاب ممتنعة. و الثاني: يََا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ في زعمه و اعتقاده، و عند أصحابه و أتباعه.

ثم حكى عنهم أنهم قالوا في تقرير شبههم: لَوْ مََا تَأْتِينََا بِالْمَلاََئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: المراد لو كنت صادقا في ادعاء النبوة لأتيتنا بالملائكة يشهدون عندنا بصدقك فيما تدعيه من الرسالة، لأن المرسل الحكيم إذا حاول تحصيل أمر، و له طريق يفضي إلى تحصيل ذلك المقصود قطعا، و طريق آخر قد يفضي و قد لا يفضي، و يكون في محل الشكوك و الشبهات، فإن كان ذلك الحكيم أراد تحصيل ذلك المقصود، فإنه يحاول تحصيله بالطريق الأول لا بالطريق الثاني، و إنزال الملائكة الذين يصدقونك،

122

و يقررون قولك طريق يفضي إلى حصول هذا المقصود قطعا، و الطريق الذي تقرر به صحة نبوتك طريق في محل الشكوك و الشبهات، فلو كنت صادقا في ادعاء النبوة لوجب في حكمة اللّه تعالى إنزال الملائكة الذين يصرحون بتصديقك و حيث لم تفعل ذلك علمنا أنك لست من النبوة في شي‏ء، فهذا تقرير هذه الشبهة، و نظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام: وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنََا مَلَكاً لَقُضِيَ اَلْأَمْرُ [الأنعام: 8]و فيه احتمال آخر: و هو أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم كان يخوفهم بنزول العذاب إن لم يؤمنوا به، فالقوم طالبوه بنزول العذاب و قالوا له: لَوْ مََا تَأْتِينََا بِالْمَلاََئِكَةِ الذين ينزلون عليك ينزلون علينا بذلك العذاب/الموعود، و هذا هو المراد بقوله تعالى: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ وَ لَوْ لاََ أَجَلٌ مُسَمًّى لَجََاءَهُمُ اَلْعَذََابُ [العنكبوت: 53]ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: مََا نُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ مََا كََانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ فنقول: إن كان المراد من قولهم: لَوْ مََا تَأْتِينََا بِالْمَلاََئِكَةِ هو الوجه الأول، كان تقرير هذا الجواب أن إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحق و عند حصول الفائدة، و قد علم اللّه تعالى من حال هؤلاء الكفار أنه لو أنزل عليهم الملائكة لبقوا مصرين على كفرهم، و على هذا التقرير فيصير إنزالهم عبثا باطلا، و لا يكون حقا، فلهذا السبب ما أنزلهم اللّه تعالى، و قال المفسرون:

المراد بالحق هاهنا الموت، و المعنى: أنهم لا ينزلون إلا بالموت، و إلا بعذاب الاستئصال، و لم يبق بعد نزولهم إنظار و لا إمهال، و نحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، و أما إن كان المراد من قوله تعالى: لَوْ مََا تَأْتِينََا بِالْمَلاََئِكَةِ استعجالهم في نزول العذاب الذي كان الرسول عليه السلام يتوعدهم به، فتقرير الجواب أن الملائكة لا تنزل إلا بعذاب الاستئصال، و حكمنا في أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم أن لا نفعل بهم ذلك، و أن نمهلهم لما علمنا من إيمان بعضهم، و من إيمان أولاد الباقين.

المسألة الثانية: قال الفراء و الزجاج: لولا و لوما لغتان: معناهما: هلا و يستعملان في الخبر و الاستفهام، فالخبر مثل قولك لولا أنت لفعلت كذا، و منه قوله تعالى: لَوْ لاََ أَنْتُمْ لَكُنََّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: 31]و الاستفهام كقولهم: لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8]و كهذه الآية. و قال الفراء: لوما الميم فيه بدل عن اللام في لولا، و مثله استولى على الشي‏ء و استومى عليه، و حكى الأصمعي: خاللته و خالمته إذا صادقته، و هو خلى و خلمي أي صديقي.

المسألة الثالثة: قوله: مََا نُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ إِلاََّ بِالْحَقِّ قرأ حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم: مََا نُنَزِّلُ بالنون و بكسر الزاي و التشديد، و الملائكة بالنصب لوقوع الإنزال عليها. و المنزل هو اللّه تعالى، و قرأ أبو بكر عن عاصم: ما تنزل عن فعل ما لم يسمى فاعله، و الملائكة بالرفع. و الباقون: ما تنزل الملائكة على إسناد فعل النزول إلى الملائكة و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: قوله: وَ مََا كََانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ يعني: لو نزلت الملائكة لم ينظروا أي يمهلوا فإن التكليف يزول عند نزول الملائكة. قال صاحب «النظم» : لفظ اذن مركبة من كلمتين: من إذ و هو اسم بمنزلة حين ألا ترى أنك تقول: أتيتك إذ جئتني أي حين جئتني. ثم ضم إليها أن، فصار إذ أن. ثم استثقلوا الهمزة، فحذفوها فصار إذن، و مجي‏ء لفظة إذن دليل على إضمار فعل بعدها و التقدير: و ما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا و هذا تأويل حسن.

ثم قال تعالى: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ و فيه مسائل:

123

المسألة الأولى: أن القوم إنما قالوا: يََا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ [الحجر: 6] لأجل أنهم سمعوا

النبي صلّى اللّه عليه و سلم كان يقول: «إن اللّه تعالى نزل الذكر على»

ثم إنه تعالى حقق قوله في هذه الآية فقال: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ .

فأما قوله: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ فهذه الصيغة و إن كانت للجمع إلا أن هذا من كلام الملوك عند إظهار التعظيم فإن الواحد منهم إذا فعل فعلا أو قال قولا قال: إنا فعلنا كذا و قلنا كذا فكذا هاهنا.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: لَهُ لَحََافِظُونَ إلى ما ذا يعود؟ فيه قولان:

القول الأول: أنه عائد إلى الذكر يعني: و إنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف و الزيادة و النقصان، و نظيره قوله تعالى في صفة القرآن: لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 42]و قال: وَ لَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً [النساء: 82].

فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف و قد وعد اللّه تعالى بحفظه و ما حفظه اللّه فلا خوف عليه.

و الجواب: أن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ اللّه تعالى إياه فإنه تعالى لما أن حفظه قيضهم لذلك قال أصحابنا: و في هذه الآية دلالة قوية على كون التسمية آية من أول كل سورة لأن اللّه تعالى قد وعد بحفظ القرآن، و الحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونا من الزيادة و النقصان، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كان القرآن مصونا عن التغيير، و لما كان محفوظا عن الزيادة و لو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لجاز أيضا أن يظن بهم النقصان، و ذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة.

و القول الثاني: أن الكناية في قوله: لَهُ راجعة إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم و المعنى و إنا لمحمد لحافظون و هو قول الفراء، و قوى ابن الأنباري هذا القول فقال: لما ذكر اللّه الإنزال و المنزل دل ذلك على المنزل عليه فحسنت الكناية عنه، لكونه أمرا معلوما كما في قوله تعالى: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ [القدر: 1]فإن هذه الكناية عائدة إلى القرآن مع أنه لم يتقدم ذكره و إنما حسنت الكناية للسبب المعلوم فكذا هاهنا، إلا أن القول الأول أرجح القولين و أحسنهما مشابهة لظاهر التنزيل و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: إذا قلنا الكناية عائدة إلى القرآن فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن قال بعضهم:

حفظه بأن جعله معجزا مباينا لكلام البشر فعجز الخلق عن الزيادة فيه و النقصان عنه لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا عنه لتغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن فصار كونه معجزا كإحاطة السور بالمدينة لأنه يحصنها و يحفظها، و قال آخرون: إنه تعالى صانه/و حفظه من أن يقدر أحد من الخلق على معارضته، و قال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله و إفساده بأن قيض جماعة يحفظونه و يدرسونه و يشهرونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف، و قال آخرون: المراد بالحفظ هو أن أحدا لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا:

هذا كذب و تغيير لكلام اللّه تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب اللّه تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيها الشيخ و صوابه كذا و كذا، فهذا هو المراد من قوله: وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ .

و اعلم أنه لم يتفق لشي‏ء من الكتب مثل هذا الحفظ، فإنه لا كتاب إلا و قد دخله التصحيف و التحريف

124

و التغيير، إما في الكثير منه أو في القليل، و بقاء هذا الكتاب مصونا عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملحدة و اليهود و النصارى متوفرة على إبطاله و إفساده من أعظم المعجزات و أيضا أخبر اللّه تعالى عن بقائه محفوظا عن التغيير و التحريف، و انقضى الآن قريبا من ستمائة سنة فكان هذا إخبارا عن الغيب، فكان ذلك أيضا معجزا قاهرا.

المسألة الرابعة: احتج القاضي بقوله: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ على فساد قول بعض الإمامية في أن القرآن قد دخله التغيير و الزيادة و النقصان قال: لأنه لو كان الأمر كذلك لما بقي القرآن محفوظا، و هذا الاستدلال ضعيف، لأنه يجري مجرى إثبات الشي‏ء بنفسه، فالإمامية الذين يقولون إن القرآن قد دخله التغيير و الزيادة و النقصان، لعلهم يقولون إن هذه الآية من جملة الزوائد التي ألحقت بالقرآن، فثبت أن إثبات هذا المطلوب بهذه الآية يجري مجرى إثبات الشي‏ء نفسه و أنه باطل و اللّه أعلم.

اعلم أن القوم لما أساؤوا في الأدب و خاطبوه بالسفاهة و قالوا: إنك لمجنون، فاللّه تعالى ذكر/أن عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء هكذا كانت. و لك أسوة في الصبر على سفاهتهم و جهالتهم بجميع الأنبياء عليهم السلام، فهذا هو الكلام في نظم الآية في قوله تعالى وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ اَلْأَوَّلِينَ‏`وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في الآية محذوف و التقدير: و لقد أرسلنا من قبلك رسلا إلا أنه حذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه. و قوله: فِي شِيَعِ اَلْأَوَّلِينَ أي في أمم الأولين و أتباعهم. قال الفراء: الشيع الأتباع و أحدهم شيعة و شيعة الرجل أتباعه، و الشيعة الأمة سموا بذلك، لأن بعضهم شايع بعضا و شاكله، و ذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [الأنعام: 65]قال الفراء: و قوله: فِي شِيَعِ اَلْأَوَّلِينَ من إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله: حَقُّ اَلْيَقِينِ* [الواقعة: 95]و قوله: بِجََانِبِ اَلْغَرْبِيِّ [القصص: 44]و قوله:

وَ ذََلِكَ دِينُ اَلْقَيِّمَةِ [البينة: 5]أما قوله: وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء و الرسل ذلك الاستهزاء بهم كما فعلوا بك ذكره تسلية للنبي صلّى اللّه عليه و سلم.

و اعلم أن السبب الذي يحمل هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة أمور. الأول: أنهم يستثقلون التزام الطاعات و العبادات و الاحتراز عن الطيبات و اللذات. و الثاني: أن الرسول يدعوهم إلى ترك ما ألفوه من أديانهم الخبيثة و مذاهبهم الباطلة، و ذلك شاق شديد على الطباع. و الثالث: أن الرسول متبوع مخدوم و الأقوام يجب عليهم طاعته و خدمته و ذلك أيضا في غاية المشقة. و الرابع: أن الرسول صلّى اللّه عليه و سلم قد يكون فقيرا و لا يكون له أعوان و أنصار و لا مال و لا جاه فالمتنعمون و الرؤساء يثقل عليهم خدمة من يكون بهذه الصفة. و الخامس: خذلان اللّه لهم و إلقاء دواعي الكفر و الجهل في قلوبهم، و هذا هو السبب الأصلي، فلهذه الأسباب و ما يشبهها تقع الجهال و الضلال مع أكابر الأنبياء عليهم السلام في هذه الأعمال القبيحة و الأفعال المنكرة.

125

أما قوله تعالى: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ اَلْمُجْرِمِينَ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: السلك إدخال الشي‏ء في الشي‏ء كإدخال الخيط في المخيط و الرمح في المطعون، و قيل:

في قوله: مََا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: 42]أي أدخلكم في جهنم. و ذكر أبو عبيدة و أبو عبيد: سلكته و أسلكته بمعنى واحد.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار، فقالوا: قوله كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ أي كذلك نسلك الباطل و الضلال في قلوب المجرمين، قالت المعتزلة: لم يجر للضلال و الكفر ذكر فيما قبل هذا اللفظ، فلا يمكن أن يكون الضمير عائدا إليه لا يقال: إنه تعالى قال: وَ مََا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ و قوله: يَسْتَهْزِؤُنَ يدل على الاستهزاء، فالضمير في قوله: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ عائد إليه، و الاستهزاء بالأنبياء كفر و ضلال، /فثبت صحة قولنا المراد من قوله: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ اَلْمُجْرِمِينَ هو أنه كذلك نسلك الكفر و الضلال و الاستهزاء بأنبياء اللّه تعالى و رسله في قلوب المجرمين، لأنا نقول: إن كان الضمير في قوله: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ عائدا إلى الاستهزاء وجب أن يكون الضمير في قوله: لاََ يُؤْمِنُونَ بِهِ عائدا أيضا إلى الاستهزاء لأنهما ضميران تعاقبا و تلاصقا، فوجب عودهما إلى شي‏ء واحد فوجب أن لا يكونوا مؤمنين بذلك الاستهزاء، و ذلك يوجب التناقض، لأن الكافر لا بد و أن يكون مؤمنا بكفره، و الذي لا يكون كذلك هو المسلم العالم ببطلان الكفر فلا يصدق به، و أيضا فلو كان تعالى هو الذي يسلك الكفر في قلب الكافر و يخلقه فيه فما أحد أولى بالعذر من هؤلاء الكفار، و لكان على هذا التقدير يمتنع أن يذمهم في الدنيا و أن يعاقبهم في الآخرة عليه، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على هذا الوجه فنقول: التأويل الصحيح أن الضمير في قوله تعالى: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ عائد إلى الذكر الذي هو القرآن فإنه تعالى قال قبل هذه الآية: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ و قال بعده: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ أي هكذا نسلك القرآن في قلوب المجرمين، و المراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن و يخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن و يخلق فيها العلم بمعانيه و بين أنهم لجهلهم و إصرارهم لا يؤمنون به مع هذه الأحوال عنادا و جهلا، فكان هذا موجبا للحوق الذم الشديد بهم، و يدل على صحة هذا التأويل و جهان: الأول: أن الضمير في قوله: لاََ يُؤْمِنُونَ بِهِ عائد إلى القرآن بالإجماع فوجب أن يكون الضمير في قوله: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ عائدا إليه أيضا لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شي‏ء واحد. و الثاني: أن قوله: كَذََلِكَ معناه: مثل ما عملنا كذا و كذا نعمل هذا السلك فيكون هذا تشبيها لهذا السلك بعمل آخر ذكره اللّه تعالى قبل هذه الآية من أعمال نفسه، و لم يجر لعمل من أعمال اللّه ذكر في سابقة هذه الآية إلا قوله: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ فوجب أن يكون هذا معطوفا عليه و مشبها به، و متى كان الأمر كذلك كان الضمير في قوله: نَسْلُكُهُ عائدا إلى الذكر و هذا تمام تقرير كلام القوم.

و الجواب: لا يجوز أن يكون الضمير في قوله: نَسْلُكُهُ عائدا على الذكر، و يدل عليه وجوه:

الوجه الأول: أن قوله: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ مذكور بحرف النون، و المراد منه إظهار نهاية التعظيم و الجلالة، و مثل هذا التعظيم إنما يحسن ذكره إذا فعل فعلا يظهر له أثر قوي كامل بحيث صار المنازع و المدافع له مغلوبا مقهورا. فأما إذا فعل فعلا و لم يظهر له أثر ألبتة، صار المنازع و المدافع غالبا قاهرا، فإن ذكر اللفظ المشعر بنهاية العظمة و الجلالة يكون مستقبحا في هذا المقام، و الأمر هاهنا كذلك لأنه تعالى سلك أسماع القرآن‏

126

و تحفيظه و تعليمه في قلب الكافر لأجل أن يؤمن به، ثم إنه/لم يلتفت إليه و لم يؤمن به فصار فعل اللّه تعالى كالهدر الضائع، و صار الكافر و الشيطان كالغالب الدافع، و إذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة و الجلالة في قوله: نَسْلُكُهُ غير لائق بهذا المقام، فثبت بهذا التأويل الذي ذكروه فاسد.

و الوجه الثاني: أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ اَلْمُجْرِمِينَ و لا يؤمنون به، أي و مع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون أما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله: لاََ يُؤْمِنُونَ بِهِ كالتفسير، و البيان لقوله: نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ اَلْمُجْرِمِينَ و هذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر و الضلال في قلوبهم.

و الوجه الثالث: أن قوله: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ [الحجر: 9]بعيد، و قوله: يَسْتَهْزِؤُنَ قريب، و عود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب. أما قوله: لو كان الضمير في قوله: نَسْلُكُهُ عائدا إلى الاستهزاء لكان في قوله، لاََ يُؤْمِنُونَ بِهِ عائدا إليه، و حينئذ يلزم التناقض.

قلنا: الجواب عنه من وجوه:

الوجه الأول: أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات، و لا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول و حصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا: الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء، و الضمير الثاني عائد إلى الذكر، و تفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن، أليس أن الجبائي و الكعبي و القاضي قالوا في قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا فَلَمََّا تَغَشََّاهََا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمََّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اَللََّهَ رَبَّهُمََا لَئِنْ آتَيْتَنََا صََالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ*`فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: 189، 190] فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله: جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ عائدة إلى آدم و حواء، و أما في قوله: جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ عائدة إلى غيرهما، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم، و إذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شي‏ء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا هاهنا و اللّه أعلم.

الوجه الثاني: في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله: لاََ يُؤْمِنُونَ بِهِ تفسير للكناية في قوله:

نَسْلُكُهُ و التقدير: كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به و المعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به.

و الوجه الثالث: و هو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان و الكفر يمتنع أن يكون بالعبد، و ذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان و الصدق، و العلم و الحق، و أن أحدا/لا يقصد تحصيل الكفر و الجهل و الكذب فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الإيمان و الحق ثم إنه لا يحصل ذلك، و إنما يحصل الكفر و الباطل، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه.

فإن قالوا: إنما حصل ذلك الكفر لأنه ظن أنه هو الإيمان: فنقول: فعلى هذا التقدير إنما رضي بتحصيل ذلك الجهل لأجل جهل آخر سابق عليه فينقل الكلام إلى ذلك الجهل السابق فإن كان ذلك لأجل جهل آخر لزم‏

127

التسلسل و هو محال، و إلا وجب انتهاء كل الجهالات إلى جهل أول سابق حصل في قلبه لا بتحصيله بل بتخليق اللّه تعالى، و ذلك هو الذي قلناه: أن المراد من قوله: كَذََلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ اَلْمُجْرِمِينَ‏`لاََ يُؤْمِنُونَ و المعنى: نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به، و هو أنه تعالى يخلق الكفر و الضلال فيها، و أيضا قدماء المفسرين مثل ابن عباس و تلامذته أطبقوا على تفسير هذه الآية بأنه تعالى يخلق الكفر و الضلال فيها، و التأويل الذي ذكره المعتزلة تأويل مستحدث لم يقل به أحد من المتقدمين، فكان مردودا، و روى القاضي عن عكرمة أن المراد كذلك نسلك القسوة في قلوب المجرمين، ثم قال القاضي: إن القسوة لا تحصل إلا من قبل الكافر بأن يستمر على كفره و يعاند، فلا يصح إضافته إلى اللّه تعالى، فيقال للقاضي: إن هذا يجري مجرى المكابرة، و ذلك لأن الكافر يجد من نفسه نفرة شديدة عن قبول قول الرسول و نبوة عظيمة عنه حتى أنه كلما رآه تغير لونه و اصفر وجهه، و ربما ارتعدت أعضاؤه و لا يقدر على الالتفات إليه و الإصغاء لقوله، فحصول هذه الأحوال في قلبه أمر اضطراري لا يمكنه دفعها عن نفسه، فكيف يقال: إنها حصلت بفعله و اختياره؟ فإن قالوا: إنه يمكنه ترك هذه الأحوال، و الرجوع إلى الانقياد و القبول فنقول هذا مغالطة محضة، لأنك إن أردت أنه مع حصول هذه النفرة الشديدة في القلب، و النبوة العظيمة في النفس يمكنه أن يعود إلى الانقياد و القبول و الطاعة و الرضا فهذا مكابرة، و إن أردت أن عند زوال هذه الأحوال النفسانية يمكنه العود إلى القبول و التسليم فهذا حق، إلا أنه لا يمكنه إزالة هذه الدواعي و الصوارف عن القلب فإنه إن كان الفاعل لها هو الإنسان لافتقر في تحصيل هذه الدواعي و الصوارف إلى دواعي سابقة عليها و لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له و ذلك محال، و إن كان الفاعل لها هو اللّه تعالى فحينئذ يصح أنه تعالى هو الذي يسلك هذه الدواعي و الصوارف في القلوب و ذلك عين ما ذكرناه و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ اَلْأَوَّلِينَ ففيه قولان: الأول: أنه تهديد لكفار مكة يقول قد مضت سنة اللّه بإهلاك من كذب الرسل في القرون الماضية. الثاني: و هو قول الزجاج: و قد/مضت سنة اللّه في الأولين بأن يسلك الكفر و الضلال في قلوبهم، و هذا أليق بظاهر اللفظ.

في قوله تعالى وَ لَوْ فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بََاباً مِنَ اَلسَّمََاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ اعلم أن هذا الكلام هو المذكور في سورة الأنعام في قوله: وَ لَوْ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ كِتََاباً فِي قِرْطََاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام: 7]و الحاصل: أن القوم لما طلبوا نزول ملائكة يصرحون بتصديق الرسول عليه السلام في كونه رسولا من عند اللّه تعالى بين اللّه تعالى في هذه الآية أن بتقدير أن يحصل هذا المعنى لقال الذين كفروا هذا من باب السحر و هؤلاء الذين يظن أنا نراهم فنحن في الحقيقة لا نراهم. و الحاصل: أنه لما علم اللّه تعالى أنه لا فائدة في نزول الملائكة فلهذا السبب ما أنزلهم.

فإن قيل: كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يصيروا شاكرين في وجود ما يشاهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح، و لو جاز حصول الشك في ذلك كانت السفسطة لازمة، و لا يبقى حينئذ اعتماد على الحس و المشاهدة.

128

أجاب القاضي عنه: بأنه تعالى ما وصفهم بالشك فيما يبصرون، و إنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، و قد يجوز أن يقدم الإنسان على الكذب على سبيل العناد و المكابرة، ثم سأل نفسه و قال: أ فيصح من الجمع العظيم أن يظهروا الشك في المشاهدات. و أجاب بأنه يصح ذلك إذا جمعهم عليه غرض صحيح معتبر من مواطأة على دفع حجة أو غلبة خصم، و أيضا فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألوا الرسول صلّى اللّه عليه و سلم إنزال الملائكة، و هذا السؤال ما كان إلا من رؤساء القوم، و كانوا قليلي العدد، و إقدام العدد القليل على ما يجري مجرى المكابرة جائز.

المسألة الثانية: قوله تعالى: فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ يقال: ظل فلان نهاره يفعل كذا إذا فعله بالنهار و لا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل عمل بالنهار، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل، و المصدر الظلول، و قوله: فِيهِ يَعْرُجُونَ يقال: عرج يعرج عروجا، و منه المعارج، و هي المصاعد التي يصعد فيها، و للمفسرين في هذه الآية قولان:

القول الأول: أن قوله: فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ من صفة المشركين. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج و ينظرون إلى ملكوت اللّه تعالى و قدرته و سلطانه، و إلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكوا في تلك الرؤية و بقوا مصرين على كفرهم و جهلهم كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر و ما خص به النبي صلّى اللّه عليه و سلم من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن و الإنس أن يأتوا بمثله.

القول الثاني: أن هذه العروج للملائكة، و المعنى: أنه تعالى لو جعل هؤلاء الكفار بحيث يروا أبوابا من السماء مفتوحة و تصعد منها الملائكة و تنزل لصرفوا ذلك عن وجهه، و لقالوا: إن السحرة سحرونا و جعلونا بحيث نشاهد هذه الأباطيل التي لا حقيقة لها}و قوله: لَقََالُوا إِنَّمََا سُكِّرَتْ أَبْصََارُنََا فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير سُكِّرَتْ بالتخفيف، و الباقون مشددة الكاف قال الواحدي سكرت غشيت و سددت بالسحر هذا قول أهل اللغة قالوا: و أصله من السكر و هو سد الشق لئلا ينفجر الماء، فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء من الجري، و التشديد يوجب زيادة و تكثيرا و قال أبو عمرو بن العلاء: هو مأخوذ من سكر الشراب يعني أن الأبصار حارت و وقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل فإذا كان هذا معنى التخفيف فسكرت بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد أخرى، و قال أبو عبيدة:

سُكِّرَتْ أَبْصََارُنََا أي غشيت أبصارنا فوجب سكونها و بطلانها، و على هذا القول أصله من السكون يقال:

سكرت الريح سكرا إذا سكنت و سكر الحر يسكر و ليلة ساكرة لا ريح فيها و قال أوس:

جذلت على ليلة ساهرة # فليست بطلق و لا ساكره‏

و يقال: سكرت عينه سكرا إذا تحيرت و سكنت عن النظر و على هذا معنى سكرت أبصارنا، أي سكنت عن النظر و هذا القول اختيار الزجاج. و قال أبو علي الفارسي: سكرت صارت بحيث لا ينفذ نورها و لا تدرك الأشياء على حقائقها، و كان معنى السكر قطع الشي‏ء عن سننه الجاري، فمن ذلك تسكير الماء و هو رده عن سننه في الجرية، و السكر في الشراب هو أن ينقطع عما كان عليه من المضاء في حال الصحو فلا ينفذ رأيه على‏

129

حد نفاذه في الصحو، فهذه أقوال أربعة في تفسير سُكِّرَتْ و هي في الحقيقة متقاربة، و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قال الجبائي: من جوز قدرة السحرة على أن يأخذوا بأعين الناس حتى يروهم الشي‏ء على خلاف ما هو عليه لم يصح إيمانه بالأنبياء و الرسل، و ذلك لأنهم إذا جوزوا ذلك فلعل/هذا الذي يرى أنه محمد بن عبد اللّه ليس هو ذلك الرجل و إنما هو شيطان، و لعل هذه المعجزات التي نشاهدها ليس لها حقائق، بل هي تكون من باب الآراء الباطلة من ذلك الساحر، و إذا حصل هذا التجويز بطل الكل. و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة، و كان قد ثبت أن القول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد. و لما كانت دلائل التوحيد منها سماوية، و منها أرضية، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية، فقال: وَ لَقَدْ جَعَلْنََا فِي اَلسَّمََاءِ بُرُوجاً وَ زَيَّنََّاهََا لِلنََّاظِرِينَ قال الليث: البرج واحد من بروج الفلك، و البروج جمع و هي اثنا عشر برجا، و نظيره قوله تعالى: تَبََارَكَ اَلَّذِي جَعَلَ فِي اَلسَّمََاءِ بُرُوجاً [الفرقان: 61]و قال: وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلْبُرُوجِ [البروج: 1]و وجه دلالتها على وجود الصانع المختار، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام، و إذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية و الأبعاض المختلفة في الحقيقة، و كل مركب فلا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء و الأبعاض بحسب الاختيار و الحكمة، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار، و هو المطلوب، و أما قوله: وَ زَيَّنََّاهََا لِلنََّاظِرِينَ*`وَ حَفِظْنََاهََا مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ رَجِيمٍ*`إِلاََّ مَنِ اِسْتَرَقَ اَلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ مُبِينٌ فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ [الملك: 5]فلا نعيد هاهنا إلا القدر الذي لا بد منه قوله:

وَ زَيَّنََّاهََا أي بالشمس و القمر و النجوم لِلنََّاظِرِينَ أي للمعتبرين بها و المستدلين بها على توحيد صانعها و قوله: وَ حَفِظْنََاهََا مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ رَجِيمٍ .

فإن قيل: ما معنى و حفظناها من كل شيطان رجيم، و الشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه.

قلنا: لما منعه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ اللّه السماء منهم كما قد /يحفظ منازلنا عن متجسس يخشى منه الفساد ثم نقول: معنى الرجم في اللغة الرمي بالحجارة. ثم قيل للقتل رجم تشبيها له بالرجم بالحجارة، و الرجم أيضا السب و الشتم لأنه رمي بالقول القبيح و منه قوله: لَأَرْجُمَنَّكَ أي لأسبنك، و الرجم اسم لكل ما يرمى به، و منه قوله: وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ [الملك: 5]أي مرامي لهم، و الرجم القول بالظن، و منه قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ [الكهف: 22]لأنه يرميه بذلك الظن و الرجم أيضا اللعن و الطرد، و قوله الشيطان الرجيم، قد فسروه بكل هذه الوجوه. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: كانت الشياطين، لا تحجب عن السموات، فكانوا يدخلونها و يسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها إلى الكهنة،

130

فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاثة سموات، فلما ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم منعوا من السموات كلها، فكل واحد منهم إذا أراد استراق السمع رمى بشهاب. }و قوله: إِلاََّ مَنِ اِسْتَرَقَ اَلسَّمْعَ لا يمكن حمل لفظة (إلا) هاهنا على الاستثناء، بدليل أن إقدامهم على استراق السمع لا يخرج السماء من أن تكون محفوظة منهم إلا أنهم ممنوعون من دخولها، و إنما يحاولون القرب منها، فلا يصح أن يكون استثناء على التحقيق، فوجب أن يكون معناه: لكن من استرق السمع. قال الزجاج: موضع (من) نصب على هذا التقدير. قال: و جائز أن يكون في موضع خفض، و التقدير: إلا ممن. قال ابن عباس: في قوله: إِلاََّ مَنِ اِسْتَرَقَ اَلسَّمْعَ يريد الخطفة اليسيرة، و ذلك لأن المارد من الشياطين يعلو فيرمى بالشهاب فيحرقه و لا يقتله، و منهم من يحيله فيصير غولا يضل الناس في البراري. و قوله: فَأَتْبَعَهُ ذكرنا معناه في سورة الأعراف في قصة بلعم بن باعورا في قوله: فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطََانُ [الأعراف: 175]معناه لحقه، و الشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكواكب شهابا، و السنان شهابا لأجل أنهما لما فيهما من البريق يشبهان النار.

و اعلم أن في هذا الموضع أبحاثا دقيقة ذكرناها في سورة الملك و في سورة الجن، و نذكر منها هاهنا إشكالا واحدا، و هو أن لقائل أن يقول: إذا جوزتم في الجملة أن يصعد الشيطان إلى السموات و يختلط بالملائكة و يسمع أخبار الغيوب عنهم، ثم إنها تنزل و تلقي تلك الغيوب على الكهنة فعلى هذا التقدير وجب أن يخرج الأخبار عن المغيبات عن كونه معجزا لأن كل غيب يخبر عنه الرسول صلّى اللّه عليه و سلم قام فيه هذا الاحتمال و حينئذ يخرج عن كونه معجزا دليلا على الصدق، لا يقال إن اللّه تعالى أخبر أنهم عجزوا عن ذلك بعد مولد النبي صلّى اللّه عليه و سلم لأنا نقول هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمد رسولا و كون القرآن حقا، و القطع بهذا لا يمكن إلا بواسطة المعجز، و كون الإخبار عن الغيب معجزا لا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال و حينئذ يلزم الدور و هو باطل محال، و يمكن أن يجاب عنه بأنا نثبت كون محمد صلّى اللّه عليه و سلم/رسولا بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته نقطع بأن اللّه تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق، و عند ذلك يصير الإخبار عن الغيوب معجز، و بهذا الطريق يندفع الدور. و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التوحيد أتبعها بذكر الدلائل الأرضية، و هي أنواع:

النوع الأول: قوله تعالى: وَ اَلْأَرْضَ مَدَدْنََاهََا قال ابن عباس بسطناها على وجه الماء، و فيه احتمال آخر، و ذلك لأن الأرض جسم، و الجسم هو الذي يكون ممتدا في الجهات الثلاثة، و هي الطول و العرض و الثخن، و إذا كان كذلك، فتمدد جسم الأرض في هذه الجهات الثلاثة مختص بمقدار معين لما ثبت أن كل جسم فإنه يجب أن يكون متناهيا و إذا كان كذلك كان تمدد جسم الأرض مختصا بمقدار معين مع أن الإزدياد عليه معقول، و الانتقاص عنه أيضا معقول، و إذا كان كذلك كان اختصاص ذلك التمدد بذلك القدر المقدر مع جواز حصول الأزيد و الأنقص اختصاصا بأمر جائز و ذلك يجب أن يكون بتخصيص مخصص و تقدير مقدر، و هو اللّه سبحانه و تعالى. ـ

131

فإن قيل: هل يدل قوله: وَ اَلْأَرْضَ مَدَدْنََاهََا على أنها بسيطة؟ قلنا: نعم لأن الأرض بتقدير كونها كرة، فهي كرة في غاية العظمة، و الكرة العظيمة يكون كل قطعة صغيرة منها، إذا نظر إليها فإنها ترى كالسطح المستوي، و إذا كان كذلك زال ما ذكروه من الإشكال، و الدليل عليه قوله تعالى: وَ اَلْجِبََالَ أَوْتََاداً [النبأ: 7]سماها أوتادا مع أنه قد يحصل عليها سطوح عظيمة مستوية، فكذا هاهنا.

النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: وَ أَلْقَيْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ و هي الجبال الثوابت، واحدها راسي، و الجمع راسية، و جمع الجمع رواسي، و هو كقوله تعالى: وَ أَلْقى‏ََ/فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ* [النحل: 15]و في تفسيره وجهان:

الوجه الأول: قال ابن عباس: لما بسط اللّه تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة فأرساها اللّه تعالى بالجبال الثقال لكيلا تميل بأهلها.

فإن قيل: أ تقولون إنه تعالى خلق الأرض بدون الجبال فمالت بأهلها فخلق فيها الجبال بعد ذلك أو تقولون إن اللّه خلق الأرض و الجبال معا.

قلنا: كلا الوجهين محتمل.

و الوجه الثاني: في تفسير قوله: وَ أَلْقَيْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ يجوز أن يكون المراد أنه تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض و نواحيها لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة و لا يقعون في الضلال و هذا الوجه ظاهر الاحتمال.

النوع الثالث: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: وَ أَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ و فيه بحثان:

البحث الأول: أن الضمير في قوله: وَ أَنْبَتْنََا فِيهََا يحتمل أن يكون راجعا إلى الأرض و أن يكون راجعا إلى الجبال الرواسي، إلا أن رجوعه إلى الأرض أولى لأن أنواع النبات المنتفع بها إنما تتولد في الأراضي، فأما الفواكه الجبلية فقليلة النفع، و منهم من قال: رجوع ذلك الضمير إلى الجبال أولى، لأن المعادن إنما تتولد في الجبال، و الأشياء الموزونة في العرف و العادة هي المعادن لا النبات.

البحث الثاني: اختلفوا في المراد بالموزون و فيه وجوه:

الوجه الأول: أن يكون المراد أنه متقدر بقدر الحاجة. قال القاضي: و هذا الوجه أقرب لأنه تعالى يعلم المقدار الذي يحتاج إليه الناس و ينتفعون به فينبت تعالى في الأرض ذلك المقدار، }و لذلك أتبعه بقوله:

وَ جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ لأن ذلك الرزق الذي يظهر بالنبات يكون معيشة لهم من وجهين: الأول: بحسب الأكل و الانتفاع بعينه. و الثاني: أن ينتفع بالتجارة فيه، و القائلون بهذا القول قالوا: الوزن إنما يراد لمعرفة المقدار فكان إطلاق لفظ الوزن لإرادة معرفة المقدار من باب اطلاق اسم السبب على المسبب قالوا: و يتأكد ذلك أيضا بقوله تعالى: وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ [الرعد: 8]و قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ وَ مََا

132

نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: 21].

و الوجه الثاني: في تفسير هذا اللفظ أن هذا العالم عالم الأسباب و اللّه تعالى إنما يخلق المعادن و النبات و الحيوان بواسطة تركيب طبائع هذا العالم، فلا بد و أن يحصل من الأرض قدر مخصوص/و من الماء و الهواء كذلك، و من تأثير الشمس و الكواكب في الحر و البرد مقدار مخصوص، و لو قدرنا حصول الزيادة على ذلك القدر المخصوص، أو النقصان عنه لم تتولد المعادن و النبات و الحيوان فاللّه سبحانه و تعالى قدرها على وجه مخصوص بقدرته و علمه و حكمته فكأنه تعالى وزنها بميزان الحكمة حتى حصلت هذه الأنواع.

و الوجه الثالث: في تفسير هذا اللفظ أن أهل العرف يقولون: فلان موزون الحركات أي حركات متناسبة حسنة مطابقة للحكمة، و هذا الكلام كلام موزون إذا كان متناسبا حسنا بعيدا عن اللغو و السخف فكان المراد منه أنه موزون بميزان الحكمة و العقل، و بالجملة فقد جعلوا لفظ الموزون كناية عن الحسن و التناسب، فقوله:

وَ أَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن و اللطافة و مطابقة المصلحة.

و الوجه الرابع: في تفسير هذا اللفظ أن الشي‏ء الذي ينبت من الأرض نوعان: المعادن و النبات: أما المعادن فهي بأسرها موزونة و هي الأجساد السبعة و الأحجار و الأملاح و الزاجات و غيرها. و أما النبات فيرجع عاقبتها إلى الوزن، لأن الحبوب توزن، و كذلك الفواكه في الأكثر و اللّه أعلم. و قوله تعالى: وَ جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ذكرنا الكلام في المعايش في سورة الأعراف و قوله: وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرََازِقِينَ فيه قولان:

القول الأول: أنه معطوف على محل لكم، و التقدير: و جعلنا لكم فيها معايش و من لستم له برازقين.

و القول الثاني: أنه عطف على قوله: مَعََايِشَ و التقدير: و جعلنا لكم معايش و من لستم له برازقين، و على هذا القول ففيه احتمالات ثلاثة:

الاحتمال الأول: أن كلمة «من» مختصة بالعقلاء فوجب أن يكون المراد من قوله: وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرََازِقِينَ العقلاء و هم العيال و المماليك و الخدم و العبيد، و تقرير الكلام أن الناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقون العيال و الخدم و العبيد، و ذلك خطأ فإن اللّه هو الرزاق يرزق الخادم و المخدوم، و المملوك و المالك فإنه لولا أنه تعالى خلق الأطعمة و الأشربة، و أعطى القوة الغاذية و الهاضمة، و إلا لم يحصل لأحد رزق.

و الاحتمال الثاني: و هو قول الكلبي قال: المراد بقوله: وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرََازِقِينَ الوحش و الطير.

فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل مع أن صيغة من مختصة بمن يعقل؟ قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن صيغة من قد وردت في غير العقلاء، و الدليل عليه/قوله تعالى: وَ اَللََّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مََاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ََ أَرْبَعٍ [النور: 45]. و الثاني: أنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقا على اللّه حيث قال: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي‏

133

اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهََا وَ مُسْتَوْدَعَهََا [هود: 6]فكأنها عند الحاجة تطلب أرزاقها من خالقها فصارت شبيهة بمن يعقل من هذه الجهة، فلم يبعد ذكرها بصيغة من يعقل، ألا ترى أنه قال: يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ [النحل: 18]فذكرها بصيغة جمع العقلاء، و قال في الأصنام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء: 77]و قال: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ* [الأنبياء: 33]فكذا هاهنا لا يبعد إطلاق اللفظة المختصة بالعقلاء على الوحش و الطير لكونها شبيهة بالعقلاء من هذه الجهة و سمعت في بطن الحكايات أنه قلت المياه في الأودية و الجبال و اشتد الحر في عام من الأعوام فحكي عن بعضهم أنه رأى بعض الوحش رافعا رأسه إلى السماء عند اشتداد عطشه قال: فرأيت الغيوم قد أقبلت و أمطرت بحيث امتلأت الأودية منها.

و الاحتمال الثالث: أنا نحمل قوله: وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرََازِقِينَ على الإماء و العبيد، و على الوحش و الطير، و إنما أطلق عليها صيغة من تغليبا لجانب العقلاء على غيرهم.

المسألة الثانية: قوله: وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرََازِقِينَ لا يجوز أن يكون مجرورا عطفا على الضمير المجرور في لكم، لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، لا يقال أخذت منك و زيد إلا بإعادة الخافض كقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ [الأحزاب: 7].

و اعلم أن هذا المعنى جائز على قراءة من قرأ: تسائلون به و الأرحام [النساء: 1]بالخفض و قد ذكرنا هذه المسألة هنالك. و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ اعلم أنه تعالى لما بين أنه أنبت في الأرض كل شي‏ء موزون و جعل فيها معايش أتبعه بذكر ما هو كالسبب لذلك فقال: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ .

و هذا هو النوع الرابع من الدلائل المذكورة في هذه السورة على تقرير التوحيد، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه اللّه: الخزائن جمع الخزانة، و هو اسم المكان الذي يخزن فيه الشي‏ء أي يحفظ و الخزانة أيضا عمل الخازن، و يقال: خزن الشي‏ء يخزنه إذا أحرزه في خزانة، و عامة المفسرين على أن المراد بقوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ هو المطر، و ذلك لأنه هو السبب للأرزاق و لمعايش بني آدم و غيرهم من الطيور و الوحوش، فلما ذكر تعالى أنه يعطيهم المعايش بين أن خزائن المطر الذي هو سبب المعايش عنده، أي في أمره و حكمه و تدبيره، و قوله: وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ قال ابن عباس رحمهما اللّه:

يريد قدر الكفاية، و قال الحكم: ما من عام بأكثر مطرا من عام آخر، و لكنه يمطر قوم و يحرم قوم آخرون، و ربما كان في البحر، يعني أن اللّه تعالى ينزل المطر كل عام بقدر معلوم، غير أنه يصرفه إلى من يشاء حيث شاء كما شاء.

و لقائل أن يقول: لفظ الآية لا يدل على هذا المعنى، فإن قوله تعالى: وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ لا يدل على أنه تعالى ينزله في جميع الأعوام على قدر واحد، و إذا كان كذلك كان تفسير الآية بهذا المعنى تحكما من غير دليل. و أقول أيضا: تخصيص قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ بالمطر تحكم محض،

134

لأن قوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ يتناول جميع الأشياء إلا ما خصه الدليل، و هو الموجود القديم الواجب لذاته، و قوله: إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ إشارة إلى كون تلك الأشياء مقدورة له تعالى. و حاصل الأمر فيه أن المراد أن جميع الممكنات مقدورة له، و مملوكة يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء إلا أنه تعالى و إن كانت مقدوراته غير متناهية إلا أن الذي يخرجه منها إلى الوجود يجب أن يكون متناهيا لأن دخول ما لا نهاية له في الوجود محال فقوله: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية و قوله: وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ إشارة إلى أن كل ما يدخل منها في الوجود فهو متناه، و متى كان الخارج منها إلى الوجود متناهيا كان لا محالة مختصا في الحدوث بوقت مقدر مع جواز حصوله قبل ذلك الوقت أو بعده بدلا عنه، و كان مختصا بحيز معين مع جواز حصوله في سائر الأحياز بدلا عن ذلك الحيز، و كان مختصا بصفات معينة، مع أنه كان يجوز في العقل حصول سائر الصفات بدلا عن تلك الصفات، و إذا كان كذلك كان اختصاص تلك الأشياء المتناهية بذلك الوقت المعين و الحيز المعين، و الصفات المعينة بدلا عن أضدادها لا بد و أن يكون بتخصيص مخصص و تقدير مقدر، و هذا هو المراد من قوله: وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و المعنى: أنه لولا القادر المختار الذي خصص تلك الأشياء بتلك الأحوال الجائزة لامتنع اختصاصها بتلك الصفات الجائزة، و المراد من الإنزال الإحداث و الإنشاء و الإبداع كقوله تعالى: وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعََامِ ثَمََانِيَةَ أَزْوََاجٍ [الزمر: 6]و قوله: وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ [الحديد: 25]و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: تمسك بعض المعتزلة بهذه الآية في إثبات أن المعدوم شي‏ء قال لأن قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ عِنْدَنََا خَزََائِنُهُ يقتضي أن يكون لجميع الأشياء خزائن، و أن تكون تلك الخزائن حاصلة عند اللّه تعالى، و لا جائز أن يكون المراد من تلك الخزائن الموجودة عند اللّه تعالى هي تلك الموجودات من حيث إنها موجودة، لأنا بينا أن المراد من قوله تعالى: وَ مََا نُنَزِّلُهُ إِلاََّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ الإحداث و الإبداع و الإنشاء و التكوين، و هذا يقتضي أن يكون حصول تلك الخزائن عند اللّه متقدما على حدوثها و دخولها في الوجود، و إذا بطل هذا وجب أن يكون المراد أن تلك الذوات و الحقائق و الماهيات كانت متقررة عند اللّه تعالى، بمعنى أنها كانت ثابتة من حيث إنها حقائق و ماهيات، ثم إنه تعالى أنزل بعضها أي أخرج بعضها من العدم إلى الوجود.

و لقائل أن يجيب عن ذلك بقوله: لا شك أن لفظ الخزائن إنما ورد هاهنا على سبيل التمثيل و التخييل، فلم لا يجوز أن يكون المراد منه مجرد كونه تعالى قادرا على إيجاد تلك الأشياء و تكوينها و إخراجها من العدم إلى الوجود؟و على هذا التقدير يسقط الاستدلال، و المباحث الدقيقة باقية، و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ أَرْسَلْنَا اَلرِّيََاحَ لَوََاقِحَ فاعلم أن هذا هو النوع الخامس من دلائل التوحيد، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في وصف الرياح بأنها لواقح. أقوال:

القول الأول: قال ابن عباس: الرياح لواقح للشجر و للسحاب، و هو قول الحسن و قتادة و الضحاك و أصل هذا من قولهم: لقحت الناقة و ألقحها الفحل إذا ألقى الماء فيها فحملت، فكذلك الرياح جارية مجرى الفحل للسحاب.

قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: يبعث اللّه الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء و تمجه في السحاب، ثم إنه يعصر السحاب و يدره كما تدر اللقحة فهذا هو تفسير إلقاحها للسحاب، و أما تفسير إلقاحها للشجر فما ذكروه.

135

فإن قيل: كيف قال لَوََاقِحَ و هي ملقحة؟ و الجواب: ما ذهب إليه أبو عبيدة أن (لواقح) هاهنا بمعنى ملاقح جمع ملقحة و أنشد لسهيل يرثي أخاه:

لبيك يزيد يائس ذو ضراعة # و أشعث مما طوحته الطوائح‏

أراد المطوحات و قرر ابن الأنباري ذلك فقال: تقول العرب أبقل النبت فهل باقل يريدون هو مبقل و هذا يدل على جواز ورود لاقح عبارة عن ملقح.

و الوجه الثاني: في الجواب قال الزجاج: يجوز أن يقال لها لواقح و إن ألحقت غيرها لأن/معناها النسبة و هو كما يقال: درهم وازن، أي ذو وزن، و رامح و سائف، أي ذو رمح و ذو سيف قال الواحدي: هذا الجواب ليس بمغن، لأنه كان يجب أن يصح اللاقح. بمعنى ذات اللقاح و هذا ليس بشي‏ء، لأن اللاقح هو المنسوب إلى اللقحة، و من أفاد غيره اللقحة فله نسبة إلى اللقحة فصح هذا الجواب و اللّه أعلم.

و الوجه الثالث: في الجواب أن الريح في نفسها لاقح و تقريره بطريقين:

الطريق الأول: أن الريح حاصلة للسحاب، و الدليل عليه قوله سبحانه: وَ هُوَ اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيََاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتََّى إِذََا أَقَلَّتْ سَحََاباً ثِقََالاً [الأعراف: 57]أي حملت فعلى هذا المعنى تكون الريح لاقحة بمعنى أنها حاملة تحمل السحاب و الماء.

و الطريق الثاني: قال الزجاج: يجوز أن يقال للريح لقحت إذا أتت بالخير، كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بالخير، و هذا كما تقول العرب: قد لقحت الحرب و قد نتجت ولدا أنكد يشبهون ما تشتمل عليه من ضروب الشر بما تحمله الناقة فكذا هاهنا و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: الريح هواء متحرك و حركة الهواء بعد أن لم يكن متحركا لا بد له من سبب، و ذلك السبب ليس نفس كونه هواء و لا شيئا من لوازم ذاته، و إلا لدامت حركة الهواء بدوام ذاته و ذلك محال، فلم يبق إلا أن يقال: إنه يتحرك بتحريك الفاعل المختار، و الأحوال التي تذكرها الفلاسفة في سبب حركة الهواء عند حدوث الريح قد حكيناها في هذا الكتاب مرارا فأبطلناها و بينا أنه لا يمكن أن يكون شي‏ء منها سببا لحدوث الرياح، فبقي أن يكون محركها هو اللّه سبحانه.

و أما قوله: فَأَنْزَلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَسْقَيْنََاكُمُوهُ وَ مََا أَنْتُمْ لَهُ بِخََازِنِينَ ففيه مباحث: الأول: أن ماء المطر هل ينزل من السماء أو ينزل من ماء السحاب؟ و بتقدير أن يقال إنه ينزل من السحاب كيف أطلق اللّه على السحاب لفظ السماء؟ و ثانيها: أنه ليس السبب في حدوث المطر ما يذكره الفلاسفة بل السبب فيه أن الفاعل المختار ينزله من السحاب إلى الأرض لغرض الإحسان إلى العباد كما قال هاهنا: فَأَسْقَيْنََاكُمُوهُ قال الأزهري: تقول العرب لكل ما كان في بطون الأنعام و من السماء أو نهر يجري أسقيته أي جعلته شربا له، و جعلت له منها مسقى، فإذا كانت السقيا لسقيه قالوا سقاه، و لم يقولوا أسقاه. و الذي يؤكد هذا اختلاف القراء في قوله: نُسْقِيكُمْ مِمََّا فِي بُطُونِهِ [النحل: 66]فقرءوا باللغتين، و لم يختلفوا في قوله: وَ سَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََاباً طَهُوراً [الإنسان: 21]و في قوله: وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ [الشعراء: 79]قال أبو علي: سقيته حتى‏

136

روي و أسقيته نهرا، أي جعلته شربا له و قوله: فَأَسْقَيْنََاكُمُوهُ أي جعلناه/سقيا لكم و ربما قالوا في أسقى سقى كقول لبيد يصف سحابا:

أقول و صوبه مني بعيد # يحط السيب من قلل الجبال

سقى قومي بني نجد و أسقى # نميرا و القبائل من هلال‏

فقوله: سقى قومي ليس يريد به ما يروي عطاشهم و لكن يريد رزقهم سقيا لبلادهم يخصبون بها، و بعيد أن يسأل لقومه ما يروى العطاش و ليغرهم ما يخصبون به. و أما سقيا السقية فلا يقال فيها أسقاه، و أما قول ذي الرمة:

و أسقيه حتى كاد مما أبنه # تكلمني أحجاره و ملاعبة

فمعنى أسقيه أدعو له بالسقاء، و أقول سقاه اللّه و قوله: وَ مََا أَنْتُمْ لَهُ بِخََازِنِينَ يعني به ذلك الماء المنزل من السماء يعني لستم له بحافظين.

اعلم أن هذا هو النوع السادس من دلائل التوحيد و هو الاستدلال بحصول الإحياء و الإماتة لهذه الحيوانات على وجود الإله القادر المختار.

أما قوله: وَ إِنََّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ ففيه قولان: منهم من حمله على القدر المشترك بين إحياء النبات و الحيوان و منهم من يقول: وصف النبات بالإحياء مجاز فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان و لما ثبت بالدلائل العقلية أنه لا قدرة على خلق الحياة إلا للحق سبحانه كان حصول الحياة للحيوان دليلا قاطعا على وجود الإله الفاعل المختار، و قوله: وَ إِنََّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ يفيد الحصر أي لا قدرة على الإحياء و لا على الإماتة إلا لنا، و قوله: وَ نَحْنُ اَلْوََارِثُونَ معناه: أنه إذا مات جميع الخلائق، فحينئذ يزول ملك كل أحد عند موته، و يكون اللّه هو الباقي الحق المالك لكل المملوكات وحده فكان هذا شبيها بالإرث فكان وارثا من هذا الوجه.

و أما قوله: وَ لَقَدْ عَلِمْنَا اَلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا اَلْمُسْتَأْخِرِينَ ففيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في رواية عطاء: المستقدمين يريد أهل طاعة اللّه تعالى و المستأخرين يريد/المتخلفين عن طاعة اللّه. الثاني: أراد بالمستقدمين الصف الأول من أهل الصلاة، و بالمستأخرين الصف الآخر،

روي أنه صلّى اللّه عليه و سلم رغب في الصف الأول في الصلاة، فازدحم الناس عليه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية،

و المعنى: أنا نجزيهم على قدر نياتهم. الثالث: قال الضحاك و مقاتل: يعني في وصف القتال. الرابع:

قال ابن عباس في رواية أبي الجوزاء كانت امرأة حسناء تصلي خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و كان قوم يتقدمون إلى الصف الأول لئلا يروها و آخرون يتخلفون و يتأخرون ليروها و إذا ركعوا جافوا أيديهم لينظروا من تحت آباطهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.

الخامس: قيل المستقدمون هم الأموات و المستأخرون هم الأحياء. و قيل المستقدمون هم الأمم السالفة، و المستأخرون هم أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و قال عكرمة: المستقدمون من خلق و المستأخرون من لم يخلق.

137

و اعلم أنه تعالى لما قال: وَ إِنََّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَ نُمِيتُ أتبعه بقوله: وَ لَقَدْ عَلِمْنَا اَلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَ لَقَدْ عَلِمْنَا اَلْمُسْتَأْخِرِينَ تنبيها على أنه لا يخفى على اللّه شي‏ء من أحوالهم فيدخل فيه علمه تعالى بتقدمهم و تأخرهم في الحدوث و الوجود و بتقدمهم و تأخرهم في أنواع الطاعات و الخيرات و لا ينبغي أن نخص الآية بحالة دون حالة.

و أما قوله: وَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ فالمراد منه التنبيه على أن الحشر و النشر و البعث و القيامة أمر واجب و قوله: إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ معناه: أن الحكمة تقتضي وجوب الحشر و النشر على ما قررناه بالدلائل الكثيرة في أول سورة يونس عليه السلام.

في قوله تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ صَلْصََالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد فإنه تعالى لما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدمة أردفه بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب.

المسألة الثانية: ثبت بالدلائل القاطعة أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أول لها، و إذا ثبت هذا ظهر وجوب انتهاء الحوادث إلى حادث أول هو أول الحوادث، و إذا كان كذلك فلا بد من انتهاء الناس إلى إنسان هو أول الناس، و إذا كان كذلك فذلك الإنسان الأول غير مخلوق مع الأبوين فيكون مخلوقا لا محالة بقدرة اللّه تعالى. فقوله: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، و المفسرون أجمعوا على أن المراد منه هو آدم عليه السلام، و

نقل في «كتب الشيعة» عن محمد بن علي الباقر عليه السلام أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر

و أقول: هذا لا يقدح في حدوث العالم بل لأمر كيف كان، فلا بد من الانتهاء إلى إنسان أول هو أول الناس و أما أن ذلك الإنسان هو أبونا آدم، فلا طريق إلى إثباته إلا من جهة السمع.

و اعلم أن الجسم محدث، فوجب القطع بأن آدم عليه السلام و غيره من الأجسام يكون مخلوقا عن عدم محض، و أيضا دل قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ [آل عمران: 59]على أن آدم مخلوق من تراب، و دلت آية أخرى على أنه مخلوق من الطين، و هي قوله: إِنِّي خََالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ص: 71]و جاء في هذه الآية أن آدم عليه السلام مخلوق من صلصال من حمأ مسنون، و الأقرب أنه تعالى خلقه أولا من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار، و لا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل هو قادر على خلقه ابتداء، و إنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة أو لما فيه من دلالة الملائكة و مصلحتهم و مصلحة الجن، لأن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشي‏ء من شكله و جنسه.

المسألة الثالثة: في الصلصال قولان: قيل الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل و هو غير مطبوخ، و إذا طبخ فهو فخار. قالوا: إذا توهمت في صوته مدا فهو صليل، و إذا توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة. قال

138

المفسرون: خلق اللّه تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره و تركه في الشمس أربعين سنة، فصار صلصالا كالخزف و لا يدري أحد ما يراد به، و لم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح. و حقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة فلذلك سماه اللّه تعالى صلصالا.

و القول الثاني: الصلصال هو المنتن من قولهم صل اللحم و أصل إذا نتن و تغير، و هذا القول عندي ضعيف، لأنه تعالى قال: مِنْ صَلْصََالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ و كونه حمأ مسنونا يدل على النتن و التغير و ظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من حمإ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالا مغايرا لكونه حمأ مسنونا، و لو كان كونه صلصالا عبارة عن النتن و التغير لم يبق بين كونه/صلصالا، و بين كونه حمأ مسنونا تفاوت، و أما الحمأ فقال الليث الحمأة بوزن فعلة، و الجمع الحمأ و هو الطين الأسود المنتن. و قال أبو عبيدة و الأكثرون حماة بوزن كمأة و قوله: مَسْنُونٍ فيه أقوال: الأول: قال ابن السكيت سمعت أبا عمرو يقول في قوله: مَسْنُونٍ أي متغير قال أبو الهيثم يقال سن الماء، فهو مسنون أي تغير. و الدليل عليه قوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: 259]أي لم يتغير. الثاني: المسنون المحكوك و هو مأخوذ من سننت الحجر إذا حككته عليه، و الذي يخرج من بينهما يقال له السنن و سمي المسن مسنا لأن الحديد يسن عليه. و الثالث: قال الزجاج: هذا اللفظ مأخوذ من أنه موضوع على سنن الطريق لأنه متى كان كذلك فقد تغير. الرابع: قال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، و السن و الصب يقال سن الماء على وجهه سنا. الخامس: قال سيبويه: المسنون المصور على صورة و مثال، من سنة الوجه و هي صورته، السادس: روي عن ابن عباس أنه قال: المسنون الطين الرطب، و هذا يعود إلى قول أبي عبيدة، لأنه إذا كان رطبا يسيل و ينبسط على الأرض، فيكون مسنونا بمعنى أنه مصبوب.

أما قوله تعالى: وَ اَلْجَانَّ خَلَقْنََاهُ فاختلفوا في أن الجان من هو؟فقال عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس و هو قول الحسن و مقاتل و قتادة. و قال ابن عباس في رواية أخرى: الجان هو أب الجن و هو قول الأكثرين.

و سمي جانا لتواريه عن الأعين، كما سمي الجنين جنينا لهذا السبب، و الجنين متوار في بطن أمه، و معنى الجان في اللغة الساتر من قولك: جن الشي‏ء إذا ستره، فالجان المذكور هاهنا يحتمل أنه سمي جانا لأنه يستر نفسه عن أعين بني آدم، أو يكون من باب الفاعل الذي يراد به المفعول كما يقال في لابن و تامر و ماء دافق و عيشة راضية.

و اختلفوا في الجن فقال بعضهم: إنهم جنس غير الشياطين و الأصح أن الشياطين قسم من الجن، فكل من كان منهم مؤمنا فإنه لا يسمى بالشيطان، و كل من كان منهم كافرا يسمى بهذا الإسم، و الدليل على صحة ذلك أن لفظ الجن مشتق من الاستتار، فكل من كان كذلك كان من الجن، و قوله تعالى: خَلَقْنََاهُ مِنْ قَبْلُ قال ابن عباس: يريد من قبل خلق آدم، و قوله: مِنْ نََارِ اَلسَّمُومِ معنى السموم في اللغة: الريح الحارة تكون بالنهار و قد تكون بالليل، و على هذا فالريح الحارة فيها نار و لها لفح و أوار، على ما ورد في الخبر أنها لفح جهنم.

قيل: سميت سموما لأنها بلطفها تدخل في مسام البدن، و هي الخروق الخفية التي تكون في جلد الإنسان يبرز منها عرقه و بخار باطنه. قال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزأ من السموم التي خلق اللّه بها الجان و تلا هذه الآية.

139

فإن قيل: كيف يعقل خلق الجان من النار؟ قلنا: هذا على مذهبنا ظاهر، لأن البنية عندنا ليست شرطا لإمكان حصول الحياة، فاللّه تعالى قادر على خلق الحياة و العلم في الجوهر الفرد، فكذلك يكون قادرا على خلق الحياة و العقل في الجسم الحار، و استدل بعضهم على أن الكواكب يمتنع حصول الحياة فيها قال: لأن الشمس في غاية الحرارة و ما كان كذلك امتنع حصول الحياة فيه فننقضه عليه بقوله تعالى: وَ اَلْجَانَّ خَلَقْنََاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نََارِ اَلسَّمُومِ بل المعتمد في نفي الحياة عن الكواكب الإجماع.

اعلم أنه تعالى لما ذكر حدوث الإنسان الأول و استدل بذكره على وجود الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته و هو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له فأطاعوه إلا إبليس فإنه أبي و تمرد، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ما تفسير كونه بشرا. فالمراد منه كونه جسما كثيفا يباشر و يلاقي و الملائكة و الجن لا يباشرون للطف أجسامهم عن أجسام البشر، و البشرة ظاهرة الجلد من كل حيوان و أما كونه صلصالا من حمإ مسنون فقد تقدم ذكره. }و أما قوله: فَإِذََا سَوَّيْتُهُ ففيه/قولان: الأول: فإذا سويت شكله بالصورة الإنسانية و الخلقة البشرية. و الثاني: فإذا سويت أجزاء بدنه باعتدال الطبائع و تناسب الأمشاج كما قال تعالى: إِنََّا خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشََاجٍ [الإنسان: 2].

و أما قوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ففيه مباحث: الأول: أن النفخ إجراء الريح في تجاويف جسم آخر، و ظاهر هذا اللفظ يشعر بأن الروح هي الريح، و إلا لما صح و صفها بالنفخ إلا أن البحث الكامل في حقيقة الروح سيجي‏ء في قوله تعالى: قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85]و إنما أضاف اللّه سبحانه روح آدم إلى نفسه تشريفا له و تكريما. و قوله: فَقَعُوا لَهُ سََاجِدِينَ فيه مباحث: أحدها: أن ذلك السجود كان لآدم في الحقيقة أو كان آدم كالقبلة لذلك السجود، و هذا البحث قد تقدم ذكره في سورة البقرة. و ثانيها: أن المأمورين بالسجود لآدم عليه السلام كل ملائكة السموات أو بعضهم أو ملائكة الأرض، من الناس من لا يجوز أن يقال:

إن أكابر الملائكة كانوا مأمورين بالسجود لآدم عليه السلام، و الدليل عليه قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة الملائكة: إِنَّ اَلَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاََ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبََادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: 206]

140

فقوله: وَ لَهُ يَسْجُدُونَ يفيد الحصر، و ذلك يدل على أنهم لا يسجدون إلا للّه تعالى و ذلك ينافي كونهم ساجدين لآدم عليه السلام أو لأحد غير اللّه تعالى أقصى ما في الباب أن يقال: إن قوله تعالى: فَقَعُوا لَهُ سََاجِدِينَ يفيد العموم، إلا أن الخاص مقدم على العام. و ثالثها: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى كما نفخ الروح في آدم عليه السلام وجب على الملائكة أن يسجدوا له، لأن قوله: فَإِذََا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سََاجِدِينَ مذكور بفاء التعقيب و ذلك يمنع من التراخي‏}و قوله: فَسَجَدَ اَلْمَلاََئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ قال الخليل و سيبويه قوله: كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ توكيد بعد توكيد، و سئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال فسجد الملائكة احتمل أن يكون سجد بعضهم، فلما قال: كُلُّهُمْ زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال آخر و هو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد منهم في وقت آخر فلما قال:

أَجْمَعُونَ ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة، و لما حكى الزجاج هذا القول عن المبرد قال: و قول الخليل و سيبويه أجود، لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالا}و قوله: إِلاََّ إِبْلِيسَ أجمعوا على أن إبليس كان مأمورا بالسجود لآدم، و اختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا؟و قد سبقت هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة و قوله: أَبى‏ََ أَنْ يَكُونَ مَعَ اَلسََّاجِدِينَ استئناف و تقديره أن قائلا قال: هلا سجد فقيل: أبى ذلك و استكبر عنه.

أما قوله: قََالَ يََا إِبْلِيسُ مََا لَكَ أَلاََّ تَكُونَ مَعَ اَلسََّاجِدِينَ فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله:

قََالَ يََا إِبْلِيسُ أي قال اللّه تعالى له يا إبليس و هذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه، فعند هذا قال/بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله، إلا أن هذا ضعيف، لأن إبليس قال في الجواب: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصََالٍ فقوله: خَلَقْتَهُ خطاب الحضور لا خطاب الغيبة، و ظاهره يقتضي أن اللّه تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة و أن إبليس تكلم مع اللّه تعالى بغير واسطة، و كيف يعقل هذا مع أن مكالمة اللّه تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب و أشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة و رئيسهم، و لعل الجواب عنه أن مكالمة اللّه تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كان على سبيل الإكرام و الإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة و الإذلال فلا، و قوله: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصََالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فيه بحثان:

البحث الأول: اللام في قوله: لِأَسْجُدَ لتأكيد النفي، و معناه: لا يصح مني أن أسجد لبشر.

البحث الثاني: معنى هذا الكلام أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا و هو كان روحانيا لطيفا، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه. كأنه يقول: البشر جسماني كثيف له بشرة، و أنا روحاني لطيف، و الجسماني الكثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف، و الأدون كيف يكون مسجودا للأعلى، و أيضا أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمإ مسنون، فهذا الأصل في غاية الدناءة و أصل إبليس هو النار و هي أشرف العناصر، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، و الأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية و الروحانية، و هو فرق حاصل في الحال و الكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر و الأصل، فهذا مجموع شبهة إبليس‏}و قوله تعالى: قََالَ فَاخْرُجْ مِنْهََا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ فهذا ليس جوابا عن تلك الشبهة على سبيل التصريح، و لكنه جواب عنها على سبيل التنبيه. و تقريره أن الذي قاله اللّه تعالى نص، و الذي قاله إبليس قياس، و من عارض النص‏

141

بالقياس كان رجيما ملعونا. و تمام الكلام في هذا المعنى ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف، و قوله: فَاخْرُجْ مِنْهََا قيل المراد من جنة عدن، و قيل من السموات، و قيل من زمرة الملائكة، و تمام هذا الكلام مع تفسير الرجيم قد سبق ذكره في سورة الأعراف‏}و قوله: وَ إِنَّ عَلَيْكَ اَللَّعْنَةَ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلدِّينِ قال ابن عباس يريد يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم مثل قوله: مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ [الفاتحة: 4].

فإن قيل: كلمة (إلى) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل إلا إلى يوم القيامة، و عند قيام القيامة يزول اللعن.

أجابوا عنه من وجوه: الأول: المراد منه التأبيد، و ذكر القيامة أبعد غاية يذكرها الناس/في كلامهم كقولهم: مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ* [هود: 107]في التأبيد. و الثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات و الأرض إلى يوم الدين من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذابا ينسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه.

في قوله تعالى قََالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: فَأَنْظِرْنِي متعلق بما تقدم و التقدير: إذا جعلتني رجيما ملعونا إلى يوم الدين فأنظرني فطلب الإبقاء من اللّه تعالى عند اليأس من الآخرة إلى وقت قيام القيامة. لأن قوله: إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ المراد منه يوم البعث و النشور و هو يوم القيامة، }}و قوله: فَإِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ‏`إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ اعلم أن إبليس استنظر إلى يوم البعث و القيامة، و غرضه منه أن لا يموت لأنه إذا كان لا يموت قبل يوم القيامة، و ظاهره أن بعد قيام القيامة لا يموت أحد فحينئذ يلزم منه أن لا يموت ألبتة. ثم إنه تعالى منعه عن هذا المطلوب و قال:

فَإِنَّكَ مِنَ اَلْمُنْظَرِينَ‏`إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْوَقْتِ اَلْمَعْلُومِ و اختلفوا في المراد منه على وجوه: أحدها: أن المراد من يوم الوقت المعلوم وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق، و إنما سمي هذا الوقت بالوقت المعلوم لأن من المعلوم أن يموت كل الخلائق فيه. و قيل: إنما سماه اللّه تعالى بهذا الاسم، لأن العالم بذلك الوقت هو اللّه تعالى لا غير كما قال تعالى: إِنَّمََا عِلْمُهََا عِنْدَ رَبِّي لاََ يُجَلِّيهََا لِوَقْتِهََا إِلاََّ هُوَ [الأعراف: 187]و قال: إِنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ [لقمان: 34]. و ثانيها: أن المراد من يوم الوقت المعلوم هو الذي ذكره إبليس و هو قوله:

إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ و إنما سماه تعالى بيوم الوقت المعلوم؟لأن إبليس لما عينه و أشار إليه بعينه صار ذلك كالمعلوم.

142

فإن قيل: لما أجابه اللّه تعالى إلى مطلوبه لزم أن لا يموت إلى وقت قيام الساعة و بعد قيام القيامة لا يموت أيضا، فيلزم أن يندفع عنه الموت بالكلية.

قلنا: يحمل قوله: إِلى‏ََ يَوْمِ يُبْعَثُونَ إلى ما يكون قريبا منه. و الوقت الذي يموت فيه كل المكلفين قريب من يوم البعث، و على هذا الوجه فيرجع حاصل هذا الكلام إلى الوجه الأول. و ثالثها: أن المراد بيوم الوقت المعلوم يوم لا يعلمه إلا اللّه تعالى، و ليس المراد منه يوم القيامة.

فإن قيل: إنه لا يجوز أن يعلم المكلف متى يموت، لأن فيه إغراء بالمعاصي، و ذلك لا يجوز على اللّه تعالى.

أجيب عنه بأن هذا الإلزام إنما يتوجه إذا كان وقت قيام القيامة معلوما للمكلف. فأما إذا علم أنه تعالى أمهله إلى وقت قيام القيامة إلا أنه تعالى ما أعلمه الوقت الذي تقوم القيامة فيه فلم يلزم منه الإغراء بالمعاصي.

و أجيب عن هذا الجواب بأنه و إن لم يعلم الوقت الذي فيه تقوم القيامة على التعيين إلا أنه علم في الجملة أن من وقت خلقة آدم عليه الصلاة و السلام إلى وقت قيام القيامة مدة طويلة فكأنه قد علم أنه لا يموت في تلك المدة الطويلة.

أما قوله تعالى: قََالَ رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ففيه بحثان:

البحث الأول: الباء في بِمََا أَغْوَيْتَنِي للقسم و ما مصدرية، و جواب القسم لأزينن. و المعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم، و نظيره قوله تعالى: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 82]إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة اللّه، و هي من صفات الذات، و في قوله: بِمََا أَغْوَيْتَنِي أقسم بإغواء اللّه و هو من صفات الأفعال. و الفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات صحيح، أما بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه. و نقل الواحدي عن قوم آخرين أنهم قالوا: الباء هاهنا بمعنى السبب، أي بسبب كوني غاويا لأزينن كقول القائل، أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار، و بطاعته ليدخلن الجنة.

البحث الثاني: اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر و يصده عن الدين و يغويه عن الحق من وجوه: الأول: أن إبليس استمهل و طلب البقاء إلى قيام القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا الإمهال و الإبقاء لإغواء بني آدم و إضلالهم و أنه تعالى أمهله و أجابه إلى هذا المطلوب، و لو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين في الدين لما أمهله هذا الزمان الطويل، و لما مكنه من الإغواء و الإضلال و الوسوسة. الثاني: أن أكابر الأنبياء و الأولياء مجدون و مجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق، و أن إبليس و رهطه و شيعته مجدون/و مجتهدون في الضلال و الإغواء، فلو كان مراد اللّه تعالى هو الإرشاد و الهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين و المحققين و إهلاك المضلين و المغوين، و حيث فعل بالضد منه، علمنا أنه أراد بهم الخذلان و الكفر. الثالث: أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على الكفر و أنه ملعون إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر و القبيح، لأنه أيس عن المغفرة و الفوز بالجنة يجترئ حينئذ على أنواع المعاصي و الكفر. الرابع: أنه لما سأل اللّه تعالى هذا العمر الطويل، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر و المعصية، و بسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سببا لمزيد عذابه،

143

و ذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه و عقابه. الخامس: أنه صرح بأن اللّه أغواه فقال: رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي و ذلك تصريح بأن اللّه تعالى أغواه لا يقال: هذا كلام إبليس و هو ليس بحجة، و أيضا فهو معارض بقول إبليس: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فأضاف الإغواء إلى نفسه، لأنا نقول.

أما الجواب عن الأول: فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن اللّه تعالى ما أنكره عليه و ذلك يدل على أنه كان صادقا فيما قال.

و أما الجواب عن الثاني: فهو أنه قال في هذه الآية: رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فالمراد هاهنا من قوله: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ هو المراد من قوله في تلك الآية: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن اللّه تعالى أغواه قبل ذلك، و على هذا التقدير فقد زال التناقض و يتأكد هذا بما ذكره اللّه تعالى حكاية عن الشياطين في سورة القصص: هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَغْوَيْنََا أَغْوَيْنََاهُمْ كَمََا غَوَيْنََا [القصص: 63].

السؤال السادس: أنه أقل: رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي و هذا اعتراف بأن اللّه تعالى أغواه فنقول: إما أن يقال: إنه كان قد عرف بأن اللّه تعالى أغواه، أو ما عرف ذلك، فإن كان قد عرف بأن اللّه تعالى أغواه امتنع كونه غاويا لأنه إنما يعرف أن اللّه تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل و باطل، و من عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل و الضلالة، و أما إن قلنا: بأنه ما عرف أن اللّه أغواه فكيف أمكنه أن يقول: رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي فهذا مجموع السؤالات الواردة في هذه الآية.

أما الإشكال الأول: فللمعتزلة فيه طريقان:

الطريق الأول: و هو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته، فبتقدير أن لا يوجد إبليس و لا وسوسته/فإن ذلك الكافر، و العاصي كان يأتي بذلك الكفر و المعصية، فلما كان الأمر كذلك، لا جرم أمهله هذه المدة.

الطريق الثاني: و هو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال: إنه تعالى علم أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر و المعصية، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر و المعصية، بل الكافر و العاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر و تلك المعصية، أقصى ما في الباب أن يقال: الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات، و ذلك لا يمنع الحكيم من فعله، كما أن إنزال المشاق و إنزال المتشابهات صار سببا لمزيد الشبهات، و مع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا هاهنا، و هذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني.

و أما السؤال الثالث: و هو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة على المعاصي و الإكثار منها، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم اللّه تعالى من حاله أن ذلك لا يوجب التفاوت ألبتة، فالسؤال زائل، و هذا بعينه هو الجواب عن السؤال الرابع.

و أما السؤال الخامس: و هو أن إبليس صرح بأن اللّه تعالى أغواه و أضله عن الدين، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى: أحدها: المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك.

144

و ثانيها: المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضا عنه بالدعاء إلى المعصية. و ثالثها: أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة، و بالثاني الإضلال. و رابعها: أن المراد بإغواء اللّه تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس، فأما أن يقال: إن ذلك الأمر صار موجبا لذاته لحصول ذلك الغي، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب و كله ضعيف، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول: هذا باطل، و يدل عليه القرآن و البرهان، أما القرآن فقوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطََانُ [البقرة: 36]فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان، و قال: فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ََ [طه: 117]فأضاف الإخراج إليه، و قال موسى عليه السلام: هََذََا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطََانِ [القصص: 15]و كل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثرا، و أما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبدا في القبائح. و ينفره عن الخيرات، مثل شخص كان حاله بالضد منه، و العلم بهذا التفاوت ضروري. و أما قوله إن وجوده يصير سببا لزيادة المشقة في الطاعة /فنقول: تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة الثواب على أحد التقديرين، و في الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني و هو التقدير الأكثر الأغلب، و كل من يراعي المصالح، فإنه رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلا، و لما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة، و أما قوله: المراد من قوله:

رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن طريق الجنة فنقول: كل هذا بعيد، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة و هو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة، و أضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى اللّه تعالى فثبت أن الإشكالات لازمة و أن أجوبتهم ضعيفة. و اللّه أعلم.

و أما قوله: إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن إبليس استثنى المخلصين، لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم، و لا يقبلون منه، و ذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر الاستثناء أن لا يصير كاذبا في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير و ابن عامر و أبو عمرو: المخلصين بكسر اللام في كل القرآن، و الباقون بفتح اللام. وجه القراءة الأولى أنهم الذين أخلصوا دينهم و عبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان و التوحيد، و من فتح اللام فمعناه: الذين أخلصهم اللّه بالهداية و الإيمان، و التوفيق، و العصمة، و هذه القراءة تدل على أن الإخلاص و الإيمان ليس إلا من اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: الإخلاص جعل الشي‏ء خالصا عن شائبة الغير فنقول: كل من أتى بعمل فإما أن يكون قد أتى به للّه فقط أو لغير اللّه فقط، أو لمجموع الأمرين، و على هذا التقدير الثالث فإما أن يكون طلب رضوان اللّه راجحا أو مرجوحا أو معادلا، و التقدير الرابع أن يأتي به لا لغرض أصلا و هذا محال، لأن الفعل بدون الداعية محال.

أما الأول: فهو الإخلاص في حق اللّه تعالى، لأن الحامل له على ذلك الفعل طلب رضوان اللّه، و ما جعل

145

هذه الداعية مشوبة بداعية أخرى بل بقيت خالصة عن شوائب الغير، فهذا هو الإخلاص.

و أما الثاني: و هو الإخلاص في حق غير اللّه، فظاهر أن هذا لا يكون إخلاصا في حق اللّه تعالى.

و أما الثالث: و هو أن يشتمل على الجهتين إلا أن جانب اللّه يكون راجحا، فهذا يرجى أن يكون من المخلصين، لأن المثل يقابله المثل. فيبقى القدر الزائد خالصا عن الشوب.

و أما الرابع و الخامس: فظاهر أنه ليس من المخلصين في حق اللّه تعالى، و الحاصل أن القسم الأول:

إخلاص في حق اللّه تعالى قطعا. و القسم الثاني: يرجى من فضل اللّه أن يجعله من قسم الإخلاص و أما سائر الأقسام فهو خارج عن الإخلاص قطعا و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: قََالَ هََذََا صِرََاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ففيه وجوه: الأول: أن إبليس لما قال: إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ فلفظ المخلص يدل على الإخلاص، فقوله هذا عائد إلى الإخلاص، و المعنى: أن الإخلاص طريق على و إلي، أي أنه يؤدي إلى كرامتي و ثوابي، و قال الحسن: معناه هذا صراط إلى مستقيم، و قال آخرون:

هذا صراط من مر عليه، فكأنه مر علي و على رضواني و كرامتي و هو كما يقال: طريقك علي. الثاني: أن الإخلاص طريق العبودية فقوله: هََذََا صِرََاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ أي هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم.

الثالث: قال بعضهم: لما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه اللّه بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى اللّه تعالى و إلى إرادته فقال تعالى: هََذََا صِرََاطٌ عَلَيَّ أي تفويض الأمور إلى إرادتي و مشيئتي طريق علي مستقيم. الرابع: معناه: هذا صراط علي تقريره و تأكيده، و هو مستقيم حق و صدق، و قرأ يعقوب:

صراط علي بالرفع و التنوين على أنه صفة لقوله: صِرََاطٌ أي هو علي بمعنى أنه رفيع مستقيم لا عوج فيه.

قال الواحدي: معناه أن طريق التفويض إلى اللّه تعالى و الإيمان بقضاء اللّه طريق رفيع مستقيم.

في قوله تعالى إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ إلى قوله لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ اعلم أن إبليس لما قال: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏`إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد اللّه الذين يكونون من المخلصين، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد اللّه سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين، بل من اتبع منهم/إبليس باختياره صار متبعا له، و لكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها و الحاصل في هذا القول: أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد اللّه سلطانا، فبين تعالى كذبه فيه، و ذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان و لا قدرة أصلا، و نظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: 22]و قال تعالى في آية أخرى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطََانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ*`إِنَّمََا سُلْطََانُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: 99، 100]قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان و الجن يمكنهم صرع الناس و إزالة عقولهم كما يقوله العامة، و ربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال و ذلك خلاف ما نص اللّه تعالى عليه، و في الآية

146

قول آخر، و هو أن إبليس لما قال: إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ [الحجر: 40]فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه اللّه في هذا الاستثناء فقال: إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ إِلاََّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغََاوِينَ فلهذا قال الكلبي: العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس.

و اعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله: إِلاََّ مَنِ اِتَّبَعَكَ استثناء، لأن المعنى: أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر و النهي.

و أما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء، بل تكون لفظة (إلا) بمعنى لكن، }و قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ قال ابن عباس: يريد إبليس و أشياعه، و من اتبعه من الغاوين.

ثم قال تعالى: لَهََا سَبْعَةُ أَبْوََابٍ و فيه قولان:

القول الأول: إنها سبع طبقات: بعضها فوق البعض و تسمى تلك الطبقات بالدركات، و يدل على كونها كذلك قوله تعالى: إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ فِي اَلدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ اَلنََّارِ [النساء: 145].

و القول الثاني: إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام: و لكل قسم باب، و عن ابن جريج: أولها: جهنم. ثم لظى. ثم الحطمة. ثم السعير. ثم سقر. ثم الجحيم. ثم الهاوية. قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون. و الثانية: لليهود. و الثالثة: للنصارى. و الرابعة: للصابئين.

و الخامسة: للمجوس. و السادسة: للمشركين. و السابعة: للمنافقين. و قوله: لِكُلِّ بََابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: جُزْءٌ مَقْسُومٌ و الباقون (جز) بتخفيف الزاي. و قرأ الزهري: (جز) بالتشديد، كأنه حذف الهمزة و ألقى حركتها على الزاي، كقولك: خب/في خب‏ء، ثم وقف عليه بالتشديد.

المسألة الثانية: الجزء بعض الشي‏ء، و الجمع الأجزاء، و جزأته جعلته أجزاء. و المعنى: أنه تعالى يجزي أتباع إبليس إجزاء، بمعنى أنه يجعلهم أقساما و فرقا، و يدخل في كل قسم من أقسام جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف. و السبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ و الخفة، فلا جرم صارت مراتب العذاب و العقاب مختلفة بالغلظ و الخفة، و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في قوله: إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ قولان:

147

القول الأول: قال الجبائي و جمهور المعتزلة: القائلون بالوعيد المراد بالمتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي. قالوا: لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك.

و القول الثاني: و هو قول جمهور الصحابة و التابعين، و هو المنقول عن ابن عباس أن المراد الذين اتقوا الشرك باللّه تعالى و الكفر به. و أقول: هذا القول هو الحق الصحيح، و الذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة واحدة، و القاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط الوصف كونه ضاربا و قاتلا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب و القتل، فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى، و الذي يقوي هذا الكلام أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى، لأن كل فرد من أفراد الماهية فإنه يجب كونه مشتملا على تلك الماهية، فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقيا، فثبت أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقيا، و لهذا التحقيق اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار.

إذا ثبت هذا فنقول: ظاهر قوله: إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ يقتضي حصول الجنات و العيون/لكل من اتقى عن شي‏ء واحد، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم، و أيضا فإن هذه الآية وردت عقيب قول إبليس: إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ [الحجر: 40]و عقيب قول اللّه تعالى:

إِنَّ عِبََادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ [الحجر: 42]فلأجل هذه الدلائل اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر، لأن تخصيص العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل و الظاهر، فثبت أن قوله: إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ يتناول جميع القائلين بلا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه قولا و اعتقادا سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية و هذا تقرير بين، و كلام ظاهر.

المسألة الثانية: قوله تعالى: فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ أما الجنات فأربعة لقوله تعالى: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ [الرحمن: 46]ثم قال: وَ مِنْ دُونِهِمََا جَنَّتََانِ [الرحمن: 46]فيكون المجموع أربعة و قوله: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ يؤكد ما قلناه، لأن من آمن باللّه لا ينفك قلبه عن الخوف من اللّه تعالى و قوله: وَ لِمَنْ خََافَ يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة، و أما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر اللّه تعالى في قوله: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَ أَنْهََارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ أَنْهََارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ وَ أَنْهََارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: 15]و يحتمل أن يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار.

فإن قيل: أ تقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل: لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين و ينتفع به كل من في خدمته من الحور و الولدان، و يكون ذلك على قدر حاجتهم و على حسب شهواتهم، و يحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد و الحسد}و قوله: اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ آمِنِينَ يحتمل أن القائل لقوله: اُدْخُلُوهََا هو اللّه تعالى و أن يكون ذلك القائل بعض ملائكته، و فيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات و عيون، و إذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم: اُدْخُلُوهََا .

148

و الجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها: اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ . الثاني:

لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها و قوله: اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ آمِنِينَ المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال و مع القطع ببقاء هذه السلامة، و الأمن من زوالها.

ثم قال تعالى: وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ و الغل الحقد الكامن في القلب و هو مأخوذ/من قولهم: أغل في جوفه و تغلغل، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع اللّه ذلك من قلوبهم و طيب نفوسهم، و

عن علي عليه السلام أنه قال: أرجو أن أكون أنا و عثمان و طلحة و الزبير منهم،

و

حكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالسا عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي: مرحبا بك يا ابن أخي، أما و اللّه إني لأرجو أن أكون أنا و أبوك ممن قال اللّه تعالى في حقهم: وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ فقال الحرث: كلا بل اللّه أعدل من أن يجعلك و طلحة في مكان واحد. قال عليه السلام: فلمن هذه الآية؟لا أم لك يا أعور،

و

روي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض، ثم يؤمر بهم إلى الجنة.

و قد نقى اللّه قلوبهم من الغل و الغش، و الحقد و الحسد،

و قوله: إِخْوََاناً نصب على الحال و ليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة و المخالصة كما قال: اَلْأَخِلاََّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67]و قوله: عَلى‏ََ سُرُرٍ مُتَقََابِلِينَ السرير معروف و الجمع أسرة و سرر قال أبو عبيدة يقال: سرر و سرر بفتح الراء و كذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل و فعل نحو: سرر و سرر، و جدد و جدد قال المفضل: بعض تميم و كلب يفتحون، لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد، و قال بعض أهل المعاني: السرير مجلس رفيع مهيأ للسرور و هو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. قال الليث: و سرير العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره و فرحه قال ابن عباس: يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد و الدر و الياقوت، و السرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية، و قوله: مُتَقََابِلِينَ التقابل التواجه، و هو نقيض التدابر، و لا شك أن المواجهة أشرف الأحوال‏}و قوله: لاََ يَمَسُّهُمْ فِيهََا نَصَبٌ النصب الإعياء و التعب أي لا ينالهم فيها تعب: وَ مََا هُمْ مِنْهََا بِمُخْرَجِينَ و المراد به كونه خلودا بلا زوال و بقاء بلا فناء، و كمالا بلا نقصان، و فوزا بلا حرمان.

و اعلم أن للثواب أربع شرائط: و هي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة عن الشوائب دائمة.

أما القيد الأول: و هو كونها منفعة فإليه الإشارة بقوله: إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ .

و أما القيد الثاني: و هو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الإشارة بقوله: اُدْخُلُوهََا بِسَلاََمٍ آمِنِينَ لأن اللّه سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ذلك بنهاية التعظيم و غاية الإجلال.

و أما القيد الثالث: و هو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر، فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية، و إما أن تكون جسمانية، أما المضار الروحانية فهي الحقد، و الحسد، و الغل، و الغضب، و أما المضار الجسمانية فكالإعياء و التعب فقوله: وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ/إِخْوََاناً عَلى‏ََ سُرُرٍ مُتَقََابِلِينَ إشارة إلى نفي المضار الروحانية و قوله: لاََ يَمَسُّهُمْ فِيهََا نَصَبٌ إشارة إلى نفي المضار الجسمانية.

149

و أما القيد الرابع: و هو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله: وَ مََا هُمْ مِنْهََا بِمُخْرَجِينَ فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب و لحكماء الإسلام في هذه الآية مقال، فإنهم قالوا: المراد من قوله: وَ نَزَعْنََا مََا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية و الغضبية، مبرأة عن حوادث الوهم و الخيال، و قوله: إِخْوََاناً عَلى‏ََ سُرُرٍ مُتَقََابِلِينَ معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام و نوازع الخيال و الأوهام، و وقع عليها أنوار عالم الكبرياء و الجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية، و تلألأت بتلك الأضواء الصمدية، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله: إِخْوََاناً عَلى‏ََ سُرُرٍ مُتَقََابِلِينَ و اللّه أعلم.

} في الآية مسألتان:

المسألة الأولى: أثبتت الهمزة الساكنة في (نبى‏ء) صورة، و ما أثبتت في قوله: دِفْ‏ءٌ . و جُزْءٌ لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرا و تلقى حركتها على الساكن قبلها، فـ (نبى‏ء) في الخط على تحقيق الهمزة، و ليس قبل همزة (نبى‏ء) ساكن فأجروها على قياس الأصل:

المسألة الثانية: اعلم أن عباد اللّه قسمان: منهم من يكون متقيا، و منهم من لا يكون كذلك، فلما ذكر اللّه تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال: نَبِّئْ عِبََادِي .

و اعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فههنا وصفهم بكونهم عبادا له، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفورا رحيما، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كون اللّه غفورا رحيما و من أنكر ذلك كان مستوجبا للعقاب الأليم. و في الآية لطائف: إحداها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: عِبََادِي و هذا تشريف عظيم. ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدا/صلّى اللّه عليه و سلم ليلة المعراج لم يزد على قوله: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ [الإسراء: 1]. و ثانيها: أنه لما ذكر الرحمة و المغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها: قوله: أَنِّي .

و ثانيها: قوله: أَنَا . و ثالثها: إدخال حرف الألف و اللام على قوله: اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ و لما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب و ما وصف نفسه بذلك بل قال: وَ أَنَّ عَذََابِي هُوَ اَلْعَذََابُ اَلْأَلِيمُ . و ثالثها: أنه أمر رسوله أن يبلغ إليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة و الرحمة. و رابعها: أنه لما قال:

نَبِّئْ عِبََادِي كان معناه نبى‏ء كل من كان معترفا بعبوديتي، و هذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي، و كل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من اللّه تعالى. و

عن قتادة قال: بلغنا عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: «لو يعلم العبد قدر عفو اللّه تعالى ما تورع من حرام، و لو علم قدر عقابه لبخع نفسه»

أي قتلها و

عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أنه مر بنفر من أصحابه، و هم يضحكون فقال: «أ تضحكون و النار بين أيديكم» فنزل قوله: نَبِّئْ عِبََادِي أَنِّي أَنَا اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ

و اللّه أعلم.

150

في قوله تعالى وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ‏`إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقََالُوا سَلاََماً قََالَ إِنََّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة و صفة الأشقياء و السعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء، و محذرا عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء، فبدأ أولا بقصة إبراهيم عليه السلام، و الضمير، في قوله: وَ نَبِّئْهُمْ راجع إلى قوله: عِبََادِي و التقدير: و نبى‏ء عبادي عن ضيف إبراهيم، يقال: أنبأت القوم إنباء و نبأتهم تنبئة إذا/أخبرتهم و ذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر. و بإنجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب و أخبروه أيضا بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال، و كل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين، و أن عذابه عذاب أليم في حق الكفار.

المسألة الثانية: الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانا لطلب القرى، ثم سمى به، و لذلك وحد في اللفظ و هم جماعة.

فإن قيل: كيف سماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل؟ قلنا: لما ظن إبراهيم أنهم إنما دخلوا عليه لطلب الضيافة جاز تسميتهم بذلك. و قيل أيضا: إن من يدخل دار الإنسان و يلتجئ إليه يسمى ضيفا و إن لم يأكل، }و قوله تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقََالُوا سَلاََماً أي نسلم عليك سلاما أو سلمت سلاما، فقال إبراهيم: إِنََّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ أي خائفون، و كان خوفه لامتناعهم من الأكل. و قيل: لأنهم دخلوا عليه بغير إذن و بغير وقت و قرأ الحسن: لاََ تَوْجَلْ بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه. و قرئ لا تأجل و لا تواجل من واجله بمعنى أو جله، و هذه القصة قد مر ذكرها بالاستقصاء في سورة هود. و قوله: قََالُوا لاََ تَوْجَلْ إِنََّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ فيه أبحاث:

البحث الأول: قرأ حمزة: إِنََّا نُبَشِّرُكَ بفتح النون، و تخفيف الباء، و الباقون: نُبَشِّرُكَ بالتشديد.

البحث الثاني: قوله: إِنََّا نُبَشِّرُكَ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، و المعنى: أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل.

البحث الثالث: قوله: إِنََّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ بشروه بأمرين: أحدهما: أن الولد ذكر و الآخر أنه يصير عليما، و اختلفوا في تفسير العليم، فقيل: بشروه بنبوته بعده. و قيل: بشروه بأنه عليم بالدين. }ثم حكى اللّه‏

151

تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر فيم تبشرون، فمعنى: عَلى‏ََ هاهنا للحال أي حالة الكبر، و قوله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: لفظ ما هاهنا استفهام بمعنى التعجب كأنه قال: بأي أعجوبة تبشروني؟ فإن قيل: في الآية إشكالان: الأول: أنه كيف استبعد قدرة اللّه تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر و إنكار قدرة اللّه تعالى في هذا الموضع كفر. الثاني: كيف قال: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ مع أنهم قد بينوا ما بشروه به، و ما فائدة هذا الاستفهام. قال القاضي: أحسن ما قيل في الجواب عن/ذلك أنه أراد أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع أنه يبقيه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شابا، ثم يعطيه الولد، و السبب في هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة و إنما يحصل في حال الشباب.

فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم فلم قالوا: بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين.

قلنا: إنهم بينوا أن اللّه تعالى بشره بالولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة و قولهم: فلا تكن من القانطين. لا يدل على أنه كان كذلك، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال: وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضََّالُّونَ و فيه جواب آخر، و هو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شي‏ء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه و سروره و يصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له و المزيل لقوة فهمه و ذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت، و قيل أيضا: إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى و مرتين و أكثر طلبا للالتذاذ بسماع تلك البشارة، و طلبا لزيادة الطمأنينة و الوثوق مثل قوله: وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260]و قيل أيضا: استفهم أ بأمر اللّه تبشرون أم من عند أنفسكم و اجتهادكم؟ المسألة الثانية: قرأ نافع: تبشرون بكسر النون خفيفة في كل القرآن، و قرأ ابن كثير بكسر النون و تشديدها. و الباقون بفتح النون خفيفة، أما الكسر و التشديد فتقديره تبشرونني أدغمت نون الجمع في نون الإضافة، و أما الكسر و التخفيف فعلى حذف نون الجمع استثقالا لاجتماع المثلين و طلبا للتخفيف قال أبو حاتم: حذف نافع الياء مع النون. قال: و إسقاط الحرفين لا يجوز، و أجيب عنه: بأنه أسقط حرفا واحدا و هي النون التي هي علامة للرفع. و على أن حذف الحرفين جائز قال تعالى في موضع: وَ لاََ تَكُ و في موضع:

وَ لاََ تَكُنْ* فأما فتح النون فعلى غير الإضافة و النون علامة الرفع و هي مفتوحة أبدا، و قوله: بَشَّرْنََاكَ بِالْحَقِّ قال ابن عباس: يريد بما قضاه اللّه تعالى و المعنى: أن اللّه تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحاق عليه السلام. و يخرج من صلب إسحاق مثل ما أخرج من صلب آدم فإنه تعالى بشر بأنه يخرج من صلب إسحاق أكثر الأنبياء فقوله: بِالْحَقِّ إشارة إلى هذا المعنى و قوله: فَلاََ تَكُنْ مِنَ اَلْقََانِطِينَ نهي لإبراهيم عليه السلام عن القنوط و قد ذكرنا كثيرا أن نهي الإنسان عن الشي‏ء لا يدل على كون المنهي فاعلا للمنهى عنه كما في قوله:

وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ* [الأحزاب: 1] ثم حكى تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضََّالُّونَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: هذا الكلام حق، لان القنوط من رحمة اللّه تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: ـ

152

أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادرا عليه. و ثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالما باحتياج ذلك العبد إليه. و ثالثها:

أن يجهل كونه تعالى منزها عن البخل و الحاجة و الجهل فكل هذه الأمور سبب للضلال، فلهذا المعنى قال:

وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ اَلضََّالُّونَ .

المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو و الكسائي: (يقنط) بكسر النون و لا تقنطوا كذلك، و الباقون بفتح النون و هما لغتان: قنط يقنط، نحو ضرب يضرب، و قنط يقنط نحو علم يعلم، و حكى أبو عبيدة: قنط يقنط بضم النون، قال أبو علي الفارسي: قنط يقنط بفتح النون في الماضي و كسرها في المستقبل من أعلى اللغات يدل على ذلك اجتماعهم في قوله: مِنْ بَعْدِ مََا قَنَطُوا [الشورى: 28]و حكاية أبي عبيدة تدل أيضا على أن قنط بفتح النون أكثر، لأن المضارع من فعل يجي‏ء على يفعل و يفعل مثل فسق يفسق و لا يجي‏ء مضارع فعل على يفعل. و اللّه أعلم.

في قوله تعالى قََالَ فَمََا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: فَمََا خَطْبُكُمْ سؤال عما لأجله أرسلهم اللّه تعالى، و الخطب و الشأن و الأمر سواء: إلا أن لفظ الخطب أدل على عظم الحال.

فإن قيل: إن الملائكة لما بشروه بالولد الذكر العليم فكيف قال لهم بعد ذلك: فَمََا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ .

قلنا: فيه وجوه: الأول: قال الأصم: معناه ما الأمر الذي توجهتم له سوى البشرى. الثاني: قال القاضي: إنه علم أنه لو كان كمال المقصود إيصال البشارة لكان الواحد من الملائكة كافيا، فلما رأي جمعا من الملائكة علم أن لهم غرضا آخر سوى إيصال البشارة فلا جرم قال: فَمََا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ . الثالث:

يمكن أن يقال إنهم قالوا: إِنََّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ . في معرض إزالة الخوف و الوجل، ألا ترى أن إبراهيم عليه الصلاة و السلام لما خاف قالوا له: لاََ تَوْجَلْ إِنََّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ [الحجر: 53]. /و لو كان تمام المقصود من المجي‏ء هو ذكر تلك البشارة لكانوا في أول ما دخلوا عليه ذكروا تلك البشارة، فلما لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم عليه الصلاة و السلام بهذا الطريق أنه ما كان مجيئهم لمجرد هذه البشارة بل كان لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض فقال: فَمََا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا اَلْمُرْسَلُونَ .

ثم حكى تعالى عن الملائكة أنهم قالوا: إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلى‏ََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ و إنما اقتصروا على هذا القدر لعلم إبراهيم عليه السلام بأن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لإهلاكهم و استئصالهم و أيضا فقولهم:

إِلاََّ آلَ لُوطٍ إِنََّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ يدل على أن المراد بذلك الإرسال إهلاك القوم.

153

أما قوله تعالى: إِلاََّ آلَ لُوطٍ فالمراد من آل لوط أتباعه الذين كانوا على دينه.

فإن قيل: قوله: إِلاََّ آلَ لُوطٍ هل هو استثناء منقطع أو متصل؟ قلنا: قال صاحب «الكشاف» : إن كان هذا الاستثناء استثناء من (قوم) كان منقطعا، لأن القوم موصوفون بكونهم مجرمين و آل لوط ما كانوا مجرمين، فاختلف الجنسان، فوجب أن يكون الاستثناء منقطعا. و إن كان استثناء من الضمير في (مجرمين) كان متصلا كأنه قيل: إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم كما قال:

فَمََا وَجَدْنََا فِيهََا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ [الذاريات: 36]ثم قال صاحب «الكشاف» : و يختلف المعنى بحسب اختلاف هذين الوجهين، و ذلك لأن آل لوط يخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، لأن على هذا التقدير الملائكة أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة و ما أرسلوا إلى آل لوط أصلا، و أما في المتصل فالملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء و ينجوا هؤلاء، و أما قوله: إِنََّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ فاعلم أنه قرأ حمزة و الكسائي منجوهم خفيفة، و الباقون مشددة و هما لغتان.

أما قوله تعالى: إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قال صاحب «الكشاف» : هذا استثناء من الضمير المجرور في قوله:

لَمُنَجُّوهُمْ و ليس ذلك من باب الاستثناء من الاستثناء، لأن الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، كما لو قيل: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأته، و كما لو قال: المطلق لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين إلا واحدة، و كما إذا قال: المقر لفلان على عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهما، فأما في هذه الآية فقد اختلف الحكمان، لأن قوله: إِلاََّ آلَ لُوطٍ متعلق بقوله: أُرْسِلْنََا أو بقوله مُجْرِمِينَ و قوله: إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قد تعلق بقوله: لَمُنَجُّوهُمْ فكيف يكون هذا استثناء من استثناء.

و أما قوله: قَدَّرْنََا إِنَّهََا لَمِنَ اَلْغََابِرِينَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن معنى التقدير في اللغة: جعل الشي‏ء على مقدار غيره. يقال: قدر هذا الشي‏ء بهذا أي اجعله على مقداره، و قدر اللّه تعالى الأقوات أي جعلها على مقدار الكفاية، ثم يفسر التقدير بالقضاء، فقال: قضى اللّه عليه كذا، و قدره عليه أي جعله على مقدار ما يكفي/في الخير و الشر، و قيل في معنى:

قَدَّرْنََا كتبنا. قال الزجاج: دبرنا. و قيل: قضينا، و الكل متقارب.

المسألة الثانية: قرأ أبو بكر عن عاصم قَدَّرْنََا بتخفيف الدال هاهنا و في النمل. و قرأ الباقون فيهما بالتشديد. قال الواحدي يقال: قدرت الشي‏ء و قدرته، و منه قراءة ابن كثير: نَحْنُ قَدَّرْنََا بَيْنَكُمُ اَلْمَوْتَ [الواقعة: 60]خفيفا، و قراءة الكسائي: وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ ثم قال: و المشددة في هذا المعنى أكثر استعمالا لقوله تعالى، وَ قَدَّرَ فِيهََا أَقْوََاتَهََا [فصلت: 10]و قوله: وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان: 2].

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه للّه تعالى، و لم لم يقولوا: قدر اللّه تعالى؟ و الجواب: إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب و الاختصاص باللّه تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا و أمرنا بكذا و المدبر و الآمر هو الملك لا هم، و إنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هاهنا و اللّه أعلم.

154

المسألة الرابعة: قوله، إِنَّهََا لَمِنَ اَلْغََابِرِينَ في موضع مفعول التقدير قضينا أنها تتخلف و تبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون. و لا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة و اللّه أعلم.

اعلم أن الملائكة لما بشروا إبراهيم بالولد و أخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط و إلى آله، و أن لوطا و قومه ما عرفوا أنهم ملائكة اللّه، }فلهذا قال لهم: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ و في تأويله وجوه: الأول: أنه إنما وصفهم بأنهم منكرون، لأنه عليه الصلاة و السلام ما عرفهم، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك و خاف أنهم دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه إليه، فقال هذه الكلمة. و الثاني: أنهم كانوا شبابا مردا حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة. و الثالث: أن النكرة ضد المعرفة فقوله: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أي لا أعرفكم، و لا أعرف أنكم من أي الأقوام، و لأي غرض دخلتم علي، }فعند هذه الكلمة قالت الملائكة، بل جئناك بما كانوا فيه يمترون، أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله، }ثم أكدوا/ما ذكروه بقولهم: وَ أَتَيْنََاكَ بِالْحَقِّ قال الكلبي: بالعذاب، و قيل باليقين و الأمر الثابت الذي لا شك فيه و هو عذاب أولئك الأقوام ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم، وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ .

قرئ فَأَسْرِ بقطع الهمزة و وصلها من أسرى و سرى. و روى صاحب الكشاف عن صاحب الإقليد فسر من السير و القطع آخر الليل. قال الشاعر:

افتحي الباب و انظري في النجوم # كم علينا من قطع ليل بهيم‏

و قوله: وَ اِتَّبِعْ أَدْبََارَهُمْ معناه: اتبع آثار بناتك و أهلك. و قوله: وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ الفائدة فيه أشياء: أحدها: لئلا يتخلف منكم أحد فينا له العذاب. و ثانيها: لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من البلاء. و ثالثها:

معناه الإسراع و ترك الاهتمام لما خلف وراءه كما تقول: امض لشأنك و لا تعرج على شي‏ء. و رابعها: لو بقي منه متاع في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتة. و قوله: وَ اُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ قال ابن عباس: يعني الشام. قال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. و ذلك لأن جبريل عليه السلام أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة أهلها ما عملوا مثل عمل قوم لوط. }و قوله: وَ قَضَيْنََا إِلَيْهِ عدى قضينا بإلى، لأنه ضمن معنى أوحينا، كأنه قيل: و أوحيناه إليه مقضيا مبتوتا، و نظيره قوله تعالى: وَ قَضَيْنََا إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ [الإسراء: 4]و قوله، ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ [يونس: 71]ثم إنه فسر بعد ذلك القضاء المبتوت بقوله: أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ مَقْطُوعٌ و في إبهامه أولا، و تفسيره ثانيا تفخيم للأمر و تعظيم له. و قرأ الأعمش إن بالكسر على الاستئناف كان قائلا قال أخبرنا