التفسير الكبير - ج19

- الفخر الرازي‏ المزيد...
181 /
155

عن ذلك الأمر، فقال: إن دابر هؤلاء، و في قراءة ابن مسعود. و قلنا: أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ و دابرهم آخرهم، يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد و قوله: مُصْبِحِينَ أي حال ظهور الصبح.

في قوله تعالى وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ إلى قوله إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ اعلم أن المراد بأهل المدينة قوم لوط، و ليس في الآية دليل على المكان الذي جاءوه إلا أن القصة تدل على أنهم جاءوا دار لوط. قيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط. و قيل: امرأة لوط أخبرتهم بذلك، و بالجملة فالقوم قالوا: نزل بلوط ثلاثة من المراد ما رأينا قط أصبح وجها و لا أحسن شكلا منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبا منهم لأولئك المراد و الاستبشار إظهار السرور فقال لهم لوط لما قصدوا أضيافه كلامين:

الكلام الأول: قال: إِنَّ هََؤُلاََءِ ضَيْفِي فَلاََ تَفْضَحُونِ يقال فضحه يفضحه فضحا و فضيحة إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، و المعنى أن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي، }ثم أكد ذلك بقوله: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ لاََ تُخْزُونِ }فأجابوه بقولهم: أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ اَلْعََالَمِينَ و المعنى: ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة.

و الكلام الثاني: مما قاله لوط قوله: هََؤُلاََءِ بَنََاتِي إِنْ كُنْتُمْ فََاعِلِينَ قيل: المراد بناته من صلبه، و قيل:

المراد نساء قومه، لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم و هو كقوله تعالى: اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ/بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوََاجُهُ أُمَّهََاتُهُمْ [الأحزاب: 6]و في قراءة أبي و هو أب لهم، و الكلام في هذه المباحث قد مر بالاستقصاء في سورة هود عليه السلام.

أما قوله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فيه مسائل:

المسألة الأولى: العمر و العمر واحد و سمي الرجل عمرا تفاؤلا أن يبقى و منه قول ابن أحمر:

156

ذهب الشباب و أخلق العمر

و عمر الرجل يعمر عمرا و عمرا، فإذا أقسموا به قالوا: لعمرك و عمرك فتحوا العين لا غير. قال الزجاج:

لأن الفتح أخف عليهم و هم يكثرون القسم بلعمري و لعمرك فالتزموا الأخف.

المسألة الثانية: في قوله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قولان: الأول: أن المراد أن الملائكة قالت للوط عليه السلام: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ أي في غوايتهم يعمهون، أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك، و يلتفتون إلى نصيحتك. و الثاني: أن الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و أنه تعالى أقسم بحياته و ما أقسم بحياة أحد، و ذلك يدل على أنه أكرم الخلق على اللّه تعالى قال النحويون: ارتفع قوله: لَعَمْرُكَ بالابتداء و الخبر محذوف، و المعنى: لعمرك قسمي و حذف الخبر، لأن في الكلام دليلا عليه و باب القسم يحذف منه الفعل نحو: باللّه لأفعلن، و المعنى: أحلف باللّه فيحذف لعلم المخاطب بأنك حالف.

ثم قال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ اَلصَّيْحَةُ أي صيحة جبريل عليه السلام قال أهل المعاني: ليس في الآية دلالة على أن تلك الصيحة صيحة جبريل عليه السلام فإن ثبت ذلك بدليل قوي قيل به، و إلا فليس في الآية دلالة إلا على أنه جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة و قوله: مُشْرِقِينَ يقال شرق الشارق يشرق شروقا لكل ما طلع من جانب الشرق، و منه قولهم ما ذكر شارق أي طلع طالع فقوله: مُشْرِقِينَ أي داخلين في الشروق يقال أشرق الرجل إذا دخل في الشروق، و هو بزوغ الشمس.

و اعلم أن الآية تدل على أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب: أحدها: الصيحة الهائلة المنكرة.

و ثانيها: أنه جعل عاليها سافلها. و ثالثها: أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل، و كل هذه الأحوال قد مر تفسيرها في سورة هود.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ يقال توسمت في فلان خيرا أي رأيت فيه أثرا منه و تفرسته فيه، و اختلفت عبارات المفسرين في تفسير المتوسمين قيل: المتفرسين، و قيل: الناظرين، و قيل:

المتفكرين، و قيل: المعتبرين، و قيل: المتبصرين. قال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشي‏ء و صفته و علامته، و المتوسم الناظر في السمة الدالة تقول: توسمت/في فلان كذا أي عرفت و سم ذلك و سمته فيه.

ثم قال: وَ إِنَّهََا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ الضمير في قوله: وَ إِنَّهََا عائد إلى مدينة قوم لوط، و قد سبق ذكرها في قوله، وَ جََاءَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ و قوله: لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أي هذه القرى و ما ظهر فيها من آثار قهر اللّه و غضبه لبسبيل مقيم ثابت لم يندرس و لم يخف، و الذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها.

ثم قال: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي كل من آمن باللّه و صدق الأنبياء و الرسل عرف أن ذلك إنما كان لأجل أن اللّه تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال، أما الذين لا يؤمنون باللّه فإنهم يحملونه على حوادث العالم و وقائعه، و على حصول القرانات الكوكبية و الاتصالات الفلكية و اللّه أعلم.

157

اعلم أن هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة. فأولها: قصة آدم و إبليس. و ثانيها:

قصة إبراهيم و لوط. و ثالثها: هذه القصة، و أصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام، كانوا أصحاب غياض فكذبوا شعيبا فأهلكهم اللّه تعالى بعذاب يوم الظلة، و قد ذكر اللّه تعالى قصتهم في سورة الشعراء، و الأيكة الشجر الملتف. يقال: أيكة و أيك كشجرة و شجر. قال ابن عباس: الأيك هو شجر المقل، و قال الكلبي:

الأيكة الغيضة، و قال الزجاج: هؤلاء أهل موضع كان ذا شجر. قال الواحدي: و معنى إن و اللام للتوكيد و إن هاهنا هي المخففة من الثقيلة، }و قوله: فَانْتَقَمْنََا مِنْهُمْ قال المفسرون: اشتد الحر فيهم أياما، ثم اضطرم عليهم المكان نارا فهلكوا عن آخرهم و قوله: وَ إِنَّهُمََا فيه قولان:

القول الأول: المراد قرى قوم لوط عليه السلام و الأيكة.

و القول الثاني: الضمير للأيكة و مدين لأن شعيبا عليه السلام كان مبعوثا إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضميرهما و قوله: لَبِإِمََامٍ مُبِينٍ أي بطريق واضح و الإمام اسم ما يؤتم به. قال الفراء و الزجاج: إنما جعل الطريق إماما لأنه يؤم و يتبع. قال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده و قوله: مُبِينٍ يحتمل أنه مبين في نفسه و يحتمل/أنه مبين لغيره، لأن الطريق يهدي إلى المقصد.

هذه هي القصة الرابعة، و هي قصة صالح. قال المفسرون: الحجر اسم واد كان يسكنه ثمود و قوله:

اَلْمُرْسَلِينَ المراد منه صالح وحده، و لعل القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل‏}و قوله: وَ آتَيْنََاهُمْ آيََاتِنََا يريد الناقة، و كان في الناقة آيات كثيرة كخروجها من الصخرة و عظم خلقها و ظهور نتاجها عند خروجها، و كثرة لبنها و أضاف الإيتاء إليهم و إن كانت الناقة آية لصالح لأنها آيات رسولهم، و قوله: فَكََانُوا عَنْهََا مُعْرِضِينَ يدل على أن النظر و الاستدلال واجب و أن التقليد مذموم‏}و قوله: وَ كََانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبََالِ قد ذكرنا كيفية ذلك النحت في سورة الأعراف و قوله: آمِنِينَ يريد من عذاب اللّه، و قال الفراء: آمِنِينَ أن يقع سقفهم عليهم و قوله: فَمََا أَغْنى‏ََ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ أي ما دفع عنهم الضر و البلاء ما كانوا يعملون من نحت تلك الجبال و من جمع تلك الأموال. و اللّه أعلم.

158

اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار فكأنه قيل: الإهلاك و التعذيب كيف يليق بالرحيم الكريم. فأجاب عنه بأني إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة و الطاعة فإذا تركوها/و أعرضوا عنها وجب في الحكمة إهلاكهم و تطهير وجه الأرض منهم، و هذا النظم حسن إلا أنه إنما يستقيم على قول المعتزلة، قال الجبائي:

دلت الآية على أنه تعالى ما خلق السموات و الأرض و ما بينهما إلا حقا و بكون الحق لا يكون الباطل، لأن كل ما فعل باطلا و أريد بفعله كون الباطل لا يكون حقا و لا يكون مخلوقا بالحق، و فيه بطلان مذهب الجبرية الذين يزعمون أن أكثر ما خلقه اللّه تعالى بين السموات و الأرض من الكفر و المعاصي باطل.

و اعلم أن أصحابنا قالوا: هذه الآية تدل على أنه سبحانه هو الخالق لجميع أعمال العباد، لأنها تدل على أنه سبحانه هو الخالق للسموات و الأرض و لكل ما بينهما. و لا شك أن أفعال العباد بينهما فوجب أن يكون خالقها هو اللّه سبحانه، و في الآية وجه آخر في النظم و هو أن المقصود من ذكر هذه القصص تصبير اللّه تعالى محمدا عليه الصلاة و السلام على سفاهة قومه فإنه إذا سمع أن الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء اللّه تعالى بمثل هذه المعاملات الفاسدة سهل تحمل تلك السفاهات على محمد صلّى اللّه عليه و سلم، ثم إنه تعالى لما بين أنه أنزل العذاب على الأمم السالفة فعند هذا قال لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم: وَ إِنَّ اَلسََّاعَةَ لَآتِيَةٌ و إن اللّه لينتقم لك فيها من عدائك و يجازيك و إياهم على حسناتك و سيئاتهم، فإنه ما خلق السموات و الأرض و ما بينهما إلا بالحق و العدل و الإنصاف فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك، ثم إنه تعالى لما صبره على أذى قومه رغبه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم فقال:

فَاصْفَحِ اَلصَّفْحَ اَلْجَمِيلَ أي فأعرض عنهم، و احتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا بحلم و إغضاء، و قيل: هو منسوخ بآية السيف و هو بعيد، لأن المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن و العفو و الصفح، فكيف يصير منسوخا.

ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ اَلْخَلاََّقُ اَلْعَلِيمُ و معناه أنه خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم و تفاوت أحوالهم مع علمه بكونهم كذلك، و إذا كان كذلك فإنما خلقهم مع هذا التفاوت، و مع العلم بذلك التفاوت. أما على قول أهل السنة فلمحض المشيئة و الإرادة. و أما على قول المعتزلة فلأجل المصلحة و الحكمة، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ لَقَدْ آتَيْنََاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ اعلم أنه تعالى لما صبره على أذى قومه و أمره بأن يصفح الصفح الجميل أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه و سلم بها، لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم اللّه عليه سهل عليه الصفح و التجاوز، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن قوله: آتَيْنََاكَ سَبْعاً يحتمل أن يكون سبعا من الآيات و أن يكون سبعا من السور و أن يكون سبعا من الفوائد. و ليس في اللفظ ما يدل على التعيين. و أما المثاني: فهو صيغة جمع. واحده مثناة، و المثناة كل شي‏ء يثنى، أي يجعل اثنين من قولك: ثنيت الشي‏ء إذا عطفته أو ضممت إليه آخر، و منه يقال: لركبتي الدابة و مرفقيها مثاني، لأنها تثنى بالفخذ و العضد، و مثاني الوادي معاطفه.

إذا عرفت هذا فنقول: سبعا من المثاني مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى و لا شك أن هذا

159

القدر مجمل و لا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل و للناس فيه أقوال: الأول: و هو قول أكثر المفسرين: إنه فاتحة الكتاب و هو قول عمر و علي و ابن مسعود و أبي هريرة و الحسن و أبي العالية و مجاهد و الضحاك و سعيد بن جبير و قتادة، و

روي أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قرأ الفاتحة و قال: هي السبع المثاني رواه أبو هريرة،

و السبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة أنها سبع آيات، و أما السبب في تسميتها بالمثاني فوجوه: الأول: أنها تثنى في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة. و الثاني: قال الزجاج: سميت مثاني لأنها يثنى بعدها ما يقرأ معها. الثالث:

سميت آيات الفاتحة مثاني، لأنها قسمت قسمين اثنين، و الدليل عليه ما

روي أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: «يقول اللّه تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين»

و الحديث مشهور. الرابع: سميت مثاني لأنها قسمان ثناء و دعاء، و أيضا النصف الأول منها حق الربوبية و هو الثناء، و النصف الثاني حق العبودية و هو الدعاء. الخامس: سميت الفاتحة بالمثاني، لأنها نزلت مرتين مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن و مرة بالمدينة. السادس: سميت بالمثاني، لأن كلماتها مثناة مثل: اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ ... * إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ*`اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ* `صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: 3، 5-7]و في قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم و غير الضالين) . السابع:

قال الزجاج: سميت الفاتحة بالمثاني لاشتمالها على الثناء على اللّه تعالى و هو حمد اللّه و توحيده و ملكه.

و اعلم أنا إذا حملنا قوله: سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي على سورة الفاتحة فههنا أحكام:

الحكم الأول:

نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب رأى أنها ليست من القرآن. و أقول: لعل حجته فيه أن السبع المثاني لما ثبت أنه هو الفاتحة. ثم/إنه تعالى عطف السبع المثاني على القرآن، و المعطوف مغاير للمعطوف عليه وجب أن يكون السبع المثاني غير القرآن، إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ [الأحزاب: 7]و كذلك قوله: وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ [البقرة: 98]و للخصم أن يجيب: بأنه لا يبعد أن يذكر الكل، ثم يعطف عليه ذكر بعض أجزائه و أقسامه لكونه أشرف الأقسام. أما إذا ذكر شي‏ء ثم عطف عليه شي‏ء آخر كان المذكور أولا مغايرا للمذكور ثانيا، و هاهنا ذكر السبع المثاني، ثم عطف عليه القرآن العظيم، فوجب حصول المغايرة.

و الجواب الصحيح: أن بعض الشي‏ء مغاير لمجموعه، فلم لا يكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف، و اللّه أعلم.

الحكم الثاني:

أنه لما كان المراد بقوله: سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي هو الفاتحة، دل على أن هذه السورة أفضل سور القرآن من وجهين: أحدهما: أن إفرادها بالذكر مع كونها جزءا من أجزاء القرآن، لا بد و أن يكون لاختصاصها بمزيد الشرف و الفضيلة. و الثاني: أنه تعالى لما أنزلها مرتين دل ذلك على زيادة فضلها و شرفها.

و إذا ثبت هذا فنقول: لما رأينا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم واظب على قراءتها في جميع الصلوات طول عمره، و ما أقام سورة أخرى مقامها في شي‏ء من الصلوات دل ذلك على أنه يجب على المكلف أن يقرأها في صلاته و أن لا يقيم سائر آيات القرآن مقامها و أن يحترز عن هذا الإبدال فإن فيه خطرا عظيما و اللّه أعلم.

160

القول الثاني: في تفسير قوله: سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي إنها السبع الطوال و هذا قول ابن عمر و سعيد بن جبير في بعض الروايات و مجاهد و هي: البقرة، و آل عمران، و النساء، و المائدة، و الأنعام، و الأعراف، و الأنفال، و التوبة معا. قالوا: و سميت هذه السور مثاني، لأن الفرائض و الحدود و الأمثال و العبر ثنيت فيها و أنكر الربيع هذا القول. و قال هذه الآية مكية و أكثر هذه السور السبعة مدنية. و ما نزل شي‏ء منها في مكة، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها.

و أجاب قوم عن هذا الإشكال: بأن اللّه تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا. ثم أنزله على نبيه منها نجوما، فلما أنزله إلى السماء الدنيا، و حكم بإنزاله عليه، فهو من جملة ما آتاه، و إن لم ينزل عليه بعد.

و لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: وَ لَقَدْ آتَيْنََاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي و هذا الكلام إنما يصدق/إذا وصل ذلك الشي‏ء إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم. فأما الذي أنزله إلى السماء الدنيا و هو لم يصل بعد إلى محمد عليه السلام، فهذا الكلام لا يصدق فيه. و أما قوله بأنه لما حكم اللّه تعالى بإنزاله على محمد صلّى اللّه عليه و سلم كان ذلك جاريا مجرى ما نزل عليه فهذا أيضا ضعيف، لأن إقامة ما لم ينزل عليه مقام النازل عليه مخالف للظاهر.

و القول الثالث: في تفسير السبع المثاني إنها هي السور التي هي دون الطوال و المئين و فوق المفصل، و اختار هذا القول قوم و احتجوا عليه بما

روى ثوبان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: «إن اللّه أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، و أعطاني المئين مكان الإنجيل، و أعطاني المثاني مكان الزبور، و فضلني ربي بالمفصل»

قال الواحدي: و القول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطوال مثاني. و أقول إن صح هذا التفسير عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فلا غبار عليه و إن لم يصح فهذا القول مشكل، لأنا بينا أن المسمى بالسبع المثاني يجب أن يكون أفضل من سائر السور، و أجمعوا على أن هذه السور التي سموها بالمثاني ليست أفضل من غيرها، فيمتنع حمل السبع المثاني على تلك السور.

و القول الرابع: أن السبع المثاني هو القرآن كله، و هو منقول عن ابن عباس في بعض الروايات، و قول طاوس قالوا: و دليل هذا القول قوله تعالى: كِتََاباً مُتَشََابِهاً مَثََانِيَ [الزمر: 23]فوصف كل القرآن بكونه مثاني ثم اختلف القائلون بهذا القول في أنه ما المراد بالسبع، و ما المراد بالمثاني؟أما السبع فذكر فيه وجوها:

أحدها: أن القرآن سبعة أسباع. و ثانيها: أن القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم. التوحيد، و النبوة، و المعاد، و القضاء، و القدر، و أحوال العالم، و القصص، و التكاليف. و ثالثها: أنه مشتمل على الأمر و النهي، و الخبر و الاستخبار، و النداء، و القسم، و الأمثال. و أما وصف كل القرآن بالمثاني، فلأنه كرر فيه دلائل التوحيد و النبوة و التكاليف، و هذا القول ضعيف أيضا، لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني القرآن، لكان قوله: وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ عطفا للشي‏ء على نفسه، و ذلك غير جائز.

و أجيب عنه بأنه إنما حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللفظين كقول الشاعر:

إلى الملك القرم و ابن الهمام # و ليث الكتيبة في المزدحم‏

و اعلم أن هذا و إن كان جائزا لأجل وروده في هذا البيت، إلا أنهم أجمعوا على أن الأصل خلافه.

و القول الخامس: يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة، لأنها سبع آيات، و يكون المراد بالمثاني كل

161

القرآن و يكون التقدير: و لقد آتيناك سبع آيات هي الفاتحة و هي من جملة المثاني الذي هو/القرآن و هذا القول عين الأول و التفاوت ليس إلا بقليل و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: لفظة «من» في قوله: سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي قال الزجاج فيها وجهان: أحدهما: أن تكون للتبعيض من القرآن أي و لقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثني بها على اللّه تعالى و آتيناك القرآن العظيم قال و يجوز أن تكون من صلة، و المعنى: آتيناك سبعا هي المثاني كما قال: فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ [الحج: 30]المعنى: اجتنبوا الأوثان، لا أن بعضها رجس و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ََ مََا مَتَّعْنََا بِهِ أَزْوََاجاً مِنْهُمْ فاعلم أنه تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين، و هو أنه آتاه سبعا من المثاني و القرآن العظيم، نهاه عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها و في مد العين أقوال:

القول الأول: كأنه قيل له إنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك و خاطرك بالالتفات إلى الدنيا و منه

الحديث: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»

و قال أبو بكر: من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما و عظم صغيرا، و قيل: وافت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود بني قريظة و النضير، فيها أنواع البز و الطيب و الجواهر و سائر الأمتعة، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها و لأنفقناها في سبيل اللّه تعالى فقال اللّه تعالى لهم: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع.

القول الثاني: قال ابن عباس: لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تتمن ما فضلنا به أحدا من متاع الدنيا، و قرر الواحدي هذا المعنى فقال: إنما يكون مادا عينيه إلى الشي‏ء إذا أدام النظر و نحوه، و إدامة النظر إلى الشي‏ء تدل على استحسانه و تمنيه، و كان صلّى اللّه عليه و سلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا، و

روي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق، و قد عبست في أبوالها و أبعارها فتقنع في ثوبه و قرأ هذه الآية

و

قوله عبست في أبوالها و أبعارها

هو أن تجف أبوالها و أبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها و لحومها و هي أحسن ما تكون.

و القول الثالث: قال بعضهم: وَ لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا قال القاضي: هذا بعيد، لأن الحسد من كل أحد قبيح، لأنه إرادة لزوال نعم الغير عنه، و ذلك يجري مجرى الاعتراض على اللّه تعالى و الاستقباح لحكمه و قضائه، و ذلك من كل أحد قبيح، فكيف يحسن تخصيص الرسول صلّى اللّه عليه و سلم به؟ أما قوله تعالى: أَزْوََاجاً مِنْهُمْ قال ابن قتيبة أي أصنافا من الكفار، و الزوج في اللغة الصنف/ ثم قال:

وَ لاََ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الإسلام و ينتعش بهم المؤمنون. و الحاصل أن قوله: لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ََ مََا مَتَّعْنََا بِهِ أَزْوََاجاً مِنْهُمْ نهي له عن الالتفات إلى أموالهم و قوله: وَ لاََ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ نهي له عن الالتفات إليهم و أن يحصل لهم في قلبه قدر و وزن.

ثم قال: وَ اِخْفِضْ جَنََاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخفض: معناه في اللغة نقيض الرفع، و منه قوله تعالى في صفة القيامة: خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ [الواقعة: 3]أي أنها تخفض أهل المعاصي، و ترفع أهل الطاعات، فالخفض معناه‏

162

الوضع، و جناح الإنسان يده. قال الليث: يدا الإنسان جناحاه، و منه قوله: وَ اُضْمُمْ إِلَيْكَ جَنََاحَكَ مِنَ اَلرَّهْبِ [القصص: 32]و خفض الجناح كناية عن اللين و الرفق و التواضع، و المقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين، و نظيره قوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [المائدة: 54]و قال في صفة أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29].

في قوله تعالى وَ قُلْ إِنِّي أَنَا اَلنَّذِيرُ اَلْمُبِينُ اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا، و خفض الجناح للمؤمنين، أمره بأن يقول للقوم: إِنِّي أَنَا اَلنَّذِيرُ اَلْمُبِينُ فيدخل تحت كونه نذيرا، كونه مبلغا لجميع التكاليف، لأن كل ما كان واجبا ترتب على تركه عقاب و كل ما كان حراما ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلا تحت لفظ النذير، و يدخل تحته أيضا كونه شارحا لمراتب الثواب و العقاب و الجنة و النار، ثم أردفه بكونه مبينا، و معناه كونه آتيا في كل ذلك بالبيانات الشافية و البينات الوافية، ثم قال بعده: كَمََا أَنْزَلْنََا عَلَى اَلْمُقْتَسِمِينَ و فيه بحثان.

البحث الأول: اختلفوا في أن المقتسمين من هم؟ و فيه أقوال:

القول الأول: قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و يقرب عددهم من أربعين. و قال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عقبات مكة و طرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا، و المدعي للنبوة فإنه مجنون، و كانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن/أو شاعر، فأنزل اللّه تعالى بهم خزيا فماتوا شر ميتة، و المعنى: أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين.

و القول الثاني: و هو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود و النصارى، و اختلفوا في أن اللّه تعالى لم سماهم مقتسمين؟فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة و كفروا بالباقي. و قال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به، فقال بعضهم: سورة كذا لي. و قال بعضهم: سورة كذا لي. و قال مقاتل بن حبان: اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر. و قال بعضهم شعر، و قال بعضهم كذب، و قال بعضهم: أساطير الأولين.

و القول الثالث: في تفسير المقتسمين. قال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه و أهله، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم، فعلى هذا الاقتسام من القسم لا من القسمة، و هو اختيار ابن قتيبة.

البحث الثاني: أن قوله: كَمََا أَنْزَلْنََا عَلَى اَلْمُقْتَسِمِينَ يقتضي تشبيه شي‏ء بذلك فما ذلك الشي‏ء؟ و الجواب عنه من وجهين:

الوجه الأول: التقدير: و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب و هم‏

163

المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم و جهلهم بعضه حق موافق للتوراة و الإنجيل، و بعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق و باطل.

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه و المشبه به قوله: وَ لاََ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [الحجر: 88] إلى آخره؟ قلنا: لما كان ذلك تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن تكذيبهم و عداوتهم، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم و التأسف على كفرهم.

و الوجه الثاني: أن يتعلق هذا الكلام بقوله: وَ قُلْ إِنِّي أَنَا اَلنَّذِيرُ اَلْمُبِينُ .

و اعلم أن هذا الوجه لا يتم إلا بأحد أمرين: إما التزام إضمار أو التزام حذف، أما الإضمار فهو أن يكون التقدير إني أنا النذير المبين عذابا كما أنزلناه على المقتسمين، و على هذا الوجه، المفعول محذوف و هو المشبه، و دل عليه المشبه به، و هذا كما تقول: رأيت كالقمر في الحسن، أي رأيت إنسانا كالقمر في الحسن، و أما الحذف فهو أن يقال: الكاف زائدة محذوفة، و التقدير: إني أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين، و زيادة الكاف له نظير و هو قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى: 11]و التقدير: ليس مثله شي‏ء، و قال بعضهم: لا حاجة إلى الإضمار و الحذف، و التقدير: إني أنا النذير أي أنذر قريشا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين‏}و قوله: اَلَّذِينَ جَعَلُوا اَلْقُرْآنَ عِضِينَ فيه بحثان:

البحث الأول: في هذا اللفظ قولان: الأول: أنه صفة للمقتسمين. و الثاني: أنه مبتدأ، و خبره هو قوله:

لَنَسْئَلَنَّهُمْ [الحجر: 92]و هو قول ابن زيد.

البحث الثاني: ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين:

القول الأول: أن واحدها عضة مثل عزة و برة و ثبة، و أصلها عضوة من عضيت الشي‏ء إذا فرقته، و كل قطعة عضة، و هي مما نقص منها واو هي لام الفعل، و التعضية التجزئة و التفريق، يقال: عضيت الجزور و الشاة تعضية إذا جعلتها أعضاء و قسمتها، و في الحديث: «لا تعضية في ميراث إلا فيما احتمل القسمة» أي لا تجزئه فيما لا يحتمل القسمة كالجوهرة و السيف. فقوله: جَعَلُوا اَلْقُرْآنَ عِضِينَ يريد جزؤه أجزاء، فقالوا: سحر و شعر و أساطير الأولين و مفترى.

و القول الثاني: أن واحدها عضة و أصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين، فقالوا: عضة كما قالوا شفة، و الأصل شفهة بدليل قولهم: شافهت مشافهة، و سنة و أصلها سنهة في بعض الأقوال، و هو مأخوذ من العضة بمعنى الكذب، و منه‏

الحديث: «إياكم و العضة»

و قال ابن السكيت: العضة بأن يعضه الإنسان و يقول فيه ما ليس فيه. و هذا قول الخليل فيما روى الليث عنه، فعلى هذا القول معنى قوله تعالى: جَعَلُوا اَلْقُرْآنَ عِضِينَ أي جعلوه مفترى. و جمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف، فجعل الجمع بالواو و النون عوضا مما لحقها من الحذف.

164

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يحتمل أن يكون راجعا إلى المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين، لأن عود الضمير إلى الأقرب أولى، و يكون التقدير أنه تعالى أقسم بنفسه أن يسأل هؤلاء المقتسمين عما كانوا يقولونه من اقتسام القرآن و عن سائر المعاصي، و يحتمل أن يكون راجعا إلى جميع المكلفين لأن ذكرهم قد تقدم في قوله: وَ قُلْ إِنِّي أَنَا اَلنَّذِيرُ اَلْمُبِينُ [الحجر: 89]أي/لجميع الخلق و قد تقدم ذكر المؤمنين و ذكر الكافرين، فيعود قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ على الكل، و لا معنى لقول من يقول إن السؤال إنما يكون عن الكفر أو عن الإيمان، بل السؤال واقع عنهما و عن جميع الأعمال، لأن اللفظ عام فيتناول الكل.

فإن قيل: كيف الجمع بين قوله: لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ و بين قوله: فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاََ جَانٌّ [الرحمن: 39]أجابوا عنه من وجوه:

الوجه الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: لا يسئلون سؤال الاستفهام لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم، و إنما يسئلون سؤال التقريع يقال لهم لم فعلتم كذا؟ و لقائل أن يقول: هذا الجواب ضعيف، لأنه لو كان المراد من قوله: فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاََ جَانٌّ سؤال الاستفهام لما كان في تخصيص هذا النفي بقوله يومئذ فائدة لأن مثل هذا السؤال على اللّه تعالى محال في كل الأوقات.

و الوجه الثاني: في الجواب أن يصرف النفي إلى بعض الأوقات، و الإثبات إلى وقت آخر، لأن يوم القيامة يوم طويل.

و لقائل أن يقول: قوله، فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاََ جَانٌّ [الرحمن: 39]هذا تصريح بأنه لا يحصل السؤال في ذلك اليوم، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء ذلك اليوم لحصل التناقض.

و الوجه الثالث: أن نقول: قوله: فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاََ جَانٌّ يفيد عموم النفي و قوله:

فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عائد إلى المقتسمين و هذا خاص و لا شك أن الخاص مقدم على العام. أما قوله:

فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ فاعلم أن معنى الصدع في اللغة الشق و الفصل، و أنشد ابن السكيت لجرير:

هذا الخليفة فارضوا ما قضى لكم # بالحق يصدع ما في قوله حيف‏

فقال يصدع يفصل، و تصدع القوم إذا تفرقوا، و منه قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [الروم: 43]قال الفراء: يتفرقون. و الصدع في الزجاجة الإبانة، أقول و لعل ألم الرأس إنما سمي صداعا لأن قحف الرأس عند

165

ذلك الألم كأنه ينشق. قال الأزهري: و سمي الصبح صديعا كما يسمى فلقا. و قد انصدع و انفلق الفجر و انفطر الصبح.

إذا عرفت هذا فقول: فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ أي فرق بين الحق و الباطل، و قال الزجاج: فاصدع أظهر ما تؤمر به يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا كقولك صرح بها، و هذا في الحقيقة يرجع أيضا إلى الشق و التفريق، أما قوله: بِمََا تُؤْمَرُ ففيه قولان: الأول: أن يكون «ما» بمعنى الذي/أي بما تؤمر به من الشرائع.

فحذف الجار كقوله:

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به‏

الثاني: أن تكون «ما» مصدرية أي فاصدع بأمرك و شأنك. قالوا: و ما زال النبي صلّى اللّه عليه و سلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية.

ثم قال تعالى: وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ أي لا تبال بهم و لا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة.

قال بعضهم: هذا منسوخ بآية القتال و هو ضعيف، لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخا.

ثم قال: إِنََّا كَفَيْنََاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ قيل: كانوا خمسة نفر من المشركين: الوليد بن المغيرة و العاص بن وائل و عدي بن قيس و الأسود بن المطلب و الأسود بن عبد يغوث قال جبريل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أمرت أن أكفيكهم فأومأ إلى عقب الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظما لأخذه فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات، و أومأ إلى أخمص العاص بن وائل فدخلت فيها شوكة فقال: لدغت لدغت و انتفخت رجله حتى صارت كالرحا و مات، و أشار إلى عيني الأسود بن المطلب فعمي، و أشار إلى أنف عدي بن قيس، فامتخط قيحا فمات و أشار إلى الأسود بن عبد يغوث و هو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح رأسه بالشجرة و يضرب وجهه بالشوك حتى مات.

و اعلم أن المفسرين قد اختلفوا في عدد هؤلاء المستهزئين و في أسمائهم و في كيفية طريق استهزائهم، و لا حاجة إلى شي‏ء منها، و القدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة و شوكة و رئاسة لأن أمثالهم هم الذين يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة مع مثل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في علو قدره و عظم منصبه، و دل القرآن على أن اللّه تعالى أفناهم و أبادهم و أزال كيدهم، و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما ذكر أن قومه يسفهون عليه و لا سيما أولئك المقتسمون و أولئك المستهزؤون قال له:

وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمََا يَقُولُونَ لأن الجبلة البشرية و المزاج الإنساني يقتضي ذلك‏}فعند هذا قال له:

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فأمره بأربعة أشياء بالتسبيح و التحميد و السجود و العبادة/و اختلف الناس في أنه كيف صار الإقبال على هذه الطاعات سببا لزوال ضيق القلب و الحزن؟فقال العارفون المحققون إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، و متى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية

166

حقيرة، و إذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها و وجدانها فلا يستوحش من فقدانها و لا يستريح بوجدانها، و عند ذلك يزول الحزن و الغم. و قالت المعتزلة: من اعتقد تنزيه اللّه تعالى عن القبائح سهل عليه تحمل المشاق، فإنه يعلم أنه عدل منزه عن إنزال المشاق به من غير غرض و لا فائدة فحينئذ يطيب قلبه، و قال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات كأنه يقول: تجب على عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات، }و قوله: وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتََّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يريد الموت و سمي الموت باليقين لأنه أمر متيقن.

فإن قيل: فأي فائدة لهذا التوقيت مع أن كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟ قلنا: المراد منه: وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ في زمان حياتك و لا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة، و اللّه أعلم.

تم تفسير هذه السورة، و الحمد للّه رب العالمين، و صلاته على سيدنا محمد و آله و سلم‏

167

سورة النحل‏

مكية، إلا الآيات الثلاث الأخيرة فمدنية و آياتها: 128، نزلت بعد سورة الكهف بسم اللّه الرحمن الرحيم

سورة النحل مكية غير ثلاث آيات في أخرها و حكى الأصم عن بعضهم أن كلها مدنية، و قال آخرون: من أولها إلى قوله: كُنْ فَيَكُونُ مدني و ما سواه فمكي، و عن قتادة بالعكس.

و اعلم أن هذه السورة تسمى سورة النعم و هي مائة و عشرون و ثمان آيات مكية.

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أَتى‏ََ أَمْرُ اَللََّهِ فَلاََ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاتَّقُونِ. فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن معرفة تفسير هذه الآية مرتبة على سؤالات ثلاثة:

فالسؤال الأول: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كان يخوفهم بعذاب الدنيا تارة و هو القتل و الاستيلاء عليهم كما حصل في يوم بدر، و تارة بعذاب يوم القيامة، و هو الذي يحصل عند/قيام الساعة، ثم إن القوم لما لم يشاهدوا شيئا من ذلك احتجوا بذلك على تكذيبه و طلبوا منه الإتيان بذلك العذاب و قالوا له ائتنا به. و

روي أنه لما نزل قوله‏

168

تعالى: اِقْتَرَبَتِ اَلسََّاعَةُ وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ [القمر: 1]قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئا مما تخوفنا به، فنزل قوله:

اِقْتَرَبَ لِلنََّاسِ حِسََابُهُمْ [الأنبياء: 1]فأشفقوا و انتظروا يومها فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فنزل قوله: أَتى‏ََ أَمْرُ اَللََّهِ فوثب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و رفع الناس رؤوسهم فنزل قوله: فَلاََ تَسْتَعْجِلُوهُ

و الحاصل أنه عليه السلام لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا و عذاب الآخرة و لم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب.

فأجاب اللّه تعالى عن هذه الشبهة بقوله: أَتى‏ََ أَمْرُ اَللََّهِ فَلاََ تَسْتَعْجِلُوهُ و في تقرير هذا الجواب وجهان:

الوجه الأول: أنه و إن لم يأت ذلك العذاب إلا أنه كان واجب الوقوع و الشي‏ء إذا كان بهذه الحالة و الصفة فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى و وقع إجراء لما يجب وقوعه بعد ذلك مجرى الواقع يقال لمن طلب الإغاثة و قرب حصولها: قد جاءك الغوث فلا تجزع.

و الوجه الثاني: و هو أن يقال أن أمر اللّه بذلك و حكمه به قد أتى و حصل و وقع، فأما المحكوم به فإنما لم يقع، لأنه تعالى حكم بوقوعه في وقت معين فقبل مجي‏ء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود و الحاصل كأنه قيل:

أمر اللّه و حكمه بنزول العذاب قد حصل و وجد من الأزل إلى الأبد فصح قولنا أتى أمر اللّه، إلا أن المحكوم به و المأمور به إنما لم يحصل، لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فلا تستعجلوه و لا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت.

السؤال الثاني: قالت الكفار: هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا و إما في الآخرة، إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند اللّه فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام.

فأجاب اللّه تعالى عن هذه الشبهة بقوله: سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ فنزه نفسه عن شركة الشركاء و الأضداد، و الأنداد و أن يكون لأحد من الأرواح و الأجسام أن يشفع عنده إلا بإذنه و (ما) في قوله: عَمََّا يُشْرِكُونَ يجوز أن تكون مصدرية، و التقدير: سبحانه و تعالى عن إشراكهم و يجوز أن تكون بمعنى الذي، أي سبحانه و تعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء للّه، لأنها جمادات خسيسة، فأي مناسبة بينها و بين أدون الموجودات فضلا عن أن يحكم بكونها شركاء لمدبر الأرض و السموات.

السؤال الثالث: هب أنه تعالى قضى على بعض عبيده بالسراء و على آخرين بالضراء و لكن/كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا اللّه، و كيف صرت بحيث تعرف أسرار اللّه و أحكامه في ملكه و ملكوته؟ فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله: يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاتَّقُونِ و تقرير هذا الجواب أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده و يأمر ذلك العبد بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد و العبادة و بين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا و الآخرة، و إن تمردوا وقعوا في شر الدنيا و الآخرة، فبهذا الطريق صار مخصوصا بهذه المعارف من دون سائر

169

الخلق، و ظهر بهذا الترتيب الذي لخصناه أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه و اللّه أعلم. و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع و عاصم و حمزة و الكسائي: (ينزل) بالياء و كسر الزاي و تشديدها، و الملائكة بالنصب، و قرأ ابن كثير و أبو عمرو ينزل بضم الياء و كسر الزاي و تخفيفها، و الأول من التفعيل، و الثاني من الأفعال، و هما لغتان:

المسألة الثانية: روي عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالملائكة جبريل وحده. قال الواحدي: و تسمية الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحد رئيسا مقدما جائز كقوله تعالى: إِنََّا أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلى‏ََ قَوْمِهِ .

[نوح: 1]و إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ* [يوسف: 2]. و إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ [الحجر: 9]و في حق الناس كقوله: اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ [آل عمران: 173]و فيه قول آخر سيأتي شرحه بعد ذلك و قوله: بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ فيه قولان:

القول الأول: أن المراد من الروح الوحي و هو كلام اللّه و نظيره قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا [الشورى: 52]و قوله: يُلْقِي اَلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ [غافر: 15]قال أهل التحقيق: الجسد موات كثيف مظلم، فإذا اتصل به الروح صار حيا لطيفا نورانيا. فظهرت آثار النور في الحواس الخمس، ثم الروح أيضا ظلمانية جاهلة، فإذا اتصل العقل بها صارت مشرقة نورانية، كما قال تعالى، وَ اَللََّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهََاتِكُمْ لاََ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصََارَ وَ اَلْأَفْئِدَةَ [النحل: 78]ثم العقل أيضا ليس بكامل النورانية و الصفاء و الإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات اللّه تعالى و صفاته و أفعاله و معرفة أحوال عالم الأرواح و الأجساد، و عالم الدنيا و الآخرة، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل و لا تصفو إلا بنور الوحي و القرآن.

إذا عرفت هذا فنقول: القرآن و الوحي به تكمل المعارف الإلهية، و المكاشفات الربانية و هذه المعارف بها يشرق العقل و يصفو و يكمل، و العقل به يكمل جوهر الروح، و الروح به يكمل حال الجسد، و عند هذا يظهر أن الروح الأصلي الحقيقي هو الوحي و القرآن، لأن به يحصل الخلاص/من رقدة الجهالة، و نوم الغفلة، و به يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة و المشاكلة، و مما يقوى ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ*`عَلى‏ََ قَلْبِكَ [الشعراء: 193، 194]و على عيسى عليه السلام في قوله: رَوْحِ اَللََّهِ* [يوسف: 87] و إنما حسن هذا الإطلاق، لأنه حصل بسبب وجودهما حياة القلب و هي الهداية و المعارف، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا المعنى، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي و التنزيل كان ذلك أولى.

و القول الثاني: في هذه الآية و هو قول أبي عبيدة إن الروح هاهنا جبريل عليه السلام، و الباء في قوله:

بِالرُّوحِ بمعنى مع كقولهم خرج فلان بثيابه، أي مع ثيابه و ركب الأمير بسلاحه أي مع سلاحه، فيكون المعنى: ينزل الملائكة مع الروح و هو جبريل، و الأول أقرب، و تقرير هذا الوجه: أنه سبحانه و تعالى ما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه و سلم جبريل وحده، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجا من الملائكة، ألا ترى أن في يوم بدر و في كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة، و كان ينزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم تارة ملك الجبال. و تارة ملك البحار. و تارة رضوان. و تارة غيرهم. و قوله: مِنْ أَمْرِهِ يعني أن ذلك التنزيل

170

و النزول لا يكون إلا بأمر اللّه تعالى، و نظيره قوله تعالى: وَ مََا نَتَنَزَّلُ إِلاََّ بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم: 64]و قوله: لاََ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 27]و قوله: وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: 28]و قوله:

يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ [النحل: 5]و قوله: لاََ يَعْصُونَ اَللََّهَ مََا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6]فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر اللّه تعالى و إذنه، و قوله: عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ يريد الأنبياء الذين خصهم اللّه تعالى برسالته، و قوله: أَنْ أَنْذِرُوا قال الزجاج: أَنْ بدل من الروح و المعنى: ينزل الملائكة بأن أنذروا، أي أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا، و الإنذار هو الإعلام مع التخويف.

المسألة الثالثة: في الآية فوائد: الفائدة الأولى: أن وصول الوحي من اللّه تعالى إلى الأنبياء لا يكون إلا بواسطة الملائكة، و مما يقوى ذلك أنه تعالى قال في آخر سورة البقرة: وَ اَلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ [البقرة: 285]فبدأ بذكر اللّه سبحانه ثم أتبعه بذكر الملائكة، لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من اللّه ابتداء من غير واسطة، و ذلك الوحي هو الكتب، ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء فلا جرم كان الترتيب الصحيح هو الابتداء بذكر اللّه تعالى، ثم بذكر الملائكة، ثم بذكر الكتب و في الدرجة الرابعة بذكر الرسل.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا أوحى اللّه تعالى إلى الملك فعلم ذلك الملك بأن ذلك الوحي وحي اللّه علم ضروري أو استدلالي. و بتقدير أن يكون استدلاليا فكيف الطريق إليه؟و أيضا الملك إذا بلغ ذلك الوحي إلى الرسول فعلم الرسول بكونه ملكا صادقا لا شيطانا رجيما ضروري أو استدلالي فإن كان استدلاليا فكيف الطريق إليه؟فهذه مقامات ضيقة، و تمام العلم بها لا يحصل إلا بالبحث عن حقيقة الملك و كيفية وحي اللّه إليه، و كيفية تبليغ الملك ذلك الوحي إلى الرسول. فأما إذا أجرينا هذه الأمور على الكلمات المألوفة صعب المرام و زال النظام، و ذلك لأن آيات القرآن ناطقة بأن هذا الوحي و التنزيل إنما حصل من الملائكة أو نقول: هب أن آيات القرآن لم تدل على ذلك إلا أن احتمال كون الأمر كذلك قائم في بديهة العقل.

و إذا عرفت هذا فنقول: لا نعلم كون جبريل عليه السلام صادقا معصوما عن الكذب و التلبيس إلا بالدلائل السمعية، و صحة الدلائل السمعية موقوفة على أن محمدا صلّى اللّه عليه و سلم صادق، و صدقه يتوقف على أن هذا القرآن معجز من قبل اللّه تعالى، لا من قبل شيطان خبيث، و العلم بذلك يتوقف على العلم بأن جبريل صادق محق مبرأ عن التلبيس و عن أفعال الشيطان، و حينئذ يلزم الدور، فهذا مقام صعب. أما إذا عرفنا حقيقة النبوة و عرفنا حقيقة الوحي زالت هذه الشبهة بالكلية، و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على أن الروح المشار إليها بقوله: يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ليس إلا لمجرد قوله: لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاتَّقُونِ و هذا كلام حق، لأن مراتب السعادات البشرية أربعة: أولها:

النفسانية، و ثانيها: البدنية، و في المرتبة الثالثة: الصفات البدنية التي لا تكون من اللوازم، و في المرتبة الرابعة:

الأمور المنفصلة عن البدن.

أما المرتبة الأولى: و هي الكمالات النفسانية، فاعلم أن النفس لها قوتان: إحداهما: استعدادها لقبول صور الموجودات من عالم الغيب، و هذه القوة هي القوة المسماة بالقوة النظرية، و سعادة هذه القوة في حصول‏

171

المعارف. و أشرف المعارف و أجلها معرفة أنه لا إله إلا هو، و إليه الإشارة بقوله: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا و القوة الثانية للنفس: استعدادها للتصرف في أجسام هذا العالم، و هذه القوة هي القوة المسماة بالقوة العملية، و سعادة هذه القوة في الإتيان بالأعمال الصالحة، و أشرف الأعمال الصالحة هو عبودية اللّه تعالى، و إليه الإشارة بقوله: فَاتَّقُونِ و لما كانت القوة النظرية أشرف من القوة العملية لا جرم قدم اللّه تعالى كمالات القوة النظرية، و هي قوله: لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا على كمالات القوة العملية و هي قوله: فَاتَّقُونِ .

و أما المرتبة الثانية: و هي السعادات البدنية فهي أيضا قسمان: الصحة الجسدانية، و كمالات القوى الحيوانية، أعني القوى السبع عشرة البدنية.

و أما المرتبة الثالثة: و هي السعادات المتعلقة بالصفات العرضية البدنية، فهي أيضا قسمان: سعادة الأصول و الفروع، أعني كمال حال الآباء. و كمال حال الأولاد.

و أما المرتبة الرابعة: و هي أخس المراتب فهي السعادات الحاصلة بسبب الأمور المنفصلة و هي المال و الجاه، فثبت أن أشرف مراتب السعادات هي الأحوال النفسانية، و هي محصورة في كمالات القوة النظرية و العملية، فلهذا السبب ذكر اللّه هاهنا أعلى حال هاتين القوتين فقال: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاتَّقُونِ .

اعلم أنه تعالى لما بين فيما سبق أن معرفة الحق لذاته، و هي المراد من قوله: أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا و معرفة الخير لأجل العمل به و هي المراد من قوله: فَاتَّقُونِ [النحل: 2]روح الأرواح، و مطلع السعادات، و منبع الخيرات و الكرامات، أتبعه بذكر الدلائل على وجود الصانع الإله تعالى و كمال قدرته و حكمته.

و اعلم أنا بينا أن دلائل الإلهيات، إما التمسك بطريقة الإمكان في الذوات أو في الصفات. أو التمسك بطريقة الحدوث في الذوات أو في الصفات أو بمجموع الإمكان و الحدوث في الذوات أو الصفات، فهذه طرق ستة، و الطريق المذكور في كتب اللّه تعالى المنزلة، هو التمسك بطريقة حدوث الصفات و تغيرات الأحوال. ثم هذا الطريق يقع على وجهين: أحدهما: أن يتمسك بالأظهر فالأظهر مترقيا إلى الأخفى فالأخفى، و هذا الطريق هو المذكور في أول سورة البقرة، فإنه تعالى قال: اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ فجعل تعالى تغير أحوال نفس كل واحد دليلا على احتياجه إلى الخالق. ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الآباء و الأمهات، و إليه الإشارة بقوله: وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21]ثم ذكر عقيبه الاستدلال بأحوال الأرض، و هي قوله: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً لأن الأرض أقرب إلينا من السماء، ثم ذكر في المرتبة الرابعة قوله: وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً ثم ذكر في المرتبة الخامسة الأحوال المتولدة من تركيب السماء بالأرض، فقال: وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ* [البقرة: 22].

الثاني من الدلائل القرآنية: أن يحتج اللّه تعالى بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون/فالأدون، و هذا الطريق هو المذكور في هذه السورة، و ذلك لأنه تعالى ابتدأ في الاحتجاج على وجود الإله المختار بذكر الأجرام العالية الفلكية، ثم ثنى بذكر الاستدلال بأحوال الإنسان، ثم ثلث بذكر الاستدلال بأحوال الحيوان، ثم‏

172

ربع بذكر الاستدلال بأحوال النبات، ثم خمس بذكر الاستدلال بأحوال العناصر الأربعة، و هذا الترتيب في غاية الحسن.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول:

النوع الأول: من الدلائل المذكورة على وجود الإله الحكيم الاستدلال بأحوال السموات و الأرض فقال:

خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ و قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ [الأنعام: 1]إن لفظ الخلق من كم وجه يدل على الاحتياج إلى الخالق الحكيم، و لا بأس بأن نعيد تلك الوجوه هاهنا فنقول: الخلق عبارة عن التقدير بمقدار مخصوص، و هذا المعنى حاصل في السموات من وجوه: الأول: أن كل جسم متناه فجسم السماء متناه، و كل ما كان متناهيا في الحجم و القدر، كان اختصاصه بذلك القدر المعين دون الأزيد و الأنقص امرا جائزا، و كل جائز فلا بد له من مقدر و مخصص، و كل ما كان مفتقرا إلى الغير فهو محدث. الثاني: و هو أن الحركة الأزلية ممتنعة، لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، و الأزل ينافيه فالجمع بين الحركة و الأزل محال.

إذا ثبت هذا فنقول: إما أن يقال أن الأجرام و الأجسام كانت معدومة في الأزل، ثم حدثت أو يقال إنها و إن كانت موجودة في الأزل إلا أنها كانت ساكنة ثم تحركت. و على التقديرين فلحركتها أول، فحدوث الحركة من ذلك المبدأ دون ما قبله أو ما بعده خلق و تقدير، فوجب افتقاره إلى مقدر و خالق و مخصص له. الثالث: أن جسم الفلك مركب من أجزاء بعضها حصلت في عمق جرم الفلك و بعضها في سطحه، و الذي حصل في العمق كان يعقل حصوله في السطح و بالعكس، و إذا ثبت هذا كان اختصاص كل جزء بموضعه المعين أمرا جائزا فيفتقر إلى المخصص و المقدر، و بقية الوجوه مذكورة في أول سورة الأنعام.

و اعلم أنه سبحانه لما احتج بالخلق و التقدير على حدوث السموات و الأرض قال بعده: تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ و المراد أن القائلين بقدم السموات و الأرض كأنهم أثبتوا للّه شريكا في كونه قديما أزليا فنزه نفسه عن ذلك، و بين أنه لا قديم إلا هو، و بهذا البيان ظهر أن الفائدة المطلوبة من قوله: سُبْحََانَهُ وَ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18]في أول السورة غير الفائدة المطلوبة من ذكر هذه الكلمة هاهنا، لأن المطلوب هناك إبطال قول من يقول: إن الأصنام تشفع للكفار في دفع العقاب عنهم، و المقصود/هاهنا إبطال قول من يقول: الأجسام قديمة، و السموات و الأرض أزلية، فنزه اللّه سبحانه نفسه عن أن يشاركه غيره في الأزلية و القدم و اللّه أعلم.

في قوله تعالى خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ اعلم أن أشرف الأجسام بعد الأفلاك و الكواكب هو الإنسان، فلما ذكر اللّه تعالى الاستدلال على وجود الإله الحكيم بأجرام الأفلاك، أتبعه بذكر الاستدلال على هذا المطلوب بالإنسان.

و اعلم أن الإنسان مركب من بدن و نفس، فقوله تعالى: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ اشارة إلى الاستدلال ببدنه على وجود الصانع الحكيم، و قوله: فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفسه على وجود الصانع الحكيم.

أما الطريق الأول: فتقريره أن نقول: لا شك أن النطفة جسم متشابه الأجزاء بحسب الحس و المشاهدة،

173

إلا أن من الأطباء من يقول إنه مختلف الأجزاء في الحقيقة، و ذلك لأنه إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، فإن الغذاء يحصل له في المعدة هضم أول و في الكبد هضم ثان. و في العروق هضم ثالث. و عند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضم رابع. ففي هذا الوقت وصل بعض أجزاء الغذاء إلى العظم و ظهر فيه أثر من الطبيعة العظيمة، و كذا القول في اللحم و العصب و العروق و غيرها ثم عند استيلاء الحرارة على البدن عند هيجان الشهوة يحصل ذوبان من جملة الأعضاء، و ذلك هو النطفة، و على هذا التقدير تكون النطفة جسما مختلف الأجزاء و الطبائع.

إذا عرفت هذا فنقول: النطفة في نفسها إما أن تكون جسما متشابه الأجزاء في الطبيعة و الماهية، أو مختلف الأجزاء فيها، فإن كان الحق هو الأول لم يجز أن يكون المقتضى لتولد البدن منها هو الطبيعة الحاصلة في جوهر النطفة و دم الطمث، لأن الطبيعة تأثيرها بالذات و الإيجاب لا بالتدبير و الاختيار. و القوة الطبيعية إذا عملت في مادة متشابهة الأجزاء وجب أن يكون فعلها هو الكرة، و على هذا الحرف عولوا في قولهم البسائط يجب أن تكون أشكالها الطبيعية في الكرة فلو كان المقتضى لتولد الحيوان من النطفة هو الطبيعة، لوجب أن يكون شكلها الكرة. و حيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن المقتضى لحدوث الأبدان الحيوانية ليس هو الطبيعة، بل فاعل مختار، و هو يخلق بالحكمة و التدبير و الاختيار.

و أما القسم الثاني: و هو أن يقال: النطفة جسم مركب من أجزاء مختلفة في الطبيعة و الماهية فنقول:

بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فإنه يجب أن يكون تولد البدن منها بتدبير فاعل مختار حكيم و بيانه من وجوه:

الوجه الأول: أن النطفة رطوبة سريعة الاستحالة، و إذا كان كذلك كانت الأجزاء الموجودة فيها لا تحفظ الوضع و النسبة، فالجزء الذي هو مادة الدماغ يمكن حصوله في الأسفل، و الجزء الذي هو مادة القلب قد يحصل في الفوق، و إذا كان الأمر كذلك وجب أن لا تكون أعضاء الحيوان على هذا الترتيب المعين أمرا دائما و لا أكثريا، و حيث كان الأمر كذلك، علمنا أن حدوث هذه الأعضاء على هذا الترتيب الخاص ليس إلا بتدبير الفاعل المختار الحكيم.

و الوجه الثاني: أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسما بسيطا، و إذا كان الأمر كذلك، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض، و حيث لم يكن الأمر كذلك، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع و لا تأثيرات الأنجم و الأفلاك، لأن تلك التأثيرات متشابهة، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم، و هو المطلوب، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار. و هو المراد من قوله سبحانه و تعالى: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ و أما الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو المراد من قوله: فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في بيان وجه الاستدلال و تقريره: أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهما و ذكاء و فطنة من نفوس سائر الحيوانات، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو و الصديق فيهرب من الهرة و يلتجئ إلى الأم، و يميز بين الغذاء الذي يوافقه و الغذاء الذي لا يوافقه و أما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم، لا يميز ألبتة بين العدو و الصديق و لا بين الضار و النافع، فظهر أن الإنسان في أول‏

174

الحدوث أنقص حالا و أقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله و يعظم فهمه و يصير بحيث يقوى على مساحة السموات و الأرض و يقوى على معرفة ذات اللّه و صفاته و على معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح و الأجسام و الفلكيات و العنصريات و يقوى على إيراد الشبهات القوية في دين اللّه تعالى و الخصومات الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الإنسان من تلك البلاد المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد و أن يكون/بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها و من جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة و الاختيار، فهذا هو المراد من قوله سبحانه و تعالى: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ .

و إذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة:

المسألة الثانية: أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ*`ثُمَّ جَعَلْنََاهُ نُطْفَةً فِي قَرََارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: 12، 13]إلا أنه تعالى اختصر هاهنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات، و قوله، فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ فيه بحثان:

البحث الأول: قال الواحدي: الخصيم بمعنى المخاصم، قال أهل اللغة: خصيمك الذي يخاصمك و فعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب، و العشير بمعنى المعاشر، و الأكيل و الشريب و يجوز أن يكون خصيم فاعلا من خصم يخصم بمعنى اختصم، و منه قراءة حمزة: تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ [يس: 49].

البحث الثاني: لقوله: فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ و جهان: أحدهما: فإذا هو منطبق مجادل عن نفسه، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة، و جمادا لا حس له و لا حركة، و المقصود منه: أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم. و الثاني: فإذا هو خصيم لربه، منكر على خالقه، قائل: مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ [يس: 78]و الغرض منه وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة و الجهل، و التمادي في كفران النعمة، و الوجه الأول أوفق، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم، لا لتقرير وقاحة الناس و تماديهم في الكفر و الكفران.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة. و هي الحواس الظاهرة و الباطنة، و الشهوة و الغضب، ثم هذه الحيوانات قسمان:

منها ما ينتفع الإنسان بها، و منها ما لا يكون كذلك، و القسم الأول: أشرف من الثاني، لأنه لما كان الإنسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوان يكون انتفاع الإنسان به أكمل. و أكثر أن يكون أكمل و أشرف من غيره، ثم نقول: و الحيوان الذي ينتفع الإنسان به إما أن ينتفع به في ضروريات معيشته مثل الأكل و اللبس أو لا يكون‏

175

كذلك، و إنما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة و غيرها، و القسم الأول أشرف من الثاني، و هذا القسم هو الأنعام، فلهذا السبب بدأ اللّه بذكره في هذه الآية، فقال: وَ اَلْأَنْعََامَ خَلَقَهََا لَكُمْ .

و اعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية و هي: الضأن، و المعز. و الإبل. و البقر، و قد يقال أيضا:

الأنعام ثلاثة: الإبل. و البقر. و الغنم. قال صاحب «الكشاف» : و أكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل. و قوله:

وَ اَلْأَنْعََامَ منصوبة و انتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله تعالى: وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ [يس: 39]و يجوز أن يعطف على الإنسان. أي خلق الإنسان و الأنعام، قال الواحدي: تم الكلام عند قوله: وَ اَلْأَنْعََامَ خَلَقَهََا ثم ابتدأ و قال: لَكُمْ فِيهََا دِفْ‏ءٌ و يجوز أيضا أن يكون تمام الكلام عند قوله: لَكُمْ ثم ابتدأ و قال: فِيهََا دِفْ‏ءٌ قال صاحب «النظم» : أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله: خَلَقَهََا و الدليل عليه أنه عطف عليه قوله: وَ لَكُمْ فِيهََا جَمََالٌ و التقدير لكم فيها دف‏ء و لكم فيها جمال.

المسألة الثانية: أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك المنافع، و اعلم أن منافع النعم منها ضرورية، و منها غير ضرورية، و اللّه تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية.

فالمنفعة الأولى: قوله: لَكُمْ فِيهََا دِفْ‏ءٌ و قد ذكر هذه المعنى في آية أخرى فقال: وَ مِنْ أَصْوََافِهََا وَ أَوْبََارِهََا وَ أَشْعََارِهََا [النحل: 80]و الدف‏ء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية، قال الأصمعي: و يكون الدف‏ء السخونة. يقال: أقعد في دف‏ء هذا الحائط، أي في كنه. و قرئ: دف بطرح الهمزة و إلقاء حركتها على الفاء.

و المنفعة الثانية: قوله: وَ مَنََافِعُ قالوا: المراد نسلها و درها، و إنما عبر اللّه تعالى عن نسلها و درها بلفظ المنفعة و هو اللفظ الدال على الوصف الأعم، لأن النسل و الدر قد ينتفع به في الأكل و قد ينتفع به في البيع بالنقود، و قد ينتفع به بأن يبدل بالثياب و سائر الضروريات فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل.

و المنفعة الثالثة: قوله: وَ مِنْهََا تَأْكُلُونَ .

فإن قيل: قوله: وَ مِنْهََا تَأْكُلُونَ يفيد الحصر و ليس الأمر كذلك، فإنه قد يؤكل من غيرها، و أيضا منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللبس، فلم أخر منفعته في الذكر؟ قلنا: الجواب عن الأول: إن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم، و أما الأكل من غيرها كالدجاج و البط و صيد البر و البحر، فيشبه غير المعتاد. و كالجاري مجرى التفكه، و يحتمل أيضا أن غالب أطعمتكم منها لأنكم تحرثون بالبقر و الحب و الثمار التي تأكلونها منها، و أيضا تكتسبون بإكراء الإبل و تنتفعون بألبانها و نتاجها و جلودها، و تشترون بها جميع أطعمتكم.

و الجواب عن السؤال الثاني: أن الملبوس أكثر بقاء من المطعوم، فلهذا قدمه عليه في الذكر.

و اعلم أن هذه المنافع الثلاثة هي المنافع الضرورية الحاصلة من الأنعام. و أما المنافع الحاصلة من الأنعام التي هي ليست بضرورية فأمور:

المنفعة الأولى: قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِيهََا جَمََالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ الإراحة رد الإبل بالعشي‏

176

إلى مراحها حيث تأوي إليه ليلا، و يقال: سرح القوم إبلهم سرحا إذا أخرجوها بالغداة إلى المرعى. قال أهل اللغة: هذه الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع إذا سقط الغيث و كثر الكلأ و خرجت العرب للنجعة، و أحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت.

و اعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي و سرحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة و التسريح الأفنية، و تجاوب فيها الثغاء و الرغاء، و فرحت أربابها و عظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها.

فإن قيل: لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلنا: لأن الجمال في الإراحة أكثر. لأنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع، ثم اجتمعت في الحظائر حاضرة لأهلها بخلاف التسريح، فإنها عند خروجها إلى المرعى تخرج جائعة عادمة اللبن ثم تأخذ في التفرق و الانتشار، فظهر أن الجمال في الإراحة أكثر منه في التسريح.

و المنفعة الثانية: قوله: وَ تَحْمِلُ أَثْقََالَكُمْ إِلى‏ََ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بََالِغِيهِ إِلاََّ بِشِقِّ اَلْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الأثقال جمع ثقل و هو متاع المسافر لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس. قال ابن عباس:

يريد من مكة إلى المدينة. أو إلى اليمن. أو إلى الشام. أو إلى مصر. قال الواحدي: هذا قوله و المراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل لشق عليكم و خص ابن عباس هذه البلاد، لأن/متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد، و قرئ: بِشِقِّ اَلْأَنْفُسِ بكسر الشين و فتحها، و أكثر القراء على كسر الشين. و الشق المشقة و الشق نصف الشي‏ء، و حمل اللفظ هاهنا على كلا المعنيين جائز، فإن حملناه على المشقة كان المعنى: لم تكونوا بالغيه إلا بالمشقة، و إن حملناه على نصف الشي‏ء كان المعنى: لم تكونوا بالغيه إلا عند ذهاب النصف من قوتكم أو من بدنكم و يرجع عند التحقيق إلى المشقة. و من الناس من قال: المراد من قوله: وَ اَلْأَنْعََامَ خَلَقَهََا الإبل فقط بدليل أنه وصفها في آخر الآية بقوله: وَ تَحْمِلُ أَثْقََالَكُمْ إِلى‏ََ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بََالِغِيهِ و هذا الوصف لا يليق إلا بالإبل.

قلنا: المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع حاصلة في الكل و بعضها مختص بالبعض، و الدليل عليه: أن قوله: وَ لَكُمْ فِيهََا جَمََالٌ حاصل في البقر و الغنم مثل حصوله في الإبل. و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية فقالوا: هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس، و حمل الأثقال على الجمال و مثبتو الكرامات يقولون: إن الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب و تحمل مشقة، فكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلا، و لما بطل القول بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور، لأنه لا قائل بالفرق.

و جوابه: أنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات. و اللّه أعلم.

ـ

177

اعلم أنه تعالى لما ذكر منافع الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها في المنافع الضرورية و الحاجات الأصلية، ذكر بعده منافع الحيوانات التي ينتفع بها الإنسان في المنافع التي ليست بضرورية، فقال: وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله: وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ عطف على الأنعام، أي و خلق الأنعام لكذا و كذا، و خلق هذه الأشياء للركوب. و قوله: وَ زِينَةً أي و خلقها زينة، و نظيره قوله تعالى: زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ وَ حِفْظاً [فصلت: 12]المعنى: و حفظناها حفظا. قال الزجاج: نصب قوله: وَ زِينَةً على أنه مفعول له. و المعنى: و خالقها للزينة.

المسألة الثانية: احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية. فقالوا منفعة الأكل أعظم/من منفعة الركوب، فلو كان أكل لحم الخيل جائزا لكان هذا المعنى أولى بالذكر، و حيث لم يذكره اللّه تعالى علمنا أنه يحرم أكله، و يمكن أيضا أن يقوي هذا الاستدلال من وجه آخر. فيقال: إنه تعالى قال في صفة الأنعام: وَ مِنْهََا تَأْكُلُونَ [النحل: 5]و هذه الكلمة تفيد الحصر، فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعام، فوجب أن يحرم مخلوقة للركوب، فهذا يقتضي أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام و غير حاصلة في هذه الأشياء، و يمكن الاستدلال بهذه الآية من وجه ثالث و هو أن قوله: لِتَرْكَبُوهََا يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب و الزينة، و لو حل أكلها لما كان تمام المقصود من خلقها هو الركوب، بل كان حل أكلها أيضا مقصودا، و حينئذ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصود، بل يصير بعض المقصود.

و أجاب الواحدي بجواب في غاية الحسن فقال: لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات لكان تحريم أكلها معلوما في مكة لأجل أن هذه السورة مكية، و لو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين و المحدثين أن لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر باطلا، لأن التحريم لما كان حاصلا قبل هذا اليوم لم يبق لتخصيص هذا التحريم بهذه الشبهة فائدة، و هذا جواب حسن متين.

المسألة الثالثة: القائلون بأن أفعال اللّه تعالى معللة بالمصالح و الحكم، احتجوا بظاهر هذه الآية فإنه يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة الفلانية، و نظيره قوله: كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ اَلنََّاسَ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [إبراهيم: 1]و قوله: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]و الكلام فيه معلوم.

المسألة الرابعة: لقائل أن يقول لما كان معنى الآية أنه تعالى خلق الخيل و البغال و الحمير لتركبوها و ليجعلها زينة لكم فلم ترك هذه العبارة؟ و جوابه أنه تعالى لو ذكر هذا الكلام بهذه العبارة لصار المعنى أن التزين بها أحد الأمور المعتبرة في المقصود، و ذلك غير جائز، لأن التزين بالشي‏ء يورث العجب و التيه و التكبر، و هذه أخلاق مذمومة و اللّه تعالى نهي عنها و زجر عنها فكيف يقول إني خلقت هذه الحيوانات لتحصيل هذه المعاني بل قال: خلقها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء و المشقة، و أما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، و لكنه غير

178

مقصود بالذات، فهذا هو الفائدة في اختيار هذه العبارة.

أو اعلم أنه تعالى لما ذكر أولا: أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعا ضروريا/و ثانيا: أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعا غير ضروري بقي القسم الثالث من الحيوانات و هي الأشياء التي لا ينتفع الإنسان بها في الغالب فذكرها على سبيل الإجمال فقال: وَ يَخْلُقُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ و ذلك لأن أنواعها و أصنافها و أقسامها كثيرة خارجة عن الحد و الإحصاء و لو خاض الإنسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور بعد كتبة المجلدات الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحسن الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر اللّه تعالى في هذه الآية، و

روى عطاء و مقاتل و الضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن على يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع و الأرضين السبع، و البحار السبعة يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر و يغتسل فيزداد نورا إلى نوره و جمالا إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق اللّه من كل نقطة تقع من ريشه كذا و كذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألفا البيت المعمور، و في الكعبة أيضا سبعون ألفا، ثم لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة.

اعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد قال: وَ عَلَى اَللََّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ أي إنما ذكرت هذه الدلائل و شرحتها إزاحة للعذر و إزالة للعلة ليهلك من هلك عن بينة. و يحيي من حي عن بينة و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي: القصد استقامة الطريق يقال: طريق قصد و قاصد إذا أداك إلى مطلوبك، إذا عرفت هذا ففي الآية حذف، و التقدير: و على اللّه بيان قصد السبيل، ثم قال: وَ مِنْهََا جََائِرٌ أي عادل مائل و معنى الجور في اللغة الميل عن الحق و الكناية في قوله: وَ مِنْهََا جََائِرٌ تعود على السبيل، و هي مؤنثة في لغة الحجاز يعني و من السبيل ما هو جائر غير قاصد للحق و هو أنواع الكفر و الضلال. و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه يجب على اللّه تعالى الإرشاد و الهداية إلى الدين و إزاحة العلل و الأعذار، لأنه تعالى قال: وَ عَلَى اَللََّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ و كلمة «على» للوجوب قال تعالى: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ [آل عمران: 97]و دلت الآية أيضا على أنه تعالى لا يضل أحدا و لا يغويه و لا يصده عنه، و ذلك لأنه تعالى لو كان فاعلا للضلال لقال: وَ عَلَى اَللََّهِ قَصْدُ اَلسَّبِيلِ و عليه جائرها أو قال: و عليه الجائر فلما لم يقل كذلك بل قال في قصد السبيل أنه عليه، و لم يقل في جور السبيل أنه عليه بل قال/ وَ مِنْهََا جََائِرٌ دل على أنه تعالى لا يضل عن الدين أحدا.

أجاب أصحابنا أن المراد على اللّه بحسب الفضل و الكرم أن يبين الدين الحق و المذهب الصحيح فإما أن يبين كيفية الإغواء و الإضلال فذلك غير واجب فهذا هو المراد، و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: وَ لَوْ شََاءَ لَهَدََاكُمْ أَجْمَعِينَ يدل على أنه تعالى ما شاء هداية الكفار، و ما أراد منهم الإيمان، لأن كلمة (لو) تفيد انتفاء شي‏ء لانتفاء شي‏ء غيره قوله، وَ لَوْ شََاءَ لَهَدََاكُمْ معناه: لو شاء هدايتكم لهداكم، و ذلك يفيد أنه تعالى ما شاء هدايتهم فلا جرم ما هداهم، و ذلك يدل على المقصود.

و أجاب الأصم عنه بأن المراد لو شاء أن يلجئكم إلى الإيمان لهداكم، و هذا يدل على أن مشيئة الإلجاء لم تحصل.

179

و أجاب الجبائي بأن المعنى: و لو شاء لهداكم إلى الجنة و إلى نيل الثواب لكنه لا يفعل ذلك إلا بمن يستحقه، و لم يرد به الهدى إلى الإيمان، لأنه مقدور جميع المكلفين.

و أجاب بعضهم فقال المراد: و لو شاء لهداكم إلى الجنة ابتداء على سبيل التفضل، إلا أنه تعالى عرفكم للمنزلة العظيمة بما نصب من الأدلة و بين، فمن تمسك بها فاز بتلك المنازل و من عدل عنها فاتته و صار إلى العذاب، و اللّه أعلم.

و اعلم أن هذه الكلمات قد ذكرناها مرارا و أطوارا مع الجواب فلا فائدة في الإعادة.

في قوله تعالى هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرََابٌ اعلم أن أشرف أجسام العالم السفلي بعد الحيوان النبات، فلما قرر اللّه تعالى الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات، أتبعه في هذه الآية بذكر الاستدلال على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال النبات.

و اعلم أن الماء المنزل من السماء هو المطر، و أما أن المطر نازل من السحاب أو من السماء فقد ذكرناه في هذا الكتاب مرارا، و الحاصل: أن ماء المطر قسمان: أحدهما: هو الذي جعله اللّه تعالى شرابا لنا و لكل حي، و هو المراد بقوله: لَكُمْ مِنْهُ شَرََابٌ و قد بين اللّه تعالى في آية أخرى أن هذه النعمة جليلة فقال:

وَ جَعَلْنََا مِنَ اَلْمََاءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ [الأنبياء: 30].

فإن قيل: أ فتقولون إن شرب الخلق ليس إلا من المطر، أو تقولون قد يكون منه و قد يكون من غيره، و هو الماء الموجود في قعر الأرض؟ أجاب القاضي: بأنه تعالى بين أن المطر شرابنا و لم ينف أن نشرب من غيره.

و لقائل أن يقول: ظاهر الآية يدل على الحصر، لأن قوله: لَكُمْ مِنْهُ شَرََابٌ يفيد الحصر لأن معناه منه لا من غيره.

إذا ثبت هذا فنقول: لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر يسكن هناك، و الدليل عليه قوله تعالى في سورة المؤمنين: وَ أَنْزَلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنََّاهُ فِي اَلْأَرْضِ [المؤمنون: 18]و لا يمتنع أيضا في غير العذب و هو البحر أن يكون من جملة ماء المطر، و القسم الثاني من المياه النازلة من السماء ما يجعله اللّه سببا لتكوين النبات و إليه الإشارة بقوله: وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ إلى آخر الآية، و فيه مباحث:

البحث الأول: ظاهر هذه الآية يقتضي أن أسامة الشجر ممكنة، و هذا إنما يصح لو كان المراد من الشجر الكلأ و العشب، و هاهنا قولان:

القول الأول: قال الزجاج: كل ما ثبت على الأرض فهو شجر و أنشد:

180

يطعمها اللحم إذا عز الشجر

يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض، و قال ابن قتيبة في هذه الآية المراد من الشجر الكلأ، و في حديث عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت يعني الكلأ.

و لقائل أن يقول: إنه تعالى قال: وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدََانِ [الرحمن: 6]و المراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق، و من الشجر ما له ساق، هكذا قال المفسرون، و بالجملة فلما عطف الشجر على النجم دل على التغاير بينهما، و يمكن أن يجاب عنه بأن عطف الجنس على النوع و بالضد مشهور و أيضا فلفظ الشجر مشعر بالاختلاط، يقال: تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض و تشاجرت الرماح إذا اختلطت و قال تعالى: حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65]و معنى الاختلاط حاصل في العشب و الكلأ، فوجب جواز إطلاق لفظ الشجر عليه.

القول الثاني: أن الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار، و على هذا التقدير فلا حاجة إلى ما ذكرناه في القول الأول.

البحث الثاني: قوله: فِيهِ تُسِيمُونَ أي في الشجر ترعون مواشيكم يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى، و سامت هي تسوم سوما إذا رعت حيث شاءت فهي سوام و سائمة قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة و هي العلامة. و تأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات، و قال غيره. لأنها تعلم للإرسال في المرعى، و تمام الكلام في هذا اللفظ قد ذكرناه في سورة آل عمران في قوله تعالى: وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ [آل عمران: 14].

أما قوله تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ اَلزَّرْعَ وَ اَلزَّيْتُونَ وَ اَلنَّخِيلَ وَ اَلْأَعْنََابَ ففيه مباحث:

البحث الأول: هو أن النبات الذي ينبته اللّه من ماء السماء قسمان: أحدهما: معد لرعي الأنعام و أسامة الحيوانات، و هو المراد من قوله: فِيهِ تُسِيمُونَ . و الثاني: ما كان مخلوقا لأكل الإنسان و هو المراد من قوله:

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ اَلزَّرْعَ وَ اَلزَّيْتُونَ .

فإن قيل: إنه تعالى بدأ في هذه الآية بذكر ما يكون مرعى للحيوانات، و أتبعه بذكر ما يكون غذاء للإنسان، و في آية أخرى عكس هذا الترتيب فبدأ بذكر مأكول الإنسان، ثم بما يرعاه سائر الحيوانات فقال:

كُلُوا وَ اِرْعَوْا أَنْعََامَكُمْ [طه: 54]فما الفائدة فيه؟ قلنا: أما الترتيب المذكور في هذه الآية فينبه على مكارم الأخلاق و هو أن يكون اهتمام الإنسان بمن يكون تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه، و أما الترتيب المذكور في الآية الأخرى، فالمقصود منه ما هو المذكور في‏

قوله عليه السلام: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» .

البحث الثاني: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ننبت بالنون على التفخيم و الباقون بالياء، قال الواحدي: و الياء أشبه بما تقدم.

البحث الثالث: اعلم أن الإنسان خلق محتاجا إلى الغذاء، و الغذاء إما أن يكون من الحيوان أو من‏

181

النبات. و الغذاء الحيواني أشرف من الغذاء النباتي، لأن تولد أعضاء الإنسان عند أكل أعضاء الحيوان أسهل من تولدها عند أكل النبات لأن المشابهة هناك أكمل و أتم و الغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات و السعي في تنميتها بواسطة الرعي، و هذا هو الذي ذكره اللّه تعالى في الأسامة، و أما الغذاء النباتي فقسمان:

حبوب. و فواكه، أما الحبوب فإليها الإشارة بلفظ الزرع و أما الفواكه فأشرفها الزيتون. و النخيل. و الأعناب، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه و إدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن و منافع الأدهان كثيرة في الأكل و الطلي و اشتعال السرج، و أما امتياز النخيل و الأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم، و كما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل، ثم قال في صفة البقية: وَ يَخْلُقُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ [النحل: 8] فكذلك هاهنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في صفة البقية: وَ مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ تنبيها على أن تفصيل القول في أجناسها و أنواعها و صفاتها و منافعها لا يمكن ذكره في مجلدات، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل.

ثم قال: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ و هاهنا بحثان:

البحث الأول: في شرح كون هذه الأشياء آيات دالة على وجود اللّه تعالى فنقول: إن الحبة الواحدة تقع في الطين فإذا مضت على هذه الحالة مقادير معينة من الوقت نفذت في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض و نداوتها فتنتفخ الحبة فينشق أعلاها و أسفلها، فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء. و من أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض و هذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة، ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد و تنمو و تقوى، ثم يخرج منها الأوراق و الأزهار و الأكمام و الثمار، ثم إن تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب، فإن قشره و عجمه باردان يابسان كثيفان، و لحمه و ماؤه حاران رطبان لطيفان.

إذا عرفت هذا فنقول: نسبة الطبائع السفلية إلى هذا الجسم متشابهة و نسبة التأثيرات الفلكية و التحريكات الكوكبية إلى الكل متشابهة. و مع تشابه نسب هذه الأشياء ترى هذه الأجسام مختلفة في الطبع و الطعم و اللون و الرائحة و الصفة، فدل صريح العقل على أن ذلك ليس إلا لأجل فاعل قادر حكيم رحيم فهذا تقدير هذه الدلالة.

البحث الثاني: أنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ و السبب فيه أنه تعالى ذكر أنه: أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً ... يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ اَلزَّرْعَ وَ اَلزَّيْتُونَ وَ اَلنَّخِيلَ وَ اَلْأَعْنََابَ .

و لقائل أن يقول: لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها و لم لا يجوز أن يقال: إن هذه الأشياء إنما حدثت و تولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة و تأثيرات الشمس و القمر و الكواكب؟و إذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاما وافيا بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر و التأمل باقيا، فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

تم الجزء التاسع عشر، و يليه إن شاء اللّه تعالى الجزء العشرون، و أوله قوله تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ من سورة النحل. أعان اللّه على إكماله‏