أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - ج1

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
424 /
57

محرّكة لعضلات العبد إلّا بالوجود العلميّ و الوصول.

ثانيهما: كون المناط في استحقاق العقاب عند العقل هو القبح الفاعليّ، و لا أثر للقبح الفعليّ المجرّد عن ذلك.

و يمكن منع كلّ من الأمرين:

أمّا الأوّل: فلأنّ العلم و إن كان دخيلا في المستقلّات العقليّة، إلّا أنه لا العلم الأعمّ من المصادف و غيره، فإنّ غير المصادف يكون جهلا.

و بالجملة: العقل يستقلّ بلزوم انبعاث العبد عن بعث المولى، و ذلك يتوقّف على بعث المولى و إحرازه، فالبعث بلا إحراز لا أثر له، و الإحراز بلا بعث واقعيّ لا أثر له.

و أمّا الثاني: فلأنّ المناط في استحقاق العقاب هو القبح الفاعليّ الّذي يتولّد من القبح الفعليّ، لا الّذي يتولّد من سوء السريرة و خبث الباطن، و كم فرق بينهما (1) انتهى.

و فيه: أنّ إناطة دعوى استحقاق المتجرّي بدعوى أنّ العقل بمناط واحد يحكم في العاصي و المتجرّي بالاستحقاق ممّا لا وجه له؛ لما قد عرفت أنّ العقل يحكم باستحقاق المتجرّي للعقوبة لهتك حرمة المولى و الجرأة عليه صادف الواقع أم لم يصادف، و يحكم باستحقاق العاصي للعقاب المجعول في الآخرة، و الحدود المجعولة في الدنيا إن قلنا بجعليّة العقاب.

فللعاصي عنوانان:

____________

(1) فوائد الأصول 3: 48- 49.

58

أحدهما: مخالفة أمر المولى في شرب الخمر.

و ثانيهما: هتك حرمته و إهانته، و ليس له بواسطته عقاب مجعول قانونيّ، لكنه مستحقّ عقلا للعقاب، و له العقاب الّذي هو من لوازم التجرّي و الهتك. كما أنّ صاحب الأخلاق الذميمة لو فعل حراما يكون له عقاب لفعله و عقاب آخر من سنخ ملكته الباطنة ملازم لأخلاقه الذميمة.

فالخلق الذميم له صورة غيبيّة ملكوتيّة ملازم لشدّة و عذاب و خوف و ظلمة، و للتجرّي أيضا صورة باطنة ملكوتيّة ملازمة لعذاب و شدّة و ظلمة مسانخة له. هذا للعاصي.

و أمّا المتجرّي: فلا يكون له العقاب المجعول، أو الصورة الملكوتيّة العمليّة، لكنّه في التجرّي و استحقاقه بواسطته، و في الصورة الملكوتيّة اللازمة له و لوازمها، شريك مع العاصي، و مناطه موجود فيه بلا إشكال.

و بما ذكرنا: علم ما في الأمرين اللذين جعل الدعوى منوطة بهما:

أمّا في الأوّل: فلأنّ دعوى كون العلم في المستقلّات العقليّة تمام الموضوع، و أنّه لا دخل للمصادفة و عدمها، ممّا لا دخالة له فيما نحن فيه، و أنّ القائل بقبح التجرّي لا ملزم له لتلك الدعوى، فإنّ قبح التجرّي من المستقلّات العقليّة، و حرمة المعصية و العقاب عليها من المجعولات الشرعيّة، و لا ربط لها بالتجرّي.

و بما ذكرنا علم حال الجواب عن الأمر الأوّل بأنّ قبح التجرّي إنّما يكون في صورة المصادفة، و أمّا غيرها فيكون جهلا، و لا أثر للإحراز بلا بعث‏

59

واقعيّ، فإنّ الضرورة قاضية بأنّ القاطع المتجرّي هتّاك لحرمة المولى، و مقدم على مخالفته، و مستحقّ للعقوبة، و لا فرق بينه و بين العاصي من هذه الجهة أصلا، لا لأنّ العلم تمام الموضوع، بل لأنّ التجرّي تمام الموضوع.

نعم لا يصدق عنوان التجرّي و العصيان إلّا مع العلم، لا أنّه تمام الموضوع أو جزؤه في حكم العقل بالقبح، فالعلم إنّما هو محقّق عنوان التجرّي و العصيان، و هما تمام الموضوع لحكم العقل باستحقاق العقوبة.

و بالجملة: المتجرّي و العاصي في نظر العقل سواء إلّا في العقاب المجعول أو اللازم لارتكاب المحرم، و الوجدان أصدق شاهد على ذلك، فإنّك لو نهيت ولديك عن شرب الترياك، و جعلت للشارب مائة سوط، فشربا ما اعتقدا كونه ترياكا، فصادف أحدهما الواقع دون الآخر، صار المصادف عندك مستحقّا للعقاب المجعول .. و أمّا غيره و ان كان غير مستحقّ للعقاب المجعول، لكنّه مستحقّ للتأديب و التعزير، لهتكه و لجرأته و كونه بصدد المخالفة، و كلاهما في السقوط عن نظرك و البعد عنك سواء. و هذا واضح، و المنكر مكابر لعقله.

مع أنّ أمر الجرأة على مولى الموالي و الهتك لسيّد السادات لا يقاس على ما ذكر، فإنّ الانقياد له و التجرّي عليه يصير ان مبدأ الصور الملكوتيّة المستتبعة للدرجات و الدركات، كما هو المقرّر عند أهله‏ (1).

و أمّا في الثاني: فلأنّ دعوى كون القبح الفعليّ ممّا لا أثر له،

____________

(1) انظر هامش 1- 2 صفحة رقم: 55.

60

و المؤثّر المنحصر هو القبح الفاعلي، ممّا لا دخالة لها في المقام، فإنّ مدّعي قبح التجرّي يدّعيه سواء كان للفعل الواقعي أثر أم لا.

و بالجملة: أنّ التجرّي عنوان مستقلّ في نظر العقل، و هو موضوع حكمه بالقبح، و القبح الفعليّ أمر آخر غير مربوط به.

و من ذلك علم حال الجواب عن الأمر الثاني، من إحداث الفرق بين القبح الفاعليّ الناشئ عن القبح الفعليّ، و بين الناشئ عن سوء السريرة، فإنّ ذلك من ضيق الخناق، و إلّا فأيّة دخالة للمنشإ في عنوان التجرّي الّذي هو تمام الموضوع لحكم العقل بالقبح، كما هو حكم الوجدان و قضاء الضرورة؟! و بالجملة: هذا التكلّف و الخلط ناش من عدم تحقيق مراتب الثواب و العقاب، و قياس عالم الآخرة و العقوبات الأخرويّة بالدنيا و عقوباتها، مع أنّها- أيضا- لا تكون كما زعموا، فافهم و استقم.

في اختياريّة الإرادة و عدمها

قوله: إنّ القصد و العزم إنما يكون من مبادئ الاختيار

(1)

.

(1) أقول: إنّ مسألة اختياريّة الإرادة و عدمها من المسائل التي وقع التشاجر بين الأفاضل و الأعلام فيها، و لا بدّ من تحقيق الحال حسبما وقعت في الكتب العقليّة، ليكون الدخول في البيت من بابه، فنقول:

____________

(1) الكفاية 2: 14.

61

إنّ من جملة الإشكالات الواردة في باب الإرادة الحادثة: أنّ الإرادة الإنسانيّة إذا كانت واردة عليه من خارج بأسباب و علل منتهية إلى الإرادة القديمة، فكانت واجبة التحقّق سواء أرادها العبد أم لم يردها، فكان العبد ملجأ مضطرّا في إرادته، ألجأته إليها المشيّة الواجبة الإلهيّة وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ* (1) فالإنسان كيف يكون فعله بإرادته حيث لا تكون إرادته بإرادته؟ و إلّا لترتبت الإرادات متسلسلة إلى غير نهاية.

كلام المحقّق الداماد

و أجاب عنه المحقّق البارع الداماد- (قدّس سرّه) [1]-: بأنّ الإرادة حالة شوقيّة إجماليّة للنفس، بحيث إذا ما قيست إلى الفعل نفسه، و كان هو الملتفت إليه بالذات، كانت هي شوقا إليه و إرادة له، و إذا قيست إلى إرادة الفعل، و كان الملتفت إليه هي نفسها لا نفس الفعل، كانت هي شوقا و إرادة بالنسبة إلى الإرادة من غير شوق آخر و إرادة أخرى جديدة.

و كذلك الأمر في إرادة الإرادة، و إرادة إرادة الإرادة، إلى سائر المراتب‏

____________

[1] هو معلم الفلاسفة و الحكماء، و مربي العلماء و العرفاء السيد مير برهان الدين محمّد باقر بن المير شمس الدين محمد الحسيني المعروف ب (الميرداماد) الملقب بالمعلم الثالث، أشهر أساتذته السيد نور الدين الموسوي و المحقق الكركي، و أبرز طلبته قطب الدين الإشكوري و صدر الدين الشيرازي، ألّف عدَّة كتب أشهرها كتاب القبسات، توفي سنة 1041 ه. انظر سلافة العصر:

477، أعيان الشيعة 9: 189، روضات الجنات 2: 62.

____________

(1) الإنسان: 30.

62

التي في استطاعة العقل أن يلتفت إليها بالذات و يلاحظها على التفصيل، فكلّ من تلك الإرادات المفصّلة تكون بالإرادة، و هي بأسرها مضمَّنة في تلك الحالة الشوقيّة الإراديّة، و الترتيب بينها بالتقدّم و التأخّر عند التفصيل ليس يصادم اتّحادها في تلك الحالة الإجماليّة (1) انتهى.

إشكالات صدر المتألّهين‏

و أورد عليه تلميذه الأكبر [1] إشكالات:

منها: أنّ لنا أن نأخذ جميع الإرادات بحيث لا يشذّ عنها شي‏ء منها، و نطلب أنّ علّتها أيّ شي‏ء هي؟ فإن كانت إرادة أخرى لزم كون شي‏ء واحد خارجا و داخلا بالنسبة إلى شي‏ء واحد بعينه هو مجموع الإرادات، و ذلك محال، و إن كان شيئا آخر لزم الجبر في الإرادة (2).

و منها: أنّ التحليل بالمتقدّم و المتأخّر إنّما يجري فيما له جهة تعدّد في الواقع وجهة وحدة في نفس الأمر، كأجزاء الحدّ من الجنس و الفصل، و أمّا

____________

[1] هو الحكيم الإلهي و الفيلسوف الرباني الشيخ محمد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بالملّا صدرا، ولد في شيراز سنة 979 ه، و شرع في طلب العلم فيها، ثم سافر عنها إلى أصفهان فحضر عند السيد الداماد و أخذ عنه الكثير و كان يجلّه كثيرا و يعبر عنه سيدي و أستاذي في المعالم الدينية و العلوم الإلهية و المعارف الحقيقية. له عدّة كتب أشهرها كتاب الأسفار، و مفاتيح الغيب، و الشواهد الربوبية، توفي سنة 1050 ه. انظر أعيان الشيعة 9: 321، سلافة العصر: 491، روضات الجنات 4: 120.

____________

(1) القبسات: 473- 474، القبس العاشر، الأسفار 6: 388- 389.

(2) الأسفار 6: 390.

63

ما لا يكون كذلك فليس للعقل أن يخترع له الأجزاء الكذائيّة من غير حالة باعثة إيّاه‏ (1).

و منها غير ذلك.

و يرد عليه- مضافا إلى أنّ تفسير الإرادة بالحالة الشوقيّة ليس على ما ينبغي، فإنّ الشوق حالة انفعاليّة أو شبيهة بها، قد تكون من مبادئ الإرادة و قد لا تكون، و الإرادة حالة إجماعيّة فعليّة متأخّرة عن الشوق فيما يكون من مبادئها- أنّ تلك الهيئة الوحدانيّة البسيطة لا يمكن أن تنحلّ إلى علّة و معلول حقيقة، حتى يكون الشي‏ء بحسب نفس الأمر علّة لذاته، أو تكون العلّة و المعلول الحقيقيّتان متّحدتين في الوجود.

و أما حديث علّية الفصل للجنس و الصورة للمادة فليست في البين العلية الحقيقية، بحيث يكون الفصل موجدا للجنس أو المادة للصورة، على ما هو المقرّر في محله‏ (2).

الجواب عن أصل الإشكال‏

و الحق [1] في الجواب عن أصل الإشكال ما أفاد بعض أعاظم الفلاسفة:

من أن المختار ما يكون فعله بإرادته، لا ما يكون إرادته بإرادته و إلا لزم أن لا تكون‏

____________

[1] و التحقيق فيه ما حققناه في رسالة مفردة كافلة لجميع الإشكالات و ردّها فليرجع إليها [منه (قدّس سرّه)‏]. و الرسالة أوسمها ب «الطلب و الإرادة».

____________

(1) الأسفار 6: 389.

(2) الأسفار 2: 29- 31.

64

إرادته تعالى عين ذاته، و القادر ما يكون بحيث إن أراد الفعل صدر عنه الفعل و إلّا فلا، لا ما يكون إن أراد الإرادة للفعل فعل و إلّا لم يفعل‏ (1) انتهى.

أقول: إن من الواضح الضروري عند جميع [أفراد النوع‏] الإنسانيّ أنّ الفعل الصادر عن اختيار و علم و إرادة موضوع لحسن العقوبة إذا كان على خلاف المقرّرات الدينيّة أو السياسيّة المدنيّة عند الموالي العرفيّة، و العقلاء كافّة يحكمون باستحقاق عبيدهم [العقوبة] بمجرّد فعل مخالف للمولى اختيارا منهم، و هذا حكم ضروريّ عندهم في جميع أمورهم، و ليس هذا إلّا لأجل أنّ الفعل الّذي [هو] موضوع حسن العقوبة عندهم هو الفعل الصادر عن علم و إرادة و اختيار، و إن لم تكن تلك المبادئ بالاختيار، و العقلاء لا ينظرون و لا يلتفتون إلى اختياريّة المبادئ و إراديّتها و كيفيّة وجودها، بل الملتفت إليه هو الفعل الصادر، فإن كان صادرا عن اختيار يحكمون على فاعله باستحقاق المثوبة أو العقوبة، بحيث تكون تلك الشبهات في نظرهم شبهات سوفسطائيّة في مقابل البديهة.

فلو قيل: إنّ الفعل الاختياريّ ما يكون مبادئه اختياريّة، فلا وجه لاختصاص الاختياريّة بالإرادة، بل لا بدّ من الإسراء بها إلى كلّ ما هو دخيل في وجود الفعل من وجود الفاعل و علمه و شوقه و إرادته، فيلزم أن لا يكون فعل من الأفعال اختياريّا حتّى فعل الواجب- تعالى شأنه- فلا بدّ من محو كلمة الاختيار من قاموس الوجود، و هو ضروريّ البطلان.

____________

(1) الأسفار 6: 388.

65

و لو سُلّم فلنا أن نقول: إنّه لا يعتبر في صحّة العقوبة عند كافّة العقلاء الاختياريّة بالمعنى المدّعى من كون الفعل اختياريّا بجميع مبادئه، فإنّ صحّة العقوبة من الأحكام العقلائيّة و المستصحّات العقليّة، و هذا حكم جار رائج بين جميع العقلاء في الأعصار و الأدوار لا يشكّون فيه، و [قد] يشكون في الشمس في رابعة النهار، مع أنّ الإرادة ليست بالإرادة، و الاختيار ليس بالاختيار.

و ليعلم: أنّ مجرّد صدور الفعل عن علم و إرادة ليس موضوع حكم العقل لصحّة العقوبة و استحقاق العقاب؛ ضرورة أنّ الحيوانات- أيضا- إنّما [تفعل ما تفعل‏] بعلم و إرادة، و لو كانت إراديّة الفعل موضوعا للاستحقاق للزم الحكم باستحقاق الحيوانات، فما هو الموضوع هو صدور الفعل عن الاختيار الناشئ عن تميّز الحسن من القبيح.

و الاختيار: عبارة عن ترجيح أحد جانبي الفعل و الترك بعد تميّز المصالح و المفاسد الدنيويّة و الأخرويّة، فإنّ الإنسان بعد اشتراكه مع الحيوان بأنّ أفعاله بإرادته و علمه، يمتاز عنه بقوّة التميّز و إدراك المصالح الدنيويّة و الأخرويّة، و قوّة الترجيح بينهما، و إدراك الحسن و القبح بقوّته العقليّة المميّزة.

و هذه القوّة مناط التكليف و استحقاق الثواب و العقاب، لا مجرّد كون الفعل إراديّا، كما ورد في الروايات: (أنّ اللَّه لمّا خلق العقل استنطقه.). إلى أن قال: (بك أثيب، و بك أعاقب) (1) فالثواب و العقاب بواسطة العقل و قوّة

____________

(1) الكافي 1: 10- 1 كتاب العقل و الجهل.

66

ترجيحه المصالح و المفاسد و الحسن و القبح.

هذا، و أمّا مسألة إراديّة الفعل، فالحقّ في الجواب: أنّ الفعل الإرادي ما صدر عن الإرادة، فوزان تعلّق الإرادة بالمراد و زان تعلّق العلم بالمعلوم من هذه الحيثيّة، فكما أنّ مناط المعلوميّة هو كون الشي‏ء متعلَّقا للعلم، لا كون علمه متعلَّقا للعلم الآخر، كذلك مناط المراديّة هو كونه متعلَّقا للإرادة و صادرا عنها، لا كون إرادته متعلَّقا لإرادة أخرى، فليتدبّر.

تتمّة إشكالات على كلام بعض الأعلام‏

و هاهنا بعض التفصِّيات التي لا تخلو عن النّظر:

منها: ما أفاده المحقِّق الخراسانيّ- (رحمه اللّه)-: من أنّ الاختيار و إن لم يكن بالاختيار، إلّا أنّ بعض مبادئه غالبا يكون وجوده بالاختيار؛ للتمكّن من عدمه بالتأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة و اللوم و المذمّة (1).

و فيه: أنّه بعد فرض كون الفعل الاختياريّ ما تكون مبادئه بإرادة و اختيار لا يمكن فرض اختياريّة المبادي؛ فإنّها- أيضا- أفعال اختياريّة لا بدّ من تعلّق إرادة بإرادتها.

و بعبارة أخرى: إنّا ننقل الكلام إلى المبادئ الاختياريّة، فهل اختياريّتها بالاختيار فيلزم التسلسل، أولا فعاد المحذور؟

____________

(1) الكفاية 2: 14.

67

و منها: ما أفاده شيخنا العلّامة الحائريّ- (رحمه اللّه تعالى)-: بأنّ التسلسل إنّما يلزم لو قلنا بانحصار سبب الإرادة في الإرادة، و لا نقول به، بل ندّعي أنّها قد توجد بالجهة الموجودة في المتعلّق- أعني المراد- و قد توجد بالجهة الموجودة في نفسها، فيكفي في تحقّقها أحد الأمرين ... إلى أن قال: و الدليل على أنّ الإرادة قد تتحقّق لمصلحة في نفسها هو الوجدان؛ لأنّا نرى إمكان أن يقصد الإنسان البقاء في المكان الخاصّ عشرة أيّام بملاحظة أنّ صحّة الصوم و الصلاة التامّة تتوقّف على القصد المذكور، مع العلم بأنّ هذا الأثر لا يترتّب على نفس البقاء واقعا، و نظير ذلك غير عزيز (1) انتهى.

و فيه أوّلا: أنّه بذلك لا تنحسم مادّة الإشكال، فإنّا لو سلّمنا أنّ الإرادة في الجملة تحصل بالإرادة، لكن إرادة هذه الإرادة هل هي إراديّة، و هكذا إرادة إرادة الإرادة، أم لا؟ فعلى الأوّل تتسلسل الإرادات إلى غير نهاية، و على الثاني عاد المحذور من كون العبد ملجأ مضطرّا.

و ثانيا: أنّ ما اعتمد عليه من المثال الوجدانيّ ممّا لا يثبت مدّعاه؛ فإنّ الشوق بالتبع لا بدّ و أن يتعلّق ببقاء عشرة أيّام، و إلّا فلا يعقل تحقّق قصد البقاء، ففي المثال- أيضا- أنّه يريد البقاء، لا أنّه يريد إرادة البقاء، و ذلك واضح جدّاً.

و منها: ما قيل: إنّ المراد إراديّ بالإرادة، و الإرادة مرادة بنفس ذاتها، كالوجود إنّه موجود بنفس ذاته، و العلم معلوم بنفس ذاته‏ (2).

____________

(1) درر الفوائد 2: 14- 15.

(2) انظر الأسفار 6: 388.

68

و فيه: أنّ هذا خلط غير مفيد، فإنّ معنى كون الإرادة مرادة بنفس ذاتها أنها مصداق المراد بنفس ذاتها؛ أي بلا جهة تقييديّة، بناء على عدم أخذ الذات في مفهوم المشتقّ، لا أنها محقّقة نفس ذاتها و لا يكون لها جهة تعليليّة، و ما يكون منشأ الإشكال في المقام هو مسبوقيّة الإرادة بعلّة غير إراديّة للفاعل، فلا يحسم بما ذكر مادّة الإشكال، بل هو كلام إقناعيّ.

في معنى البعد و القرب و الإيراد على المصنف‏

قوله: إنّ حسن المؤاخذة و العقوبة إنّما يكون من تبعة بعده ... إلخ‏

(1)

.

(1) لا يخفى أنّ القرب و البعد بالنسبة إلى اللَّه تعالى قد ينتزعان من كمال الوجود و نقصه، فكلّما كان في وجوده و نعوت وجوده كاملا تامّا يكون قريبا من مبدأ الكمال و معدن التمام، كالعقول المجرّدة و النفوس الكلّية، و كلّما كان ناقصا متشابكا بالأعدام و متعانقا بالكثرات يكون بعيدا عن المقام المقدّس عن كلّ عدم و نقص و قوّة و استعداد، كالموجودات المادّيّة الهيولانيّة.

فالهيولى الأولى الواقعة في حاشية الوجود- حيث كان كمالها عين النقص، و فعليّتها عين القوّة- أبعد الموجودات عن اللَّه تعالى، و الصادر الأوّل أقرب الموجودات إليه تعالى، و المتوسّطات متوسّطات.

و هذا القرب و البعد الوجوديّ لا يكونان مناط الثواب و العقاب.

بالضرورة، و لعلّه- (قدّس سرّه)- يعترف بذلك.

____________

(1) الكفاية 2: 14.

69

و قد ينتزعان من مقام استكمال العبد بالطاعات و القربات، أو نفس الطاعات و القربات، و التحقّق بمقابلاتها من العصيان و التجرّي، فيقال للعبد المطيع المنقاد: إنّه مقرَّب [من‏] حضرته قريب من مولاه، و للعاصي المتجرّي: إنّه رجيم بعيد عن ساحة قدسه. و هذا مراده من القرب و البعد ظاهرا.

فحاصل مرامه: أنّ سبب اختلاف الناس في استحقاق الجنّة و النار و نيل الشفاعة و عدمه، هو القرب منه تعالى بالانقياد و الطاعة، و البعد عنه بالتجرّي و المعصية.

و فيه: أنّ القرب و البعد أمران اعتباريّان منتزعان من طاعة العبد و عصيانه، مع أنّ استحقاق العقوبة و المثوبة من تبعات نفس الطاعة و الانقياد و التجرّي و العصيان، و العقل إنما يحكم باستحقاق العبد المطيع و العاصي للثواب و العقاب بلا توجّه إلى القرب و البعد.

و بعبارة أخرى: الطاعة و المعصية و كذا الانقياد و التجرّي تمام الموضوع لحكم العقل في باب الثواب و العقاب، بلا دخالة للقرب و البعد في هذا الحكم أصلا.

و بعبارة ثالثة: إنّ عناوين القرب و البعد و استحقاق العقوبة و المثوبة منتزعات في رتبة واحدة عن الطاعة و العصيان و شقيقيهما، و لا يمكن أن يكون بعضها موضوعا لبعض.

ثمّ اعلم: أنّه- (قدّس سرّه)- قد اضطرب كلامه في هذا المقام؛ حيث حكم‏

70

في أوّل المبحث بأنّ المتجرّي مستحقّ للعقوبة على تجرّيه و هتك حرمة مولاه‏ (1) و بعد «إن قلت .. قلت» ظهر منه أنّ التجرّي سبب للبعد و هو موجب للعقوبة؛ حيث قال: إنّ حسن المؤاخذة و العقوبة إنّما يكون من تبعة بعده عن سيّده بتجرّيه عليه‏ (2) و ظهر منه بلا فصل أنّ التجرّي موجب للبعد و حسن العقوبة كليهما في عرض واحد؛ حيث قال: فكما أنه يوجب البعد عنه، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة (3) و بعد أسطر صرّح: بأنّ تفاوت أفراد الإنسان في القرب و البعد سبب لاختلافها في الاستحقاق‏ (4) و في آخر المبحث ظهر منه أنّ منشأ استحقاق العقوبة هو الهتك [لحرمة] المولى‏ (5).

و ممّا ذكرنا من مناط الاختياريّة و مناط حسن العقوبة ظهر ما في كلامه أيضا من أنّ التجرّي و إن لم يكن باختياره إلّا أنّه يوجب العقوبة بسوء سريرته و خبث باطنه؛ فإنّه قد ظهر أنّ الفعل الّذي هو مناط حسن العقوبة عند العقلاء و العقل هو الفعل الاختياريّ؛ أي الفعل الّذي هو أثر الاختيار و منشؤه الاختيار، لا الفعل الّذي يكون اختياره بالاختيار.

و أمّا سوء السريرة و خبث الباطن و نقصان الوجود و الاستعداد، فليست ممّا توجب العقوبة عقلا كما عرفت.

نعم لا يبعد أن تكون بعض المراتب من الظلمة و الوحشة من تبعات‏

____________

(1) الكفاية 2: 10.

(2) الكفاية 2: 14.

(3) الكفاية 2: 14.

(4) الكفاية 2: 16.

(5) الكفاية 2: 18.

71

سوء السريرة و خبث الباطن، و سيأتي في مستأنف القول أنّ سوء السريرة و خبث الباطن، و كذا سائر الملكات الخبيثة و غيرها، ليست ذاتيّة غير ممكنة التخلّف عن الذات، بل كلّها قابل للزوال، و للعبد المجاهد إمكان إزالتها، فانتظر (1).

و أمّا ما ذكره في الهامش في هذا المقام بقوله: كيف لا؛ أي كيف لا يكون العقاب بأمر غير اختياريّ و كانت المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة غير اختياريّة؟ فإنّها هي المخالفة العمديّة، و هي لا تكون بالاختيار؛ ضرورة أنّ العمد إليها ليس باختياريّ، و إنّما تكون نفس المخالفة اختياريّة، و هي غير موجبة للاستحقاق، و إنّما الموجبة له هي العمديّة منها، كما لا يخفى على أولي النهي‏ (2).

ففيه: أنّ الموجب لاستحقاق العقوبة هي المخالفة العمديّة؛ بمعنى أن تكون المخالفة صادرة عن عمد، لا بمعنى أن تكون مقيّدة بالعمد؛ حتّى يلزم أن يكون صدور المخالفة العمديّة عن عمد و اختيار، و هو واضح.

____________

(1) انظر صفحة رقم: 78، و صفحة رقم: 85 و ما بعدها.

(2) حقائق الأصول 2: 17 هامش: 1.

72

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

73

في تحقيق الذاتيّ الّذي لا يعلّل‏

قوله: فإذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال، و ينقطع السؤال ب «لم» ...

إلخ‏

(1)

.

(1) قد تكرر على ألسنة القوم أنّ الذاتيّ لا يعلل، و العرضيّ يعلل، و قد أخذ المصنف- (قدّس سرّه)- هذا الكلام منهم و استعمله في غير مورده كرارا في الكفاية (2) و الفوائد (3) و لا بدّ لنا من تحقيق الحال حتّى يتّضح الخلط و يرتفع الإشكال، و قبل الخوض في المقصود لا بدّ من تمهيد مقدّمات:

الأولى: أنّ الذاتيّ الّذي يقال إنه لا يعلّل هو الذاتيّ المتداول في باب البرهان في مقابل العرضيّ في بابه، و هو ما لا يمكن انفكاكه عن الذات، أعمّ من‏

____________

(1) الكفاية 2: 16 سطر 1- 2.

(2) لكفاية 1: 101 و 2: 16.

(3) الفوائد: 290 سطر 17.

74

أن يكون داخلا فيها- و هو الذاتيّ في باب الإيساغوجي- أو خارجا ملازما لها.

و وجه عدم المعللية: أنّ سبب الافتقار إلى العلّة هو الإمكان على ما هو المقرر في محلّه‏ (1) و الوجوب و الامتناع كلاهما مناط الاستغناء عن العلّة، فواجب الوجود لا يعلّل في وجوده، و ممتنع الوجود لا يعلّل في عدمه، و واجب الإنسانيّة و الحيوانيّة و الناطقيّة لا يعلّل فيها، و واجب الزوجيّة و الفرديّة لا يعلّل فيهما؛ لأنّ مناط الافتقار إلى الجعل- و هو العقد الإمكانيّ- مفقود فيها، و قس على ذلك الامتناع.

الثانية: أنّ الوجود و كلّية عوارضه و نعوته- و بالجملة كلّ ما كان من سنخ الوجود- لا تكون ذاتيّة لشي‏ء من الماهيّات الإمكانيّة، و إنّما هو ذاتيّ بوجه لواجب الوجود الّذي هو بذاته وجود و وجوب، و أمّا غير ذاته تعالى فالممكنات قاطبة ذاتها و ذاتيّاتها من سنخ الماهيّات و لوازمها.

فما كان من سنخ الوجود معلّل غير الواجب بالذات- جلّ كبرياؤه- و ينتهي في سلسلة العلل إلى أوّل الأوائل و علّة العلل، فلو كان في سلسلة الوجودات شي‏ء مستغن عن العلّة لخرج عن حدود بقعة الإمكان إلى ساحة القدس الوجوبيّ تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.

فالمراد بالذاتيّ الّذي لا يعلّل في الممكنات هو الماهيّات و أجزاؤها و لوازمها، و أمّا الوجود فلم يكن في بقعة الإمكان شي‏ء منه غير معلّل.

نعم إنّ الوجود مجعول بالجعل البسيط، و أمّا بعد جعله بسيطا فلا يحتاج‏

____________

(1) الأسفار 1: 206.

75

في كونه وجودا و موجودا إلى جعل، ففي الحقيقة كونه موجودا و وجودا ليس شيئا محقّقا بهذا المعنى المصدريّ، بل هو من المخترعات العقلية، و إذا أريد بكونه موجودا أو وجودا نفس الحقيقة النوريّة الخارجيّة، فهو يرجع إلى نفس هويّته المجعولة بسيطا.

فاللازم في باب الوجود لو أطلق لا يكون بمثابة اللازم في باب الماهيّات من كونه غير مجعول، بل لازم الوجود- أي الّذي هو من سنخ الوجود مطلقا- مجعول و معلّل. أ لا ترى أنّ أساطين الفلسفة قد جمعوا بين المعلوليّة و اللزوم، و قالوا: إنّ المعلول لازم ذات العلّة (1).

الثالثة: أنّ من المقرّر في مقارّه‏ (2): أنّ الماهيّات بلوازمها ليس منشأ لأثر من الآثار، و لا علّية و معلوليّة بينها حقيقة أصلا، فإن قيل: إنّ الماهيّة الكذائيّة علّة لكذا، فهو من باب المسامحة، كما قيل: إنّ عدم العلّة علّة لعدم المعلول، فإذا رجعوا إلى تحقيق الحال أقاموا البرهان المتقن على أنّ الماهيّات اعتباريّات ليست بشي‏ء، و العدم حاله معلوم.

فالتأثير و التأثّر أناخا راحلتيهما لدى الوجود، و إليه المصير، و منه المبدأ و المعاد، و هذا يؤكّد عدم معلوليّة الذات و الذاتيّات في الممكنات، فإنّها من سنخ الماهيّات المحرومة عن المجعوليّة و الفيض الوجوديّ، فالمفيض و المفاض هو الوجود لا غير.

____________

(1) الأسفار 2: 226.

(2) الأسفار 2: 380.

76

الرابعة: أنّ كلّ كمال و جمال و خير يرجع إلى الوجود، و إنّما الماهيّات أمور اعتباريّة لا حقيقة لها (1) بل‏ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً (2).

فالعلم بوجوده كمال، و القدرة وجودها شريف لا ماهيّتها، و [كذا] سائر الكمالات، و الخيرات فإنّها بوجوداتها كمالات و خيرات، لا بماهيّاتها، فإنّها اعتباريّة، و لا شرف و لا خير في أمر اختراعيّ اعتباريّ.

فالوجود مع كونه بسيطا غاية البساطة مركز كلّ الكمال و الخير، و ليس في مقابله إلّا الماهيّات الاعتباريّة و العدم، و هما معلوما الحال ليس فيهما خير و كمال، و لا جلال و جمال.

و هذا أصل مسلم مبرهن عليه في محله، و إنّما نذكر هاهنا نتائج البراهين حذرا عن التطويل‏ (3).

الخامسة: أنّ المقرّر في محلّه‏ (4) و المبرهن عليه في العلوم العالية- كما عرفت- أنّ كلّ الكمالات ترجع إلى الوجود. فاعلم الآن أنّ السعادة- سواء كانت سعادة عقليّة حقيقيّة، أو حسيّة ظنّية- من سنخ الوجود و الكمال الوجوديّ، بل الوجود- أينما كان- هو خير و سعادة، و الشعور بالوجود و بكمال الوجود خير و سعادة، و كلّما تتفاضل الوجودات تتفاضل الخيرات و السعادات.

بل التحقيق: أنّ الخير و السعادة مساوقان للوجود، و لا خيريّة للماهيّات‏

____________

(1) منظومة السبزواري: 11، الأسفار 1: 340- 341.

(2) النور: 39.

(3) منظومة السبزواري: 11، الأسفار 1: 340- 341.

(4) منظومة السبزواري: 11، الأسفار 1: 340- 341.

77

الاعتبارية و الذاتيّات الاختراعيّة، فأتمّ الوجودات و أكملها يكون خيراً مطلقاً مبدأ كلّ الخيرات، و سعيداً مُطلقاً مصدر كلّ السعادات، و كلّما بعد الموجود عن مبدأ الوجود و صار متعانقاً بالأعدام و التعينات بعد عن الخير و السعادة.

هذا حال السعادة.

و أمّا الشقاوة مطلقا فعلى قسمين:

أحدهما: ما هو مقابل الوجود و كماله، فهو يرجع إلى العدم و النقصان.

و ثانيهما: الشقاوة الكسبيّة التي تحصل من الجهالات المركّبة و العقائد الفاسدة و الأوهام الخرافيّة في الاعتقاديّات، و الملكات الرذيلة و الأخلاق الذميمة كالكبر و الحسد و النفاق و الحقد و العداوة و البخل و الجبن في الأخلاقيّات، و ارتكاب القبائح و المحرّمات الشرعيّة كالظلم و القتل و السرقة و شرب الخمر و أكل الباطل في التشريعيّات.

و هذا القسم من الشقاوة له صورة في النّفس و ملكوت الباطن، و بحسبها حظّ من الوجود مخالف لجوهر ذات النّفس و الفطرة الأصليّة لها، و ستظهر لأهلها في الدار الآخرة عند ظهور ملكوت النّفس، و الخروج عن خدر الطبيعة- موحشة مظلمة مؤلمة معذّبة إيّاها، و يبقى أهلها في غصّة دائمة و عذاب خالد، مقيّدين بسلاسل على حسب صور أعمالهم و أخلاقهم و ملكاتهم و ظلمات عقائدهم و جهالاتهم، حسبما هو المقرّر عند علماء الآخرة (1) و كشفت عن ساقها الكتب السماويّة، و لا سيّما الكتاب الجامع الإلهيّ و القرآن‏

____________

(1) الأسفار 9: 4- 5.

78

التامّ لصاحب النبوّة الختميّة (1) و المتكفّل لتفصيلها الأخبار الصادرة عن أهل بيت الوحي و الطهارة عليهم أفضل الصلاة و التحيّة (2).

إذا عرفت ما تقدّم من المقدّمات فاعلم: أنّ السعادة مطلقا و الشقاوة بمعناها الثاني لا يكونان من الذاتيّات الغير المعلّلة، فإنها- كما عرفت- هي الماهيّات و لوازمها، و الوجود- أيّ وجود كان فهو ليس بذاتيّ لشي‏ء من الأشياء الممكنة، و قد عرفت أنّ السعادة مطلقا و الشقاوة بهذا المعنى من سنخ الوجود، و هو مجعول معلّل ليس ذاتيا لشي‏ء من الموجودات الممكنة.

نعم لمّا كانت الوجودات مختلفة المراتب ذات المدارج بذاتها، تكون كلّ مرتبة تالية معلول مرتبة عالية متلوّة لا يمكن التخلّف عنها، فالوجود الداني معلول الوجود العالي السابق له بذاته و هويّته، و لا يمكن تخلّفه عن المعلوليّة، فإنّها ذاتيّة له، و هذا الذاتيّ غير الذاتيّ الّذي لا يعلّل، بل الذاتيّ الّذي هو عين المعلوليّة كما عرفت.

في الإشكال على المحقّق الخراسانيّ‏

و بما ذكرنا سقط ما أفاده المحقّق الخراسانيّ- (رحمه اللّه)- في الكفاية (3) و الفوائد (4): من أنّ التجرّي كالعصيان و إن لم يكن باختياره، إلّا أنّه بسوء

____________

(1) النبأ: 26 و آيات أخرى كثيرة.

(2) انظر بحار الأنوار 18: 282 باب 3.

(3) الكفاية 2: 14- 16.

(4) الفوائد: 290.

79

سريرته و خبث باطنه بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و إمكانا، و إذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال و ينقطع السؤال ب «لم»، فإنّ الذاتيّات ضروريّة الثبوت للذات، و بذلك أيضا ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر و العاصي الكفر و العصيان، و المطيع و المؤمن الإطاعة و الإيمان؟ فإنّه يساوق السؤال عن أنّ الحمار لم يكون ناهقا، و الإنسان لم يكون ناطقا؟

و ما أفاد- أيضا- من أنّ العقاب إنّما يتبع الكفر و العصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدّماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللازمة لخصوص ذاتهما، فإنّ (السعيد سعيد في بطن أمّه، و الشقيّ شقيّ في بطن أمّه) (1) و (الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة) (2) كما في الخبر، و الذاتيّ لا يعلّل، فانقطع سؤال:

أنه لم جعل السعيد سعيدا و الشقيّ شقيّا؟ فإنّ السعيد سعيد بنفسه و الشقيّ شقيّ كذلك، و قد أوجدهما اللَّه تعالى‏ (3) انتهى.

فإنّه يرد عليه:- مضافا إلى ما عرفت من وقوع الخلط و الاشتباه منه (قدّس سرّه) في جعل الشقاوة و السعادة من الذاتيّات الغير المعلّلة- أنّ الذاتيّ الغير المعلّل أي الماهيّات و لوازمها لم تكن منشأ للآثار مطلقا، فاختيار الكفر و العصيان الّذي هو أمر وجوديّ، و كذا الإرادة التي هي من الموجودات، لم يكونا ناشئين من الذات و الذاتيّات التي هي الماهيّات، لما عرفت من أنّ‏

____________

(1) كنز العمال 1: 107- 491، توحيد الصدوق: 356- 3 باب 58.

(2) الكافي 8: 177- 197، مسند أحمد بن حنبل 2: 539.

(3) الكفاية 1: 100- 101.

80

الماهيّات مطلقا منعزلة عن التأثير و التأثّر، و التأثير بالوجود و في الوجود، و هو ليس بذاتيّ لشي‏ء من الممكنات.

و بذلك علم ما في قوله: من أنّ تفاوت أفراد الناس في القرب منه تعالى و البعد عنه تعالى، سبب لاختلافها في استحقاق الجنّة و النار و نيل الشفاعة و عدمه، و تفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيّا و الذاتيّ لا يعلّل‏ (1) فإنّ تفاوت أفراد الناس و الامتيازات الفرديّة إنّما تكون بحسب الهويّة الوجودية و العوارض الشخصية التي هي الأمارات للهوية البسيطة الوجودية، لا بحسب الماهيّة و لوازمها، و التفاوت الوجوديّ ليس بذاتيّ للأشياء، فالاختلاف الفرديّ إنّما هو بجعل الجاعل، لا بالذات.

لا أقول: إنّ الجاعل جعل بسيطا وجود زيد و عمرو، ثمّ جعلهما مختلفين بالجعل التأليفيّ، بل أقول: إنّ هويّة زيد المختلفة مع هويّة عمرو مجعولة بالجعل البسيط، و هذا هو المراد بالذاتيّ في باب الوجود الّذي لا ينافي الجعل.

و إن شئت قلت: إنّ اختلاف الهويّات الوجوديّة بنفس ذاتها المعلولة، فافهم، فإنّه دقيق جدّاً.

في سبب اختلاف أفراد الإنسان‏

فإن قلت: إذا كانت الذات و الذاتيّات و لوازمها في أفراد الإنسان غير مختلفة، فمن أين تلك الاختلافات الكثيرة المشاهدة؟ فهل هي بإرادة الجاعل‏

____________

(1) الكفاية 2: 16.

81

جزافا؟ تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، [إضافة إلى‏] ورود إشكال الجبر أيضا.

قلت: هاهنا كلام طويل في وقوع أصل الكثرة في الوجود، و له مقدّمات كثيرة ربّما لا ينبغي الغور فيها إلّا في المقام المعدّ لها، و لكنّ الّذي يناسب مقامنا في وقوع الاختلاف في الأفراد الإنسانية أن يقال:

إنّ الموادّ التي يتغذّى بها بنو آدم، و بها يعيشون، و تستمرّ حياتهم في هذا العالم العنصريّ الطبيعيّ مختلفة بحسب النوع لطافة و كثافة و صفاء و كدورة، فربّما يكون التفّاح و الرمّان و الرطب ألطف و أصفى و أقرب إلى الاعتدال و الكمال الوجوديّ من الجزر و الباقلّاء و أشباههما، و هذا الاختلاف الكثير بين أنواع الموادّ الغذائيّة ربّما يكون ضروريّا. و لا إشكال في أنّ النطفة الإنسانيّة التي يتكوّن منها الولد، و تكون لها المبدئيّة الماديّة له، من تلك الموادّ الغذائية، فإنّ النطفة من فضول بعض الهضوم، فالقوّة المولّدة المودعة في الإنسان تفرز من عصارة الغذاء هذه المادّة المنويّة لحفظ بقاء النوع، فربّما تفرز المادّة من مادّة غذائيّة لطيفة نورانيّة صافية أكلها الوالد، و ربّما يكون الإفراز من المادّة الكثيفة الظلمانيّة الكدرة، و قد يكون من متوسّطة بينهما، و قد يمتزج بعضها بالبعض.

و معلوم أنّ هنا اختلافات و امتزاجات كثيرة لا يحصيها إلّا اللَّه تعالى، و لعلّ المراد من النطفة الأمشاج في قوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ‏ (1) هو هذه الامتزاجات و الاختلاطات التي تكون في نوع الأفراد،

____________

(1) الإنسان: 2.

82

و قلّما تكون النطفة غير ممتزجة و لا مختلطة من موادّ مختلفة.

و من الواضح المقرّر في موضعه‏ (1): أنّه كلّما اختلفت المادّة اللائقة المستعدّة لقبول الفيض من مبدئه اختلفت العطيّة و الإفاضة حسب اختلافاتها، فإنّه تعالى واجب الوجود بالذات و من جميع الجهات، فهو واجب الإفاضة و الإيجاد، لكن المادّة الصلبة الكثيفة لا تقبل الفيض و العطيّة إلّا بمقدار سعة وجودها و استعدادها. أ لا ترى أنّ الجليديّة [1] تقبل من نور غيب النّفس ما لا يقبله الجلد الضخم و العظم، فالنفس المفاضة على المادّة اللطيفة النورانية ألطف و أصفى و أليق لقبول الكمال من النّفس المفاضة على المادّة المقابلة لها.

و هذا- أي اختلاف النطف- أحد موجبات اختلاف النفوس و الأرواح، و هاهنا موجبات كثيرة أخرى لاختلاف الموادّ في قبول الفيض، و لاختلاف الأرواح [في درجات‏] الكمال، بل إلى الوصول إلى الغاية و الخروج من الأبدان:

منها: اختلاف الأصلاب في الشموخ و النورانيّة و الكمال و مقابلاتها و التوسّط بينهما، و هذا أيضا باب واسع، و موجب لاختلافات كثيرة ربّما لا تحصى.

و منها: اختلاف الأرحام كذلك، و هذا أيضا من الموجبات الواضحة.

و بالجملة: الوراثة الروحيّة شي‏ء مشاهد معلوم بالضرورة.

____________

[1] الجليدية: و هي إحدى الرطوبات الثلاثة الموجودة في العين الباصرة، و عرفوها بأنها رطوبة صافية كالبرد و الجليد مستديرة ينقص من تفرطحها من قدامها استدارتها. طبيعيات الشفاء 3: 256.

____________

(1) الأسفار 1: 394، 2: 353- 354، 7: 76- 77.

83

و منها: غير ذلك، من كون غذاء الأب و الأمّ حلالا أو حراما أو مشتبها، و كذا كون ارتزاقهما من الحلال أو الحرام أو المشتبه في حال كون الأمانة في باطنهما، و كون معدتهما في حال الوقاع خالية أو ممتلئة أو متوسّطة، و كون الوقاع حلالا أو حراما أو مشتبها، و كون آداب الجماع مرعيّة مطلقا، أو غير مرعيّة مطلقا، أو مرعيّا بعضها دون بعض، فإنّ لكلّ ما ذكر دخالة تامّة في قبول المادّة الفيض الوجوديّ من المبدأ الجواد.

فلو فرضنا أنّ المادّة في كمال النورانيّة، و الصلب شامخ طاهر كامل، و الرحم طاهر مطهّر، و الآداب الإلهيّة محفوظة مرعيّة، يكون الولد طاهرا مطهّرا لطيفا نورانيّا.

و لو اتّفق كون سلسلة الآباء و الأمّهات كلّها كذلك لصار نورا على نور، و طهارة على طهارة، كما تقرأ في زيارة مولانا و سيّدنا الحسين عليه الصلاة و السلام: (أشهد أنّك كنت نورا في الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهّرة، لم تنجّسك الجاهليّة بأنجاسها، و لم تلبسك من مدلهمّات ثيابها) (1).

فإنّ هذه الفقرات الشريفة تدلّ على ما ذكرنا من دخالة المادّة النوريّة التي في الأصلاب، و شموخ الأصلاب، و طهارة الأرحام، و تنزيه الآباء و الأمّهات من قذارات الجاهليّة من الكفر و ذمائم الأخلاق و قبائح الأعمال، في طهارة الولد و نورانيّته.

هذه كلّها أمور دخيلة في أرواح الأطفال قبل ولادتها، و بعد الولادة

____________

(1) مصباح المتهجد: 664.

84

تكون أمور كثيرة دخيلة في اختلافها:

منها: الارتضاع و المرضعة و زوجها، فإنّ في طهارة المرضعة و ديانتها و نجابتها و أخلاقها و أعمالها، و كذا في زوجها، و كيفيّة الارتضاع و الرضاع، دخالة عظيمة في الولد.

و منها: التربية في أيّام الصغر و في حجر المربّي.

و منها: التربية و التعلّم في زمان البلوغ.

و منها: المصاحب و المعاشر.

و منها: المحيط و البلد الواقع فيه.

و منها: مطالعة العلوم المختلفة و الممارسة للكتب و الآراء، فإنّ لها دخالة تامّة عظيمة في اختلاف الأرواح.

و منها غير ذلك.

و بالجملة: كلّ ما ذكر في الآيات و الأخبار من الآداب الشرعيّة صراحة أو إشارة، وجوبا أو حرمة أو استحبابا أو كراهة، لها دخالة في سعادة الإنسان و شقائه من قبل الولادة إلى الموت.

هذا شمّة من كيفيّة وقوع الاختلاف في الأفراد الإنسانيّة، و لا يكون شي‏ء منها ذاتيّا غير معلّل.

و أمّا سبب اختلاف الموادّ الغذائيّة بل مطلق الأنواع، و كيفيّة وقوع الكثرة في العالم، فهو أمر خارج عمّا نحن بصدده، و لا دخالة له بالجبر و الاختيار، بل هو من المسائل الإلهيّة المطروحة في العلم الأعلى مع اختلاف‏

85

مشارب الفلاسفة و العرفاء فيه، فمن كان من أهله فليراجع مظانّه، و نحن لسنا بصدد بيان الجبر و الاختيار و تحقيق الحال في تلك المسألة، فإنّ لها مقاما آخر، و لها مباد و مقدّمات مذكورة في الكتب العقليّة.

في أنّ السعادة قابلة للتغيير و كذا الشقاوة

ثمّ اعلم: أنّ تلك الاختلافات التي قد أوضحنا سبيلها و نبّهنا على أساسها، لم تكن من الأمور التي لا تختلف و لا تتخلّف مثل الذاتيّات الغير القابلة للتخلّف، بل الإنسان- أيّ إنسان كان- ما دام كونه، في عالم الطبيعة و تعانقه مع الهيولى القابلة للأطوار و الاختلافات، قابل لأن يتطوّر و أن يتبدّل و يتغيّر، إمّا إلى السعادة و الكمالات اللائقة به، أو إلى الشقاوة و الأمور المنافية لجوهر فطرته، كلّ ذلك بواسطة الكسب و العمل.

فالشقيّ الفاسد عقيدة و السيئ أخلاقا و القبيح أعمالا قابل لأن يصير سعيدا مؤمنا كاملا بواسطة كسبه و عمله و ارتياضه و مشاقّه، و تتبدّل جميع عقائده و أخلاقه و أعماله إلى مقابلاتها، و كذلك السعيد قابل لأن يصير شقيّا بالكسب.

و ذلك لأنّ الهيولى الأولى قابلة، و المفاض عليها- بعد تطوّراتها في مراتب الطبيعة من النطفة إلى أن تصير قابلة لإفاضة النّفس عليها- هو النّفس الهيولانيّة اللائقة للكمالات و أضدادها، و إذا اكتسبت الكمالات النفسانيّة لم تبطل الهيولى، و لم تصر تلك الكمالات ذاتها و ذاتيّاتها، فهي- بعد لمّا كانت‏

86

في أسر الهيولى و متعانقة معها- ممكنة التغيّر، كما هو المشاهد في مرّ الدهور و كرّ الليالي من صيرورة الكافر السيئ الخلق القبيح العمل مؤمنا صالحا حسن الخلق، و بالعكس.

فالإنسان في تغيير الأخلاق و العقائد فاعل مختار، يمكنه بالاختيار تحصيل العقائد الحقّة و الأخلاق الفاضلة و الملكات الحسنة. نعم قد يحتاج إلى رياضة نفسانيّة و تحمّل مشاقّ علميّة أو عمليّة.

و الدليل على إمكانه: دعوة الأنبياء و الشارعين- عليهم الصلاة و السلام- و إراءتهم طرق العلاج، فإنّهم أطبّاء النفوس و الأرواح. فما هو المعروف من أنّ الخلق الكذائيّ من الذاتيّات و الفطريّات غير ممكن التغيّر و التخلّف ليس بشي‏ء، فإنّ شيئا من العقائد و الأخلاق و الملكات ليس بذاتيّ، بل هي من عوارض الوجود داخلة تحت الجعل. أ لا ترى أنها تحصل في الإنسان بالتدريج، و تستكمل فيه بالتكرار متدرّجة، و تكمل و تنقص، و ليس شي‏ء من الذات و الذاتيّات كذلك.

فما وقع في الكفاية (1):- من أنّ بعث الرسل و إنزال الكتب و الوعظ و الإنذار إنّما تفيد من حسنت سريرته و طابت طينته، و تكون حجّة على من ساءت سريرته و خبثت طينته و لا تفيد في حقّهم- ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه، بل هو مناقض للقول بأنّ اختيار الكافر و العاصي الكفر و العصيان، و المطيع و المؤمن الإطاعة و الإيمان من الذاتيّات التي لا تختلف و لا تتخلّف، فإنّ‏

____________

(1) الكفاية: 2: 16.

87

الانتفاع بالشرائع و المواعظ لا يجتمع مع ذاتيّة الاختيار و السعادة و الشقاوة، فهل يمكن أن يصير الإنسان حماراً أو إنساناً أو الحمار إنساناً أو حماراً بالوعظ و الإنذار؟! و إنّي لأَظنّك لو كنت على بصيرة ممّا أوضحنا سبيله و أحكمنا بنيانه، لَهديت إلى الصراط المستقيم، فاستقم و كن من الشاكرين.

في معنى قوله: (السعيد سعيد.). و (الناس معادن)

فإن قلت: فعلى ما ذكرت من البيان، فما معنى قوله: (السعيد سعيد في بطن أمّه و الشقيّ شقيّ في بطن أمه) (1)، و قوله: (الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة) (2)؟

قلت: أمّا قوله: (الناس معادن) بناء على كونه رواية صادرة عن المعصوم (عليه السلام) فهو من مؤيّدات ما ذكرنا، من أنّ اختلاف أفراد الناس من جهة اختلاف الموادّ الغذائيّة الموجبة لاختلاف الموادّ المنويّة القابلة لإفاضة الصور و الأرواح عليها، فكما أنّ اختلاف الذهب و الفضّة وجودا يكون باختلاف الموادّ السابقة و الأجزاء المؤلّفة و التركيبات و الامتزاجات المختلفة و كيفيّة النضج و الطبخ- كما هو المقرّر في العلوم الطبيعية- كذلك أفراد الإنسان تختلف باختلاف الموادّ السابقة كما عرفت.

____________

(1) توحيد الصدوق: 356- 3 باب 58، كنز العمال 1: 107- 491.

(2) الكافي 8: 177- 197، مسند أحمد بن حنبل 2: 539.

88

و بالجملة: الإنسان من جملة المعادن في هذا العالم الطبيعي، و اختلافه كاختلافها.

و أمّا قوله: (السعيد سعيد.). فقريب من مضمونه موجود في بعض الأخبار، فهو- أيضا- على فرض صدوره لا ينافي ما ذكرناه، بل يمكن أن يكون من المؤيدات؛ فإنّ اختلاف إفاضة الصور باختلاف الموادّ و سائر الاختلافات التي قد عرفتها، فالصورة الإنسانيّة التي تفاض على المادّة الجنينيّة في بطن أمّه تختلف باختلافها، بل جعل مبدأ السعادة و الشقاوة هو بطن الأمّ شاهد على ما ذكرنا، و لو كانتا ذاتيّتين فلا معنى لذلك. تأمّل.

و يمكن أن لا يكون هذا القول ناظرا إلى تلك المعاني، بل يكون جاريا على التعبيرات العرفيّة، بأنّ الإنسان السعيد يوجد أسباب سروره و سعادته من أوّل الأمر، و الشقيّ يوجد أسباب شقائه و نكبته من أوّل أمره.

و يحتمل بعيدا أن يكون المراد من بطن الأمّ هو عالم الطبيعة، فإنّه دار تحصيل السعادة و الشقاوة.

هذا ما يناسب إيراده في المقام، و لكن يجب أن يعلم أنّ لتلك المسائل و أداء حقّها مقاما آخر، و لها مقدّمات دقيقة مبرهنة في محلّها، ربّما لا يجوز الدخول فيها لغير أهل فنّ المعقول؛ فإنّ فيها مزالّ الأقدام و مظانّ الهلكة، و لذا ترى ذلك المحقّق الأصوليّ- (قدّس سرّه)- كيف ذهل عن حقيقة الأمر، و خرج عن سبيل التحقيق.

89

في أنّ للمعصية منشأين للعقوبة

قوله: ثمّ لا يذهب عليك ... إلخ‏

(1)

.

(1) لا يخفى أنّ الالتزامَ بكون منشأ استحقاق العقاب في المعصية و التجرّي أمرا واحدا هو الهتك الواحد- كما أفاده (رحمه اللّه)- خلاف الضرورة؛ للزوم أن لا يكون للمنهي عنه مفسدة أخرويّة أصلا، بل لازمه أن يكون في الطاعة و الانقياد منشأ واحد للاستحقاق، و أن لا يكون للمأمور به مصلحة أصلا، و هو خلاف ارتكاز المتشرّعة، و خلاف الآيات الكريمة [1] و الأخبار الشريفة في باب الثواب و العقاب‏ (2).

كما أنّ الالتزامَ بأنّ التجرّي و الهتك لحرمة المولى لا يوجب شيئا أصلا أيضا خلاف الضرورة و الوجدان الحاكم في باب الطاعة و العصيان.

بل الحقّ ما أوضحنا سبيله من كون التجرّي سببا مستقلا، و له عقوبات لازمة لذاته، و تبعات في عالم الملكوت و باطن النّفس، و صور مؤلمة موحشة مظلمة، كما أنّ للانقياد صورة ملكوتيّة بهيّة حسنة ملذّة.

و في المعصية و الطاعة منشئان:

____________

[1] كقوله تعالى: (إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر) العنكبوت: 29 و قوله تعالى: (و أذن في الناس بالحج ... ليشهدوا منافع لهم) الحج: 27- 28.

____________

(1) الكفاية 2: 17.

(2) راجع كتاب علل الشرائع: 247- 275 باب 182 علل الشرائع و أصول الإسلام. و غيره من الأبواب.

90

أحدهما: ما ذكر، فإنّهما شريكان للتجرّي و الانقياد.

و ثانيهما: استحقاق الثواب و العقاب على نفس العمل، إمّا بنحو الجَعل، أو بنحو اللزوم و تجسّم صور الأعمال.

و لا يذهب عليك: أنّ القول بالعقوبة الجعليّة لا ينافي الاستحقاق؛ فإنّ الجعل لم يكن جزافا و بلا منشأ عند العدليّة، و العقل إنّما يحكم بالاستحقاق بلا تعيين مرتبة خاصّة، فلا بدّ من تعيين المرتبة من الجعل على القول به.

91

[هاهنا مباحث‏]

المبحث الأول في بيان أقسام القطع‏

قوله: الأمر الثالث ... إلخ‏

(1)

.

(1) هاهنا مباحث:

الأوّل في أقسام القطع: فإنّه قد يتعلّق بموضوع خارجيّ، أو موضوع ذي حكم، أو حكم شرعيّ متعلّق بموضوع مع قطع النّظر عن القطع، و هو في جميع الصور كاشف محض، و ذلك واضح.

و قد يكون له دخالة في الموضوع: إمّا بنحو تمام الموضوعيّة، أو جزئها.

فهاهنا أقسام، فإنّ القطع لمّا كان من الأوصاف الحقيقيّة ذات الإضافة، فله قيامٌ بالنفس قيامَ صدور أو حلول- على المسلكين في العلوم العقليّة- و إضافةٌ إلى المعلوم بالذات الّذي هو في صقع النّفس إضافة إشراق و إيجاد،

____________

(1) الكفاية 2: 18.

92

فإنّ العلم هو الإضافة الإشراقيّة بين النّفس و المعلوم بالذات، بها يوجد المعلوم كوجود الماهيّات الإمكانيّة بالفيض المقدّس الإطلاقي، و له- أيضا- إضافة بالعرض إلى المعلوم بالعرض الّذي هو المتعلّق المتحقّق في الخارج.

و قيام العلم بالنفس و كون الصورة المعلومة بالذات فيها، بناء على عدم كون العلم من مقولة الإضافة، كما ذهب إليه الفخر الرازي [1] فرارا عن الإشكالات الواردة على الوجود الذهني. فما وقع في تقريرات بعض المحقّقين (رحمه اللّه)- من قيام الصورة في النّفس من غير فرق بين أن نقول: إنّ العلم من مقولة الكيف أو مقولة الفعل أو الانفعال أو الإضافة (1)- ناشٍ عن الغفلة عن حقيقة الحال.

و بالجملة: أنّ العلم له قيام بالنفس و إضافة إلى المعلوم بالذات و إضافة إلى المعلوم بالعرض، بل هذه الإضافة على التحقيق هي علم النّفس، و هو أمر بسيط، لكن للعقل أن يحلّله إلى أصل الكشف و تماميّة الكشف، فعليه يكون للقطع جهات ثلاث:

جهة القيام بالنفس مع قطع النّظر عن الكشف، كسائر أو صافها مثل القدرة و الإرادة و الحياة.

____________

[1] المباحث المشرقية 1: 331. الفخر الرازي: هو الشيخ محمّد بن عمر بن الحسين التميمي البكري الملقب بفخر الدين الرازي، ولد في بلدة ري سنة 544 ه، أشعري الأصول شافعي الفروع، له عدّة مؤلفات منها التفسير الكبير و المطالب العالية، توفي في هراة سنة 606 ه و دفن فيها. انظر وفيات الأعيان 4: 248، الكنى و الألقاب 3: 9، روضات الجنات 8: 39.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 16.

93

و جهة أصل الكشف المشترك بينه و بين سائر الأمارات.

وجهة كمال الكشف و تماميّة الإراءة المختصّ به المميّز له عن الأمارات.

و لا يخفى أنّ تلك الجهات ليست جهات حقيقيّة حتى يكون العلم مركّبا منها، بل هو أمر بسيط في الخارج، و إنّما هي جهات يعتبرها العقل و يحلّله إليها بالمقايسات، كالأجناس و الفصول للبسائط الخارجيّة، و كاعتبار كون الوجود الكامل الشديد ممتازا عن الناقص الضعيف بجهة التماميّة، مع أنّ الوجود بسيط، لا شديدة مركّب من أصل الوجود و الشدّة، و لا ضعيفة منه و من الضعف، كما هو المقرّر في محلّه‏ (1).

و بالجملة: هذه الجهات كلّها حتّى جهة القيام بالنفس اعتباريّة، يمكن للمعتبر أن يعتبرها و يجعلها موضوعا لحكم من الأحكام.

فالأقسام ستّة:

الأوّل: أخذه بنحو الصفتيّة- أي بجهة قيامه بالنفس مع قطع النّظر عن الكشف عن الواقع- تمامَ الموضوع.

و الثاني: أخذه كذلك بعضَ الموضوع.

و الثالث: أخذه بنحو الطريقيّة التامّة و الكشف الكامل تمامَ الموضوع.

و الرابع: أخذه كذلك بعضَ الموضوع.

و الخامس: أخذه بنحو أصل الكشف و الطريقيّة المشتركة بينه و بين سائر الأمارات تمامَ الموضوع.

____________

(1) شرح المنظومة: 22- 23.

94

و السادس: أخذه كذلك بعضَ الموضوع.

و سيأتي الفرق بينها في الجهة المبحوث عنها.

في الإيراد على بعض مشايخ العصر

فإن قلت: في إمكان أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقيّة إشكال، بل الظاهر أنّه لا يمكن، و من جهة أنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع و ذي الصورة بوجه من الوجوه، و أخذه على وجه الطريقيّة يستدعي لحاظ ذي الصورة و ذي الطريق، و يكون النّظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم، كما هو الشأن في كلّ طريق؛ حيث إنّ لحاظه طريقا يكون في الحقيقة لحاظا لذي الطريق، و لحاظ العلم كذلك ينافي أخذه تمام الموضوع.

فالإنصاف: أنّ أخذه تمام الموضوع لا يمكن إلّا بأخذه على وجه الصفتيّة.

قلت: نعم هذا إشكال أورده بعض محقّقي العصر- على ما في تقريرات بحثه‏ (1)- غفلة عن حقيقة الحال، فإنّ الجمع بين الطريقيّة و الموضوعيّة إنّما لا يمكن فيما إذا أراد القاطع نفسه الجمع بينهما، فإنّ القاطع يكون نظره الاستقلاليّ إلى الواقع المقطوع به، و يكون نظره إلى القطع آليّا طريقيّا، و لا يمكن في هذا اللحاظ اللئالي أن ينظر إليه باللحاظ الاستقلاليّ، مع أنّ النّظر إلى الموضوع لا بدّ و أن يكون استقلاليّا غير آليّ. هذا بالنسبة إلى القاطع.

و أمّا غير القاطع إذا أراد أن يجعل قطع غيره موضوعا لحكم، يكون نظره‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 11.

95

إلى قطع القاطع- الّذي هو طريق- لحاظا استقلاليّا، و لا يكون لحاظه لذي الطريق، بل يكون للطريق، فلحاظ القاطع طريقيّ آليّ، و لحاظ الحاكم لقطعه الطريقيّ موضوعيّ استقلاليّ.

فأيّ محال يلزم إذا لحظ لاحظ باللحاظ الاستقلاليّ القطع الطريقيّ الّذي لغيره، و جعله موضوعا لحكمه على نحو الكاشفيّة على وجه تمام الموضوع؟! و هل هذا إلّا الخلط بين اللاحظين؟! ثمّ إنّه لا اختصاص لعدم الإمكان- لو فرض- بأخذه تمام الموضوع أو بعض الموضوع، فتخصيصه به في غير محلّه.

ثمّ إنّ القطع قد يتعلّق بموضوع خارجيّ، فتأتي فيه الأقسام الستّة السابقة، و قد يتعلّق بحكم شرعيّ، فيمكن أخذه موضوعا لحكم آخر غير ما تعلّق العلم به، و تأتي- أيضا- فيه الأقسام.

و أمّا إذا تعلّق بحكم شرعيّ، فهل يمكن أخذه موضوعا لنفس الحكم الّذي تعلّق العلم به؟

قال بعض مشايخ العصر- على ما في تقريرات بحثه-: لا يمكن ذلك إلّا بنتيجة التقييد، و قال في توضيحه ما حاصله:

إنّ العلم بالحكم لمّا كان من الانقسامات اللاحقة للحكم، فلا يمكن فيه الإطلاق و التقييد اللحاظي، كما هو الشأن في الانقسامات اللاحقة للمتعلّق باعتبار تعلّق الحكم به، كقصد التعبّد و التقرّب في العبادات، فإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق؛ لأنّ التقابل بينهما تقابل العدم و الملَكة؛ لكنّ الإهمال الثبوتي‏

96

أيضا لا يعقل، فإنّ ملاك تشريع الحكم: إمّا محفوظ في حالتي الجهل و العلم فلا بدّ من نتيجة الإطلاق، و إمّا في حالة العلم فلا بدّ من نتيجة التقييد، فحيث لا يمكن بالجعل الأوّلي فلا بدّ من دليل آخر يستفاد منه النتيجتان، و هو متمّم الجعل.

و قد ادعي تواتر الأدلّة على اشتراك العالم و الجاهل في الأحكام، و إن لم نعثر إلّا على بعض أخبار الآحاد، لكنّ الظاهر قيام الإجماع بل الضرورة على ذلك، فيستفاد من ذلك نتيجة الإطلاق، و أن الحكم مشترك بين العالم و الجاهل.

لكن تلك الأدلّة قابلة للتخصيص، كما خصّصت في الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام‏ (1) انتهى.

و فيه أوّلا: أنّ الانقسامات اللاحقة على ضربين:

[الضرب الأول‏]: ما لا يمكن تقييد الأدلّة به، بل و لا يمكن فيه نتيجة التقييد، مثل أخذ القطع موضوعا بالنسبة إلى نفس الحكم، فإنه غير معقول لا بالتقييد اللحاظي و لا بنتيجة التقييد، فإنّ حاصل التقييد و نتيجته: أنّ الحكم مختصّ بالعالم بالحكم، و هذا دور مستحيل؛ فإنّ العلم بالحكم يتوقّف على الحكم بالضرورة، و لو فرض الاختصاص- و لو بنتيجة التقييد- يصير الحكم متوقّفا على العلم به.

نعم لا دور فيما إذا كان القطع تمام الموضوع؛ لعدم دخالة الواقع فيه حتّى‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 11- 12.

97

يلزم الدور.

نعم في كون أحكام اللَّه الواقعيّة تابعة لآراء المجتهدين- كما عليه فرقة من غير أهل الحقّ- و قد أشكل عليهم بورود الدور.

و يمكن الذبّ عنهم: بأنّ الشارع أظهر أحكاما صوريّة- بلا جعل أصلا- لمصلحة في نفس الإظهار؛ حتّى يجتهد المجتهدون و يؤدّي اجتهادهم إلى حكم بحسب تلك الأدلّة التي لا حقيقة لها، ثمّ بعد أداء اجتهادهم إلى حكم أنشأ الشارع حكما مطابقا لرأيهم تابعا له.

لكن هذا مجرّد تصوير و محض تخييل، و ربّما لا يرضى به المصوّبة.

و بالجملة: اختصاص الحكم بالعالم بالحكم غير معقول بوجه من الوجوه.

و أما في مثل باب الجهر و الإخفات و القصر و الإتمام فلا يتوقّف الذبّ عن الإشكال فيه على الالتزام بالاختصاص، بل يمكن أن يكون عدم الحكم بالقضاء أو الإعادة من باب التخفيف و التقبّل، كما يمكن ذلك في حديث (لا تعاد الصلاة) (1) بناء على عدم اختصاصه بالسهو كما لا يبعد.

و يمكن أن تكون الإعادة أو القضاء ممّا بطل محلّهما في تلك الموارد، نظير مريض كان دستوره شرب الفلوس مع البنفسج و أصل السوس، فشرب الفلوس الخالص، فإنّ إعادته مع الشرائط ممّا يفسد المزاج، فشربه خالصا أفسد

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 181- 17 باب 42 في القبلة و 1: 225- 8 باب 49 في أحكام السهو، و التهذيب 2: 152- 55 باب 9.

98

المحلّ و أخرجه عن قابليّة الشرب المخلوط، فلعلّ إعادة الصلاة تامّة مع إتيانها ناقصة من هذا القبيل، إلى غير ذلك من الاحتمالات.

و الضرب الثاني من الانقسامات اللاحقة: ما يمكن تقييد الأدلّة به بدليل آخر، كقصد التعبّد و الأمر و التقرّب في العبادات.

ففي هذا القسم لا يبعد إمكان التقييد اللحاظيّ أيضا، فإنّ تصوّر الأمر المتأخّر عن الحكم ممكن قبل الجعل، و تقييد الموضوع به- أيضا- ممكن، فللآمر أن يلاحظ قبل إنشاء الحكم الموضوع الّذي أراد أن يجعله متعلَّقا للأمر، و يلاحظ حالة تعلّق الأمر به في الآتية، و يلاحظ قصد المأمور لأمره، و يجعل قصد المأمور للتقرّب و التعبّد من قيود المتعلّق و يأمر به مقيّدا، مثل سائر القيود المتأخّرة.

نعم نفس تعلُّق الأمر ممّا يمكّن المكلّف من إتيان المتعلّق، فإنّ قبل تعلُّقه لا يمكن له الإتيان بالصلاة مع تلك القيود، و بنفس التعلّق يصير ممكنا.

فإن قلت: بناء على ذلك إنّ الموضوع المجرّد عن قيد قصد التقرّب و الأمر لم يكن مأمورا به، فكيف يمكن الأمر به مع قصد أمره؟

قلت: نعم هذا إشكال آخر غير مسألة الدور، و يمكن دفعه: بأنّ الموضوع متعلّق للأمر الضمنيّ، و الزائد على قصد الأمر الضمنيّ لا يلزم و لا موجب له.

و ثانيا: أنّ الإطلاق و التقييد اللحاظي اللذين جعلهما من قبيل العدم و الملكة، و حكم بأن كلّما امتنع التقييد امتنع الإطلاق، ممّا لا أساس له؛ فإنّه إن كان اللحاظ صفة لكلّ من التقييد و الإطلاق، و أراد أن الإطلاق- أيضا- لحاظيّ‏

99

كالتقييد، فيرد عليه:

أوّلا: أنّ الإطلاق لم يكن باللحاظ، بل هو متقوّم بعدم التقييد، فإذا قال المولى: «أعتق رقبة» بلا تقييده بشي‏ء مع تماميّة مقدّمات الحكمة- لو بنينا على لزوم المقدّمات- تمّ الإطلاق، و لا يحتاج إلى اللحاظ أصلا.

و ثانيا: أنّ لحاظ الإطلاق و لحاظ التقييد من قبيل الضدّين لا العدم و الملكة؛ فإنّ اللحاظين أمران وجوديّان.

و إن كان اللحاظ صفة للتقييد فقط؛ حتّى لا يحتاج الإطلاق إلى اللحاظ، فيرد عليه: أنّ امتناع الإطلاق ممنوع، و ما ادعى أنّ كلّما امتنع التقييد امتنع الإطلاق ممّا لا أساس له، و مجرّد دعوى بلا بيّنة و لا برهان.

و التحقيق: أنّ الإطلاق و التقييد من قبيل العدم و الملكة أو شبيه بهما، و هذا كلام صحيح استعمله هذا المحقّق في غير موضعه، و استنتج منه هذه النتيجة العجيبة؛ أي إنكار مطلق الإطلاق في الأدلّة الشرعيّة؛ حتّى احتاج إلى دعوى الإجماع و الضرورة لاشتراك التكليف بين العالم و الجاهل، و هذا أمر غريب منه جدّاً.

و توضيح ذلك: أنّ المتعلّق قد لا يمكن تقييده لقصور فيه، و لم يكن له شأنيّة التقييد، ففي مثله لا يمكن الإطلاق، فإنّ هذا شأن العدم و الملكة في جميع الموارد، فلا يقال للجدار: أعمى، فإنّه غير البصير الّذي من شأنه البصيريّة، و لا يقال: زيد مطلق إطلاقا أفراديا.

و قد لا يمكن التقييد لا لقصور في الموضوع، بل لأمر آخر و منع خارجيّ،

100

كلزوم الدور في التقييد اللحاظيّ، فإنّ ذلك الامتناع لا يلازم امتناع الإطلاق، لعدم لزوم الدور في الإطلاق، و لذا يجوز تصريح الآمر بأنّ صلاة الجمعة واجبة على العالم و الجاهل بالحكم و الخمر حرام عليهما بلا لزوم محال.

و ليت شعري أيّ امتناع يلزم لو كانت أدلّة الكتاب و السنة مطلقة تشمل العالم و الجاهل كما أنّ الأمر كذلك نوعا؟! و هل يكفي مجرّد امتناع التقييد في امتناع الإطلاق بلا تحقّق ملاكه [1]؟! فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ اشتراك التكليف بين العالم و الجاهل لا يحتاج إلى التماس دليل من الأخبار و الإجماع و الضرورة، و الفقهاء- (رضوان اللَّه عليهم)- لا يزالون يتمسّكون بإطلاق الكتاب و السنّة من غير نكير.

و ممّا ذكرنا يظهر حال ما استنتج من هذه المقدّمة، و يسقط كلّية ما ذكره- (رحمه اللّه)- في هذا المقام. و في كلامه في المقام مواقع للنظر تركناها مخافة التطويل.

____________

[1] بل يمكن إقامة البرهان على الإطلاق في المقام من دون احتياج إلى تمامية مقدماته، فإن اختصاص الحكم بالعالمين لما كان ممتنعا و لم يختص بالجاهل بالضرورة، يكون لا محالة مشتركا بينهما. و لعلّ ذلك سند الإجماع و الضرورة. [منه (قدّس سرّه)‏]

101

المبحث الثاني في قيام الطرق و الأمارات و الأصول بنفس أدلّتها مقام القطع بأقسامه‏

و فيه مقامان: الأوّل: في إمكان قيامها مقامه ثبوتا، و الثاني: في وقوعه إثباتا و بحسب مقام الدلالة.

أمّا المقام الأوّل: فالظاهر إمكانه و عدم لزوم محذور منه، إلّا ما أفاده المحقّق الخراسانيّ‏ (1)- (رحمه اللّه)- من الإشكالين:

أحدهما: ما محصّله: أنّ الجعل الواحد لا يمكن أن يتكفّل تنزيل الظنّ منزلة القطع و تنزيل المظنون منزلة المقطوع فيما أخذ في الموضوع على نحو الكشف؛ للزوم الجمع بين اللحاظين المتنافيين- أي اللحاظ اللئالي و الاستقلاليّ- حيث لا بدّ في كلّ تنزيل من لحاظ المنزّل و المنزل عليه، مع‏

____________

(1) الكفاية 2: 21.

102

أنّ النّظر في حجّيته و تنزيله منزلة القطع آليّ طريقي، و في كونه بمنزلته في دخله في الموضوع استقلاليّ موضوعيّ، و الجمع بينهما محال ذاتا.

أقول: هذا الإشكال ممّا استصوبه جلّ المشايخ المحققين- رحمهم اللَّه- فأخذ كلّ منهم مهربا:

منهم: من ذهب إلى أنّ المجعول في الأمارات هو المؤدّى، و أنّ مفاد أدلّة الأمارات جعل المؤدّى منزلة الواقع، و بالملازمة العرفيّة بين تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و بين تنزيل الظنّ منزلة العلم، يتمّ الموضوع‏ (1).

و منهم: من ذهب إلى أنّ المجعول هو الكاشفيّة و الوسطيّة في الإثبات‏ (2) و بنفس هذا الجعل يتمّ الأمران.

و منهم: من سلك غير ذلك‏ (3) و لعلّنا نرجع إلى حال ما سلكوا سبيله.

و التحقيق: أنّ لزوم الجمع بين اللحاظين ممّا لا أساس له بوجه، و ذلك لأنّ القاطع أو الظانّ بشي‏ء يكون نظرهما إلى المقطوع به أو المظنون نظرا استقلاليّا اسميّا، و إلى قطعه و ظنّه آليّا حرفيّا، و لا يمكن له الجمع بين لحاظي الآليّة و الاستقلاليّة؛ لكنّ الناظر إلى قطع هذا القاطع و ظنّه إذا كان شخصا آخر يكون نظره إلى هذا القطع و الظنّ الآليّين لحاظا استقلاليّا، و يكون نظره إلى الواقع المقطوع و المظنون بهذا القطع و الظنّ و إلى نفس القطع و الظنّ، في عرض‏

____________

(1) هو المحقق الآخوند- (قدّس سرّه)- في حاشيته على فرائد الأصول: 9 سطر 7- 10.

(2) هو المحقق الميرزا النائيني- (قدّس سرّه)- كما جاء في فوائد الأصول 3: 21.

(3) كالمحقق الشيخ الحائري- (قدّس سرّه)- في درر الفوائد 2: 8- 10.

103

واحد بنحو الاستقلال.

فما أفاد- من أنّ النّظر إلى حجّية الأمارة و تنزيلها منزلة القطع آليّ طريقيّ- مغالطةٌ من باب اشتباه اللاحظين، فإنّ الحاكم المنزّل للظنّ منزلة القطع لم يكن نظره إلى القطع و الظنّ آليّا، بل نظره استقلاليّ قضاء لحقّ التنزيل. نعم نظر القاطع و الظانّ آليّ، و لا دخل له في التنزيل.

فمن هو الجاعل و المنزّل يكون نظره إلى القطع الطريقيّ للغير استقلاليّا، كما أنّه يكون نظره إلى الواقع المقطوع به- أيضا- استقلاليّا، و كذلك في الأمارة و المؤدّى.

و من هو العالم أو الظانّ يكون نظره إلى القطع أو الظنّ آليّا، لكنّه خارج عن محطّ البحث.

و أمّا قصور أدلّة التنزيل عن تكفّل الجعلين فهو أمر آخر مربوط بمقام الإثبات و الدلالة، لا من باب لزوم الجمع بين اللحاظين، و سنرجع إلى البحث عنه‏ (1).

و الثاني من الإشكالين: ما أفاده- أيضا- في الكفاية (2) ردّا على مقالته في تعليقة الفرائد (3)؛ حيث تشبّث في التعليقة- فرارا عن لزوم الجمع بين اللحاظين- بجعل المؤدّى منزلة الواقع و الملازمة العرفيّة بين التنزيلين بلا جمع‏

____________

(1) انظر صفحة رقم: 105 و ما بعدها.

(2) الكفاية 2: 23- 24.

(3) حاشية فرائد الأصول: 9 سطر 7- 9.

104

بين اللحاظين.

و حاصل ردّه في الكفاية: أنّ ذلك يستلزم الدور؛ فإنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع فيما كان للعلم دخل، لا يمكن إلّا بعد تحقّق العلم في عرض ذلك التنزيل، فإنّه ليس للواقع أثر يصحّ بلحاظه التنزيل، بل الأثر مترتّب على الواقع و العلم به، و المفروض أنّ العلم بالمؤدّى تحقّق بعد تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فيكون التنزيل موقوفا على العلم، و العلم موقوفا على التنزيل، و هذا دور محال [1].

و فيه: أنّه يكفي في التنزيل الأثر التعليقيّ، فهاهنا يكون للمؤدّى أثر تعليقيّ؛ أي لو انضمّ إليه جزؤه الآخر يكون ذا أثر فعليّ، بل لو قلنا بعدم كفاية الأثر التعليقيّ لنا أن نقول: إنّ هاهنا أثرا فعليّا، لكن بنفس الجعل، و لا يلزم أن يكون الأثر سابقا على الجعل، ففيما نحن فيه لمّا كان نفس الجعل متمّما للموضوع يكون الجعل بلحاظ الأثر الفعليّ المتحقّق في ظرفه، فلا يكون الجعل متوقّفا على الأثر السابق.

و إن شئت قلت: لا دليل على كون الجعل بلحاظ الآثار إلّا صون جعل الحكيم من اللّغويّة، و هاهنا لا يلزم اللّغويّة: إمّا بواسطة الأثر التعليقيّ، أو

____________

[1] هكذا قرّر الدور بعض الأعاظم‏ (1) و هو غير تام. و الأولى أن يقال إنّ تنزيل المؤدّى منزلة الواقع يتوقف على تنزيل الظن منزلة العلم في عرضه، لأنّ الأثر مترتب على الجزءين و تنزيل الظن متوقف على تنزيل المؤدّى بالفرض؛ أي دعوى الملازمة العرفية. [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) فوائد الأصول 3: 28

105

بلحاظ الأثر الفعليّ المتحقّق بنفس الجعل، فتدبّر.

و أمّا المقام الثاني: أي مقام الإثبات و الدلالة، فلا بدّ لاتّضاح حاله من تقديم مقدّمة:

و هي أنّه لا بدّ في كون شي‏ء أمارة جعليّة- أي جعل الشارع شيئا أمارة و طريقا إلى الواقع- من أمور:

الأوّل: أن يكون له في ذاته جهة كشف و طريقيّة، فإنّ ما لا يكون له جهة الكشف أصلا لا يليق للأماريّة و الكاشفيّة.

الثاني: أن لا يكون بنفسه أمارة عقليّة أو عقلائيّة؛ فإنّ الواجد للأماريّة لا معنى لجعله أمارة، فإنّه من قبيل تحصيل الحاصل و إيجاد الموجود.

الثالث: أن تكون العناية في جعله إلى الكاشفيّة و الطريقيّة و تتميم الكشف.

في عدم قيام الأمارات العقلائية مقام القطع مطلقا

إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ الأمارات المتداولة على ألسنة أصحابنا المحقّقين كلّها من الأمارات العقلائيّة التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم و سياساتهم و جميع أمورهم؛ بحيث لو ردع الشارع عن العمل بها لاختل نظام المجتمع و وقفت رحى الحياة الاجتماعية، و ما هذا حاله لا معنى لجعل الحجية له و جعله كاشفا محرزا للواقع بعد كونه كذلك عند كافّة العقلاء، و ها هي الطرق‏

106

العقلائيّة- مثل الظواهر، و قول اللُّغويّ، و خبر الثقة، و اليد، و أصالة الصحّة في فعل الغير- ترى أنّ العقلاء كافّة يعملون بها من غير انتظار جعل و تنفيذ من الشارع، بل لا دليل على حجّيتها بحيث يمكن الركون إليه إلّا بناء العقلاء، و إنّما الشارع عمل بها كأنّه أحد العقلاء. و في حجّية خبر الثقة و اليد بعض الروايات‏ (1) التي يظهر منها بأتمّ ظهور أنّ العمل بهما باعتبار الأماريّة العقلائيّة، و ليس في أدلّة الأمارات ما يظهر منه بأدنى ظهور جعل الحجّية و تتميم الكشف، بل لا معنى له أصلا.

و من ذلك علم أنّ قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه ممّا لا معنى له: أمّا في القطع الموضوعيّ فواضح، فإنّ الجعل الشرعيّ قد عرفت حاله و أنّه لا واقع له، بل لا معنى له.

و أمّا بناء العقلاء بالعمل بالأمارات فليس وجهه تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، و لا تنزيل الظنّ منزلة القطع، و لا إعطاء جهة الكاشفيّة و الطريقيّة أو تتميم الكشف لها، بل لهم طرق معتبرة يعملون بها في معاملاتهم و سياساتهم، من غير تنزيل واحد منها مقام الآخر، و لا التفات إلى تلك المعاني الاختراعيّة و التخيّلية، كما يظهر لمن يرى طريقة العقلاء و يتأمّل فيها أدنى تأمّل.

و من ذلك يعلم حال القطع الطريقي، فإنّ عمل العقلاء بالطرق المتداولة

____________

(1) الكافي 7: 387- 1، التهذيب 6: 261- 100، الفقيه 3: 31- 27، تفسير علي بن إبراهيم:

501، علل الشرائع: 190- 1 باب 151، الوسائل 18: 251- 2- 3 باب وجوب الحكم بملكية صاحب اليد ... إلخ، و صفحة 98 باب 11 وجوب الرجوع في القضاء ...