أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - ج1

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
424 /
107

حال عدم العلم ليس من باب قيامها مقام العلم، بل من باب العمل بها مستقلا و من غير التفات إلى تلك المعاني.

نعم القطع طريق عقليّ مقدّم على الطرق العقلائيّة، و العقلاء إنّما يعملون بها عند فقد القطع، و ذلك لا يلزم أن يكون عملهم بها من باب قيامها مقامه؛ حتّى يكون الطريق منحصرا بالقطع عندهم، و يكون العمل بغيره بعناية التنزيل و القيام مقامه.

و ما اشتهر بينهم: من أنّ العمل بها من باب كونها قطعا عاديّا، أو من باب إلقاء احتمال الخلاف‏ (1)- على فرض صحّته- لا يلزم منه التنزيل أو تتميم الكشف و أمثال ذلك.

و بالجملة: من الواضح البيّن أنّ عمل العقلاء بالطرق لا يكون من باب كونها علما و تنزيلها منزلة العلم، بل لو فرضنا عدم وجود العلم في العالم كانوا يعملون بها من غير التفات إلى جعل و تنزيل أصلا.

و ممّا ذكرنا تعرف وجه النّظر في كلام هؤلاء الأعلام المحقّقين- رحمهم اللَّه- من التزام جعل المؤدّى منزلة الواقع تارة (2) و التزام تتميم الكشف و جعل الشارع الظنّ علما في مقام الشارعيّة و إعطاء مقام الإحراز و الطريقيّة له أخرى‏ (3) إنّها كلمات خطابيّة لا أساس لها.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 108، و مقالات الأصول 2: 4- 5.

(2) حاشية فرائد الأصول: 8- 9، نهاية الدراية 2: 18 سطر 13- 14.

(3) فوائد الأصول 3: 108.

108

و العجب أنّ بعض المشايخ المعاصرين- على ما في تقريرات بحثه‏ (1)- قد اعترف كرارا بأنّه ليس للشارع في تلك الطرق العقلائيّة تأسيس أصلا، و في المقام قد أسّس بنيانا رفيعا في عالم التصوّر يحتاج إلى أدلة محكمة، مع خلوّ الأخبار و الآثار عن شائبتها فضلا عن الدلالة. هذا حال الأمارات.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 30 و 91.

109

في قيام الأُصول مقام القطع‏

و أمّا الأُصول فهي على قسمين:

أحدهما: ما يظهر من أدلّتها أنّها وظائف مقرّرة للجاهل عند تحيّره و جهله بالواقع كأصالة الطهارة و الحلّية، فهذه الأُصول ليست مورد البحث، فإنّ قيامها مقامه ممّا لا معنى له.

و ثانيهما: ما يسمّونها بالأصول التنزيليّة، مثل الاستصحاب و قاعدة التجاوز و الفراغ، و لا بدّ لنا من تحقيق حالها و إن كان خارجا عن محلّ البحث و له مقام آخر، لكن تحقيق المقام يتوقّف على تحقيق حالها، فنقول:

قد عرفت: أنه لا بدّ في كون شي‏ء أمارة شرعيّة جعليّة أن يكون له جهة كشف، و أن لا يكون أمارة عقلائيّة معتبرة عند العقلاء، و أن تكون العناية في الجعل إلى جهة كاشفيّته و طريقيّته.

110

في أماريّة الاستصحاب‏

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الاستصحاب [1] فيه جهة كشف عن الواقع،

____________

[1] قولنا: فاعلم أنّ الاستصحاب.

أقول: هذا ما أدى إليه نظري في سالف الزمان قبل الوصول إلى مباحث الاستصحاب و لقد جدّدت النّظر حين انتهاء بحثنا إليه فوجدت أنّه ليس أمارة شرعية، بل هو أصل تعبدي كما عليه المشايخ لأن عمدة ما أوقعنا في هذا التوهم أمران:

أحدهما: توهم أن اليقين السابق كاشف عن الواقع كشفا ناقصا في زمان الشك فهو قابل للأمارية كسائر الكواشف عن الواقع.

و ثانيهما: توهم أنّ العناية في اعتباره و جعله إنّما هي إلى هذه الجهة بحسب الروايات فتكون روايات الاستصحاب بصدد إطالة عمر اليقين و إعطاء تمامية الكشف له، و بعد إمعان النّظر في بناء العقلاء و أخبار الباب ظهر بطلان المقدمتين:

أما الأولى: فلأن اليقين لا يعقل أن يكون كاشفا عن شي‏ء في زمان زواله و المفروض أنّ زمان الشك زمان زوال اليقين، فكيف يمكن أن يكون كاشفا عن الواقع في زمان الشك؟! نعم الكون السابق- فيما له اقتضاء البقاء- و إن يكشف كشفا ناقصا عن بقائه لكن لا يكون كشفه عنه أو الظن الحاصل منه بحيث يكون بناء العقلاء على العمل به من حيث هو من غير حصول اطمئنان و وثوق.

و أمّا الثانية: فلأنّ العناية في الروايات ليست إلى جهة الكشف و الطريقية- أي إلى أنّ الكون السابق كاشف عن البقاء- بل العناية إنّما هي إلى أنّ اليقين لكونه أمرا مبرما لا ينبغي أن ينقض بالشك الّذي ليس له إبرام، فلا محيص [عن القول بأن‏] الاستصحاب أصل تعبدي شرعيّ كما عليه المشايخ المتأخرون‏ (1).

و أما الاستصحاب العقلائي الّذي في كلام المتقدمين‏ (2) فهو غير مفاد الروايات بل هو عبارة.

عن الكون السابق الكاشف عن البقاء في زمن لا حق، و قد عرفت أنّ بناء العقلاء ليس على ترتيب الآثار بمجرد الكون السابق ما لم يحصل الوثوق و الاطمئنان. منه عفي عنه.

____________

(1) فرائد الأصول: 319 سطر 4- 7، أجود التقريرات 2: 343 سطر 20- 22.

(2) الغنية- الجوامع الفقهية-: 548 سطر 33، معارج الأصول: 206- 207، معالم الدين: 227- 228، فرائد الأصول: 319 سطر 5 و 7- 8

111

فإنّ القطع بالحالة السابقة فيه كاشفيّة عن البقاء، حتّى قيل: ما ثبت يدوم، و هذا في الشكّ في الرافع ممّا لا مجال للتأمّل فيه.

نعم في الشكّ في المقتضي يمكن الترديد و التّأمّل فيه و إن كان قابلا للدفع.

و بالجملة: أنّ الاستصحاب مطلقا قابل لأن يجعل أمارة و كاشفا عن الواقع بملاحظة اليقين السابق، و ليس من قبيل الشكّ المحض الغير القابل.

و أمّا بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب- أي بمجرّد كون شي‏ء له حالة سابقة مقطوعة مع الشكّ في بقائه- فهو و إن ادُّعي فيه السيرة العقلائيّة في سياساتهم و مراسلاتهم و معاملاتهم، لكن عملهم على مجرّد ذلك غير معلوم، بل يمكن أن يكون ذلك بواسطة احتفافه بأمور أخرى من القرائن و الشواهد و الاطمئنان و الوثوق، لا لمجرّد القطع بالحالة السابقة.

و بعض المحقّقين من علماء العصر- (قدّس سرّه)- و إن أصرّ على ما في تقريراته‏ (1) على استقرار الطريقة العقلائيّة على العمل بالحالة السابقة- حتى قال: لا ينبغي التأمّل في أنّ الطريقة العقلائيّة قد استقرّت على ترتيب آثار البقاء عند الشكّ في الارتفاع، و ليس عملهم لأجل حصول الاطمئنان لهم بالبقاء أو لمحض الرجاء- لكن للتأمّل فيه مجال واسع.

____________

(1) فوائد الأصول 4: 331- 332.

112

ثمّ لو فرضنا أنّ سيرة العقلاء قد استقرّت على ذلك، فلا بدّ لنا من الالتزام بكون الاستصحاب من الأمارات و الطرق العقلائيّة، فإنّه ليس للعقلاء أصل تعبّديّ أو تنزيليّ، و ليس ما عندهم إلّا الطرق و الأمارات، لا الأصول التعبّديّة، كما لا يخفى على من مارس طريقتهم، مع أنّ هذا المحقّق قائل بأصليّة الاستصحاب‏ (1).

و بالجملة: أنّ الاستصحاب و إن كان له جهة كشف ضعيف، لكن لا بنحو يكون العقلاء مفطورين على العمل به، كما في العمل باليد و خبر الثقة.

في أنّ المستفاد من الكبرى المجعولة في الاستصحاب هو الطريقية

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الجهتين من الجهات الثلاثة التي تتقوّم الأمارة بها متحقّقتان في الاستصحاب، و بقيت الجهة الثالثة- و هي العمدة- حتّى ينخرط في سلك الأمارات لكن بجعل الشارع، و هي كون اعتباره بجهة الكاشفيّة، و أنّ عناية الجاعل في جعله هي [اعتباره‏] علما في عالم الشارعيّة [و إضفاء] جهة الكشف و الطريقيّة له، و لو تمّت هذه الجهة لتمّت أماريّة الاستصحاب، و يكون له ما للأمارات من الآثار و اللوازم، و الفرق أنّه أمارة جعلية شرعيّة غير عقلائيّة، و هي أمارات عقلائيّة غير مجعولة بجعل شرعيّ، و لو ساعدنا الدليل لم نتحاش عمّا ذهب إليه المحقّقون و أساطين الفنّ من المتأخّرين من‏

____________

(1) فوائد الأصول: 4: 307- 308.

113

الخلاف، فإنّه ليس في البين إلّا تلك الروايات الشريفة، و المتّبع هو مفادها لا فهم الأصحاب، مع أنّ في قدماء أصحابنا من قال بأماريّة الاستصحاب‏ (1) و كثير من الفروع الفقهيّة التي أفتى بها أصحابنا لا تتمّ إلّا على القول بأماريّة الاستصحاب و حجّية المثبتات منه، تأمّل.

فالمهمّ عطف النّظر إلى أخبار الباب، و المستفاد منها- بعد إلقاء الخصوصيّات و إرجاع بعضها إلى بعض- هو مجعوليّة كبرى كلّية هي قوله (عليه السلام): (لا ينقض اليقين بالشك) (2) فإن الأخبار على كثرتها متوافقة المضمون على هذه الكلّيّة، و أنت إذا تأمّلت في هذه الكبرى حقَّ التأمّل بشرط الخروج عن ربقة التقليد ترى أنّ العناية فيها بإبقاء نفس اليقين، و أنّ اليقين في عالم التشريع و التعبّد باق موجود لا ينبغي أن ينقض بالشكّ و يدخل فيه الشكّ، و أنّه (عليه السلام) بصدد جعل المحرز و إطالة عمر اليقين السابق [و إضفاء] صفة اليقين على من كان على يقين، كما ينادي بذلك قوله- (عليه السلام)- في مضمرة زرارة [1]: (و إلّا فإنه على يقين من وضوئه، و لا ينقض‏

____________

[1] هو زرارة بن أعين بن سنسن الشيباني، قال الشيخ الطوسي: اسمه عبد ربه، كنيته أبو الحسن، لقبه زرارة، ذكره النجاشي في رجاله و وصفه بشيخ أصحابنا في زمانه و متقدمهم. و قال عنه ابن النديم: أكبر رجال الشيعة فقها و حديثا و معرفة بالكلام و التشيع، له كتاب في الاستطاعة و الجبر، توفي سنة 150 ه. انظر رجال النجاشي: 175، فهرست الشيخ الطوسي: 74.

رجال الكشي 1: 345، فهرست ابن النديم: 276.

____________

(1) أجود التقريرات 2: 343 سطر 1- 4.

(2) الكافي 3: 351- 352- 3 باب السهو في الثلاث و الأربع، الوسائل 5: 321- 3 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

114

اليقين أبدا بالشك) (1) لا على الشاكّ بعنوان أنّه شاكّ، و لا جعل الشكّ يقينا، حتى يقال: لا معنى [لإضفاء] صفة الكاشفيّة و الطريقيّة للشكّ، و لا [إضفاء] اليقين على الشاكّ؛ لأنّ الشكّ ليس له جهة الكشف، فإنّا لا نقول بأنّ الشكّ له جهة كشف أو جعل الشارع الشكّ يقينا أو الشاكّ متيقّنا، بل نقول: إنّ اليقين السابق و لو زال إلّا أنّ له جهة كشف ضعيف بالنسبة إلى حال زواله، لشهادة الوجدان بالفرق بين الشاكّ البدويّ و الّذي كان على يقين، حتّى يدّعى أنّ بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب، مع أنّ العقلاء ليس لهم أصل تعبّدي يعملون به بلا جهة كشف.

و إنّا و إن تردّدنا في سيرة العقلاء على عملهم بالاستصحاب صرفا بلا احتفافه بأمور أخر، و لكنّ أصل الكاشفيّة- في الجملة- ممّا لا ينبغي التأمّل فيه.

و إن أبيت عن ذلك: فلا إشكال في جواز إطالة عمر اليقين تعبّدا في عالم التشريع، و لا محذور فيه أبدا.

فالأخذ بظاهر أخبار الباب مع كثرتها لا مانع منه، و الظاهر منها- مع اختلاف التعبيرات و الاتّفاق في المضمون الّذي يمكن دعوى القطع به-: أنّ العناية في الجعل هي بجعل اليقين و فرض وجوده في زمن الشكّ، فإنّ النهي عن نقض اليقين بالشكّ لا معنى محصَّل له، إلّا على فرض وجود اليقين في عالم التشريع و إطالة عمره، و إلّا فإنّه قد زال بحسب التكوين و وجد الشكّ،

____________

(1) التهذيب 1: 8- 11 باب 1 من أبواب الأحداث الموجبة للطهارة، الوسائل 1: 174- 175- 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء (مع اختلاف يسير).

115

و لا معنى لنقضه، فإذا فلا معنى معقول له إلّا التعبّد ببقاء نفس اليقين و إعطاء صفة اليقين و إطالة عمره.

إشكالات في تفصيات‏

فإن قلت: يمكن أن يكون مفاد الأخبار هو النقض العمليّ، و النهي قد تعلّق بنقضه عملا، و معناه هو البناء على وجود المتيقّن عملا في زمن الشكّ، فيصير المفاد هو الأصل المحرز لا الأمارة الكاشفة.

قلت: نعم هذا غاية ما في الباب من تقريب أخبار الاستصحاب للدلالة على كونه أصلا، و قد تشبّث به مشايخنا (رضوان اللَّه عليهم).

لكنّ الإنصاف: أنّ العناية فيها هي بإبقاء نفس اليقين لا البناء العملي، و ليس لهذا البناء فيها عين و لا أثر.

و قد عرفت: أنّ الفرق بين الأصل و الأمارة في عالم التشريع هو العناية في الجعل، فإن كانت العناية ببقاء اليقين نفسه و إطالة عمره و عدم نقضه و إبقائه سالما فهو من الأمارات، و إلّا فهو من الأصول. و لا ينبغي التأمّل و الإشكال في أنّ مفاد أخباره من قبيل الأوّل.

نعم في كلّ من الأمارة و الأصل يكون الجعل و التعبّد بلحاظ العمل، و إلّا فيكون لغوا باطلا.

لكن الفرق بينهما بعد اشتراكهما في ذلك: أنّ العناية في الأمارة هي بإعطاء وسطيّة الإثبات أو الكاشفيّة أو إعطاء صفة اليقين أو إطالة عمره و أمثال‏

116

ذلك، و في الأصول هي بالبناء العملي أو تعيين وظيفة الشاكّ و المتحيّر و أشباههما.

فإن قلت: إنّ اليقين في الأخبار هو اليقين الطريقيّ، فيكون النّظر إلى إبقاء المتيقَّن لا اليقين، فلا يتمّ ما ذكرت.

قلت: إنّ اليقين الطريقيّ للمكلّف في لسان الدليل أخذ موضوعا منظورا إليه، و تكون العناية ببقائه و كون صاحبه ذا يقين كاشف عن الواقع.

إن قلت: إنّ الشكّ مأخوذ في موضوع الاستصحاب، و يكون الاستصحاب متقوّما بالشكّ، و كلّ ما كان كذلك فهو من الأصول، فإنّ الأمارات و إن كانت للشاكّ، لكنّه غير مأخوذ في موضوعها، بل هو في موردها، و الأمارة اعتبرت لإزالة الشكّ و رفعه، لا أنّه مأخوذ في موضوعها.

قلت: معنى أخذ الشكّ موضوعا لحكم: [هو] أنّ الحكم جعل للشاكّ، و تكون العناية ببقاء الشكّ و حفظه، مع جعل الوظيفة للشاكّ، كما في أصلي الطهارة و الحلّية، فإنّ مفاد أدلّتهما جعل الطهارة و الحلّية للشاكّ بما أنه شاكّ، أو تكون العناية- مع حفظ الشكّ- بالبناء العمليّ على وجود المشكوك فيه، كما في قاعدة الفراغ و التجاوز على أقوى الاحتمالين كما سيأتي‏ (1).

و الاستصحاب و إن كان متقوّما بالشكّ، لكنّه لا يكون موضوعا له، بل‏

____________

(1) انظر صفحة رقم: 119.

117

يكون مورده، فإنّ الظاهر من الكبرى الكلّية المجعولة فيه- و هي قوله: (لا ينقض اليقين بالشكّ) (1)- ليس حفظ الشكّ و الحكم على الشكّ أو الشاكّ، بل العناية ببقاء اليقين السابق و عدم نقضه و إطالة عمره في عالم التشريع و إن كان زائلا تكوينا.

بل يمكن أن يقال: إنّ أخذ الشكّ موضوعا في الاستصحاب غير معقول؛ للزوم التناقض في عالم التشريع، فإنّ الحكم بعدم نقض اليقين بالشكّ أو عدم دخول الشكّ في اليقين هو اعتبار بقاء اليقين و حفظه و إطالة عمره في عالم التشريع، و لازمه إزالة الشكّ و إقامة اليقين مقامه، و إبطاله و إبقاء اليقين، فلو أخذ الشكّ في موضوع الاستصحاب للزم اعتبار بقائه و حفظه، و الجمع بين الاعتبارين تناقض.

إن قلت: ظاهر ذيل الصحيحة الثالثة لزرارة هو البناء العملي الّذي هو شأن الأصل، فإنّ قوله: (لكنّه ينقض الشكّ باليقين و يتمّ على اليقين، فيبني عليه) (2) ظاهرٌ في البناء العمليّ.

قلت: كلّا، فإنّ قوله: (يبني عليه) أي يبني على وجود اليقين، بل هذه الصحيحة من أقوى الشواهد و أتمّ الدلائل على ما ادّعيناه، فإنّ قوله: (لكنّه ينقض الشكّ باليقين) هو اعتبار بقاء اليقين و إزالة الشكّ تشريعا، و قوله: (و يتمّ على اليقين). إلى آخرها تأكيدٌ له.

____________

(1) الكافي 3: 351- 352- 3 باب السهو ...، الوسائل 5: 321- 3 باب 10 من أبواب الخلل.

(2) المصدر السابق.

118

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ العناية في الجعل في أخبار الاستصحاب هي جعل اليقين في زمان الشكّ، لا بمعنى جعل يقين في مقابل اليقين السابق، بل بمعنى إطالة عمر اليقين السابق و إبقائه و حفظه.

فحقيقة الاستصحاب عبارة عن إبقاء اليقين و إطالة عمره إلى زمان الشكّ بلحاظ كشفه عن الواقع، لا البناء العملي على وجود المتيقّن، كما هو المستفاد من أدلّته، و بمجرَّد كون الجعل بلحاظ العمل لا ينسلك الشي‏ء في سلك الأصول، و إلّا فالأمارات مطلقا على مبنى القائلين باحتياجها إلى الجعل الشرعيّ يكون جعلها بلحاظ العمل، و إلّا لزم اللَّغوية.

و بالجملة: ليس في أخبار الاستصحاب عين و لا أثر للبناء العمليّ و لا لأخذ الشكّ موضوعا، و عليك بأخباره مع رفض ما عندك من المسموعات التي صارت كالمسلّمات بل الفطريّات للناظر فيها، فصارت حجابا غليظا عن الحقيقة.

و ممّا يؤيّد ما ذكرنا الروايات الواردة في باب جواز الشهادة بالاستصحاب كروايات معاوية بن وهب [1] فراجع. هذا حال الاستصحاب.

____________

[1] الكافي 7: 387- 2 و 4، التهذيب 6: 262- 263- 101 و 103، الوسائل 18: 245- 246- 1- 3 باب 17 من أبواب الشهادات.

معاوية: هو معاوية بن وهب البجلي أبو الحسن، من أصحاب الإمام الباقر و الصادق (عليهما السلام)، ثقة حسن الطريقة، له كتب منها فضائل الحج. انظر رجال النجاشي: 412، فهرست الطوسي: 166، تنقيح المقال 3: 226.

119

في حال قاعدة الفراغ و التجاوز

و أمّا قاعدة الفراغ و التجاوز: فالكبرى الكلّية المجعولة فيها بعد إرجاع بعض الأخبار (1) إلى بعض: هو وجوب الإمضاء و المضيّ العمليّ و عدم الاعتناء بالشكّ و البناء على الإتيان، و الأخبار التي مضمونها أنّ الشكّ ليس بشي‏ء و إن كانت توهم أنّها بصدد إسقاط الشكّ و لازمه إعطاء الكاشفية، لكنه إشعار ضعيف لا ينبغي الاعتداد به، بل الظاهر منها و لو بقرينة الأخبار الأخر التي مضمونها المضيّ عملا هو عدم الاعتناء بالشكّ عملا و البناء على الإتيان، كما يكشف عن ذلك رواية حمّاد بن عثمان [1] (قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): أشكّ و أنا ساجد، فلا أدري ركعت أم لا، فقال:

قد ركعت) (2).

و بالجملة: العناية في الجعل في القاعدة هي عدم الاعتناء عملا و المضيّ العمليّ و البناء على الإتيان، و لا نعني بالأصل إلّا ذلك.

____________

[1] هو حماد بن عثمان بن زياد الناب الرواس، من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، ثقة جليل القدر عظيم المنزلة، توفي سنة 190 ه. انظر معجم رجال الحديث 6: 212، تنقيح المقال 1: 365.

____________

(1) راجع الوسائل 4: 936- 937 باب 13 من أبواب الركوع، جميع أحاديث الباب، 971- 972- 4 و 5 باب 15 من أبواب السجود، 5: 336- 338- 1 و 3 و 9 باب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، 342- 443- 1- 3 باب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) التهذيب 2: 151- 52 باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة، الوسائل 4: 936- 2 باب 13 من أبواب الركوع.

120

في وجه تقدّم القاعدة على الاستصحاب‏

فإن قلت: إن كانت قاعدة التجاوز أصلا و الاستصحاب أمارة، فلا معنى لتقدّمها عليه، فهل يمكن تقدّم الأصل على الأمارة؟

قلت: ما لا يجوز هو تقدّم الأصل عليها في حدّ ذاته و بنحو الحكومة أو الورود، و أمّا تقدّمه عليها لأجل أمر خارجي- كلزوم اللّغويّة لو لا التقدّم- فلا مانع منه.

و إن شئت قلت: إنّ أخبار القاعدة مخصّصة لأخبار الاستصحاب لأخصيتها.

هذا بناء على مسلكنا.

و أمّا بناء على المسلك المعروف- من كون الاستصحاب أصلا و أخذ الشكّ في موضوعه- فتقدّم القاعدة عليه يكون بالحكومة، فإنّ مفاد أخبار القاعدة هو نفي الشكّ مثل قوله: (فشككت فليس بشي‏ء) (1)، و قوله: (فشكّك ليس بشي‏ء، إنّما الشكّ إذا كنت في شي‏ء لم تجزه) (2)، و الفرض أنّ الشكّ موضوع الاستصحاب، فتقدّم القاعدة عليه كتقدّم قوله: (لا شكّ لكثير الشكّ) (3) على‏

____________

(1) التهذيب 2: 352- 47 باب 16 من أحكام السهو، الوسائل 5: 336- 1 باب 23 باب من شك في شي‏ء من أفعال الصلاة.

(2) التهذيب 1: 101- 111 باب 4 في صفة الوضوء، مستطرفات السرائر: 473 كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، الوسائل 1: 330- 331- 2 باب 42 من أبواب الوضوء.

(3) الظاهر أنها قاعدة متصيدة، حيث لم نعثر على هذا النصّ، راجع الوسائل 5: 329- 330 باب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

121

أدلّة الشكوك، و هذا واضح جدّاً.

في الإيراد على القوم‏

و لا أدري أنّه مع كون لسان أدلّة القاعدة من أوضح موارد الحكومة بالنسبة إلى الاستصحاب بناء على مسلكهم، فما وجه تزلزل المحقّقين في وجه تقدّمها عليه، حتّى احتمل بعضهم- بل التزم- أماريّتها (1) لأجل ما في بعض أدلّة الوضوء [من قوله‏]: (هو حين يتوضّأ أذكر) (2)؟ مع أنّه كناية عن إتيان العمل و التعبّد بوجود المشكوك فيه، و أخبار القاعدة كلها عارية عن الدلالة على الأماريّة، كما يظهر بالرجوع إليها.

و عن الشيخ الجليل الأنصاري- (قدّس سرّه)- أنه يخفى حكومته على الاستصحاب‏ (3)، و بيّن وجه الحكومة توضيحا لكلام الشيخ بعض المحقّقين من المعاصرين في تقريراته‏ (4) بما لا ينبغي التعرّض له، فراجع.

و أوضح شي‏ء وجدوه للهرب عن الإشكال هو لزوم اللّغويّة لو لا تقدّمها عليه‏ (5).

____________

(1) فوائد الأصول 4: 618.

(2) التهذيب 1: 101- 104 باب 4 صفة الوضوء، الوسائل 1: 331- 332- 7 باب 42 من أبواب الوضوء.

(3) فرائد الأصول: 408 سطر 23- 25.

(4) فوائد الأصول 4: 619.

(5) درر الفوائد 2: 240 سطر 6- 9، فوائد الأصول 4: 619.

122

و قد عرفت: أنّه على مبناهم من كون الاستصحاب أصلا و الشكّ مأخوذ فيه يكون تقدّمها عليه من أوضح مصاديق الحكومة.

إذا أحطت خبرا بما تلونا عليك فاعلم: أنّه قد ذكرنا سابقا أنّ القطع المأخوذ في الموضوع تارة يؤخذ على نحو الصفتيّة، و تارة على نحو الطريقيّة التامّة، و تارة على نحو الطريقيّة المشتركة، و على التقادير قد يكون تمام الموضوع، و قد يكون بعضه.

فإن أخذ على نحو الصفتيّة أو الكاشفيّة التامة فلا معنى لقيام الطرق العقلائيّة مقامه.

و إن أخذ على نحو الطريقيّة المشتركة فالقطع و غيره متساوي النسبة إليه، و يكون المأخوذ هو الكاشف المطلق، فكلّ من القطع و سائر الأمارات مصداق للموضوع بلا فرق بينهما، فلا يكون ترتيب الآثار على الأمارة من باب قيامها مقامه، بل من باب وجود المصداق الحقيقيّ و الموضوع الواقعيّ بلا حديث حكومة أو ورود.

هذا حال الأمارات العقلائيّة التي لا تصرّف للشارع فيها.

في قيام الاستصحاب مقام القطع‏

و أمّا الاستصحاب بناء على ما حقّقنا من كونه أمارة جعليّة شرعيّة فقيامه مقام القطع الصفتيّ مشكل بل ممنوع، لأن مفاد أدلّة حجّية الاستصحاب أجنبيّة عن ذلك، فإنّ مفادها جعل الوسطيّة في الإثبات و إعطاء صفة الإحراز.

123

و بالجملة: المجعول هو القطع الطريقيّ تعبّدا و إطالة عمر اليقين الطريقيّ، و أين هذا من تنزيله منزلة القطع الصفتي؟! بل يمكن دعوى استحالة قيامه مقام القطع الصفتيّ و الطريقيّ، للزوم الجمع بين اللحاظين المتنافيين، فإنّ لحاظ الصفتيّة- كما عرفت- هو لحاظه مقطوع النّظر عن الكشف، و هذا ينافي لحاظ الكاشفيّة تلك.

و أمّا القطع الطريقيّ بقسميه- أي بنحو كمال الطريقيّة و الطريقيّة المشتركة- فإن كان بنحو تمام الموضوع فقيامه مقامه بنفس الأدلّة ممّا لا إشكال فيه، إذا كان للمقطوع أثر آخر يكون التعبّد بلحاظه. فإنّ مفادها إعطاء صفة اليقين و إطالة عمره، كما أنّ الأمر كذلك ظاهرا في المأخوذ بنحو الجزئية، فإنّ نفس الأدلّة التي يكون مفادها إطالة عمر اليقين تكفي لإثبات الجزءين من غير احتياج إلى التماس دليل آخر، فإنّ معنى إطالة عمر اليقين الطريقيّ هو الكشف عن الواقع و إحرازه، فالواقع يصير محرزا بنفس الجعل.

و إن أبيت عن ذلك فيمكن أن يقال: إنّ المجعول بالذات هو إطالة عمر اليقين الطريقيّ، و لازمه العرفي إحراز الواقع، لكن في إطلاق القيام مقامه في ذلك تسامح واضح.

هذا حال الاستصحاب [1].

____________

[1] بناء على الأماريّة، و أمّا بناء على أنّه أصل كما هو الأقوى، فقيامه مقام القطع الطريقيّ مطلقا غير بعيد، لأنّ الظاهر من الكبرى المجعولة فيه: امّا التعبّد ببقاء اليقين الطريقيّ من حيث الأثر، و أمّا التعبّد بلزوم ترتيب أثره في زمان الشكّ.

124

في عدم قيام القاعدة مقام القطع‏

و أمّا قاعدة الفراغ: فقيامها مقام القطع الموضوعي بأقسامه ممّا لا وجه له، فإنّ مفاد أدلّتها- كما عرفت- ليس إلّا المضيّ عملا و ترتيب آثار الإتيان تعبّدا، و هذا أجنبيّ عن القيام مقامه.

نعم فيما إذا كان القطع طريقا محضا لمّا كان المقصود حصول الواقع، و يكون الواقع بواسطة القاعدة محرزا تعبّدا، يفيد القاعدة فائدة القيام، لا أنّها تقوم مقامه.

فإن قلت: إنّ للقطع جهات: الأولى: كونه صفة قائمة بالنفس، و الثانية: كونه طريقا كاشفا عن الواقع، و الثالثة: جهة البناء و الجري العمليّ‏

____________

فعلى الأول: يكون دليله حاكما على الدليل الّذي أخذ فيه القطع الطريقيّ موضوعا، لا بالوجه الّذي أفاده بعض أعاظم العصر (1)، بل لكونه كسائر الحكومات المقرّرة في محلّه.

فقوله: «إذا قطعت بكذا فكذا» محكوم لقوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ) (2) إن كان المراد منه ابن علي وجود اليقين.

و على الثاني: يكون الأثر مترتّبا بنتيجة الحكومة فيكون كالقيام مقامه، فإنّ لزوم ترتيب الآثار نتيجة التحكيم، فيقوم الاستصحاب مقامه على الأوّل بالحكومة، و على الثاني بنتيجتها.

و أمّا القطع الصفتيّ فالظاهر قصور الأدلّة عن قيام الاستصحاب مقامه، لأنّها متعرّضة للقطع الطريقيّ و ظاهرة فيه بلا إطلاق لأدلّته، لا لامتناعه، بل لقصورها. [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) فوائد الأصول 3: 24- 25.

(2) التهذيب 2: 186- 41 باب أحكام السهو في الصلاة، الوسائل 5: 321- 3 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة

125

على وفق العلم، حيث إنّ العلم بوجود الأسد- مثلا- في الطريق يقتضي الفرار عنه. ثمّ إنّ المجعول في باب الأصول المحرزة هو الجهة الثالثة، فهي قائمة مقام القطع الطريقيّ بالجهة الثالثة.

قلت: نعم هذا حاصل ما أفاد بعض مشايخ العصر- على ما في تقريرات بحثه‏ (1)- لكنّه ممّا لا أساس له، فإنّ قيام شي‏ء مقام شي‏ء بواسطة الجعل إنّما هو بنحو من التنزيل، و لا بدّ فيه من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه و من كون الجعل بعناية التنزيل، و إلّا فمجرّد كون لسان الجعل هو البناء على الإتيان أو المضيّ و عدم الاعتناء بالشكّ عملا- كما هو مفاد أدلّة القاعدة- لا يقتضي قيامها مقام القطع.

و بالجملة: كما أنّ في الأمارة المجعولة لا بدّ من إعطاء صفة اليقين و إطالة عمره تعبّدا، و هذا لا يمكن إلّا بعد لحاظ الطرفين و لحاظ الآثار المترتّبة على اليقين شرعا أو عقلا، كذلك في الأصل المحرز لا بدّ من إعطاء أثر اليقين بما أنه أثر اليقين حتّى يقوم مقامه، و إعطاء أثره بما أنّه أثره لا يمكن إلّا بعد لحاظ الطرفين و كون الجعل بعناية إعطاء الأثر، مع أنّه في أدلّة الفراغ و التجاوز لا عين و لا أثر يفيد هذا المعنى، بل لسان أدلّتها هو المضيّ و عدم الاعتناء بالشكّ عملا، بلا نظر إلى اليقين و آثاره، و لا شائبة تنزيل فيها أصلا. و ما في رواية حمّاد بن عثمان من قوله (عليه السلام): (قد ركعت) (2) و إن يدلّ على البناء العمليّ على الإتيان،

____________

(1) فوائد الأصول 3: 16- 17.

(2) التهذيب 2: 151- 52 باب تفصيل ما تقدم ذكره في الصلاة، الوسائل 4: 936- 2 باب 13 من أبواب الركوع.

126

لكن لا يفيد ما يدّعي كما لا يخفى.

و بالجملة: إن كانت دعوى قيام القاعدة مقام القطع هي مجرّد كونها محرزة للواقع تعبّدا، كما أنّ القطع محرز عقلا، فلا مضايقة فيها، و إن كانت هي القيام بمعناه المصطلح، كقيام الأمارات مقام القطع، ففيها منع منشؤه عدم استفادتها من الأدلّة، فراجع.

و ممّا ذكرنا من أوّل المبحث إلى هاهنا يعرف وجوه النّظر في كلام هؤلاء الأعلام، خصوصا ما في تقريرات بعض مشايخ العصر (1)- (رحمه اللّه)- فإنّ فيها مواقع للنظر تركناها مخافة التطويل.

في بيان عدم التضاد بين الأحكام الخمسة

قوله: الأمر الرابع‏

(2)

...

(1) لا بدّ لتوضيح الحال من تقديم أمور حتّى يرتفع الخلط و الاشتباه عن كثير من المقامات:

الأوّل: أنّه قد عرّف الضدّان بأنّهما الأمران الوجوديّان غير المتضايفين، المتعاقبان على موضوع واحد، لا يتصوّر اجتماعهما فيه، بينهما غاية الخلاف‏ (3)، فما لا وجود له لا ضدّيّة بينه و بين غيره، كما لا ضدّيّة بين أشياء

____________

(1) فوائد الأصول 3: 16- 17.

(2) الكفاية 2: 25.

(3) الأسفار 2: 112- 113.

127

لا وجود لها. فالأعدام و الاعتباريّات التي ليس لها وجود إلّا في وعاء الاعتبار لا ضديّة بينها، كما أنّه لا ضدّية بين أشياء لا حلول لها في موضوع، و لا قيام لها به قيام حلول و عروض.

الثاني: أنّ الإنشائيّات مطلقا من الأمور الاعتباريّة التي لا تحقّق لها إلّا في وعاء الاعتبار، و لا وجود أصيل حقيقيّ لها، فقولهم: إنّ الإنشاء قول قصد به ثبوت المعنى في نفس الأمر (1) يراد به أنّ نفس الإنشاء يكون منشأ لانتزاع المنشأ و ثبوته في وعاء الاعتبار، بحيث تكون الألفاظ التي بها يقع الإنشاء- كالأمر و النهي و غيرهما- مصاديق ذاتيّة للّفظ، و عرضيّة للمعنى المنشأ، لا أنّها علل للمعاني المنشأة، فإنّ العليّة و المعلوليّة الحقيقيّتين لا تعقل بينها، ضرورة أنّ منشئيّة الإنشاء للمنشإ إنّما هي بالجعل و المواضعة، و لا تعقل العلّيّة و المعلوليّة بين الأمور الاختراعيّة الوضعيّة، فليس للمعنى المنشأ وجود أصيل، و إنّما هو أمر اعتباريّ من نفس الإنشاء.

فهيئة الأمر وضعت لتستعمل في البعث و التحريك الاعتباريّين، لا بمعنى استعمالها في شي‏ء يكون ثابتا في وعائه، بل بمعنى استعمالها استعمالا إيجاديّا تحقّقيا، لا كتحقّق المعلول بالعلة، حتّى يكون المعلول موجودا أصيلا، بل كتحقّق الأمر الاعتباري بمنشإ اعتباره.

فتحصّل من ذلك: أنّ الإنشائيّات مطلقا- و فيها الأحكام الخمسة التكليفيّة- لا وجود حقيقيّ لها، بل هي أمور اعتباريّة وعاء تحقّقها عالم الاعتبار.

____________

(1) الكفاية 1: 98، الفوائد: 285 سطر 9.

128

الثالث: أنّه للمعاني المنشأة بالألفاظ إضافات كلّها من الأمور الاعتباريّة التي لا وعاء لها إلّا في ظرف الاعتبار. مثلًا: للوجوب إضافة إلى الآمر إضافة صدوريّة، و إضافة إلى المأمور إضافة انبعاثية، و إضافة إلى الأمر إضافة منشئيّة و إضافة إلى المتعلَّق إضافة تعلّقيّة أوّلية، و إضافة إلى الموضوع إضافة تعلّقية ثانويّة تبعيّة، و كلّ هذه الإضافات تعتبر من نفس الإنشاء الخاصّ المتخصّص بالخصوصيّات، و لا وجود لشي‏ء منها في الخارج.

و من ذلك يعلم أنّ نحو تعلّق الوجوب و غيره بالمتعلَّق و الموضوع ليس نحو تعلّق الأعراض بالموضوعات، و لا قيام للمعاني المنشأة بالموضوعات و المتعلقات قيام حلول و عروض، بل قيامها كنفسها من الاعتباريّات التي لا تحقّق لها في الخارج.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم: أنّ المعروف المرسل على ألْسنة الأصحاب إرسال المسلَّمات: أنّ الأحكام الخمسة بأسرها متضادّة (1) يمتنع اجتماعها في موضوع واحد، و الظاهر المصرّح به في كلام كثير من المحقّقين‏ (2) أنّ المراد بالأحكام هي الأحكام البعثيّة و الزجريّة و غيرهما المنشأة بالألفاظ الإنشائيّة و غيرها من أداة الإنشاء، كما يظهر من تتبّع أقوالهم فيما نحن فيه و أبواب اجتماع الأمر و النهي و الترتّب و الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة و غيرها.

و هذا ممّا لا أساس له، لعدم صدق تعريف الضدّ عليها، فإنّ الضدّين هما

____________

(1)- القوانين 1: 142 سطر 14، فوائد الأصول 1: 396.

(2)- نهاية الدراية 1: 259 و 266- 267.

129

الأمران الوجوديّان، و هذه الأحكام ليست من الأُمور الوجوديّة، بل من الاعتباريّات كما عرفت.

و أيضا نحو تعلُّق هذه الأحكام بالموضوع و المتعلّق و الآمر و المأمور ليس حلوليّاً عروضيّاً نحوَ قيام الأعراض بالموضوعات، بل قيامها بها قياماً اعتباريّاً لا تحقّق له أصلًا، فلا يمتنع اجتماعها في محلّ واحد، فلهذا يجوز اجتماع الأمر و النهي في الواحد الشخصي بجهة واحدة من شخصين أو من شخص واحد مع الغفلة، و لو كان بينها تضادّ لكان هذا ممتنعاً بالضرورة، كما أنّ البياض و السواد لا يجتمعان و لو كان موجدهما شخصين.

و بعبارة أُخرى: إذا كانت الضدّيّة بين نفس الأحكام لوجب أن يمتنع اجتماعها مطلقاً بلا دخالة للجاعل و الموجد فيه؛ لعدم دخالة الجاعل في حقيقة مجعولاته و أحكامها المترتّبة عليها، و الضدّيّة من الأحكام المتأخّرة عن المجعولات المتأخّرة عن الجعل المتأخّر عن الجاعل، فكيف يمكن دخالته فيها؟! نعم يمتنع اجتماع الحكمين أو الأحكام في موضوع واحد شخصيّ بجهة واحدة من شخص واحد، لا من أجل تقابل التضادّ بينها، بل من أجل أمرين آخرين:

أحدهما: أنّ مبادئها من المصالح و المفاسد و الحبّ و البغض و ترجيح الوجود و العدم و الإرادة و الكراهة ممّا يمتنع اجتماعها فيه.

و ثانيهما: أنّ الأمر إنّما يكون لغرض انبعاث المأمور نحو إيجاد المأمور

130

به، و النهي لغرض امتناعه عنه و تركه إيّاه، و لمّا كان الجمع بينهما ممتنعاً يكون الجمع بين الأمر و النهي من آمر واحد مع العلم لغواً باطلًا، كما أنّ الأمر بشي‏ء محال ممتنع، فملاك الامتناع فيما نحن بصدده هو ملاك امتناع الأمر بالمحال من آمر عالم عاقل، لا أنّ الملاك هو لزوم اجتماع الضدّين؛ حتّى تكون الأوامر و النواهي ممّا يمتنع اجتماعها بنفسها كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا في الضدّية يعرف حال المِثليّة بين الأحكام، و أنّ اجتماع الأمرين في موضوع واحد ممّا لا يمتنع.

نعم قد يمتنع الاجتماع لأجل اللَّغويّة، فإنّ الآمر إذا عرف من حال المأمور أنه يمتثل أمره بمجرّد صدوره لا معنى لأمره ثانياً، و يكون أمره الثاني لغواً لا يصدر من عاقل ملتفت.

نعم اجتماع الإرادتين أو الكراهتين في موضوع واحد ممتنع، لكن قد تكون الإرادة الواحدة المتعلقة بموضوع مبدأً الصدور أوامر متعدّدة إذا عرف من حال المأمور عدم انبعاثه بالأمر الأوّل بل يحتاج إلى التكرار و التأكيد، و مثل الأوامر و النواهي الشرعيّة المتعلّقة بالموضوعات المهمّة لأجل إفادة أهميتها، و هذا ممّا لا إشكال فيه.

في بيان حال أخذ القطع و الظن في موضوع مثله أو ضده‏

إذا عرفت ما فصّلنا لك فلا بد من صَرف عِنان الكلام إلى حال أخْذ القطع أو الظنّ بحكم في موضوع مثله أو ضدّه على اصطلاحهم، و قد فرغنا عن امتناع‏

131

أخذ القطع بحكم في موضوع نفس ذلك الحكم [1]، و قلنا: إنه لا يمكن حتّى بنتيجة التقييد (1).

و منه يعرف حال الظنّ لاشتراكهما في الملاك، فلا نطيل بإعادته.

و أمّا أخذهما في موضوع مثله أو ضدّه فما يمكن أن يكون وجه الامتناع أمور [2]:

الأوّل: اجتماع الضدّين أو المثلين، فقد عرفت حاله، و أنّه ممّا لا أساس لذلك.

الثاني: لزوم اجتماع المصلحة و المفسدة في موضوع وحدانيّ شخصيّ.

و فيه: أنّه لا مانع من كون موضوع ذا مصلحة بعنوانه الذاتي، و كونه بعنوان المقطوعيّة أو المظنونية ذا مفسدة أو مصلحة أخرى، كما أنّه يمكن أن تكون عطيّة زيد راجحة ذات مصلحة لك بذاتها، لكنها مع علم عدوّك بها مرجوحة ذات مفسدة.

____________

[1] لكن فصلنا أخيراً بين الّذي [هو] تمام الموضوع، فيجوز، و [الّذي هو] بعضه فلا، و كذا الظن.

[منه (قدّس سرّه)‏]

[2] و التحقيق: التفصيل بين المأخوذ تمام الموضوع فلا يأتي من المحذورات فيه أبداً؛ لأنه مع تعدّد العنوانين- اللذين هما مَركب الحكم- تدفع المحذورات طرّاً، حتى لزوم اللَّغويّة و الأمر بالمحال:

أمّا اللَّغويّة: فلأنّ الطرق إلى إثبات الحكم أو موضوعه كثيرة، فجعل الحرمة على الخمر و الترخيص على معلوم الخمريّة لا يوجب اللغوية بعد إمكان العمل به لأجل قيام طرق أُخر، و كذا الحال في معلوم الحرمة.

و أمّا لزوم الأمر بالمحال: فلأنّ أمر الآمر و نهيه لا يتعلقان إلّا بالممكن، و عروض الامتناع في مرتبة الامتثال- كباب التزاحم- لا يوجب الأمر بالمحال، كما حقق في محلِّه. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) انظر صفحة رقم: 96.

132

و بالجملة: كثيراً ما يكون اختلاف العناوين موجباً لاختلاف المصالح و المفاسد.

الثالث: لزوم اجتماع الإرادة و الكراهة في موضوع واحد.

و فيه: أنّه مع اختلاف العناوين و اختلاف المصالح و المفاسد لا مانع من تعلّق الإرادة و الكراهة.

و بعبارة أخرى: ما يمتنع تعلّقها به هو الموضوع الواحد الّذي له صورة وحدانيّة في النّفس، و أمّا مع اختلاف العناوين فتكون صورها مختلفة فيها، و تعلّق الإرادة بواحد منها و الكراهة بالأُخرى ممّا لا مانع منه.

و بالجملة: الخمر و معلوم الخمريّة و مظنون الخمريّة لها صور مختلفة و شخصيّات متكثّرة في النّفس، و يجوز تعلّق الإرادة و الكراهة بها، و ليست الصور الذهنيّة مثل الموضوعات الخارجيّة؛ حيث إنّ ذات الموضوع الخارجي محفوظة مع اختلاف العناوين، بخلاف الصور الذهنيّة، فإنّ الموضوع مع كلّ عنوان له صورة على حدة.

الرابع: لزوم اللَّغويّة في بعض الموارد.

الخامس: لزوم الأمر بالمُحال في بعض الموارد.

و العمدة في الباب هي هذان الوجهان، فكلّما لزم- من تعلّق حكم بموضوع و تعلّق حكم آخر بمعلوم الحكم أو مظنونه- أحدُ هذين الوجهين أو كلاهما، فيمتنع، و معلوم أنّ الموارد مختلفة في هذا الوادي، فربّما يلزم في موردٍ اللَّغويّةُ دون مورد آخر، و كذا الوجه الخامس.

133

مثلًا: لو تعلّق حكم بموضوع، فتعلّق حكم مماثل به بعنوان المقطوعية قد يكون لغواً، و هو ما إذا أحرز إتيان المأمور بمجرّد القطع و الإحراز، و قد يكون لازماً، و هو كلّ مورد أُحرز عدم الإتيان إلّا بعد تعلّق أمر آخر بالمُحرَز المقطوع، و قد يكون راجحاً إذا احتمل انبعاثه بالأمر الثاني، بل لا يبعد أن يكون في هذه الصورة أيضا لازماً. هذا في الأحكام الجزئيّة و الشخصيّة.

و أمّا الأحكام الكليّة فتعلّقها مطلقاً لا يكون لغواً، لعدم تحقّق إحراز الإتيان.

و أمّا الحكم المضاد- على اصطلاحهم- فالظاهر أنّه في مورد القطع غير ممكن، فلا يمكن أن يكون الخمر حراماً و مقطوع الخمرية أو الحرمة واجباً، لا لأجل اجتماع الضدّين، بل لأجل لزومِ طلب المُحال- فإنّ امتثال التكليفين مُحال- و لزوم لَغويّة جعل الحرمة للموضوع كما لا يخفى.

و لو فرضنا كون الخمر حراماً و مقطوع الخمريّة أو الحرمة مرخصاً فيه، يكون أيضا ممتنعاً للزوم اللَّغويّة، فإنّ جعل الحرمة للخمر إنّما هو لغرض صيرورة المأمور بعد علمه بالحكم و الموضوع ممتنعاً تاركاً، فجعلُ الترخيص في هذا المورد نقضٌ للغرض، أو جعل الحرمة للخمر يصير لغواً باطلًا.

و كذا لو تعلّق الوجوب بموضوع لا يمكن تعلّق الحرمة به بعنوان مقطوع الحكم أو الموضوع؛ للزوم الأمر بالمُحال أو اللَّغويّة، و لا يمكن تعلّق الترخيص به للزوم اللَّغوية.

إلّا أن يقال: إنّ إمكان الإتيان بالمأمور به أو ترك المنهيّ عنه بإحرازهما

134

بسائر الطرق غير العلم يدفع اللغويّة و المحاليّة. نعم هذا لازم بناءً على أخذ العلم بالجهة الجامعة بينه و بين الطرق موضوعاً، لا الجهة الجامعة المتخصّصة بالعلم.

هذا حال العلم.

و أمّا الظنّ- سواء كان حجّة أم لا- فالظاهر عدم المانع من تعلّق حكم مماثل أو مضادّ بعنوانه:

أمّا الظنّ غير المعتبر فواضح؛ لعدم لزوم اللغويّة أو الأمر بالمُحال:

أمّا عدم لزوم اللغويّة، فلأنّ جعل الحكم لموضوع له موارد للعمل لا يكون لغواً، و لو جعل حكم آخر لمورد لا يكون منجّزاً للتكليف، فالظنّ غير المعتبر لمّا لم يكن منجّزاً للتكليف لا مانع في جعل حكم مضادّ له، و لا يلزم منه لَغويّة جعل الحكم لنفس الموضوع، فإنّ له موارد للعمل.

و منه يعلم عدم لزوم طلب المحال؛ لأنّ الظنّ غير المعتبر لم ينجّز التكليف المتعلّق بالموضوع، فلم يبق إلّا التكليف المتعلّق بالمظنون.

و كذا لا مانع من تعلُّق الحكم المماثل؛ لعدم لزوم المحذورين أصلا.

و أمّا الظنّ المعتبر: فإن كان دليل اعتباره مختصّا بكشف هذا الموضوع أو الحكم الّذي تعلّق به، فلا يمكن جعل حكم مضادّ له؛ للزوم اللغويّة في دليل الإحراز أو لزوم الأمر بالمحال.

و إن كان دليل الاعتبار مطلقا شاملا له و لغيره يكون جعل الحكم المضادّ بمنزلة المخصّص لدليل الاعتبار، و يصير حكمه حكم الظنّ غير المعتبر، و أمّا في جعل الحكم المماثل فحال الظنّ المعتبر حال القطع.

135

في نقل كلام بعض المشايخ و الإشارة إلى وجوه الخلط فيه‏

تنبيه: و ممّا ذكرنا يعرف حال ما ذكره الأصحاب من الخلط و الاشتباه، خصوصا ما فصله بعض مشايخ العصر (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بحثه- فإنّه بعد بيان الأقسام المتصوّرة و بيان إمكان أخذ الظنّ موضوعا لحكم آخر مطلقا إلّا فيما أخذ تمام الموضوع على وجه الطريقيّة، كما تقدم في العلم و تقدّم ما فيه، و حال ما نحن فيه حال العلم إشكالا و جوابا فراجع‏ (1).

قال- (قدّس سرّه)- ما ملخّصه: و أمّا أخذه موضوعا لمضادّ حكم متعلقه فلا يمكن مطلقا، من غير فرق بين الظنّ المعتبر و غيره؛ للزوم اجتماع الضدّين و لو في بعض الموارد، و لا يندرج في مسألة اجتماع الأمر و النهي، بل يلزم منه الاجتماع في محلّ واحد.

و أمّا أخذه موضوعا لحكم المماثل، فإن لم يكن الظنّ حجّة فلا مانع منه، فإنّ في صورة المصادفة يتأكد الحكمان، فإنّ اجتماع المثلين إنّما يلزم لو تعلّق الحكمان بموضوع واحد و عنوان واحد، و أمّا مع تعلّقهما بالعنوانين فلا يلزم إلّا التأكّد.

و أمّا الظنّ الحجّة فلا يمكن أخذه موضوعا للمماثل، فإنّ الواقع في طريق إحراز الشي‏ء لا يكون من طوارئه؛ بحيث يكون من العناوين الثانويّة الموجبة لحدوث ملاك غير ما هو عليه من الملاك؛ لأنّ الحكم الثاني لا يصلح لأن يكون‏

____________

(1) انظر صفحة رقم: 94 و ما بعدها.

136

محرّكا و باعثا لإرادة العبد، فإنّ الانبعاث إنّما يتحقّق بنفس إحراز الحكم الواقعيّ المجعول على الخمر، فلا معنى لجعل حكم آخر على ذلك المحرز، كما لا يعقل ذلك في العلم أيضا.

و زاد- (قدّس سرّه)- في فذلكته: أنّ الظنّ الغير المعتبر لا يصحّ أخذه موضوعا على وجه الطريقيّة لا للماثل و لا للمخالف، فإنّ أخذه على وجه الطريقيّة هو معنى اعتباره؛ إذ لا معنى له إلّا لحاظه طريقا.

و أمّا أخذه موضوعا لنفس متعلقه إذا كان حكما فلا مانع منه بنتيجة التقييد مطلقا، بل في الظنّ المعتبر لا يمكن و لو بنتيجة التقييد [1] فإنّ أخذ الظنّ حجّة محرزا لمتعلقه معناه أنه لا دخل له في المتعلّق؛ إذا لو كان له دخل لما أخذ طريقا، فأخذه محرزا مع أخذه موضوعا يوجب التهافت و لو بنتيجة التقييد، و ذلك واضح‏ (1) انتهى.

و فيه مواقع للنظر نذكر بعضها إجمالا، فنقول:

أمّا قضيّة اجتماع الضدّين فقد عرفت حالها، و أنّها ممّا لا أساس لها أصلا.

و أمّا تفرقته بين الظنّ المعتبر و غير المعتبر في الحكم المماثل ففيها:

أوّلا: أنّ اختلاف العنوانين إن كان رافعا لاجتماع المثلين فهو رافع لاجتماع الضدّين أيضا، فإنّ محطّ الأمر و النهي إذا كان عنوانين مختلفين و لو

____________

[1] وردت العبارة في المصدر هكذا: (فإن كان ذلك بنتيجة التقييد فلا محذور فيه ...، و إن كان بالتقييد اللحاظي فهو مما لا يمكن، من غير فرق بين الظن المعتبر و غير المعتبر، بل في الظن المعتبر لا يمكن و لو بنتيجة التقييد.). فوائد الأصول 3: 35.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 32 و ما بعدها.

137

اتّفق اجتماعهما في موضوع واحد، فهو كما يرفع اجتماع المثلين يرفع اجتماع الضدّين.

و أمّا إذا كان أحد العنوانين محفوظا مع الآخر- كما فيما نحن فيه، فإنّ الخمر محفوظة بعنوانها مع مظنون الخمريّة- فكما لا يرفع معه التضادّ لا يرفع معه اجتماع المثلين.

و ثانيا: أنّ ما ذكره من ميزان اجتماع المثلين و ميزان التأكّد مما لا أساس له أصلا، فإنّ التأكّد إنّما هو مورده فيما إذا كان العنوان واحدا و تعلّق الأوامر المتعدّدة به تأكيدا، و حديث اجتماع المثلين كالضدين ممّا لا أصل له كما عرفت، فإنّ الإرادة المتعلّقة بموضوع مهتم به كما قد تصير مبدأ للتأكيد بأداته، كذلك قد تصير مبدأ لتكرار الأمر و النهي تأكيدا، كالأوامر و النواهي الكثيرة المتعلّقة بعنوان الصلاة و الزكاة و الحجّ و عنوان الخمر و الميسر و الرّبا في الشريعة المقدّسة، فهل هذه من قبيل اجتماع المثلين؟! نعم تعلّق الإرادتين بعنوان واحد ممّا لا يمكن؛ لأنّ تشخّص الإرادة بالمراد. هذا حال العنوان الواحد.

و أمّا مع اختلاف العنوانين فلا يكون من التأكيد أصلا و إن اتّفق اجتماعهما في موضوع واحد، فإنّ لكلّ واحد من العنوانين حكمه، و يكون الموضوع مجمعا لعنوانين و لحكمين، و يكون لهما إطاعتان و عصيانان، و لا بأس به.

و ما اشتهر بينهم: أنّ قوله: «أكرم العالم» و «أكرم الهاشمي» يفيد التأكيد

138

إذا اجتمعا في مصداق واحد (1) ممّا لا أصل له.

و ثالثاً: أنّ ما أفاد: من أنّ الظنّ المعتبر لا يمكن أخذه موضوعاً لحكم المماثل، معلّلًا تارةً بأنّ المحرز للشي‏ء ليس من العناوين الثانويّة الموجبة لحدوث الملاك، و تارةً بأنّ الحكم الثاني لا يصلح للانبعاث، و إن خلط الفاضل المقرّر- دام علاه- في تحريره.

فيرد على الأوّل: أنّ عدم كون الظنّ المحرز من العناوين الثانويّة التي توجب الملاك هل هو من جهة كون الظنّ مختلفا مع الواقع المظنون في الرتبة، فيلزم أن يكون الظنّ الغير المعتبر- أيضا- كذلك، أو من جهة الاعتبار الشرعيّ، ففيه: أنّه أيّ دليل قام على أنّ الاعتبار الشرعيّ ممّا ينافي الملاكات الواقعيّة و يرفعها؟! و بالجملة: لا فرق بين الظنّ المعتبر و غير المعتبر إلّا في الجعل الشرعيّ، و هو ممّا لا يضادّ الملاكات النّفس الأمريّة.

مع أنّ الظنّ و القطع كسائر العناوين يمكن أن يكونا موجبين لملاك آخر.

و يرد على الثاني: أنه يمكن أن لا ينبعث العبد بأمر واحد و ينبعث بأمرين أو أوامر، و إمكان الانبعاث يكفي في الأمر، و لو لا ذلك لصارت التأكيدات كلّها لغوا باطلا، مع أنّ المظنون بما أنّه مظنون يمكن أن يكون له ملاك مستقلّ في مقابل الواقع، كما هو المفروض فيما نحن فيه، فيتعلّق به أمر مستقلّ.

و أمّا ما أفاد في فذلكته: من أنّ أخذ الظنّ على وجه الطريقيّة هو معنى‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 36.

139

اعتباره، ففيه: أنّه ممنوع، فإنّ الظنّ لمّا كان له طريقيّة ناقصة و كاشفيّة ضعيفة ذاتا، يمكن أن يؤخذ على هذا الوجه موضوعا، في مقابل الصفتيّة التي معناها أن يؤخذ مقطوع النّظر عن كاشفيته.

و أمّا معنى اعتباره فهو أن يجعله الشارع طريقا و كاشفا بالجعل التشريعيّ، فمجرّد لحاظ الشارع طريقيّته لا يلازم اعتباره شرعا، فضلا عن أن يكون معناه.

و إن شئت قلت: إنّ لحاظ الطريقيّة من مقولة التصوّر، و جعل الاعتبار من الإنشاء و الحكم، و لا ربط بينهما و لا ملازمة، فضلا عن أن يكون أحدهما معنى الآخر.

مضافا إلى أنّ لحاظ الطريقية لو كان بمعنى جعل الاعتبار و جعل الطريقيّة، لا بدّ و أن يلتزم بامتناعه في القطع، لأنّ جعل الطريقيّة و الاعتبار فيه ممتنع، فلحاظ القطع الطريقيّ موضوعا مطلقا يصير ممتنعا.

اللّهمّ إلّا [أنّ‏] يدّعى أنّ ذاك اللحاظ عين معنى الاعتبار أعمّ من الاعتبار الذاتي أو الجعلي، و هو كما ترى.

و أمّا ما أفاد: من أنّ أخذ الظنّ بالحكم موضوعا لنفسه لا مانع منه بنتيجة التقييد، فقد عرفت ما فيه في أخذ العلم كذلك من لزوم الدور.

و أمّا ما أفاده أخيرا: من عدم جواز أخذ الظنّ المعتبر موضوعا لحكم متعلَّقه، معلّلا بأنّ أخذ الظنّ محرزا لمتعلّقه معناه أنه لا دخل له فيه، و هو ينافي الموضوعيّة.

140

ففيه: أنّ ذلك ممنوع جدّاً، فإنّ الملاك يمكن أن يكون في الواقع المحرز بهذا الظنّ بعنوان المحرزيّة، فلا بدّ من جعل المحرزيّة للتوصّل إلى الغرض، لكن أخذ الظن كذلك محال من رأس، للزوم الدور.

و الّذي يسهّل الخطب أنّ ما ذكر من أقسام الظنّ الموضوعيّ مطلقا- بل و القطع غالبا- مجرّد تصوّرات لا واقع لها، و التعرّض لها إنّما هو تبعا للمشايخ رحمهم اللَّه تعالى.

141

الموافقة الالتزاميّة

قوله: الأمر الخامس ... إلخ‏

(1)

.

(1) و فيه مطالب:

المطلب الأوّل في حال الموافقة الالتزاميّة في الأصول و الفروع‏

و توضيحها يتوقّف على تمهيد مقدّمات:

المقدمة الأولى: أنّ الأصول الاعتقاديّة تكون على أقسام‏

: منها: ما هي ثابتة بالبرهان العقليّ من غير دخالة النقل و النصّ فيها، بل لو ورد في الكتاب و السنّة ما بظاهره المنافاة لها لا بدّ من تأويله أو إرجاع علمه إلى‏

____________

(1) الكفاية 2: 27.

142

أهله، كوجود المبدأ المتعال و توحيده و سائر صفاته الكماليّة و تنزيهه عن النقص، و كأصل المعاد بل و الجسمانيّ منه- أيضا- على ما هو المبرهن عند أهله‏ (1)، و كالنبوّة العامّة و أمثالها من العقليّات الصّرفة، فما وقع في كلام بعض أعاظم المحدّثين من أنّ المعوّل عليه في التوحيد هو الدليل النقليّ‏ (2) ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه، و لا يستأهل جوابا و ردّا.

و منها: ما هي ثابتة بضرورة الأديان أو دين الإسلام، كبعض أحوال المعاد و الجنّة و النار و الخلود في النار و أمثالها، أو ضرورة المذهب.

و منها: ما هي ثابتة بالنصّ الكتابي أو النقل المتواتر.

و أمّا غيرها ممّا ورد فيه رواية أو روايات، فقد يحصل منها العلم أو الاطمئنان و قد لا يحصل.

و الفروع الشرعيّة أيضا: تارة تكون ثابتة بضرورة الدين كوجوب الصلاة و الحجّ، و تارة بضرورة المذهب كوجوب حبّ أهل البيت و حرمة بغضهم، و تارة بالنقل المتواتر أو النصّ الكتابي أو الإجماع، و تارة بغيرها من الأدلّة الاجتهاديّة و الفقاهتية، و ربّما تثبت بالعقل أيضا.

المقدمة الثانية:

أنّ الأحوال القلبيّة من الخضوع و الخشوع و الخوف و الرجاء و الرضا

____________

(1) الأسفار 9: 185 و ما بعدها، كشف المراد: 320- 321، اللوامع الإلهيّة: 371- 372، إرشاد الطالبين: 406- 409.

(2) انظر غاية المرام في شرح تهذيب الأحكام: 46 (مخطوط).

143

و السخط و أمثالها أنّما تحصل في النّفس قهرا تبعا لمبادئها الحاصلة فيها بعللها، بحيث لو حصلت المبادئ فيها تتبعها تلك الحالات بلا دخالة إرادة و اختيار أصلا.

مثلا: العلم بوجود المبدأ و عظمته و قهّاريّته يوجب الخضوع و الخشوع لدى حضرته- جلّت كبرياؤه- و الخوف منه، و العلم برحمته الواسعة وجوده الشامل و قدرته النافذة يوجب الرجاء و الوثوق.

و كلّما تمّت المبادئ و كملت، تمّت و كملت الحالات القلبيّة، أي درجات الثمرات تابعة لدرجات المبادئ، و لا يمكن تحصيل النتائج إلّا بتحصيل مبادئها، و لا يمكن حصول تلك الحالات بالإرادة و جعل النّفس من دون تحقّق المبادئ، و مع تحقّقها تحصل قهرا و تبعا من غير دخالة الإرادة و الاختيار فيها.

المقدمة الثالثة:

أنّ عقد القلب و الالتزام بشي‏ء و الانقياد و التسليم القلبي لأمر، من الأحوال القلبيّة التي لا تحصل بالإرادة و الاختيار من دون حصول مبادئها، فضلا عن حصولها مع تحقّق أضداد مبادئها أو مبادئ أضدادها، فإذا حصلت مبادئها في النّفس لا يمكن تخلّف الالتزام و التسليم و الانقياد القلبيّ عنها، و لا يمكن الالتزام بمقابلاتها و أضدادها، فتخلّفها عن المبادئ ممتنع، كما أنّ حصولها بدونها- أيضا- ممتنع.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الأصول الاعتقاديّة البرهانيّة أو الضروريّة

144

أو غيرها إذا حصلت بمبادئها في النّفس لا يمكن تخلّف الالتزام و التسليم و الانقياد القلبيّ عنها، و لا يمكن الالتزام بأضدادها، مثلا من قام البرهان الأوّليّ عنده على وجود المبدأ المتعال و وحدته لا يمكن له اختيارا و إرادة الالتزام و عقد القلب بعدم وجوده و وحدته تعالى، كما لا يمكن عقد القلب حقيقة على ضدّ أمر محقّق محسوس، كعقد القلب على أنّ النار باردة، و أنّ الشمس مظلمة، و أنّ الكوكب الّذي يفعل النهار هو المشتري، و قس على ذلك كلّيّة الاعتقاديّات و الفرعيّات الضروريّة و المسلّمة، فكما لا يمكن عقد القلب و الالتزام على ضدّ أمر تكويني لا يمكن على ضد أمر تشريعيّ بالضرورة و الوجدان.

و ما يتوهّم‏ (1) أنّ الكفر الجحوديّ يكون من قبيل الالتزام القلبيّ على خلاف اليقين الحاصل لصاحبه- كما قال تعالى‏ وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا (2)- فاسد، فإنّ الجحود عبارة عن الإنكار اللسانيّ، لا الالتزام القلبي كما هو واضح.

و كذلك الحال في الفرعيّات الثابتة بالطرق و الأمارات و سائر الحجج الشرعيّة، فإن الالتزام بها و التسليم لها مع حصول مقدّماتها و العلم بها قهريّ تبعيّ، لا إراديّ اختياريّ، و الالتزام على خلافها غير ممكن، فلا يمكن للّذي ثبت عنده بالحجّة الشرعيّة أنّ حكم الغسالة هو النجاسة أن يلتزم بطهارتها شرعا، أو لا يلتزم بنجاستها، إلّا أن يرجع إلى تخطئة الشارع، و هو خلاف‏

____________

(1) نهاية الدراية 1: 112 سطر 20.

(2) النمل: 14.

145

الفرض.

فما اشتهر بينهم من حرمة التشريع و وجوب الموافقة الالتزاميّة (1)، إن كان المراد من التشريع هو البناء و الالتزام القلبي على كون حكم لم يكن من الشرع- أو لم يعلم كونه منه- أنّه منه، و من وجوب الالتزام هو الالتزام القلبي- بالاختيار و الجعل- للأحكام الشرعية و الأصول الاعتقاديّة، كما هو ظاهر كلماتهم بل صريحها، فهو ممّا لا يرجع إلى محصّل، فإنّ التشريع بهذا المعنى غير ممكن، فضلا عن أن يكون متعلّقا للنهي الشرعيّ، و كذلك الالتزام بالأحكام الشرعيّة- لمن يعتقد الرسالة، و ثبتت عنده الأحكام بطرقها و أدلّتها- واجب التحقّق ممتنع التخلّف، و لا يكون تحت اختيار العبد و إرادته حتّى يكون موردا للأمر.

و إن كان المراد من التشريع هو إدخال ما ليس في الدين فيه، افتراء على اللَّه تعالى و على رسوله (صلّى اللَّه عليه و آله) فهو أمر ممكن واقع محرّم بالضرورة، و كذلك الموافقة الالتزامية إن كان المراد منها هو البناء القلبي على الالتزام العملي و الإطاعة لأمر المولى، و المخالفة هي البناء على المخالفة العمليّة، فهما أمران معقولان يكونان من شعب الانقياد و التجرّي.

فتحصّل ممّا ذكر: أنّ وجوب الموافقة الالتزاميّة و حرمة مخالفتها- على ما يستفاد من كلام القوم- ممّا لا أساس لهما أصلا، و ما ذهب إليه بعض سادة

____________

(1) نهاية الدراية 2: 26- 27، حاشية فرائد الأصول: 41- 42، درر الفوائد 2: 19- 20، فوائد الأصول 3: 42- 43.

146

مشايخنا (1)- رحمهم اللَّه- في القضايا الكاذبة من التجزّم على طبقها، و جعله مناطا لصيرورة القضايا ممّا يصحّ السكوت عليها، و أنّ العقد القلبيّ عليها يكون جعليّا اختيارا.

و قال شيخنا العلّامة- أعلى اللَّه مقامه-: إنّ حاصل كلامه: أنّه كما أنّ العلم قد يتحقّق في النّفس بوجود أسبابه، كذلك قد تخلق النّفس حالة و صفة على نحو العلم حاكية عن الخارج، فإذا تحقّق هذا المعنى في الكلام يصير جملة يصحّ السكوت عليها، لأنّ تلك الصفة الموجودة تحكي جزما عن تحقّق النسبة في الخارج‏ (2). انتهى.

فيرد عليه: أنّ العلم و الجزم ليسا من الأمور الجعليّة الاختياريّة، فإنّهما من الأمور التكوينيّة التي لا توجد في النّفس إلّا بعللها و بأسبابها التكوينيّة، فهل يمكن جعل الجزم في النّفس بأنّ الواحد ليس نصف الاثنين بل هو نصف الثلاثة، و أنّ النقيضين يجتمعان و يرتفعان؟! و أمّا الإخبارات الكاذبة إنّما تكون بصورة الجزم، و ليس في واحد منها حقيقة الجزم الجعليّ بل إظهار الجزم، و المناط في صحّة السكوت هو الإخبار الجزمي، أي الإخبار الّذي بصورة الجزم، و لا ربط للجزم القلبي في صحّة السكوت و عدمه، و لهذا لو أظهر المتكلّم ما هو مقطوع به بصورة الترديد لا تصير القضيّة ممّا يصحّ السكوت عليها.

____________

(1) نقله عنه في درر الفوائد 1: 39.

(2) المصدر السابق.

147

اللّهم إلّا أن يقال: إنّ في تلك القضايا المظهرة بصورة الترديد ينشئ المتكلّم حقيقة الترديد في النّفس، و يصير مردّدا جعلا و اختراعا، و هو كما ترى.

فتحصّل: أنّ جعليّة هذه الأوصاف النفسانيّة ممّا لا وجه صحّة لها.

المطلب الثاني جريان الأصول لا يدفع الالتزام بالحكم الواقعي‏

بناء على ما ذكرنا من كون الموافقة الالتزاميّة من الملتزم بالشريعة و المؤمن بها من الأمور القهريّة الغير الاختياريّة، لا الجعليّة الاختياريّة، تكون الموافقة الالتزاميّة على طبق العلم بالأحكام و تابعة له كيفيّة و كميّة، فإن كان العلم متعلّقا بحكم تفصيلا يتعلّق الالتزام به تفصيلا، و إن كان متعلّقا إجمالا يكون الالتزام إجماليّا، ففي دوران الأمر بين المحذورين- الّذي يكون العلم بنحو الترديد و الإجمال في المتعلّق- يكون الالتزام به أيضا كذلك، فلو بنينا على جواز جعل حكم ظاهريّ في مورد الدوران بين المحذورين يكون الالتزام على طبق الحكم الظاهري، أي كما أنّه يجوز جعل الحكم الواقعي و الظاهري في موضوع بعنوان الذات و المشكوك- مثلا- و يكون تعلّق العلم بهما ممّا لا مانع منه، كذلك الالتزام يكون على طبقه، أي التزام بحكم واقعيّ و التزام بحكم ظاهريّ بلا تناف بينهما، فجريان الأصول فيه ممّا لا مانع منه من قبل لزوم الالتزام، كما أنّ جريانها لا يدفع الالتزام بالحكم الواقعيّ، لأنّ جريانها في طول‏

148

الواقع، و لا يدفع به العلم بالحكم الواقعي.

بل لو بنينا على اختياريّة الالتزام و جعليّته فلا وجه لاختصاص محذور عدم الموافقة بما إذا لم تجر الأصول في الأطراف، كما مال إليه المحقّق الخراسانيّ‏ (1)- (قدّس سرّه)- لأنّ موضوع الالتزام بالحكم الواقعي في طول مجاري الأصول، و الالتزام بالواقع مع الأصول في الرتبتين، و لا وجه لدفع أحدهما بالآخر، فتدبّر.

المطلب الثالث عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي‏

في حال جريان الأصول العقليّة أو الشرعيّة في أطراف العلم الإجمالي فيما إذا دار الأمر بين المحذورين، و أمّا جريانها في غيره من موارد العلم الإجمالي فسيأتي حاله‏ (2).

و الظاهر عدم جريان الأصول العقليّة مطلقا في أطرافه، لعدم المجال للحكم العقليّ فيما هو ضروري تكوينا و حاصل بنفس ذاته، حتّى التخيير العقلي بمعنى الحكم بالتخيير، فإنّه لا معنى له بعد ضروريّة حصوله.

و أمّا الأصول الشرعيّة، مثل أصالة الحلّيّة و الإباحة فلا تجري، لمناقضة مضمونها للعلم الإجمالي، فإنّ جنس التكليف معلوم، و أصل الإلزام متيقّن،

____________

(1) كفاية الأصول 2: 30- 31.

(2) انظر الجزء الثاني صفحة: 177 و ما بعدها، و 271 و ما بعدها.

149

فلا موضوع لأصل الحلّيّة و الإباحة، فإنّ معنى الحلّيّة و الإباحة عدم الإلزام في طرفي الوجود و العدم، و هذا ليس بمشكوك بل معلوم.

و أمّا أصالة البراءة- التي مستندها دليل الرفع و التوسعة- فالظاهر جريانها في طرفي الوجود و العدم، و تساقطهما بالتعارض أو بواسطة العلم بالخلاف.

و لو قلنا بعدم الجريان فإنّما هو بواسطة العلم بالخلاف، و هذا مناقضة بالعرض و من باب الاتّفاق، لا مناقضة في مفاد الدليل و الجعل، لأنّ الرفع و التوسعة في كلّ طرف لا يكون مفادها التوسعة و الرفع في الطرف الآخر، حتّى يناقض جنس التكليف المعلوم، فموضوع الأصل الّذي هو الشكّ في نوع التكليف محقّق في كلّ واحد من الطرفين في حدّ نفسه.

الإشكال على بعض محققي العصر

و ما أفاد بعض مشايخ العصر (قدّس سرّه)- على ما في تقريراته‏ (1)- من أنّ المحذور في جريان البراءة الشرعيّة هو أنّ مدركها قوله: (رفع ما لا يعلمون) (2)، و الرفع فرع إمكان الوضع، و في مورد الدوران بين المحذورين لا يمكن وضع الوجوب و الحرمة كليهما، لا على سبيل التعيين و لا على سبيل التخيير، و مع عدم إمكان الوضع لا يعقل تعلّق الرفع، فأدلّة البراءة الشرعيّة لا تعمّ المقام.

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 448.

(2) توحيد الصدوق: 353- 24 باب 56، الخصال: 417- 9، الوسائل 11: 295- 1 باب 56 من أبواب جهاد النّفس.

150

فيرد عليه:

أوّلًا: أنّ ما لا يمكن الوضع [فيه‏] هو الوجوب و الحرمة كلاهما- أي المجموع من حيث هو مجموع- و الأفراد بهذه الحيثيّة ليست مشمولة للأدلّة مطلقاً، فإنّ مفادها هو كلّ فرد فرد بعنوانه، لا بعنوان المجموع، و لو كانت مشمولة بهذه الحيثيّة- أيضا- يلزم أن يكون كلّ فرد مشمول الدليل مرّتين بل مرّات غير متناهية: مرّة بعنوان ذاته، و مرّات غير متناهية بعنوان الاجتماعات الغير المتناهية، و هو ضروريّ البطلان.

و ثانياً: أنّه يلزم بناءً على ذلك عدم جريان أصالة البراءة و غيرها في غير مورد دوران الأمر بين المحذورين، لمناقضة مفادها مع المعلوم بما أنّه معلوم، فإنّ الرفع عن كلا الطرفين يناقض الوضع الّذي في البين، مع اعترافه بجريانها إذا لم يلزم منه مخالفة عمليّة.

و ثالثاً: أنّه لو فرضنا أنّ حديث الرفع يشمل المجموع- أيضا- لنا أن نقول بجريانه في الدوران بين المحذورين و غيره، لشموله بالنسبة إلى كلّ فرد فرد بنفسه، فالفرد بعنوان ذاته مشمول للدليل، و إن كان بعنوان اجتماعه مع غيره غير مشمول له، و لا يتنافى عدمُ المشموليّة بعنوان مع المشموليّة بعنوان ذاته.

هذا كلّه إذا كان مراده- (قدّس سرّه)- من قوله: لا يمكن وضع الوجوب و الحرمة كليهما، هو المجموع. و إن كان مراده الجميع بنحو الاستغراق، فمناقضته مع التكليف في البين لا تُنافي الجريان في كلّ واحد من حيث هو، بل لازمها السقوط بعد الجريان، كما هو الشأن في كلّ مورد يكون كذلك.

151

و أمّا الاستصحاب فما كان مفاده مناقضاً لأصل الإلزام و جنس التكليف كاستصحاب الاستحباب و الكراهة و الإباحة فعدم جريانه معلوم، لعدم الموضوع له.

و أمّا استصحاب عدم الوجوب و عدم الحرمة فالظاهر جريانهما و سقوطهما بالمعارضة، كما عرفت في جريان أصل البراءة، و لا مانع من جريانهما سوى ما أفاد العلّامة الأنصاري‏ (1) من عدم جريان الأُصول في أطراف العلم مطلقاً، للزوم مناقضة صدر الأدلّة مع ذيلها، و سيأتي ما فيه‏ (2)، و سوى ما في تقريرات بعض المشايخ- (قدّس سرّه)- و سيأتي ما فيه، فانتظر (3).

إن قلت: جريان الاستصحابين- بل مطلق الأُصول- في مورد الدوران يلزم منه اللّغويّة، فإنّ الإنسان- تكويناً- لا يخلو عن الفعل أو الترك، و هما مفاد استصحاب عدم الوجوب و عدم الحرمة، فوجودهما و عدمهما على السواء، و كذا الحال في أصالة البراءة عن الوجوب و الحرمة.

و إن شئت قلت: لا معنى لجريان الأصل العملي في مورد ليس فيه عمل يمكن التعبّد به، كما فيما نحن فيه، فإنّ أحد الطرفين ضروريّ التحقّق.

قلت: نعم، لو كان مفاد الأصل هو مجموع كلا الطرفين فمع لزوم اللّغويّة يلزم منه المناقضة مع المعلوم في البين، لكن قد عرفت ما فيه.

____________

(1) فرائد الأصول: 429 سطر 10- 13.

(2) انظر صفحة رقم: 162.

(3) انظر صفحة رقم: 164.

152

و أمّا مع ملاحظة كلّ واحد من الأصلين بحيال ذاته فلا يلزم من جريانه اللّغويّة، فإنّه مع استصحاب عدم الوجوب يجوز الترك، و مع استصحاب عدم الحرمة يجوز الإتيان، فأين يلزم اللّغويّة؟! و أيضا نفس الوجوب و الحرمة من الأحكام الشرعيّة التي يجري فيها الاستصحاب بلا توقّع أثر آخر.

نعم التعبّد بكليهما ممّا لا يمكن، للعلم بمخالفة أحدهما للواقع، فلهذا يتساقطان بالتعارض. و هاهنا أمور أخر موكولة إلى محلّها.

في عدم تفاوت الآثار العقلية للقطع الطريقي‏

قوله: الأمر السادس ... إلخ‏

(1)

.

(1) أقول: لا ينبغي الإشكال في عدم تفاوت القطع الطريقي عقلًا فيما له من الآثار العقليّة من حيث الموارد و القاطع و أسباب حصوله، و التعرّض له ممّا لا طائل تحته، و ما ظاهره المخالفة مؤوّل أو مطروح. إنّما الكلام في بعض الجهات التي تعرّض [لها] بعض محقّقي العصر- (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بحثه.

قال في الجهة الأولى ما حاصله: نسب إلى جملة من الأشاعرة (2)

____________

(1) كفاية الأصول 2: 31 سطر 9.

(2) الأحكام في أصول الأحكام 1: 119- 120، المحصول في علم أصول الفقه 1: 29- 40، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 234.

153

إنكار الحسن و القبح العقليّين، و عدم دوران أحكام الشارع مدار المصالح و المفاسد، و أنّه تعالى مقترح في أحكامه من دون مرجّح، و لا مانع من الترجيح بلا مرجّح: و لمّا كان هذا القول في غاية السقوط أعرض عنه المحقّقون منهم، و التزموا بثبوت المصالح و المفاسد، و لكن اكتفوا بالمصلحة و المفسدة النوعيّة القائمة بالطبيعة في صحّة تعلّق الأمر ببعض الأفراد و إن لم يكن لتلك الأفراد خصوصيّة، و يصحّ ترجيح بعض الأفراد بلا مرجّح على بعضها بعد ما كان مرجّح في أصل الطبيعة، و مثّلوا برغيفي الجائع و طريقي الهارب مع تساوي الطرفين، فإنّه لا إشكال في اختيار أحدهما من غير مرجّح أصلًا، لأن المفروض تساويهما من جميع الجهات.

قال الفاضل المقرّر [1]- دام علاه-: إنّ شيخنا الأستاذ يميل إلى هذا القول بعض الميل، و هذا ليس بتلك المثابة من الفساد، و يمكن الالتزام به، و لا ينافيه تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد، لكفاية المصلحة النوعيّة في ذلك، و ما لا يمكن الالتزام به هو إنكار المصالح و المفاسد مطلقاً، لعدم معقوليّة الترجيح بلا مرجّح‏ (1). انتهى.

أقول: كما أنّ القول باقتراح الشارع الأحكام من غير مرجّح في غاية

____________

[1] هو العالم الفاضل الشيخ محمد علي بن الشيخ حسن الجمالي القابچي الخراسانيّ الكاظمي، ولد في سامراء سنة 1309 ه- و تلقى أوليات العلوم فيها على يد والده، هاجر إلى النجف الأشرف و حضر عند الميرزا النائيني، له عدة مؤلفات أشهرها فوائد الأصول، توفي سنة 1365 ه. انظر نقباء البشر 4: 1386.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 57- 58.

154

السقوط، كذلك القول باقتراح الخصوصيّة من غير مرجّح- أيضا- في غاية السقوط، بل لا فرق بينهما فيما هو ملاك الاستحالة عند العقل أصلًا، فإنّ ملاكها هو تعلّق الإرادة- التي هي متساوية النسبة إلى الطرفين- بأحدهما من دون ملاك، الّذي يرجع إلى وجود الممكن بلا علّة توجبه، و هو مساوق لخروج الممكن عن كونه ممكنا، و هو يساوق اجتماع النقيضين، و هذا الملاك متحقّق عينا في ترجيح بعض الأفراد على بعض من غير مرجّح.

و إن شئت قلت: إنّ استحالة الترجيح بلا مرجّح من الأحكام العقليّة الغير القابلة للتخصيص، فلو فرضنا أنّ ملاك الحكم يكون في الطبيعة نفسها بلا دخالة لخصوصيّة الأفراد فيه يكون نفس الطبيعة- بما هي- مأمورا بها، فاختصاص بعضها بالحكم و الإيجاد أو الاختيار و البعث يكون من الترجيح بلا مرجّح و الاختيار بلا ملاك، و مجرّد كون الطبيعة ذات ملاك لا يدفع استحالة التخصيص ببعض الأفراد بلا مرجّح و ملاك، فإنّ كلّ ملاك لا يدعو إلّا إلى نفسه، و لا معنى لدعوته إلى غيره.

و بالجملة: استحالة الترجيح بلا مرجّح المنتهى بالآخِرة إلى الترجّح بلا مرجّح من ضروريّات الأحكام العقليّة أو المنتهية إليها، من غير افتراق بين مواردها أصلا.

و أمّا الأمثلة الجزئيّة- التي لا تكون تحت ملاك برهانيّ و ضابطة ميزانيّة- فلا تفيد شيئا، و لا يدفع بمثلها البرهان الضروريّ، مع أنّ اختيار بعض التي [هي‏] مورد النقض في الأمثلة لا يكون بلا مرجّح، بل له مرجّحات خفيّة قد

155

يغفل عن تفصيلها الفاعل أو الآمر، مثل كون أحدهما أسهل تناولا لكونه على يمينه، أو توجّه النّفس و تعلّق إدراكها بأحدهما أوّلا، أو أكثر من الآخر بالعلل الخفيّة.

فلو قيل: نحن نفرض التساوي من جميع الجهات واقعا و في نظر الفاعل.

قلنا: فإذن يمتنع تعلّق الإرادة بأحدهما، و هذا الفرض مثل أن يقال: نحن نفرض تحقّق المعلول بلا علّة موجبة، أو تحقّق الإرادة من غير علّة و غاية، أو نفرض اجتماع النقيضين، و هذه مجرّد فروض لا واقع لها، و أوهام لا حقيقة لها.

و بالجملة: يرجع الترجيح بلا مرجّح في جميع الموارد إلى وجود الممكن بلا علّة، و بطلانه من البديهيّات الأوّليّة، و لا فرق بين قول الأشاعرة الغير المحقّقين و المحقّقين منهم لو وجد بينهم محقّق، و لو كان هذا الرّأي و التفرقة أثر تحقيقهم، فهو- كما ترى- ليس فيه أثر تحقيق أصلا.

ثمّ إنّه قد أورد في الجهة الأولى من التقريرات كلاما آخر ملخّصه: أنّ دعوى تبعيّة الأوامر و النواهي لمصالح و مفاسد في نفسها دون متعلّقاتها ضعيفة و لو إيجابا جزئيّا، فإنّ المصلحة في الأمر ممّا لا معنى لها، و إلّا يلزم أن تتحقّق المصلحة بمجرّد الأمر بلا انتظار شي‏ء آخر، و الأوامر الامتحانيّة التي مثلوا بها لذلك ليست كذلك، فإنّ المصلحة فيها قائمة بإظهار العبد الإطاعة، و هو لا يتحقّق إلّا بالجري على وفق المأمور به، و أين هذا من كون المصلحة في نفس‏

156

الأمر؟! فتحصّل: أنه لا سبيل إلى إنكار تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلّقات‏ (1) انتهى.

و كلامه هذا يرجع إلى دعاوى ثلاث:

الأولى: عدم تصوّر كون المصالح و المفاسد في نفس الأوامر و النواهي مطلقا.

الثانية: كونهما مطلقا في المتعلّقات دون غيرها.

الثالثة: المناقشة في الأمثلة التي مثلوا بها و إرجاع المصلحة في الأوامر الامتحانية إلى المتعلّقات.

و في كلّ من الدعاوي إشكال و نظر:

أمّا في الأولى: فلأنّه من الممكن أن تكون المصلحة في نفس الأمر، و تتحقّق بمجرّده بلا انتظار شي‏ء آخر، و ذلك مثل أن يكون غرض الآمر مجرد إظهار الآمرية بلا غرض في المتعلّق و لا في إظهار العبد الإطاعة.

مثلا: لو مرّ المولى على عدّة غلمان له، فتعلّق غرضه بمجرّد الآمريّة و الناهويّة- فإنّهما بنفسهما لذيذان- فأمرهم و نهاهم بلا انتظار عمل منهم، فلا إشكال في كون المصلحة في نفس الأمر، لا في المتعلّق و لا في إظهار العبد الطاعة، و لهذا يسقط الغرض بمجرّد الأمر و النهي في مثله، و لعلّ بعض أوامر التقيّة من هذا القبيل، أي من قبيل كون المصلحة في نفس الأمر، كما لو كان في‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 59.