أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - ج1

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
424 /
157

نفس إظهار الموافقة معهم مصلحة، فتأمّل.

و أمّا في الثانية: فلأنّه لو فرضنا عدم معقوليّة كون المصالح و المفاسد في نفس الأوامر و النواهي، فلا يلزم منه لزوم كونها في المتعلّقات، لإمكان كونها في أمر ثالث، لا في الأوامر و لا في متعلّقاتها، لعدم كون الانفصال على سبيل منع الخلوّ، حتّى ينتج من نفي أحدهما إثبات الآخر، فإنّ الغرض الباعث للأمر قد يكون في المتعلّقات، و ذلك ظاهر، و قد يكون في الأوامر كما عرفت، و قد يكون في أمر آخر غيرهما، كبعض أوامر التقيّة التي تكون المصلحة في إظهار الشيعة موافقتهم، لا في نفس المتعلّقات، فإنّ كون المصلحة في المتعلّق عبارة عن قيام المصلحة بنفسه أتى به المكلّف أو لم يأت به، و أمّا المصلحة إذا قامت بإظهار الموافقة مع العامّة فلا يكون في نفس المتعلّق مصلحة أصلا، بل قد يكون فيه مفسدة، لكن لمّا كان في إظهار الموافقة لهم فيه مصلحة غالبة، و هو قد يتوقّف على إتيان المتعلّق، فلا بدّ من الأمر به و إتيانه.

و بالجملة: لا يكون المتعلّق مصداقا ذاتيّا للمصلحة، بل قد يكون مصداقا عرضيّا، و الشاهد على ذلك أنّه لو أتى المكلّف بما يتوهّم العامّة موافقته لهم يسقط الغرض و الأمر بلا إشكال، كما لو شرب ما يتوهّم أنّه نبيذ، أو فعل ما يتوهّم منه التكتّف.

و بالجملة: ما اشتهر بينهم‏ (1)- أنّ المصلحة: إمّا في المتعلّق، أو في الأمر- ممّا لا أصل له.

____________

(1) المصدر السابق.

158

إلّا أن يقال: إنّ المأمور به في الحقيقة في تلك الموارد هو ما قامت به المصلحة بالذات، فإذا تعلّق الأمر بشرب النبيذ يكون تعلّقا عرضيّا، و المتعلّق بالذات هو إظهار الموافقة معهم.

و هذا ليس بشي‏ء فإنّ الأغراض التي هي الغايات غير المتعلّقات، و إلّا لزم أن تكون كلّ الأوامر و النواهي الإلهيّة متعلّقة بغير متعلّقاتها الحقيقيّة، و هو كما ترى.

و أمّا في الثالثة: فلأنّ الأوامر الامتحانيّة كما لا تكون المصلحة في نفسها، كذلك لا تكون في متعلّقاتها، بل قد تكون المصلحة في إتيان مقدّمات المأمور به بتوهم كونها موصلة إليه، كما في قضيّة الخليل‏ (1)- (سلام اللَّه عليه)- و قد تكون في نفس إظهار العبوديّة بلا دخالة للمتعلّق أصلا.

و العجب أنّه- (قدّس سرّه)- مع اعترافه بأنّ المصلحة في الأوامر الامتحانيّة إنّما تكون في إظهار العبد الإطاعة و الموافقة، استنتج منه أنّ المصالح فيها في نفس المتعلّقات، و هذا من قبيل اشتباه ما بالعرض بما بالذات، و يشبه أن يكون تناقضا في المقال.

____________

(1) التبيان في تفسير القرآن 8: 516- 520، الميزان في تفسير القرآن 17: 152- 153.

159

البحث في العلم الإجمالي‏

قوله: الأمر السابع‏

(1)

...

(1) أقول: هاهنا مباحث كثيرة طويلة الذيل، بعضها راجع إلى ما نحن فيه، و بعضها إلى مباحث الاشتغال، و نحن نذكر بعضها على سبيل الإجمال:

أمّا ما هو راجع إلى ما نحن بصدده فالعمدة فيه هو مقامان:

أحدهما: ما هو راجع إلى مقام ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي.

و ثانيهما: ما هو راجع إلى مرحلة سقوطه به.

المقام الأول ثبوت التكليف بالعلم الإجمالي‏

و فيه مطالب:

____________

(1) كفاية الأُصول 2: 34 سطر قبل الأخير.

160

المطلب الأوّل‏

: لا إشكال في أنّ العلم طريق إلى متعلَّقه كاشف عنه- سواء كان متعلّقه مجملًا مردّداً بين أمرين أو أمور، أو مفصّلا- و بعد كشف المتعلّق و إحرازه يصير موضوعا لإطاعة المولى عقلا إذا تعلّق بأمره أو نهيه، و لا شبهة في أنّ الآتي بجميع أطراف الشبهة التحريميّة، و التارك لجميع أطراف الشبهة الوجوبيّة، حاله عند العقل كالآتي بالمحرّم المعلوم تفصيلا، و التارك للواجب المعلوم كذلك، و إنكار ذلك مكابرة لضرورة حكم العقل.

و ما قيل: من أنّ موضوع حكم العقل في باب المعصية ما إذا علم المكلّف حين إتيانه أنّه معصية فارتكبه، و المرتكب لأطراف العلم الإجمالي لم يكن كذلك‏ (1). يردّه العقل السليم، فإنّ العقل يحكم قطعا بقبح مخالفة المولى، و يرى أنّ ارتكاب الجميع مخالفة قطعيّة له، و لا فرق في نظر العقل بين قتل ولد المولى بالسم المعلوم تفصيلا أو إجمالا، و هذا واضح لا سترة عليه.

المطلب الثاني:

لا شبهة في أنّه كما يقبح عند العقل المخالفة القطعيّة، كذلك تجب الموافقة القطعيّة، لكنّ العقل يرى فرقا بينهما، فإنّ المخالفة القطعيّة معصية لا يمكن الإذن فيها من المولى، لكن المخالفة الاحتماليّة لم تكن معصية و يكون حكم العقل بالنسبة إليها بنحو الاقتضاء، لا العلّيّة التامّة، لوجود الشكّ و السترة في البين، فلو فرض الإذن من الشارع بارتكاب بعض الأطراف و الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة لم يتحاش العقل منه كما يتحاشى من الإذن في المعصية، كما وقع في الشرعيّات.

____________

(1) القوانين 2: 27.

161

و ما أفاد المحقّق الخراسانيّ: من النقض بالشبهة الغير المحصورة تارة- فإنّ الإذن في ارتكاب الجميع إذن في المخالفة القطعيّة- و بالشبهة البدويّة أخرى، فإنّ احتمال المناقضة كالقطع بها مستحيل‏ (1)، منظورٌ فيه.

أمّا في الشبهة [غير] المحصورة: فلعدم الإذن في جميع الأطراف، بحيث لو بنى المكلّف [على‏] إتيان جميعها و تكلّف بالإتيان كان مأذونا فيه.

نعم إتيان بعض الأطراف من حيث هو ممّا لا مانع منه، لضعف الاحتمال، فإنّ الميزان في الشبهة الغير المحصورة أن تكون كثرة الأطراف بحدّ لا يعتني العقلاء بوجود المحتمل في مورد الارتكاب، فكأنّ الأمارة العقلائيّة قامت عندهم على عدم كون الواقع فيه، لشدّة ضعف الاحتمال. أ لا ترى أنّه إذا كان ولدك العزيز في بلد مشتمل على مائة ألف نفس، و سمعت بهلاك نفس واحدة من أهل البلد فإنك لا تفزع لاحتمال كون الهالك ولدك، و لو فزعت لكنت على خلاف المتعارف، و صرت موردا للاعتراض، و هذا ليس من باب قصور في المعلوم كما أفاد المحقّق الخراسانيّ‏ (2)- (رحمه اللّه)- فإنّ في المثال المذكور لم يكن الوالد الشفيق راضيا بهلاك ولده، بل لضعف الاحتمال لا يعتني به العقلاء و العقل.

و أمّا ما أفاد بعض مشايخ العصر (3) (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات‏

____________

(1) كفاية الأصول 2: 35 سطر 5- 11.

(2) كفاية الأصول 2: 35 سطر 2.

(3) فوائد الأصول 4: 116 و ما بعدها.

162

بحثه- في ميزان الشبهة الغير المحصورة و تضعيف هذا الوجه، فضعيف يأتي إن شاء اللَّه وجهه في محلّه‏ (1).

و أمّا النقض بالشبهة البدويّة فسيأتي‏ (2) في بيان الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ من رفع إشكال التناقض و التضادّ، و ما هو وجه الامتناع في المقام من الترخيص في المعصية ليس في الشبهة البدويّة كما لا يخفى.

المطلب الثالث:

قد علم ممّا مرّ وجه عدم جريان الأصول في أطراف العلم الإجمالي. و قد قيل في وجه عدم جريانها وجوه أخر ربّما تأتي في محلها، و نكتفي هاهنا إجمالا بذكر بعضها و الخلل فيها:

منها: ما عن الشيخ‏ (3)- (رحمه اللّه)- من أنّ شمول أدلّة الأصول لجميع الأطراف مستلزم للتناقض بين صدرها و ذيلها، أمّا في الاستصحاب فلاشتمال دليله على قوله: (و لكن تنقضه بيقين مثله) (4)، فقوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ) إذا شمل الأطراف يناقض قوله: (و لكن تنقضه بيقين آخر) فإنّ عدم النقض في الطرفين مع النقض في أحدهما الّذي علم ارتفاع الحالة السابقة فيه متناقضان.

____________

(1) انظر الجزء الثاني صفحة رقم: 222 و ما بعدها.

(2) انظر صفحة رقم: 199 و ما بعدها، و الجزء الثاني صفحة رقم: 181 و ما بعدها.

(3) فرائد الأصول: 429 سطر 10- 31.

(4) التهذيب 1: 8- 11 باب الأحداث الموجبة للطهارة و 2: 186- 41 باب أحكام السهو في الصلاة، الوسائل 1: 174- 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء و 5: 321- 3 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، مع تفاوت يسير.

163

و فيه: أنّ قوله: (و لكن تنقضه بيقين آخر) ليس حكما شرعيا تعبّديّا و لا جعلا، بل لا يمكن أن يكون جعلا، فإنّه يرجع إلى جعل الاعتبار و الحجّيّة للعلم، فإنّ اليقين السابق إذا انتقض بيقين مخالف له- أي تعلّق يقينٌ بضدّ الحالة السابقة المعلومة- فلا يمكن عدم نقضه، لكون النقض من لوازم حجّيّة العلم، فلا يتعلّق به جعل إثباتا و نفيا، فقوله: (و لكن تنقضه) ليس حكما و جعلا حتّى يناقض الصدر، بل هو لمجرّد بيان حدود الحكم الأوّل، أي عدم نقض اليقين بالشكّ إنّما يكون إلى أن يتبدّل اليقين بيقين مثله، و ينتقض قهرا.

و ثانيا: أنّ الظاهر من أدلّة الاستصحاب أنّ المشكوك ما لم يصر معلوما يكون موضوعا لحكمه، و لازمه أن يتعلّق العلم بعين ما تعلّق به الشكّ، و في العلم الإجمالي لم يكن كذلك.

و بما ذكرنا يظهر الجواب عن دعوى المناقضة في دليل أصالة الحلّ من قوله: (كلّ شي‏ء حلال حتّى تعرف الحرام بعينه) (1) فإنّ فيه- أيضا- لم يكن جعلان، بل جعل واحد هو بيان وظيفة الشاكّ، و ذكر الغاية لبيان حدود موضوع الحكم، و ليس لجعل حكم آخر حتّى تأتي المناقضة.

نعم لو كانت مناقضة في البين إنّما تكون مع الحكم الواقعيّ، فإنّ شمول الدليل لكلا المشتبهين ممّا يناقض الحكم الواقعي، و هذا- بما أنّه إذن في المعصية و مستلزم للمخالفة القطعيّة- موجب لرفع اليد عن جريان الأصول في‏

____________

(1) الكافي 5: 313- 40، التهذيب 7: 226- 9 باب من الزيادات، الوسائل 12: 60- 4 باب 4 من أبواب ما يكتسب به. و الظاهر أن السيد نقله بالمعنى.

164

الأطراف، و مع قطع النّظر عن ذلك لا محذور فيه من قبل المناقضة، كما سيأتي في الجمع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ، و المحذورات الأخر مرتفعة بما سيأتي في ذلك المقام‏ (1).

هذا، و أمّا ما أفاد بعض مشايخ العصر (2) (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بعض الأفاضل (رحمه اللّه)- في جواب الشيخ (قدّس سرّه): من أنّ مناقضة الصدر للذيل على تقدير تسليمه إنّما يختصّ ببعض أخبار الاستصحاب الّذي اشتمل على الذيل.

ففيه ما لا يخفى، فإنّه بعد حمل الأخبار بعضها على بعض تتحقّق المناقضة في الحكم المجعول. مع أنّ تحقّق المناقضة في بعض الأخبار يكفي في المحذور و الامتناع.

و منها: ما أفاد المحقّق المتقدّم- على ما في تقريرات بحثه- من التفصيل بين الأصول التنزيليّة و غيرها، بعدم الجريان فيها لزم منه المخالفة القطعيّة أم لا، و في غيرها إذا لزمت، و أدرج الاستصحاب في سلكها.

قال في بيان ذلك: إنّ المجعول في الأصول التنزيليّة إنّما هو البناء العمليّ، و الأخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع، و إلقاء الطرف الآخر، و جعل الشكّ كالعدم في عالم التشريع، فإنّ الظاهر من قوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ) هو البناء العمليّ على بقاء المتيقّن، و تنزيل حال الشكّ منزلة حال‏

____________

(1) انظر صفحة رقم: 199 و ما بعدها.

(2) فوائد الأصول 4: 22- 23.

165

اليقين و الإحراز، فلا يمكن مثل هذا الجعل في جميع الأطراف، للعلم بانتقاض الحالة السابقة في بعضها، و انقلاب الإحراز السابق الّذي كان في جميع الأطراف إلى إحراز آخر يضادّه، و معه كيف يمكن الحكم ببقاء الإحراز السابق في جميع الأطراف و لو تعبّدا؟! فإنّ الإحراز التعبّدي لا يجتمع مع الإحراز الوجداني بالخلاف‏ (1) انتهى.

و فيه:

أوّلا: أنّ مفاد قوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ) هو عدم النقض العملي، أي ترتيب آثار الواقع في زمان الشك عملا، و الجري العملي على طبق اليقين السابق، بلا تعرّض للبناء على أنّه هو الواقع، فليس للكبرى المجعولة في الاستصحاب إلّا مفاد واحد، و هو إمّا إبقاء اليقين و إطالة عمره تعبّدا، و إمّا البناء العملي على بقاء اليقين السابق، و ليس معناه إلّا العمل على طبق الحالة السابقة أو اليقين السابق و الجري العمليّ على طبقه، و أمّا التعرّض للبناء على أنّه هو الواقع فليس في أدلّته ما يستشمّ منه ذلك أصلا. نعم إنّه دائر على ألسنة أهل العلم من غير دليل يدلّ عليه.

فتحصّل من ذلك: أنّ الاستصحاب أصل عمليّ مفاده الجري العملي على طبق الحالة السابقة.

و أمّا تقدّمه على بعض الأصول العمليّة- كأصالة الحلّ و البراءة و الطهارة- فلا يتوقّف على كونه من الأصول المحرزة التنزيليّة، كما سيأتي في‏

____________

(1) فوائد الأصول 4: 14.

166

محله إن شاء اللَّه‏ (1).

فإذا كان مفاده هو الجري العملي على طبق الحالة السابقة ترتفع المنافاة بينه و بين الإحراز الوجداني بالخلاف، و ليس عدم الجريان لقصور في المجعول، كما أفاد (رحمه اللّه)(2).

و ثانيا: أنّه لو سلّم أنّ مفاد الاستصحاب هو البناء العمليّ على أنّه هو الواقع، فمنافاة الإحراز التعبّدي مع الوجداني في محلّ المنع، فإنّ للشارع أن يأمر بالتعبّد بوجود ما ليس بموجود واقعا، و بعدم ما ليس بمعدوم واقعا، كما أنّ له الأمر بالتعبّد بوجود العرض بلا موضوع، و بوجود المعلول بلا علّة، و بوجود أحد المتلازمين بلا متلازم آخر.

نعم لا يمكن تعلّق الإحراز التعبّدي بشي‏ء و نقيضه، كما أنّه لا يمكن تعلّق الإحراز الوجداني بشي‏ء و نقيضه، لكن لا مناقضة بين الإحراز الوجداني و التعبّدي. هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

المقام الثاني سقوط التكليف بالعلم الإجمالي و الموافقة على سبيل الإجمال و الاحتياط

فاعلم أنّه لا إشكال في التكاليف التوصليّة و حصول الغرض و سقوط

____________

(1) انظر الرسائل (مبحث الاستصحاب) صفحة رقم: 242 و ما بعدها.

(2) فوائد الأصول 4: 16.

167

الأمر بالاحتياط، لزم منه تكرار جملة العمل أو لا، حتّى مع اللعب بأمر المولى، فإنّه و إن كان الاحتياط على هذا الوجه قبيحا، لكن يحصل الغرض و يسقط الأمر به.

و أمّا في التعبّديات ففي حسن الاحتياط و سقوط التكليف به مطلقا، أو مع عدم التمكن من الامتثال التفصيليّ، أو عدم حسنه مطلقا، أو التفصيل بين لزوم التكرار و عدمه، وجوه.

و قبل الخوض في المقام لا بدّ من تقديم أمور:

الأمر الأوّل:

قد حقّق في مبحث التعبّدي و التوصّلي جواز أخذ ما يأتي من قبل الأمر في المأمور به، كقصد التقرّب و الأمر و أمثالهما، و عدم المحذور فيه لا من ناحية تعلّق الأمر، و لا من ناحية إتيان المأمور به، خلافا للشيخ العلّامة الأنصاري‏ (1) و بعض الأعاظم المتأخّرين عنه‏ (2) و قد أشبعنا الكلام في ذلك المبحث‏ (3) فلا نطيل بتكراره.

ثمّ إنّ اعتبار قصد الوجوب و وجهه و تميّزه عقلا في العبادات ممّا لا وجه له بلا إشكال، فإنّ الإطاعة عند العقل ليست إلّا الانبعاث ببعث الموالي و الإتيان للتقرّب به لو كان المأمور به تعبّديا، و العلم بأصل بعث المولى بل احتماله يكفي في تحقّق الطاعة، و أمّا العلم بمرتبة الطلب في الوجوب و الاستحباب و وجه‏

____________

(1) مطارح الأنظار: 60 سطر 23- 29.

(2) فوائد الأصول 1: 149.

(3) انظر كتاب (مناهج الوصول) للسيد الإمام.

168

الإيجاب أو الاستحباب و التميّز ممّا لا دخل له فيها أصلا بحسب حكم العقل، فلو اعتبر أمثال ذلك فيها تكون بدليل شرعيّ من القيود الشرعيّة، و اعتبارها شرعا أيضا ممّا لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، و لو وصلت النوبة إلى الشكّ فأصالة الإطلاق- لو كان إطلاق في الدليل ترفعه- و إلّا فالأصل العمليّ يقتضي البراءة كما لا يخفى.

و لو بنينا على لزوم تعلّق الطلب- على تقدير التعبّديّة- بذات الفعل مع أخصّيّة الغرض كما قيل‏ (1)، لأمكن- أيضا- التمسّك بالإطلاق المقامي لرفع الشكّ، فإنّ الغرض إذا تعلّق بالأخصّ من المأمور به فللشارع بيانه و لو بدليل منفصل لئلا يلزم نقض غرضه، كما أنّ التمسّك بالبراءة ممّا لا مانع منه.

و أمّا ما نقل شيخنا العلّامة الحائريّ- (قدّس سرّه)- عن سيّده الأستاذ- طاب ثراه- بقوله: و يمكن أن يستظهر من الأمر التوصّليّة من دون الاحتياج إلى مقدّمات الحكمة بوجه آخر: و هو أنّ الهيئة عرفا تدلّ على أنّ متعلّقها تمام المقصود، إذ لو لا ذلك لكان الأمر توطئة و تمهيدا لغرض آخر، و هو خلاف ظاهر الأمر (2).

ففيه: أنّ هذا- على فرض التسليم- يتمّ في القيود التي يمكن أخذها في المتعلّق، و أمّا القيود التي لا يمكن أخذها فيه فلا معنى للتمسّك بالظهور العرفي كما لا يخفى.

____________

(1) مطارح الأنظار: 61 سطر 20- 22.

(2) درر الفوائد 1: 69- 70.

169

ثمّ إنّ شيخنا العلّامة (1)- (رحمه اللّه)- نقل عن العلّامة الأنصاري‏ (2)- (قدّس سرّه)- عدم جواز التمسّك بإطلاق اللفظ لرفع القيود المشكوكة، و كذا عدم إمكان إجراء أصالة البراءة (3) بناء على تعلّق الطلب في التعبّديّات بذات الفعل مع أخصيّة الغرض:

أمّا الأوّل: فلأنَّ القيد غير دخيل في المتعلّق، و حدوده معلومة، فلا شكّ حتّى يتمسّك بالأصل، إنّما الكلام في أخصّيّة الغرض من المأمور به.

و أمّا الثاني: فلأنّ الغرض المحدّث للأمر إذا لم يعلم حصوله شكّ في سقوط الأمر المعلول له، و معه فالأصل الاشتغال.

و يرد على الأوّل منهما: ما ذكرنا من جواز التمسّك بالإطلاق المقامي.

و على الثاني منهما: أن العقل يستقلّ بلزوم إطاعة أوامر المولى و نواهيه، و أمّا لزوم العلم بأغراضه و سقوطها فلا يحكم به العقل، و لا موجب له أصلا، بل يكون من قبيل (اسكتوا عمّا سكت اللَّه) (4) فلو أتى المكلّف بجميع ما هو دخيل في المأمور به فلا إشكال في الإجزاء و سقوط الأمر، فلو فرضنا أنّ للمولى غرضا لم يحصل إلّا بالإتيان بكيفيّة أخرى كان عليه البيان، و لا حجّة له على العبد، مع أنّ العلم بحصول الغرض و سقوطه ممّا لا يمكن لنا، فإنّه ليس لنا

____________

(1) درر الفوائد 1: 68- 69.

(2) مطارح الأنظار: 60 سطر 23- 29.

(3) مطارح الأنظار: 61 سطر 20- 22.

(4) الخلاف 1: 117 مسألة 59.

170

طريق إلى العلم به كما هو واضح.

تنبيه نقل كلام العلّامة الحائري و وجوه النّظر فيه‏

قد رجع شيخنا العلّامة في أواخر عمره عن أصالة التوصّلية في الأوامر إلى أصالة التعبّديّة، و توضيحه- على ما أفاد في مجلس بحثه- يتوقّف على مقدّمات:

الأولى: أنّ متعلّق الأوامر هو الطبيعة القابلة للوحدة و الكثرة الجامعة للصّرف و غيره، لا صرف الوجود الّذي يحتاج إلى اعتبار زائد عن أصل الطبيعة، و الدليل عليه أنّ صيغ الأوامر مركّبة من هيئة هي تدلّ على نفس البعث و الإغراء، و مادّة هي نفس الطبيعة اللابشرط التي هي المقسم للواحد و الكثير.

الثانية: أنّ العلل التشريعيّة- و منها الأوامر الشرعيّة- كالعلل التكوينيّة حذو النعل بالنعل، فكما أنّ وحدة العلّة في التكوينيّات تقتضي وحدة المعلول، و كثرتها كثرته، فالنار الواحدة تؤثّر في إحراق واحد، و النيران الكثيرة في الإحراقات الكثيرة، فكذلك وحدة العلّة في التشريعيّات تقتضي وحدة المعلول، و كثرتها كثرته.

و بهذا يظهر السرّ في عدم دلالة الأوامر على التكرار، لأنّ الأمر الواحد لا يقتضي إلّا المعلول الواحد، لا لأنّ الطبيعة لا تتكثّر، بل لعدم اقتضاء الكثرة فيها، و يبتني على هذين الأصلين فروع كثيرة: منها عدم تداخل الأسباب،

171

و منها اقتضاء الأمر الفوريّة.

الثالثة:- و هي العمدة في الباب- أنّ القيود اللُّبية قد يمكن أن تؤخذ في المأمور به على نحو القيديّة اللحاظيّة، كالإيمان و الكفر للرقبة، و الطهور و الستر في الصلاة، و قد لا يمكن أن تؤخذ بنحو اللحاظ، كقيد الإيصال في المقدّمة على تقدير وجوبها، فإنّ المطلقة منها غير واجبة، و التقيّد بالإيصال غير ممكن، فليس فيها الإطلاق و لا التقييد، و لكن لا تنطبق إلّا على المقيّدة، كالعلل التكوينيّة، فإنّ تأثيرها ليس في الماهيّة المطلقة، و لا المقيّدة بقيد المتأثّرة من قبلها، بل في الماهيّة التي لا تنطبق إلّا على المقيّدة بهذا القيد، فالنار إنّما تؤثّر في الطبيعة المحترقة من قبلها واقعا، لا المطلقة و لا المقيّدة، و من هذا القبيل العلل التشريعيّة، فإنّها- أيضا- تحرّك العبد نحو الطبيعة المتقيّدة لبّا بتحريكها إيّاه نحوها، لا المطلقة و لا المقيّدة بالتقيُّد اللحاظي.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الطبيعة لمّا كانت قابلة للتكرار و الكثرة، فإذا أثّرت فيها العلل المتكثّرة تتكثّر لا محالة باقتضائها، فإذا أوجد المكلّف فردا من الطبيعة بغير داعويّة الأمر لم يأت بالمأمور به و إن أتى بالطبيعة، فإنّ المأمور به هو الطبيعة المتقيّدة لبّا بتحرّك المكلّف نحوها بداعويّة الأمر و باعثيّته، فما لم ينبعث بباعثيّته لم يأت بالطبيعة المأمور بها، فعليه يكون مقتضى الأصل اللفظي في الأوامر هو التعبّديّة و التحرّك بداعويّة الأمر. انتهى ملخّص ما أفاده (قدّس سرّه).

و فيه أوّلا: أنّ قياس العلل التشريعيّة بالعلل التكوينيّة مع الفارق، فإنّ العلل التكوينيّة يكون تشخّص معلولاتها بها، فإنّ المعلول صرف التعلّق‏

172

و محض الربط بعلّته، و ليس له تحقّق قبل تحقّق علّته.

و أمّا الأوامر المتعلّقة بالطبائع الباعثة نحو العمل لا تتعلّق بها إلّا بعد تصوّرها و العلم بها و الاشتياق إليها و الإرادة لتحقّقها، فلا بدّ لها من التحقّق في الرتبة السابقة على الأمر، فلو كان لقيد- أيّ قيد كان- دخالة في تحصّل الغرض لا بدّ من تقييد الموضوع به و لو ببيان آخر.

و أمّا التقييدات الآتية من قبل الأمر خارجا فلا يمكن أن يكون الأمر باعثا نحوها، للزوم كون الأمر باعثا إلى باعثيّة نفسه أو ما هو متأخّر عنه وجودا.

تأمّل [1].

و ثانيا: أنّ ما أفاده في التقييدات اللُّبية في المعلولات التكوينيّة و التشريعيّة ممّا لا يستنتج منه ما هو بصدده، فإنّ النار- مثلا- إذا أحرقت طبيعة، فهاهنا أمور ثلاثة: النار و الإحراق المتعلّق بها و متعلّق الإحراق، أي الطبيعة، و الإحراق المتعلّق بالنار يكون هويّة تعلّقية و متشخّصة بتشخّصها، و لا إطلاق للإحراق الحاصل من النار الشخصيّة، و النار توجد الإحراق الّذي من قبلها لبّا و واقعا، و أمّا القطن المتعلّق للإحراق فلا يكون قطنا مقيّدا بها أو بالإحراق حتّى تكون النار مؤثّرة في القطن المحترق من قبلها، بل ينتزع منه بعد التأثير هذا العنوان، فيكون التقيّد بنفس التأثير، فالنار تحرق القطن، لا القطن المحترق من قبلها.

فهكذا الأمر، و البعث الحاصل منه، و متعلّق البعث أي المبعوث إليه،

____________

[1] فإنّه على ما أشرنا إليه يمكن أنّ تؤخذ هذه القيود- أيضا- في المتعلق من دون محذور أصلا كما حقق في محلّه. [منه (قدّس سرّه)‏]

173

فالبعث و إن كان من قبل الأمر- و يكون تحصّله و تشخّصه به- لكن المتعلّق لا يكون مقيّدا به حتّى يكون البعث إلى الطبيعة المقيّدة، فما تعلّق به البعث و يكون الأمر داعيا إليه هو الطبيعة، و بعد تحقّق البعث و تعلّقه بها ينتزع منها أنها معنونة بعنوان المبعوث إليه.

و بعبارة أخرى: الأمر لا يدعو إلّا إلى متعلّقه، و هو لا يكون إلّا الطبيعة لا بشرط شي‏ء، لا المطلقة و لا المقيّدة لبّا أو لحاظا، كما اعترف- (قدّس سرّه)- به في المقدّمة الأولى، و بعد تعلّق الأمر و توجّه الدعوة إليها تصير مقيّدة بتعلُّق الأمر و البعث إليها، فمفاد الهيئة البعث إلى المادّة التي هي لا بشرط شي‏ء.

و ثالثا: أنّ ما أفاده (رحمه اللّه)- من أنّ الأمر الواحد إذا تعلّق بالطبيعة يقتضي المعلول الواحد، و الأوامر الكثيرة تقتضي المعلولات الكثيرة كالعلل التكوينيّة- منظور فيه، فإنّ المعاليل التكوينية لمّا كان تشخّصها بتشخّص العلل، لا محالة يكون تكثّرها بتكثّرها عللها أيضا، و هذا بخلاف الأوامر، فإنّها لا تتعلّق بالطبائع و لا تصير باعثة إليها، إلّا بعد تصوّر المولى إياها و تعلّق اشتياقه بها و انبعاث إرادته نحوها، فيأمر بإيجادها و يحرّك العبد نحوها، فتقدير الطبيعة المأمور بها و تشخّصها الذهني يكون سابقا على تعلّق الأمر و على الإرادة التي هي مبدؤه، و لا يمكن أن تكون الطبيعة- بما هي أمر وحدانيّ و متصوّر فردانيّ- متعلّقة لإرادتين، و لا لبعثين مستقلّين تأسيسيّين، و لو تعلّق بها ألف أمر لا يفيد إلّا تأكيدا.

و إن شئت قلت: إنّ تكثّر المعلول التكويني بعلّته، و لكن تكثّر الإرادة

174

و الأمر التأسيسيّ بتكثّر المراد.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ أصالة التعبّديّة لا تستنتج من تلك المقدّمات الممهّدة.

الأمر الثاني:

لا إشكال في أنّ الحاكم بالاستقلال في باب الطاعة و حسنها هو العقل، و هل للشارع التصرّف في كيفيّة الإطاعة بعد استقلال العقل بها، أم لا؟

قال بعض أعاظم العصر (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بحثه-: له ذلك، و القول بأنّه ليس للشارع التصرّف في كيفيّة الإطاعة بمعزل عن الصواب، لوضوح أنّ حكم العقل في باب الطاعة إنّما هو لأجل رعاية امتثال أوامره، فله التصرّف في كيفيّة إطاعتها زائدا عمّا يعتبره العقل كبعض مراتب الرياء، حيث قامت الأدلّة على اعتبار خلوّ العبادة عن أدنى شائبة الرياء مع أنّ العقل لا يستقلّ به، و له- أيضا- الاكتفاء في امتثال أوامره بما لا يكتفي به العقل، كما في قاعدة الفراغ‏ (1). انتهى ملخّصه.

و فيه: أنّه من الواضح الضروري أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه يفيد الإجزاء و يسقط الأمر، و لا يعقل بقاء الأمر مع الإتيان بكلّ ما هو دخيل في المأمور به، فإن رجع التصرّف في كيفية الإطاعة إلى تقييد المأمور به- كما أنّ الأمر كذلك في باب الرياء، ضرورة تقيّد العبادة بالإخلاص عن جميع مراتب الرياء- فهو خارج عن التصرّف في كيفيّة الإطاعة، و راجع إلى التصرّف في‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 68.

175

المأمور به، و إن رجع إلى التصرّف في كيفيّة الإطاعة بلا تقييد في ناحية المأمور به، فليس له ذلك، فإنّه مخالف صريح حكم العقل، و تصرّف فيما يستقلّ به، و الظاهر وقوع الخلط بين التصرّفين كما يظهر من مثاله.

و أمّا قضيّة قاعدة الفراغ و التجاوز و أمثالهما، فلا بدّ من الالتزام بتقبّل الناقص بدل الكامل، و رفع اليد عن التكليف هو المصلحة التسهيل و غيرها، و إلّا فمع بقاء الأمر و المأمور به على حالهما لا يعقل جعل مثل تلك القواعد، ففيها أيضا يرجع التصرّف إلى المأمور به، لا إلى كيفيّة الإطاعة.

ثمّ إنه لو استقلّ العقل بشي‏ء في كيفيّة الإطاعة فهو، و إلّا [1] فالمرجع أصالة الاشتغال، لأنّ الشكّ راجع إلى مرحلة سقوط التكليف بعد العلم بثبوته و حدوده.

و أمّا ما في تقريرات المحقّق المتقدّم‏ (1) (رحمه اللّه) من أنّ نكتة الاشتغال فيه هو رجوع الشكّ إلى التعيين و التخيير فهو تبعيد المسافة، مع أنّ الشكّ في التعيين و التخيير ليس بنحو الإطلاق مجرى الاشتغال، بل فيه تفصيل موكول إلى محلّه‏ (2).

و بالجملة: ميزان البراءة و الاشتغال هو رجوع الشكّ إلى مرحلة الثبوت و السقوط، و الشكّ في التعيين و التخيير- أيضا- لا بدّ و أن يرجع إلى‏

____________

[1] أي إذا شكّ في حصولها. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) فوائد الأصول 3: 68- 69.

(2) انظر الجزء الثاني صفحة رقم: 152 و ما بعدها.

176

ذلك الميزان.

و العجب أنّ الفاضل المقرّر- (رحمه اللّه)- ذيّل كلامه في المقام بقوله:

سيأتي في مبحث الاشتغال أنّ اعتبار الامتثال التفصيليّ لا بدّ و أن يرجع إلى تقييد العبادة به شرعا و لو بنتيجة التقييد، و لكن مع ذلك الأصل الجاري فيه عند الشكّ هو الاشتغال، لدوران الأمر بين التعيين و التخيير (1) انتهى.

فكأنه ورد نصّ- في باب التعيين و التخيير- بأن الأصل فيه هو الاشتغال، و إلّا فمع كون اعتبار الامتثال التفصيليّ من القيود الشرعيّة لا وجه لأصل الاشتغال، فإنّ الشكّ يرجع إلى مرحلة ثبوت التكليف لا سقوطه، فإنّه لو كان القيد شرعيّا لا بدّ و أن يكون العقل- مع قطع النّظر عنه- يحكم بكفاية الامتثال الإجمالي، و لكن مع التقييد الشرعيّ في المأمور به يحكم بلزوم الإطاعة التفصيليّة، فإذا شكّ في التقييد يكون شكّه في ثبوت تكليف زائد، و الأصل فيه البراءة.

بل لنا أن نقول: إنّ الشكّ فيه راجع إلى الأقلّ و الأكثر، لا التعيين و التخيير، لأنّ أصل الامتثال الأعمّ من الإجمالي و التفصيليّ ثابت، و الشكّ إنّما هو في القيد الزائد، أي تفصيليّة الإطاعة.

هذا كلّه مع الغضّ عمّا يرد على أصل كلامه- كما أسلفنا (2)- من أنّ تقييد المأمور به بالعلم بالوجوب لحاظيّا أو لبّيّا ممّا لا يعقل، و يلزم منه الدور المستحيل،

____________

(1) فوائد الأصول 3: هامش 69.

(2) انظر صفحة رقم: 94 و ما بعدها.

177

و نتيجة التقييد إن رجعت إلى القيد اللُّبّي- حتّى يكون الواجب ما علم وجوبه- يرد عليه الدور، و إن لم ترجع إليه- لا لحاظيا و لا لبّيا- فلا يعقل بقاء الأمر مع الإتيان بمتعلّقه مع جميع ما يعتبر فيه.

الأمر الثالث:

لا إشكال في أنّ مراتب الامتثال أربع: الأولى: الامتثال التفصيليّ الوجداني، الثانية: الامتثال الإجمالي، الثالثة: الامتثال الظنّي، الرابعة: الامتثال الاحتمالي.

النّظر في مراتب الامتثال‏

لكن الإشكال في أمور:

الأمر الأوّل:

بناء على لزوم الامتثال التفصيليّ هل الامتثال بالطرق و الأمارات و الأصول المحرزة يكون في عرض الامتثال التفصيليّ الوجداني، أم لا، أو التفصيل بينها؟

و المسألة مبتنية على حدّ دلالة أدلتها، فإن دلّت على اعتبارها مطلقا- مع التمكّن من العلم و عدمه- فيتّبع، و إلّا فبمقدار دلالتها.

فنقول: إنّ دليل اعتبار الأمارات- كما ذكرنا سابقا (1)- هو البناء العقلائي و سيرة العقلاء، و ليس للشارع حكم تأسيسيّ نوعا في مواردها، و حينئذ لا بدّ من النّظر في السيرة العقلائيّة و الأخذ بالمتيقّن مع الشكّ فيها، كما أنّ الأمر كذلك في كلّيّة الأدلّة اللّبيّة.

____________

(1) انظر صفحة رقم: 105 و ما بعدها.

178

و الظاهر أنّه لا إشكال في تعميم سيرة العقلاء في أصالة الصحّة و اليد و الأخذ بالظهور، فإنّ بناء العقلاء على العمل بها حتّى مع التمكّن من العلم، فتراهم يتعاملون مع صاحب اليد معاملة المالكيّة، و مع معاملاتهم معاملة الصحّة، و يعملون مع الظاهر معاملة المنكشف العلمي، تمكّنوا من العلم أو لا.

و خبر الثقة- أيضا- لا يبعد أن يكون كذلك، و إن كان في النّفس منه شي‏ء.

و أمّا الاستصحاب- سواء قلنا: إنّه أصل أو أمارة- فلا إشكال في إطلاق أدلّته، كما أنه لا إشكال في قاعدة الفراغ و التجاوز و الشكّ بعد الوقت، فإنّها جعلت في موارد إمكان العلم التفصيليّ و لو بالإعادة. تأمّل.

و أمّا الظنّ على الكشف فليس في عرض العلم، لا لأنّ اعتباره موقوف على انسداد باب العلم حتى يقال: إنّ المراد بالانسداد انسداد معظم الأحكام، فلا ينافي إمكان العلم بالنسبة إلى بعضها، بل لقصور مقدّمات الانسداد عن كشف اعتباره مطلقا حتّى مع التمكّن من العلم أو طريق شرعيّ معتبر.

فما في تقريرات بعض الأعاظم‏ (1) (رحمه اللّه)- من عرضيّته له- ممّا لا يصغى إليه.

الأمر الثاني:

لا مجال للاحتياط مع العلم الوجداني، و أمّا مع قيام الظنّ الخاصّ فله مجال، لبقاء الاحتمال الوجداني، و هذا لا كلام فيه، إنّما الكلام في أنّ اللازم هو الإتيان أوّلا بمقتضى الظنّ الخاصّ ثمّ العمل بمقتضى الاحتياط

____________

(1) فوائد الأصول 3: 70- 71.

179

فيما يلزم منه التكرار، أو يتخيّر في التقديم و التأخير بينهما:

اختار أوّلهما بعض أعاظم العصر (1) (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بحثه- و نَسب ذلك إلى العَلَمين‏ (2) الشيخ الأنصاري‏ (3) و السيّد الشيرازي- (قدّس سرّهما)- و استدلّ له بأمرين:

أحدهما: أنّ معنى اعتبار الطريق إلقاء احتمال مخالفته للواقع عملا و عدم الاعتناء به، و العمل أوّلا برعاية احتمال مخالفة الطريق للواقع ينافي إلقاء احتمال الخلاف، فإنّ ذلك عين الاعتناء باحتمال الخلاف.

و هذا بخلاف ما إذا قدّم العمل بمؤدّى الطريق، فإنّه حيث قد أدّى المكلّف ما هو الوظيفة، و عمل بما يقتضيه الطريق، فالعقل يستقلّ بحسن الاحتياط لرعاية إصابة الواقع.

الثاني: أنّه يعتبر في حسن الطاعة الاحتماليّة عدم التمكّن من الطاعة التفصيليّة، و بعد قيام الطريق المعتبر على وجوب صلاة الجمعة يكون المكلّف متمكّنا من الامتثال التفصيليّ بمؤدّى الطريق، فلا يحسن منه الامتثال الاحتمالي لصلاة الظهر (4) انتهى.

و يرد على الأوّل منهما: أنّ مقتضى أدلّة حجّيّة الأمارات هو لزوم العمل على طبقها، و جواز الاكتفاء بها، لا عدم جواز الاحتياط و الإتيان بشي‏ء آخر

____________

(1) فوائد الأصول 4: 264 و ما بعدها.

(2) فوائد الأصول 3: 71- 72.

(3) فرائد الأصول: 16 سطر 16- 18.

(4) فوائد الأصول 4: 265- 266.

180

باحتمال إصابة الواقع، و لو كان مفادها عدم جواز الاعتناء باحتمال المخالف مطلقا، فلا فرق بين الاعتناء قبل العمل و بعده، فإنّ الإتيان على طبق الاحتمال عين الاعتناء به مطلقا.

و الحقّ: أنّ العمل بالاحتياط لا ينافي أدلّة اعتبار الأمارات، و المكلّف مخيّر في تقديم الإتيان بأيّهما شاء.

و على الثاني:- مضافا إلى ما أورد عليه الفاضل المقرّر (1) (رحمه اللّه): من عدم إمكان الإطاعة التفصيليّة في المقام، فإنّ الإتيان بالظهر على أيّ حال إنّما يكون بداعي الاحتمال، و التمكّن من الإطاعة التفصيليّة في صلاة الجمعة لا يوجب التمكّن منها في صلاة الظهر، فالمقام أجنبيّ عن مسألة اعتبار الامتثال التفصيليّ- ما سيأتي من منع تقدّم رتبة الامتثال التفصيليّ على الامتثال الاحتمالي و وقوع الخلط في المسألة، فانتظر (2).

فاتّضح من ذلك جواز تقديم العمل على مقتضى الاحتياط، ثمّ العمل على مقتضى الأمارة.

الأمر الثالث:

هل الامتثال الإجمالي في عرض الامتثال التفصيليّ، فمع التمكّن من التفصيليّ يجوز الاكتفاء بالإجمالي، أم رتبته متأخّرة عنه؟

ذهب بعضهم‏ (3) إلى الثاني فيما يلزم من الامتثال الإجمالي تكرار جملة

____________

(1) نفس المصدر السابق هامش رقم (2).

(2) انظر صفحة رقم: 184.

(3) فرائد الأصول: 299 سطر 15- 17.

181

العمل، و تبعه فيه بعض مشايخ العصر (رحمه اللّه)- على ما في تقريراته‏ (1)- و استدلّ عليه:

بأنّ تكرار العمل لعب بأمر المولى‏ (2) و فيه ما لا يخفى.

و أخرى بما فصّله المحقّق المعاصر (رحمه اللّه)- على ما في تقريراته- بما حاصله: أنّ حقيقة الإطاعة عند العقل هو الانبعاث عن بعث المولى، بحيث يكون المحرّك له نحو العمل هو تعلّق الأمر به، و هذا المعنى في الامتثال الإجمالي لا يتحقّق، فإنّ الداعي في كلّ واحد في الطرفين هو احتمال الأمر، فالانبعاث إنّما يكون عن احتمال البعث، و هذا أيضا- نحو من الإطاعة، إلّا أنّ رتبته متأخّرة عن الامتثال التفصيليّ.

فالإنصاف: أنّ مدّعي القطع بتقدّم رتبة الامتثال التفصيليّ على الإجمالي مع التمكّن في الشبهات الموضوعيّة و الحكميّة لا يكون مجازفا، و مع الشكّ يكون مقتضى القاعدة هو الاشتغال‏ (3).

و ربّما يظهر منه في المقام- و نقل عنه الفاضل المقرّر (رحمه اللّه)- أنّ اعتبار الامتثال التفصيليّ من القيود الشرعيّة و لو بنتيجة التقييد (4) هذا.

و فيه: أنّه أمّا دعوى كون الامتثال التفصيليّ من القيود الشرعيّة- على فرض إمكان اعتباره شرعا بنتيجة التقييد- فهو ممّا لا دليل عليه تعبّدا، و الإجماع‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 72- 73.

(2) فرائد الأصول: 299 سطر 21.

(3) فوائد الأصول 3: 73.

(4) فوائد الأصول 3: 69 هامش رقم (1).

182

المدّعى‏ (1) في المقام ممّا لا اعتبار لمحصّله، فضلا عن منقوله، لأنّ المسألة عقليّة ربّما يكون المستند فيها هو الحكم العقليّ لا غير، فالعمدة هو الرجوع إلى العقل الحاكم في باب الطاعات.

فنقول: إنّ الآتي بالمأمور به مع جميع قيوده و شرائطه بقصد إطاعة أمره و لو احتمالا يكون عمله صحيحا عقلا، و لو لم يعلم حين الإتيان أنّ ما أتى به هو المأمور به، فإنّ العلم طريق إلى حصول المطلوب، لا أنّه دخيل فيه.

و دعوى: كون العلم التفصيليّ دخيلا في حصول المطلوب و تحقّق الطاعة، ممنوعة جدّاً، فإنّ العقل كما يحكم بصحّة عمل من صلّى الجمعة مع علمه بوجوبها تفصيلا، يحكم بها لمن صلّى الجمعة و الظهر بقصد طاعة المولى مع علمه بوجوب أحدهما إجمالا، بلا افتراق بينهما و لا تقدّم رتبة أحدهما على الآخر.

فدعوى لزوم كون الانبعاث عن البعث المعلوم تفصيلا خاليةٌ عن الشاهد، بل العقل شاهد على خلافها، و لا شبهة في هذا الحكم العقلي أصلا، فلا تصل النوبة إلى الشكّ.

بل لنا أن نقول: لو بنينا على لزوم كون الانبعاث عن البعث المعلوم يكون الانبعاث في أطراف العلم الإجمالي عن البعث المعلوم، فإن البعث فيها معلوم تفصيلا و الإجمال إنّما يكون في المتعلّق، و دعوى لزوم تميّز المتعلّق و تعيّنه في حصول الإطاعة ممنوعة جدّاً.

____________

(1) نسبه إلى الحدائق في فرائد الأصول: 299 سطر 22- 23.

183

هذا كلّه فيما إذا لزم من الامتثال الإجمالي تكرار جملة العمل.

و أمّا إذا لم يلزم منه ذلك فقد اعترف العلّامة المعاصر- على ما في تقريرات بحثه- بعدم وجوب إزالة الشبهة و إن تمكّن منها، لإمكان قصد الامتثال التفصيليّ بالنسبة إلى جملة العمل، للعلم بتعلّق الأمر به و إن لم يعلم بوجوب الجزء المشكوك، إلّا إذا قلنا باعتبار قصد الوجه في الأجزاء، و هو ضعيف‏ (1).

و فيه: أنّه- بعد البناء على أنّ الإطاعة عبارة عن الانبعاث عن البعث المعلوم تفصيلا مع التمكّن، و لا تتحقّق مع احتمال البعث- لا بدّ من الالتزام بعدم كفاية الامتثال الإجمالي في الأجزاء أيضا، فإنّ الأجزاء و إن لم تكن متعلّقة للأمر مستقلا، لكن الانبعاث نحوها لا بدّ و أن يكون بواسطة بعث المولى المتعلّق بها ضمنا، فما لم يعلم أنّ السورة- مثلا- جزء للواجب لا يمكن أن يصير الأمر المتعلّق بالطبيعة باعثا إليها، فلا يكون الانبعاث عن البعث، بل عن احتماله.

و بالجملة: لا شبهة في أنّ الإتيان بأجزاء الواجب التعبّدي لا بدّ و أن يكون بنحو الإطاعة، و البعث نحو الأجزاء و إن كان بعين البعث نحو الطبيعة، لكن لا يمكن ذلك إلّا مع العلم بالجزئيّة.

هذا على مسلكه- (قدّس سرّه)- و أمّا على مسلكنا فالأمر سهل.

الأمر الرابع:

أنّه بعد ما عرفت مراتب الامتثال، فهل يجوز الامتثال الظنّي بالظنّ الغير المعتبر و الاحتمالي مع إمكان الامتثال التفصيليّ،

____________

(1) فوائد الأصول 3: 74.

184

أم لا؟

قال المحقّق المتقدّم (رحمه اللّه)- على ما في تقريراته-: لا إشكال في أنّه لا تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي إلّا بعد تعذّر الامتثال الظنّي، و لا تصل النوبة إلى الامتثال الظنّي إلّا بعد تعذّر الامتثال الإجمالي‏ (1) انتهى.

و الظاهر وقوع الخلط في كلامه- (قدّس سرّه)- بين جواز الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي أو الظنّي في أطراف العلم الإجمالي مع التمكّن من الموافقة القطعيّة، و بين المبحوث عنه فيما نحن فيه، فإنّ البحث هاهنا غير البحث عن لزوم الموافقة القطعيّة في أطراف العلم الإجمالي. فما أفاده- من عدم الإشكال في تقدّم الامتثال الظنّي على الاحتمالي، و في تقدّم العلمي الإجمالي على الظنّي مع التمكّن- أجنبيّ عن المقام، فإنّ المبحوث عنه في المقام هو أنه هل يعتبر العلم التفصيليّ بالأمر في العبادات مع الإمكان، أم تصحّ العبادة مع الاحتمال أو الظنّ؟

فلو فرضنا إتيان أحد أطراف العلم الإجمالي باحتمال كونه مأمورا به، أو إتيان المحتمل البدويّ، ثمّ تبيّن مصادفته للواقع، فهل يصحّ و يجزي عن التعبّد به ثانيا، أم لا؟ فمن اعتبر الامتثال التفصيليّ يحكم بالإعادة و عدم الإجزاء.

و التحقيق: هو الصحّة مع الامتثال الاحتمالي حتّى مع التمكّن من الامتثال العلمي الوجداني التفصيليّ فضلا عن غيره، و ذلك لما عرفت من أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه للتوصّل به إلى مطلوب المولى يفيد الإجزاء،

____________

(1) فوائد الأصول 3: 72.

185

و الانبعاث باحتمال البعث إطاعةٌ حقيقة لو صادف المأتيّ به الواقع، خصوصا في أطراف العلم الإجمالي. و دعوى لزوم العلم بالبعث في صدق الإطاعة (1) ممنوعة.

نعم مع الانبعاث باحتمال البعث يكون تحقّق الطاعة محتملا، فإنّ المأتيّ به لو كان هو المأمور به يكون طاعة، و إلّا انقيادا، و لا يعتبر في الطاعة أكثر من ذلك عند العقل، و اعتبار شي‏ء آخر زائد عمّا يعتبره العقل إنّما يكون بتقييد شرعيّ مدفوع بالإطلاق أو الأصل.

و هاهنا تفصيل منقول عن سيّد مشايخنا الميرزا الشيرازي [1]- (قدّس سرّه)- و هو الحكم بفساد العبادة لو لم يكن قاصدا للامتثال على نحو الإطلاق في الواجبات، للتأمّل في صدق الإطاعة عرفا على فعل من يقتصر على بعض المحتملات، لكون القصد فيها مشوبا بالتجرّي، و هذا موجب للتردّد في صدق الإطاعة. هذا في الواجبات.

و أمّا في المستحبّات فصدق الإطاعة على الإتيان ببعض محتملاتها ممّا لا شبهة فيه، و لا مانع منه، لعدم الشوب بالتجرّي فيها.

____________

[1] هو الإمام زعيم الدين و الملة، سيد الفقهاء و مربي العلماء، السيد محمّد حسن بن السيد محمود الحسيني الشيرازي. ولد سنة 1230 ه في شيراز، اشتغل في طلب العلم و حضر الأبحاث العالية عند مجموعة من العلماء الأعلام كصاحب الجواهر و الشيخ الأنصاري و الشيخ حسن كاشف الغطاء، له عدّة مؤلفات، توفي سنة 1312 ه- في سامراء، و دفن في النجف الأشرف. انظر أعيان الشيعة 5: 305، معارف الرّجال 2: 233، الكنى و الألقاب 3: 184.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 73 و الدعوى تستفاد من لازم كلامه (قدّس سرّه).

186

و يرد عليه: أنّ الإتيان ببعض المحتملات بقصد امتثال أمر المولى لا يكون مشوبا بالتجرّي أصلا، بل التجرّي إنّما يتحقّق بترك الآخر، لا بفعل المأتيّ به، و هذا واضح.

و بما ذكرنا اتّضح حال الشبهات البدويّة الحكميّة، و أنّ الإتيان بالمشتبه بقصد الامتثال مجز، و لا يحتاج إلى الفحص، فما أفاده بعض محقّقي العصر (رحمه اللّه)- من الاحتياج إليه‏ (1)- ممّا لا أساس له.

____________

(1) فوائد الأصول 4: 271.

187

مباحث الظّن‏

188

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

189

في إمكان التعبد بالأمارات‏

قوله: في بيان إمكان التعبّد ... إلخ‏

(1)

.

(1) أقول: لا سبيل إلى إثبات الإمكان، فإنّه يحتاج إلى إقامة البرهان عليه، و لا برهان عليه كما لا يخفى.

و لكن الّذي يسهّل الخطب أنّه لا احتياج إلى إثباته، بل المحتاج إليه هو ردّ أدلّة الامتناع، فإذا لم يدلّ دليل على امتناع التعبّد بالأمارات و الأصول نعمل على طبق أدلّة حجّيّتها و اعتبارها.

و بعبارة أخرى: لا يجوز رفع اليد عن ظواهر أدلّة اعتبارها إلّا بدليل عقليّ على الامتناع، فإن دلّ دليل عليه فإنا نرفع اليد عنها، و إلّا نعمل على طبقها.

و من ذلك يظهر: أنّ الإمكان الّذي نحتاج إليه هو الّذي وقع في كلام‏

____________

(1) كفاية الأصول 2: 42 السطر الأخير.

190

الشيخ رئيس الصناعة [1] من قوله: كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان‏ (1) فإنّ مقصوده من ذلك الكلام هو الردع عن الحكم بالامتناع و الاستنكار من الإمكان بمجرّد غرابة أمر كما هو ديدن غير أصحاب البرهان.

و الإمكان بهذا المعنى- أي الاحتمال العقلي و عدم الحكم بأحد طرفي القضيّة بلا قيام البرهان عليه- من الأحكام العقليّة، لا البناء العقلائي كما قيل‏ (2)، و المحتاج إليه فيما نحن بصدده هو هذا المعنى، فإنّ رفع اليد عن الدليل الشرعيّ لا يجوز إلّا بدليل عقليّ أو شرعيّ أقوى منه.

فاتّضح بما ذكرنا: أنّ عنوان البحث بما حرّروا (3) من إمكان التعبّد بالأمارات الغير العلميّة، ليس على ما ينبغي.

كما أنّ تفسير الإمكان بالوقوعي‏ (4) في غير محلّه، فإنّ إثبات الإمكان- كما عرفت- يحتاج إلى برهان مفقود في المقام، مع عدم الاحتياج إلى إثباته.

____________

[1] هو الشيخ الكبير أبو علي الحسين بن عبد اللَّه بن سينا المعروف بالشيخ الرئيس، ولد في بخارى سنة 370 ه، عرف بقوة الحافظة و شدة الذكاء و سرعة تلقيه للعلوم، له عدّة كتب أشهرها الشفاء و الإشارات و القانون، توفي سنة 428 ه- و دفن في همدان. انظر وفيات الأعيان 2: 157، أعيان الشيعة 6: 69، الوافي بالوفيات 12: 391.

____________

(1) الإشارات 2: 143 سطر 20- 21.

(2) فرائد الأصول: 24 السطر الأخير.

(3) فرائد الأصول: 24 سطر 17- 18، فوائد الأصول 3: 88، درر الفوائد 2: 22.

(4) نهاية الأفكار: القسم الأول من الجزء الثالث: 56.

191

نعم الاستحالة التي ادُّعيت‏ (1) هي الوقوعية أو الذاتيّة على بعض التقادير، فالأولى أن يقال في عنوان البحث: «في عدم وجدان دليل على امتناع التعبّد بالأمارات».

و أمّا ما في تقريرات بحث بعض أعاظم العصر- (رحمه اللّه)-: من أنّ المراد من الإمكان المبحوث عنه في المقام هو الإمكان التشريعي لا التكويني، فإنّ التوالي الفاسدة المتوهّمة هي المفاسد التشريعيّة لا التكوينيّة (2).

ففيه أوّلا: أنّ الإمكان التشريعي ليس قسما مقابلا للإمكانات، بل هو من أقسام الإمكان الوقوعي، غاية الأمر أنّ المحذور الّذي يلزم من وقوع شي‏ء قد يكون تكوينيّا، و قد يكون تشريعيّا، و هذا لا يوجب تكثير الأقسام، و إلّا فلنا أن نقول: الإمكان قد يكون ملكيّا، و قد يكون ملكوتيّا، و قد يكون عنصريّا، و قد يكون فلكيّا .. إلى غير ذلك، بواسطة اختلاف المحذورات المتوهّمة.

و ثانيا: أنّ بعض المحذورات المتوهّمة من المحذورات التكوينيّة، مثل اجتماع الحبّ و البغض و الإرادة و الكراهة و المصلحة و المفسدة في شي‏ء واحد، فإنّها محذورات تكوينيّة.

ثمّ إنّ المحذورات المتوهّمة بعضها راجع إلى ملاكات الأحكام كاجتماع المصلحة و المفسدة الملزمتين بلا كسر و انكسار، و بعضها راجع إلى مبادئ الخطابات كاجتماع الكراهة و الإرادة و الحبّ و البغض، و بعضها راجع إلى‏

____________

(1) ادعاها ابن قبة على ما نقله في فرائد الأصول: 24 سطر 19- 21.

(2) فوائد الأصول 3: 88.

192

نفس الخطابات كاجتماع الضدّين و النقيضين و المثلين، و بعضها راجع إلى لازم الخطابات كالإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة، فحصر المحذور في الملاكيّ و الخطابيّ ممّا لا وجه له، كما وقع من العظيم المتقدّم‏ (1).

كما أنّ تسمية الإلقاء في المفسدة و تفويت المصلحة بالمحذور الملاكي‏ (2)، ممّا لا ينبغي، فإنّها من المحذورات الخطابيّة و من لوازم الخطابات، و الأمر سهل.

و كيف كان، فلا بدّ من دفع المحذورات مطلقا، فنقول:

أمّا تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة فلا محذور فيهما إذا كانت مصلحة التعبّد بالأمارات و الأصول غالبة، أو محذور عدم التعبّد بها غالبا.

و إن شئت قلت: إنّ ما فات من المكلّف بواسطة التعبّد بها تصير متداركة.

بل لنا أن نقول: إنّ المفاسد الأخرويّة- أي العقاب و العذاب- لا تلزم بلا إشكال، و تفويت المصالح الأخروية إمّا ينجبر بواسطة الانقياد بالتعبّد بالأمارات، و إمّا يتدارك من جهة أخرى، و إمّا غير لازم التدارك، فإنّ ما يقبح على الحكيم هو الإلقاء في المفسدة، و أمّا إيصال المصالح فهو من باب التفضّل، و ليس في تركه قبح.

و أمّا الدنيويّة منهما فلزومها غير معلوم، لعدم الدليل على اشتمال المتعلّقات أو الأحكام على المصالح و المفاسد الدنيويّة، و بعض المصالح‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 89.

(2) المصدر السابق.

193

الاستجراريّة تترتّب على التعبّد بالأمارات أيضا.

ثمّ إنّ الإشكال لا ينحصر بصورة الانفتاح كما أفاد المحقّق المعاصر (1)- (رحمه اللّه)- بل يجري في صورة الانسداد أيضا، فإنّه وارد في صورة الانسداد على رفع الاحتياط و ترخيص العمل على طبق بعض الأمارات.

و ما أفاد: من أنّ العملَ على طبق الأمارة- لو صادف- خير جاء من قبلها (2).

يرد عليه: بأنّ الأمر لو كان دائرا بين العمل على طبق الأمارة و ترك العمل و الإهمال رأسا، كان الأمر كما أفاده، لكنّه ليس دائرا بينهما، بل هو دائر بين العمل بالاحتياط أو التجزّي فيه، أو العمل بالأمارة.

فحينئذ يرد الإشكال عينا على الترخيص في ترك الاحتياط أوّلا، و على العمل بالأمارة دون التجزّي في الاحتياط ثانيا، و طريق [دفع‏] الإشكال هو سبيل [دفعه‏] في زمان الانفتاح من كون العمل بالأمارة ذا مصلحة جابرة، أو في العمل بالاحتياط مفسدة غالبة.

تنبيه‏

قد أجاب الشيخ العلّامة الأنصاريّ‏ (3)- (قدّس سرّه)- عن الإشكال بالتزام‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 90.

(2) المصدر السابق.

(3) فرائد الأصول: 26- 27.

194

المصلحة السلوكيّة، و فصّلها المحقّق المعاصر (قدّس سرّه)- على ما في تقريرات بحثه بعد ردّ الوجهين من وجوه السببية- بما حاصله:

الثالث: أن يكون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة في السلوك مع بقاء الواقع و المؤدّى على ما هما عليه من المصلحة و المفسدة من دون أن يحدث في المؤدّى مصلحة بسبب قيام الأمارة غير ما كان عليه، بل المصلحة تكون في تطرّق الطريق و سلوك الأمارة و تطبيق العمل على مؤدّاها و البناء على أنّه هو الواقع بترتيب الآثار المترتّبة على الواقع على المؤدّى، و بهذه المصلحة السلوكيّة يتدارك ما فات من المكلّف‏ (1) انتهى كلامه.

و فيه أوّلا: أنّ الأمارات المعتبرة شرعا غالبها- ان لم يكن جميعها- طرق عقلائيّة يعمل بها العقلاء في سياساتهم و معاملاتهم، و لا تكون تأسيسيّة جعليّة، كما اعترف به المحقّق المتقدّم‏ (2)- (رحمه اللّه)- و من الواضح أنّ الأمارات العقلائيّة ليست في سلوكها مصلحة أصلا، بل هي طرق محضة، و ليس لها شأن إلّا الإيصال إلى الواقع، و ليس إمضاء الشارع لها إلّا بما لها من الاعتبار العقلائيّ، فالمصلحة السلوكيّة ممّا لا أساس لها أصلا، و هذا بمكان من الوضوح، و لا ينبغي التأمّل فيه.

و ثانيا: لا معنى لسلوك الأمارة و تطرّق الطريق إلّا العمل على طبق مؤدّاها، فإذا أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعة فسلوك هذه الأمارة و تطرُّق هذا

____________

(1) فوائد الأصول 3: 95- 96.

(2) فوائد الأصول 3: 91.

195

الطريق ليس إلّا الإتيان بصلاة الجمعة، فلا معنى لكون مصلحة تطرّق الطريق مصلحة مغايرة للإتيان بنفس المؤدّى، و الإتيان بالمؤدّى مع المؤدّى غير متغايرين إلّا في عالم الاعتبار، و لا يرفع الإشكال بهذه الاعتبارات و التعبيرات.

و لك أن تقول: إنّ هذه المفاهيم المصدريّة النسبيّة لا حقيقة لها إلّا في عالم الاعتبار، و لا تتّصف بالمصالح و المفاسد، فموضوع المصلحة و المفسدة نفس العناوين، أي الصلاة و الخمر.

و لو قلت: إنّ شرب الخمر و إتيان الصلاة متعلّق الحرمة و الوجوب و موضوع المفسدة و المصلحة.

قلت: لو سلّم فتطبيق العمل في طبق الأمارة و تطرّق الطريق عبارة أخرى عن شرب الخمر و إتيان الصلاة.

و ثالثا: لو قامت المصلحة في نفس العمل على طبق الأمارة و تطرّق الطريق- بلا دخالة للمؤدّى و الواقع فيها- فلا بدّ من التزام حصول المصلحة في الإخبار عن الأمور العاديّة، و قيام الأمارات على أمور غير شرعيّة، فإذا أخبر الثقة بأمر له عمل غير شرعيّ لا بدّ أن يلتزم بأنّ تطبيق العمل على طبقه و تطرّق هذا الطريق له مصلحة، و هو كما ترى، و القول بأنّ المصلحة قائمة في تطرّق الطريق القائم على الحكم الشرعيّ‏ (1) مجازفة.

ثمّ إنّ لازم قيام المصلحة- التي يتدارك بها ما فات من المكلّف- في تطرّق الطريق و سلوك الأمارة، هو الإجزاء و إن انكشف الخلاف في الوقت، فضلا

____________

(1) فرائد الأصول: 26 السطر الأخير.

196

عن خارجه، لاستيفاء المصلحة بواسطة سلوك الأمارة و العمل على طبقها.

فإذا قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة، و قلنا: إنّ في سلوك الأمارة مصلحة يتدارك بها مفسدة فوت صلاة الظهر مثلا، فعمل المكلّف على طبق الأمارة، ثمّ انكشف الخلاف في الوقت- و لو وقت الفضيلة- يكون الإتيان بها مجزيا عن الظهر، لأنّ المصلحة القائمة في تطرّق الطريق غير مقيّدة بعدم انكشاف الخلاف.

فما أفاد الشيخ العلّامة الأنصاري‏ (1)- (قدّس سرّه)- و تبعه المحقّق المعاصر (2)- (رحمه اللّه)- من التفصيل في الإجزاء، ممّا لا وجه له، و ما أفاده الثاني من الوجه‏ (3) ضعيف غايته، فراجع.

ثمّ إنّ ما ذكرنا من الإجزاء إنّما هو على مسلك القوم، و أمّا التحقيق في مسألة الإجزاء و تحرير محلّ البحث فيها فهو أمر آخر وراء ما ذكروه، و هو موكول إلى محلّه.

هذا ما يتعلّق بالجواب عن تفويت المصالح و الإلقاء في المفاسد.

و أمّا محذور اجتماع المثلين و الضدّين و النقيضين و أمثاله، فيتوقّف التحقيق في دفعه على بيان مقدّمات:

الأولى: أنّ مفاد أدلّة اعتبار الأمارات و الأصول مطلقا هو ترتيب الآثار

____________

(1) فرائد الأصول: 28 سطر 16 حتى آخر الصفحة.

(2) فوائد الأصول 3: 96- 97.

(3) نفس المصدر السابق.

197

و التعبّد بالبناء عملا على طبق مفادها، فكما أنّ مفاد أدلّة أصالتي الطهارة و الحلّيّة- من قوله: (كلّ شي‏ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر) (1) و (كلّ شي‏ء لك حلال) (2)- هو التعبّد عملا بالطهارة و الحلّيّة، أي ترتيب آثار الطهارة و الحلّيّة على المشكوك فيه عملا، كذلك مفاد أدلّة الفراغ و التجاوز- أيضا- هو التعبّد بترتيب آثار الإتيان على المشكوك فيه في الجزء و الشرط، و عدم إتيان مشكوك المانعية.

و مفاد أدلّة البراءة الشرعيّة هو ترتيب آثار عدم الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة عند الشكّ فيها.

و كذا مفاد أدلّة اعتبار الأمارات هو التعبّد بترتيب آثار الواقع عملا، فإذا قام خبر الثقة على عدم الجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة، فمعنى تصديقه هو ترتيب آثار تلك الأعدام، و إذا قامت البيّنة على طهارة شي‏ء أو حلّيّة، أو قامت على إتيان الجزء عند الشكّ فيه، فوجوب تصديقهما عبارة عن ترتيب آثار الطهارة و الإتيان عملا.

و قس على ذلك كلّيّة أدلّة اعتبار الأمارات و الأصول بلا افتراق من هذه الحيثيّة بينها أصلا. نعم الأمارات بنفسها لها جهة الكاشفيّة و الطريقيّة دون غيرها، و كلامنا في دليل اعتبارها لا في مفاد أنفسها، و قد خلط كثير منهم بين المقامين و الحيثيّتين، فلا تغفل.

____________

(1) التهذيب 1: 284- 285- 199 باب 12 في تطهير الثياب و غيرها من النجاسات، الوسائل 2: 1054- 4 باب 37 من أبواب النجاسات.

(2) الكافي 6: 339- 2 باب الجبن من كتاب الأطعمة، الوسائل 17: 91- 2 باب 61 من أبواب الأطعمة المباحة.

198

و أمّا حديث حكومة دليل على دليل فهو باعتبار لسان أدلّة الاعتبار، لا باعتبار كاشفيّة الأمارات و عدم كاشفيّة غيرها، فإنّها أمور تكوينيّة لا دخل لها بالحكومة و مثلها.

فمفاد أدلّة الأمارات و إن كان بحسب النتيجة مطابقا لأدلّة الأصول، لكن حكومتها باعتبار لسانها، فإنّ لسانها هو ترتيب آثار صدق العادل و كون خبره مطابقا للواقع، و هذا لسان إزالة الشكّ تعبّدا، و هو بهذا المفاد مقدّم على الأصول التي أخذ الشكّ في موضوعها، و للكلام محلّ آخر يأتي- إن شاء اللَّه تعالى- في مستأنف المقال‏ (1).

عدم اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها

الثانية: لا يمكن اختصاص الأحكام الواقعيّة بالعالم بها، للزوم الدور، فإنّ العلم بالشي‏ء يتوقّف على وجود الشي‏ء بحسب الواقع، و لو توقّف وجوده على العلم به لزوم توقّف الشي‏ء على ما يتوقّف عليه، و هذا واضح.

و مناقشة بعض المحقّقين من أهل العصر [1]- (رحمه اللّه)- في ذلك- لجواز

____________

[1] هو المحقق الكبير و العالم الرباني الشيخ محمد حسين بن محمد حسن معين التجار الأصفهاني الشهير بالكمپاني. ولد في النجف الأشرف سنة 1296 ه- حضر الأبحاث العالية عند جملة من عظماء الطائفة الإمامية كالآخوند و السيد الفشاركي و الميرزا باقر الإصطهباناتي و غيرهم. توفي سنة 1361 ه- و دفن في النجف الأشرف. له مؤلفات كثيرة أشهرها نهاية الدراية. انظر معارف الرّجال 2: 263، نقباء البشر 2: 560. و انظر المطلب في نهاية الدراية 2: 22- 23.

____________

(1) انظر الجزء الثاني صفحة رقم: 242.

199

القطع بالحكم بنحو الجهل المركّب، فلا يتوقّف العلم بالحكم عليه بحسب الواقع- خلط، و في غير محلّها.

هذا مضافا إلى ظهور أدلّة الأصول و الأمارات في أنّ الأحكام الواقعيّة محفوظة في حال الشكّ، فإنّ قوله: (كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه) (1) يدلّ على أنّ ما هو حرام واقعا إذا شكّ في حرمته يكون حلالا بحسب الظاهر و في حال الشكّ، و كذا قوله: (كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر) (2) يدلّ على محفوظيّة القذارة الواقعيّة في حال الشكّ. و كذا أدلّة الأمارات- مثل أدلّة حجّيّة قول الثقة- تدلّ على تصديقه و ترتيب آثار الواقع على مؤداه.

و بالجملة: لا إشكال في عدم اختصاص الأحكام الواقعيّة بالعالم بها، كما أنّ الخطابات الشرعيّة متعلّقة بعناوين محفوظة في حال العلم و الجهل، فإنّ الحرمة قد تعلّقت بذات الخمر و الوجوب تعلّق بذات الصلاة من غير تقيّد بالعلم و الجهل، فهي بحسب المفاد شاملة للعالم و الجاهل كما لا يخفى.

وجه الجمع بين الأحكام الظاهرية و الواقعية

الثالثة: أنّ الخطابات- كما عرفت- و إن لم تكن مقيّدة بحال العلم و لا مختصّة بالعالم بها، و لكن هنا أمر آخر، و هو أنّ الخطابات إنّما تتعلّق بالعناوين‏

____________

(1) الكافي 5: 313- 40 باب المملوك يتجر ...، الوسائل 12: 60- 4 باب 4 من أبواب ما يكتسب به.

(2) مستدرك الوسائل 1: 164- باب 29- ح 4.

200

و تتوجّه إلى المكلّفين لغرض انبعاثهم نحو المأمور به و لتحريكها إيّاهم نحوه، و لا إشكال في أنّ التكليف و الخطاب بحسب وجوده الواقعي لا يمكن أن يكون باعثا و زاجرا، لامتناع محرّكيّة المجهول، و هذا واضح جدّاً.

فالتكاليف إنّما تتعلّق بالعناوين و تتوجّه إلى المكلّفين لكي يعلموا فيعملوا، فالعلم شرط عقليّ للباعثيّة و التحريك، فلمّا كان انبعاث الجاهل غير ممكن فلا محالة تكون الإرادة قاصرة عن شمول الجاهلين، فتصير الخطابات بالنسبة إليهم أحكاما إنشائيّة.

و إن شئت قلت: إنّ لفعليّة التكليف مرتبتين:

إحداهما: الفعليّة التي هي قبل العلم، و هي بمعنى تماميّة الجهات التي من قبل المولى، و إنّما النقصان في الجهات التي من قبل المكلّف، فإذا ارتفعت الموانع التي من قبل العبد يصير التكليف تامّ الفعليّة، و تنجّز عليه.

و ثانيتهما: الفعليّة التي هي بعد العلم و بعد رفع سائر الموانع التي تكون من قبل العبد، و هو التكليف الفعليّ التامّ المنجّز.

إذا عرفت ما ذكرنا من المقدّمات سهل لك سبيل الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة، فإنّه لا بدّ من الالتزام بأنّ التكاليف الواقعيّة مطلقا- سواء كانت في موارد قيام الطرق و الأمارات، أو في موارد الأصول مطلقا- فعليّة بمعناها الّذي قبل تعلّق العلم، و لا إشكال في أنّ البعث و الزجر الفعليّين غير محقّقين في موارد الجهل بها، لامتناع البعث و التحريك الفعليّين بالنسبة إلى القاصرين، فالتكاليف بحقائقها الإنشائيّة و الفعليّة التي من قبل المولى- بالمعنى‏

201

الّذي أشرنا إليه- تعمّ جميع المكلّفين، و لا تكون مختصّة بطائفة دون طائفة، لكن الإرادة قاصرة عن البعث و الزجر الفعليّ بالنسبة إلى القاصرين.

فإذا كان التكليف قاصرا عن البعث و الزجر الفعليّين بالنسبة إليهم فلا بأس بالترخيص الفعليّ على خلافها، و لا امتناع فيه أصلا، و لا يلزم منه اجتماع الضدّين أو النقيضين أو المثلين و أمثالها.

نعم يمكن للمولى- بعد قصور التكليف الواقعي عن البعث و الزجر- إيجاب الاحتياط على المكلّف بدليل مستقلّ، فإنّ إيجاب الاحتياط لا يمكن بواسطة نفس الدليل الدالّ على الحكم الواقعيّ، لقصوره عن التعرّض لحال الشكّ، فلا بدّ من الدليل المستقلّ حفظا للحكم الواقعي، و لكن إذا كان في الاحتياط محذور أشدّ من الترخيص- مثل الحرج و اختلال النظام- فلا بدّ له من الترخيص، و لا محذور فيه أصلا.

فالجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة بما ذكرنا ممّا لا محذور فيه ملاكا و خطابا، بل لا محيص عنه، فإنّ البعث و الزجر الفعليّين بالنسبة إلى الجاهل غير معقولين، كما أنّ الترخيص مع البعث و الزجر الفعليّين غير معقول.

و أمّا مع قصور التكليف و الإرادة عنهما و حرجيّة إيجاب الاحتياط أو محذور آخر فيه، فلا محيص عن جعل الترخيص، و لا محذور فيه.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الأحكام الواقعيّة و الخطابات الأوّليّة- بحسب الإنشاء و الجعل، و بحسب الفعليّة التي قبل العلم- عامّة لكلّيّة المكلّفين جاهلين كانوا أو عالمين، لكنّها قاصرة عن البعث و الزجر الفعليّين بالنسبة إلى‏

202

الجهّال منهم، ففي هذه المرتبة التي هي مرتبة جريان الأصل العقلي لا بأس في جعل الترخيص، فإذا جاز الترخيص فما ظنّك بجعل الأمارات التي هي غالبة المطابقة للواقع؟

مضافا إلى ما عرفت فيما سبق‏ (1) أنّ الأمارات و الطرق الشرعيّة- جلّها أو كلّها- هي الأمارات العرفيّة العقلائيّة التي يعمل بها العقلاء في معاملاتهم و سياساتهم، و ليست هي تأسيسيّة جعليّة، فصرف عدم الردع كاف لحجّيتها، و لا تحتاج إلى جعل و إنشاء حجّية أو إمضاء كما قيل‏ (2). نعم للشارع جعل الاحتياط و الردع عن العمل بها، و هو- كما عرفت- خلاف المصالح العامّة و سهولة الدين الحنيف، فإذا كان الأمر كذلك فلا ينقدح شوب إشكال الجمع بين الضدّين و النقيضين و المثلين حتّى نحتاج إلى رفعه، فتدبّر.

تنبيه الإشكال على الوجوه التي ذكرت للجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي‏

و هاهنا وجوه من الجمع لا تخلو كلّها أو جلّها من الخلل و القصور، لا بأس بالتعرّض لمهماتها:

منها: ما أفاد بعض محقّقي العصر (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بحثه- بعد

____________

(1) انظر صفحة رقم: 105 و ما بعدها.

(2) مقالات الأصول 2: 38 سطر 9- 11.

203

تفكيكه في التفصّي عن الإشكال بين موارد قيام الطرق و الأمارات و بين الأُصول المحرزة و بين الأُصول الغير المحرزة، فقال في موارد تخلّف الأمارات ما حاصله: إنّ المجعول فيها ليس حكماً تكليفيّاً، حتّى يتوهّم التضادّ بينها و بين الواقعيّات، بل الحقّ أنّ المجعول فيها هو الحجيّة و الطريقيّة، و هما من الأحكام الوضعيّة المتأصّلة في الجعل، خلافا للشيخ- (قدّس سرّه)- حيث ذهب إلى أنّ الأحكام الوضعيّة كلّها منتزعة من الأحكام التكليفيّة (1).

و الإنصاف عدم تصوّر انتزاع بعض الأحكام الوضعيّة من الأحكام التكليفيّة، مثل الزوجيّة، فإنّها وضعيّة و يستتبعها جملة من الأحكام، كوجوب الإنفاق على الزوجة، و حرمة تزويج الغير لها، و حرمة ترك وطئها أكثر من أربعة أشهر ... إلى غير ذلك، و قد يتخلّف بعضها مع بقاء الزوجيّة، فأيّ حكم تكليفيّ يمكن انتزاع الزوجيّة منه؟! و أيّ جامع بين هذه الأحكام التكليفيّة ليكون منشأ لانتزاع الزوجيّة؟! فلا محيص في أمثالها عن القول بتأصّل الجعل، و منها الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات، فإنّها متأصّلة بالجعل و لو إمضاء، لما تقدّمت الإشارة إليه من كون الطرق التي بأيدينا عقلائيّة يعتمد عليها العقلاء في مقاصدهم، بل هي عندهم كالعلم لا يعتنون باحتمال مخالفتها للواقع، فنفس الحجّية و الوسطيّة في الإثبات أمر عقلائيّ قابل بنفسه للاعتبار من دون أن يكون هناك حكم تكليفيّ منشأ لانتزاعه.

إذا عرفت حقيقة المجعول فيها ظهر لك أنّه ليس فيها حكم حتّى ينافي‏

____________

(1) فرائد الأصول: 351 سطر 11- 20.

204

الواقع، فلا تضادّ و لا تصويب، و ليس حال الأمارات المخالفة إلّا كحال العلم المخالف، فلا يكون في البين إلّا الحكم الواقعي فقط مطلقا، فعند الإصابة يكون المؤدّى هو الحكم الواقعي كالعلم الموافق و يوجب تنجيزه، و عند الخطأ يوجب المعذوريّة و عدم صحّة المؤاخذة عليه كالعلم المخالف، من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول‏ (1) انتهى.

و فيه: أوّلا: أنّه ليس في باب الأمارات و الطرق العقلائيّة الإمضائيّة غالبا حكم مجعول أصلا، لا الحجّية، و لا الوسطيّة في الإثبات، و لا الحكم التكليفي التعبّدي، كما قد عرفت سابقا (2) و ليس معنى الإمضاء هو إنشاء حكم إمضائي، بل الشارع لم يتصرّف في الطرق العقلائيّة، و كان الصادع بالشرع يعمل بها كما يعمل العقلاء في سياساتهم و معاملاتهم. و ما ورد في بعض الروايات إنّما هي أحكام إرشاديّة.

و العجب أنّه- (قدّس سرّه)- مع اعترافه كرارا بذلك‏ (3) ذهب إلى جعل الحجّيّة و الوسطيّة في الإثبات و تتميم الكشف‏ (4) و أمثالها ممّا لا عين لها في الأدلّة الشرعيّة و لا أثر.

و ثانيا: لو سلّم أنّ هناك جعلا شرعيّا، فما هو المجعول ليس إلّا إيجاب العمل بالأمارات تعبّدا، و وجوب ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها، كما هو مفاد

____________

(1) فوائد الأصول 3: 105.

(2) انظر صفحة رقم: 105 و ما بعدها.

(3) فوائد الأصول 3: 30، 91، 195.

(4) فوائد الأصول 3: 17.

205

الروايات مثل قوله (عليه السلام): (إذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس) و أشار إلى زرارة (1)، و قوله: (و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا) (2) و قوله: (عليك بالأسديّ، يعني أبا بصير) [1]، و قوله: (العمري ثقتي) إلى أن قال: (فاسمع له و أطع، فإنه الثقة المأمون) [2] إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة مما يستفاد منها- مع الغضّ عن الإرجاع إلى الارتكاز العقلائي- وجوب العمل على طبقها تعبّدا على أنّها هو الواقع و ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها.

نعم لو كان للآية الشريفة: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (3) دلالة، يمكن أن يتوهّم منها أنّها بصدد جعل المبيّنيّة و المكشوفيّة في مؤدّى خبر العادل، بتقرير أنّ المفهوم منها أنّ خبر العادل لا يجب التبيُّن فيه لكونه متبيّنا.

____________

[1] رجال الكشي: 171- 291، الوسائل 18: 103- 15 باب 11 من أبواب صفات القاضي.

أبو بصير الأسدي: هو يحيى بن القاسم، كوفي تابعي، من أصحاب الإمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام)، ذكره النجاشي و وصفه بالوثاقة و الوجاهة، توفي سنة 150 ه. انظر رجال النجاشي: 441. معجم رجال الحديث 20: 74.

[2] الكافي 1: 329- 330- 1 باب في تسمية من رآه (عليه السلام)، الوسائل 18: 99- 4 باب 11 من أبواب صفات القاضي.

العمري: هو الشيخ العظيم و الوكيل الجليل أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي، أول نائب خاص للإمام المهدي (عليه السلام) في الغيبة الصغرى، توفي ببغداد و لا زال قبره الشريف مقصد الزائرين. انظر تنقيح المقال 2: 245، معجم رجال الحديث 11: 111.

____________

(1) رجال الكشي: 136- 216، الوسائل 18: 104- 19 باب 11 من أبواب صفات القاضي بتفاوت يسير.

(2) كتاب الغيبة: 177، الاحتجاج 2: 470 توقيعات الناحية المقدسة، الوسائل 18: 101- 9 باب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) الحجرات: 6.

206

لكن فيه- مع الغضّ عن الإشكال بل الإشكالات في دلالتها- أنّها ليست بصدد جعل ما ذكر، بل بصدد جعل وجوب العمل على طبقه، و إنّما المتبيّنيّة الذاتيّة التي له جهة تعليليّة لوجوب العمل على طبقه. تدبّر تعرف.

و ثالثا: أنّ الحجّية و الوسطيّة في الإثبات و الكاشفيّة و أمثالها لا تنالها يد الجعل تأصّلا.

أمّا الحجّية بمعنى صحّة الاحتجاج و قاطعيّة العذر فواضح، فإنّها أمر تبعيّ محض متأخّر عن جعل تكليف أو وضع، و ليس نفس صحّة الاحتجاج و قاطعيّة العذر من الاعتبارات الاستقلاليّة للعقلاء، و ذلك واضح.

و أمّا الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات و الكاشفيّة و الحجيّة التي بمعنى الوسطيّة في الإثبات: فلأنّ كلّ واحد من تلك المعاني ممّا لا يمكن جعله، فإنّ إعطاء جهة الكاشفيّة و الطريقيّة كما لا يمكن لما لا يكون له جهة كشف و طريقيّة، كذلك تتميم الكاشفيّة و إكمال الطريقيّة لا يمكن جعلهما لما هو ناقص الكاشفيّة و الطريقيّة، فكما أنّ الشكّ غير قابل لإعطاء صفة الكاشفيّة و الطريقيّة عليه- كما اعترف به‏ (1) (قدّس سرّه)- كذلك ما ليس له تمام الكاشفيّة و يكون هذا النقصان ذاتيّا له لا يمكن جعل التماميّة له، و كما أنّ اللاكاشفيّة ذاتيّة للشكّ لا يمكن سلبها عنه، كذلك النقص ذاتيّ للأمارات لا يمكن سلبه عنها، فما فهو تحت يد الجعل ليس إلّا إيجاب العمل بمفادها تعبّدا و العمل على طبقها و ترتيب آثار الواقع عليها، و لمّا كان ذاك التعبّد بلسان تحقّق الواقع و إلقاء احتمال الخلاف عملا،

____________

(1) فوائد الأصول 3: 19.