أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - ج1

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
424 /
207

ينتزع منه الحجيّة و الوسطيّة في الإثبات تعبّدا.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ ما هو ممكن المجعوليّة و ما تناله يد الجعل ليس إلّا الحكم التكليفي التعبّدي، أي وجوب العمل على طبق الأمارات و وجوب ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها، و الوضع إنّما ينتزع من هذا الحكم التكليفي.

و أمّا قضيّة حكومتها على الأصول فهي أساس آخر قد أشرنا إليه فيما سلف‏ (1). و سيأتي‏ (2)- إن شاء اللَّه- بيانها في مستأنف القول.

و رابعا: أنّ ما أفاد من كون الزوجيّة مجعولة تأصّلا لعدم تصوّر وجود تكليف ينتزع منه الزوجيّة (3)، ففيه: أنّ تلك الأحكام التكليفيّة التي عدّها- من وجوب الإنفاق على الزوجة ... إلى آخر ما ذكره إنّما هي متأخّرة عن الزوجيّة، و تكون من أحكامها المترتّبة عليها، و معلوم أنّ أمثالها لا يمكن أن تكون منشأ لانتزاع الزوجيّة، لا لمكان عدم الجامع بينها، بل لمكان تأخّرها عن الزوجيّة و كونها من آثارها و أحكامها، فتلك الأحكام أجنبيّة عن انتزاع الوضع منها.

نعم هنا أحكام تكليفيّة أخرى يمكن أن تكون [1] منا شي‏ء للوضع، كقوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ (4) و قوله: وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏

____________

[1] أي يتوهم أنها [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) انظر صفحة رقم: 198.

(2) انظر الرسائل (مبحث الاستصحاب) صفحة رقم: 242.

(3) فوائد الأصول 3: 105- 106.

(4) النساء: 3.

208

مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ‏ (1)، و قوله تعالى: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ‏ (2) و أمثالها.

و إن كان التحقيق عدم مجعوليّة الزوجيّة شرعا، لا بنحو الأصالة و لا بنحو آخر، فإنّ الزوجيّة من الأمور العقلائيّة و من الاعتبارات التي يكون أساس الحياة الاجتماعية و نظامها متوقّفا عليها، و لا تكون من المخترعات الشرعيّة. نعم إنّ الشرائع قد تصرّفت فيها نوع تصرّفات في حدودها، لا أنّها اخترعتها، بل اتّخاذ الزوج و تشكيل العائلة من مرتكزات بعض الحيوانات أيضا.

و خامسا: بعد اللّتيّا و التي لا يحسم ما أطنب مادّة الإشكال، فإنّ الأحكام الواقعيّة إذا كانت باقية على فعليّتها و باعثيّتها و زاجريّتها لا يمكن جعل الأمارة المؤدّية إلى خلافها بالضرورة، فإنّ جعل الحجّية و الوسطيّة في الإثبات في الأمارات المؤدّية إلى مناقضات الأحكام الشرعيّة و مضادّاتها، يلازم الترخيص الفعليّ للعمل على طبقها، و هو محال مع فعليّتها.

و بالجملة: لا يعقل جعل الأمارة المؤدّية إلى خلاف الأحكام الواقعيّة بأيّ عنوان كان، فمع بقائها على تلك المرتبة من الفعليّة، كما لا يمكن جعل أحكام مضادّة لها، لا يمكن جعل حجّة أو أمارة أو عذر أو أمثال ذلك.

و قياس الأمارات على العلم مع الفارق، ضرورة أنّ العلم لم يكن بجعل جاعل، حتّى يقال: إنّ جعله لأجل تضمّنه الترخيص الفعلي يضادّ الأحكام‏

____________

(1) النور: 32.

(2) النساء: 24.

209

الواقعيّة. هذا إذا قلنا ببقاء الأحكام على فعليّتها بعثا و زجرا.

و أمّا مع التنزّل عنها و صيرورتها إنشائيّة أو فعليّة بمرتبة دون تلك المرتبة- كما عرفت‏ (1)- فلا مضادّة بينها و بين الأحكام التكليفيّة الظاهريّة، فلا وجه لإتعاب النّفس و الالتزام بأمور لم يكن لها عين و لا أثر في أدلّة اعتبار الأمارات، و إنّما هي اختراعات نشأت من العجز عن إصابة الواقع.

و ممّا ذكرنا يعرف النّظر في كلام المحقّق الخراسانيّ‏ (2)- (رحمه اللّه)- حيث ظنّ أنّ المجعول في باب الأمارات- إذا كان الحجّيّة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفيّة- يحسن مادّة الإشكال مع أنّه بحاله.

كما أنّ الجمع على فرض الحكم التكليفي بما أفاد من كون أحدهما طريقيّا و الآخر واقعيّا (3) ممّا لا يحسم مادّته، فإنّه مع فعليّة الأحكام الواقعيّة لا يمكن جعل الحكم الطريقي المؤدّي إلى ضدّها و نقيضها، كما هو واضح بأدنى تأمّل.

و بالجملة: لا محيص- على جميع المباني- عن الالتزام بعدم فعليّة الأحكام بمعناها الّذي بعد العلم كما عرفت.

ثمّ إنّ المحقّق المعاصر المتقدّم- (قدّس سرّه)- قال في باب الأصول المحرزة ما حاصله: إنّ المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع، و إلقاء الطرف الآخر و جعله كالعدم، و لأجل ذلك قامت مقام القطع‏

____________

(1) انظر صفحة رقم: 200 و ما بعدها.

(2) الكفاية 2: 44 سطر 12- 14.

(3) الكفاية 2: 49- 50.

210

الطريقي، فالمجعول فيها ليس أمرا مغايرا للواقع، بل الجعل الشرعيّ تعلّق بالجري العمليّ على المؤدّى على أنّه هو الواقع، كما يرشد إليه قوله- في بعض أخبار قاعدة التجاوز-: بأنّه (قد ركع) (1) فإن كان المؤدّى هو الواقع فهو، و إلّا كان الجري العملي واقعا في غير محلّه، من دون أن يتعلّق بالمؤدّى حكم على خلاف ما هو عليه، فلا يكون ما وراء الحكم الواقعيّ حكم آخر حتّى يناقضه و يضادّه‏ (2) انتهى.

و أنت خبير بورود الإشكال المتقدّم عليه من عدم حسم مادّة الإشكال به أصلا مع بقاء الحكم الواقعي على فعليّته و باعثيّته، فإنّه مع بقائهما كيف يمكن جعل الأصول التنزيليّة بأيّ معنى كان؟! فالبناء العمليّ على إتيان الجزء أو الشرط- كما هو مفاد قاعدة التجاوز على ما أفاد- مع فعليّة حكم الجزئيّة و الشرطيّة، ممّا لا يجتمعان بالضرورة، و لا يعقل جعل الهوهويّة المؤدّية إلى مخالفة الحكم الواقعي مع فعليّته و باعثيّته [1].

و هكذا الكلام في الاستصحاب و غيره من الأصول المحرزة على طريقته (قدّس سرّه)(3).

____________

[1] هذا، مع أنّ ظاهر كلامه لا يرجع إلى محصل، فإنّ البناء العملي و الجري العملي من- فعل المكلّف، و هو ليس تحت الجعل، و إيجاب الجري العملي حكم مضاد للواقع. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) الاستبصار 1: 358- 8 باب 208 من شك و هو قائم، الوسائل 4: 937- 6 باب 13 من أبواب الركوع.

(2) فوائد الأصول 3: 111- 112.

(3) فوائد الأصول 4: 692.

211

هذا مضافا إلى ما مرّ ذكره من منع كون الاستصحاب من الأصول المحرزة:

أمّا على استفادة الطريقيّة من أدلّته- كما قرّبناها [1]- فواضح، و أمّا على التنزّل من ذلك فلا يستفاد منها إلّا وجوب ترتيب آثار الواقع على المشكوك و عدم جواز رفع اليد عن الواقع بمجرّد الشكّ، فالكبرى المجعولة في الاستصحاب ليست إلّا الحكم التكليفي [2] و هو حرمة رفع اليد عن آثار الواقع، أو وجوب ترتيب آثاره، و أمّا جعل الهوهويّة فهو أجنبيّ عن مفادها.

و أمّا قاعدة التجاوز و الفراغ فمفاد أدلّتها- أيضا- ليس إلّا الحكم التكليفي، و هو وجوب المضيّ و عدم الاعتناء بالشكّ و ترتيب آثار إتيان الواقع المشكوك فيه، و هذا حكم تكليفيّ أجنبيّ عمّا ذكره من جعل الهوهويّة.

و ليت شعري أنّه ما الداعي إلى رفع اليد عن ظواهر الأدلّة الكثيرة في باب الطرق و الأمارات و أبواب الأصول و الالتزام بما لا عين له في الأدلّة و لا أثر؟

و لعلّ الإشكال المتقدّم ألجأه إلى الالتزام بهذه الأمور الغريبة البعيدة عن مفاد الأدلّة بل عن مذاق الفقاهة، مع أنّها- كما عرفت- لا تسمن و لا تغني من جوع.

و بما ذكرنا- مع ما يأتي في محلّه‏ (1)- يظهر أنّ الأصول التنزيليّة- بما ذكره- ممّا لا أساس لها أصلا، و لا داعي للالتزام بها، كما أنّه لا داعي للالتزام بما التزم به‏

____________

[1] سابقا لكن رجعنا عنه. [منه (قدّس سرّه)‏]

[2] قد رجعنا عنه أيضا في مبحث الاستصحاب. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) انظر الجزء الثاني صفحة رقم: 174.

.

212

في الأمارات و الطرق، كما يظهر بالتأمّل فيما ذكرناه.

ثمّ [1] إنّه- (قدّس سرّه)- قال في باب الأصول الغير التنزيليّة- مع ما أطال و أتعب نفسه الزكيّة في تفصيل متمّمات الجعل- ما ملخّصه:

إنّ للشكّ في الحكم الواقعيّ اعتبارين:

أحدهما: كونه من الحالات و الطوارئ اللاحقة للحكم الواقعي أو موضوعه كحالة العلم و الظنّ، و هو بهذا الاعتبار لا يمكن أخذه موضوعا لحكم يضادّ الحكم الواقعي، لانحفاظ الحكم الواقعي عنده.

ثانيهما: اعتبار كونه موجبا للحيرة في الواقع و عدم كونه موصلا إليه و منجّزا له، و هو بهذا الاعتبار يمكن أخذه موضوعا لما يكون متمّما للجعل و منجّزا للواقع و موصلا إليه، كما أنّه يمكن أخذه موضوعا لما يكون مؤمّنا عن الواقع، حسب اختلاف مراتب الملاكات النّفس الأمريّة، فلو كانت مصلحة الواقع مهمّة في نظر الشارع، كان عليه جعل المتمّم، كمصلحة احترام المؤمن و حفظ نفسه، فإنّه أهمّ من مفسدة حفظ نفس الكافر،

____________

[1] و ذكر قبيل هذا: أنّ متمم الجعل فيما نحن فيه يتكفل لبيان وجود الحكم في زمان الشك فيه‏ (1) و مراده من المتمّم هو أصالة الاحتياط. و هذا مع بطلانه في نفسه، لأنّ أصل الاحتياط أو إيجاب الاحتياط لا يكون متكفلا لبيان وجود الحكم في زمان الشك بالضرورة، و إلّا لكان أمارة، و وجوب الاحتياط مع الشك لغرض الوصول إلى الواقع غير كون أصل الاحتياط أو إيجابه مبيّنا للواقع، و هو أوضح من أن يخفى، و مخالف لما قال سابقا من أنّه أصل غير محرز، و لبعض كلماته اللاحقة (2) فراجع ..

____________

(1) فوائد الأصول 3: 114.

(2) فوائد الأصول 3: 112، 4: 692

213

فيقتضي جعل حكم طريقيّ بوجوب الاحتياط في موارد الشكّ، و هذا الحكم الاحتياطي إنّما هو في طول الواقع لحفظ مصلحته، و لذا كان خطابه نفسيّا لا مقدّميّا، لأنّ الخطاب المقدّمي ما لا مصلحة فيه أصلا، و الاحتياط ليس كذلك، لأنّ أهمّيّة الواقع دعت إلى وجوبه، فهو واجب نفسيّ للغير، لا واجب بالغير، و لذا كان العقاب على مخالفته، لا مخالفة الواقع، لقبح العقاب عليه مع الجهل.

إن قلت: فعليه تصح العقوبة على مخالفة الاحتياط- صادف الواقع أولا- لكونه واجبا نفسيّا.

قلت: فرق بين علل التشريع و علل الأحكام، و الّذي لا يدور الحكم مداره هو الأوّل دون الثاني. و لا إشكال في أنّ الحكم بوجوب حفظ نفس المؤمن علّة للحكم بالاحتياط، و لا يمكن أن يبقى في مورد الشكّ مع عدم كون المشكوك ممّا يجب حفظ نفسه، و لكن لمكان جهل المكلَّف كان اللازم عليه الاحتياط تحرّزا عن مخالفة الواقع.

من ذلك يظهر: أنّه لا مضادّة بين إيجاب الاحتياط و بين الحكم الواقعي، فإنّ المشتبه إن كان ممّا يجب حفظ نفسه واقعا فوجوب الاحتياط يتّحد مع الوجوب الواقعي، و يكون هو هو، و إلّا فلا، لانتفاء علّته، و المكلّف يتخيّل وجوبه لجهله بالحال، فوجوب الاحتياط من هذه الجهة يشبه الوجوب المقدّمي و إن كان من جهة أخرى يغايره.

و الحاصل: أنّه لمّا كان إيجاب الاحتياط من متمّمات الجعل الأوّلي‏

214

فوجوبه يدور مداره، و لا يعقل بقاء المتمّم- بالكسر- مع عدم المتمّم- بالفتح- فإذا كان وجوب الاحتياط يدور مدار الوجوب الواقعي فلا يعقل التضادّ بينهما، لاتّحادهما في مورد المصادقة و عدم وجوب الاحتياط في مورد المخالفة، فأين التضادّ؟! هذا إذا كانت المصلحة مقتضية لجعل المتمّم و أمّا مع عدم الأهميّة، فللشارع جعل المؤمّن بلسان الرفع، كقوله: (رفع ... ما لا يعلمون) (1)، و بلسان الوضع مثل (كلّ شي‏ء ... حلال) (2) فإنّ رفع التكليف ليس عن موطنه ليلزم التناقض، بل رفع التكليف عمّا يستتبعه من التبعات و إيجاب الاحتياط.

فالرخصة المستفادة من دليل الرفع نظير الرخصة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان في عدم المنافاة للواقع.

و السرّ فيه: أنّها تكون في طول الواقع لتأخّر رتبتها عنه، لأنّ الموضوع فيها هو الشكّ في الحكم من حيث كونه موجبا للحيرة في الواقع و غير موصل إليه و لا منجّز له، فقد لوحظ في الرخصة وجود الحكم الواقعي، و معه كيف يعقل أن تضادّه؟! و بالجملة: الرخصة و الحلّيّة المستفادة من حديث الرفع و أصالة الحلّ تكون في عرض المنع و الحرمة المستفادة من إيجاب الاحتياط. و قد عرفت أنّ‏

____________

(1) الخصال: 417- 9، توحيد الصدوق: 353- 24، الفقيه 1: 36- 4 باب 14 فيمن ترك الوضوء أو بعضه أو شك فيه، الاختصاص: 31.

(2) الكافي 5: 313- 40 باب النوادر من كتاب المعيشة، الوسائل 12: 60- 4 باب 4 من أبواب ما يكتسب به.

215

إيجاب الاحتياط يكون في طول الواقع، فما يكون في عرضه يكون في طول الواقع أيضا، و إلّا يلزم أن يكون ما في طول الشي‏ء في عرضه‏ (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و فيه أوّلا: أنّ تفريقه بين أخذ الشكّ باعتبار كونه من الحالات و الطوارئ، و بين أخذه باعتبار كونه موجبا للحيرة في الواقع، و جعله مناط رفع التضادّ هو الأخذ على الوجه الثاني، ممّا لا محصّل له، فإنّ الطوليّة لو ترفع التضادّ فالحالات الطارئة- أيضا- في طول الواقع، و إلّا فالأخذ باعتبار كونه موجبا للحيرة في الواقع لا يرفعه.

و بالجملة: أنّ الاعتبارين مجرّد تغيير في العبارة و تفنّن في التعبير، و بهذا و أشباهه لا يرفع التضادّ، لكون الحكم الواقعي محفوظا مع الشكّ و الحيرة.

و ثانيا: أنّ الحكم الواقعي إن بقي على فعليّته و باعثيّته فلا يعقل جعل الاحتياط المؤدّي إلى خلافه، فضلا عن جعل المؤمّن كما في أصالة الإباحة، فهل يمكن مع فعليّة الحكم الواقعي جعل المؤمّن الّذي يلازم الترخيص في المخالفة أو عينه؟ و هل مجرّد تغيير أسلوب الكلام و كثرة الاصطلاح و الاعتبار ترفع التضادّ و التناقض؟! و إن لم يبق كما اعترف في المقام بأنّ الأحكام الواقعيّة بوجوداتها النّفس الأمريّة لا تصلح للداعويّة فالجمع بين الحكم الواقعي بهذا المعنى و الظاهري لا يحتاج إلى تلك التكلّفات، فإنّ الحكم الإنشائيّ أو الفعلي بالمعنى المتقدّم ممّا

____________

(1) فوائد الأصول 3: 114 و ما بعدها.

216

لا ينافي الأحكام الظاهريّة.

و ثالثا: أنّ ما تفصّي به عن إشكال صحّة العقوبة على مخالفة الاحتياط- بالتزامه عدم وجوب الاحتياط واقعا في مورد الشكّ مع عدم كون المشكوك فيه ممّا يجب حفظه، لكون وجوب حفظ المؤمّن علّة للحكم بالاحتياط لا علّة للتشريع- ممّا لا وجه له، فإنّ وجوب الاحتياط حكم ظاهريّ لغرض حفظ الواقع، و لا بدّ لهذا الحكم الظاهريّ المتمّم للجعل الأوليّ أن يتعلّق حقيقة بكلّ مشكوك سواء كان المشكوك ممّا يجب حفظه، أم لا. و لو تعلّق وجوب الاحتياط بمورد الشكّ الّذي ينطبق على الواجب الواقعي دون غيره لاحتاج إلى متمّم آخر، فإنّ وجوب الاحتياط المتعلّق بالمشكوك فيه الواجب بحسب الواقع لا يصلح للداعويّة نحو المشكوك فيه، و قاصر عن أن يكون محرّكا لإرادة العبد كنفس التكليف الواقعي، فيصير إيجاب الاحتياط لغوا، فإنّ في جميع موارد الشكّ يكون تعلّق وجوب الاحتياط بها مشكوكا.

و ما أفاد (قدّس سرّه)- من أنّ المكلّف لمّا لم يعلم كون المشكوك ممّا يجب حفظ نفسه أو لا يجب، كان اللازم عليه هو الاحتياط تحرّزا عن مخالفة الواقع- واضح الفساد، فإنّ وجوب الاحتياط على النحو الّذي التزم به لا يزيد سعة دائرته عن الحكم الواقعي، فكما أنّ الحكم الواقعي لا يمكن أن يتكفّل بزمان شكّه، كذلك حكم الاحتياط لا يمكن أن يتكفّل بزمان شكّه، و الحال أنّ تمام موارده كذلك، فإيجاب الاحتياط لا يكون إلّا لغوا باطلا.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ حكم الاحتياط لا بدّ و أن يتعلّق بكلّ مشكوك،

217

لكن لمّا كان هذا الحكم لغرض حفظ الواقع، و ليس نفسه متعلّقا لغرض المولى، لا يوجب مخالفته بنفسها استحقاق العقوبة [1] و هذا واضح جدّاً.

و رابعا: أنّ ما أفاد- من أنّ الرخصة و الحلّيّة المستفادة من حديث الرفع و أصالة الحلّ تكون في عرض المنع المستفاد من إيجاب الاحتياط، و لمّا كان إيجاب الاحتياط في طول الواقع فما يكون في عرضه يكون في طول الواقع أيضا، و إلّا يلزم أن يكون ما في طول الشي‏ء في عرضه- منظور فيه، فإنّه قد ثبت أنّ ما في عرض المتقدّم على شي‏ء لا يلزم أن يكون في طول هذا المتأخّر، مع أنّ هذه الطوليّة ممّا لا ترفع التضادّ كما عرفت.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا: أنّ ما أفاد هذا المحقّق- مع ما أطنب و أتعب نفسه في أبواب الأمارات و الأصول من وجوه الجمع- ممّا لا طائل تحته و لا أساس له. و في كلامه مواقع أنظار أخر تركناها مخافة التطويل.

وجه الجمع على رأي بعض المشايخ‏

و من وجوه الجمع: ما نقل شيخنا العلّامة- أعلى اللَّه مقامه- عن سيّده الأستاذ- (قدّس سرّه)- و محصّله: عدم المنافاة بين الحكمين إذا كان الملحوظ في موضوع الآخر الشكّ في الأوّل.

توضيحه: أنّ الأحكام تتعلّق بالمفاهيم الذهنيّة من حيث إنّها حاكية عن‏

____________

[1] بل العقاب على الواقع- لو فرض التخلّف- و لا يقبح العقاب عليه بعد إيجاب الاحتياط، كما هو واضح. [منه (قدّس سرّه)‏]

218

الخارج، فالشي‏ء ما لم يتصوّر في الذهن لا يتّصف بالمحبوبيّة و المبغوضيّة.

ثمّ المفهوم المتصوّر: تارة يكون مطلوبا على نحو الإطلاق، و أخرى على نحو التقييد، و على الثاني فقد يكون لعدم المقتضي في غير ذلك المقيّد، و قد يكون لوجود المانع، و هذا الأخير مثل أن يكون الغرض في عتق الرقبة مطلقا إلّا أنّ عتق الرقبة الكافرة مناف لغرضه الآخر الأهمّ، فلا محالة بعد الكسر و الانكسار يقيّد الرقبة بالمؤمنة، لا لعدم المقتضي، بل لمزاحمة المانع.

و ذلك موقوف على تصوّر العنوان المطلوب مع العنوان الآخر المتّحد معه المخرج له عن المطلوبيّة الفعليّة. فلو فرضنا عدم اجتماع العنوانين في الذهن- بحيث يكون تعقّل أحدهما لا مع الآخر دائما- لم يتحقّق الكسر و الانكسار بين الجهتين، فاللازم منه أنّه متى تصوّر العنوان الّذي فيه جهة المطلوبيّة يكون مطلوبا مطلقا، لعدم تعقّل منافيه، و متى تصوّر العنوان الّذي فيه جهة المبغوضيّة يكون مبغوضا كذلك، لعدم تعقّل منافيه.

و العنوان المتعلّق للأحكام الواقعيّة مع العنوان المتعلّق للأحكام الظاهريّة ممّا لا يجتمعان في الوجود الذهني أبدا، لأنّ الحالات اللاحقة للموضوع بعد تحقّق الحكم و في الرتبة المتأخرة عنه لا يمكن إدراجها في موضوعه.

فلو فرضنا بعد ملاحظة اتّصاف الموضوع بكونه مشكوك الحكم تحقّق جهة المبغوضيّة فيه لصار مبغوضا بهذه الملاحظة، و لا يزاحمها جهة المطلوبيّة الملحوظة في ذاته، لأنّ الموضوع بتلك الملاحظة لا يكون متعقّلا فعلا، لأنّ تلك الملاحظة ملاحظة ذات الموضوع مع قطع النّظر عن الحكم، و هذه‏

219

ملاحظته مع الحكم.

إن قلت: العنوان المتأخّر و إن لم يكن متعقّلا في مرتبة تعقّل الذات، و لكنّ الذات ملحوظة في مرتبة تعلّق العنوان المتأخّر، فيجتمع العنوانان و عاد الإشكال.

قلت: كلّا، فإنّ تصوّر موضوع الحكم الواقعي مبنيّ على تجرّده عن الحكم، و تصوّره بعنوان كونه مشكوك الحكم لا بدّ و أن يكون بلحاظ الحكم، و لا يمكن الجمع بين لحاظي التجرّد و اللاتجرّد.

و بعبارة أخرى: صلاة الجمعة التي كانت متصوّرة في مرتبة كونها موضوعة للوجوب الواقعي لم تكن مقسما لمعلوم الحكم و مشكوكه، و التي تتصوّر في ضمن مشكوك الحكم تكون مقسما لهما، فتصوّرهما معا موقوف على تصوّر العنوان على نحو لا ينقسم إلى القسمين و على نحو ينقسم، و هذا مستحيل في لحاظ واحد.

فحينئذ نقول: متى تصوّر الآمر صلاة الجمعة بملاحظة ذاتها تكون مطلوبة، و متى تصوّرها بملاحظة كونها مشكوك الحكم تكون متعلّقة لحكم آخر (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و فيه أوّلا: أنّ ما أفاد- من عدم إمكان تصوّر ما يأتي من قبل الحكم في الموضوع- ممنوع، فإنّ تصوّر الأمر المتأخّر ممّا لا إشكال فيه أصلا، فعدم اجتماع العنوانين في الذين من هذه الجهة ممنوع، و قد اعترف (قدّس سرّه)- في ردّ الشبهة

____________

(1) درر الفوائد 2: 25- 27.

220

المشهورة في باب التعبّدي و التوصّلي- بجواز أخذ ما من قبل الأمر في الموضوع‏ (1)، فراجع [1].

و ثانيا: لازم ما أفاد- من مزاحمة جهة المبغوضيّة مع جهة المحبوبيّة- هو التقييد اللُّبّي و نتيجة التقييد، فإنّ الإهمال الثبوتي غير معقول، فالصلاة التي شكّ في حكمها لم تكن بحسب اللّبّ مع ابتلائها بالمزاحم الأقوى واجبة، فيختصّ الوجوب بالصلاة المعلومة الوجوب، فعاد إشكال التصويب، و مجرّد إطلاق الحكم بواسطة الغفلة عن المزاحم لا يدفع الإشكال كما لا يخفى.

و ثالثا: أنّ ما أفاد في جواب «إن قلت»- من أنّ موضوع الحكم الواقعي هو المجرّد عن الحكم- يرد عليه: أنّه إن أراد بالتجرّد هو لحاظ تقييد الموضوع به حتّى يصير الموضوع بشرط لا- كما هو الظاهر من كلامه صدرا و ذيلا- فهو ممنوع، فإنّ الموضوع للأحكام نفس الذوات بلا لحاظ التجرّد و التلبّس. مع أنّ لحاظ تجرّده عن الحكم يلازم لحاظ الحكم، و الحال أنّ الحكم متأخّر عن الموضوع و من الحالات اللاحقة له، فكما لا يمكن لحاظ مشكوكيّة الحكم في الموضوع على مبناه لا يمكن لحاظ نفس الحكم، لتحقّق المناط فيه، فيكون ما أفاد- قدّس‏

____________

[1] مع أنّ تأخر المشكوكيّة عن الحكم و حصولها بعد تعلّق الحكم ممنوع جدّاً لأنّ الشكّ قد يتعلّق بعنوان مع عدم المصداق له خارجا، كالشكّ في تحقق شريك الباري.

و أمّا جعل الحكم على المشكوك إنّما يكون لغوا إذا لم يكن للحاكم حكم مطلقا، و لا يلزم أن يكون جعله متأخّرا عن جعل الأحكام الواقعية في مقام تدوين القوانين، بل لازم ما ذكره- من أنّ الشك متأخر عن الجعل- انقلاب الشك علما، لأنّه مع العلم بهذه الملازمة لا يمكن تعلق الشك، و مع الغفلة ينقلب إذا توجّه، مع أنّ تعلّقه مع الغفلة دليل على بطلان ما أفاد. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) درر الفوائد 1: 62.

221

سرّه- من قبيل الكرّ على ما فرّ منه [1].

و إن أراد بالتجرّد عدم اللحاظ، فعدم مقسميّته لمعلوم الحكم و مشكوكه و عدم ملحوظيّته مع العنوان المتأخّر ممنوع، لأنّه محفوظ معه، لكونه طبيعة بلا شرط كما لا يخفى.

و ممّا ذكرنا في الوجهين المتقدّمين يعرف حال سائر الوجوه التي أفادها الأصحاب في الجمع بين الأحكام الواقعيّة و الظاهريّة، فلا نطيل بالتعرّض لها و النّظر فيها.

____________

[1] مضافا إلى أنّ تعلّق الحكم بالموضوع بشرط لا مستلزم لعدم تعلق‏ (1) الحكم واقعا على الموضوع المشكوك الحكم، فلا يعقل معه الشك في الحكم. و لو جعل بشرط لا من المعلوم أيضا، فالفساد أفحش. [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) الكلمة في المخطوط غير واضحة و يمكن أن تقرأ تبقى أو تيقن‏

222

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

223

في تأسيس الأصل فيما لا يعلم اعتباره‏

قوله: ثالثها: أنّ الأصل ... إلخ‏

(1)

.

(1) اعلم أنّ الحجّية إمّا بمعنى الوسطيّة في الإثبات و الطريقيّة إلى الواقع، و بهذا المعنى يقال للمعلومات التصديقيّة الموصلة إلى مجهولاتها: الحجّة و الدليل، و إطلاقها على الأمارات باعتبار كونها برهانا شرعيّا أو عقلائيّا على الواقع، لا باعتبار صيرورتها بعناوينها وسطا في الإثبات، و إمّا بمعنى الغلبة [1] على الخصم و قاطعيّة العذر و صحّة المؤاخذة و الاحتجاج.

و هي بكلا المعنيين ممّا لا تقبل الجعل الابتدائي، و لا ينالها يد استقلال الجعل كما أشرنا إليه سابقا (2) و إنّما الممكن ثبوتا جعل منشأ انتزاعها، و الواقع‏

____________

[1] الظاهر أنّ إطلاق الحجة على الدليل أيضا بهذه الملاحظة. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) الكفاية 2: 55.

(2) انظر صفحة رقم: 206 و ما بعدها.

224

إثباتاً- لو بنينا على أنّ الروايات الواردة في بعضها إنّما وردت للجعل و التأسيس- هو جعل وجوب اتّباعها و ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها على أنّها هو الواقع.

و بالجملة: مفاد الأدلّة هو الأحكام التكليفيّة لا الوضعيّة.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الأصل فيما لا يعلم اعتباره بالخصوص عدم الحجّيّة، و عدم جواز ترتيب الآثار عليه، و عدم صحّة الاحتجاج به، و هذا واضح.

إنّما الكلام في تحقّق الملازمة بين الحجّيّة و بين جواز التعبّد و صحّة الانتساب إلى الشارع طرداً و عكساً و عدمه.

و التحقيق: أنّ الحجّيّة بمعنى الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات ملازمة لهما طرداً و عكساً، ضرورة أنّه مع قيام الطريق الشرعيّ تأسيسا أو إمضاء لا معنى لعدم جواز التعبّد و صحّة الانتساب، و مع عدم الحجّيّة بهذا المعنى لا معنى لهما.

و أمّا الحجّيّة بالمعنى الثاني- أي ما [1] يصحّ الاحتجاج به، و يكون قاطعا للعذر- لا تلازمهما، فإنّ الظنّ على الحكومة ليس بحجّة بالمعنى الأوّل، و لكنّه حجّة بالمعنى الثاني، و يصحّ الاحتجاج به، و يكون قاطعا للعذر كما هو واضح، و مع ذلك لا يصحّ معه الانتساب و لا يجوز التعبّد به.

و بما ذكرنا يمكن إيقاع التصالح بين الأعلام، لأنّ المنكر للملازمة كالمحقّق‏

____________

[1] كون الشي‏ء بحيث ... [منه (قدّس سرّه)‏]

225

الخراسانيّ‏ (1) و شيخنا العلّامة (2) أعلى اللَّه مقامهما- فسّراها بالمعنى الثاني‏ (3) و المثبت لها كالمحقّق المعاصر- على ما في تقريراته‏ (4)- فسّرها بالمعنى.

الأوّل. تأمّل.

البحث عن قبح التشريع و حرمته‏

ثمّ إنّ المبحوث عنه في المقام هو تأسيس الأصل فيما لا دليل على اعتباره بالخصوص، حتّى يتبع في موارد الشكّ، كما أفاد المحقّق الخراسانيّ‏ (5) و أمّا البحث عن قبح التشريع و حرمته و المباحث المتعلّقة به كما فصّل المحقّق المعاصر (6)- (رحمه اللّه)- فهو خارج عمّا نحن فيه، لكنّه لا بأس بالتعرّض لبعض ما حثه تبعا له، لتتّضح بعض جهات الخلط، فنقول:

هاهنا جهات من البحث:

الجهة الأولى:

أنّ التشريع عبارة عن إدخال ما ليس في الشريعة فيها، و هو مساوق للبدعة، و قبحه واضح عقلا، و حرمته شرعا كادت أن تكون من‏

____________

(1) الكفاية 2: 55- 58.

(2) درر الفوائد 2: 28.

(3) الكفاية 2: 44 سطر 12.

(4) فوائد الأصول 3: 122.

(5) الكفاية 2: 55.

(6) فوائد الأصول 3: 20 (1) 121.

226

الضروريّات، و دلّت عليها الآيات‏ (1) و الأخبار (2).

و بالجملة: إثبات حرمته لا يحتاج إلى تجشّم استدلال.

و أمّا التعبّد بما لا يعلم جواز التعبّد به من قبل الشارع: إن كان المراد منه هو إتيان ما لم يعلم أنّه من العبادات بعنوان كونه منها، و التعبّد حقيقة بما لا يعلم أنّه عباديّ، فهو أمر غير ممكن، فإنّ التعبّد الحقيقيّ مع الشكّ في العباديّة غير ممكن من المكلّف، إذ ليس الالتزامات النفسانيّة ممّا هي تحت اختيار المكلّف، كما سبق منّا استقصاء الكلام فيه في مباحث القطع‏ (3).

نعم، اختراع بعض العبادات بواسطة الاستحسانات الظنّيّة- كبعض الأذكار و الأوراد من بعض أهل البدع- ممكن، لكنّه بعد حصول مبادئه من الاستحسان و الترجيح الظنّي.

و أمّا إسناد ما لم يعلم كونه من الشريعة إليها فأمر ممكن، و هو محرّم شرعا، و قبيح عقلا، و يدلّ على حرمته- بعد كونه من المسلّمات- الأدلّة الدالّة على حرمة القول بغير علم، بل و أدلّة حرمة الإفتاء و القضاء (4) بغير علم [1].

____________

[1] فيه إشكال، لأنّ الحكم إنشاء، لا إسناد إلى الشرع. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) آل عمران: 94، يونس: 59- 60، الأنعام: 144.

(2) الكافي 1: 59- باب البدع ...، الوسائل 18: 24 و 39 و 40- 7 و 46 و 49 باب 6 من أبواب صفات القاضي.

(3) انظر صفحة رقم: 142 و ما بعدها.

(4) الكافي 1: 2 (4) 43 باب النهي عن القول بغير علم، الوسائل 18: 9- 12- (1) 10 و 18: 6 (1) 17- 29- 33 باب 4 من أبواب صفات القاضي.

227

و هذا عنوان آخر غير عنوان التشريع و البدعة، و قد خلط بينهما المحقّق المتقدّم‏ (1)- (قدّس سرّه)- حيث طبّق عنوان التشريع عليه.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ هاهنا عنوانين كلّ واحد منهما محرّم شرعا و قبيح عقلا: أحدهما التشريع، و الآخر القول بغير علم و الإسناد إلى الشارع ما لا يعلم كونه منه.

الجهة الثانية:

أنّ حكم العقل بقبح التشريع و كذا حكمه بقبح القول بغير علم، ليسا من الأمور التي لا تنالهما يد الجعل الشرعيّ، فإذا ورد دليل شرعيّ على حرمتهما لا يحمل على الإرشاد، كما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ‏ (2)- (قدّس سرّه)-.

لكن لا يستكشف من نفس الحكم العقليّ الخطاب الشرعيّ بقاعدة الملازمة، كما ذهب إليه بعض مشايخ العصر- على ما في تقريراته‏ (3)- فإنّ مجرّد كون الأحكام العقليّة في سلسلة علل الأحكام الراجعة إلى باب التحسين و التقبيح، لا يوجب استتباع الخطاب الشرعيّ، لجواز اتّكاء الشارع فيها إلى الحكم العقليّ من دون إنشاء خطاب على طبقها، فغاية ما يمكن دعواه هو الملازمة بين الأحكام العقليّة و بين المبغوضيّة الشرعيّة أو محبوبيّتها في مورد الملازمة، و أمّا كشف الخطاب الشرعيّ فلا، لمكان الاحتمال المتقدّم.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 124.

(2) حاشية فرائد الأصول: 41- 42.

(3) فوائد الأصول 3: 121.

228

نعم لو ورد دليل شرعيّ على الحرمة لا يجوز صرفه عن ظاهره و حمله على الإرشاد، لجواز أن يكون ملاكه أقوى ممّا أدركه العقل، فاحتاج إلى تعلّق الخطاب الشرعيّ، خصوصا إذا كان على وجه التأكيد.

الجهة الثالثة:

الظاهر عدم سراية قبح التشريع إلى الفعل المتشرّع به- بحيث يصير الفعل قبيحا عقلا و محرّما شرعا على القول بالملازمة، كما عن الشيخ العلّامة الأنصاريّ‏ (1)- (قدّس سرّه)- و مال إليه بعض محقّقي العصر على ما في تقريرات بحثه‏ (2)- ضرورة أنّ ما هو مناط القبح عند العقل هو نفس عنوان التشريع، سواء كان التشريع عبارة عن التعبّد و الالتزام بما لا يكون في الشريعة، أو لا يعلم كونه فيها، أو عبارة عن الإسناد إلى الشارع و الافتراء عليه كذبا، أو الإسناد إليه من غير علم، و على أيّ حال لا وجه لتسرية القبح من عنوان إلى عنوان آخر مغاير معه، فالالتزام بحرمة الصلاة الواجبة لا يغيّرها عمّا هي عليه، و لا يصيّرها قبيحة عقلا، لعدم مناط القبح فيها، و هذا واضح جدّاً، فإذا كان القبيح عقلا هو عنوان التشريع لا غير، لا يستكشف من قاعدة الملازمة إلّا حرمة نفس هذا العنوان، لا عنوان آخر مغاير له، لعدم معقوليّة أوسعيّة دائرة المنكشف من الكاشف.

و ما أفاده المحقّق المتقدّم (رحمه اللّه)- في وجه السراية: من إمكان كون القصد و الداعي من الجهات و العناوين المغيّرة لجهة حسن العمل و قبحه،

____________

(1) فرائد الأصول: 31 سطر 6 و 13- 15.

(2) فوائد الأصول 3: 21 (1) 122.

229

فيكون الالتزام و التعبّد و التديّن بعمل لا يعلم التعبّد به من الشارع موجبا لانقلاب العمل عمّا هو عليه، و تطرأ عليه بذلك جهة مفسدة تقتضي قبحه عقلا و حرمته شرعا (1)- من عجيب الاستدلال، فإنّه استنتج من مجرّد إمكان المقدّمة فعليّة الحكم. هب أنّ طريان العناوين على شي‏ء ممّا يمكن أن يغيّر جهاته، فبأيّ دليل تكون هذه العناوين كذلك؟! مضافا إلى ممنوعيّة تغيّر جهات الأفعال فيما نحن فيه بواسطة عنوان آخر مغاير له، فما هو القبيح المحرّم هو عنوان الالتزام و التعبّد بما لا يعلم، و نفس الالتزام بشي‏ء لا يوجب قبح ذلك الشي‏ء، كما أنّ نفس الافتراء على اللَّه كذبا لا يوجب قبح متعلّقه كما لا يخفى، و مجرّد كون القصد في بعض المقامات مغيّرا للجهات لا ينتج كونه مغيّرا فيما نحن فيه، فالكبرى- أيضا- ليست كلّية.

و أعجب منه الاستدلال على الحرمة بقوله: (رجل قضى بالحقّ و هو لا يعلم) (2)، لدلالته على حرمة القضاء و استحقاق العقوبة عليه، فيدلّ على حرمة نفس العمل‏ (3)، فإنّ حرمة القضاء و الإفتاء بغير علم و كذا حرمة القول بغير علم ثابتة بلا إشكال و كلام، و ليس النزاع فيها، إنّما الكلام في متعلّقاتها لا في نفس عناوينها كما لا يخفى.

الجهة الرابعة:

قد عرفت في أوّل المبحث: أنّ التشريع- أي إدخال‏

____________

(1) نفس المصدر السابق.

(2) الكافي 7: 407- 1 باب أصناف القضاة من كتاب القضاء و الأحكام، الفقيه 3: 3- 1 باب 2 في أصناف القضاة، الوسائل 18: 11- 6 باب 4 من أبواب صفات القاضي.

(3) فوائد الأصول 3: 122.

230

ما ليس في الشريعة فيها- قبيح عقلا و محرّم شرعا، و هو عنوان برأسه، كما أنّ القول بغير علم و إسناد ما لا يعلم كونه من الشارع إلى الشارع قبيح و محرّم.

فاعلم الآن أنّ التشريع من العناوين الواقعيّة التي قد يصيبها المكلّف و قد لا يصيبها، فانسلاك ما هو واجب بحسب الحكم الشرعيّ في جملة المحرّمات أو غيرها مبغوض عند الشارع، و كذلك العكس، فنفس تغيير القوانين الشرعيّة و الأحكام الإلهيّة، و إدخال ما ليس في الدين فيه و إخراج ما هو منه عنه، من المبغوضات الشرعيّة التي قد يتعلّق بها العلم و قد لا يتعلّق.

فالتشريع بهذا المعنى من العناوين الواقعيّة المبغوضة بمناط خاصّ به، كما أنّ القول بغير علم و إسناد شي‏ء إلى الشارع بلا حجّة- أيضا- من العناوين المبغوضة برأسها بمناط خاصّ غير مناط التشريع بالمعنى المتقدّم.

فما أفاد بعض مشايخ عصرنا (قدّس سرّه)- على ما في تقريرات بحثه-: من أنّه ليس للتشريع واقع يمكن أن يصيبه المكلّف أو لا يصيبه، بل واقع التشريع هو إسناد الشي‏ء إلى الشارع مع عدم العلم بتشريعه إيّاه، سواء علم المكلّف بالعدم أو ظنّ أو شكّ، و سواء كان في الواقع ممّا شرّعه الشارع أو لم يكن.

و الحاصل: أنّ للعقل في باب التشريع حكما واحدا بمناط واحد يعمّ صورة العلم و الظنّ و الشكّ‏ (1). ممّا لا ينبغي أن يصغى إليه، فإنّ مفسدة إدخال ما ليس في الدين فيه و التصرّف في حدود الأحكام الشرعيّة و التلاعب بها، من المستقلّات العقليّة كالظلم، بل هو ظلم على المولى، و له مناط خاصّ به.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 24 (1) 125.

231

نعم مع عدم علم العبد لا يتّصف هذا التصرّف بالقبح مثل سائر القبائح العقليّة، فالتصرّف في أموال الناس و أعراضهم و قتل النّفس و غيرها- ممّا هي قبيحة عقلا و محرّمة شرعا- يكون قبحها الفاعليّ عند علم الفاعل، لكن الحرمة الشرعيّة متعلّقة بنفس العناوين الواقعيّة، و يكون العلم طريقا إليها، فالعقل يدرك مفسدة هذه العناوين الواقعيّة، كما أنّه يدرك مفسدة إدخال ما ليس في الدين فيه و إخراج ما هو منه عنه، و الحرمة الشرعيّة أيضا متعلّقة بهذا العنوان، و إنّما العلم طريق إليه كما في سائر الموارد، و لا ريب في أنّ لهذا المعنى واقعا قد يصيبه المكلّف و قد لا يصيبه.

و أمّا القول بغير علم فهو عنوان برأسه في مقابل هذا العنوان، و في مقابل عنوان الكذب الّذي هو الإخبار المخالف للواقع.

و الحاصل: أنّ هاهنا ثلاثة عناوين كلّها محرّمة شرعا بعناوينها: التشريع، و الكذب، و القول بغير علم، فإذا صادف القول بغير علم التشريع أو الكذب، ينطبق عليه العنوانان واقعا، لكنّ خطابي التشريع و الكذب قاصران عن شمول مورد الشكّ، لأنّ الشبهة مصداقيّة للعامّ كما هو واضح.

تتمّة في جريان استصحاب عدم الحجّيّة عند الشكّ فيها

قد عرفت أنّ الأصل: عدم حجّية الأمارات عند الشكّ في اعتبارها، و قد يقرّر الأصل بوجه آخر: و هو استصحاب عدم الحجّية.

232

و منع الشيخ- (قدّس سرّه)- من جريانه، لعدم ترتّب الأثر العمليّ على مقتضى الاستصحاب، لأنّ نفس الشكّ في الحجّية موضوع لحرمة التعبّد، و لا يحتاج إلى إحراز عدم ورود التعبّد بالأمارة.

و حاصله: أنّ الاستصحاب إنّما يجري فيما إذا كان الأثر مترتّبا على الواقع المشكوك فيه، لا على نفس الشكّ‏ (1) انتهى.

و ردّه المحقّق الخراسانيّ‏ (2) بوجهين:

أحدهما: أنّ الحجّيّة من الأحكام الوضعيّة، و جريان الاستصحاب- وجودا و عدما- فيها لا يحتاج إلى أثر آخر وراءها، كاستصحاب عدم الوجوب و الحرمة.

و ثانيهما: لو سلّم الاحتياج إلى الأثر، فحرمة التعبّد كما تكون أثرا للشكّ في الحجّيّة، تكون أثرا لعدم الحجّية واقعا، فيكون الشكّ في الحجّية موردا لكلّ من الاستصحاب و القاعدة المضروبة لحال الشكّ، و يقدّم الاستصحاب على القاعدة لحكومته عليها، كحكومة استصحاب الطهارة على قاعدتها.

هذا حاصل ما لخّصه بعض المحقّقين المعاصرين من كلامهما على ما في تقريراته‏ (3).

و ردّ المحقّق المعاصر- (رحمه اللّه)- الوجهين بما ملخّصه:

____________

(1) فرائد الأصول: 31 سطر 16 و ما بعده.

(2) حاشية فرائد الأصول: 4 سطر 13- 24.

(3) فوائد الأصول 3: 126.

233

أمّا الوجه الأوّل: أن الاستصحاب من الأصول العمليّة، و لا يجري إلّا إذا كان في البين عمل، و ما اشتهر (1) أنّ الأصول الحكميّة لا تتوقّف على الأثر، إنّما هو فيما إذا كان المؤدّى بنفسه من الآثار العمليّة، لا مطلقا.

و الحجّية و إن كانت من الأحكام الوضعيّة المجعولة، إلّا أنّها بوجودها الواقعي لا يترتّب عليها أثر عمليّ، و الآثار المترتّبة عليها: منها ما يترتّب عليها بوجودها العملي، ككونها منجّزة للواقع عند الإصابة و عذرا عند المخالفة، و منها ما يترتّب على نفس الشكّ في حجّيتها، كحرمة التعبّد بها و عدم جواز إسنادها إلى الشارع، فليس لإثبات عدم الحجّية أثر إلّا حرمة التعبّد بها، و هو حاصل بنفس الشكّ في الحجّية وجدانا، فجريان الأصل لإثبات هذا الأثر أسوأ حالا من تحصيل الحاصل، للزوم إحراز ما هو محرز وجدانا بالتعبّد (2).

و أمّا الوجه الثاني بقوله: و أمّا ما أفاده ثانيا من أنّ حرمة التعبّد بالأمارة تكون أثرا للشكّ في الحجّية و لعدم الحجّية واقعا، و في ظرف الشكّ يكون الاستصحاب حاكما على القاعدة المضروبة له. ففيه: أنّه لا يعقل أن يكون الشك في الواقع موضوعا للأثر الشرعيّ في عرض الواقع، مع عدم جريان الاستصحاب على هذا الفرض أيضا، لأنّ الأثر يترتّب بمجرّد الشكّ، لتحقّق موضوعه، فلا يبقى مجال لجريان الاستصحاب، و لا تصل النوبة إلى إثبات الواقع ليجري الاستصحاب، فإنّه في الرتبة السابقة على هذا الإثبات تحقّق‏

____________

(1) الكفاية 2: 308 سطر (4) 9 و 332 سطر 10- 11.

(2) فوائد الأصول 3: 127 و ما بعدها.

234

موضوع الأثر، و ترتّب عليه الأثر، فأيّ فائدة في جريان الاستصحاب؟! و حكومة الاستصحاب على القاعدة إنّما تكون فيما إذا كان ما يثبته الاستصحاب غير ما تثبته القاعدة، كقاعدة الطهارة و الحلّ و استصحابهما، فإنّ القاعدة لا تثبت الطهارة و الحلّية الواقعيّة، بل مفادهما حكم ظاهريّ، بخلاف الاستصحاب، و قد يترتّب على بقاء الطهارة و الحلّية الواقعيّة غير جواز الاستعمال و حلّية الأكل، و على ذلك يبتني جوازُ الصلاة في أجزاء الحيوان الّذي شكّ في حليّته إذا جرى استصحاب الحلّية، كما [إذا] كان الحيوان غنما فشكّ في مسخه إلى الأرنب، و عدم جواز الصلاة في أجزائه إذا لم يجر الاستصحاب و إن جرت فيه أصالة الحلّ، فإنّها لا تثبت الحلّية الواقعيّة.

و كذا الكلام في قاعدة الاشتغال مع الاستصحاب، فإنّه في مورد جريان القاعدة لا يجري الاستصحاب و بالعكس، فالقاعدة تجري في مورد العلم الإجمالي عند خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء بالامتثال و نحوه، و الاستصحاب يجري عند الشكّ في فعل المأمور به، و أين هذا ممّا نحن فيه، ممّا كان الأثر المترتّب على الاستصحاب عين الأثر المترتّب على الشكّ! فالإنصاف:

أنّه لا مجال لتوهّم جريان استصحاب عدم الحجّية عند الشكّ فيها (1) انتهى.

أقول: قد عرفت سابقا أنّ التشريع و إدخال شي‏ء في الشريعة و تبديل الأحكام بعضها ببعض و التلاعب بها، ممّا هو مبغوض عند الشرع و محرّم واقعيّ علم المكلّف أو لا، و هذا عنوان برأسه، كما أنّ القول بغير علم و نسبة شي‏ء إلى‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 130 و ما بعدها.

235

الشارع بلا حجّة قبيح عقلا و محرّم آخر شرعيّ بمناط خاصّ به، فالشكّ في الحجّية- كما أنّه موضوع لحرمة التعبّد و حرمة الانتساب إلى الشارع- موضوع لاستصحاب عدم الحجّية و حرمة التشريع و إدخال ما ليس في الدين فيه، و يكون الاستصحاب حاكما على القاعدة المضروبة للشكّ، لإزالته تعبّدا [1].

و من ذلك يعلم ما في كلام هؤلاء الأعلام- (قدّس سرّهم)- من الخلط، إلّا أن يرجع كلام المحقق الخراسانيّ- (قدّس سرّه)- في الوجه الثاني إلى ما ذكرنا، و هو بعيد.

و أمّا ما يرد على المحقّق النائيني- مضافا إلى ما ذكره الفاضل المقرّر (رحمه اللّه)(1) في وجه التأمّل في المقام- أمور:

الأوّل: أنّ ما ذكر أنّ جريان الاستصحاب تحصيل الحاصل بل أسوأ منه، فيه: أنّ حرمة التشريع لا تحصل بنفس الشكّ، بل ما يحصل بنفسه هو حرمة

____________

[1] بمعنى أنّه مع استصحاب عدم جعل الحجّية و عدم كون الشي‏ء الفلاني من الدين، يخرج الموضوع عن القول بغير العلم، لأنّ المراد من القول بغير العلم هو القول بغير حجّة، ضرورة أنّ الإفتاء بمقتضى الأمارة و الأصول و النسبة إلى الشارع، مقتضاهما غير محرّم و غير داخل في القول بغير علم، فحينئذ لا تكون النسبة مع استصحاب العدم نسبة بغير حجّة بل نسبة مع الحجّة على العدم، و هو كذب و افتراء و بدعة، و تكون حرمته لأجل انطباق هذه العناوين عليه، لا عنوان القول بغير علم.

و توهم مثبتيّة الأصل في غير محلّه كما لا يخفى على المتأمّل، و لو نوقش فيه فلا يلزم إثبات تلك العناوين، بل مع استصحاب عدم كون شي‏ء من الشارع يكون حكمه حرمة الانتساب إليه، كاستصحاب عدالة زيد حيث يكون حكمه صحة الاقتداء به. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) فوائد الأصول 3: 129 و ما بعدها هامش رقم.

236

القول بغير علم و التعبّد بما لا يعلم، و هو أمر آخر غير التشريع كما عرفت.

و الثاني: أنّه لا دليل على عدم معقوليّة كون الشكّ في الواقع موضوعا للأثر في عرض الواقع، و إنّما هو دعوى خالية من البرهان مع جعلين مستقلّين.

و الثالث: أنّ ما أفاد من أنّ الشكّ في الرتبة السابقة على الاستصحاب يترتّب عليه الأثر، فلا يبقى مجال لجريانه، يرد عليه: أنّه ليس رتبة الشكّ- الّذي هو موضوع للقاعدة- متقدّمة على ما هو موضوع الاستصحاب، بعد ما كان الأثر مترتّبات على الواقع كما هو المفروض، لا على العلم بعدم الواقع حتّى يكون تحقّق هذا العنوان تعبّدا في الرتبة المتأخرة عن جريان الاستصحاب، فالشكّ في الرتبة الواحدة موضوع لهما بلا تقدّم و تأخّر أصلا [1] على حكمه، فكما أنّه مقدّم على هذا الإثبات كذلك مقدّم على حكم الشكّ في القاعدة، فالشكّ في الرتبة السابقة على الحكمين موضوع لهما. نعم لمّا كان جريان الاستصحاب رافعا لموضوع القاعدة حكما يتقدّم عليها، و هو واضح.

و الرابع: أنّ ما أفاد في وجه الفرق بين قاعدة الطهارة و الحليّة و استصحابهما في جواز الصلاة في مشكوكهما يرد عليه: أنّ اعتبار الطهارة و الحليّة بحسب الأدلّة الأوّلية و إن كان بوجودهما الواقعيّ، لكن أدلّة أصالتي الطهارة و الحلّيّة- التي مفادها هو ترتيب آثار الواقع على المشكوك- يستفاد منها التعميم بالحكومة بلا إشكال و ريب.

نعم فيما إذا شكّ في مسخ الغنم بالأرنب يقدّم الاستصحاب الموضوعي‏

____________

[1] بناء على أنّ المجعول في الاستصحاب هو الجري العملي، كما هو مبناه. [منه (قدّس سرّه)‏]

237

على القاعدة و على الاستصحاب الحكمي، و هذا أمر آخر غير مربوط بما نحن بصدده.

و الخامس: أنّ ما أفاد من عدم جريان الاستصحاب في مورد قاعدة الاشتغال و بالعكس، إن ادّعى الكلّية ففيه منع واضح، و إن ادّعى في بعض الموارد- التي تختلّ [فيها] أركان الاستصحاب مثلا- فهو خارج عن الموضوع، كما أنّ عدم جريان الاستصحاب في المثال الّذي ذكره لعلّه لاختلال بعض أركانه.

و أمّا عدم جريان القاعدة في حدّ نفسها عند الشكّ في فعل المأمور به فممنوع.

238

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

239

مبحث في حجية الظهور

قوله: لا شبهة في لزوم اتّباع ظاهر كلام الشارع‏

(1)

.

(1) أقول: لا بدّ لإثبات الحكم الشرعيّ من طيّ مراحل، كإثبات أصل الصدور، و المتكفّل به كبرويّا هو بحث حجّية الخبر الواحد، و صغرويّا هو علم الرّجال و أسانيد الروايات، و كإثبات الظهور، و المتكفّل به هو الطرق التي تثبت بها الظهورات، كالتبادر و صحّة السلب و أمثالهما، و كقول اللغويّين و مهرة الفنّ و إثبات حجّيّة قولهم، و كإثبات كون الظهورات- كتابا و سنّة- مرادة استعمالا، و كإثبات جهة الصدور، و يقال له: أصل التطابق.

و لا إشكال و لا كلام في أنّ بناء العقلاء على اتّباع الظهورات في تعيين المرادات الاستعماليّة، فاللفظ الصادر من المتكلّم- بما أنّه فعل له كسائر أفعاله- يدلّ بالدلالة العقليّة- لا الوضعيّة- على أنّ فاعله مريد له، و أنّ مبدأ صدوره هو

____________

(1) الكفاية 2: 58 سطر 13.

240

اختياره و إرادته، كما أنّه يدلّ بالدلالة العقليّة- أيضا- على أنّ صدوره يكون لغرض الإفادة، و لا يكون لغوا، كما أنّه يدلّ بهذه الدلالة على أنّ قائله أراد إفادة مضمون الجملة خبريّا أو إنشائيّا، لا الفائدة الأخرى، و تدلّ مفردات كلامه- من حيث إنّها موضوعة- على أنّ المتكلّم به أراد منها المعاني الموضوعة لها، و من حيث إنّه كلام مركّب- من ألفاظ و له هيئة تركيبيّة- على أنّه أراد ما هو الظاهر منه و ما هو المتفاهم العرفيّ لا غيره، و يدلّ أيضا على أنّ المتكلّم- المريد بالإرادة الاستعماليّة ما هو الظاهر من المفردات و الهيئة التركيبيّة- أراد ذلك بالإرادة الجدّيّة، أي تكون إرادته الاستعماليّة مطابقة لإرادته الجدّيّة.

و كلّ هذه دلالات عقليّة يدلّ عليها بناء العقلاء في محاوراتهم، و الخروج عنها خروج عن طريقتهم، و يحتجّون [بها] على غيرهم في كلّ من تلك المراحل، و لا يصغون إلى دعوى المخالفة، و هذا واضح.

إنّما الكلام في أنّ حجّية الظهورات إنّما هي من أجل أصالة الحقيقة، أو أصالة عدم القرينة، أو أصالة الظهور، أو أنّ لهم في كلّ مورد أصلا برأسه، فمع الشكّ في وجود القرينة تجري أصالة عدم القرينة، و بعدها تجري أصالة الحقيقة، و في بعض الموارد تجري أصالة الظهور، مثل الظهورات المتعقدة للمجازات عند احتمال إرادة خلاف ظاهرها، فإنّه لا يجري فيها أصالة الحقيقة، و هو ظاهر، و لا أصالة عدم القرينة إذا لم يكن الشكّ من جهة وجودها، و في بعض الموارد تجري أصالة العموم، و في بعضها أصالة الإطلاق.

و بالجملة: هل للعقلاء أصول كثيرة، كأصالة الحقيقة، و عدم القرينة،

241

و الظهور، و العموم، و الإطلاق، و كلّ منها مورد بناء العقلاء برأسه، أو لا يكون عندهم إلّا أصل واحد هو مبناهم في جميع المراحل؟ و ما هو هذا الأصل؟

الظاهر- بعد التدبّر و التأمّل في طريقة العقلاء في محاوراتهم و مراسلاتهم- أنّ ما هو مأخذ احتجاج بعضهم على بعض هو الظهورات المتعقدة للكلام، سواء كانت في باب الحقائق و المجازات، أو العمومات و الإطلاقات، و لا يكون مستندهم إلّا الظهور في كلّية الموارد، و المراد منها هو أنّ بناء العقلاء تحميل ظاهر كلام المتكلّم عليه و الاحتجاج عليه، و تحميل المتكلّم ظاهر كلامه على المخاطب و احتجاجه به‏ (1) و هذا أمر متّبع في جميع الموارد، و مستنده أصالة العموم و الإطلاق و أصالة الحقيقة. و الظاهر أنّ أصالة عدم القرينة- أيضا- ترجع إلى أصالة الظهور، أي العقلاء يحملون الكلام على ظاهره حتّى تثبت القرينة، و لهذا تتّبع الظهورات مع الشكّ في قرينيّة الموجود ما دام كون الظهور باقيا.

و بالجملة: المتّبع هو الظهور المنعقد للكلام و إن شكّ في قرينيّة الموجود ما لم ينثلم الظهور.

و بالجملة: لا إشكال في حجّية الظواهر، من غير فرق بين ظواهر الكتاب و غيره، و لا بين كلام الشارع و غيره، و لا بالنسبة إلى من قصد إفهامه و غيره.

لكن في المقام خلافان:

أحدهما من المحقّق القمّي [1]- (رحمه اللّه)-: حيث فصّل بين من قصد

____________

[1] القوانين 1: 229 سطر 16- 19 و 1: 398- 403.

المحقق القمي: هو شيخ الفقهاء و المحققين الإمام أبو القاسم بن المولى محمّد حسن الجيلاني القمي المعروف بالميرزا القمي. ولد في رشت سنة 1151 ه، درس مقدمات العلوم فيها، ثم هاجر إلى خوانسار فحضر عند السيد حسين الخوانساري، ثم ارتحل إلى العراق و حضر عند مجموعة من العلماء منهم الوحيد البهبهاني، ثم انتقل إلى قم المقدسة و استقر فيها حتى وافاه الأجل سنة 1231 ه. له كتب كثيرة أشهرها كتاب القوانين في الأصول. انظر معارف الرّجال 1: 49، الكرام البررة 1: 52، الكنى و الألقاب 1: 137.

____________

(1) قد حقّقنا المقام في الدورة اللاحقة، فراجع. [منه (قدّس سرّه)‏]

242

إفهامه و غيره.

و لا ريب في ضعفه، فإنّ دعواه ممنوعة صغرى و كبرى، ضرورة أنّ بناء العقلاء على العمل بالظواهر مطلقا. نعم لو أحرز من متكلّم أنّه كان بينه و بين مخاطب خاصّ مخاطبة خاصّة على خلاف متعارف الناس، و كان من بنائه التكلّم معه بالرمز، لم يجز الأخذ بظاهر كلامه، و المدّعي إن أراد ذلك فلا كلام، و إلّا فطريقة العقلاء على خلاف دعواه.

مع أنّه لو سلّم ذلك، فلنا أن نمنع الصغرى بالنسبة إلى الأخبار الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) فإنّهم بما هم مبيّنو الأحكام و شأنهم بثّ الأحكام الإلهيّة في الأنام، لا يكون كلامهم إلّا مثل الكتب المؤلّفة التي لا يكون المقصود منها إلّا نفس مفاد الكلام من غير دخالة إفهام متكلّم خاصّ، كما لو فرضنا أنّ متكلّما يخاطب شخصا خاصّا- في مجلس فيه جمع كثير- بخطاب مربوط بجميعهم، و لا يكون للمخاطب خصوصيّة في خطابه، لا يمكن أن يقال: إنّ ظاهر كلامه لا يكون حجّة بالنسبة إليهم، و إن فرّقنا بين من قصد إفهامه و غيره، لأنّ في مثل المورد لا يكون المخاطب ممّن قصد إفهامه‏

243

دون غيره.

و معلوم أنّ أئمّتنا المعصومين (عليهم السلام) و إن كان مخاطبتهم مع أشخاص خاصّة، لكن لغرض بثّ الأحكام الإلهيّة في الأنام، و إفادة نفس مضمون الكلام بما أنّه تكليف عامّ للناس من غير خصوصيّة للمخاطب أصلا، و لهذا كثير من رواياتهم المنقولة إلينا يكون من غير المخاطب بالكلام، كقول بعضهم مثلا: كنت عند أبي عبد اللَّه (عليه السلام) فسأله رجل عن كذا، فقال له: كذا، و الرّواة كانوا يأخذون هذا الحكم منه من غير نكير، و لم يكن هذا إلّا لبنائهم- بما أنّهم عقلاء- على العمل بالظواهر من غير فرق بينها، و هذا واضح.

و ثانيهما: مقالة الأخباريّين‏ (1) بالنسبة إلى ظواهر الكتاب المجيد، و استدلّوا على ذلك بوجوه:

منها: وقوع التحريف في الكتاب‏ (2) حسب أخبار كثيرة (3)، فلا يمكن التمسّك به لعروض الإجمال بواسطته عليه.

و هذا ممنوع بحسب الصغرى و الكبرى:

أمّا الأولى: فلمنع وقوع التحريف فيه جدّاً، كما هو مذهب المحقّقين من علماء العامّة و الخاصّة، و المعتبرين من الفريقين، و إن شئت شطرا من الكلام‏

____________

(1) هداية الأبرار: 162.

(2) الدرر النجفيّة: 294 سطر 12- 16.

(3) الكافي 2: 634- 28 باب النوادر من كتاب فضل القرآن، ثواب الأعمال: 137- 1 ثواب من قرأ سورة الأحزاب.

244

في هذا المقام فارجع إلى مقدّمة تفسير آلاء الرحمن‏ (1) للعلّامة البلاغيّ [1] المعاصر- (قدّس سرّه)-.

و أزيدك توضيحا: أنّه لو كان الأمر كما توهّم صاحب فصل الخطاب [2] الّذي كان كتبه لا يفيد علما و لا عملا، و إنّما هو إيراد روايات ضعاف أعرض عنها الأصحاب، و تنزه عنها أولوا الألباب من قدماء أصحابنا كالمحمّدين الثلاثة المتقدّمين [3] رحمهم اللَّه.

____________

[1] البلاغي: هو العالم الجليل، مشيد أركان الدين، دافع شبه الملحدين الشيخ محمّد الجواد بن الشيخ حسن البلاغي النجفي الربيعي، ولد في النجف الأشرف سنة 1282 ه، حضر الأبحاث العالية عند الشيخ الآخوند و الشيخ آقا الهمداني و غيرهما. له عدة مؤلفات منها الهدي إلى دين المصطفى، الرحلة المدرسية، آلاء الرحمن، ردود على أهل الديانات المنحرفة، توفي سنة 1352 ه. انظر أعيان الشيعة 4: 255، نقباء البشر 1: 323، معارف الرّجال 1: 196.

[2] هو المحدّث الشهير الشيخ حسين بن الميرزا محمد تقي النوري الطبرسي، ولد في طبرستان سنة 1254 ه، ارتحل إلى النجف الأشرف فلازم شيخ العراقين، و كذلك الشيخ الأنصاري و غيرهما، له عدّة مؤلفات أشهرها المستدرك، توفي سنة 1320 ه. انظر معارف الرّجال 1: 271، الأعلام للزركلي 2: 257، نقباء البشر 2: 543.

[3] الأول: ثقة الإسلام، رئيس المحدّثين الشيخ الحافظ الإمام أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني، قال فيه النجاشي: شيخ أصحابنا في وقته بالري و وجههم، و كان أوثق الناس في الحديث و أثبتهم، توفي سنة 329 ه و دفن ببغداد، له عدّة مؤلفات أشهرها كتاب الكافي الّذي يعتبر من أجلّ كتب الشيعة و هو أحد الأصول الأربعة. انظر رجال النجاشي: 377، تنقيح المقال 3: 201، فهرست الشيخ: 135.

الثاني: الشيخ الأجل رئيس المحدثين أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه الصدوق القمي، ولد بقم حدود سنة 306 ه، وصفه الإمام (عليه السلام) في التوقيع الخارج من ناحيته المقدسة بأنه فقيه مبارك ينفع اللَّه به، له عدّة كتب منها: من لا يحضره الفقيه و هو أحد كتب الأصول الأربعة، و التوحيد، و معاني الأخبار و غيرها. توفي سنة 381 ه، و قبره الشريف في بلدة (ري) بالقرب من السيد عبد العظيم. انظر رجال العلّامة: 147، بلغة المحدثين: 410، روضات الجنات 6: 132.

الثالث: هو رئيس الطائفة، شيخ الإمامية، مؤسس الحوزة العلمية في النجف الأشرف الشيخ محمَّد بن الحسن بن علي الطوسي، ولد في طوس سنة 385 ه في شهر رمضان المبارك، هاجر إلى بغداد مدينة العلم آنذاك سنة 408 ه فحضر عند زعيمي المذهب و علمي الشيعة الشيخ المفيد و السيد المرتضى، توفي في النجف الأشرف سنة 460 ه و دفن فيها، له عدَّة كتب منها:

التهذيب، و الاستبصار و هما من كتب الأصول الأربعة، التبيان، المبسوط، الفهرست و غيرها. انظر رجال العلّامة: 148، أعيان الشيعة 9: 159، تنقيح المقال 3: 104.

____________

(1) تفسير آلاء الرحمن: 24- 29 الأمر الخامس من الفصل الثاني.

245

هذا حال كتب روايته غالباً كالمستدرك، و لا تسأل عن سائر كتبه المشحونة بالقصص و الحكايات الغريبة التي غالبها بالهزل أشبه منه بالجدّ، و هو- (رحمه اللّه)- شخص صالح متتبّع، إلّا أنّ اشتياقه لجمع الضعاف و الغرائب و العجائب و ما لا يقبلها العقل السليم و الرّأي المستقيم، أكثر من الكلام النافع، و العجب من معاصريه من أهل اليقظة! كيف ذهلوا و غفلوا حتّى وقع ما وقع ممّا بكت عليه السماوات، و كادت تتدكدك على الأرض؟! و بالجملة: لو كان الأمر كما ذكره هذا و أشباهه، من كون الكتاب الإلهيّ مشحونا بذكر أهل البيت و فضلهم، و ذكر أمير المؤمنين و إثبات وصايته و إمامته، فلم لم يحتجّ بواحد من تلك الآيات النازلة و البراهين القاطعة من الكتاب الإلهيّ أمير المؤمنين، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام) و سلمان، و أبو ذرّ، و مقداد، و عمّار [1]، و سائر الأصحاب الذين لا يزالون يحتجّون على‏

____________

[1] سلمان: هو كبير الصحابة أبو عبد اللَّه سلمان الفارسي، و يعرف بسلمان الخير مولى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) و قد قال فيه: (سلمان منّا أهل البيت) و الأحاديث في فضله كثيرة مشهورة، توفي سنة 35 ه و قيل 36 ه. انظر أسد الغابة 2: 328، الاستيعاب 2: 56، الإصابة 2: 62.

أبو ذر: هو الصحابي الكبير جندب بن جنادة بن سفيان الغفاري، بايع النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) على أن لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، و على أن يقول الحق و إن كان مرّا، و قال فيه الرسول الأعظم: (ما أظلت الخضراء و لا أقلّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر) توفي بالربذة سنة 32 ه. انظر الكنى و الأسماء للدولابي: 28، حلية الأولياء 1: 156، الإصابة 4: 62.

مقداد: هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة، المعروف بالمقداد بن الأسود، و هو أول من أظهر الإسلام بمكة، شهد المشاهد كلّها مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله)، و مدحه النبي بقوله:

(إن اللَّه أمرني بحب أربعة و أخبرني أنه يحبهم، قيل يا رسول اللَّه سمهم لنا، قال: علي منهم يقول ذلك ثلاثا، و أبو ذر، و المقداد، و سلمان) توفي بالمدينة في خلافة عثمان. انظر سفينة البحار 2: 408، أسد الغابة 4: 409، الجرح و التعديل للرازي 8: 426.

عمّار: هو أبو اليقظان عمّار بن ياسر حليف مخزوم، كان أحد الخمسة الذين تشتاق إليهم الجنة، و هو من أصفياء أصحاب الإمام علي (عليه السلام)، و هو الّذي قال فيه الرسول (صلّى اللَّه عليه و آله): (عمّار مع الحق و الحق مع عمّار حيث كان، عمّار جلدة بين عيني و أنفي، تقتله الفئة الباغية) استشهد يوم صفين سنة 37 ه. انظر تاريخ الطبري 5: 38، حلية الأولياء 1: 39، معجم رجال الحديث 12: 265.

246

خلافته (عليه السلام)؟! و لم تشبّث (عليه السلام) بالأحاديث النبويّة، و القرآن بين أظهرهم؟! و لو كان القرآن مشحونا باسم أمير المؤمنين و أولاده المعصومين و فضائلهم و إثبات خلافتهم، فبأيّ وجه خاف النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) في حجّة الوداع آخر سنين عمره الشريف و أخيرة نزول الوحي الإلهيّ من تبليغ آية واحدة مربوطة بالتبليغ، حتّى ورد أنّ‏ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏ [1]؟!

____________

[1] إشارة إلى قوله تعالى: (يا أيُّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك، و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته، و اللَّه يعصمك من النّاس). المائدة: 67. و هي التي نزلت في حق أمير المؤمنين (عليه السلام). انظر شواهد التنزيل 1: 187- 243- 250.

247

و لم احتاج النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) إلى دواة و قلم حين موته للتصريح باسم عليّ (عليه السلام)(1)؟! فهل رأى أنّ لكلامه أثرا فوق أثر الوحي الإلهيّ؟! و بالجملة: ففساد هذا القول الفظيع و الرّأي الشنيع أوضح من أن يخفى على ذي مسكة، إلّا أنّ هذا الفساد قد شاع على رغم علماء الإسلام و حفّاظ شريعة سيّد الأنام.

و أمّا الكبرى: فلأنّ التحريف- على فرض وقوعه- إنّما وقع في غير آيات الأحكام، ممّا هو مخالف لأغراضهم الفاسدة- و لو احتمل كونها طرفا للاحتمال- أيضا- فلا إشكال في عدم تأثير العلم الإجمالي. و دعوى العلم بالوقوع فيها بالخصوص مجازفة واضحة.

و منها (2): العلم الإجمالي بوقوع التخصيص و التقييد في العمومات و المطلقات الكتابيّة، و العلم الإجمالي يمنع عن التمسّك بأصالة الظهور.

و منها (3): الأخبار الناهية عن العمل بالكتاب‏ (4) و منها غير ذلك.

و لقد أجاب عنها الأصحاب، فلا داعي للتعرّض لها. هذا كلّه ممّا يتعلّق بحجّية الظواهر.

____________

(1) انظر صحيح البخاري 9: 774- 2169 كتاب الاعتصام بالسنة، باب كراهية الخلاف.

(2) الدرر النجفيّة: 171 سطر 3- 5.

(3) هداية الأبرار: 155، الفوائد الطوسيّة: 191- 192.

(4) الوسائل 18: 129، باب 13 من أبواب صفات القاضي.

248

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

249

مبحث في حجية قول اللغوي‏

و أمّا ما يتعلّق بتشخيص الظاهر فبعض المباحث منها مربوط بمباحث الألفاظ، و ما يتعلّق بما نحن فيه فالعمدة هو دعوى حجّية قول اللُّغويّ و مهرة الفنّ.

و قد استدلّ على حجّيته: بأنّ اللُّغويّ من أهل الخبرة، و بناء العقلاء الرجوع إلى أهل الصناعات و أصحاب الخبرة في صناعاتهم و مورد خبرويّتهم، فإنّ رجوع الجاهل إلى العالم ارتكازيّ، و بناء العقلاء عليه ممّا لا ريب فيه و لا إشكال يعتريه، و الشارع الصادع لم يردع عنه، فيتمّ القول بالحجّية.

كما أنّ الأمر كذلك في باب التقليد، فإنّه- أيضا- من باب رجوع الجاهل بالصنعة إلى العالم بها الّذي تدور عليه رحى سياسة المدن و حياة المجتمع، كما لا يخفى.

هذا غاية ما يقال في الاستدلال على حجّية قول اللُّغويّ.

250

و أمّا الإجماع و الانسداد فليسا بشي‏ء.

و أمّا الجواب عن هذا الدليل:

أمّا أوّلا: فبمنع كون اللُّغويّين من أهل خبرويّة تشخيص الحقائق من المجازات، و هذه كتبهم بين أيدينا ليس فيها أثر لذلك، و لا يدّعي لغويّ- فيما نعلم- أنّه من أهل الخبرة بذلك، و إنّما هم يتفحّصون عن موارد الاستعمالات.

لا يقال: الاستعمال يثبت بقول اللُّغويّ، فإنّه [من‏] أهل الخبرة بموارد الاستعمال، و هو مع أصالة الحقيقة يتمّ المطلوب.

فإنّه يقال: الاستعمال أعمّ من الحقيقة، خلافا للسيّد المرتضى [1] (رحمه اللّه).

و أمّا ثانيا: فعلى فرض كونه [من‏] أهل الخبرة، فمجرّد بناء العقلاء على العمل بقولهم لا ينتج، إلّا أنّ ينضمّ إليه عدم ردع الشارع الكاشف عن رضاه، و ليس هاهنا كلام صادر من الشارع يدلّ على جواز رجوع الجاهل إلى العالم، حتّى نتمسّك بإطلاقه أو عمومه في موارد الشكّ، و إنّما يجوز التشبّث ببناء العقلاء و عدم الردع فيما إذا أحرز كون بناء العقلاء في المورد المشكوك متّصلا

____________

[1] الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 13.

السيد المرتضى: هو سيد المشايخ و الفقهاء الإمام الكبير علم الهدى السيد المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الملقب بذي المجدين، ولد سنة 355 ه و تلقّى علومه على يد الشيخ المفيد (رضوان اللَّه عليه) و آخرين و أخذ عنه جملة من الأعلام كالشيخ الطوسي و سلّار و أبو الصلاح و غيرهم، له عدّة مصنفات في الفقه و الأصول و الكلام و التفسير و غيرها من العلوم. توفي سنة 436 ه. انظر روضات الجنات 4: 294، تاريخ بغداد 11: 402، الدرجات الرفيعة: 458.

251

بزمن الشارع و لم يردع عنه، مثل بنائهم على العمل بخبر الواحد و اليد و أصالة الصحّة، فإنّه لا إشكال في اتّصال عملهم في تلك الموارد إلى زمان الشارع، و لكن فيما إذا لم يكن كذلك أو لم يحرز كونه كذلك لا يفيد مجرّد بنائهم.

و بناء العقلاء على العمل بقول أهل الصناعة و مهرة كلّ فنّ إنّما هو أمر لبّي لا لفظ فيه [1] كما هو واضح.

إذا عرفت ذلك يتّضح لك الإشكال في حجّية قول اللُّغويّ [2]، و في مثله لا يجوز التشبّث بما ذكر، كما لا يخفى على المتأمّل.

و من ذلك يمكن الخدشة- في باب التقليد أيضا- في التمسّك بهذا الدليل، لاحتمال أن يكون الاجتهاد- بهذا المعنى المتعارف في هذه الأزمنة- حادثا بعد غروب شمس الولاية فداه مهجتي.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه يظهر من أخبار أهل البيت أنّ الاجتهاد و الفتوى كان في زمنهم و بين أجلّة أصحابهم أمرا معمولا به، كما لا يبعد [3].

____________

[1] فلا إطلاق فيه، ليتمسك به في حجيّة قول اللغوي، لذا يقتصر منه على القدر المتيقّن، و هو فيما عداه ممّا أحرز اتصاله مستمرا إلى زمن المعصوم (عليه السلام). [منه (قدّس سرّه)‏]

[2] لعدم إحراز رجوع النّاس إلى أهل صناعة اللغة في زمن المعصوم (عليه السلام) بحيث أحرز كون اتكائهم في العمل على قوله محضا، كالراجع إلى الطبيب و الفقيه.

و أمّا الرجوع إليه لتشخيص المعنى اللغوي بمناسبة سائر الجمل- كما في رجوعنا إلى اللغة- فلا يكون محطّ البحث و لا مفيدا للمدعى، فصرف إثبات تدوين اللغة في تلك الأزمنة- بل صرف الرجوع إليها- لا يفيد. و بالجملة فرق بين الرجوع إليها و إلى الطبيب و الفقيه و نحوهما مما لا نظر للمراجع في صنعتهما، فتدبّر. [منه (قدّس سرّه)‏]

[3] و قد أثبتنا ذلك في بحث الاجتهاد و التقليد، فراجع. [منه (قدّس سرّه)‏]

252

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

253

مبحث في حجية الإجماع‏

قوله: الإجماع المنقول‏

(1)

.

(1) أقول: تحقيق المقام يتمّ برسم أمور:

الأمر الأوّل: الظاهر أنّ انسلاك الإجماع في سلك الأدلّة و عدّة في مقابلها إنّما نشأ من العامّة، و قد عرّفوه بتعاريف:

فعن الغزاليّ: أنّه اتّفاق أمّة محمّد (صلّى اللَّه عليه و آله) على أمر من الأمور الدينيّة [1].

____________

[1] المستصفى 1: 181.

الغزالي: هو الشيخ الكبير أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي الطوسي، ولد في طوس سنة 450 ه. و بدأ دراسته فيها على يد أستاذه أحمد الرادكاني، و بعدها انتقل إلى نيسابور و أخذ عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، انتقل إلى بغداد، ثم قصد الشام بعد رجوعه من الحج، و منها رجع إلى بلده طوس. له عدّة كتب أشهرها إحياء العلوم. توفي سنة 505 ه بالطابران و دفن فيها. انظر وفيات الأعيان 4: 216، الكنى و الألقاب 2: 450، روضات الجنات 8: 7.

____________

(1) الكفاية 2: 68 سطر ما قبل الأخير.

254

و عن الرازيّ: أنّه اتّفاق أهل الحلّ و العقد من أمّة محمّد (صلّى اللَّه عليه و آله) على أمر من الأمور (1).

و عن الحاجبيّ: أنّه اجتماع المجتهدين من هذه الأمّة في عصر على أمر [1].

و الظاهر أنّ مستندهم في حجّيته ما نقلوا عن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله): (لا تجتمع أمّتي على الضلالة) (2) و لعلّ الغزاليّ نظر إلى ظاهر الرواية فعرّفه بما عرّفه، و الرازيّ و غيره لمّا رأوا أنّ ذلك ينافي مقصدهم الأصيل- من إثبات خلافة مشايخهم- أعرضوا عن تعريف الغزاليّ، مع أنّ الإجماع- بأيّ معنى كان- لم يتحقّق على خلافة أبي بكر، لمخالفة كثير من أهل الحلّ و العقد و أصحاب محمّد (صلّى اللَّه عليه و آله)(3).

و بالجملة: الإجماع عندهم دليل برأسه في مقابل الكتاب و السُّنة و العقل.

و أمّا عندنا فهو ليس دليلا برأسه في مقابل السنّة، بل هو عبارة عن قول‏

____________

[1] شرح العضدي (لمختصر المنتهى لا بن الحاجب) 1: 122، مع اختلاف في الألفاظ.

الحاجبي: هو العلّامة الشهير أبو عمر و عثمان بن عمر بن أبي بكر، يكنى بابن الحاجب، المالكي الكردي، ولد في (إسنا)- و هي بلدة صغيرة في صعيد مصر- سنة 570 ه، توفي بالإسكندرية سنة 646 ه، له عدة مؤلفات منها الأمالي و الكافية و الشافية و مختصر الأصول و غيرها. انظر وفيات الأعيان 3: 248، الكنى و الألقاب 1: 244.

____________

(1) المحصول في علم الأصول 2: 3.

(2) الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة: 180.

(3) انظر العقد الفريد لا بن عبد ربه 4: 259- 260، شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد 1: 131- 134.

255

جماعة يستكشف منه قول المعصوم (عليه السلام) أو رضاه.

و بالجملة: ما هو الحجّة هو رأيه (عليه السلام) و تدور الحجّية مداره، سواء استكشف من اتّفاق الكلّ، أو اتّفاق جماعة يستكشف منه ذلك، و ليس نفس اجتماع الآراء حجّة كما يكون عند العامّة.

فتحصّل من ذلك: أنّ الإجماع- اصطلاحا و مناطا- عند العامّة غيره عندنا.

و الظاهر أنّ عدّ أصحابنا الإجماع في الأدلّة لمحض تبعيّة العامّة، و إراءة أنّ لنا- أيضا- نصيبا من هذا الدليل، فإنّ اتّفاق الأمّة لمّا كان المعصوم أحدهم حجّة عندنا، و اتّفاق أهل الحلّ و العقد لمّا يستكشف منه قول الإمام- لطفا أو حدسا أو كشفا عن دليل معتبر- حجّة، و إلّا لم يكن لنفس الإجماع و اجتماع الآراء عندنا استقلال بالدليليّة.

و كثرة دعوى الإجماع من قدماء أصحابنا، كابن زهرة [1] في الغنية و الشيخ و أمثالهما، إنّما هي لأجل تماميّة مناط الإجماع عندهم، و هو العثور على الدليل المعتبر الكاشف عن رأي الإمام، و لا ينافي هذا الإجماع خلافيّة المسألة، كما يظهر من أصول الغنية (1) فراجع.

الأمر الثاني: أدلّة حجّية خبر الثقة- من بناء العقلاء و الكتاب و السُّنّة- لو تمّت دلالتها إنّما تدلّ على حجّيّته بالنسبة إلى الأمر المحسوس،

____________

[1] هو الإمام السيد عزّ الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحلبي، من فقهاء الإمامية، عالم فاضل جليل القدر له مصنفات كثيرة منها كتاب الغنية و النكت. روضات الجنات 2: 374، تنقيح المقال 1: 376.

____________

(1) الغنية- الجوامع الفقهية-: 542 سطر 28.

256

أو الغير المحسوس الّذي يعدّ عند العرف كالمحسوس لقربه إلى الحسّ، و في المحسوس أيضا- إذا كان المخبر به أمرا غريبا غير عاديّ- تكون أدلّتها قاصرة عن إفادة حجّيته، لعدم إحراز بناء العقلاء و قصور دلالة غيره عليها.

و من ذلك يعرف أنّ نقل قول شخص الإمام بالسماع منه (عليه السلام) في زمان الغيبة الكبرى- إمّا بنحو الدخول في المجمعين مع عدم معرفة شخصه، أو معها- لا يعبأ به، و لا دليل على حجّيته.

و إن شئت قلت: احتمال تعمّد الكذب لا يدفع بأدلّة حجّية الخبر، كما أنّ أصالة عدم الخطأ- التي هي من الأصول العقلائيّة- لا تجري في الأمور الغريبة الغير العاديّة. فمن ادّعى أنّه تشرّف بحضوره لا يمكن إثبات دعواه بمجرّد أدلّة حجّية خبر الواحد، إلّا أن تكون في البين شواهد و دلائل أخرى [1].

الأمر الثالث: أنّ الإجماع المنقول بخبر الواحد بالنسبة إلى الكاشف حجّة إذا كان له أثر عمليّ، و أمّا بالنسبة إلى المنكشف فليس بحجّة، فإنّه أمر غير محسوس اجتهاديّ و لا تنهض أدلّة حجّيته على ذلك.

و ما قيل: إنّه و إن كان غير محسوس إلّا أنّ مبادئه محسوسة، كالإخبار بالعدالة و الشجاعة (1).

فيرد عليه: أنّ العدالة و الشجاعة و أمثالهما من المعقولات القريبة من الحسّ، مع أنّ العدالة تثبت بحسن الظاهر تعبّدا بحسب الدليل الشرعيّ،

____________

[1] و لهذا ورد الأمر بتكذيب مدعي الملاقاة. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) نهاية الأفكار: القسم الأول من الجزء الثالث: 97، درر الفوائد 2: 40- 41.