أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - ج1

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
424 /
257

فتصير من الأُمور التي تُقبل الشهادة بالنسبة إليها، و أمّا الكشف عن رأي الإمام من قول المجمعين فليس سبيله كسبيلها، لأنّ للنظر و الاجتهاد فيه مجالا واسعا.

الرابع: بما ذكرنا في بعض المقدّمات يعرف موهونيّة الإجماع على طريقة الدخول.

و أمّا على طريقة اللطف فهو- أيضا- كذلك، لممنوعيّة قاعدته.

و أمّا الحدس برأي الإمام و رضاه- بدعوى الملازمة العاديّة بين اتّفاق المرءوسين على شي‏ء و بين رضا الرئيس به‏ (1)- فهو قريب جدّاً، ضرورة أنّ من ورد في مملكة، فرأى في كلّ بلد و قرية و كورة [1] و ناحية منها أمرا رائجا بين أجزاء الدولة- كقانون النظام مثلا- يحدس حدسا قطعيّا بأنّ هذا قانون المملكة، و ممّا يرضى به رئيس الدولة.

فلا يصغى إلى ما أفاد بعض محقّقي العصر (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بحثه-: من أنّ اتّفاقهم على أمر: إن كان نشأ عن تواطئهم على ذلك كان لتوهّم الملازمة العاديّة بين إجماع المرءوسين و رضا الرئيس مجال، و أمّا إذا اتّفق الاتّفاق بلا تواطؤ منهم فهو ممّا لا يلازم عادة رضا الرئيس، و لا يمكن دعوى الملازمة (2) انتهى.

فإنه من الغرائب، ضرورة أولويّة إنكار الملازمة في صورة تواطئهم على‏

____________

[1] كورة: هي البقعة التي تجتمع فيها المساكن و القرى. قال أحمد بن فارس: و الكورة: الصقع، لأنّه يدور على ما فيه من قرى. معجم مقاييس اللغة 5: 146 كور.

____________

(1) نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 97 سطر 20- 25.

(2) فوائد الأصول 3: 150- 151.

258

شي‏ء، لإمكان أن يكون تواطؤهم عليه معلَّلا بأمر غير ما هو الواقع، و أمّا مع عدمه فلا احتمال في البين، و يكشف قطعا عن الرضا.

هذا، كما أنّ دعوى‏ (1) كشف اتّفاقهم- بل الاشتهار بين متقدّمي الأصحاب- عن دليل معتبر قريبةٌ جدّاً.

فمناط حجّية الإجماع- على التحقيق- هو الحدس القطعي برضا الإمام، أو الكشف عن دليل معتبر لم نعثر عليه.

إن قلت: دعوى الكشف عن الدليل المعتبر عند المجمعين و إن كانت قريبة [1] لكن يمكن أن يكون الدليل المنكشف دالا عندهم على الحكم المفتي به، لا عندنا، لاختلاف الأنظار في فهم الظهورات.

قلت: كلّا، بل الدعوى: أنّه كشف عن دليل لو عثرنا عليه لفهمنا منه ذلك أيضا، أ لا ترى لو اتفقت فتوى الفقهاء على حكم مقيّد، و يكون ما بأيدينا من الأدلّة هو المطلق، نكشف قطعا عن وجود قرينة أو مخصّص له، كما أنّه لو اتّفقت فتواهم على إطلاق [و] دلّ الدليل على التخصيص و التقييد لم نعمل‏

____________

[1] بل الكشف عن الدليل المعتبر اللفظي بعيد، لبعد عثور أرباب الجوامع- كالكليني و الصدوق و الشيخ- على رواية قابلة للاعتماد عليها و عدم نقلها، بل امتناع ذلك عادة، و احتمال وجدانهم في كتاب و فقدانه أبعد.

بل الإجماع أو الشهرة القديمة- لو تحقّقا- فالفقيه يحدس بكون الفتوى معروفة في زمن الأئمّة و الحكم ثابتا، بحيث لا يرون أصحاب الأصول و الكتب حاجة إلى السؤال من الإمام (عليه السلام) فلم يسألوا لاشتهاره و وضوحه من زمن الرسول (عليه السلام) فلم يحدّثوا برواية دالّة عليه، و هذا ليس ببعيد. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) فوائد الأصول 3: 150- 151.

259

بهما، أو على خلاف ظاهر نرفع اليد عنه بمجرّد فتواهم، و لا يمكن أن يقال: إنّ الناس مختلفون في فهم الظواهر.

و بالجملة: فاتّفاقهم على حكم يكشف عن الدليل المعتبر الدالّ عليه.

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أنّ الحاكي للإجماع إنّما تكون حكايته عن الكاشف معتبرة و مشمولة لأدلّة حجّية خبر الواحد، و حينئذ لو حصل تمام السبب بنظر المنقول إليه- لأجل الملازمة الواقعيّة عنده بين قولهم و رأي الإمام- فيأخذ به، و إلّا احتيج إلى ضمّ ما يكون به تمام السبب من القرائن و ضمّ فتوى غيرهم.

هذا، و ممّا ذكرنا يعرف حال التواتر المنقول أيضا.

260

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

261

مبحث في حجية الشهرة الفتوائية

قوله: ممّا قيل باعتباره بالخصوص الشهرة في الفتوى ... إلخ‏

(1)

.

(1) اعلم أنّ الشهرة في الفتوى قد تكون من قدماء الأصحاب إلى زمن الشيخ أبي جعفر الطوسي- (رحمه اللّه)- و قد تكون من المتأخّرين عن زمانه:

أمّا الشهرة المتأخّرة فإنّما هي في التفريعات الفقهيّة، و ليست، بحجّة، و لا دليل على حجّيتها.

و ما استدلّ لها- من فحوى أدلّة حجّية خبر الواحد، أو تنقيح المناط، أو تعليل آية النبأ، أو دلالة المقبولة أو تعليلها عليها- مخدوش كلّه.

و أمّا الشهرة المتقدّمة- و هي التي بين أصحابنا الذين كان ديدنهم ضبط الأصول المتلقّاة من الأئمّة في كتبهم بلا تبديل و تغيير، و كان بناؤهم على ضبط الفتاوى المأثورة خلفا عن سلف إلى زمن الأئمّة الهادين، و كانت طريقتهم في‏

____________

(1) الكفاية 2: 77 سطر 6.

262

الفقه غير طريقة المتأخّرين، كما يظهر من أوّل كتاب المبسوط [1]- فهي حجّة، فإذا اشتهر حكم بين هؤلاء الأقدمين و تلقّي بالقبول يكشف ذلك عن دليل معتبر.

و بالجملة: في مثل تلك الشهرة مناط الإجماع، بل الإجماع ليس إلّا ذاك. فالشهرة المتأخّرة كإجماعهم ليست بحجّة، و الشهرة المتقدّمة فيها مناط الإجماع.

و يمكن أن يستدلّ على حجّيّتها بالتعليل الوارد في مقبولة عمر بن حنظلة، حيث قال: (ينظر إلى ما كان من روايتهم‏ (1) عنّا في ذلك الّذي حكما به، المجمع عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمهما (2)، و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) [2] ضرورة أنّ الشهرة بين‏

____________

[1] قد راجعنا الكتب التي كانت مؤلّفة قبل ولادة الشيخ أو قبل زمان تأليف المبسوط كالمراسم و كتب المفيد و السيّد علم الهدى، فلم نجد ما أفاد الشيخ الطوسي، لوضوح عدم كونها متون الأخبار، و اختلاف ألفاظها معها، و بعضها مع بعض. نعم بعض كتب الصدوق كذلك.

و الظاهر صحّة كلامه بالنسبة إلى الطبقة السابقة عن طبقة أصحاب الكتب الفتوائيّة، فلا يبعد أن يكون بناء تلك الطبقة على نقل الروايات المطابقة لفتواهم، أو نقل ألفاظها بعد الجمع و الترجيح و التقييد و التخصيص، كما لا يبعد أن يكون «فقه الرضا (عليه السلام) كذلك، و قريب منه كتاب «من لا يحضر» [منه (قدّس سرّه)‏]

[2] الفقيه 3: 6- 2 باب 9 في الاتفاق على عدلين في الحكومة، الوسائل 18: 75- 1 باب 9 من أبواب صفات القاضي.

هو عمر بن حنظلة أبو صخر العجلي الكوفي، من أصحاب الإمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام)، و قد مدحه الإمام الصادق (عليه السلام) في عدَّة روايات. انظر معجم رجال الحديث 13: 27، تنقيح المقال 2: 342.

____________

(1) في المصدر: روايتهما.

(2) في المصدر: حكمنا.

263

الأصحاب في تلك الأزمنة- بحيث يكون الطرف الآخر قولا شاذّا معرضا عنه بينهم، و غير مضرّ بإجماعهم عرفا، بحيث يقال: إنّ المجمع عليه بين الأصحاب ذلك الحكم، و القول الشاذّ قول مخالف للمجمع عليه بينهم- لا شبهة في حجّيتها و اعتبارها و كشفها عن رأي المعصوم، و هذا هو الإجماع المعتبر الّذي يقال في حقّه: إنّه لا ريب فيه [1].

إن قلت: إنّ الاستدلال بهذا التعليل ضعيف، لأنّه ليس من العلّة المنصوصة ليكون من الكبرى الكلّية التي يتعدّى عن موردها، فإنّ المراد من قوله: (فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه) إن كان هو الإجماع المصطلح فلا يعمّ الشهرة الفتوائيّة، و إن كان المراد منه المشهور فلا يصحّ حمل قوله: (ممّا لا ريب فيه) عليه بقول مطلق، بل لا بدّ أن يكون المراد منه عدم الريب بالإضافة إلى ما يقابله، و هذا يوجب خروج التعليل عن كونه كبرى كلّية، لأنّه يعتبر في الكبرى الكلّية صحّة التكليف بها ابتداء بلا ضمّ المورد إليها، كما في قوله: «الخمر حرام لأنّه مسكر» فإنّه يصحّ أن يقال: لا تشرب المسكر، بلا ضمّ الخمر إليه، و التعليل الوارد في المقبولة لا ينطبق على ذلك، لأنّه لا يصحّ أن يقال: يجب الأخذ بكلّ ما لا ريب فيه بالإضافة

____________

[1] فحينئذ لا دليل على حجيّة مجرّد الشهرة الفتوائية لو لم يحدس منها قول الإمام (عليه السلام) أي لا دليل على حجيّة الشهرة التي [هي‏] من الأدلّة الظنّية. [منه (قدّس سرّه)‏]

264

إلى ما يقابله، و إلّا لزم الأخذ بكلّ راجح بالنسبة إلى غيره، و بأقوى الشهرتين، و بالظنّ المطلق، و غير ذلك من التوالي الفاسدة التي لا يمكن الالتزام بها، فالتعليل أجنبيّ عن أن يكون من الكبرى الكلّيّة التي يصحّ التعدّي عن موردها.

قلت: نعم، هذا ما أفاده بعض مشايخ العصر على ما في تقريراته‏ (1) لكن يرد عليه: أنّ التعليل ينطبق على الكبرى الكلّية، و يجوز التعدّي عن موردها، لكنها ليست بهذه التوسعة التي أفادها حتّى تترتّب عليها التوالي الفاسدة، بل الكبرى: هي ما يكون بلا ريب بقول مطلق عرفا، و يعدّ طرفه الآخر الشاذّ النادر الّذي لا يعبأ به، و لهذا عدّ مثل تلك الشهرة بالمجمع عليه بين الأصحاب، لعدم الاعتداد بالقول المخالف الشاذّ.

بل يمكن أن يقال: إنّ عدم الريب ليس من المعاني النسبيّة الإضافيّة، حتّى يقال: لا ريب فيه بالنسبة إلى ما يقابله، بل هو من المعاني النفسيّة التي لا تقبل الإضافة.

و بالجملة: كلّ ما لا ريب فيه عند العرف، و كان العقلاء لا يعتنون باحتمال خلافه، يجب الأخذ به، و لا شبهة في عدم ورود النقوض و التوالي الفاسدة التي ذكرها عليه.

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ مثل تلك الشهرة- التي بين قدماء أصحابنا الذين كان بناؤهم على ذكر الأصول المتلقّاة خلفا عن سلف، دون التفريعات‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 154.

265

الاجتهاديّة- حجّة، و فيها مناط الإجماع.

و أمّا الشهرة في التفريعات بل الإجماع فيها- كالشهرات و الإجماعات من زمن الشيخ إلى زماننا- فليست بحجّة، و لا دليل على اعتبارها، فإنّ في التفريعات سعة ميدان الاجتهاد و الآراء، فتدبّر جيّدا.

266

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

267

مبحث في حجية خبر الواحد

قوله: من أهمّ المسائل الأصوليّة ... إلخ‏

(1)

.

(1) قد عرفت في مباحث التجرّي ميزان الافتراق بين المسائل الأصوليّة و الفقهيّة، فراجع‏ (2).

في موضوع علم الأصول‏

و الّذي ينبغي التعرّض له هاهنا هو: أنّه قد استقرّ رأي محقّقي علماء الأصول قديما و حديثا إلى قريب من عصرنا على أنّ موضوع علم الأصول هو الأدلّة بعنوانها- أي الحجّة في الفقه- (3) و المسائل الأصوليّة هي التي تبحث‏

____________

(1) الكفاية: 2: 78 سطر 7.

(2) انظر صفحة رقم: 44- 45.

(3) القوانين 1: 9 سطر 22- 23، فرائد الأصول: 67 سطر 7- 8، مقالات الأصول 1: 9 سطر 23 إلى السطر الأخير.

268

عن عوارض الحجّة الذاتيّة.

و لقد أوردوا على هذا الإشكال المشهور: من خروج معظم المسائل عن علم الأصول، كمباحث حجّية الخبر الواحد و الشهرة و الظواهر، و مسائل التعادل و الترجيح‏ (1) إلى غير ذلك، و ذلك لأنّ البحث فيها عن الحجّية، و هو من المبادئ لا المسائل.

و تصدّى العلّامة الأنصاريّ- (قدّس سرّه)- للجواب في مبحث حجّية الخبر الواحد: بأنّ البحث فيه عن ثبوت السنّة به، و هو من العوارض‏ (2).

و ردّه المحقّق الخراسانيّ- (رحمه اللّه)-: بأنّ الثبوت الواقعيّ مفاد كان التامّة، و هو من المبادئ، و الثبوت التعبّدي من عوارض الخبر الحاكي‏ (3).

و قد تصدّى بعض أعاظم العصر- على ما في تقريرات بحثه- للذبّ عن الشيخ: بأنّ البحث في حجّية الخبر إنّما هو عن انطباق السُّنّة على مؤدّى الخبر و عدم انطباقها، و هذا لا يرجع إلى البحث عن وجود السُّنّة و لا وجودها، بل يكون البحث عن عوارضها، بداهة أنّ انطباق الموضوع و عدم انطباقه يكون من العوارض اللاحقة له، كالبحث عن وجود الموضوع في زمان أو مكان‏ (4).

و فيه: أنّ الخبر الحاكي- على فرض مطابقته للواقع- إنّما هو عين السُّنّة، و نسبتها إليه نسبة الكلّي إلى الفرد، لا العارض إلى المعروض، و على فرض‏

____________

(1) الفصول: 11، الكفاية 1: 6 سطر 5- 10، درر الفوائد 1: 3- 4.

(2) فرائد الأصول: 67 سطر 5- 6.

(3) الكفاية 1: 6- 9.

(4) فوائد الأصول 3: 157.

269

عدم المطابقة تكون نسبتهما التباين. و قياسه بكون الشي‏ء في الزمان و المكان مع الفارق، ضرورة عارضيّة مقولتي الأين و المتى.

و بالجملة: بعد اللّتيّا و التي استقرّ رأي أكثر المتأخّرين فرارا عن هذا الإشكال على أنّ موضوع علم الأصول ليس الأدلة لا بعنوانها و لا بذاتها بل ربّما لا يكون لموضوع العلم- و هو الكلّي المتّحد مع موضوعات المسائل- عنوان خاصّ و اسم مخصوص، فموضوع علم الأصول عبارة عن أمر كلّي مبهم منطبق على موضوعات مسائله المتشتّتة (1).

و لمّا كان المرضيّ [1] هو قول المشهور:- من كون موضوعه هو الحجّة في الفقه- لا بدّ من تحقيق الحال، حتّى يتضح الأمر و يرتفع الإشكال، و ذلك يتوقّف على بسط من الكلام، فنقول:

الأعراض الذاتيّة- التي يبحث في العلم عنها- أعمّ من الأعراض الخارجيّة و الأعراض التحليليّة، بداهة أنّ في كثير من العلوم لم تكن الأعراض اللاحقة لموضوعاتها إلّا من قبيل التحليليّة، أ لا ترى أنّ موضوع علم الفلسفة هو الوجود، أو الموجود بما أنّه موجود، و مباحثه هي تعيّناته التي هي الماهيّات، و لم تكن نسبة الماهيّات إلى الوجود نسبة العرض الخارجيّ إلى الموضوع، بل العرضيّة و المعروضيّة إنّما هي بتحليل من العقل، فإنّ الماهيّات بحسب الواقع تعيّنات الوجود، و متّحدات معه، و من عوارضه التحليليّة فإن قيل: الوجود

____________

[1] قد حققنا في [مناهج الوصول‏] ما هو المرضيّ عندنا فعليه يسقط ما في هذه الأوراق [منه عفي عنه‏].

____________

(1) الكفاية 1: 6 سطر 1- 3، درر الفوائد 1: 4، فوائد الأصول 1: 29.

270

عارض الماهيّة ذهنا، صحيح، و إن قيل: الماهيّة عارض الوجود فإنّها تعيّنه، صحيح، حتّى قيل: «من و تو عارض ذات وجوديم».

و إن شئت زيادة تحقيق لذلك، فاعلم: أنّ العرض له اصطلاحان:

أحدهما: ما هو المتداول في علم الطبيعي، و المقولات العشر، و هو مقابل الجوهر، و هو الحالّ في المحلّ المستغني.

و ثانيهما: ما هو مصطلح المنطقيّ في باب الكلّيّات، و هو الخارج المحمول على الشي‏ء، أي ما هو متّحد مع المعروض في الخارج، و مختلف معه في التحليل العقليّ، و مأخوذ على نحو اللابشرطيّة.

و الذاتيّة و العرضيّة في هذا الاصطلاح تختلف بحسب الاعتبار، بخلافهما في الاصطلاح الأوّل، فإنّهما أمران حقيقيّان غير تابعين للاعتبار، مثلا إذا لوحظ الحيوان و الناطق من حيث كونهما جزءين للماهيّة الإنسانيّة، فهما جنس و فصل و ذاتيان للماهية، و إذا لوحظا من حيث اختلافهما في العقل و اتّحادهما في الخارج، يقال: كلّ منهما عارض للآخر، فالجنس عرض عامّ، و الفصل عرض خاصّ، و بهذا الاعتبار كلّ من الوجود و الماهيّة عارض للآخر.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ موضوع علم الأصول هو الحجّة في الفقه، فإنّ الفقيه لمّا رأى احتياجه في علمه إلى الحجّة توجّه إليها، و جعلها وجهة نفسه، و تفحّص عن تعيّناتها التي هي الأعراض الذاتيّة التحليليّة لها المصطلحة في باب الكلّيّات الخمس، فالحجّة بما هي حجّة موضوع بحثه و علمه، و تعيّناتها- التي هي الخبر الواحد و الظواهر و الاستصحاب و سائر المسائل‏

271

الأصوليّة- من العوارض الذاتيّة لها بالمعنى الّذي ذكرنا، فعلى هذا يكون البحث عن حجّية الخبر الواحد و غيره بحثا عن العرض الذاتيّ التحليليّ للحجّة، و تكون روح المسألة أنّ الحجّة هل هي متعيّنة بتعيّن الخبر الواحد، أم لا؟

و بالجملة: بعد ما يعلم الأصوليّ أنّ للَّه تعالى حجّة على عباده في الفقه، يتفحص عن تعيّناتها التي هي العوارض التحليليّة لها، فالموضوع هو الحجّة بنعت اللابشرطيّة، و المحمولات هي تعيّناتها.

و أمّا انعقاد البحث في الكتب الأصوليّة بأنّ الخبر الواحد حجّة، أو الظاهر حجّة، و أمثال ذلك، فهو بحث صوريّ ظاهريّ لسهولته، كالبحث في الفلسفة عن أنّ النّفس أو العقل موجودان، مع أنّ موضوعها هو الوجود، و روح البحث فيها: أنّ الوجود متعيّن بتعيّن العقل أو النّفس أو الجوهر أو العرض.

هذا، مع أنّه لو كان البحث في حجّية الخبر الواحد هو بهذه الصورة، فأوّل ما يرد على الأصوليّين: أنّ الحجّة لها سمة المحموليّة لا الموضوعيّة، كما أنّ هذا الإشكال يرد على الفلاسفة أيضا، و نسبة الغفلة و الذهول إلى أئمّة الفنّ و الفحول غفلة و ذهول.

بل لنا أن نقول: إنّ الموضوع- في قولهم: موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة (1)- ليس هو الموضوع المصطلح في مقابل المحمول،

____________

(1) الشمسية: 14 سطر 13- 14، الشواهد الربوبية: 19.

272

بل الموضوع ما وضع لينظر في عوارضه و حالاته، و ما هو محطّ نظر صاحب العلم.

و لا إشكال في أنّ محطّ نظر الأصوليّ هو الفحص عن الحجّة في الفقه، و وجدان مصاديقها العرضيّة و عوارضها التحليليّة، فالمنظور إليه هو الحجّة لا الخبر الواحد، فافهم و اغتنم.

و بما ذكرنا يرتفع الإشكال، و تنسلك مسائل حجّية الخبر الواحد و غيرها في المسائل الأصوليّة، مع التحفّظ على موضوع العلم بما يراه المحقّقون.

و أمّا على ما التزم به المتأخّرون- مضافا إلى عدم الداعي إليه إلّا الفرار من الإشكال، و إلى ورود عار عظيم عليهم من الجهل بموضوع علمهم، فكأنّهم يبحثون في أطراف المجهول و المبهم- يرد عليهم: أنّه لا جامع بين موضوعات المسائل الأصوليّة، فأيّ جامع يتصوّر بين الاستصحاب- مثلا- و الظواهر، إلّا بالالتزام بتكلّفات باردة؟! و يرد عليهم أيضا: أنّه بناء على ما التزموا يصير موضوع علمهم مختلفا حسب اختلاف المسالك في حجّية شي‏ء و عدمها، فمن يرى حجّية الخبر الواحد لا بدّ له من تصوّر جامع بينه و بين غيره من المسائل، و من يرى عدم حجّيته لا بدّ له من تصوّر جامع بين ما عداه، بحيث يخرج الخبر الواحد عنه.

و أمّا إذا كانت الحجّة- بعنوانها- موضوعا، فهي محفوظة، و لا تختلف بالزيادة و النقص في الحجج، كما لا يخفى.

إن قلت: هب أنّ البحث عن الحجّية- في مسائل حجّية الظواهر

273

و الخبر الواحد و الاستصحاب و أمثالها ممّا يبحث عن حجّيتها- يرجع إلى ما ذكرت، و لكن أكثر المسائل الأصوليّة لم يكن البحث فيها عن الحجّية أصلا، مثل مسألة اجتماع الأمر و النهي، و مقدّمة الواجب، و مسائل البراءة و الاشتغال، و غيرها ممّا لا اسم للحجّية فيها و لا رسم، فلا محيص فيها عن الالتزام بما التزم به المتأخّرون.

قلت: كلّا، فإنّ المراد من كون موضوع علم الأصول هو الحجّة في الفقه: أنّ الأصوليّ يتفحّص عمّا يمكن أن يحتجّ به في الفقه، سواء كان الاحتجاج لإثبات حكم أو نفيه، كحجّية خبر الثقة و الاستصحاب و أمثالهما، أو لإثبات العذر أو قطعه، كمسائل البراءة و الاشتغال.

و تفصيل ذلك: أنّ المسائل الأصوليّة: إمّا [أن‏] تكون من القواعد الشرعيّة التي تقع في طريق الاستنباط، كمسألة حجّية الاستصحاب، و حجّية الخبر الواحد بناء على ثبوت حجيته بالتعبّد.

و إمّا أن تكون من القواعد العقلائيّة، كحجّية الظواهر، و الخبر الواحد بناء على ثبوت حجيته ببناء العقلاء.

و إمّا من القواعد العقليّة التي تثبت بها الأحكام الشرعيّة، كمسائل اجتماع الأمر و النهي و مقدّمة الواجب و الضدّ من العقليّات.

و إمّا من القواعد العقليّة لإثبات العذر و قطعه، كمسائل البراءة و الاشتغال.

و كلّ ذلك ممّا يحتجّ به الفقيه: إمّا لإثبات الحكم و نفيه عقلا أو تعبّدا،

274

أو لفهم التكليف الظاهريّ، و ليس مسألة من المسائل الأصوليّة إلّا و يحتجّ بها في الفقه بنحو من الاحتجاج، فيصدق عليها أنها الحجّة في الفقه، تدبّر.

275

أدلة عدم حجية خبر الواحد

في الاستدلال بالكتاب على عدم حجّية خبر الواحد

قوله: و استدلّ لهم بالآيات الناهية

(1)

...

(1) أقول: الآيات الناهية بعضها مربوط بالأصول الاعتقاديّة، مثل قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* (2) و بعضها أعمّ، مثل قوله تعالى‏ وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (3) فإنّه في سياق الآيات الناهية عن الأمور الفرعيّة، فلا يختصّ بالأصول لو لا اختصاصه بالفروع.

و التحقيق في الجواب عنه: مضافا إلى عدم إبائه عن التخصيص، و إن كانت الآيات الأوّليّة آبية عنه- أنّ الاستدلال به مستلزم لعدم جواز الاستدلال‏

____________

(1) الكفاية 2: 79 سطر 8- 9.

(2) يونس: 36.

(3) الإسراء: 36.

276

به، و ما يلزم من وجوده العدم غير قابل للاستدلال به.

بيان ذلك: أنّ قوله: لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ قضيّة حقيقيّة، تشمل كلّ ما وجد في الخارج و يكون مصداقا لغير العلم، مع أنّ دلالة نفسها على الردع عن غير العلم ظنيّة لا قطعيّة، فيجب عدم جواز اتّباعها بحكم نفسها.

و بالجملة: إذا لم يجز اتّباع غير العلم لم يجز اتّباع ظاهر الآية، لكونه غير علميّ، و الفرض شمولها لنفسها لكونها قضيّة حقيقيّة.

فإن قلت: الآية الشريفة لا تشمل نفسها، لعين هذا المحذور الّذي ذكرت.

و بعبارة أخرى: إنّ الآية مخصّصة عقلا، للزوم المحال لو لا التخصيص.

قلت: كما يمكن رفع الاستحالة بما ذكر، يمكن رفعها بالالتزام بعدم شمولها لمثل الظواهر، أي ما قام الدليل على حجيته، فتخصّص الآية بالظنون التي هي غير حجّة، و لا ترجيح، بل الترجيح لذلك، فإنّ الغرض من إلقاء الآية الشريفة هو الردع عن اتّباع غير العلم، و لا يمكن رادعيّة الآية إلّا أن تكون مفروضة الحجّية عند المتخاطبين، و لا وجه لحجّيتها إلّا كونها ظاهرة في مفادها، و موردا لبناء العقلاء على العمل بها لأجل الظهور، فالآية لا تشمل ما كان من قبيلها من الظنون الخاصّة.

فتحصّل ممّا ذكر: أنّ الآية لا تصلح للرادعيّة عن مثل الخبر الواحد.

هذا، و قد تصدّى بعض أعاظم العصر- على ما في تقريرات بحثه- للجواب عنها بما حاصله:

أنّ نسبة الأدلّة الدالّة على حجّية الخبر الواحد إلى الآيات نسبة الحكومة،

277

لا التخصيص لكي يقال: إنّها آبية عنه، فإنّ تلك الأدلّة تقتضي إلغاء احتمال الخلاف، و جعل الخبر محرزا للواقع، لكون حاله حال العلم في عالم التشريع. هذا في غير السيرة العقلائيّة القائمة على العمل بالخبر الواحد.

و أمّا السيرة فيمكن أن يقال: إنّ نسبتها إليها هي الورود، بل التخصّص، لأنّ عمل العقلاء بخبر الثقة ليس من العمل بالظنّ، لعدم التفاتهم إلى احتمال المخالفة للواقع، فالعمل به خارج بالتخصّص عن العمل بالظنّ، فلا تصلح الآيات الناهية عن العمل به لأن تكون رادعة عنها، فإنّه- مضافا إلى خروج العمل به عن موضوع الآيات- يلزم منه الدور المحال، لأنّ الردع عن السيرة بها يتوقّف على أن لا تكون السيرة مخصّصة لعمومها، و عدم التخصّص يتوقّف على الرادعيّة.

و إن منعت عن ذلك فلا أقلّ من كون السيرة حاكمة على الآيات، و المحكوم لا يصلح أن يكون رادعا للحاكم‏ (1) انتهى.

أقول: أمّا قضيّة إباء الآيات عن التخصيص فقد عرفت أنّ قوله تعالى:

وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (2) الّذي هو عامّ قابل للتخصيص، و ما ليس بقابل له هو الآيات المربوطة بالأصول الاعتقاديّة، فراجع.

و أمّا حديث الحكومة فلا أصل له، فإنّ الأخبار على كثرتها لم يكن لسانها لسان الحكومة، مع أنّ الحكومة متقوّمة بلسان الدليل.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 160 و ما بعدها.

(2) الإسراء: 36.

278

إن قلت: قوله: (العمريُّ ثقة، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطعه، فإنّه الثقة المأمون) (1) له نحو حكومة على الآيات، فإنّ لازمه إلقاء احتمال الخلاف.

قلت: كلّا، فإنّ لسان الحكومة غير ذلك، لأنّ غاية مفاد الرواية هو وجوب اتّباع العمريّ لوثاقته، و أمّا أنّ ما أخبر به هو المعلوم، حتّى خرج عن اتباع غير العلم، فلا.

و بالجملة: الحكومة و التخصيص مشتركان في النتيجة، و مفترقان في اللسان، و لسان الأدلّة ليس على نحو الحكومة.

و أمّا قضيّة ورود السيرة العقلائيّة عليها، أو التخصّص، فهي ممنوعة، فإنّ كون العمل بالخبر عندهم من العمل بالعلم ممنوع، ضرورة وضوح عدم حصول العلم من الخبر الواحد.

و لو سلّم غفلتهم عن احتمال الخلاف، لم يوجب ذلك تحقّق الورود [1]

____________

[1] و إن اشتهيت بيان الورود، فيمكن تقريره بوجهين:

أحدهما: أن يقال: إنّ المراد من قوله تعالى: (لا تقف ما ليس لك به علم) ليس هو العلم الوجداني، للزوم تعطيل أكثر الأحكام، أو ورود التخصيص الأكثريّ المستهجن عليه، كما أنّ المراد بحرمة القول بلا علم، أو حرمة الفتوى و القضاء كذلك ليس العلم الوجدانيّ، فحينئذٍ يكون معناه: لا تقف ما ليس لك به حجّة، فتكون أدلّة حجّية الخبر الواحد واردة عليه، لإحداث الحجّة بالتعبّد.

و ثانيهما: أن يقال إنّه بعد تماميّة حجّية الخبر الواحد يكون الاتّكال في العمل به على القطع بحجّيته، فالخبر و إن كان ظنّيا من حيث الكشف عن الواقع، لكن حجّيته قطعية، و المكلّف يتبع قطعه، لا ظنّه، لأنّ اتكاله ليس إلّا على الحجّة المقطوعة، فلا يشمله قوله: (لا تقف ما ليس لك به علم)، لأجل أنّ ظاهر الكتاب- على فرض دلالته على لزوم اتّباع الخبر- حجّة قطعيّة، لأنّ العقلاء يحتجّون به قطعا، و عدم ورود الردع عنه قطعا، فينسلك اتباع الخبر في اتباع العلم بالتعبد، فيتم ميزان الورود. [منه عفي عنه‏]

____________

(1) الكافي 1: 330- 1 باب في تسمية من رآه (عليه السلام)، الوسائل 18: 100- 4 باب 11 من أبواب صفات القاضي. مع اختلاف يسير.

279

أو التخصّص، فإنّ موردهما هو الخروج عن الموضوع واقعا، لا عند المخاطب.

و الفرق بينهما: أنّ الورود يكون مع إعمال التعبّد، و التخصّص لا يكون كذلك و ما نحن فيه لا يكون الخروج واقعيّا، بل عند المخاطب.

نعم يمكن دعوى عدم صلاحية الأدلة للردع عمّا هو مورد السيرة: إمّا لعدم التفاتهم إلى مخالفة الخبر للواقع، فلا يرتدع العقلاء بتلك العمومات، بل لا بدّ من التصريح بالردع، و إمّا لدعوى انصراف الأدلة عن الظنّ الّذي هو حجّة.

و أمّا حديث حكومة السيرة- على ما أفاد أخيرا- فهو أسوأ حالا من حكومة سائر الأدلة، فإنّ السيرة لا لسان لها، و إنّما هي عمل خارجيّ، و الحكومة إنّما هي بين ظواهر الأدلّة و مفادها اللفظيّ.

و أمّا قضيّة الدور فمضافا إلى عدم كونه دورا مصطلحا- لعدم التوقّف بمعنى تقدّم الموقوف عليه على الموقوف، ضرورة عدم تقدّم الرادعيّة على عدم المخصّصيّة، و لا العكس- أنّ الرادعيّة تتوقّف على عدم المخصّص، و هو حاصل، إذ لا مخصّص في البين جزما، لأنّ النواهي الرادعة حجّة في العموم، و لا بدّ من رفع اليد عنها بحجّة أقوى، و لا حجّية للسيرة بلا إمضاء الشارع، فالرادع‏

280

رادع فعلًا، و السيرة حجّة لو أمضاها الشارع، و لا إمضاء في البين مع هذه النواهي، بل الردع موجود متحقّق.

فإن قلت: إنّ الشارع أمضاها قبل ورود الآيات، فالأمر دائر بين تخصيصها بها أو ردعها إيّاها، كالخاصّ المقدّم و العامّ المؤخّر، حيث يدور الأمر فيهما بين التخصيص و النسخ، و مع عدم الترجيح يستصحب حجّيّتها.

قلت- مضافاً إلى أنّ التمسُّك بالاستصحاب الّذي دليله أخبار الآحاد لا معنى له في المقام-: إنّا لا نسلّم أنّ عدم الردع في أوائل البعثة يدلّ على الإمضاء، فإنّه إنّما يدلّ عليه لو انعقدت السيرة على العمل بالخبر الواحد في الأحكام الشرعيّة، كما انعقدت عليه في الأحكام العاديّة و العرفيّة، أو كان مظنّة لذلك، دون ما إذا انعقدت فيهما و لا تسري إلى الأحكام الشرعيّة.

و من المعلوم أنّه في أوائل البعثة- التي لم تنتشر أحكام الإسلام في البلاد، و إنّما كانت محدودة بين أشخاص معدودة، خصوصاً في مكّة المعظّمة قبل هجرته (صلّى اللَّه عليه و آله) إلى المدينة- لا يحتاج تلك العدّة المعدودة من المسلمين إلى العمل بقول الثقة في الأحكام، بل كلّ حكم صادر عن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) كان بمسمع من الأصحاب في الجامع أو غيره، بل في أوائل هجرته في المدينة كان الأمر بتلك المثابة، كما لا يخفى.

فعدم الردع لعلّه لأجل عدم الاحتجاج، و عدم لزوم نقض الغرض، و مع احتمال ذلك لا يدلّ على الإمضاء، كما لا يخفى.

و لعلّ الآيات الناهية صدرت في تلك الآونة، لغرض الردع عن السيرة

281

التي بينهم في العاديّات، لئلا يسري إلى الشرعيّات هذا حال الآيات.

في الاستدلال بالسنة على عدم حجّية خبر الواحد

و أمّا السُّنة [1] فهي مع كثرتها بين طوائف:

منها: ما تدلّ على عدم جواز الأخذ بالخبر، إلّا ما عليه شاهد أو شاهدان من كتاب اللَّه أو من قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله)(1)- و من هذه الطائفة ما تدلّ على عدم جواز الأخذ إلّا بما يوافق القرآن‏ (2).

و لا يخفى أنّ هذه الطائفة لا معنى محصّل لها، إلّا إذا حملت على مورد التعارض، و تكون من سنخ الأخبار العلاجيّة، فإنّ الأخذ بالخبر الموافق‏

____________

[1] و لا يخفى أنّ المثبت و المنكر لا بدّ [لهما] من دعوى تواتر الروايات، مع أن دعواه بعيدة بعد الرجوع إلى الروايات، لأن تواتر جميع الطبقات غير ثابت بل عدمه ثابت، لأنّ جميع الروايات ترجع إلى عدّة كتب لا يقطع الإنسان بعدم وقوع الخلط و الاشتباه أو غيرهما فيها، فإثبات عدم الحجّية بتلك الروايات ممّا لا يمكن.

ثمّ على فرض التواتر لا يكون ذلك إلا إجمالياً، فلا بدّ من أخذ أخص المضمون و هو المخالفة إمّا بالتباين، أو مع العموم من وجه، ضرورة أن المخالفة بغيرهما ليست مخالفة في محيط التقنين‏ (3) عرفاً، مع أنّ ورود المخصّص و المقيّد للكتاب عنهم قطعي ضروري، فلا يمكن حمل الروايات عليها. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) الكافي 1: 69- 2 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب و 2: 222- 4 باب الكتمان، الوسائل 18:

78 و 80- 11 و 18 باب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) الكافي 1: 69- 3 و 4 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب، الوسائل 18: 78 و 79 و 80 و 86- 10 و 12 و 14 و 15 و 19 و 35 و 37 باب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) غير واضحة في المخطوط و يمكن أن تقرأ المتقنين.

282

للقرآن، أو بماله شاهد أو شاهدان منه، ليس أخذاً و عملًا بالخبر، بل هو أخذ و عمل بالكتاب. نعم لو حملت على مورد التعارض يكون لها معنىً محصّل، و عليه تكون من شواهد حجّية الخبر الواحد.

و منها: ما يدلّ على طرح غير الموافق‏ (1)، و هو يرجع إلى المخالف عرفاً.

و منها: ما يدلّ على طرح الخبر المخالف للكتاب‏ (2). و لا يخفى أنّها آبية عن التخصيص، مع ضرورة صدور أخبار مقيّدة أو مخصّصة للكتاب من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) فلا بدّ من حمل تلك الطائفة على المخالفة التباينيّة، أو الأعمّ منها و من مخالفة العموم من وجه.

و صدور الأخبار المتباينة مع الكتاب من المخالفين لا يبعد، إذا كان على وجه الدسّ في كتب أصحابنا، فإنّ في دسّها إحدى النتيجتين لهم: إمّا تضعيف كتب أصحابنا و إسقاطها عن النّظر، و إمّا التزلزل في اعتقاد المسلمين بالنسبة إلى أئمّة الحقّ (عليهم السلام).

____________

(1) الكافي 1: 69- 3 و 4 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب، الوسائل 18: 78 و 79 و 80 و 86- 12 و 14 و 19 و 35 و 37 باب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) الكافي 1: 69- 1 و 5 باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب، الوسائل 18: 78 و 80 و 1086- و 19 و 37 باب 9 من أبواب صفات القاضي.

283

أدلة حجية خبر الواحد

في الاستدلال بالكتاب على حجّية خبر الواحد

آية النبأ

قوله‏

(1)

: فمنها آية النبأ [1] ...

(1) و يمكن [2] تقريب الاستدلال بوجه آخر: و هو أنّه لا فرق في شمول العامّ‏

____________

[1] الحجرات: 6.

لا يخفى أنّه مع فرض المفهوم للآية الشريفة لا تدل على حجّية خبر العادل مطلقاً، لأن التبين لا يناسب الجزائية، فإنّ مجي‏ء الفاسق بالنبإ مع وجوب تحصيل العلم للعمل غير مترتبين عقلًا و لا عرفاً، فلا بدّ من أن يكون ذلك كناية عن الإعراض عن خبر الفاسق و عدم ترتيب الأثر عليه، و مفهومه- على فرضه- ترك الإعراض، و هو أعمّ من كونه تمام الموضوع للعمل، فلا يستفاد منه كونه حجّة بنفسه، كما لا يخفى. [منه (قدّس سرّه)‏]

[2] و هاهنا تقريبات أخر:

منها: ما أفاده الماتن‏ (2)، و لا يخفى مخالفته لظاهر الآية.

____________

(1) الكفاية 2: 83.

(2) الكفاية 2: 83 سطر 4- 6.

284

لأفراده، بين كونها أفراداً ذاتيّة له، بين كونها أفراداً عرضيّة إذا كانت بنظر العرف شموله لها بنحو الحقيقة، فكما أنّ الأبيض صادق على نفس البياض لو فرضنا قيامه بنفس ذاته، كذلك إنّه صادق على الجسم المتلبّس به، مع أنّ صدقه عليه عرضيّ تبعيّ لدى العقل الدّقيق، لكنّه حقيقة لدى العقل العادي و العرف.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ لعدم مجي‏ء الفاسق بالخبر فردا ذاتيّا، هو عدم تحقّق الخبر لا من الفاسق و لا من غيره، و أفرادا عرضيّة هي مجي‏ء غيره به، فيكون صدق عدم مجي‏ء الفاسق به على مجي‏ء العادل به صدقا عرضيّا في نظر العقل، و صدقا حقيقيا في نظر العرف، فيشمل العامّ له كما يشمل الفرد الذاتي.

____________

و منها: ما أفاده بعض المحقّقين‏ (1): من أنّ الظاهر أن الشرط هو المجي‏ء مع متعلقه- أي مجي‏ء الفاسق- فيكون الموضوع نفس النبأ، و لمفهومه مصداقان: عدم مجي‏ء الفاسق، و مجي‏ء العادل، فلا يكون الشرط محقق الموضوع. و أمّا إذا جعل الشرط نفس المجي‏ء، و يكون الموضوع نبأ الفاسق، يكون الشرط محقّق الموضوع.

و فيه: أنّ مفهوم «إن جاءك الفاسق بنبإ» ليس إلّا «إن لم يجئك الفاسق بنبإ»، و أمّا مجي‏ء العادل فليس مفروضا في المنطوق و لا المفهوم، فلا تدل الآية عليه مطلقا.

مع أنّ كون المفهوم ذا مصداقين- كما ذكره- لا يتوقف على جعل الشرط مجي‏ء الفاسق، بل لو كان الشرط هو المجي‏ء و الموضوع هو خبر الفاسق، فلعدم مجي‏ء خبره مصداقان، كما لا يخفى. لكن العمدة هو تفاهم العرف، و هو لا يساعد على ما ذكر. [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الثالث: 111- 112

285

فمفهوم قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1) هو إن لم يجئكم به فلا يجب التبيّن، سواء جاء به العادل أولا. و إن ضمّ إلى ذلك أنّ ظهور القضايا السالبة إنّما هو في سلب المحمول، لا سلب الموضوع، يصير المفهوم: إن جاءكم عادل بنبإ فلا يجب التبيّن.

و بالجملة: مفهومها يدلّ على عدم وجوب التبيّن في خبر العادل: إمّا بإطلاقه، و إمّا بالتعرّض لخصوص خبره. هذا.

و فيه: أنّ الأمر في المثال و الممثّل متعاكسان بحسب نظر العرف، فإنّ المثال الّذي مثّلت- من صدق الأبيض على البياض و الجسم المتلبّس به- يكون صدقه على الفرد الذاتيّ العقليّ أخفى عند العرف من صدقه على الفرد العرضيّ، بل يمكن أن يقال: إنّه لا يصدق إلّا على الثاني دون الأوّل عرفا، و إن كان الأمر عند العقل الدّقيق على عكس ذلك.

و أمّا فيما نحن فيه و الممثّل، لا يكون مجي‏ء العادل بالخبر من مصاديق لا مجي‏ء الفاسق به عرفا، و إن فرض أنّ أحد الضدّين ممّا ينطبق عليه عدم الضدّ الآخر، و يكون مصدوقا عليه بحسب اصطلاح بعض أكابر فنّ المعقول‏ (2) لكنّه أمر عقليّ خارج عن المتفاهم العرفيّ، و أخذ المفاهيم إنّما هو بمساعدة نظر العرف، و لا إشكال في أنّه لا يفهم [من‏] الآية الشريفة مجي‏ء العادل به.

و أمّا قضيّة ظهور القضايا السالبة في سلب المحمول، إنّما هو في القضايا

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) الأسفار 2: 114.

286

اللفظيّة، و أمّا فيما نحن فيه فليس قضيّة لفظيّة في البين. تأمّل.

و لو فرضنا كون المفهوم قضيّة لفظيّة أو في حكمها، لكانت ظاهرة في سلب الموضوع، ضرورة ظهور قوله: «إن لم يجئ فاسق بنبإ» فيه، لا سلب المحمول.

فتحصّل ممّا ذكر: أنّه لا إشكال في عدم دلالة الآية على المفهوم، و إنّما مفادها التبيّن في خبر الفاسق من غير التعرّض لخبر غيره.

هذا، و لقد تصدّى بعض أعاظم العصر (قدّس سرّه)- على ما في تقريرات بحثه- لبيان أخذ المفهوم من الآية بما لا يخلو عن خلط و تعسّف.

و محصّل ما أفاد: أنّه يمكن استظهار كون الموضوع في الآية مطلق النبأ، و الشرط هو مجي‏ء الفاسق به من مورد النزول، فإنّ مورده إخبار الوليد [1] بارتداد بني المصطلق، فقد اجتمع في إخباره عنوانان: كونه من الخبر الواحد، و كون المخبر فاسقا، و الآية وردت لإفادة كبرى كلّيّة، لتميّز الأخبار التي يجب التبيّن عنها عن غيرها، و قد علّق وجوب التبيّن فيها على كون المخبر فاسقا، فيكون هو الشرط، لا كون الخبر واحدا، و لو كان الشرط ذلك لعلّق عليه، لأنّه بإطلاقه شامل لخبر الفاسق، فعدم التعرّض لخبر الواحد و جعل الشرط خبر الفاسق، كاشف عن انتفاء التبيّن في خبر غير الفاسق.

و لا يتوهّم أنّ ذلك يرجع إلى تنقيح المناط، أو إلى دلالة الإيماء، فإنّ‏

____________

[1] الوليد: هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي، أمه أروى بنت كريز بن ربيعة أم عثمان بن عفان، ولاه عثمان الكوفة و عزله بسعيد بن العاص، توفي بالرقة و دفن بالتليح. انظر أسد الغابة 5: 90.

و بنو المصطلق: هم فخذ من قبيلة خزرج العربية الشهيرة.

287

ما بيّنّاه من التقريب ينطبق على مفهوم الشرط.

و بالجملة: لا إشكال في أنّ الآية تكون بمنزلة الكبرى الكلّيّة، و لا بدّ من أن يكون مورد النزول من صغرياتها، و إلّا يلزم خروج المورد عن العامّ، و هو قبيح، فلا بدّ من أخذ المورد مفروض التحقّق في موضوع القضيّة، فيكون مفاد الآية- بعد ضمّ المورد إليها-: أنّ الخبر الواحد إن كان الجائي به فاسقا فتبيّنوا، فتصير ذات مفهوم‏ (1) انتهى.

و فيه أوّلا: أنّ كون مورد النزول إخبار الوليد لا ربط له بكون الموضوع في الآية مطلق النبأ، و الشرط خارج غير مسوق لتحقّق الموضوع، و مجرّد إخباره بكذا لا يصير منشأ لظهورها في إفادة الكبرى الكلّيّة لتميّز الأخبار التي يجب التبيّن عنها عن غيرها.

نعم الآية الشريفة مسوقة لإفادة الكبرى الكلّيّة، و هي وجوب التبيّن عن خبر كلّ فاسق، من غير تعرّض لغيره، و ليست بصدد بيان التميّز بين خبر الفاسق و العادل.

و بالجملة: إنّها متعرضة لخبر الفاسق فقط، دون العادل، لا منطوقا و لا مفهوما.

و ثانيا: أنّ اجتماع العنوانين في خبر الوليد- أي كونه خبرا واحدا، و كون المخبر به فاسقا- بيان لمفهوم الوصف، لا الشرط، حيث لم يعلّق في الآية وجوب التبيين على كون المخبر به فاسقا، بل علّق على مجي‏ء الفاسق بالخبر،

____________

(1) فوائد الأصول 3: 169.

288

و معلوم أنّه لا مفهوم له، كما أنّه بذاك التقريب لا يكون للوصف أيضا مفهوم، لعدم إفادة العلّيّة المنحصرة.

مع أنّ في ذكر الفاسق هاهنا نكتة هي التنبيه على فسق الوليد، فكون مورد النزول هو إخبار الوليد مضر بدلالة الآية على المفهوم، لا أنّه موجب لها، كما أفاد- (رحمه اللّه)- و من ذلك يعرف ما في قوله: فإنّ ما بيّناه من التقريب ينطبق على مفهوم الشرط.

و أمّا ما أفاد:- في تأييد كون الآية بمنزلة الكبرى الكلّيّة-: من أنّ مورد النزول من صغرياتها، و إلّا يلزم خروج المورد، فهو صحيح، لكنّ الكبرى الكلّيّة ليست هي ما أفاد، بل هي وجوب التبيّن عن خبر كلّ فاسق، و إخبار الوليد من صغرياتها، من غير أن يكون للآية مفهوم.

و بالجملة: إنّ الآية الشريفة لا مفهوم لها، و هذه التشبّثات لا تجعل الآية ظاهرة فيما لم تكن ظاهرة فيه.

تكملة

قد أورد على التمسّك بالآية الشريفة لحجّيّة الخبر الواحد بأمور: منها ما يختصّ بالآية، و منها ما يشترك بينها و بين غيرها:

فمن الإشكالات المختصّة بها: هو كون المفهوم- على تقدير ثبوته- معارضا لعموم التعليل في ذيلها (1) فإنّ الجهالة هي عدم العلم بالواقع، و هو

____________

(1) الذريعة إلى أصول الشريعة 2: 535- 536، عدة الأصول: 46 سطر 9- 13.

289

مشترك بين إخبار الفاسق و العادل، فمفهوم التعليل يقتضي التبيّن عن خبر العادل، فيقع التعارض بينهما، و التعليل أقوى في مفاده، خصوصا في مثل هذا التعليل الآبي عن التخصيص، فعموم التعليل لأقوائيّته يمنع عن ظهور القضيّة في المفهوم، فلا يلاحظ النسبة بينهما، فإنّها فرع المفهوم.

و لقد تصدّى المشايخ لجوابه، و ملخّص ما أفاد بعض أعاظم العصر (قدّس سرّه)- على ما في تقريرات بحثه- أنّ الإنصاف أنّه لا وقع له:

أمّا أوّلا: فلأنّ الجهالة بمعنى السفاهة و الركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه، و لا شبهة في جواز الركون إلى خبر العادل دون الفاسق، فخبر العادل خارج عن العلّة موضوعا.

و أمّا ثانيا: فعلى فرض كونها بمعنى عدم العلم بمطابقة الخبر للواقع، يكون المفهوم حاكما على عموم التعليل، لأنّ أقصى ما يدلّ عليه التعليل هو عدم جواز العمل بما وراء العلم، و المفهوم يقتضي إلقاء احتمال الخلاف، و جعل خبر العادل محرزا للواقع و علما في عالم التشريع، فلا يعقل أن يقع التعارض بينهما، لأنّ المحكوم لا يعارض الحاكم و لو كان ظهوره أقوى، لأنّ الحاكم متعرّض لعقد وضع المحكوم إمّا بالتوسعة أو التضييق.

فإن قلت: إنّ ذلك كلّه فرع ثبوت المفهوم، و المدّعى أنّ عموم التعليل مانع عن ظهور القضيّة فيه.

قلت: المانع منه ليس إلّا توهّم المعارضة بينهما، و إلّا فظهورها الأوّلي‏

290

فيه ممّا لا سبيل لإنكاره، و قد عرفت عدم المعارضة بينهما، لأنّ المفهوم لا يقتضي تخصيص العموم، بل هو على حاله من العموم، بل إنّما يقتضي خروج خبر العادل عن موضوع القضيّة، لا عن حكمها، فلا معارضة بينهما أصلا، لعدم تكفّل العامّ لبيان موضوعه وضعا و رفعا، بل هو متكفّل لحكم الموضوع على فرض وجوده، و المفهوم يمنع عن وجوده‏ (1) انتهى.

و يرد عليه: أوّلا: أنّ التعليل يمنع عن المفهوم بلا إشكال. و السرّ فيه ليس ما أفاد المستشكل، بل هو أنّ القضيّة الشرطيّة إنّما تكون ذات مفهوم لظهور التعليق في العلّيّة المنحصرة- كما هو المقرّر في محلّه‏ (2)- و هذا الظهور إنّما ينعقد إذا لم يصرّح المتكلّم بعلّة الحكم، لأنّه مع تصريحه بها لا معنى لإفادته العلّيّة، فضلا عن انحصارها.

فقوله: «إن جاءك زيد فأكرمه» إنّما يدلّ على علّيّة المجي‏ء للإكرام و انحصارها فيه إذا أطلق المتكلّم كلامه، و أمّا إذا صرّح بأنّ علّة الإكرام هو العلم، لا يبقى ظهور له في العلّيّة، فضلا عن انحصارها. و لعمري إنّ هذا واضح للمتأمّل، و من العجب غفلة الأعلام عنه.

و هذا الإشكال ممّا لا يمكن دفعه أيضا، و عليه لا وقع لما أفاده المحقّق المعاصر و غيره‏ (3) في دفعه.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 172.

(2) الفصول: 47 (1) 148، مطارح الأنظار: 171 سطر (1) 4.

(3) درر الفوائد 2: 50، فرائد الأصول: 73 سطر 21- 23.

291

و ثانيا: أنّ الظاهر أنّ الجهالة في الآية في مقابل التبيّن، و معلوم أنّ التبيّن هو تحصيل العلم بالواقع و جعل الواقع بيّنا واضحا، و الجهالة التي في مقابلته بمعنى عدم العلم بالواقع، لا بمعنى السفاهة و الركون إلى ما لا ينبغي الركون إليه، كما أفاده- (رحمه اللّه)- تبعا للشيخ [1] (قدّس سرّه).

و ثالثا: أنّ ما أفاد من حكومة المفهوم على عموم التعليل- مع كونه دورا واضحا، لأنّ الحكومة تتوقّف على المفهوم، و هو عليها- فممنوع، فإنّ غاية

____________

[1] حكاه الشيخ عن بعض في فرائده: 73 سطر 14- 16.

بل الحقّ أنّ الآية ليست بصدد بيان أنّ خبر الفاسق مطلقا لا يعتنى به، لأنّ مناسبة صدرها و ذيلها و تعليلها تجعلها ظاهرة في أنّ النبأ الّذي كان له خطر عظيم- و أنّ الإقدام على طبقه موجب للمفاسد العظيمة و الندامة، كإصابة القوم و مقاتلتهم- لا بدّ من تبينه و العلم بمفاده، و لا يجوز الإقدام عليه بلا تحصيل العلم، خصوصا إذا جاء به الفاسق، فحينئذ فلا بدّ من إبقاء الظاهر على حاله، فإنّ الظاهر من التبيّن طلب الوضوح و تحقيق كذب الخبر و صدقه و من الجهالة في مقابل التبيّن هو عدم العلم بالواقع و ليس معناها السفاهة.

و لو فرض أنّها إحدى معانيها- مع إمكان منعه، لعدم ذكرها في جملة معانيها في الصحاح‏ (1) و القاموس‏ (2) و المجمع‏ (3)- و ذكرها في بعض اللغات‏ (4)، مع مخالفته للمتفاهم العرفي، لأمكن أن يقال: إنّ إطلاقها على السفاهة لأجل أنّها جهالة، و السفيه جاهل بعواقب الأمور و تدبيرها، لا أنّها بعنوانها معناها.

ثمّ إنّه على ما ذكرنا لا يلزم التخصيصات الكثيرة في الآية، على فرض حملها على العلم الوجداني، كما قيل‏ (5)، فتدبّر. [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) الصحاح 4: 1663 جهل.

(2) القاموس المحيط 3: 363- 364 جهل.

(3) مجمع البحرين 5: 345 جهل.

(4) مفردات الراغب: 143 جهل.

(5) نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 115 سطر 14- 16

292

ما تدلّ عليه الآية هي جواز العمل على طبق قول العادل أو وجوبه، و ليس لسانها لسان الحكومة، و ليس فيها دلالة على كون خبر العادل محرزا للواقع و علما في عالم التشريع.

نعم، لو ادّعى أحد أنّ قوله: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1) مفهومه عدم وجوب التبيّن في خبر العادل، لكونه متبيّنا في عالم التشريع، لكان للحكومة وجه، لكنّه غير متفاهمه العرفيّ كما لا يخفى.

و من الإشكالات المختصّة: لزوم خروج المورد عن المفهوم، فإنّه من الموضوعات الخارجيّة، و هي لا تثبت إلّا بالبيّنة، فلا بدّ من رفع اليد عن المفهوم لئلا يلزم التخصيص البشيع.

و لقد تصدّى لردّه المحقّق المعاصر- (رحمه اللّه)- بما ملخّصه: من أنّ المورد داخل في عموم المنطوق، و هو غير مخصّص، فإنّ خبر الفاسق لا اعتبار به مطلقا، لا في الموضوعات و لا في الأحكام. و أمّا المفهوم فلم يرد كبرى لصغرى مفروضة الوجود، لأنّه لم يرد في مورد إخبار العادل بالارتداد، بل يكون حكم المفهوم من هذه الجهة حكم سائر العمومات الابتدائيّة، فلا مانع من تخصيصه.

و لا فرق بين المفهوم و العامّ الابتدائيّ سوى أنّ المفهوم كان ممّا تقتضيه خصوصيّة في المنطوق، و لا ملازمة بين المفهوم و المنطوق من حيث المورد، بل القدر اللازم هو أن يكون الموضوع في المنطوق و المفهوم واحدا (2) انتهى.

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) فوائد الأصول 3: 174.

293

و فيه ما لا يخفى: فإنّ الآية الشريفة- على فرض دلالتها على المفهوم- إنّما تدلّ على أنّ التبيُّن إنّما يختصّ بخبر الفاسق، و إنّما الاعتراض و التشنيع على ترتيب الأثر في المورد بإخبار الوليد الفاسق، و لو لا فسقه أو كون المخبر غيره من العدول لما توجّه اعتراض و لوم.

و بالجملة: أنّ العلّة المنحصرة لتوجّه الاعتراض و التشنيع في المورد- حتّى أتى اللَّه بضابط عامّ و قانون كلّيّ- هو فسق المخبر، لا كونه واحدا.

مع أنّه لو كان عادلا واحدا لتوجّه على العامل بقوله الاعتراض بترتيب الأثر على قول شاهد واحد في الموضوعات، مع لزوم التعدّد فيها.

فتحصّل منه: أنّ التخصيص هاهنا في المفهوم بشيع، فلا بدّ من رفع اليد عن المفهوم، و الالتزام بأنّ الآية سيقت لبيان المنطوق فقط، كما هو الحقّ.

و بما ذكرنا يظهر النّظر فيما أفاد الشيخ العلّامة الأنصاريّ في الجواب عن الاعتراض‏ (1) فراجع.

و من الإشكالات التي تعمّ جميع الأدلّة: هو وقوع التعارض بينها و بين عموم الآيات الناهية عن العمل بالظنّ و ما وراء العلم، و المرجع بعد التعارض إلى أصالة عدم الحجّيّة.

و فيه ما عرفت: من أنّ الآيات- التي هي غير قابلة للتخصيص، و تقع المعارضة بينها و بين غيرها حتّى الأخصّ المطلق منها- مربوطة بالأصول الاعتقاديّة.

____________

(1) فرائد الأصول: 76- 77.

294

و أمّا ما هو عامّ أو مختصّ بالفروع- مثل قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1)- فهو قابل للتخصيص، و تكون نسبته مع أدلة الحجّيّة عامّا و خاصّا مطلقا، أو إطلاقا و تقييدا.

و أمّا ما أفاد بعض أعاظم العصر (قدّس سرّه)- من أنّ أدلّة الحجّيّة حاكمة على الآيات الناهية، لأنّ أدلّة الحجّيّة تقتضي خروج العمل بخبر العادل عن كونه عملا بالظنّ‏ (2)- فقد عرفت أنّه ممّا لا أساس له، لعدم كون لسانها لسان الحكومة.

كما أنّ ما أفاد- من أن نسبة الآيات الناهية مع أدلّة الحجّيّة نسبة العموم و الخصوص، و الصناعة تقتضي تخصيص عمومها بما عدا خبر العدل‏ (3)- لا يكفي لدفع الإشكال، فإنّ العامّ إذا كان غير قابل للتخصيص تقع المعارضة بينه و بين الخاصّ منه، و الصناعة لا تقتضي التخصيص، و لمدّعي المعارضة أن يدّعي ذلك، و الجواب ما عرفت.

و من الإشكالات الغير المختصّة: أنّه لا يمكن حجّيّة الخبر الواحد، لأنّه يلزم من حجّيّته عدم حجّيّته، فإنّه لو كان حجّة لكان خبر السيّد بطريق الإجماع على عدم حجّيّته حجّة، فيلزم من حجّيّة الخبر عدمها، و هو باطل بالضرورة، فالحجّيّة باطلة بالضرورة.

____________

(1) الإسراء: 36.

(2) فوائد الأصول 3: 160 و ما بعدها.

(3) فوائد الأصول 3: 175.

295

و الجواب:- مضافا إلى أنّه من الإجماع المنقول، و أدلّة الحجّيّة لا تشمله- أنّ الاستحالة لا تستلزم من حجّيّة الخبر، بل من إطلاق دليل الحجّيّة و شموله لخبر السيّد، فإطلاقه و شموله له مستحيل، لا أصل الحجّيّة [1].

____________

[1] و قد يقال باستحالة شمول إطلاق المفهوم لمثل خبر السيّد الحاكي عن عدم الحجيّة، لاستلزامه لشمول إطلاقه لمرتبة الشك بمضمون نفسه، لأنّ التعبّد بإخبار السيّد بعدم الحجّية، إنّما كان في ظرف الشكّ في الحجّية و اللاحجّية، و هو عين الشك بمضمون الآية، و إطلاق المفهوم لمثل هذه المراتب المتأخرة غير ممكن‏ (1).

و فيه: منع امتناع الشمول له، لعدم الدليل عليه إلّا توهّم تأخر الشكّ عن الجعل، و عدم إمكان الإطلاق للمتأخّر عنه، و هو ممنوع، لأنّ الشكّ في جعل الحجّية لخبر الواحد ممكن، سواء جعل الحجّية له واقعا أو لا، و الآية الشريفة رافعة لهذا الشك، فإذا شك في شمول الآية لخبر السيّد- مع كونه نبأ- نتمسك بإطلاقها لدخوله. و لو لا إشكالات أخر لم يكن هذا إشكالا.

و بهذا لو فرض عدم الإجماع على عدم الفرق بين النبأ قبل نبأ السيّد و بعده، و عدم كون إجماع السيّد على عدم الحجّية مطلقا، لجاز الأخذ بمفاد المفهوم، و الحكم بحجّية الأخبار إلى زمن السيد، و عدم الحجّية فيما بعده، كما أفاد المحقّق الخراسانيّ‏ (2) من غير ورود إشكال أصلا.

فالقول بامتناع شمول الإطلاق لمثل خبر السيّد تقوّل بلا برهان.

و قد يقال: إنّ الأمر في المقام دائر بين التخصيص و التخصّص، لأنّ شمول الآية لسائر الأخبار يجعلها مقطوعة الحجّية، فيعلم بكذب خبر السيّد لأنّ مضمونه عدم الحجّية، و أمّا شمولها لخبر السيد و إخراج غيره يكون من قبيل التخصيص، لعدم العلم بكذب مؤدّياتها و لو مع العلم بحجّية خبر السيّد، لأنّ مؤدّياتها غير الحجّية و اللاحجّية (3).

و فيه: أوّلا: أنّ مفاد الآية- و كذا سائر أدلّة الحجّية- ليس حجّية الخبر، بل مفادها وجوب العمل، و تنتزع الحجّية من الوجوب الطريقي، كما أنّ مفاد إجماع السيّد حرمة العمل، و عدم الحجّية تنتزع منه، فحينئذ يسقط الدوران المذكور، بل يدور بين التخصيصين.

و ثانيا: أنّ مضمون الآية لو كان جعل الحجّية للأخبار فلا إشكال، لعدم شموله لما قطع بعدم جعل الحجّية له، أو قطع بجعل الحجّية له. فحينئذ لو شملت الآية خبر السيّد لصار خبره مقطوع‏

____________

(1) نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 118- 119

(2) حاشية فرائد الأصول: 63 سطر 11- 19.

(3) نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 119 سطر 11- 19

296

و أيضا الأمر دائر بين تخصيص أدلّة الحجّيّة إلى بقاء فرد واحد تحتها، و بين تخصيص فرد واحد منها و بقائها بحالها في البقيّة، و مقتضى أصالة العموم تعيّن الثاني.

و أيضا في مقام إفادة عدم الحجّيّة، إلقاء الكلام الدالّ على الحجّيّة بشيع، لا ينبغي صدوره من الحكيم.

و أمّا ما عن المحقّق الخراسانيّ: أنّه من الجائز أن يكون خبر العادل حجّة من زمن صدور الآية إلى زمن صدور هذا الخبر من السيّد، و بعده يكون هذا الخبر حجّة فقط، فيكون شمول العامّ لخبر السيّد مفيدا لانتهاء الحكم في هذا الزمان، و ليس هذا بمستهجن‏ (1).

ففيه: أنّ الإجماع كاشف عن كون حكم اللَّه من أوّل الأمر كذلك، لا من زمان دعوى الإجماع، فإذا كان الإجماع حجّة يكشف عن عدم حجّيّة خبر العادل من زمن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) و عمل الناس على طبقه قبل دعوى السيّد الإجماع إنّما هو لجهلهم بالحكم الشرعيّ، و توهّمهم الحجّيّة لظاهر أدلّة مخالفة للإجماع بحسب الواقع، فلا معنى لما أفاده من انتهاء زمن الحجّيّة.

____________

الحجية، و خبر غيره مقطوع عدم الحجّية و إن لم يكن مقطوع المخالفة للواقع، فيصير حال غير خبره كحاله في خروجه تخصّصا، فتدبّر. [منه عفي عنه‏]

____________

(1) حاشية فرائد الأصول: 63 سطر 11- 19.

297

و بذلك يعرف النّظر فيما أفاده شيخنا العلّامة- أعلى اللَّه مقامه- في درره من قوله: إنّ بشاعة الكلام- على تقدير شموله لخبر السيّد- ليست من جهة خروج تمام الأفراد سوى فرد واحد، حتّى يدفع بما أفاده، بل من جهة التعبير بالحجّيّة في مقام إرادة عدمها، و هذا لا يدفع بما أفاد (1) انتهى.

فإنّ البشاعة لا تدفع حتّى إذا كانت من الجهة الأولى، لما عرفت من أنّ الإجماع كاشف عن [عدم‏] الحجّيّة من زمن النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) فيكون- بحسب الواقع- تمام الأفراد خارجا عن العمومات سوى فرد واحد، و إن كان الكاشف عنه إجماع السيّد.

و أمّا لو سلّمنا أنّ خبر السيّد يفيد انتهاء الحجّيّة في زمنه، فيدفع البشاعة حتّى من الجهة الثانية، فإنّ شمول إطلاق أدلّة الحجّيّة لفرد متأخّر عن زمان الصدور- يفيد انتهاء أمد الحكم بعد العمل به في الأزمنة المتتالية- لا بشاعة فيه أصلا.

و من الإشكالات الغير المختصّة: إشكال شمول أدلّة الحجّيّة للأخبار مع الواسطة، و المهمّ منه إشكالان:

أحدهما: دعوى لزوم إثبات الحكم لموضوعه، فإنّ إحراز الوسائط إنّما يكون بدليل الحجّيّة، مع أنّ مفاده وجوب التصديق الّذي هو حكم لتلك الموضوعات، فوجوب التصديق ممّا يحرز الموضوع و يترتّب عليه، و هو محال.

و ثانيهما: دعوى لزوم كون الحكم ناظرا إلى نفسه، فإنّ وجوب التصديق‏

____________

(1) درر الفوائد 2: 52.

298

الّذي يتعلّق بالخبر مع الواسطة، إنّما يكون بلحاظ الأثر الّذي هو وجوب التصديق [1].

و لقد تصدّى المحقّقون لجوابهما: بكون أدلّة الحجّيّة من قبيل القضايا الحقيقيّة المنحلّة إلى الموضوعات المتكثّرة المحقّقة و المقدّرة، فلا مانع من تحقّق الموضوع بها و شمولها لنفسها، كما في قوله: «كلّ خبري صادق»، فإنّه يشمل هذا الخبر، لكون القضيّة حقيقيّة. كما لا مانع [من‏] كون الحكم ناظرا إلى نفسه‏

____________

[1] و هاهنا إشكالات آخران، أحدهما: دعوى انصراف الأدلة عن الأخبار مع الواسطة، لا كما قرّره الشيخ‏ (1) و أجابه و جعله ضعيفا، بل أن يقال: إنّها منصرفة عن المصداق التعبّدي للخبر المحرز بدليل الحجّيّة، بل الظاهر منها هو الأخبار الوجدانيّة لا التعبديّة، خصوصا ما هو مصداق بنفس تلك الأدلّة.

أو يقال: إنّ الوسائط إذا صارت كثيرة جدا- كالوسائط بيننا و بين المعصومين- تكون الأدلّة منصرفة عنها، بل لا يمكن إحراز حجّيّتها ببناء العقلاء أيضا، لعدم إحراز بنائهم على الخبر الّذي كثرت وسائطه كذلك، و لم يكن في زمن الشارع بناء منهم على العمل بمثل ذلك، حتّى يكشف عدم الردع من السكوت.

و الجواب عن الأوّل: بمنع الانصراف، بل الحقّ أنّ العرف لا يفهم الفرق بين الأخبار بلا واسطة و معها، بحيث لو قصر الإطلاق عن شمولها يحكم بمحكوميّتها بالحكم بإلقاء الخصوصيّة، أو بتنقيح المناط، كما ادّعى الشيخ الأعظم‏ (2) و عن الثاني: بأنّه لو سلم فإنّما هو في الوسائط الكثيرة جدا، و ليست أخبارنا كذلك، لأنّ الكتب الأربعة- التي دارت عليها رحى الاجتهاد- متواترة عن مصنفيها بحيث نقطع بكونها منهم، و لا نحتاج في إثباتها إلى أدلة الحجّيّة، و الوسائط بينها و بين المعصومين ليست كثيرة يمكن دعوى الانصراف بالنسبة إليها، أو التردد في بناء العقلاء في مثلها، ضرورة أنّ العقلاء يتكلون على الأخبار مع مثل تلك الوسائط. [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) فرائد الأصول: 75 سطر 1- 2.

(2) فرائد الأصول: 76 سطر 1- 10.

299

مع الانحلال إلى القضايا (1).

و لقد أطال بعض أعاظم العصر- على ما في تقريرات بحثه- في المقام بما لا يخلو عن خلط و إشكال، فقال ما ملخّصه:

إنّ هذا الإشكال- أي الإشكال الثاني- غير وارد على طريقتنا: من أنّ المجعول في باب الأمارات نفس الكاشفيّة و الوسطيّة في الإثبات، لأنّ المجعول في جميع السلسلة هو الطريقيّة إلى ما تؤدّي إليه- أيّ شي‏ء كان المؤدّى- فقول الشيخ طريق إلى قول المفيد [1]، و هو إلى قول الصدوق، و هكذا إلى أن ينتهي إلى قول الإمام (عليه السلام) و لا نحتاج في جعل الطريق إلى أن يكون في نفس المؤدّى أثر شرعيّ، بل يكفي الانتهاء إلى الأثر، كما في المقام.

هذا، و يمكن تقرير الإشكال بوجه آخر- لعلّة يأتي حتّى بناء على المختار- و هو أنّه لو عمّ دليل الاعتبار للخبر مع الواسطة، للزم أن يكون الدليل حاكما على نفسه، و يتّحد الحاكم و المحكوم، لأنّ أدلّة الأصول و الأمارات حاكمة على الأدلّة الأوّليّة الواردة [لبيان‏] الأحكام الواقعيّة، و معنى حكومتها هو أنّها مثبتة

____________

[1] الإمام الهمام شيخ العلماء و مربي الفقهاء الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان الملقّب بالمفيد من أجل علماء الشيعة، ولد سنة 336 ه، أخذ العلم عن جملة من العلماء منهم ابن قولويه و الصدوق رحمهما اللّه، انتهل من فيضه كبار العلماء كالسيد المرتضى و الرضي و الطوسي و النجاشي رحمهم اللّه جميعا. له ما يقارب من (190) مؤلف ما بين كتاب و رسالة.

توفي (رحمه اللّه) سنة 413 ه و صلّى عليه السيد المرتضى و دفن عند الجوادين (عليهما السلام).

انظر رجال النجاشي: 399، تاريخ بغداد 3: 231.

____________

(1) نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 123- 124.

300

لتلك الأحكام، و فيما نحن فيه يكون الحكم الواقعي هو وجوب التصديق، و أريد إثباته بدليل وجوب التصديق، فيكون دليل وجوب التصديق حاكما على نفسه، أي مثبتا لنفسه.

و نظير هذا الإشكال يأتي في الأصل السببي و المسبّبي، فإنّ لازمه حكومة دليل (لا تنقض) (1) على نفسه.

و التحقيق في الجواب: أنّ دليل الاعتبار قضيّة حقيقيّة تنحلّ إلى قضايا، فدليل التعبّد ينحلّ إلى قضايا متعدّدة حسب تعدّد السلسلة، و يكون لكلّ منها أثر يخصّه غير الأثر المترتّب على الآخر، فلا يلزم اتّحاد الحاكم و المحكوم، بل تكون كلّ قضيّة حاكمة على غيرها.

فإنّ المخبر به لخبر الصفّار [1] الحاكي لقول العسكريّ (عليه السلام) في مبدأ السلسلة لمّا كان حكما شرعيّا- من وجوب الشي‏ء أو حرمته- وجب تصديق الصفّار في إخباره عن العسكريّ بمقتضى أدلّة خبر الواحد، و الصدوق الحاكي لقول الصفّار حكى موضوعا ذا أثر شرعيّ، فيعمّه دليل الاعتبار، و هكذا إلى أن ينتهي إلى قول الشيخ المحرز بالوجدان، فبواسطة الانحلال لا يلزم أن يكون الأثر المترتب على التعبّد بالخبر بلحاظ نفسه، و لا حكومة الدليل‏

____________

[1] هو الشيخ الأجل أبو جعفر محمّد بن الحسن بن فروخ الصفار، ثقة عظيم القدر ضابط للحديث قليل السقط في الرواية، له كتب كثيرة و أصول عظيمة أهمها كتاب بصائر الدرجات، توفي سنة 290 ه في قم المقدسة. انظر رجال النجاشي: 354، فهرست الطوسي: 143.

____________

(1) التهذيب 1: 8- 11 باب الأحداث الموجبة للطهارة، الوسائل 1: 174- 175- 1 باب 1 من أبواب نواقض الوضوء و 5: 321- 3 باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

301

على نفسه، فيرتفع الإشكال [1].

____________

[1] لا يخفى أنّ الأجوبة التي ذكروها في دفع الإشكال عن الأخبار مع الواسطة غير مقنعة:

أمّا أوّلا: فلأنّ أدلّة حجّية خبر الواحد- أي الآيات الكريمة (1) التي أهمّها آية النبأ (2)- ليس لسانها لسان تتميم الكشف، و جعل خبر الواحد مصداق العلم تشريعا كما يدّعى‏ (3) بل لسانها إيجاب العمل على فرض الدلالة، و يمكن أن يكون حصول الظنّ النوعيّ منه، أو الكشف الظنّي عن الواقع، نكتة التشريع، أو ذلك مع عدم وقوع النّاس في الكلفة نكتته، و لا دليل على أنّ إيجاب العمل لإلقاء احتمال الخلاف و جعل مصداق من العلم، فحينئذ يسقط ما تشبّثوا (4) به من إحراز الموضوع بدليل «صدق العادل» و تعلّق الحكم الانحلالي به، و هكذا. كما أنّه لا دلالة لها على التعبّد بوجود المخبر به، حتّى يأتي فيه ذلك.

و أمّا ثانيا: فعلى فرض تتميم الكشف لا بدّ من أثر عمليّ للمنكشف بالخبر، و لا إشكال في أنّ خبر الشيخ لا يكون وجوب صلاة الجمعة، بل لا يخبر إلّا عن قول المفيد بكذا من غير إخبار عن مقول قوله، فلا أثر لقوله بما هو قوله.

و الانتهاء إلى الأثر إن كان بالملازمة العقلية أو العادية، فلا بأس به، لكنّها ممنوعة، و الملازمة الشرعيّة تحتاج إلى جعل، و ليس في البين إلّا هذه الأدلّة، فما أفاده شيخنا العلّامة (5) غير ظاهر.

و دعوى دخالة كلّ خبر في موضوع الحكم كما ترى‏ (6) فإنّ موضوع الوجوب- مثلا- هو صلاة الجمعة، لا هي مع كونها محكيّة.

مع أنّ الانتهاء إلى الأثر إنّما هو بالتعبّد، و لا بدّ للتعبّد من الأثر.

و بالجملة: أنّ خبر الشيخ لا عمل له، و لا أثر عملي له، و لا يكون جزء موضوع للعمل. نعم له أثر عملي بما هو موضوع من الموضوعات، و هو جواز (7) نسبة الخبر إلى المفيد، و هكذا، لكنّه لا بدّ فيه من البيّنة كسائر الموضوعات.

و ثالثا: بناء على أنّ المجعول وجوب تصديق العادل، لا محيص إلّا أن يكون المراد هو التصديق العمليّ، أي ترتيب الآثار عملا، و لا عمل لإخبار الشيخ، لأنّ وجوب صلاة الجمعة ليس مفاد خبره، و لهذا لو لم تكن واجبة لم يكن قول الشيخ مخالفا للواقع، بل لو لم يخبر به المفيد لكان خبره مخالفا له و لو كانت الصلاة واجبة، فحينئذ فلا معنى للتعبّد بخبر الشيخ.

و العجب منهم حيث تشبّثوا بتصحيح الحجّيّة بأوّل السلسلة و أنّ قول الصفار له أثر غير وجوب‏

____________

(1) كآية النفر، التوبة: 122، و آية سؤال أهل الذّكر، النحل: 43، و الأنبياء: 7.

(2) الحجرات: 6.

(3) فوائد الأصول 3: 195.

(4) فوائد الأصول 3: 179، نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الثالث: 124- 125.

(5) درر الفوائد 2: 53- 54.

(6) نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الثالث: 124- 125.

(7) فوائد الأصول 3: 182 و ما بعدها، نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 124.

302

و من ذلك يظهر دفع الإشكال في حكومة الأصل السببيّ على المسبّبي، فإنّ انحلال قوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ) يقتضي حكومة أحد المصداقين على الآخر، كما فيما نحن فيه، و إنّما الفرق بينهما أنّ الحكومة في باب الأصل السببيّ و المسبّبي تقتضي إخراج الأصل المسبّبي عن تحت قوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ)، و حكومة دليل الاعتبار فيما نحن فيه تقتضي إدخال فرد في‏

____________

التصديق، فيجب تصديقه، فصار ذا أثر، فإذا أخبر الصدوق يكون إخباره موضوعا ذا أثر حتّى ينتهي إلى آخر السلسلة، مع أنّ هذا إنّما يتمّ لو كان إخبار الصفّار للصدوق ثابتا، و هو لا يثبت إلّا بدليل التعبّد، فلا بدّ من التشبّث بأوّل السلسلة، و هو أيضا مخدوش كما عرفت.

نعم، لا يبعد أن يقال: إنّ العرف و العقلاء لا يفرّقون بين الاخبار مع الواسطة و بلا واسطة، و يفهمون من دليل الحجّيّة أنّها لا تختصّ بالأخبار بلا واسطة، و لا يجب أن تكون كلّ واسطة ذا أثر شرعي، بل لا بدّ و أن لا تكون لغوا، و جعل الحجّيّة ليس بلغو في المقام.

و السّرّ في عدم تفرقتهم بينهما يمكن أن يكون لأجل أنّ نظرهم إلى الوسائط يكون طريقيّا، و لهذا لا يعدّون الخبر مع الوسائط أخبارا عديدة، بل خبرا واحدا ذا وسائط، فإذا قيل لهم: اعملوا بقول العادل، و كان الوسائط عدولا، لا يخطر ببالهم أنّ هاهنا أخبارا متعدّدة، و لا عمل لغير واحد منها، بل لا يرون إلّا خبرا واحدا ذا عمل أمروا بالعمل على طبقه، و لهذا يكون الدّليل الدّال على احتياج الموضوعات إلى البيّنة منصرفا عن أقوال الوسائط، مع كونها موضوعات، بل قول الإمام أيضا كذلك، و لهذا لو كان لقول بعض الوسائط أثر خاص لم يمكن إثباته إلّا بالبيّنة، فتدبّر. [منه (قدّس سرّه)‏].

303

دليل الاعتبار.

هذا، و قد أوضح الفاضل المقرّر- (رحمه اللّه)- مراده في ذيل الصحيفة بما حاصله: أنّ طريق حل الإشكال الأوّل- و هو إثبات الموضوع بالحكم- مع طريق حلّ الإشكال الثاني، و إن كان أمرا واحدا- و هو انحلال القضيّة- إلّا أنّ حلّ الإشكال الأوّل يكون بلحاظ آخر السلسلة، و هو خبر الشيخ المحرز بالوجدان، فإنّ وجوب تصديقه يثبت موضوعا آخر، و حلّ الإشكال الثاني بلحاظ مبدأ السلسلة، و هو الراوي عن الإمام (عليه السلام) فإنّ وجوب تصديقه بلحاظ الأثر الّذي هو غير وجوب التصديق، ثمّ يكون وجوب تصديقه أثرا لإخبار الآخر، و هكذا إلى آخر السلسلة (1) انتهى كلامهما رفع مقامهما.

و فيه مواقع للنظر:

الأوّل: أنّ ما أفاد- من أنّ الإشكال الثاني غير وارد على مسلك جعل الطريقيّة- منظور فيه، فإنّ ملخّص هذا الإشكال لزوم كون الدليل ناظرا إلى نفسه، و كون دليل الجعل باعتبار الأثر الّذي هو نفسه، و هذا بعينه وارد على هذا المسلك ببيان آخر، فإنّ خبر الشيخ المحرز بالوجدان طريق إلى خبر المفيد و كاشف عنه بدليل الاعتبار، و هو كاشف عن خبر الصدوق بدليل الاعتبار أيضا، و هكذا، فدليل جعل الكاشفيّة ناظر إلى جعل كاشفيّة نفسه، و يكون جعل الكاشفيّة باعتبار جعل الكاشفيّة، و هو محال.

الثاني: أنّ ما أفاد- من أنّ أدلّة الأصول و الأمارات حاكمة على أدلّة

____________

(1) فوائد الأصول 3: 180- 183 هامش رقم 1.

304

الأحكام الواقعيّة، و معنى حكومتها هو أنّها مثبتة لتلك الأحكام- فيه:

أوّلا: أنّ أدلّة الأصول ليست مثبتة للأحكام الواقعيّة، بل هي مثبتة لوظائف في زمان الشكّ حتّى في الأصول المحرزة، فإنّ مفادها البناء على الإحراز، لا الإحراز الّذي في الطرق.

و ثانيا: أنّ مجرّد إثبات الأمارات الأحكام الواقعيّة لا يوجب حكومتها عليها، لعدم انطباق ضابطة الحكومة على ذلك كما لا يخفى، و سيأتي في محلّه. نعم بعض أدلّة الأصول حاكمة على أدلّة الشرائط، كأصالة الطهارة، فإنّ مفادها توسعة دائرة الشرطيّة.

الثالث: أنّ بيان كون الدليل حاكما على نفسه يمكن أن يكون بوجه آخر، و هو: أنّ أدلّة اعتبار الخبر لمّا كانت مثبتة لموضوع نفسها، تكون حاكمة على نفسها، ضرورة حكومة قوله: «أخبر العادل» على قوله: «صدّق خبر العادل»، مثل حكومة قوله: «زيد عالم» على قوله: «أكرم العالم»، فما يكون مفاده تحقّق خبر العادل، يكون حاكما على ما يكون مفاده تصديقه، و الفرض أنّ دليل الاعتبار متكفّل لكلا الأمرين، فيكون حاكما على نفسه و لا يخفى أنّه على هذا التقرير يكون هذا الوجه تقريرا آخر للإشكال الأوّل، لا الثاني.

و المظنون أنّ الفاضل المقرّر قد خلط في تقريره، و الشاهد عليه أنّه في ذيل كلامه- الّذي تصدّى لبيان الفرق بين حكومة الأصل السببي و المسبّبي، و بين ما نحن فيه قال: إنّ الحكومة في باب الأصل السببي و المسبّبي‏

305

تقتضي إخراج الأصل المسبّبي عن تحت قوله: (لا تنقض بالشكّ)، و حكومة دليل الاعتبار فيما نحن فيه تقتضي إدخال فرد في دليل الاعتبار، فإنّ وجوب تصديق الشيخ في إخباره عن المفيد يقتضي وجوب تصديق المفيد في إخباره عن الصدوق، فوجوب تصديق الشيخ يدخل فردا تحت عموم وجوب التصديق، بحيث لولاه لما كان داخلا فيه‏ (1) انتهى. فإنّه صريح فيما ذكرنا.

فتحصّل من ذلك: أنّ حكومة دليل الاعتبار على نفسه إنّما هي باعتبار تحقّق موضوعه بنفسه، لا باعتبار إثبات الحكم كما أفاد أوّلا.

الرابع: أنّ ما أفاد- من أنّ طريق حلّ الإشكالين و إن كان واحدا، و هو انحلال القضيّة إلى القضايا، إلّا أنّ حلّ الثاني باعتبار أوّل السلسلة- فيه من الخلط ما لا يخفى.

فإنّ قول الراوي عن الإمام (عليه السلام)- على فرض ثبوته- و إن كان ذا أثر غير وجوب التصديق، لكن وجوب تصديقه يتوقّف على ثبوته، و هو يتوقّف على وجوب التصديق، فلا يمكن حلّ الإشكال باعتبار أوّل السلسلة، لعدم الموضوع لدليل وجوب التصديق، فلا بدّ من حلّ كلا الإشكالين باعتبار آخر السلسلة- و هو خبر الشيخ المحرز بالوجدان- دفعا للدور المستحيل.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 184.

306

آية النفر

قوله: و منها: آية النفر

(1)

إلخ‏

(2)

.

(1) قد تصدّى بعض أعاظم العصر- (رحمه اللّه)- لتقريب الاستدلال بها بما زعم أنّه يندفع به ما أورد على الاستدلال بها، فقال ما محصّله: إنّ الاستدلال يتركّب من أمور:

الأوّل: أنّ كلمة «لعلّ»- مهما تستعمل- تدلّ على أنّ ما يتلوها يكون من العلل الغائيّة لما قبلها، سواء في ذلك التكوينيّات و التشريعيّات، و الأفعال الاختياريّة و غيرها، فإذا كان ما يتلوها من الأفعال الاختياريّة التي تصلح لأن يتعلّق بها الإرادة الآمريّة، كان- لا محالة- بحكم ما قبلها في الوجوب و الاستحباب.

و بالجملة: لا إشكال في استفادة الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب علّته الغائيّة. و في الآية جعل التحذّر علّة غائيّة للإنذار، و لمّا كان الإنذار واجبا كان التحذّر واجبا.

الثاني: أنّ المراد من الجموع التي في الآية هي الجموع الاستغراقيّة، لا المجموعيّة، لوضوح أنّ المكلّف بالتفقّه هو كلّ فرد فرد من النافرين أو المتخلّفين على التفسيرين، فالمراد أن يتفقّه كلّ فرد منهم، و ينذر كلّ واحد

____________

(1) التوبة: 122.

(2) الكفاية 2: 92.