أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - ج1

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
424 /
307

منهم، و يتحذّر كلّ واحد منهم.

الثالث: المراد من التحذّر هو التحذّر العمليّ، و هو يحصل بالعمل بقول المنذر و تصديق قوله، و الجري على ما يقتضيه من الحركة و السكون، و ليس المراد الحذر عند حصول العلم من قول المنذر، بل مقتضى الإطلاق و العموم الاستغراقي في قوله: لِيُنْذِرُوا هو وجوب الحذر مطلقا، حصل العلم من قول المنذر أو لم يحصل، غايته أنّه يجب تقييد إطلاقه بما إذا كان المنذر عدلا.

و بعد العلم بهذه الأمور لا أظنّ أن يشكّ أحد في دلالتها على حجّيّة الخبر الواحد. و بما ذكرنا من التقريب يمكن دفع جميع ما ذكر من الإشكالات على التمسّك بها، انتهى. ثمّ تصدّى لبيان الإشكالات و دفعها (1).

أقول: يرد عليه: أوّلا: أنّ ما ادّعى- من أنّ ما بعد كلمة «لعلّ» يكون علّة غائيّة لما قبلها في جميع موارد استعمالاتها- ممنوع، كما يظهر من تتبّع موارد استعمالاتها، كما أنّ في قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [1] لم يكن بخوع نفسه الشريفة علّة غائيّة لعدم إيمانهم، و معلوم أنّ الجملة الشرطيّة في حكم التقدّم على جزائها. و لكن الخطب سهل بعد كون ما نحن فيه من قبيل ما أفاده (رحمه اللّه).

و ثانيا: أنّ دعوى كون التحذّر واجبا- لكونه غاية للإنذار الواجب‏ (2)-

____________

[1] الكهف: 6. باخع نفسك: أي قاتلها و مهلكها. التبيان 7: 8.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 185- 187.

(2) فرائد الأصول: 78 سطر 18- 20.

308

ممنوعة، فإنّ غاية ما يقال في وجه وجوبه هو كونه غاية للنَّفْر المستفاد وجوبه من لو لا التحضيضيّة الظاهرة في الوجوب.

و فيه: أنّ قوله تعالى- قبل ذلك-: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً (1) منع عن النفر العموميّ، أي لا يسوغ لهم النفر جميعا، و إبقاء رسول اللَّه- (صلّى اللَّه عليه و آله) وحده، كما هو منقول في تفسيرها (2) و بعد هذا المنع قال: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ، فتكون الآية بصدد المنع عن النفر العموميّ، لا إيجاب نفر طائفة من المؤمنين.

فيصير محصّل مفادها- و العلم عند اللَّه-: أنّه لا يسوغ للمؤمنين أن ينفروا جميعا، فينفرد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) فلم لا يكون نفرهم بطريق التفرقة، و بقاء طائفة، و نفر طائفة أخرى؟ فيتوجّه الحثّ المستفاد من كلمة «لو لا» التحضيضيّة إلى لزوم التجزئة و عدم النَّفر العموميّ، لا إلى نفر طائفة للتفقّه [1].

____________

[1] و دعوى أنّ ذلك مخالف لظاهر الآية، فلو كان المراد ما ذكر لاكتفى بالآية الأولى، فذكر قوله:

(فلو لا نفر) لإيجاب النَّفر للتفقّه. هذا مع أنّ ظاهر قوله: (و ما كان المؤمنون) ليس نهيا، بل إخبار عن عدم إمكان النفر العمومي، لاختلال النظام به.

ممنوعة: بأنّ عدم الاكتفاء بالجملة الأولى لعلّه لدفع ما ينقدح في الأذهان: من أنّ عدم نفر الجميع يوجب بقاء سائر الطوائف في الجهالة، فقال تعالى ما قال، فليست الآية في مقام بيان وجوب النفر.

و قوله: (و ما كان المؤمنون) إخبار في مقام الإنشاء، و لو بقرينة شأن نزول الآية، كما قال‏

____________

(1) التوبة: 122.

(2) مجمع البيان 5: 83 سطر 21.

309

و ثالثا: أنّ ما ادّعى- من أنّ المراد من الحذر هو الحذر العمليّ، و هو يحصل بالعمل بقول المنذر- في محلّ المنع، بل الظاهر من الآية الشريفة أنّ المنذرين لينذروا قومهم بالموعظة، و الإيعاد بعذاب اللَّه و شدّة بأسه، حتّى يخافوا من عقابه و عذابه، فإذا خافوا يعملون بوظائفهم الشرعيّة، و ليست الآية في مقام بيان وجوب التحذّر، حتّى يقال: إنّه تحذّر عمليّ، بل الظاهر أنّ المقصود حصول التحذّر القلبيّ و الخوف و الخشية للناس حتّى يقوموا بوظائفهم.

و لا يلزم أن يكون المنذر عادلا، بل قد يكون تأثير كلام غيره أكثر منه بمراتب، لحسن بيانه، و قوّة إفهامه، و نفوذ كلامه.

و بالجملة: بين مضمون الآية الشريفة و الدلالة على حجّيّة الخبر الواحد، بون بعيد.

و رابعا: لو سلّمنا جميع ذلك، فليس للآية إطلاق من هذه الجهة، فإنّها ليست في مقام بيان وجوب التحذّر، بل فيها إهمال من هذه الحيثيّة. و مجرّد كون الجموع استغراقيّة لا يوجب رفع الإهمال، فإنّ الإطلاق من أحوال الفرد، و أيّ ربط بين استغراقيّة الجمع و الإطلاق الفردي؟!

____________

المفسّرون‏ (1)، و ليس المراد الإخبار بأمر واضح لم يختلج ببال أحد خلافه، إلّا أن يحمل على كونه مقدّمة لقوله: (فلو لا نفر)، و هو خلاف الظاهر، بل ليس المراد بالنهي عن النفر إلّا في مورد شأن نزول الآية، و إلّا فعدم إمكان نفر جميع النّاس في جميع الأدوار واضح لا يحتاج إلى النهي. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) مجمع البيان 5: 83 سطر 21.

310

و العجب منه- (قدّس سرّه)- حيث قال في جواب هذا الإشكال بهذه العبارة: و أنت خبير بأنّه [بعد] ما عرفت من أنّ المراد من الجمع هو العامّ الاستغراقيّ، لا يبقى موقع لهذا الإشكال، فإنّه أيّ إطلاق يكون أقوى من إطلاق الآية بالنسبة إلى حالتي حصول العلم من قول المنذر و عدمه‏ (1)؟! انتهى.

و هو كما ترى في كمال السقوط، و ليته بيّن الربط بين الجمع الاستغراقيّ و الإطلاق الفرديّ.

و خامسا: أنّ المستفاد من بعض الروايات الواردة في تفسير الآية (2) تطبيقها على النفر لأجل تحصيل العلم بإمامة بعض الأئمّة (عليهم السلام) بعد وفاة بعض منهم، و إخبارهم قومهم بها، و معلوم أنّ خبر الثقة لا يعتمد عليه في الأصول الاعتقاديّة، بل لا بدّ من العلم فيها، و هذا أيضا يشهد بعدم إطلاق لها كما مرّ.

الاستدلال بالأخبار على حجية خبر الواحد

قوله: في الأخبار ..

(3)

..

(1) أقول: ما استدلّوا بها من الأخبار (4) على حجّيّة الخبر الواحد- مع كثرتها

____________

(1) فوائد الأصول 3: 187.

(2) الكافي 1: 378- 380- 1- 3 باب ما يجب على الناس عند مضيّ الإمام.

(3) الكفاية 2: 97.

(4) الوسائل 18: 52- 75 باب 8 من أبواب صفات القاضي، و 18: 98- 111 باب 11 من أبواب صفات القاضي.

311

و تواترها إجمالا- لا تدلّ على جعل الحجّيّة و الطريقيّة و الوسطيّة في الإثبات للخبر الواحد [1] نعم يظهر من مجموعها أنّ حجّيّته كانت مفروغا عنها بين الراوي و المرويّ عنه.

و مدّعي القطع بأنّ الشارع لم يكن في مقام تأسيس الحجّية للخبر في مقابل بناء العقلاء بل كان النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) يتعاملون معه معاملة سائر العقلاء، و يعملون به عملهم ليس بمجازف.

و لمّا كان بناء العقلاء على العمل به مسلّما مرتكزا في أذهانهم، كانت الأدلّة [المستدلّ بها] على حجّيّته من الكتاب و السُّنّة- على فرض دلالتها- محمولة على الأمر العقلائي و الإمضاء لطريقتهم، لا على تأسيس الحجّيّة و جعل الطريقية و المحرزيّة و الكاشفية، كما تمور به الألسن مورا.

و أمّا ما أفاد المحقّق الخراسانيّ- (رحمه اللّه)- و تبعه شيخنا الأستاذ (1)- طاب ثراه- من أنّ الأخبار الدالّة على حجّيّة الخبر متواترة إجمالا، فيؤخذ بأخصّها مضمونا، و يتعدّى ببركته إلى الأعمّ منه‏ (2).

فالظاهر أنّه- بعد تسليم التواتر- مجرّد فرض، و إلّا فلا أظنّ أن يكون في‏

____________

[1] لكن لو لم يستلزم منها وجوب العمل أو جعل الحجّيّة و أمثالها، يشكل التمسّك بها لكشف حال السيرة، لعدم الكشف القطعي، و هو واضح، و عدم كون ذلك حكما عمليا، فلا معنى للتعبّد به.

و كيف كان، فالخطب سهل بعد إحراز بناء العقلاء في محيط الاحتجاج بالعمل بكلّ خبر من الثقة. و مع إنكار بنائهم فالرّواية تدلّ على التشريع و لزوم العمل على قوله، و ما ذكرنا- من عدم الدلالة على التأسيس- لأجل إحراز بناء العقلاء، فتدبّر. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) درر الفوائد 2: 57.

(2) الكفاية 2: 97.

312

الأخبار ما يكون جامعا لشرائط الحجّيّة، و دالا على حجّيّة الخبر مطلقا [1].

____________

[1] بل القدر المتيقّن هو الإخبار بلا واسطة، مع كون الراوي من الفقهاء، أضراب زرارة و محمّد ابن مسلم و أبي بصير. و معلوم أنّه لم يصل إلينا خبر كذائي، حتّى يتمسك به لإثبات الحجّيّة المطلقة.

لكن هاهنا وجه آخر لإثبات حجّيّة مطلق خبر الثقة: و هو أنّه لا إشكال في بناء العقلاء في الجملة، فحينئذ إن ثبت بناؤهم في مقام الاحتجاج على العمل بمطلق خبر الثقة- كما هو الظاهر- فهو، و إلّا فالقدر المتيقَّن من بنائهم هو العمل على الخبر العالي السند إذا كان جميع رواته مزكّى بتزكية جمع من العدول، و في الروايات ما يكون بهذا الوصف، مع دلالته على حجّيّة مطلق خبر الثقة، كصحيحة أحمد بن إسحاق، حيث روى محمد بن يعقوب عن محمد بن عبد اللَّه الحميري و محمد بن يحيى جميعا عن عبد اللَّه بن جعفر الحميري عن أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن قال: (سألته، و قلت: من أعامل، و عمّن آخذ، و قول من أقبل؟ فقال: العمري ثقتي، فما أدى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع، فإنّه الثّقة المأمون) (1)، و نحوه صحيحته الأخرى، و سندها مع علوه [فإنَ‏] رواتها من المشايخ العظام، ممّن لا غمز في واحد منهم من أحد، فلا إشكال في بناء العقلاء على العمل بمثلها.

و بمقتضى تعليلها نتعدّى إلى كلّ خبر ثقة مأمون. و الإشكال- بأنّ من المحتمل أنّ لوثاقة مثل العمري و ابنه دخالة في القبول، و لا يمكن التعدّي إلى مطلق الثقة- مردود، فإنّ الظاهر من التعليل أنّ لزوم القبول إنّما هو لأجل الوثاقة و المأمونيّة، لا وثاقة خاصّة و مرتبة كاملة لها، كما أنّ المستفاد من قوله: «لا تشرب الخمر، لأنّه مسكر» أنّ مجرد الإسكار كاف، لا إسكار خاصّ نحو إسكار الخمر.

و أمثال هذه الروايات و إن لم تدل على جعل الحجّية (2) أو تتميم الكشف كما يدعى‏ (3) لكن تدلّ على كون العمل بقول مطلق الثقة المأمون كان معروفا في تلك الأزمنة، و جائزا من قبل الشرع. [منه (قدّس سرّه)‏].

____________

(1) الكافي 1: 329- 330- 1 باب في تسمية من رآه (عليه السلام)، الوسائل 18: 99- 100- 4 باب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) الكفاية 2: 44.

(3) فوائد الأصول 3: 17، 108.

313

بل لنا منع التواتر، لأنّ الأخبار- مع كثرتها- تكون منقولة عن عدّة كتب لا تبلغ مرتبة التواتر، فلا يكون في تمام الطبقات تواتر.

و أمّا الاكتفاء بنفس التواتر الإجمالي لإثبات مطلق خبر الثقة كما يظهر من بعض المحقّقين على ما في تقريرات بحثه‏ (1) فهو كما ترى.

الاستدلال بسيرة العقلاء على حجية الخبر الواحد

قوله: دعوى استقرار سيرة العقلاء

(2)

.

(1) و هذه هي عمدة ما في الباب، و قد تقدّم منّا أنّ الآيات الناهية عن العمل بغير العلم أو العمل بالظنّ‏ (3) لا تصلح للرادعيّة، لا لما أفاده المحقّق الخراسانيّ- (رحمه اللّه)- من لزوم الدور (4) فإنه مخدوش كما ذكرنا عند استدلال النافين للحجّيّة بالآيات فراجع، بل لأنّها لمّا كانت من قبيل القضايا الحقيقيّة تكون شاملة لنفسها، و هي تكون بحسب الدلالة غير علميّة، بل ظنّيّة، فيلزم من التمسُّك بها عدم جواز التمسُّك بها، لرادعيّتها لنفسها، و هو باطل بالضرورة.

إن قلت: ما يلزم منه المحال هو شمولها لنفسها، فلا تشملها، فيتمّ رادعيّتها لغيرها بلا محذور.

قلت: لا شكّ في أنّ هذه الآيات الظاهرة في المنع عن العمل بغير العلم‏

____________

(1) نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 136 سطر 2- 6.

(2) الكفاية 2: 98.

(3) الإسراء: 36، النجم: 23 و 28.

(4) الكفاية 2: 99.

314

إنّما أفادها المتكلّم بها لأجل الإفادة و الإفهام، فلا بدّ و أن تكون ظواهرها- مع كونها غير مفيدة للعلم- قابلة للإفادة و الإفهام، فتكون هذه الظواهر بين المتكلّم و المخاطب مفروغة الحجّيّة، و لا تكون حجّيّتها إلّا للسيرة العقلائية على الأخذ بالظواهر، و المتكلّم- جلّ و علا- اتّكل على هذه السيرة العقلائيّة، لا على أنّ هذا الكلام لا يشمل نفسه لأجل لزوم المحال، فإنّه خارج عن المتفاهم العرفي و الطريقة العقلائيّة في الإفادة و الإفهام، فإذا كان الاتّكال في الإفهام على السيرة مع عدم إفادة العلم، يعلم بإلقاء الخصوصيّة أنّ الآية غير رادعة لما قامت به السيرة العقلائيّة، سواء كانت من قبيل الظواهر، أو من قبيل خبر الثقة.

و بالجملة: لا تصلح تلك الآيات للرادعيّة.

ثمّ إنّ هاهنا كلاما من بعض أعاظم العصر (رحمه اللّه)- على ما في تقريرات بحثه-: و هو أنّه لا يحتاج في اعتبار الطريقة العقلائيّة إلى إمضاء صاحب الشرع لها و التصريح باعتبارها، بل يكفي عدم الردع عنها، فإنّ عدم الردع عنها مع التمكن منه، يلازم الرضا بها و إن لم يصرّح بالإمضاء.

نعم، لا يبعد الحاجة إلى الإمضاء في باب المعاملات، لأنّها من الأمور الاعتباريّة التي يتوقّف صحتها على اعتبارها، و لو كان المعتبر غير الشارع فلا بدّ من إمضاء ذلك و لو بالعموم و الإطلاق.

و تظهر الثمرة في المعاملات المستحدثة التي لم تكن في زمان الشارع، كالمعاملات المعروفة في هذا الزمان ب (البيمة) فإنّها إذا لم تندرج في عموم‏

315

أَحَلَّ اللَّهُ‏ (1) و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) و نحو ذلك، فلا يجوز ترتيب آثار الصحّة عليها (3) انتهى.

و فيه: أنّ احتياج المعاملات إلى التصريح بالإمضاء- لكونها من الأمور الاعتباريّة- ممنوع، فإنّ اعتباريّتها لا تلازم احتياجها إليه، فنفس عدم ردع الشارع يكفي في صحّتها و نفوذها، فالمعاملة النافذة عند العقلاء لو لم تكن نافذة لدى الشرع، لا بدّ من الردع عنها و يكفي في النفوذ عدم ردعه.

نعم لا يكفي الرضا من المتعاملين لصحّة المعاملة، بل لا بدّ فيها من الإنشاء، و هو أجنبيّ عمّا نحن فيه، و لعلّه- (قدّس سرّه)- قايس بينهما.

و أمّا ما أفاده:- (رحمه اللّه)- في المقام- بعد اعترافه بأنّه من المحتمل قريبا رجوع سيرة المسلمين في الأمور الغير التوقيفيّة التي كانت تنالها يد العرف و العقلاء قبل الشارع، إلى طريقة العقلاء- بأنّ ذلك لا يضرّ بالاستدلال بها، لكشفها عن رضا الشارع كما تكشف عنه طريقة العقلاء، غاية الأمر أنّه في مورد اجتماعهما يكونان من قبيل تعدّد الدليل على أمر واحد، فتكون سيرة المسلمين من جملة الأدلّة، كما تكون طريقة العقلاء كذلك‏ (4).

ففيه ما لا يخفى، فإن سيرة المسلمين إذا رجعت إلى طريقة العقلاء لا تكون دليلا مستقلا، بل الدليل هو طريقة العقلاء فقط، و إنّما تصير سيرة

____________

(1) البقرة: 275.

(2) المائدة: 1.

(3) فوائد الأصول 3: 193.

(4) فوائد الأصول 3: 194.

316

المسلمين دليلا لو قامت بما أنّهم مسلمون، لا بما أنّهم عقلاء كما في المقام.

و بالجملة: لا تنعقد سيرة المسلمين بما هم مسلمون مع رجوعها إلى طريقة العقلاء، فلا معنى لكونها دليلا كاشفا في مقابلها، و هذا واضح.

317

الفرق بين الانسداد الكبير و الصغير

قوله: أحدها [1]: أنّه يعلم إجمالًا ..

(1)

..

(1) أقول: هذا الدليل العقلي هو دليل الانسداد الصغير. و ضابط الفرق بين الانسدادين: أنّ المقدّمات المرتّبة في الانسداد إذا انتهت إلى حجّيّة مطلق الظنّ- بناءً على الكشف أو الحكومة- من أيّ طريق كان، من غير كونه مقيّداً

____________

[1] إني قد تركت البحث في هذه الدورة عن الأدلة العقلية مطلقا، لقلّة فائدتها، مع طول مباحثها.

و المرجوّ من طلّاب العلم و علماء الأصول- أيدهم اللَّه- أن يضنّوا على أوقاتهم و أعمارهم الشريفة، و يتركوا ما لا فائدة فقهيّة فيه من المباحث، و يصرفوا همّهم العالي في المباحث المفيدة الناتجة.

و لا يتوهم متوهم: أنّ في تلك المباحث فوائد علميّة، فإنّ ذلك فاسد، ضرورة أنّ علم الأصول علم آلي لاستنتاج الفقه، فإذا لم يترتب عليه هذه النتيجة فأيّة فائدة علمية فيه؟! و العلم ما يكشف لك حقيقة من الحقائق- دينيّة أو دنياوية- و إلّا فالاشتغال به اشتغال بما لا يعني و اللَّه ولي التوفيق. جمادى الأولى 1374. [منه (قدّس سرّه)‏]

____________

(1) الكفاية 2: 100.

318

بحصوله من طريق خاصّ، فهو الانسداد الكبير، و إذا انتهت إلى حجّيّته إذا حصل من طريق خاصّ أو أمارة مخصوصة، أو تنتهي إلى حجّيّة الظنّ المطلق بصدور الرواية، أو جهة أخرى من الجهات، و لا يكون نطاقه وسيعا إلى غيرها، فهو الانسداد الصغير.

و معلوم أن المنشأ في هذا الافتراق هو المقدّمة الأولى من دليل الانسداد، فإنّ العلم الإجمالي إذا كانت دائرته وسيعة، بحيث يشمل نطاقه جميع المشتبهات، من الأخبار، و الأمارات الظنّية، و غيرهما، فلا بدّ و إن ينتهي- مع ضمّ سائر المقدّمات- إلى حجّيّة مطلق الظنّ بناء على الكشف أو الحكومة.

و أمّا إذا كانت دائرته ضيّقة- محصورة في الأخبار خاصّة، أو في الشهرات، أو الإجماعات المنقولة- فلا بدّ و أن ينتهي إلى حجّيّة الظنّ من طريق خاصّ من المذكورات، أو الظنّ بالصدور فقط.

إذا عرفت ذلك فقد ادّعى المستدلّ: بأنّ العلم الإجمالي حاصل بصدور الأخبار الكثيرة المتضمّنة للأحكام الإلهيّة الوافية بالفقه، بحيث ينحلّ العلم الإجمالي بسائر المشتبهات في دائرة الأخبار، و بعد انضمام سائر المقدّمات يصير الدليل منتهيا إلى حجّيّة الظنّ بصدور الأخبار، و هذا هو الانسداد الصغير.

نقل كلام بعض الأعاظم و وجوه النّظر فيه‏

و بما ذكرناه من الضابط يعلم ما في كلام بعض أعاظم العصر على ما في تقريرات بحثه، فإنّه- بعد الاعتراف بأنّ هذا الدليل هو ترتيب الانسداد الصغير

319

في خصوص الأخبار- تصدّى لبيان المراد من الانسداد الصغير و الفرق بينه و بين الكبير، فقال ما ملخّصه:

إنّ استفادة الحكم الشرعي من الخبر تتوقّف على العلم بالصدور و جهته و الظهور و حجّيّته، فإن قام الدليل بالخصوص على كلّ واحد منها فهو، و إن لم يقم على شي‏ء منها- و انسدّ طريق إثباتها- فلا بدّ من جريان الانسداد لإثبات حجّيّة مطلق الظنّ بالحكم الشرعي. و قد جرى الاصطلاح على التعبير عن ذلك بالانسداد الكبير.

و إن قام الدليل على بعض جهات الرواية دون بعض، كما لو فرض قيام الدليل على الصدور و جهته و إرادة الظهور، و لكن لم يمكن تشخيص الظهور، و توقّف على الرجوع إلى اللغوي في تشخيصه، و لم يقم دليل بالخصوص على اعتبار قوله، فلا بدّ من جريان مقدّمات الانسداد في خصوص معاني الألفاظ، لاستنتاج حجّيّة الظنّ من قوله في معنى اللفظ، و إن لم يحصل بالحكم الشرعي. و قد جرى الاصطلاح على التعبير عن ذلك بالانسداد الصغير.

و حاصل الفرق بينهما: هو أن مقدّمات الانسداد الكبير إنّما تجري في نفس الأحكام ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ فيها، و أمّا مقدّمات الانسداد الصغير إنّما تجري في بعض ما يتوقّف عليه استنباط الحكم من الرواية في إحدى الجهات الأربع المتقدّمة، ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ في خصوص الجهة التي انسدّ باب العلم فيها.

ثمّ أطال الكلام في صحّة جريان مقدّمات الصغير مطلقا، أو عدمه‏

320

مطلقا، أو التفصيل، و اختار التفصيل: بأنّ بعض هذه الجهات ممّا يتوقّف عليها العلم بأصل الحكم كالصدور، فإنّه لو لا إثباته لا يكاد يحصل العلم بالحكم، ففيه تجري مقدّمات الانسداد الكبير، و بعضها ممّا يتوقّف عليها العلم بتشخيص الحكم و تعيُّنه إذا كان الإجمال في ناحية الموضوع أو المتعلّق، كالصعيد المردّد بين كونه التراب أو مطلق وجه الأرض، و الجهل بمعناه لا يغيّر العلم بأصل الحكم، لأنّ المكلّف يعلم بأنّه مكلّف بما تضمّنته الآية من الحكم، ففيه تجري مقدّمات الانسداد الصغير لحجّيّة مطلق الظنّ بالجهة التي انسدّ باب العلم فيها انتهى‏ (1).

و فيه أوّلا: أنه يظهر من صدر كلامه أنّ هذا الدليل العقلي هو ترتيب مقدّمات الانسداد الصغير في خصوص الأخبار، و يظهر ممّا بعده أنّه مع عدم قيام الدليل الخاصّ بإثبات أصل الصدور تجري مقدّمات الانسداد الكبير، كما أنّه يظهر من تفصيله و توضيحه أنّ هذا الدليل العقلي يرجع إلى الانسداد الكبير.

و بالجملة: كلامه في المقام لا يخلو من تهافت صدرا و ذيلا.

و ثانيا: أنّ الضابط الّذي أفاده في الافتراق بين الانسدادين- من أنّ مقدّمات الانسداد الكبير إنّما تجري في نفس الأحكام ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ فيها، و أمّا مقدّمات الصغير تجري في بعض ما يتوقّف عليه استنباط الحكم من الرواية من إحدى الجهات الأربع ليستنتج منها حجّيّة مطلق الظنّ في خصوص الجهة التي انسدّ باب العلم فيها- ينافي تفصيله الآتي من الافتراق بين‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 196 و ما بعدها.

321

هذه الجهات، و أنّ مع عدم الدليل على أصل الصدور لا بدّ من ترتيب مقدّمات الكبير، فإنّ ترتيب المقدّمات في أصل الصدور ينتهي إلى حجّيّة الظنّ بالصدور، لا حجّيّته بالنسبة إلى الأحكام مطلقا، فلا ينطبق الضابط عليه.

فتحصّل من جميع ذلك: أنّ الضابط هو الّذي ذكرنا، و أنّ في كلامه- (قدّس سرّه)- اختلاطا و تهافتا، فراجع كلامه.

ثم إنّه- (قدّس سرّه)- أطال الكلام في تقرير الدليل العقلي و جوابه و في كلامه مواقع للنظر تظهر للمتأمّل فيه:

منها: ما أفاده في جواب «إن قلت» الثاني: أنّ دعوى العلم الإجمالي في خصوص الأمارات الظنّيّة ليست ببعيدة، لأنّ من تراكم الظنون يحصل العلم الإجمالي، بخلاف تراكم الشكوك‏ (1).

فإنّ فيه ما لا يخفى، لأنّ مبادئ حصول العلم غير مبادئ حصول الظنّ و الشكّ، فلا يمكن حصول العلم من تراكم الظنون، أي كثرتها، و كثرة المظنونات، فلو فرض آلاف من الظنون بآلاف من الأحكام من المبادئ الظنّيّة، لا يعقل حصول علم واحد منها، و هذا واضح، و لعلّه خلط بين التراكم بحسب المراتب و بينه بحسب الموارد.

و منها: ما أفاده بقوله: و ثانيا: سلّمنا أنّ الأمارات الظنّيّة ليست من أطراف العلم الإجمالي، و لكن وجوب الأخذ بما في أيدينا من الأخبار إنّما هو لأجل ما تضمّنتها من الأحكام الواقعيّة، لا بما هي هي، فالمتعيّن هو الأخذ بكلّ‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 201.

322

ما يظنّ أنّ مضمونه حكم اللَّه الواقعي، لا خصوص ما يظنّ بصدوره من الأخبار، لأنّ الأخذ بمظنون الصدور إنّما هو لاستلزامه الظنّ بالمضمون غالبا، و مقتضى ذلك هو اعتبار الظنّ بالحكم، سواء حصل من الظنّ بالصدور، أو من الشهرة و الإجماع المنقول‏ (1) انتهى.

فإنّ فيه ما لا يخفى أيضا، لأنّ الأخذ بمظنون الصدور في دائرة الأخبار إنّما هو لأجل العلم الإجمالي مع ضمّ بقيّة المقدّمات، لا لأجل كونه مستلزما للظنّ بالمضمون، حتّى نتعدّى إلى الشهرة و الإجماع المنقول، فمجرّد الظنّ بالمضمون لم يصر موجبا لوجوب الأخذ بما في أيدينا من الأخبار، بل العلم الإجمالي في دائرة الأخبار أدّى إلى ذلك، كما هو واضح.

ثمّ إنّه- (قدّس سرّه)- تصدّى لتقريب مقدّمات الانسداد الصغير بوجه آخر، و قال: إنّه سالم عمّا أورد على الوجه الأوّل‏ (2) و لكنّه اعترف بعد أسطر:

بأنّ الإشكال الثالث مشترك الورود بين التقريرين.

ثمّ بعد كلام آخر قال: لا يخفى عليك أنّ ما ذكرناه من التقريب و إن كان يسلم عن كثير من الإشكالات المتقدّمة، إلّا أنّه يرد عليه ... إلخ، و هذا الإيراد هو الإيراد الثاني على التقريب الأوّل مع تغيير العبارة.

ثمّ أفاد في جواب «إن قلت» عدم انحلال العلم الإجمالي الكبير بتقريبين، و هو عين الإشكال الأوّل على التقرير الأوّل مع تقريب آخر.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 203- 204.

(2) فوائد الأصول 3: 205 و ما بعدها.

323

و بالجملة: مع تصريحه بعدم ورود شي‏ء من الإشكالات على التقريب الثاني، أورد تدريجا جميع الإشكالات المتوجّهة على الأوّل على الوجه الثاني أيضا، و هذا لا يخلو من غرابة.

ثمّ إنّه في كلامه موارد للأنظار لا بدّ من التعرّض لها و إن يطل الكلام فنقول:

حاصل تقريبه في الوجه الثاني من التقريبين: هو أنّا نعلم بصدور غالب الأخبار التي في أيدينا، و لا إشكال في وجوب الأخذ بما صدر عنهم، بما أنّها أحكام ظاهريّة في مقابل الأحكام الواقعيّة، فلا يرجع إلى الوجه الأوّل.

و حيث لا يمكن لنا تحصيل العلم بالأخبار الصادرة عنهم نتنزّل إلى الظنّ و الأخذ بمظنون الصدور.

و لا يرد عليه شي‏ء من الإشكالات، فإنّ مبناها كان على أنّ وجوب العمل بالأخبار من باب تضمّنها الأحكام الواقعيّة، فيرد عليه: أن العلم الإجمالي بالأحكام لا يختصّ بدائرة الأخبار، بل الأمارات الظنّيّة أيضا من أطرافه، إلى آخر الإشكالات.

و أمّا هذا التقريب فمبنيّ على وجوب العمل بالأخبار لكونها أحكاما ظاهريّة، فلا تكون سائر الأمارات التي لم يقم دليل على اعتبارها- من أطراف هذا العلم، فإنّها ليست أحكاما ظاهريّة، فدائرة العلم الإجمالي تختصّ بالأخبار، و نتيجته الأخذ بمظنون الصدور عند تعذُّر تحصيل العلم التفصيليّ، و عدم وجوب الاحتياط في الجميع، بل مقتضى العلم بصدور غالب الأخبار

324

هو انحلال العلم الإجمالي الكبير، لأنّ ما صدر عنهم يكون بقدر المعلوم بالإجمال في دائرة الكبير (1) انتهى.

فتلخّص ممّا ذكره: أنّ العلم الإجمالي بالأحكام الظاهريّة ممّا ينجّز العمل بالأخبار، و لمّا كانت الأحكام الظاهرية الصادرة بمقدار الأحكام الواقعيّة فيحتمل انطباق الأحكام الواقعيّة عليها، و بهذا ينحلّ العلم الإجمالي الكبير في دائرة العلم الإجمالي الصغير.

ميزان انحلال العلم الإجمالي الكبير في الصغير

أقول: ميزان انحلال العلم الإجمالي الكبير في العلم الإجمالي الصغير:

هو أن يكون المعلوم بالعلم الإجمالي الصغير أسبق من المعلوم بالعلم الإجمالي الكبير، و يكون المعلوم بالكبير قابلا للانطباق على المعلوم بالصغير، فإذا تحقّق الشرطان ينحلّ الكبير في الصغير، و مع اختلال أحدهما لا يتحقّق الانحلال.

مثلا: لو فرضنا العلم الإجمالي بوقوع قطرة من الدم في أحد الإناءين في صدر النهار، ثمّ حصل العلم بوقوع قطرة أخرى، إمّا في أحدهما أو في ثالث في آخر النهار، لا يكون هذا العلم الثاني منجّزا لجميع الأطراف، و ينحلّ في الأوّل، لأنّ العلم الأوّل قد تنجّز به الإناءان، و لا يعقل التنجيز فوق التنجيز، فيصير الثالث من الشبهة البدوية، فينحلّ الثاني.

لكن لو فرضنا تقارن المعلومين أو تقدم المعلوم في دائرة الكبير على‏

____________

(1) نفس المصدر السابق.

325

المعلوم في دائرة الصغير لا ينحل العلم الكبير.

أما في المقارن: فلأن التنجيز في جميع الأطراف يكون في عرض واحد، فيكون التنجيز بالنسبة إلى أطراف الصغير مستندا إلى كلا العلمين، و بالنسبة إلى الزائد مستندا إلى الكبير، فلا مانع من تأثير العلم في دائرة الكبير كما لا يخفى.

و أما في صورة تقدم الكبير فهو أوضح، لأن العلم الإجمالي باعتبار المعلومين يكون له ثلاث صور، تقدم الصغير على الكبير و بالعكس و تقارنهما.

ففي الأولى ينحل العلم في دائرة الكبير دون الباقيتين.

هذا كله مع مقارنة العلمين، و أما مع تقدم أحدهما على الآخر ففيه تفصيل، و لما كان ما نحن فيه من قبيل الصورتين الأخيرتين فلا معنى للانحلال الكبير، فإنّ العلم الإجمالي بكون الأحكام الواقعيّة بين الأخبار و سائر الطرق الظنّيّة مقارن بحسب المعلوم و العلم مع العلم الإجمالي بصدور الأخبار من الأئمّة الأطهار (عليهم السلام).

و من مواقع النّظر فيه: أنّه قال: إنّ تقريب مقدّمات الانسداد على هذا الوجه الثاني يقرب ممّا أفاد صاحب الحاشية [1] و أخوه [2] في الانسداد و إن كان‏

____________

[1] هداية المسترشدين: 403- 404.

صاحب الحاشية: هو الإمام الشيخ محمّد تقي بن محمّد رحيم الأصفهاني، من قرية (إيوان كيف) هاجر إلى العراق فحضر عند الوحيد البهبهاني و السيد بحر العلوم و كاشف الغطاء و بعدها.

رجع إلى أصفهان و استقر فيها حتى وافاه الأجل في سنة 1248 ه. له عدّة كتب أشهرها هداية المسترشدين. انظر هدية الأحباب: 204، روضات الجنات 2: 123، الكرام البررة 1: 217.

[2] الفصول: 277 سطر 33- السطر الأخير.

أخوه: هو الإمام الشيخ محمّد حسين بن محمّد رحيم الطهراني الأصفهاني الحائري، ولد في قرية (إيوان كيف) تلقى أوليات العلوم في طهران، ثمّ انتقل إلى أصفهان و أخذ عن أخيه الشيخ محمّد التقي صاحب الحاشية، و بعدها هاجر إلى كربلاء و تقلد المرجعية فيها، له عدّة مؤلفات أشهرها الفصول الغروية، انتقل إلى جوار ربه سنة 1254 ه و دفن في حمى سيد الشهداء (عليه السلام). انظر الفوائد الرضوية: 501، الكرام البررة 1: 390.

326

فرق بينهما (1) و تصدّى لبيان الفرق بما لا يرجع إلى محصّل، و ظنّي أنه من قصور العبارة، فإنّ الفرق بينهما أظهر من أن يخفى على مثله، لأنّ ترتيب المقدّمات في المقام مبنيّ على الانسداد الصغير و انحلال العلم الكبير، و نتيجتها حجّيّة الأخبار المظنونة الصدور، و مبنى كلامهما على الانسداد الكبير و انحلال دائرة العلم الإجمالي بالواقع في مطلق الطرق، و نتيجتها حجّيّة مطلق الظنّ، سواء كان من الأخبار أو من طرق أخرى غيرها، و لعلّ مراده- أيضا- ذلك، فراجع.

و منها: أنّه- (قدّس سرّه)- بعد أن تصدّى لإيراد إشكال على التقريب الثاني ممّا يقرب ثاني الإشكالات الواردة على التقريب الأوّل، من أنّ الأحكام الظاهريّة ليست في مقابل الأحكام الواقعيّة، بل هي طرق إليها، فيجب العمل على الأحكام الواقعيّة من أي طريق حصل العلم بها، و مع فقدانه نتنزّل إلى الظنّ بها، لا إلى الظنّ بالصدور، و أورد إشكالا بقوله: «إن قلت» على ذلك بأنّ الواجب أوّلا و بالذات و إن كان امتثال الأحكام الواقعيّة، لكنّ العلم بها ينحلّ في دائرة العلم بالأخبار الصادرة التي بمقدار المعلوم بالإجمال في دائرة

____________

(1) فوائد الأصول 3: 206.

327

الكبير.

و تصدّى لجوابه بقوله: «قلت» بوجهين:

أحدهما: ما محصّله: إنّ مجرّد العلم بصدور جملة من الأخبار لا يقتضي ترتّب الأحكام عليها، فإنّ الحكم الظاهري يتوقّف على العلم به موضوعا و حكما، لا بمعنى أن لا وجود واقعيّ له، فإنّه ضروريّ البطلان، بل بمعنى أنّ الآثار المرغوبة من الحكم الظاهري من تنجيز الواقع و العذر منه لا تترتّب عليه مع الجهل، بل الأصول العقلائيّة أيضا لا تجري مع الجهل بالصدور، فما لم يعلم صدور الرواية تفصيلا لا تجري فيها أصالة الظهور، و لا أصالة الجهة، لعدم العلم بظهور ما هو الصادر منها حتّى تجري فيها الأصول العقلائيّة، فلا يمكن أن يترتّب على الصادر من الأخبار ما للحكم الظاهري من الآثار، فيبقى العلم الإجمالي بالتكاليف الواقعيّة بين الأخبار و الأمارات الظنّيّة على حاله، و لا بدّ من ترتيب مقدّمات الانسداد الكبير، و لا أثر للظنّ بالصدور (1) انتهى.

و لا يخفى ما فيه، فإنّ توقُّف جريان الأصول العقلائيّة على العلم التفصيليّ بما هو الصادر، ممنوع أشدّ المنع، فلو فرضنا العلم الإجمالي بصدور إحدى الروايتين- مثلا- يتضمّن إحداهما وجوب إكرام العلماء، و الأخرى وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و تركنا العمل بهما باحتمال إرادة خلاف الظاهر منهما، أو احتمال عدم الجدّ في مضمونهما، و اعتذرنا بأنّ الأصول العقلائية- من أصالة الظهور و أصالة الجدّ- لا تجري في غير المعلوم بالتفصيل،

____________

(1) نفس المصدر السابق.

328

لعدم العلم بظهور ما هو الصادر حتّى تجري فيه الأصول العقلائية، لخرجنا عن طريقة العقلاء، و يكون هذا الاعتذار غير موجّه عندهم، كما أنّ الأصول جارية في الخبرين المتعارضين اللذين نعلم إجمالا بكذب أحدهما، و إنّما يكون تقديم أحدهما على الآخر من باب تقديم الحجّة على الحجّة، و في صورة عدم الترجيح و الحكم بالتخيير تجري في كلّ منهما الأصول العقلائيّة من أصالة الظهور و الجهة، فعدم جريان الأصول في أطراف المعلوم بالإجمال ممّا لا وجه له.

و بالجملة: لا فرق في انحلال العلم الإجمالي الكبير بين العلم التفصيليّ بالصادر بمقدار المعلوم بالإجمال من الأحكام و بين العلم الإجمالي به. نعم لو كان العلم الإجمالي في دائرة الصغير غير مقدّم على الكبير لم ينحلّ الكبير به، كما تقدّم.

ثمّ قال في الوجه الثاني ما محصّله: إنّه على فرض تسليم كون الإجمال غير مانع عن ترتّب الأحكام الظاهرية على ما صدر من الأخبار، لكن مجرّد ذلك لا يكفي في انحلال الكبير، فإنّ تلك الأحكام الظاهرية التي فرض كونها بقدر المعلوم بالإجمال من الأحكام الواقعيّة لم تحرز بالوجدان، و لم يجب الاحتياط في جميع الأخبار، لثبوت الترخيص في غير المظنون، و مع هذا لا يمكن الانحلال، لعدم كون الأحكام الظاهريّة في مظنون الصدور بمقدار الأحكام الواقعيّة في مجموع الأخبار و الأمارات، فإنّ أقصى ما يدّعى هو أنّ مجموع ما صدر عنهم (عليهم السلام) من الأحكام الظاهريّة بقدر التكاليف الواقعيّة، لا أنّ مظنون الصدور بمقدارها، فالترخيص فيما عدا مظنون الصدور يوجب‏

329

نقصا في الأحكام الظاهريّة، و يلزمه زيادة الأحكام الواقعية عن الظاهريّة التي يلزم الأخذ بها.

و بالجملة: أنّ الترخيص في ترك العمل ببعض الأخبار يوجب نقصا في الأحكام الظاهرية، للعلم بأنّ بعض الأحكام الظاهرية يكون في الأخبار التي رخص في ترك العمل بها، لأنّ مظنون الصدور من الأخبار ليس بقدر التكاليف الواقعيّة، فلا يبقى مجال للانحلال.

إن قلت: الأخذ بمظنون الصدور إن كان من باب التبعيض في الاحتياط كان لعدم الانحلال وجه، و أمّا إن كان من باب أنّ الشارع جعل الظنّ بالصدور طريقا إلى الأحكام الظاهريّة و ما صدر من الأخبار، فلا محالة ينحلّ العلم الإجمالي، لأنّ الأحكام الظاهريّة التي فرضنا أنّها بقدر الأحكام الواقعيّة تكون محرزة ببركة حجّيّة الظنّ، فإنّ نتيجة جعل الشارع الظنّ بالصدور طريقا إلى ما صدر هي أنّ ما عدا المظنون ليس ممّا صدر، و اختصّ ما صدر بمظنون الصدور، و المفروض أنّ ما صدر بقدر الأحكام الواقعيّة، فينحلّ العلم الإجمالي.

قلت: هذا إذا تمّت المقدّمات و وصلت النوبة إلى أخذ النتيجة، فتكون النتيجة حجّيّة الظنّ و كونه طريقا إلى ما صدر، و لكن المدّعى أنّه لا تصل النوبة إليه، لأنّ عمدة المقدّمات التي يتوقّف عليها أخذ النتيجة هو عدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة من الأحكام الظاهريّة، و بعد بطلان هذه المقدّمة بجواز إهمال بعض الوقائع- و هو ما عدا المظنون- لا تصل النوبة إلى أخذ النتيجة، فينهدم‏

330

أساس الانحلال قبل أخذ النتيجة (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و فيه أوّلا: أنّ نتيجة الانسداد الصغير أو الكبير هو التبعيض في الاحتياط كما سيأتي‏ (2) لا حجّيّة الظنّ كشفا أو حكومة، و لم نعلم زيادة الأحكام الواقعيّة عمّا يجب الاحتياط فيه من الأطراف، فدعوى زيادتها عن المظنون لا ينهدم بها أساس الانحلال. نعم لو ادّعى زيادتها عمّا يجب الاحتياط فيه كان له وجه، لكنّها بمكان من المنع.

و ثانيا: أنّه- مع تسليم كون النتيجة حجّيّة الظنّ بالصدور، و تسليم كون الأحكام الواقعيّة زائدة عمّا ظنّ صدوره- يكون العلم الإجمالي الكبير قاصرا عن تنجيز أطرافه، و هو عين الانحلال أو في حكمه، لأنّ المفروض أنّ الأحكام الواقعيّة ليست زائدة عمّا صدر، و ما صدر إنّما هو بين المظنونات و المشكوكات و الموهومات، و المظنونات واجبة العمل، و الباقي مرخّص فيه، ففي رتبة المعلوم بالعلم الإجمالي الكبير يكون بعض أطرافها واجب العمل، و بعضها مرخّص فيه، و لا يكون المعلوم بالكبير زائدا عنهما، فلا يمكن تنجيزه للأطراف الأخر.

مثلا: لو فرضنا العلم بنجاسة إناءين في خمسة، و احتملنا الزيادة، و علمنا بنجاسة إناءين في ثلاثة منها و احتملنا التطبيق، و كان المعلوم بالعلم الثاني مقدّما على المعلوم بالعلم الأوّل، مع مقارنة العلمين، أو تقدّم الثاني على الأوّل، يصير العلم الإجمالي الكبير منحلا بواسطة الصغير، لأنّ تنجيز

____________

(1) فوائد الأصول 3: 209 و ما بعدها.

(2) انظر صفحة رقم: 357 و ما بعدها.

331

الصغير للأطراف، لمّا كان مقدّما على الكبير لم تصل النوبة إلى تنجيز الكبير لهذه الأطراف، و لا يعقل التنجيز فوق التنجيز، و لمّا احتملنا انطباق المعلوم بالكبير على المعلوم بالصغير يصير الكبير- لا محالة- منحلا، كما ذكرنا سابقا.

و لو فرضنا أنّ بعض أطراف الصغير صار منجّزا بمنجّز خاصّ، و بعضها صار مرخّصا فيه بمرخّص، و تكون الأطراف المنجزة أقلّ عددا من المعلوم بالعلم الإجمالي الكبير، لا يصير العلم الإجمالي الكبير- الّذي كان ساقطا عن التأثير- مؤثّرا بواسطة كون المنجّز في الصغير أقلّ عددا من المعلوم بالعلم الكبير، لأنّ المنجّز و إن كان أقلّ، لكنّه مع الأطراف المرخّص فيها بمقداره، فإذا صار بعض الأطراف قبل تنجيز العلم جميع الأطراف منجّزا أو مرخّصا فيه- سواء كان التنجيز و الترخيص مقدّمين على العلم الإجمالي الكبير أو مقارنين معه، و يكون كلاهما بمقدار المعلوم، و يحتمل انطباق المعلوم عليه- يصير العلم لا محالة منحلا، لأنّ العلم بالتكليف الفعلي على جميع التقادير من أركان تنجيز العلم الإجمالي، و هو في المقام مفقود، لأنّ المعلوم إذا انطبق على المرخّص فيه و المنجّز التفصيليّ، لا يكون التكليف فعليّا.

نعم لو فرض الترخيص في الزمان المتأخّر عن العلم الإجمالي يكون تنجيزه للأطراف الأخر بحاله، لأنّ تنجيز جميع الأطراف بالعلم الإجمالي بعد تحقُّقه لا يسقط بواسطة الترخيص في بعضها للاضطرار أو الحرج، على تفصيل يأتي في محلّه إن شاء اللَّه‏ (1).

____________

(1) انظر صفحة رقم: 352- 353.

332

و ثالثا: أنّ تسليمه في جواب «إن قلت» بأنّه إذا تمّت المقدّمات، و وصلت النوبة إلى أخذ النتيجة، و صار الظنّ حجّة، ينحل العلم الإجمالي- في غير محلّه، فإنّه مع فرض العلم بكون الأحكام الواقعيّة زائدة عن مظنون الصدور- و إن كان الصادر بمقدارها- لا معنى لانطباقها عليه، لأنّ انطباق الأكثر على الأقلّ غير معقول، فدليل اعتبار الظنّ لا يمكن أن يخصّص الأخبار الصادرة- التي بمقدار الأحكام الواقعيّة- بالمظنون الصدور الّذي هو أقلّ منها.

و رابعا: أنّ ما أفاده- من عدم وصول النوبة إلى أخذ النتيجة من جهة جواز إهمال بعض الوقائع، و هو ما عدا المظنون، فينهدم أساس الانحلال قبل أخذ النتيجة- ليس على ما ينبغي، لأنّ جواز الإهمال- الّذي هو من مقدّمات الانسداد الصغير- مع ضمّ باقي المقدّمات يكشف عن حجّيّة الظنّ من أوّل الأمر، لا أنّ المقدّمات موجبة لحجّيّته، فالمقدّمات هي الدليل الإنّي الكاشف عن جعل الشارع حجية الظنّ في موضوع الانسداد، لا أنّها موجبة لها، حتى تكون الحجّيّة متأخّرة عنها واقعا، فينهدم أساس الانحلال قبل أخذ النتيجة، تأمّل.

333

في ما استدل به على حجية مطلق الظن‏

قوله: الأوّل: أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه ... إلخ‏

(1)

.

(1) أقول: الفرق بين هذا الدليل و بين الدليل المعروف بالانسداد: هو أنّ هذا الوجه مركّب من صغرى هي أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّة مظنّة للضرر، و كبرى هي أنّ الضرر المظنون واجب التحرّز عقلا، ينتج: أنّ مخالفة المجتهد لما ظنّه واجب التحرّز عقلا.

و أمّا دليل الانسداد فهو مركّب [من‏] مقدّمات لا تشترك مع هذا الوجه في شي‏ء منها، فكلّ من الوجهين يسلك مسلكا غير مربوط بالآخر، و هما لا يشتركان في شي‏ء- إلّا النتيجة- حتّى نحتاج إلى إبداء الفرق بينهما.

فما أفاده بعض أعاظم العصر (قدّس سرّه)- من أنّ الفرق بينهما في توقّف‏

____________

(1) الكفاية 2: 107.

334

أحدهما على انسداد باب العلم و العلميّ، بخلاف الآخر (1) الظاهر منه أنّ هذا ما به الافتراق بينهما بعد اشتراكهما في غيره- ليس في محلّه، لما عرفت من عدم الاشتراك بينهما أصلا في شي‏ء من المقدّمات.

لا يقال: لو جاز إهمال الوقائع المشتبهة، و ترك التعرّض لها بالرجوع إلى البراءة في جميع موارد الشكّ في التكليف، لم ينتج هذا الوجه، فإنتاجه يتوقّف على إبطال جواز الإهمال، و هو عين إحدى مقدّمات الانسداد.

فإنه يقال: لو صحت الكبرى و الصغرى المأخوذتان في هذا الوجه، فهما تنتجان بلا احتياج إلى ضمّ هذه المقدّمة، فإنّ جواز الإهمال مناف للصغرى كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المحقق المعاصر- (رحمه اللّه)- قد أطال الكلام في هذا الوجه، و نحن لا نذكر كلامه بطوله، و لكن ننبّه على محالّ أنظار فيه، و الطالب يرجع إلى تقريرات بحثه:

قوله- (قدّس سرّه)- في المقام: فهي ممّا لا ينبغي التأمّل و الإشكال فيها ...

إلخ‏ (2).

بل للتأمّل و الإشكال فيها مجال واسع، فإنّ الإنسان- بل كلّ حيوان- و إن يدفع الضرر عن نفسه بمقتضى جبلّته و قوّته الدافعة عن مضارّه، و لكنّ حكمه العقلي بقبح الإقدام على ما فيه مظنّة الضرر- بحيث يستكشف منه حكما

____________

(1) فوائد الأصول 3: 214.

(2) نفس المصدر السابق.

335

شرعيّا لو التزمنا بالملازمة- فلا، فهذه جبلّة حيوانيّة مشتركة بين الحيوانات.

قوله: لا يكاد يتحقّق الشكّ ... إلخ‏ (1).

بل قد يتحقّق الشكّ و لو قلنا بأنّ البيان هو البيان الواصل، فإنّه قد يشكّ في كفاية مقدار الفحص، و منه يتولّد الشك بأنّ المورد من موارد قبح العقاب بلا بيان، أو من موارد دفع الضرر المحتمل، إلّا أن يكون مورد جريان قاعدة قبح العقاب هو إحراز كفاية الفحص.

قوله: و إلّا يلزم التسلسل ... إلخ‏ (2).

ليس هذا هو التسلسل الاصطلاحي، بل بمعنى عدم الوقوف إلى حدّ.

قوله: إنّ الظاهر من تسالم الأصحاب ... إلخ‏ (3).

قد ذكرنا سابقا (4): أنّ حكم العقل بقبح التشريع ليس حكما واحدا بمناط واحد، بل حكمان بمناطين، و الآن نقول: إنّ حكمه بقبح الإقدام على ما لا يؤمن معه الوقوع في الضرر- على فرضه- حكم طريقي لمناط عدم الوقوع فيه، و الإقدام على الوقوع في الضرر الواقعي حكم موضوعي، فللعقل بالضرورة حكمان: أحدهما متعلّق بموضوع واقعي، و الآخر حكم طريقي لحفظ الواقع، كما في الظلم، فالإقدام على مقطوع الظلم و الضرر أو مظنونهما قبيح، لا لأجل الموضوعيّة و الاستقلال، بل لأجل الطريقيّة.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 216.

(2) فوائد الأصول 3: 217.

(3) نفس المصدر السابق.

(4) انظر صفحة رقم: 225 و ما بعدها.

336

و بالجملة: قبحه قبح التجرّي لو لم يصادف الواقع.

و العجب منه- (قدّس سرّه)- حيث استظهر حكم العقل من تسالم الأصحاب على حكم شرعيّ، مع أنّه لا معنى للاستظهار في باب الأحكام العقلية، و لا معنى للتقليد فيها.

و أمّا تسالم الأصحاب- على وجوب الإتمام في سلوك الطريق الّذي لا يؤمن [معه‏] من الوقوع في الضرر، معلّلا بكونه معصية- على فرض صحّته، فهو لا يدلّ على أنّ حكمهم إنّما يكون بملازمة حكم العقل، لإمكان أن يكون حكما تعبّديّا شرعيّا ابتدائيّا يكشف عنه إجماعهم و تسالمهم عليه.

مع أنّ للخدشة في أصل الحكم مجالا واسعا، فإنّ الفتوى بإتمام الصلاة لا يلزم أن تكون لأجل المعصية، بل يمكن أن يستفاد حكمه من بعض روايات التصيّد اللهوي، و لا يلازم إتمام الصلاة كون السفر معصية، كما في باب السفر للصيد اللهوي، فإنّ حرمته محلّ إشكال و خلاف، مع أنّ لزوم الإتمام متسالم عليه بين الأصحاب.

هذا، مع أنّ التجرّي عند كثير منهم معصية (1) فلعلّ الإقدام على مظنون الضرر يكون معصية لأجل كونه طريقا إلى الوقوع في الضرر الحرام عندهم، فتدبّر.

قوله: في سلسلة علل الأحكام ... إلخ‏ (2).

____________

(1) الكفاية 2: 18، نهاية الأفكار- القسم الأوّل من الجزء الثالث: 30- 31.

(2) فوائد الأصول 3: 218.

337

لو قلنا بأنّ احتمال الضرر طريقيّ لحفظ الواقع، لم يكن في سلسلة علل الأحكام، بل يكون في سلسلة المعلولات.

و المراد من العلل و المعلولات هو ما يتقدّم على الحكم و ما يتأخّر عنه، لا العلل و المعلولات الحقيقيّة كما لا يخفى.

و بالجملة: قبحُ الإقدام على ما لا يؤمن معه من الضرر لو كان طريقيا لا يستكشف منه الحكم الشرعي المولوي، لكونه في سلسلة المعلولات، فما ذكره من عدم الفرق ليس في محلّه.

قوله: و لو موجبة جزئية ممّا لا سبيل إليها (1).

قد ذكرنا فيما سبق تصوير كون المصلحة في الأمر بنحو الموجبة الجزئيّة، فراجع‏ (2).

قوله: فإن كان من العبادات ... إلخ‏ (3).

هذا غريب منه- (قدّس سرّه)- فإنّ قصد الامتثال لا يدور مدار العلم بالتكليف.

نعم لو كان المراد بالقصد الجزم بالنيّة فهو و إن يتوقّف على ذلك، لكن صحّة العبادة لا تتوقّف عليه، و لا تكون العبادة بدونه تشريعا محرّما، فما تتوقّف عليه العبادة هو كونه للّه و لو على نحو الرجاء و الاحتمال، و هذا ممّا يمكن‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 219.

(2) انظر صفحة رقم: 155 و ما بعدها.

(3) فوائد الأُصول 3: 220.

338

قصده، و تصحّ العبادة معه، فما أفاده- من أنّ المصلحة تدور مدار قصد الامتثال، و هو يدور مدار العلم بالتكليف أو ما يقوم مقامه، و مع الظنّ الغير المعتبر لا يتمكّن المكلّف منه إلّا على نحو التشريع المحرّم‏ (1)- ليس في محلّه، و غريب منه جدّاً.

ثمّ إنّه لو فرضنا عدم تمكّن المكلّف من إتيانها كذلك، فلا يلزم منه رفع الملازمة بين الظنّ بالتكليف العبادي و الظنّ بالضرر، لأنّ تمكّن المكلّف من الإتيان أو عدم تمكّنه غير مربوط بالمصالح الكامنة في العبادات، فالظنّ بالتكليف- عباديّا كان أو غيره- يلازم الظنّ بالمصالح و المفاسد، و مع تسليم كون ترك المصالح و إتيان المفاسد من الضرر، لا معنى لرفع الملازمة بمجرّد عدم التمكّن من إتيان العبادة المتقوّمة بقصد الامتثال، فما أفاده- من أنّ حالَ المصلحة في العبادات حالُ العقاب في عدم الملازمة بين الظنّ بالحكم و بين الظنّ بالحكم و بين الظنّ بها- ممّا لا سبيل إلى تصديقه، و أغرب من شقيقه.

ثمّ إنّه- (قدّس سرّه)- فرّق بين الأحكام النظاميّة و الشخصيّة، و التزم بعدم حكم العقل بقبح الإقدام على ما فيه الضرر النوعيّ و المفسدة النظاميّة النوعيّة، و إنما يحكم بقبح الإقدام على ما لا يؤمن منه الضرر الشخصيّ‏ (2).

هذا، و أنت خبير بما فيه، فإنّ العقل يحكم بقبح الإقدام على ما فيه المفاسد النوعيّة، خصوصا لو كانت من قبيل اختلال النظام و تفرُّق شمل‏

____________

(1) نفس المصدر السابق.

(2) فوائد الأصول 3: 220- 221.

339

المجتمع، فلو أقدم أحد على ما فيه انقراض الحكومة من بين البشر حتّى يرجع المجتمع إلى اللانظامي التوحّشي المنتهى إلى اختلال أمورهم و سلب الأمن و الأمان من بينهم، لكان فعله هذا من أقبح القبائح بضرورة العقل، و كذلك الإقدام على ما يكون مظنّة لذلك ممنوع عقلا، بل احتماله أيضا منجّز في نظر العقل، لكمال أهميّته.

و أمّا المضارّ الشخصيّة فاحتراز الإنسان- كسائر الحيوانات- منها بحسب الجبلّة الحيوانيّة مسلَّم، لكن كون الإقدام عليها أو على ما لا يؤمن [معه‏] من الوقوع فيها قبيحا عند العقل- و يكون هذا من الأحكام العقلائيّة أو العقليّة حتّى يرى العقل صحّة عقوبة المولى لذلك- فلا.

و الحقّ: أنّ التفصيل ثابت، لكن بعكس ما أفاده (رحمه اللّه).

قوله: سلك مسلكا آخر في منع الصغرى ... إلخ‏ (1).

ما سلكه الشيخ- (قدّس سرّه)- هو منع الكبرى لا الصغرى، كما يظهر بالتأمّل فيما نقله عنه، فإنّ حاصل ما أفاده: أنّ الضرر المظنون بواسطة ترخيص الشارع بأدلّة البراءة و الاستصحاب متدارك، و العقل لا يستقلّ بقبح الإقدام على الضرر المتدارك و المفسدة المتداركة (2).

و هذا منع الكبرى، فإنّ الضرر المتدارك ضرر عقلا، لا أنّه ليس بضرر، نعم العرف يتسامح في سلب الضرريّة عنه، لكنّ الميزان في المقام هو الحكم‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 222.

(2) فرائد الأصول: 109- 110.

340

العقلي، و العقل يحكم بأنّ القبيح هو الإقدام على الضرر الغير المتدارك لا المتدارك.

و إن شئت قلت: هذا نفي كليّة الكبرى، لمنع كلّيّة قبح الإقدام على كلّ ما لا يؤمن معه الضرر.

قوله: و ذلك ينحصر بالتعبّد بالأمارات‏ (1).

هذا حقّ لو كانت الأمارات مجعولات شرعيّة، و أمّا لو كانت الأمارات أمورا عقلائيّة- يعمل بها العقلاء في جميع أمور معاشهم و سياساتهم- فلا يكون وقوعهم في الضرر و المفسدة بإيقاع الشرع، و الأمارات كلّها عقلائيّة، و إنّما لم يردع عنها الشارع، و مجرّد عدم ردعه إيّاهم لا يوجب الإيقاع في المفسدة من قبله.

و أمّا الأصول العمليّة فيمكن أن يقال: إنَّ ترخيص الشارع بنحو العموم لكلّ مشتبه إغراء للمكلَّف في الوقوع في المفسدة، و ذلك- أيضا- قبيح و لو في مورد حكم العقل بجواز الارتكاب.

لا يقال: إنّ أدلّة حجّيّة الأمارات- أيضا- إغراء له فيها.

فإنّه يقال: ليس في الآيات و الأخبار التي استدلّوا بها لحجيّتها دليل يصحّ الاعتماد عليه في الترخيص في العمل بالأمارات بنحو الإطلاق، و إنّما هي أدلّة في موارد خاصّة و أشخاص معلومة، و لعلّهم كانوا مأمونين عن تخلُّف قولهم للواقع، لشدّة تحفّظهم و تقواهم.

____________

(1) فوائد الأصول 3: 222.

341

و بالجملة: أنّ القضايا الشخصيّة لا يمكن أن تكون ميزانا لشي‏ء، و أمّا أدلّة الأصول فهي أدلّة مطلقة أو قضايا كليّة تدلّ على الترخيص و الإغراء.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ المستفاد من الأخبار هو إمضاء العمل على طبق قول الثقة مطلقا، كما لا يبعد، بل يظهر من بعضها، فتصير حالها حال أدلّة الأصول.

قوله: و أمّا ثانيا فلأنّ العموم‏ (1) ...

أقول: فيه أوّلا: أنّ دعوى عدم شمول العموم لما له مئونة زائدة- مثل ما نحن فيه- ممّا لا وجه لها، ضرورة عدم كون مثل تلك المئونة الزائدة مانعا عن شمول العامّ، فإنّ الكشف عن تدارك الضرر و المفسدة إنّما يكون بعد شمول العامّ للمظنونات، و لا يعقل أن يكون المنكشف مانعا عن شمول العامّ الكاشف له، مع أنّ في أصل الدعوى مطلقا ما لا يخفى.

و ثانيا: سلّمنا ذلك، لكن يكون ما نحن فيه ممّا استثناه من القاعدة المتوهّمة، للزوم عدم شمول العامّ للمظنونات عدم شموله للمشكوكات و الموهومات- أيضا- لتوقّف شموله على إثبات تدارك المفسدة و الضرر، مطلقا، و لا وجه للاختصاص بالمظنونات، لأنّ التدارك لازم ترخيص المولى مع تخلّف المرخَّص فيه عن الواقع، فلو رخَّص المولى في ارتكاب المشكوكات، و ارتكب العبد لأجل الترخيص، و صادف الحرام الواقعي، أو ترك لأجله، و صادف الواجب الواقعي، لكان الوقوع في المفسدة لأجل ترخيصه، فلا بدّ من جبرانه‏

____________

(1) فوائد الأصول 3: 223.

342

و تداركه من غير فرق بين المظنون و غيره، و الظنّ الغير المعتبر عند العقلاء حاله حال الشكّ، فما أفاده- من أنّه لا يلزم من عدم شموله للمظنونات بقاء العموم بلا مورد، لأنَّ المشكوكات و الموهومات تبقى تحت العامّ‏ (1)- في غير محلّه.

قوله: لا يبقى موقع للبراءة و الاستصحاب‏ (2).

أقول: عدم بقاء الموقع للبراءة و الاستصحاب يتوقّف على حكومة الحكم المستكشف من الحكومة العقليّة بقبح الإقدام على ما لا يؤمن معه الضرر، و هو غير معقول، لأنّ العقل كما يستقلّ بقبح الإقدام على ما لا يؤمن معه الضرر، كذلك يستقلّ بعدم قبح الإقدام على الضرر المتدارك، فهما حكمان يستقلّ بكلّ منهما العقل، و هذا ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في كون ما نحن فيه- أي مورد الظنّ بالحكم- يكون صغرى لأيّ منهما حتّى لا يبقى للآخر مجال؟

و الحقّ: أنّه صغرى للضرر المتدارك، فإنّ الظنّ الغير المعتبر يكون موضوعا لأدلّة البراءة و الاستصحاب، فإنّ موضوعهما هو عدم العلم و الشكّ، و الفرض شمولهما للظنّ الغير المعتبر أيضا، و أمّا الظنّ بالضرر فهو متأخّر رتبة عن الظنّ بالحكم، فإنّ الظنّ بالحكم كاشف عن المضارّ و المنافع و المصالح و المفاسد، فالظنّ بالضرر متأخّر عن الظنّ بالحكم، و تطبيق حكم العقل بقبح الإقدام على الضرر المظنون على الصغرى متأخّر عن الظنّ بالضرر، و كشف الحكم الشرعي بحكم الملازمة متأخّر عن الحكم العقلي، لكونه منكشفا منه،

____________

(1) نفس المصدر السابق.

(2) نفس المصدر السابق.

343

فالظنّ بالحكم متقدّم على الظنّ بالضرر، و هو متقدّم على تطبيق حكم العقل بقبح الإقدام على الصغرى، و هو متقدّم على الحكم الشرعي المنكشف منه، فإذا تحقّق الظنّ بالحكم جرت قاعدة البراءة و الاستصحاب بلا مانع في البين، فإنّ موضوعهما الظنّ بالحكم، و قد تحقّق، و الفرض أنّ المانع ليس في هذه المرتبة، و في الرتبة الثانية يتحقّق الظنّ بالضرر، لكن في هذه الرتبة يكون التدارك بواسطة حكم الشرع بالترخيص ثابتا، فرتبة الظنّ بالضرر هي رتبة التدارك، فيصير موضوعا لحكم العقل بعدم القبح، لا حكمه بالقبح، فلا تصل النوبة إلى قاعدة قبح الإقدام على الضرر حتّى ينكشف الحكم الشرعي، و تتحقّق الحكومة، أو تتحقّق حكومة الحكم العقلي.

فتحصّل من جميع ذلك: أنّ تصحيح الحكومة و الورود يتوقّف على تقدُّم الشي‏ء على نفسه، فالحقّ ما أفاده الشيخ في هذا المقام‏ (1) لا في مبحث البراءة من أنّه لا تجري البراءة العقليّة و الشرعيّة في موارد الظنّ بالضرر الدنيوي، كما نقل عنه‏ (2).

قوله- (رحمه اللّه)-: و لو سلّم ... إلخ‏ (3).

أقول: هذا منه غريب، فإنّه مع تسليم ملازمة الظنّ بالحكم للظن بالضرر الدنيوي و الأخروي معا، فكيف يمكن جريان البراءة بالنسبة إلى الضرر

____________

(1) فرائد الأصول: 109- 110.

(2) فرائد الأصول: 222 سطر 4- 15.

(3) نقله في فوائد الأصول 3: 224.

344

الأخروي؟! فهل ترى من نفسك: أنّه مع احتمال العقاب تجري البراءة العقليّة، فضلا عن الظنّ به؟! فالظنّ بالحكم إذا حصل منه الظنّ بالعقاب يصير من موارد استقلال العقل بقبح الإقدام عليه، لا من مورد جريان قبح العقاب بلا بيان، فالظن بالحكم لا يلازم الظنّ بالعقاب و لا احتماله، إلا مع كونه بيانا و معتبرا، فراجع كلامه.

و لعلّ الخلط وقع من الفاضل المقرّر (رحمه اللّه تعالى).

345

في مقدمات الانسداد

قوله: الرابع: دليل الانسداد ... إلخ‏

(1)

.

(1) اعلم: أنّه قد وقع الخلط و سوء الترتيب من الأعلام في تنظيم مقدّمات الانسداد:

أمّا أوّلا: فلأنّ دليل الانسداد لا يتألّف من أربع‏ (2) أو خمس‏ (3) مقدّمات، و إنّما هو قياس استثنائي متألّف من شرطيّة و حمليّة، ينتج رفع التالي رفع المقدّم- كما سيأتي بيانه- فدليل الانسداد يتألّف من مقدّمتين، لا مقدّمات، كما هو الشأن في سائر الأقيسة.

و أمّا ثانيا: فلأنّ كلّ ما هو دخيل في إنتاج حجّية الظنّ لو عدّ مقدّمة برأسه‏

____________

(1) الكفاية 2: 114.

(2) فرائد الأصول: 111- 112، درر الفوائد 2: 64.

(3) الكفاية 2: 114- 115.

346

على رغم علماء المنطق و علمهم لصارت المقدّمات أكثر ممّا ذكروا، فإنّ بطلان الاحتياط مقدّمة برأسه، و له دليل مستقلّ، و بطلان التقليد كذلك، و كذلك بطلان الرجوع إلى الأصل الجاري في كلّ مسألة، بل و انسداد باب العلم غير انسداد باب العلميّ موضوعا و دليلا، فلا وجه لحصر المقدّمات في أربع أو خمس.

و أمّا ثالثا: فلأنّه قد وقع الخلط في أخذ المقدّمات، فأخذت المقدّمة التي بلا واسطة تارة، و التي مع الواسطة أخرى، و أيضا في مقدّمة أخذت العلّة، و في الأخرى أخذ المعلول، و هو خلاف نظم البرهان، فمن أراد تنظيم البرهان على الوجه المقرّر في علم الميزان لا بدّ له من ترتيب المقدّمات القريبة المنتجة بلا واسطة، و أمّا أخذ مقدّمات المقدّمات و عللها فهو خلاف الترتيب، فضلا عن اختلاط القياس من المقدّمات التي بلا واسطة و التي مع الواسطة، كما وقع منهم في المقام، فإنّ العلم الإجمالي بالأحكام، و انسداد باب العلم و العلمي، و قبح ترجيح المرجوح على الراجح، من المقدّمات البعيدة و علل المقدّمات المنتجة في القياس. و بطلان إهمال الوقائع المشتبهة و الرجوع إلى البراءة، و بطلان الاحتياط و التقليد و الرجوع في كلّ مسألة إلى الأصل الجاري فيها، من المقدّمات القريبة المنتجة.

فالأولى تنظيم البرهان على النَّظم القياسي المنطقي، فيقال:

لو لا حجّيّة الظنّ المطلق، أو لو لا وجوب العمل بالظنّ المطلق، للزم- على سبيل منع الخلوّ-: إمّا إهمال الوقائع المشتبهة و الرجوع إلى البراءة في‏

347

جميع موارد الشكّ، و إمّا العمل على العلم التفصيليّ في جميع الوقائع، و إمّا العمل على طبق الطرق الخاصّة العلميّة، و إمّا الاحتياط في جميع الوقائع، و إمّا الرجوع إلى فتوى الغير، و إمّا الرجوع إلى الأصل الجاري في كلّ مسألة من الاستصحاب و البراءة و غيرهما، و إمّا العمل على طبق المشكوكات و الموهومات، و التالي بجميع شقوقه فاسد:

أمّا فساد إهمال الوقائع، فللعلم الإجمالي بالأحكام و الإجماع و غيرهما.

و إمّا فساد العمل على طبق العلم التفصيليّ أو الطرق، فلانسداد باب العلم و العلمي.

و أمّا فساد الاحتياط التامّ، فللزوم اختلال النظام أو العسر و الحرج.

و أمّا فساد الرجوع إلى فتوى الغير، فلأنّه من رجوع العالم إلى الجاهل بنظره.

و أمّا فساد الرجوع في كلّ مسألة إلى الأصل الجاري فيه، فلعدم كفايتها و غير ذلك.

و أمّا فساد الأخذ بالمشكوكات و الموهومات، فلقبح ترجيح المرجوح على الراجح.

فإذا بطل التالي بجميع شقوقه بطل المقدّم، و هو عدم حجّيّة الظنّ، أو عدم وجوب العمل به، فيلزم منه حجّيّته أو وجوب العمل به في الجملة.

و سيأتي‏ (1) توضيح المقدّمات تفصيلا، و المقصود هاهنا التنبيه على أنّ‏

____________

(1) انظر صفحة رقم: 346 و ما بعدها.

348

دليل الانسداد قياس استثنائي مؤلّف من شرطيّة هي: لو لا كذا للزم كذا و كذا، و حمليّة هي: و التالي بجميع تقاديره باطل. و لا بدّ للمستدلّ من إثبات كلا [1] الأمرين حتّى ينتج القياس:

أحدهما: إثبات التلازم بين المقدّم و التالي، و هو إنّما يحصل بإثبات الحصر العقلي بين التوالي بنحو منع الخلوّ، و إثبات عدم خلوّ الواقع عن الترديدات الواقعة في التالي حتّى ينتج بطلانها بطلان المقدّم، فيصير نقيضه حقّا.

و ثانيهما: إثبات بطلان التوالي بأسرها و جميع تقاديرها، فمع حقّيّة المقدّمتين ينتج القياس.

و لا إشكال و لا كلام في الأمر الأوّل و المقدّمة الأولى، و إنّما الإشكال و الكلام في المقدّمة الثانية، أي بطلان التالي، و بما ذكرنا و أوضحنا- من كيفيّة تشكيل القياس المنتج- اتّضح الخلط الواقع من الأعلام في المقام من أخذ مقدّمة المقدّمة مقام المقدّمة، و العلّة مقام المعلول، و الخلط بين المقدّمات التي مع الواسطة و التي بلا واسطة، فتدبّر تعرف.

فلا بدّ للتعرّض لكلّ تقدير من التالي و التفتيش و الفحص عن حقّيّته و بطلانه، فنقول:

أمّا بطلان العمل بالعلم التفصيليّ في جميع الوقائع فهو ضروري.

و أمّا بطلان العمل بالعلميّ فهو مردود، لأنا قد فرغنا- بحمد اللَّه تعالى-

____________

[1] في (الأصل): أحد بدل: كلا.

349

عن حجّيّة الخبر الواحد، و هو واف بجميع الفقه من الطهارة إلى الدّيات، فدليل الانسداد- مع عرضه العريض و طول مباحثه- فاسد من أصله، و التعرّض له ممّا لا طائل تحته، و إنّما هو محض تبعيّة المحقّقين و أساطين الفنّ رحمهم اللَّه.

و لا ينقضي تعجّبي من الفاضل المقرّر لبحث بعض أعاظم العصر- رحمهما اللَّه- حيث بالغ في شكر مساعي شيخه الأستاذ في إفادة الدقائق العلميّة التي تقصر عنها الأفهام في دليل الانسداد (1) مع أنّ هذه الدقائق العلميّة التي زعمها حقائق رائجة، مع الغضّ عن المناقشات الكثيرة فيها، و الإشكالات الواضحة عليها، كما سيأتي‏ (2) عند التعرّض لبعضها لا تفيد شيئا، لبطلان أساس الانسداد، فلا بدّ من شكر مساعي هذا المحقّق و سائر مشايخ العلم و أساطين الدين، لكن في غير هذا المبحث الّذي لا يفيد علما و لا عملا، و التعرّض لهذه المباحث مع طولها و عدم فائدتها العمليّة المتوقّعة من القواعد الأصولية لو لا غرض تشييد الأذهان و تحصيل قوّة الاجتهاد للمشتغلين و طلّاب العلوم، لكان الاستغفار منه للمتعرّض لها أولى من التشكّر، ككثير من المباحث المبحوث عنها في علم الأصول.

و أمّا بطلان إهمال الوقائع المشتبهة فهو ضروريّ لا يحتاج إلى إقامة البرهان، و قد استدلّ عليه بوجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع القطعيّ التقديريّ من كلّ من يحفظ منه العلم،

____________

(1) فوائد الأصول 3: 225- 226.

(2) انظر صفحة رقم: 352 و ما بعدها.

350

فإنّ المسألة و إن لم تكن معنونة في قديم الزمان، لكن القطع حاصل بأنّ إجماع العلماء في جميع الأعصار و الأمصار حاصل بأنّ ترك المشتبهات و إهمالها رأسا غير جائز (1). هذا.

و فيه: أنّ هذا الاتّفاق لا يستكشف منه رأي المعصوم، و لا الدليل التعبّدي الّذي هو مبنى حجّيّة الإجماع، فإنّ المسألة عقليّة صرفة يمكن أن يكون مبناها هو العلم الإجمالي بالأحكام، فإنّ تنجيز العلم الإجمالي و كونه كالتفصيلي في حرمة المخالفة القطعيّة ممّا لا ينبغي الشبهة فيه.

و بالجملة: هذه المسألة ليست من المسائل التي يكون اتّفاقهم فيها كاشفا عن الدليل التعبّدي المعتبر.

الوجه الثاني: لزوم الخروج من الدين، لقلّة الأحكام المعلومة بالتفصيل، بحيث يعدّ الاقتصار عليها و ترك التعرّض للوقائع المشتبهة خروجا من الدين، و تاركه غير ملتزم بأحكام سيّد المرسلين (صلوات اللَّه عليه و آله أجمعين)- و ذلك مرغوب عنه شرعا و إن لم نلتزم بتنجيز العلم الإجمالي‏ (2).

و فيه أوّلا: أنّ عدم التعرّض للمشتبهات و إن يلزم منه المخالفات الكثيرة، لكن كون ذلك بمثابة الخروج من الدّين، و كون الملتزم بصرف ضروريّات الفقه و إجماعيّاته و متواترات الأحكام و ما يستفاد من الكتاب خارجا من الدين و غير ملتزم بأحكام الإسلام، ممنوع، ضرورة أنّ الآتي بالصلاة و الصيام و الحجّ‏

____________

(1) فرائد الأصول: 112- 113.

(2) فرائد الأصول: 113 سطر 5- 8.

351

و سائر الأحكام الضروريّة مع ما يستفاد من أحكامها من الإجماع و الضرورة و المتواتر من النقل، لا يعدّ خارجا من الدين، فإنّ صورة هذه الفروع الضروريّة مع كثير من أحكامها من قبيل ما ذكر، و الفروع الخلافيّة أمور خارجة عن حقائقها، أو داخلة لكن لا يكون التارك لها غير آت بتلك الحقائق، فمن صلّى مع الطهور و القبلة و الستر و سائر الشرائط و الأجزاء- التي تكون متسالما عليها عند الفقهاء بواسطة الإجماع أو الضرورة أو النقل المتواتر أو دلالة الكتاب العزيز- و أتى بصيام شهر رمضان مقتصرا على ما يكون مفطّرا كذلك، و أتى بالحجّ و الزكاة و الخمس و سائر الواجبات التي تكون كذلك، و ترك المحرّمات المسلّمة، لا يعدّ خارجا من الدين، بحيث يعدّ هذا محذورا مستقلا في مقابل منجّزيّة العلم الإجمالي، نعم الآتي بالتكليفات كذلك غير آت بها، لمكان العلم الإجمالي بترك أجزاء أو شرائط دخيلة فيها، أو إتيان منافيات لها.

و بالجملة: ليس ما وراء العلم الإجمالي بالمخالفات الكثيرة أمر آخر مرغوب عنه يكون مستقلا في مقابله.

و ثانيا: لو سلّم كون هذا محذورا مستقلا لدى الفقهاء، بحيث يعدّ فاعله كأنّه خارج من الدين، لكن كشف هذا عن كونه محذورا مستقلا لدى الشرع- غير مخالفة الأحكام الكثيرة، بحيث يعاقب التارك للأحكام الكثيرة:

تارة لأجل المخالفة الكثيرة، و تارة لأجل صيرورته كأنّه خارج من الدين، و غير ملتزم بأحكام سيّد المرسلين (صلّى اللَّه عليه و آله) ممنوع.

نعم لا شبهة في كون المخالفات الكثيرة الكذائيّة مرغوبا عنها عقلا و شرعا،

352

لكن كون هذا أمرا تعبّديّا- لا إرشاديّا- ممنوع.

و بالجملة: ليس في البين من الشارع إلّا الأمر بإطاعة جميع أحكامه، و هو أمر إرشاديّ عقليّ، لا تعبّدي شرعيّ.

الوجه الثالث: العلم الإجماليّ بثبوت التكاليف، و هو كالتفصيليّ في وجوب الموافقة القطعيّة و حرمة المخالفة القطعيّة، فلا تجري الأصول النافية في أطرافه‏ (1).

و هذا هو العمدة في هذا الباب، و أمّا الوجهان الأوّلان فقد عرفت النّظر فيهما، فما أفاده بعض أعاظم العصر- من أنّ هذه الوجوه الثلاثة في غاية الصحة و المتانة غير قابلة للخدشة فيها (2)- فيه ما لا يخفى.

إن قلت: هذا الوجه- أيضا- مخدوش فيه، لأنّ بعض أطراف العلم الإجمالي إذا كان مرخّصا فيه، أو لزم الاقتحام فيه، فهل كان العقاب على المخالفة في سائر الأطراف- حينئذ- على تقدير المصادفة إلّا عقابا بلا بيان، و المؤاخذة عليها إلّا مؤاخذة بلا برهان.

قلت: نعم هذا ما أفاد المحقّق الخراسانيّ- (قدّس سرّه)- في وجه عدم منجّزية العلم الإجمالي.

و أجاب عنه: بأنّ هذا إنّما يلزم لو لم يعلم بإيجاب الاحتياط، و قد علم بنحو اللمّ، حيث علم اهتمام الشارع بمراعاة تكاليفه، مع صحّة دعوى الإجماع‏

____________

(1) فرائد الأصول: 115 سطر 10- 18.

(2) فوائد الأصول 3: 232.

353

على عدم جواز الإهمال في هذا الحال، و هو مرغوب عنه شرعا (1).

و محصّل جوابه يرجع إلى الوجهين الأوّلين في عدم جواز الإهمال، و قد عرفت النّظر فيهما.

و التحقيق في الجواب عن الإشكال: أنّ ترخيص بعض الأطراف أو لزوم الاقتحام فيه إذا كان متأخّرا عن المعلوم بالعلم الإجمالي، لا يخلّ بتنجيز العلم و لو كان الترخيص أو لزوم الاقتحام في البعض المعيّن، فلو علم إجمالا بكون أحد الإناءين خمرا، ثمّ رخّص في ارتكاب أحدهما المعين، لم يكن العلم ساقطا بالنسبة إلى الموافقة الاحتماليّة و إن سقط بالنسبة إلى القطعيّة.

و فيما نحن فيه يكون الأمر من هذا القبيل، فإنّ العلم بالأحكام مقدّم من حيث المعلوم على عروض الاشتباه و كثرته، و هما مقدّمان على ترخيص الشارع أو العقل لارتكاب بعضها.

مع إمكان أن يقال: إنّ الترخيص هاهنا لم يكن من قبيل ترخيص بعض الأطراف معيّنا، بل يكون من قبيل الترخيص في البعض الغير المعيّن، فإنّ ما يدلّ على الترخيص هو أدلّة العسر و الحرج، و هي دالّة على رفع العسر و الحرج، و العقل إنّما يحكم بأنّ رفع العسر إنّما يجب أن يكون في دائرة الموهومات، و إن لم يرفع ففي دائرة المشكوكات، و يكون هذا الحكم العقليّ لأجل التحفّظ على التكاليف الواقعيّة، و الجمع بينها و بين رفع العسر حتّى‏

____________

(1) الكفاية 2: 118.

354

الإمكان، و لا يعقل أن يصير ذلك موجبا لرفع تنجيز العلم عقلا مطلقا، كما لا يخفى.

القول في اختلاف نتيجة دليل الانسداد باختلاف المبنى‏

إيقاظ: قد تصدّى بعض الأعاظم- (رحمه اللّه)- على ما في تقريراته لبيان مبنى اختلاف نتيجة الانسداد من حيث الكشف و الحكومة، فقال ما حاصله:

إنّ اختلاف هذه الوجوه الثلاثة في مدرك المقدّمة الثانية يوجب اختلاف النتيجة، فإنّ المستند لعدم جواز إهمال الوقائع لو كان الوجه الأوّل و الثاني كانت النتيجة الكشف لا محالة، فإنّ مرجعهما إلى أنّ الشارع أراد من العباد التعرّض للوقائع المشتبهة، فالعقل يحكم حكما ضروريّا بأنّه لا بدّ للشارع من نصب طريق للعباد و أصل بنفسه أو بطريقه، و الّذي يصحّ جعله في حال الانسداد مع كونه و أصلا بنفسه ينحصر بالاحتياط، لكونه محرزا للواقع، فالاحتياط هو الطريق المجعول الشرعي- نظير الاحتياط في الدماء- لا العقلي، فإنّ الاحتياط العقلي لا يكون إلّا في أطراف العلم الإجمالي، فمع قطع النّظر عن العلم الإجمالي لا حكم للعقل، فلا إشكال في أنّ الاحتياط شرعيّ لا غير، ثمّ بعد إثبات بطلان طريقيّة الاحتياط- كما يأتي في المقدّمة الثالثة- تكون النتيجة حجّيّة الظنّ شرعا، و هي معنى الكشف.

هذا، و أمّا إذا كان المدرك هو العلم الإجمالي، فيمكن أن تكون النتيجة

355

الكشف، و يمكن أن تكون التبعيض في الاحتياط- كما سيتّضح وجهه- و الغرض في المقام الإشارة إلى أساس الكشف و الحكومة (1). انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: و بما ذكرنا- من بطلان الوجهين الأوّلين- انهدم أساس هذا البنيان.

مضافا إلى أنّ الإجماع الّذي ادّعاه في المقام: إمّا أن يكون إجماعا على قضيّة كلّيّة، و هو الإجماع على عدم جواز إهمال شي‏ء من الوقائع المشتبهة، و إمّا إجماعا على عدم جواز إهمال مجموع الوقائع المشتبهة من حيث المجموع، و إمّا إجماعا على قضيّة مهملة، و هو الإجماع على عدم جواز الإهمال في الجملة، و إمّا إجماعا على أنّ صيرورة التكاليف الواقعيّة مجهولة بين المشتبهات لا توجب رفع اليد عنها، فالشارع لا يرضى بإهمال التكاليف الواقعيّة بمجرّد عروض الاشتباه عليها، فلا بدّ من إتيانها و لو لم يحكم العقل بإتيانها من ناحية العلم الإجمالي:

فإنّ أريد الإجماع على النحو الأوّل، فيرد عليه- مضافا إلى أنّ الضرورة قاضية بأنّ عروض الاشتباه لا يوجب أن يكون المشتبه بما أنّه مشتبه مطلوبا نفسيّا، بل لو كان مطلوبا يكون لأجل التحفّظ على الواقع، فيكون الواقع مطلوبا ذاتيّا نفسيّا و لو في زمان الاشتباه، فيرجع إلى الوجه الثالث-:

أوّلا: أنّ هذا الإجماع هو عين الإجماع على جمع المشتبهات و الاحتياط

____________

(1) فوائد الأصول 3: 232 و ما بعدها.

356

فيها، فإنّ الإجماع على عدم جواز إهمال شي‏ء من المشتبهات عبارة أخرى عن الإجماع على إيجاب الاحتياط، فلا وجه لما أفاده- (رحمه اللّه)- من أنّ العقل يحكم حكما قطعيّا بأنّ الشارع لا بدّ له من نصب طريق و أصل بنفسه أو بطريقه، و الطريق الواصل بنفسه هو الاحتياط التام‏ (1) و هل هذا إلّا وحدة الكاشف و المنكشف؟! و ثانيا: أنّ هذا الإجماع مخالف للعقل أو النقل، فإنّه إجماع على الاحتياط التامّ المخلّ بالنظام، أو إجماع على أمر يوجب العسر و الحرج، و هو كما ترى.

و العجب أنّه اعترف- فيما يأتي- بأنّ هذا الإجماع لا يستكشف منه الاحتياط التامّ‏ (2) و في هذا المقام ادّعى القطع بأنّ حكم العقل هو كشف الاحتياط التامّ.

و ثالثا: أنّ هذا الإجماع معارض للإجماعين اللذين ادّعاهما في الأمر الثالث‏ (3) و سيأتي التعرّض لهما (4).

و إنّ أريد الإجماع على النحو الثاني، كما صرّح بذلك فيما سيأتي عند التعرّض لإبداء الفرق بين الاحتياط العقليّ و الشرعيّ، من حكومة أدلّة العسر و الحرج على العقليّ منه دون الشرعيّ، فقال:

____________

(1) فوائد الأصول 3: 233.

(2) فوائد الأصول 3: 248.

(3) فوائد الأصول 3: 245- 246.

(4) انظر صفحة رقم: 365 و ما بعدها.