بحوث في علم الأصول - ج7

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
418 /
55

و مثاله ما لو فرضنا أن كلًا من دليلي وجوب الحج و وجوب الوفاء بالنذر مقيد بعدم الآخر كذلك. و في ذلك لا يمكن أن يصبح شي‏ء من الحكمين فعلياً إذا بقينا و هذين الدليلين، لعدم توفر الشرط المذكور في شي‏ء منهما. نعم لو علمنا من الخارج بوجوب أحدهما تعييناً أو تخييراً كان ذلك الحكم المعين أو أحدهما المخير فعلياً، و كذا لو علمنا بوجوب أحدهما إجمالًا، فإنه يكون مورداً لقوانين العلم الإجمالي.

الثالث- أن يكون الدليلان متكفلين لحكمين مقيدين بالعدم الفعلي للآخر- لا العدم اللولائي للآخر- إلّا أنه لا يكون مقيداً بعدم المخالف مطلقاً، بل يكون كل منهما مقيداً بعدم حكم يمتاز ذلك الحكم على الحكم الأول في أنه ليس مقيداً بقيد من قبيل قيد الأول الّذي يقتضي محكوميته للأول بل يكون هو الحاكم على الأول. و حينئذ يكون مقتضى دليل كل منهما وجوبه و لا يتقدم أحدهما على الآخر، لأن المفروض أن ما قيد بعدمه كل واحد منهما هو حكم يفرض امتيازه عليه و ليس في شي‏ء من الحكمين امتياز كذلك فلا يوجد حاكم في المقام، فيقع التعارض بينهما أو التزاحم.

الرابع- أن يكون الدليلان متكفلين لحكمين أخذ في أحدهما العدم اللولائي للآخر، كما في الصورة الثانية، و في الثاني عدم الآخر بالنحو الّذي مضى في الصورة الثالثة، كما لو فرض أن وجوب النذر مشروط بالعدم اللولائي لما يزاحمه. و وجوب الحج مشروط بعدم حكم آخر مخالف له يمتاز بأنه ليس مقيداً بقيد من قبيل قيد الأول حتى يمنعه عن التقدم. و حينئذ يتقدم هذا الحكم- الأقل قيداً- على ذاك الحكم المقيد بالعدم اللولائي بالورود.

و هذا هو أحد الوجوه الفنية لتقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر، حيث يقال: إن وجوب الوفاء بالنذر مقيد بأن لا يجب ما يزاحمه و لو كان وجوباً ثابتاً لو لا النذر. و لا إشكال في أن الحج واجب لو لا النذر،

56

إذن فموضوع وجوب الوفاء بالنذر منتف، و هذا بخلاف وجوب الحج فهو مقيد بعدم حكم مخالف له يمتاز بأنه ليس مقيداً بالقيد الّذي يجعل وجوب الحج صالحاً لرفعه. و هنا لا يوجد حكم كذلك، فإن الحكم المخالف الموجود مقيد بالقيد المذكور، فيكون موضوع وجوب الحج تاماً.

هذا كله، لو فرض تقييد كل من الحكمين بعدم الحكم الآخر. و قد يفرض أن أحدهما يكون مقيداً بعدم الحكم المخالف، لكن الآخر يكون مقيداً بعدم امتثال الحكم المخالف و في مثل ذلك يتقدم الثاني على الأول بالورود، باعتباره الأقل قيداً. و هذا وجه آخر من الوجوه الفنية لتقديم وجوب الوفاء بالنذر، حيث يقال: إن دليل وجوب الوفاء بالنذر أخذ فيه عدم الحكم المخالف و أن لا يكون محلّلًا للحرام، و دليل وجوب الحج أخذ فيه القدرة التي تشمل بعد توسيعها عدم اشتغال المكلف بامتثال حكم آخر. فإنه حينئذ يتقدم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر، لاستحالة فعلية الثاني فإن فعليته قبل الاشتغال بامتثاله خلف فعلية الوجوب الآخر المستلزمة لارتفاعه، و فعليته على تقدير امتثاله مستحيل أيضا، لعدم معقولية تعليق وجوب شي‏ء على امتثاله.

هذا و يمكنك بالتأمل استخراج أقسام أخرى للتوارد من كلا الطرفين.

57

أَحكامُ الوُرُود

و بعد أن اتضحت لدينا نظرية الورود، و أقسامه يحسن بنا الحديث عن أحكام الورود. و يمكننا تلخيص أهم أحكام الورود فيما يلي:

الأول: أن ملاك التقديم بالورود لا يفرق فيه بين فرضي كون الدليل الوارد متصلًا بالدليل المورود أو منفصلًا عنه و قد تقدم توضيح ذلك في ذيل عرض نظرية الورود.

الثاني: أن الدليل الوارد يتقدم على الدليل المورود حتى لو كان ظهوره من أضعف الظهورات، و كان ظهور الدليل المورود من أقوى الظهورات.

و ذلك لأن الوارد يرفع موضوع المورود حقيقة و المورود لا يتعرض لبيان حال موضوعه فلا يكون هناك أي تناف بينهما في الدلالة، و الترجيح بأقوائية الظهور إنما يتصور في فرض التنافي في الدلالة و لا تنافي فيها بينهما فيؤخذ بكليهما، و لا محالة يرتفع موضوع المورود في مورد الوارد.

الثالث: أنه لا فرق في تقدم الوارد بين كونه قطعياً أو كونه حجة شرعاً، أي لا فرق بين كون الخطاب الوارد ثابتاً وجداناً أو تعبداً، و ذلك: لأن دليل التعبد بصدور الخطاب الوارد يكون بنفسه تعبداً بالورود و بارتفاع موضوع دليل المورود أيضا و هو تعبد لا ينافي دلالة الدليل المورود، و لا شيئاً من اقتضاءاته‏

58

بوجه، فلا يمكن تصوير تعارض حقيقي لا بين نفس الوارد و المورود و لا بين دليل حجية الوارد و الدليل المورود و لا بين حجية الوارد و دليل حجية المورود.

الرابع: أن الورود لا يحتاج إلى الناظرية بخلاف ما سيأتي في الحكومة إن شاء اللّه تعالى، و يتفرع على ذلك أمران.

أ- أنه عند تعدد الآثار لموضوع الحكم في الدليل المورود لا نحتاج لإثبات جميع الآثار إلى إطلاق دليل الوارد، فإن الحاجة إلى الإطلاق فرع الحاجة إلى النّظر، فإذا كان الوارد إنما يثبت الموضوع تكويناً و حقيقة بلا حاجة إلى النّظر فلا محالة يترتب عليه جميع آثاره و لا حاجة للإطلاق.

ب- أنه لا يمكن تخيل اشتراط تأخر زمان الوارد عن زمان المورود- كما توهم ذلك في الدليل الحاكم- فإن الوارد ليس كالحاكم محتاجاً إلى النّظر إلى المورود حتى يتوهم أن النّظر إليه فرع ثبوته سابقاً عليه مثلا.

الخامس- إن الورود لا يحتاج إلى لسان لفظي، لأنه ليس تصرفاً في الألفاظ من قبيل الحكومة التنزيلية و إنما هو تصرف معنوي حقيقي في ركن من أركان الدليل المورود، و هو الموضوع، و ذلك يكون حتى في فرض عدم وجود لسان لفظي للدليل الوارد. و هذا بخلاف الحكومة التنزيلية كما سوف يتبين ذلك بوضوح عند دراسة نظرية الحكومة إن شاء اللّه تعالى.

السادس- انه إذا شك في الوارد لا يمكن التمسك بالمورود، من دون فرق بين الشك في أصل الورود أو في حجمه و سعته بنحو الشبهة المفهومية أو بنحو الشبهة المصداقية، و من دون فرق بين الشك في الوارد المتصل أو الوارد المنفصل. فالتفصيلات التي تذكر في التمسك بالعامّ عند الشك في المخصّص بلحاظ كون المخصّص متصلًا أو منفصلًا أو كون الشك بنحو الشبهة المفهومية أو المصداقية إلى غير ذلك، لا تأتي هنا، لأن احتمال الوارد مساوق لاحتمال انتفاء موضوع المورود، فيكون التمسك بالمورود تمسكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية لموضوع العام. نعم، قد يحرز موضوع العام بالاستصحاب إذا لم تكن الشبهة مفهومية.

59

الوُرود بالمَعنى الأعَمّ‏

5- التزاحمُ و نظريّة الوُرود

1- تفسير التزاحم على أساس نظرية الورود 2- مرجحات التزاحم و تخريجها على أساس الورود 3- حكم التزاحم في حالة عدم الترجيح 4- تنبيهات باب التزاحم‏

60

و في ضوء نظرية الورود يمكن أن نعرف أن باب التزاحم و مرجحاته كلها تطبيقات لنظرية الورود. و لتوضيح ذلك سوف نتحدث في مقامين:

أحدهما، في تحقيق خروج التزاحم عن باب التعارض الحقيقي و دخول الخطابين المتزاحمين في الورود. و ذلك بتحقيق حال الشرطين اللذين اشترطناهما منذ البداية لخروج التزاحم عن باب التعارض الحقيقي. و الآخر، في استنباط مرجحات باب التزاحم من نظرية الورود المتقدمة.

61

تفسير التزاحُم على أَساسِ نظريّة الوُرُود

قد عرفنا فيما سبق، أن التزاحم هو التنافي بين الحكمين بسبب عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في الامتثال. و خروج التزاحم بهذا المعنى عن التعارض الحقيقي يتوقف على ثبوت شرطين:

الأول- أن نلتزم بإمكان الترتب في الوجوبين المتزاحمين، بأن يكون الوجوب الآخر مجعولًا على تقدير عصيان الوجوب الأول.

الثاني- أن نلتزم في كل خطاب شرعي بمقيد لبّي له يمنع عن التمسك بإطلاق الخطاب لحال الاشتغال بالضد الواجب، فيكون موضوع وجوب الصلاة مثلًا، من لم يشتغل بضد لها واجب، و كذا في وجوب الإزالة.

فإن تم هذان الشرطان، كانت موارد التزاحم خارجة عن نطاق التعارض‏

62

الحقيقي، إذ لا يقع حينئذ أي تناف بين الجعلين، بل كلاهما يكون ثابتاً على موضوعه- و هو القادر على متعلقهما- بنحو ينتج حكمين مشروطين على نحو الترتب، و إنما التنافي في مرحلة فعلية المجعولين، حيث يستحيل فعلية كلا الموضوعين في حال تصدي المكلف للامتثال، لأن المكلف بحكم وحدة القدرة التي يملكها إذا صرف قدرته في أي واحد من الواجبين كان عاجزاً عن امتثال الواجب الآخر و هذا ليس تعارضاً بين الدليلين.

أما إذا أنكرنا الشرط الأول، و قلنا باستحالة الترتب، فسوف يحصل التنافي بين الخطابين و لو كانا مشروطين بالمخصص اللبي، لأدائه إلى فعلية كلا المجعولين في فرض العصيان. و هذا يعني سراية التنافي إلى عالم الجعل، و استحالة ثبوت الخطابين المشروطين بما هما مشروطان أيضا، فيحصل التعارض لا محالة بين الدليلين المتكفلين لذينك الخطابين.

كما أنه إذا قبلنا إمكان الترتب، و أنكرنا الشرط الثاني و قلنا بأن خطاب (صل) مثلًا غير مقيد بالمقيد اللبي، و أن إطلاقه بنفسه يدل على عدم وجود مكافئ للصلاة في الأهمية، فمن الواضح وقوع التعارض الحقيقي حينئذ بين إطلاق خطاب (صل) و إطلاق خطاب (أزل) لأن كلًا منهما يدل على وجوب متعلقه مطلقا حتى مع الاشتغال بالآخر، و هو مستحيل. فلا بد إذن من أجل بيان خروج التزاحم عن التعارض الحقيقي من تحقيق حال كلا هذين الشرطين.

أما الشرط الأول، و هو إمكان الترتب- فيتكفل تحقيق حاله البحث المعروف ببحث الترتب الملحق ببحث اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضدّه.

و أما الشرط الثاني، فلا بد من تحقيق حاله في هذا البحث. و حينئذ نقول:

إن هناك عدة وجوه يمكن أن تذكر في تقريب ذلك.

الوجه الأول- أن الخطابات الشرعية مقيدة طرّاً بالقدرة التكوينية، إما

63

من جهة حكم العقل بقبح تكليف العاجز، و إما من جهة اقتضاء نفس التكليف ذلك. و إذا كانت القدرة مأخوذة في موضوع كلا الحكمين، فبناءً على إمكان الترتب لا يلزم أي تناف بين الجعلين، إذ لا محذور في ثبوت القضيتين المشروطتين بالقدرة حينئذٍ. نعم، المجعولان لا يكونان فعليين معاً، لأن المكلف لا يقدر على امتثال كلا التكليفين على الفرض، فيكون اختيار أحدهما- تعييناً أو تخييراً- موجباً لعجزه عن امتثال الآخر تكويناً، فيكون الحكم الآخر منتفياً بانتفاء موضوعه. و هذا ليس تعارضاً.

و هذا الوجه بهذا المقدار من البيان غير تام. لأنه لو أريد من القدرة التكوينية على المتعلق المأخوذ في موضوع كل تكليف القدرة عليه حدوثاً و بقاء، بأن يكون التكليف بالصلاة مثلًا مشروطاً بعدم العجز عنها و عدم صرف القدرة في الضد الآخر، فثبوت أمر من هذا القبيل بالضدين المتزاحمين و إن كان خالياً عن محذور إلّا أن لازمه ارتفاع التكليف و عدم تحقق العصيان لو اشتغل المكلف بضد الواجب و لو لم يكن واجباً. و هذا مما لا يلتزم به، فإنه تعجيز بعد القدرة على التكليف فيكون عصياناً بلا إشكال. و إن أريد اشتراط التكليف بالقدرة على متعلقه حدوثاً فقط، و اعترف بأن التكليف يصبح فعلياً بمجرد توفر القدرة عليه في الآن الأول، و لذلك لو صرف قدرته في غيره و عجّز نفسه كان عاصياً، لزم منه ثبوت جعلين متنافيين لأن المكلف حدوثاً قادر تكويناً على كل من الواجبين في نفسه و إنما يصرف قدرته بقاءً في أحدهما، فلو كانت القدرة الحدوثية كافية في ثبوت التكليف لزم منه فعلية الخطابين معاً في حق المكلف و عدم ارتفاع شي‏ء منهما بامتثال الآخر.

و بعبارة أخرى: يلزم من ذلك أن يكون الجعلان المشروطان بالقدرة بهذا المعنى أوسع من الجعلين الترتبيين، حيث يكون موضوعهما محفوظاً حتى مع امتثال أحدهما و هو مستحيل، فيحصل التعارض بين الدليلين لا محالة.

الوجه الثاني- أن يقال بأن الشرط و إن كان هو القدرة التكوينية حدوثاً،

64

إلّا أنه في موارد التزاحم لا توجد إلّا قدرة واحدة على الجامع بين الواجبين تتعين في أحد الطرفين بتطبيق من المكلف، فلا يكون أكثر من تكليف واحد فعلياً في حق المكلف في موارد التزاحم، و أما التكليف الآخر فيرتفع بامتثال الأول موضوعاً، فلا يقع تعارض بين دليلي الجعلين.

و هذا الوجه أيضا غير تام، لأن شرطية القدرة سواء كانت بحكم العقل أو باقتضاء الخطاب، تكفي فيها القدرة على الجامع بين الواجب و غيره، و لذلك صح التكليف بأحد الضدين تعييناً و لا يشترط فيه القدرة عليه تعييناً.

و عليه لو كان الشرط هو القدرة حدوثاً فهي محفوظة بلحاظ كلا المتزاحمين بنفس القدرة على الجامع بينهما.

الوجه الثالث- أن الخطاب كما هو مقيد لبّا بالقدرة التكوينية- و لو بمعنى القدرة البدلية على الجامع- كذلك مقيد لبّا بالقدرة الشرعية بمعنى عدم كون العبد مشغولًا بضد واجب لا يقل أهمية عن الواجب المفروض، لاستحالة إطلاق الأمر في أحد المتزاحمين لفرض الاشتغال بالمزاحم الآخر الّذي لا يقل عنه أهمية، لأن المراد بهذا الإطلاق إن كان هو التوصل إلى الجمع بين الضدين فهو مستحيل، و إن كان هو صرف المكلف عن ذلك المزاحم فهو خلف فرض أنه لا يقل عنه في الأهمية بنظر المولى. فهذا برهان يثبت قيداً لبياً عاماً في كل خطاب، و هو عدم الاشتغال بضد واجب لا يقل عنه أهمية. و بذلك يرتفع التنافي بين الجعلين فلا يحصل التعارض بين دليليهما، إذ يكون الجعل المفاد بكل منهما مشروطاً بعدم الاشتغال بما لا يقل عنه في الأهمية، أي يكون مساوياً أو أهم. فإن فرض تساويهما معاً كان الجعلان معاً مشروطين بعدم الاشتغال بالآخر، فيكون الترتب من الطرفين، و إن كان أحدهما أهم من الآخر كان جعله مطلقاً و جعل الآخر مشروطاً بعدم الاشتغال بالأول، فيكون الترتب من طرف واحد. و لا محذور في كلا الموردين بعد البناء على إمكان الترتب.

65

و بهذا التخريج، اتضح أيضا وجه تحقق العصيان فيما إذا صرف المكلف قدرته في ضد ليس بواجب أو واجب مرجوح، فإن موضوع الخطاب، و هو القادر تكويناً و شرعاً بالمعنى المتقدم قد أصبح فعلياً في حقه، و اشتغاله بذلك الضد لا يرفع هذا الموضوع.

و ربما يعترض على هذا التخريج الفني لفصل باب التزاحم عن التعارض باعتراضين:

الاعتراض الأول- أنه لا موجب لافتراض تقيد الخطابات الشرعية بالمقيد اللبي المذكور، لأنها ثبوتاً و إن كانت منوطة بعدم الاشتغال بالأهم أو المساوي، إلّا أن هذا القيد باعتبار أنه من شأن المولى، و عليه إحرازه و تشخيصه فيكون مقتضى إطلاق الخطابات بحسب مقام الإثبات عدم تقيدها به، و أن ملاكها أهم في مقام المزاحمة، فيقع التعارض لا محالة بين إطلاق الخطابين المتزاحمين.

و الجواب عن هذا الاعتراض: أن الأحكام لو كانت مجعولة على نهج القضايا الخارجية، بأن كان نظر المولى فيها إلى خصوص الواجبات التي سوف يقع التزاحم بينها و بين هذا الواجب خارجاً، أمكن دعوى الإطلاق و عدم تقيد الخطاب الشرعي بالمقيد المذكور، إذ لعل المولى بنفسه قد شخص أهمية ملاك هذا الواجب و رجحانه على ما يزاحمه من الواجبات في تمام الموارد، و لكن لا إشكال في أن الخطابات الشرعية ظاهرة في جعل الحكم على نهج القضية الحقيقية، فيكون الحكم مرتباً على موضوعه المقدر الوجود، و هو القادر، و المفروض أنه ينقسم إلى من يكون مشتغلًا بالأهم أو المساوي و من لا يكون، فلا محيص عن تقيّد الخطاب بحسب مقام الإثبات أيضا بعدم الاشتغال بما لا يقل أهمية.

هذا، مضافاً إلى أن ارتكازية القيد المذكور و بداهته في نظر العرف، و وضوح أن الأحكام تختلف ملاكاتها من حيث الأهمية، تمنع عن التمسك‏

66

بإطلاق الخطاب و لو كان مفاده القضية الخارجية، لاتصاله بما يحتمل قرينيته على التقييد المذكور.

إن قلت: هب أن الخطاب ظاهر في جعل الحكم على نهج القضية الحقيقية، و لكن المولى مع ذلك لم يقيده بعدم الاشتغال بالأهم أو المساوي من جهة إحرازه أن المكلف لا يبتلي بالاشتغال بواجب مساو أو أهم- و لو من جهة أن الأحكام الأخرى كلها أقل ملاكاً في نظره- فبقاء القضية الحقيقية على إطلاقها لا يستلزم منه نقض غرض المولى. فيكون الإطلاق في قوة التقييد من حيث النتيجة الخارجية.

قلت: هذا خلاف ظهور الخطاب في الجدية إطلاقاً أو تقييداً، لأن إطلاق الحكم- بحسب مقام الإثبات- لفرض الاشتغال بالأهم أو المساوي و إن كان لا يضر بغرض المولى خارجاً، إلّا أنه مقيد لباً و غرضاً بعدم الاشتغال بالأهم أو المساوي على كل حال، لأن المولى لا يأمر بالفعل واقعاً على تقدير الاشتغال بما يكون أهم أو مساوياً بنحو القضية الحقيقية التقديرية، فيلزم عدم جدية الإطلاق و هو خلاف ظاهر الدليل أيضا.

الاعتراض الثاني- إن إطلاق الخطاب في دليل (صلّ) و إن كان مقيداً بعدم الاشتغال بالمساوي أو الأهم، إلّا أنه لم يقيد بعدم الاشتغال بالإزالة بعنوانها، فعند الشك في دخول فرض الاشتغال بها في المقيد أو المطلق نتمسك بإطلاق الخطاب لنفي كون الاشتغال بها مصداقاً للاشتغال بواجب لا يقل أهمية. و كذلك الأمر في إطلاق خطاب (أزل) و هذا و إن كان من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية لمخصصه، إلّا أنه يصح التمسك به في أمثال المقام على أساس أحد المبنيين التاليين:

المبنى الأول- ما اختاره المحقق النائيني- قده- من جواز التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية لمخصصه إذا كان لبياً، كما إذا قال: «يجوز تقليد

67

العالم» و عرفنا بمخصص لبي أنه لا يريد «الفاسق» منهم، و شك في عالم أنه مؤمن أو فاسق. حيث قد يطبق هذا المبنى على المقام فيقال على أساسه، بجواز التمسك بإطلاق الخطاب لنفي كون الاشتغال بالآخر مصداقاً للاشتغال بالواجب المساوي أو الأهم لأن المخصص في المقام لبي أيضا.

المبنى الثاني- ما اخترناه نحن في مباحث العام و الخاصّ، من جواز التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية إذا كانت شبهة حكمية في نفسها، بحيث يكون من شأن المولى بما هو مولى الاطلاع عليها بخلاف الشبهة في موضوع خارجي نسبته إلى المولى و العبد على حد سواء. فيقال: إن المقام من قبيل الأول لا الثاني، لأن فرض اشتمال ما يشتغل به المكلف من الواجبين المتزاحمين على ملاك أهم أو مساو أو مرجوح شبهة حكمية يرجع فيها إلى المولى و ليس موضوعاً خارجياً بحتاً، كما في الشك في عدالة زيد أو فسقه. فيمكن أن يتمسك فيها بإطلاق الخطاب.

و الجواب عن هذا الاعتراض: أنه لا يمكن تطبيق شي‏ء من هذين المبنيين على المقام، لأنه لو فرض تماميّتهما في أنفسهما- و هذا بحث موكول إلى محله- و لم يفرق فيهما بين العموم و الإطلاق- كما نفرق نحن في المبنى الثاني- فلا شك في عدم تماميتهما في المخصصات اللبية الارتكازية التي تعتبر بمثابة القرينة المتصلة بالخطاب، إذ في مثل ذلك يكون العام مجملًا على أقل تقدير، لأن اقترانه بذلك الارتكاز البديهي يكون من الاقتران بما يصلح للقرينية، فلا يبقى له ظهور في الإطلاق ليرجع إليه على أحد المبنيين السابقين. و المقيد اللبي المدعى في المقام من هذا القبيل، فإن ملاك هذا التقييد المتقدم شرحه مطلب بديهي عرفاً و لو إجمالًا.

و هكذا يتضح: أن كلّا من الخطابين المتزاحمين ليس في دليله إطلاق ينافي إطلاق دليل الخطاب الآخر، و هو معنى خروج باب التزاحم عن باب التعارض الحقيقي. كما يتضح أن كلّا منهما في فرض المساواة، أو أحدهما في فرض التفاضل وارد بامتثاله على الآخر و رافع لموضوعه، و هو معنى دخول التزاحم في الورود.

68

مُرجّحاتُ بابِ التزاحُم‏

و الآن نستعرض مرجحات باب التزاحم، و سوف نرى أن ما يتم من هذه المرجحات هو خصوص ما يمكن إرجاعه إلى الورود.

الأول- ترجيح المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية:

و قد عرّف المحقق النائيني- قده- على ما يظهر من تقريرات بحثه، القدرة الشرعية بأنها القدرة التي تكون دخيلة في ملاك الوجوب، بحيث لا مصلحة ملزمة في متعلقه عند العجز عن الإتيان به. و أن القدرة العقلية هي القدرة المأخوذة في موضوع التكليف لأجل استحالة تكليف العاجز لا لأجل عدم مقتضي التكليف و ملاكه في حقه، بل هو فعلي على وجه الإطلاق حتى في حال العجز.

و التحقيق: أن القدرة الشرعية المفروض دخلها في ملاك الوجوب لها أحد معانٍ ثلاثة:

المعنى الأول- القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الاضطراري.

المعنى الثاني- القدرة المقابلة للعجز الشامل للعجز الواقع باختيار المكلف للاشتغال بضد واجب.

المعنى الثالث- القدرة المساوقة لعدم المانع التكويني و عدم المانع المولوي‏

69

الشرعي، و لو لم يكن مشتغلًا فعلًا بضد واجب بل مأموراً من قبل المولى بالاشتغال به.

و على المعنى الأول للقدرة الشرعية، لا موجب لترجيح المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية. لأن الملاك من كل من الواجبين يكون فعلياً، أما فعلية الملاك في المشروط بالقدرة العقلية فواضح. و أما فعليته في المشروط بالقدرة الشرعية، فلوجود الشرط المأخوذ في الملاك، و هو القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الاضطراري، و مع فعلية الملاكين معاً يكون اختيار أي منهما تفويتاً للملاك الآخر، فهما من هذه الناحية سواء.

و على المعنى الثاني للقدرة الشرعية، يتم المرجح المذكور لأن الاشتغال بالمشروط بالقدرة العقلية لا يكون مفوتاً لملاك الآخر، بل رافعاً لموضوعه بخلاف العكس فإنه مفوت لملاك المشروط بالقدرة العقلية لفعلية ملاكه، و في مثل هذه الحالة يكون إطلاق الخطاب المشروط بالقدرة العقلية لحال الاشتغال بالمشروط بالقدرة الشرعية بهذا المعنى غير ساقط، لأن التقييد اللبّي العام الّذي يقتضي تقييد موضوع كل خطاب بعدم الاشتغال بضد واجب لا يقل عن المتعلق أهمية إنما يقتضي التقييد بعدم الاشتغال بسنخ ضد واجب لا يكون ملاكه معلقاً على عدم الاشتغال بذلك المتعلق. و أما مثل هذا الواجب المقيد بالقدرة الشرعية، فلا ضرورة لتقييد الخطاب الآخر المقيد بالقدرة العقلية بعدم الاشتغال به، فالقيد العقلي العام في الحقيقة هو عدم الاشتغال بضد واجب لا يقل عن المتعلق أهمية و يكون ذلك الضد واجداً لملاك غير معلق على عدم الاشتغال بذلك المتعلق، أو يكون معلقاً و لكن بنحو يماثله تعليق آخر في مقابله و أما الضد الواجب المنوط ملاكه بعدم الاشتغال بالمتعلق دون إناطة مماثلة في الطرف الآخر فلا ملزم عقلي للمولى بأخذ عدمه في موضوع خطابه، بل يبقى الخطاب على إطلاقه و يكون الغرض منه صرف المكلف إلى ما لا يستوجب تفويت ملاك على المولى. و بعد تحديد التقييد اللبي بهذا النحو يتبرهن أن‏

70

الاشتغال بالمشروط بالقدرة العقلية يكون بامتثاله رافعاً لموضوع الخطاب الآخر، بخلاف الآخر. و بذلك يتعين تقديمه كما أشير إليه في القسم الخامس من الورود.

و على المعنى الثالث للقدرة الشرعية، يتم الترجيح المذكور أيضا، لوضوح أن المشروط بالقدرة العقلية يكون بنفس فعليته و تنجزه رافعاً لموضوع الخطاب الآخر، لتحقق المانع المولوي الشرعي بذلك دون العكس، فيندرج في القسم الثاني من أقسام الورود. و الترجيح في هذه الفرضية ليس بحاجة إلى إمكان الترتب، كما كان كذلك بناء على المعنى السابق، لأن القائل بامتناعه إنما يقول بذلك لاستلزامه فعلية الأمر بالضدين في فرض عدم الاشتغال بالأهم، و في المقام يكون المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث معلقاً على عدم فعلية الخطاب الآخر، فما دام فعلياً يستحيل فعلية المشروط بالقدرة الشرعية- على ما أشرنا إليه في القسم الثاني من الورود- فلا يجتمع الحكمان في الفعلية.

و لو فرض أن أحد الخطابين كان مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني و كان الآخر مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث، تقدم الأول على الثاني، كما برهن عليه في ذيل القسم الرابع من أقسام الورود من الجانبين. كما أنه لو فرض أنهما معاً كانا مشروطين بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث أي عدم المانع المولوي إلّا أن أحدهما كان مشروطاً بعدم الوجود الفعلي للمانع، و الآخر كان مشروطاً بعدم الوجود اللولائي للمانع، أي عدم وجود أمر بالخلاف حتى لو لا هذا الأمر و بقطع النّظر عنه، تقدم الأول على الثاني، لأن العدم اللولائي غير صادق مع وجود الآخر فيكون موضوع الخطاب المشروط به مرتفعاً و موضوع الخطاب الآخر فعلياً على ما تقدم أيضا في القسم الرابع للورود من الجانبين.

و أما كيفية استظهار كون القدرة المأخوذة في موضوع التكليف عقلية

71

أو شرعية بحسب لسان الدليل، فيما إذا لم تكن قرينة خاصة في البين. فهذا بحث إثباتي نتعرض له من خلال البحث عن مقتضى القاعدة في حالات الشك و تردد القدرة بين أن تكون عقلية أو شرعية.

مقتضى القاعدة إذا شك في كون القدرة شرعية أو عقلية:

إذا افترضنا عدم إحراز كون القدرة في أحد الخطابين المتزاحمين عقلية و في الآخر شرعية، لعدم دليل من الخارج، و عدم قرينة من لسان دليل الحكمين يقتضي ذلك، فلا محالة يشك في كون القدرة دخيلة في الملاك- أي شرعية- أم لا. و قد يفترض الشك في أحدهما دون الآخر، بأن كان الآخر محرزاً دخل القدرة في ملاكه أو محرزاً عدمه، فما هو مقتضى الأصل و القاعدة في أمثال ذلك بالقياس إلى هذا المرجح؟ فنقول تارة يبحث في تشخيص ما هو مقتضى الأصل العملي في موارد الشك. و أخرى في تشخيص ما هو مقتضى إطلاق دليلي الحكمين.

أما البحث الأول- فصور الشك و التردد في المقام عديدة:

الصورة الأولى- أن يشك في الخطابين معاً و لا يعلم أن القدرة فيهما شرعية أم عقلية. و حكم هذه الصورة على مستوى الأصول العملية هو التخيير و عدم ترجيح شي‏ء منهما على الآخر، إذ يحصل الشك في وجوب كل منهما على تقدير الاشتغال بالآخر، مع العلم بوجوبه على تقدير عدم الاشتغال به، فيكون من الشك في سعة التكليف، و هو مجرى البراءة لا محالة.

الصورة الثانية- أن يحرز كون القدرة بالنسبة لأحد الخطابين- كالصلاة مثلًا- شرعية و يشك في الآخر- كالإزالة مثلًا- هل أن القدرة فيه شرعية أيضا أم عقلية؟

و هذه الصورة، قد يدعى فيها لزوم الاحتياط، لأن المكلف لو اشتغل‏

72

بالخطاب الّذي يحتمل أن تكون القدرة عقلية بالنسبة إليه لعلم بأنه لم يفوّت على المولى ملاكاً أصلًا، لأن الخطاب الآخر قد افترض كون القدرة شرعية فيه. و أما إذا جاء بالآخر فهو يحتمل أنه قد فوّت على المولى ملاكاً كان فعلياً عليه.

إلّا أن الصحيح، هو التخيير في هذه الصورة أيضا، لأن مرد هذا الشك بحسب الحقيقة إلى الشك في سعة الخطاب المشكوك نوعية القدرة المأخوذة فيه لحال الاشتغال بالآخر، و هو من الشك في أصل التكليف خطاباً و ملاكاً من دون ما يوجب التنجيز، فيكون مجرى للبراءة لا محالة.

الصورة الثالثة- عكس الصورة السابقة- بأن يحرز كون القدرة في أحدهما عقلية و يشك في الآخر هل تكون القدرة بالنسبة إليه شرعية أو عقلية.

و الصحيح في هذه الصورة، هو ترجيح ما أحرز كون القدرة فيه عقلية احتياطاً، لأنه يعلم بوجود ملاك فعلي للمولى حتى في حال الاشتغال بالخطاب الآخر و إنما يحتمل أن يكون المكلف معذوراً بتركه له حين الاشتغال بالآخر، لأنه قد اشتغل بتحصيل ملاك آخر فعلي للمولى لا يقل عن الملاك الأول أهمية، و لم يكن يقدر على الجمع بينهما. فيكون من موارد الجزم بتفويت ملاك فعلي مع الشك في العذر المبرر للتفويت، و هو مجرى قاعدة الاحتياط، كما في موارد الشك في القدرة على الامتثال. فلا يقاس بموارد الشك في التكليف من جهة الشك في سعة مباديه و ضيقها الّذي يكون مجرى للبراءة. هذا كله فيما إذا أريد من القدرة الشرعية المعنى الثاني.

و أما لو أريد منها المعنى الثالث، فالنتيجة في الصور الثلاث هي النتيجة السابقة من حيث جريان البراءة في الصورتين الأوليتين و جريان الاحتياط في الأخيرة، إلّا أنه إذا فرض دوران الأمر بين القدرة العقلية و المعنى الثالث للقدرة الشرعية جرت البراءة عن كلا الحكمين المتزاحمين في الصورة الأولى‏

73

و الثانية- إذا لم يفرض علم إجمالي بثبوت أحدهما من الخارج.- لأنه يحتمل اشتراط كل منهما بعدم الآخر- العدم اللولائي لا الفعلي المستلزم للدور كما تقدم- و بما أنه يحتمل ثبوت كل منهما لو لا الآخر كان ثبوت كل منها مشكوكاً، فيمكنه تركهما معاً. و أما إذا فرض الدوران بين القدرة الشرعية بالمعنى الثاني و المعنى الثالث فلا يمكنه تركهما معاً، إذ على تقدير ذلك يكون المشروط بالقدرة الشرعية بالمعنى الثاني فعلياً لا محالة فالنتيجة العملية هي التخيير بينهما أيضا.

و اما البحث الثاني- أي البحث عن مقتضى إطلاق دليلي الحكمين في صور الشك المذكورة، فهناك ثلاث حالات متصورة بالنسبة إلى دليلي الحكمين المتزاحمين:

الحالة الأولى- أن يؤخذ في موضوع أحدهما القدرة الشرعية بالمعنى الثالث، بأن يقيد بعدم الأمر بالضد الآخر.

و مقتضى القاعدة في هذه الحالة هو التمسك بإطلاق دليل الحكم غير المقيد لإثبات فعليته و بالتالي وروده على الحكم الآخر، فإن التقييد بالمعنى الثالث للقدرة الشرعية تقييد زائد على ما يقتضيه المقيد اللبي المتصل بالخطاب، فيمكن التمسك لنفيه بإطلاق الدليل. و هذا أحد الوجوه الفنية لتقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بمثل العهد و الشرط و النذر، حيث يدعى استفادة هذا النحو من التقييد من لسان أدلة وجوب الوفاء المقيدة بأن لا يكون مخالفاً مع كتاب اللّه و شرطه، فإنه تعبير عرفي عن عدم الأمر بالخلاف، و هذا بخلاف دليل وجوب الحج فإنه مطلق من هذه الجهة. و يلحق بهذه الحالة أيضا ما إذا كان الحكمان معاً مقيدين بعدم الأمر بالخلاف غير أن أحدهما مقيد بعدم الأمر بالخلاف في نفسه- العدم اللولائي- و الآخر مقيد بعدم الأمر بالخلاف بالفعل، فإن إطلاق دليل الحكم الثاني يكون وارداً حينئذ على دليل الحكم الأول، كما تقدم شرحه في أحكام الورود. و هذا وجه فني آخر لتقديم دليل‏

74

وجوب الحج على دليل وجوب الوفاء بالعهد و النذر، حيث يدعى أن المستظهر من مثل لسان «ان شرط اللّه قبل شرطكم» الوارد في أدلة وجوب الوفاء تقيده بعدم الأمر بالخلاف في نفسه و بقطع النّظر عن وجوب الوفاء، و سوف يأتي مزيد تفصيل و تحقيق لهذا المثال في الأبحاث المقبلة إن شاء اللّه تعالى.

الحالة الثانية- أن لا يؤخذ في لسان شي‏ء منهما قيد القدرة، أو يؤخذ فيهما معاً بنحو واحد، و هذه الحالة لا يمكن إثبات الترجيح فيها لأحد الخطابين فلا بد من الرجوع إلى ما تقتضيه الأصول العملية.

الحالة الثالثة- أن تؤخذ القدرة قيداً في لسان أحد الدليلين دون الآخر، و قد حكموا في هذه الحالة بترجيح ما لم يؤخذ في لسان دليله قيد القدرة على ما أخذ فيه ذلك، بدعوى: استظهار كون القدرة عقلية فيما لم يؤخذ فيه قيد القدرة لساناً و شرعية فيما أخذت القدرة في لسان دليله.

و مستند الاستظهار الأول، أحد أمرين:

الأول- التمسك بإطلاق المدلول الالتزامي للخطاب، فإن مدلوله المطابقي- و هو التكليف- و إن كان مقيداً لبا بالقدرة فلا يشمل حال العجز إلّا أن مدلوله الالتزامي- و هو الكشف عن الملاك- لا بأس بإطلاقه لحال العجز، إذ لا برهان يقتضي تقييده بحال القدرة.

و هذا الأمر غير تام، إذ يرد عليه:

أولا- أن المحقق في محلّه تبعية الدلالتين المطابقة و الالتزامية ذاتاً و حجية، فإذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية لم يبق ملاك لحجية الالتزامية.

و ثانياً- أن المقيد اللبي المخرج لحال العجز يعتبر بمثابة المخصص المتصل- على ما تقدم شرحه- و المقيد المتصل يمنع عن انعقاد الدلالة المطابقية ذاتاً لا حجيةً فقط، و التبعية بين الدلالتين ذاتاً و وجوداً مما لا إشكال فيه. نعم‏

75

لو قلنا بمقالة السيد الأستاذ- دام ظله- في شرطية القدرة من أنها شرط عقلي في مرحلة الامتثال و ليس شرطاً في الخطاب أصلًا- على ما أفاده في أبحاث الترتب، و إن لم نعهد أنه قد التزم بما يتفرع عليه في مورد من الموارد- تمّ هذا الأمر، حيث يكون إطلاق الخطاب بلحاظ كلا مدلوليه المطابقي و الالتزامي تاما ذاتاً و حجية، غاية الأمر عدم تنجز الامتثال عقلًا في حالات العجز، و هو لا يمنع عن فعلية ملاك الخطاب كما هو واضح.

الثاني- التمسك بإطلاق المادة بلحاظ محمولها الثاني- و هو الملاك- بناءً على ما سلكه المحقق النائيني- قده- من أن للمادة محمولين في عرض واحد.

أحدهما الحكم و الخطاب، و الآخر الملاك، و كما يقتضي إطلاق المادة إطلاق الحكم في تمام حالاتها، كذلك يقتضي إطلاق الملاك و وجوده في تمام مواردها، و المقيد اللبي المذكور إنما يقيد إطلاق المادة بلحاظ المحمول الأول الّذي لا يعقل ثبوته في حال العجز، و أما الملاك فيتمسك بإطلاق المادة لإثباته في حالة العجز.

و هذا الطريق غير تام أيضا، لأن ما هو مدلول الخطاب و مفاده عرفاً إنما هو الحكم فقط، فليس للمادة أكثر من محمول واحد و هو غير ثابت في موارد العجز، و أما الملاك فيستكشف بالدلالة الالتزامية العقلية في موارد ثبوت الحكم.

و أما مستند الاستظهار الثاني، فيمكن أن يكون أحد وجوه:

الأول- أن تقييد الحكم في لسان دليله بالقدرة يمنع عن انعقاد الإطلاق في الملاك لحال العجز، فلا يثبت الملاك في حال العجز، لا بالدلالة الالتزامية و لا بإطلاق المادة، بل يكون ثابتاً في حال القدرة فقط، و هو معنى كون القدرة شرعية.

و يرد على هذا الوجه: أن غايته عدم إمكان إحراز فعلية الملاك في حال العجز، لا إحراز عدمها و دخل القدرة فيها الّذي هو معنى كون القدرة شرعية.

76

الثاني- إن مقتضى مولوية التقييد أن يكون أخذ القدرة في لسان الدليل على أساس دخلها في الملاك و أنها قدرة شرعية، إذ لو كانت دخيلة في الخطاب فقط كان أخذها في لسان الدليل إرشاداً إلى ما هو ثابت بحكم العقل من المقيد اللبي.

و يرد عليه: أن المراد بالتقييد المولوي إن كان هو حصول التقييد بجعل من قبل المولى، فهذا أمر محفوظ حتى في موارد عدم دخل القدرة في الملاك، فإن تقييد الخطاب إنما هو من شئون المولى، و تسمية القدرة عقلية- حينئذ- ليس بمعنى أن العقل هو المقيد، بل بمعنى كونه هو الكاشف عن التقييد. و إن كان المراد بالتقييد المولوي التقييد الّذي يكون تحت سلطان المولى رفضه و تبديله إلى الإطلاق، و هذا إنما يكون في تقييد الملاك بالقدرة لا تقييد الحكم. ففيه: أن المولوية بهذا المعنى لا يقتضيها ظهور الخطاب الصادر من المولى، لأنها مئونة زائدة على كون التقييد عملًا صادراً من المولى.

الثالث- أن التقييد إن كان باعتبار دخل القدرة في الملاك كان تأسيساً و إلّا كان تأكيداً لحكم ثابت في نفسه بمقتضى حكم العقل، و الأصل في الخطابات الشرعية أن تكون تأسيساً. و بعبارة أخرى: أن اشتراط القدرة في الخطاب- سواء كان من جهة حكم العقل بقبح خطاب العاجز، أو من جهة اقتضاء الخطاب تقييد متعلقه بالمقدور- بعد أن كان أمراً واضحاً مركوزاً عند العرف و بمثابة المقيد اللبي المتصل بالخطاب، كان تصدي المولى مع ذلك للتصريح به و إبرازه ظاهراً في أنه بصدد إفادة معنى زائد على ما هو منكشف في نفسه، و ليس ذلك المعنى إلّا دخل قيد القدرة في الملاك، و أنه من دونها لا مقتضي للحكم.

و هذه الاستفادة لا بأس بها فيما إذا لم تكن في البين نكتة أخرى لإبراز هذا القيد اللبي المستتر. غير أنه ينبغي أن يلتفت إلى أن هذا الوجه يتهافت مبنى مع‏

77

الطريق الأول لإثبات القدرة العقلية فيما إذا لم يكن دليل الخطاب مقيداً بالقدرة بحسب لسانه، و هو التمسك بالدلالة الالتزامية لإثبات الملاك في حال العجز، فإنه يفترض أن المقيد اللبّي بمثابة القرينة المتصلة، بينما يتوقف ذلك الطريق على افتراضه مقيداً منفصلًا كي ينعقد الإطلاق في الدلالة ذاتاً.

ثم إن غاية ما يثبت بهذا الوجه أو بغيره من هذه الوجوه لو تمّ شي‏ء منها، دخل القدرة المأخوذة في لسان الدليل في الملاك، فإذا كان المأخوذ فيه عنوان القدرة و الاستطاعة الظاهر في القدرة المقابلة للعجز التكويني فلا يثبت إلّا دخل هذه القدرة في الملاك، و هذا ينتج القدرة الشرعية بالمعنى الأول الّذي قلنا أنها لا تجدي في الترجيح، و إن الّذي يجدي فيه دخل القدرة المقابل للعجز التكويني أو المولوي الناجم عن الاشتغال بالضد الواجب، و مثل هذا لا يمكن استظهاره من مجرد ورود عنوان الاستطاعة في لسان دليل الحكم. نعم لو أبرز المقيد اللبي بحذافيره في ظاهر الدليل، فقيل إذا استطعت و لم تكن مشتغلًا بضد واجب لا يقل عنه في الأهمية، أمكن إثبات القدرة الشرعية بالمعنى الثالث بأحد الوجوه المتقدمة إذا افترضنا تماميته.

و هكذا يتلخص إلى هنا، أنه إذا كان قيد القدرة وارداً في لسان أحد الدليلين دون الآخر، فإن كان الوارد عنوان القدرة و الاستطاعة فقط- كما هو التعبير المفهوم عرفاً- فلا يمكن إثبات كون القدرة شرعية بالمعنى المفيد في مقام الترجيح، بل يبقى الشك في ذلك المقتضى للرجوع إلى الأصول العملية على حاله.

و إن كان الوارد في لسان الدليل هو نفس المقيد اللبي المستتر أي عدم الاشتغال بضد واجب لا يقل في الأهمية، فإن قبلنا كلا الاستظهارين السابقين تمّ الترجيح لا محالة، و إلّا فإن أنكرنا الاستظهار الأول فلم نقبل إمكان إثبات القدرة العقلية بإطلاق الخطاب، و قبلنا الاستظهار الثاني، و أن مجي‏ء قيد القدرة في لسان الدليل يقتضي دخله في الملاك بمقتضى تأسيسية الخطابات الشرعية، اندرجت هذه الحالة حينئذٍ في الصورة الثانية من الصور الثلاث، و هي‏

78

ما إذا أحرز كون القدرة في أحد الخطابين المتزاحمين شرعية و شك في كونها شرعية أو عقلية في الآخر. و إن قبلنا الاستظهار الأول و أنكرنا الثاني اندرج المقام في الصورة الثالثة من تلك الصور و هي ما إذا أحرز كون القدرة في أحدهما عقلية و شك في شرعية القدرة للآخر أو عقليتها.

إلّا أن كل هذا مجرد افتراض محض، لما أشرنا إليه من أن التعبير العرفي لإبراز قيد القدرة لا يكون مطابقاً مع المقيد اللبي عادة فلا يقيد بعدم الاشتغال بضد واجب لا يقل أهمية، و كيف يمكن للإنسان العرفي تشخيص ما لا يقل أهمية أو يقل؟ و إنما التعبير المعقول عرفاً أن يرد التقييد بعنوان عدم الاشتغال بواجب آخر، فيقول مثلًا (صلّ إن لم يكن لك شغل واجب). و حينئذ نقول إنه إذا ورد خطاب مقيد بحسب لسان دليله بعدم الاشتغال بواجب، تقدّم عليه في مقام التزاحم كل خطاب لم يكن مقيداً بمثل هذا القيد، و ذلك بأحد البيانات التالية:

البيان الأول- أن يستظهر بمقتضى إطلاق القيد أن كل واجب آخر يتقدم على هذا الواجب في مقام المزاحمة لا انه لا يزاحمه فحسب. و هذا الظهور العرفي واضح جداً فيما إذا افترض اتصال الخطابين أحدهما بالآخر و قيد أحدهما بعدم الاشتغال بالآخر.

البيان الثاني- و يتألف من مقدمتين:

أولاهما: أن المستظهر من إطلاق التقييد بعدم الاشتغال بواجب آخر أن أي واجب آخر يفترض بنحو القضية الحقيقية، فلا يزاحمه هذا التكليف، و هذا لا يمكن إلّا بأن تكون القدرة في حق هذا التكليف شرعية، أي دخيلة في ملاكه، و إلّا فلو كانت عقلية فلعل ملاكه أهم من بعض الواجبات المستلزم لعدم صحة التقيد إلّا إذا فرضت القضية خارجة و أن المولى بنفسه لاحظ ملاك هذا الواجب مع كل واحد واحد من أحكامه فوجده مساوياً أو مرجوحاً منها

79

جميعاً، و هذا خلاف ظهور التقييد في كونه على نهج القضية الحقيقية على ما تقدمت الإشارة إليه. و بهذا نبرهن على أن القدرة فيه شرعية.

الثانية: إن مقتضى إطلاق دليل الخطاب المطلق أن تكون القدرة فيه عقلية و لكن لا مطلقاً بل بالقياس إلى خصوص الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية. لأن مقتضى التمسك بإطلاقه لحال الاشتغال بالخطاب المشروط هو فعليته خطاباً و ملاكاً و لا يكون هذا تمسكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية لمخصصه اللبّي، بدعوى. أن الخطاب مقيد في نفسه بعدم الاشتغال بضد واجب لا يقل عنه أهمية، و في المقام يحتمل ذلك. لأن المخصص اللبي إنما يكون بمقدار ما إذا كان الاشتغال بواجب غير مشروط بالقدرة الشرعية، أي فعلي الملاك حين الاشتغال بهذا الخطاب، و أما الضد الواجب الّذي لا يكون ملاكه فعلياً لو اشتغل بهذا الواجب فلا برهان عقلًا يقتضي تقييد إطلاق الخطاب بعدم الاشتغال به- على ما تقدم في تحقيق صياغة المقيد اللبي- بل يكون مقتضى إطلاق الخطاب بنفسه ثبوت الحكم خطاباً و ملاكاً حتى لو اشتغل بالآخر. و بضمّ هاتين المقدمتين إحداهما إلى الأخرى يثبت الترجيح إذ يحرز بهما كون القدرة في الخطاب المشروط بحسب دليله شرعية و في الخطاب المطلق بحسب دليله عقلية بالقياس إلى الخطاب المشروط، فيكون دليله وارداً على دليله.

لا يقال: من المحتمل أن يكون الخطاب المقيد بحسب لسان دليله بعدم الاشتغال بواجب آخر مختلفاً حاله بالقياس إلى واجب و واجب، بأن يكون بالقياس إلى الواجبات المشروطة بالقدرة الشرعية القدرة فيه شرعية أيضا، و لهذا لم يكن مزاحماً معها. و بالقياس إلى الواجبات المشروطة بالقدرة العقلية القدرة فيه عقلية، و إنما لم يزاحمها لعدم رجحان ملاكه على ملاكها.

فإنه يقال: هذا خلاف ما تقدم من استظهار كون التقييد بنحو القضية الحقيقية بالنسبة إلى كل واجب يمكن أن يفترض الّذي يقتضي أن تكون القدرة فيه شرعية مطلقاً.

80

البيان الثالث- و يتوقف على مقدمتين أيضا:

أولاهما: المقدمة الثانية المتقدمة في البيان السابق، و هي دعوى: إمكان إحراز كون القدرة في الخطاب المطلق عقلية بالقياس إلى الخطاب المشروط.

الثانية- ما سوف يأتي من الترجيح باحتمال الأهمية في الخطابين المتزاحمين إذا كانا مشروطين بالقدرة العقلية.

و على ضوء هاتين المقدمتين يثبت الترجيح في المقام، إذ يقال: إن الواجب المشروط بحسب لسان دليله بعدم الاشتغال بواجب آخر ان كانت القدرة فيه عقلية، أي أن ملاكه فعلي حين الاشتغال بالواجب الآخر، فلا بد و أن يكون الواجب الآخر ملاكه فعلياً أيضا، و إلّا لم يصح التقييد بل كان هو مقدماً عليه، و حينئذ يكون احتمال الأهمية في ملاك الواجب الآخر المطلق موجوداً دون الواجب المشروط إذ لو كان أهم لما صح التقييد أيضا بل كان هو مقدما عليه، فيترجح الواجب المطلق بملاك احتمال الأهمية. و إن كانت القدرة فيه شرعية فإطلاق الخطاب المطلق يقتضي كون القدرة فيه عقلية بالقياس إليه فيترجح عليه بملاك ترجيح غير المشروط بالقدرة الشرعية على المشروط بها.

و بعبارة أخرى: إن مقتضى التمسك بإطلاق الخطاب المطلق ثبوته حتى حين الاشتغال بالخطاب المشروط، فيكون وارداً عليه لا محالة، و لا يكون تمسكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية لمخصصه اللبّي، لأن المقيد اللبي إنما يخرج عن الإطلاق حالة الاشتغال بالواجب الآخر إذا ما توفّر شرطان. أحدهما، أن يكون ملاكه فعلياً- أي أن القدرة فيه عقلية بالقياس إلى الواجب الأول- و الثاني، أن يحرز عدم أهمية الواجب الأول- على ما سوف يأتي في الترجيح بالأهمية- و في المقام يعلم بانثلام أحد الشرطين، إجمالًا، و إلّا لما صح تقييده بعدم الاشتغال بضد واجب، فيكون المقيّد اللبي للخطاب المطلق غير شامل لحال الاشتغال بالخطاب المشروط جزماً.

81

ثم إن هناك بحثاً آخر حول هذا المرجح و هو أن ترجيح غير المشروط بالقدرة الشرعية على المشروط بها هل يشمل صورة ما إذا كان المشروط بالقدرة الشرعية أهم ملاكاً من غير المشروط بها أم لا.

الصحيح هو أن يقال: إن كان المراد بالقدرة الشرعية المعنى الثالث و هو عدم الأمر بالخلاف، تمّ هذا الترجيح مطلقاً، إذ يكون الخطاب المرجوح ملاكاً وارداً بنفس فعليته على الآخر و رافعاً لموضوعه فلا يكون له ملاك أهم من الآخر و مقدماً عليه.

و إن كان المراد القدرة الشرعية بالمعنى الثاني. فلا بد من التفصيل بين صورتين.

الصورة الأولى- أن يكون الخطاب المشروط بالقدرة الشرعية قد أبرز فيه هذا القيد بالتعبير العرفي المتقدم، و هو عدم الاشتغال بواجب آخر، و في هذه الصورة يكون مقتضى إطلاق التقييد تقدم كل خطاب عليه و لو كان ملاكه مرجوحاً، بالبيانات المتقدمة فيصح التعميم.

الصورة الثانية- أن يكون الشرط المبرز على وزان المقيد اللبي المستتر، أي عدم الاشتغال بواجب لا يقل عنه أهمية. و في هذه الصورة غاية ما يستفاد من هذا الاشتراط أن هذا الواجب لا يزاحم واجباً لا يقل عنه في الأهمية لا مطلق الواجب فالقدرة فيه شرعية بالقياس إلى ما لا يقل عنه في الأهمية لا مطلقاً، و المفروض أن الواجب المطلق بحسب لسان دليله قد أحرز كون ملاكه مرجوحاً بالنسبة إلى الواجب المشروط، فيكون مقتضى التمسك بإطلاق دليل الواجب المشروط فعليته خطاباً و ملاكاً حال الاشتغال بالخطاب المطلق، فيتقدم عليه لا محالة بالأهمية.

الثاني- ترجيح ما ليس له بدل على ما له بدل:

و قد ذكرت مدرسة المحقق النائيني- قده- في تقريب هذا المرجح (أنه إذا كان لأحد الواجبين بدل في طوله دون الآخر، كما إذا وقع التزاحم بين الأمر بالوضوء و الأمر بتطهير البدن للصلاة، فبما أن الوضوء له بدل،

82

و هو التيمم فلا يمكن مزاحمة أمره مع أمر التطهير فيقدم رفع الخبث و يكتفي في الصلاة بالطهارة الترابية (1).

و هذه البرهنة على الترجيح غريب في بابه، إذ الكلام فيما له بدل طولي الّذي يكون متفرعاً على العجز من الإتيان بالمبدل و واضح أن الأمر يقتضي متعلقه بالخصوص و لو كان له بدل طولي و إنما لا يقتضي متعلقه بالقياس إلى بدله العرضي كما في الواجب التخييري، فلو فرض أن لأحد الواجبين بدلًا عرضياً لا يزاحم مع الواجب الآخر كان ذلك خروجاً عن باب التزاحم موضوعاً، لأن ما هو الواجب بحسب الحقيقة إنما هو الجامع بين المبدل و بدله العرضي و الجامع لا يزاحم الواجب الآخر.

و الصحيح في تخريج هذا المرجح أن نقول: تارة: يقصد البرهنة على هذا المرجح بعنوانه فيكون مرجحاً مستقلًا في عرض سائر المرجحات و أخرى:

يراد البرهنة عليه بإرجاعه إلى مرجح آخر ينطبق عليه. فالمدعى في هذا الترجيح له صيغتان:

أما الصيغة الأولى، فغاية ما يمكن أن يذكر في توجيهها: أن الاشتغال بالضد الواجب الّذي لا يقل أهمية و إن أخذ عدمه قيداً لبياً عاماً في كل خطاب- كما تقدم- و لكن المأخوذ عدمه كذلك إنما هو الاشتغال بضد واجب ليس له بدل و لا يمكن استيفاء ملاكه في فرض ترك الاشتغال به، و إما الضد الواجب الّذي يمكن استيفاء ملاكه حتى مع ترك الاشتغال به عن طريق الإتيان ببدله فلا ملزم عقلًا بأخذ عدمه قيداً في الخطاب و لو كان أهم ملاكاً، بل يعقل إطلاق الخطاب بالنسبة إليه بحيث يقتضي بنفسه صرف المكلف عن ذلك الضد الواجب و توجيهه إلى ما ليس له بدل. و هذا معناه أن خطاب الواجب الّذي ليس له بدل يكون رافعاً بامتثاله لموضوع الخطاب الّذي له بدل دون‏

____________

(1) أجود التقديرات ج 1، ص 272.

83

العكس و هو معنى الورود، و به يتم الترجيح.

لا يقال: فيما إذا كان الواجب الّذي له بدل مضيقاً فترجيح ما ليس له بدل موقوف على ثبوت بدلية البدل عن الواجب الّذي له بدل مطلقاً، أي و لو كان تعذر المبدل بسبب الاشتغال بالواجب الّذي ليس له بدل، و من الواضح أن دليل البدلية إنما يثبت البدلية في حال العجز التكويني عن المبدل أو العجز الشرعي- على فرض التوسعة في البدلية- و الأول غير حاصل في الواجب المضيق، لانحفاظ القدرة بعد على المبدل، و الثاني موقوف على أن يكون مشتغلًا بما هو أهم، مما يعني أن الترجيح بعدم البدلية متوقف صغرى على أن يكون الاشتغال بما ليس له بدل في المرتبة السابقة اشتغالًا بالأهم ملاكاً الّذي هو مرجح مستقل في نفسه، فتكون المرجحية به موقوفة على ثبوت الترجيح في المرتبة السابقة، و هذا مستحيل.

فإنه يقال: إن العجز الشرعي غير موقوف على أهمية ما يشتغل به، بل تكفي المساواة في الملاك لتحققه، فلا يتوقف الترجيح بهذا المرجح على ثبوت الترجيح في المرتبة السابقة. نعم لو أريد بالعجز الشرعي الإلجاء المولوي فهو موقوف على أهمية ما ليس له بدل ملاكاً، لكنه غير لازم كما هو واضح.

و التحقيق في حال هذه الصيغة: أنها تامة في نفسها، و لكنها تتوقف على إثبات أن البدل في فرض العجز عن المبدل يكون وافياً بتمام ملاك المبدل أو بجلّه، و أما إذا لم يثبت ذلك و فرض ان مقداراً مهماً من ملاك المبدل لا يستوفي بالبدل، فقد يكون هذا المقدار مساوياً في الأهمية لملاك ما ليس له بدل أو أهم منه، و في مثل ذلك لا بد و أن يكون وجوب ما ليس له بدل مقيداً بعدم الاشتغال باستيفاء ذلك المقدار، و ينحصر وجه الترجيح حينئذ بالرجوع إلى الأهمية و لا يبقى لعنوان ما ليس له بدل أثر. و إثبات وفاء البدل بتمام ملاك المبدل يحتاج إلى قرينة خاصة، و لا يفي به نفس دليل البدلية بلسانه العام.

84

و أما الصيغة الثانية لهذا المرجح، و هو إرجاعه إلى مرجح آخر يتطابق معه، فيمكن تقريرها في إحدى محاولتين.

المحاولة الأولى- إن عدم البدل و إن لم يكن بنفسه موجباً للترجيح إلّا أنه ملازم مع مرجح آخر، بمعنى أن هناك ضابطاً عاماً يحرز به وجود ذلك الترجيح في موارد عدم البدل دائماً، و هو الترجيح بقوة احتمال الأهمية، فإن ما ليس له بدل يكون احتمال أهميته ملاكاً أقوى دائماً مما له بدل، فيما إذا لم يفرض دليل من الخارج يقتضي في مورد خاص خلاف ذلك. و الوجه في ذلك، هو قوانين حساب الاحتمال و كيفية تحديد القيم الاحتمالية التي تقول:

إن كل كميتين كانت الاحتمالات المستلزمة لامتياز إحداهما على الأخرى متقابلة- أي موجودة في كل منهما- باستثناء احتمال واحد يكون مختصاً بإحداهما كانت القيمة الاحتمالية لامتياز تلك الكمية على أختها أكبر من القيمة الاحتمالية للعكس بحسب النتيجة. و تفصيل هذا القانون و البرهنة عليه خارج عن عهدة هذا البحث، و موكول إلى محله من كتاب «الأسس المنطقية للاستقراء» و إنما نفترضه في هذا المجال أصلا موضوعياً مسلماً لنطبقه في محل الكلام. فإن قيمة احتمال الأهمية في ملاك ما ليس له بدل- كالإزالة- أكبر من قيمة احتمال الأهمية في ملاك ما له بدل- كالصلاة- إذ يوجد بالنسبة إلى كل منهما احتمال الأهمية في نفسه- و هذان احتمالان متقابلان- و يوجد احتمال التساوي بينهما في الملاك و هذا الاحتمال بصالح ترجيح ما ليس له بدل، إذ على تقدير التساوي تكون بدلية البدل عما له بدل ثابتة باعتبار حصول العجز الشرعي في صورة الاشتغال بما ليس له بدل الّذي لا يقل عنه أهمية- على ما تقدمت الإشارة إليه في الصيغة السابقة- و هذا يعني أن التزاحم بحسب الحقيقة إنما يقع بين تمام الملاك فيما ليس له بدل و مقدار منه فيما له بدل- و هو المقدار الفائت بتركه إلى البدل، إذا كان يفوت منه شي‏ء- فيكون ما ليس له بدل أهم ملاكاً في هذا التقدير، و هذا يعني أنه يوجد احتمال‏

85

لامتياز كمية الملاك في الواجب الّذي ليس له بدل لا يوجد بالنسبة إلى ملاك ما له بدل، و هو احتمال التساوي. فبمقتضى قانون الاحتمالات غير المتقابلة تزداد القيمة الاحتمالية لملاك ما ليس له بدل، فيترجح على ما له بدل في مقام التزاحم.

لا يقال: التزاحم بحسب الحقيقة بين الكميتين من الملاك المتمثلتين في الإزالة مع بدل الصلاة من طرف، و الصلاة من طرف آخر، فلا بدّ و أن تلحظ هاتان الكميتان و ما في كل منهما من احتمالات الأهمية، و من الواضح أن احتمالات الأهمية فيهما متقابلة، إذ يحتمل أهمية كل منهما و يحتمل تساويهما، فلا موجب لترجيح إحداهما على الأخرى.

فإنه يقال: إذا كان احتمال تساوي ملاك كل مما له بدل و ما ليس له بدل موجوداً في نفسه و كان احتمال أهمية كل منهما بنحو واحد- كما هو المفروض فيما إذا لم يكن دليل خاص على الخلاف- كان احتمال أهمية ملاك المجموع المركب من الإزالة و بدل الصلاة أكبر قيمة من احتمال أهمية ملاك الصلاة وحدها. لأن هذا المجموع فيه منشئان لاحتمال الأهمية، أحدهما احتمال أهمية ملاك الإزالة على الصلاة في نفسه، و الآخر احتمال أهميته على أساس التساوي المحتمل بين ملاك الإزالة و الصلاة باعتبار استلزامه إضافة جزء من ملاك الصلاة الّذي يستوفيه البدل على ملاك الإزالة، و لا يوجد احتمال من هذا القبيل يقتضي العكس. فالحاصل. أن احتمال أهمية الملاك لفعل الإزالة مع بدل الصلاة يستمدّ قيمته من كل من احتمال أهمية الإزالة و احتمال مساواتها مع الصلاة في الملاك. و هذا بخلاف احتمال أهمية الملاك في فعل الصلاة و ترك الإزالة التي ليس لها بدل، على ما هو مشروح في محله لكيفية تحصيل القيم الاحتمالية في حساب الاحتمالات.

المحاولة الثانية- و تشتمل على كبرى و صغرى.

أما الكبرى- فما تقدم في المرجح السابق من تقديم المشروط بالقدرة

86

العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية.

و أما الصغرى- فباستظهار أن ما له بدل يكون مشروطاً بالقدرة الشرعية دون ما ليس له بدل.

و الحديث عن الكبرى و مدى صحتها تقدم في المرجح السابق.

و أما البحث حول الصغرى، فيمكن أن يقال في توجيهها: أن القدرة لم تؤخذ في لسان الدليل فيما ليس له بدل لا تصريحاً و لا تلويحاً، فتكون القدرة بالنسبة إليه عقلية، و أما بالنسبة إلى ما له بدل فقد أخذت القدرة قيداً في لسان دليله، لأن فرض وجود البدل هو فرض تقييد وجوب البدل بعدم القدرة على المبدل، و هو مساوق لتقييد دليل وجوب المبدل بالقدرة عليه، و إلّا اجتمع المبدل و البدل على المكلف. فتكون القدرة شرعية فيه.

و هذه المحاولة غير تامة. لأن كبرى ترجيح المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية و إن كانت تامة على بعض معاني القدرة الشرعية، كما أن إطلاق دليل الخطاب الّذي ليس له بدل لحال الاشتغال بواجب مشروط بالقدرة الشرعية و إن كان يثبت أن ملاكه فعلي في هذا الحال، إلّا أن كون القدرة شرعية فيما له بدل بمقتضى دليل البدلية غير تام. و قد تقدم في البحث الإثباتي من المرجح السابق وجهه.

و نضيف هنا اعتراضين آخرين يختصان بهذه المحاولة.

الاعتراض الأول- أنا لو سلمنا إمكان استظهار كون القدرة شرعية إذا أخذت قيداً في لسان الدليل، فإنما نسلّمه فيما إذا كان التقييد بها متصلًا بدليل المبدل، على أساس استظهار المولوية أو التأسيسية من التقييد، بالنحو المتقدم شرحه. و أما إذا كان التقييد في دليل منفصل فلا يبقى ملاك للاستظهار المذكور. و الأمر في المقام كذلك، فإن دليل المبدل لم يرد فيه قيد القدرة و إنما ورد ذلك في دليل البدل المنفصل، فلا يقتضي إلّا تضييق الحكم المبدل‏

87

و تخصيصه بحال القدرة، الأمر الّذي كان ثابتاً في نفسه بحكم العقل و المفروض أنه غير كاف لإثبات دخل القدرة في الملاك.

الاعتراض الثاني- أنا لو افترضنا اتصال دليل البدلية بدليل المبدل مع ذلك لا يمكن إثبات أن القدرة في الحكم المبدل شرعية و دخيلة في ملاكه، لأن التقريب الّذي على أساسه سلمنا استظهار دخل القدرة في الملاك لم يكن يتم فيما إذا كانت هنالك نكتة أخرى تستدعي ورود قيد القدرة في لسان الدليل، و في المقام يمكن أن يكون أخذ قيد العجز في دليل البدل بنكتة تحديد موضوع الأمر بالبدل، فلا يتشكل ذلك الظهور السياقي في التأسيسية لإثبات أن القدرة إنما جاء في لسان الدليل من جهة دخلها في الملاك.

الثالث- الترجيح بالأهمية:

و يحتوي هذا الترجيح على ثلاثة شقوق.

1- ترجيح معلوم الأهمية.

2- ترجيح محتمل الأهمية.

3- الترجيح بقوة احتمال الأهمية.

و لا بد من إقامة البرهان على كل واحد من هذه الشقوق.

1- ترجيح معلوم الأهمية:

و خلاصة هذا المرجح: أن أحد الواجبين المتزاحمين إذا ثبت كونه أهم من الواجب الآخر قدم عليه. و يمكن أن يبرهن عليه بأحد تقريبين.

التقريب الأول- إن القيد اللبي العام- كما عرفنا سابقاً- عدم الاشتغال بضد واجب لا يقل أهمية عن المتعلق، و هذا القيد ينطبق على الاشتغال بالأهم بالنسبة إلى المهم، فيكون رافعاً لموضوع وجوب المهم. و لكنه لا ينطبق على الاشتغال بالمهم، لأنه اشتغال بواجب أقل أهمية بحسب الفرض، فإطلاق دليل وجوب الأهم لفرض الاشتغال بالواجب الأقل أهمية لا برهان على سقوطه‏

88

و لا ملزم عقلًا بتقييده. و هذا يعني أن دليل وجوب الأهم رافع بامتثاله لموضوع وجوب المهم دون العكس، و بذلك يطبق قانون الورود من جانب دليل الأهم على دليل المهم.

التقريب الثاني- إن العقل يحكم بلزوم تقديم الخطاب معلوم الأهمية على الآخر- و لو لم يتم إطلاق الخطاب الأهم لحال الاشتغال بالمهم- و ذلك باعتبار أن تركه تفويت لملاك مولوي منجز من دون عذر، لأن تحصيل ملاك المهم لا يشكل عذراً لتفويت الزيادة الملاكية الموجودة في الأهم بخلاف العكس. و بعبارة أخرى: أن الأمر دائر بلحاظ عالم الملاك و روح الحكم بين تحصيل الملاك الأقل أو الأكثر في مقام الامتثال و العقل يحكم بلزوم تحصيل الملاك الأكثر و عدم تفويته بعد تنجزه بالعلم بحسب الفرض. و لا نقصد بذلك كون سنخ المصلحة الموجودة في الخطابين واحد مع كونها بنحو أقل في المهم و بنحو أكثر في الأهم كي يقال: ربما لا يكون المتزاحمان ذا ملاكين متسانخين بل متباينين. و إنما نقصد بالملاك المصلحة التي تكون مورد اهتمام المولى لأنها التي تدخل في العهدة و تتنجز بحكم العقل لا مجرد المصلحة الواقعية، فبلحاظ عالم اهتمامات المولى يتردد الأمر بين الأقل و الأكثر كما هو واضح.

و هذا التقريب موقوف على أن يكون الملاك فعلياً على كل حال، أي حتى في حال الاشتغال بالمهم، و أما إذا كان الملاك الأهم تعليقياً، أي مشروط بالقدرة الشرعية بالنسبة إلى المهم، أو احتمل ذلك فلا يكون الإتيان بالمهم تفويتاً لملاك منجز.

و ربما يحاول تعميم هذا الشرط على التقريب الأول، بدعوى: أن إطلاق خطاب الأهم لفرض الاشتغال بالمهم إنما يمكن التمسك به فيما إذا كان ملاك الأهم فعلياً حتى حين الاشتغال بالمهم، أي مشروطاً بالقدرة العقلية. و أما إذا كان مشروطاً بالقدرة الشرعية فلا يكون فعلياً حين الاشتغال بالمهم كي‏

89

يكون الورود من جانب الأهم فقط، و العلم بالأهمية لا دخل له في تعيين كون القدرة عقلية في الأهم أم شرعية، و إطلاق الخطاب أيضا تقدم أنه لا يمكن أن يثبت كون القدرة في الواجب عقلية إلّا بالقياس إلى واجب آخر يثبت كون القدرة فيه شرعية، فلا برهان على كون الإتيان بمعلوم الأهمية رافعاً لموضوع الآخر دون العكس.

و إن شئت قلت: أن خطاب المهم مقيد بعدم الاشتغال بما لا يقل عنه أهمية مع كون ملاكه فعلياً في فرض الاشتغال بالمهم و في المقام لا يحرز كون ملاك الأهم فعلياً في فرض الاشتغال بالمهم لكي يكون الاشتغال به رافعاً لموضوع المهم.

و التحقيق: أن كون ملاك الأهم فعلياً في فرض الاشتغال بالمهم- أي كون القدرة فيه عقلية بالقياس إلى المهم- يمكن إحرازه بنفس إطلاق الخطاب، لأن القيد اللبي المأخوذ في كل خطاب بحسب الدقة عبارة عن عدم الاشتغال بضد واجب يشتمل على شرطين. أن لا يقل عنه في الأهمية، و أن يكون ملاكه محفوظاً حين الاشتغال بالواجب الآخر، فإذا انتفى أحد الشرطين كفى في التمسك بإطلاق الخطاب لفرض الاشتغال به إذ لا موجب لتقيد زائد، و في المقام يعلم بحسب الفرض بانتفاء الشرط الأول في المهم فالمقيد اللبي غير منطبق عليه فيصح التمسك بإطلاق خطاب الأهم لفرض الاشتغال بالمهم، و به يثبت فعليته خطاباً و ملاكاً و يتم الورود. فاحتمال كون الملاك في الأهم مشروطاً بالقدرة الشرعية و عدم الاشتغال بالمهم منفي بنفس إطلاق خطاب الأهم، فإن دائرة الملاك سعة و ضيقاً كدائرة الخطاب يكون المرجع فيها إطلاق دليل الخطاب نفسه.

و أما ما ذكرته مدرسة المحقق النائيني- قده- في تخريج هذا الترجيح: «من أن التكليف بالأهم بما هو كذلك يصلح أن يكون معجزاً مولوياً للمكلف عن الطرف الآخر دون العكس فيكون نسبة الأهم إلى غيره كنسبة الواجب إلى‏

90

المستحب أو المباح، فكما لا يمكن أن يكون المباح أو المستحب مزاحماً للواجب كذلك لا يمكن أن يكون المهم مزاحماً للأهم» (1).

فإن أريد به: أن نفس خطاب الأهم يكون معجزاً عن المهم بنحو يرجع إلى تقييده بعدم الأمر بالأهم، فهذا يمنع عن إمكان الترتب بينهما، و بالتالي يرتفع الأمر بالمهم سواء اشتغل بالأهم أم لا و هو خلف التزاحم. و إن أريد أن الاشتغال بالأهم يكون معجزاً. فإن قُصد معنى يرجع إلى تضييق دائرة الخطاب المهم في عالم الجعل رجع إلى التقريب الأول، و إن قصد بعد الفراغ عن عدم الضيق في دائرة الخطاب كونه معجزاً في عالم الامتثال و بلحاظ حكم العقل بلزوم الخروج عن العهدة فهو بلا موجب، إلّا إذا رجع إلى التقريب الثاني، و قد عرفت حاله.

2- ترجيح محتمل الأهمية على غيره:

و يراد به أن احتمال الأهمية لو كان موجوداً في حق أحد الواجبين المتزاحمين دون الآخر قدم عليه. و يمكن تخريج هذا المرجح على أساس أحد وجوه.

الوجه الأول- ما هو المنساق من كلمات مدرسة المحقق النائيني- قده- «إنه بناءً على التخيير العقلي عند تزاحم الواجبين المتساويين و الالتزام بالترتب من الجانبين إذا علم أهمية أحدهما دون الآخر فقد علمنا بسقوط الإطلاق عن الآخر و باشتراطه بعدم الإتيان بمتعلق الأول. و أما ما يحتمل أهميته فلم يحرز سقوط إطلاقه فلا بدّ من الأخذ به. و هذا هو أساس تقديم محتمل الأهمية على غيره في مقام المزاحمة» (2).

و هذا الوجه بهذا المقدار من البيان يرد عليه إشكال التمسك بالعامّ في الشبهة

____________

(1)- أجود التقريرات المجلد الأول، ص 277- محاضرات الجزء الثالث، ص 269.

(2)- محاضرات الجزء الثالث، ص 274.

91

المصداقية لمخصصه اللبي المتصل، إذ المفروض التسليم بتقييد كل خطاب لباً بعدم الاشتغال بضد واجبٍ مساو أو أهم، و في المقام يحتمل مساواة الواجب الآخر معه في الأهمية. كيف و لو جاز هذا التمسك لدخل باب التزاحم في التعارض في الموارد التي يحتمل الأهمية في كل من الخطابين تمسكاً بإطلاقه لحال الاشتغال بالآخر.

الوجه الثاني- التمسك بأصالة الاشتغال العقلية، بتقريب: أنه مع الإتيان بمحتمل الأهمية يعلم بسقوط الخطاب الآخر، لأن الخطاب الآخر مقيد بعدم الاشتغال بالمساوي أو الأهم و محتمل الأهمية لا بد و إن يكون أحدهما و هذا بخلاف الإتيان بغير محتمل الأهمية فإنه لا يعلم بسقوط خطاب محتمل الأهمية به لعدم إحراز كون ما أتي به مساوياً فيكون المورد من موارد الشك في السقوط فتجري أصالة الاشتغال.

و يرد على هذا الوجه: إن الشك في السقوط الّذي هو مورد لأصالة الاشتغال هو الشك في السقوط الناشئ من الشك في امتثال التكليف بعد الفراغ عن ثبوته، و في المقام إنما الشك في سعة دائرة القيد المأخوذ في موضوع الخطاب المحتمل أهميته من أول الأمر، فيرجع لا محالة إلى الشك في التكليف الزائد. نظير ما إذا شك في وجوب إكرام زيد و أنه مقيد بعدم مجي‏ء ابنه معه أو مقيد بعدم مجي‏ء أحد معه، فإنه يرجع إلى الشك في سعة الوجوب و ضيقه و هو مجرى البراءة.

الوجه الثالث- التمسك بأصالة الاشتغال أيضا بتقريب آخر تقدم في ترجيح المشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية، و حاصله:

إن الاشتغال بكل منهما مفوّت لغرض لزومي للمولى، و لكن هذا التفويت إذا انطبق على تفويت غير محتمل الأهمية بالاشتغال بمحتمل الأهمية فهو تفويت معذور فيه من قبل المولى جزماً، و أما إذا انطبق على تفويت محتمل‏

92

الأهمية بالاشتغال بغيره فلا يعلم فيه بالمعذورية من قبل المولى لعدم إحراز المساواة. و كل تفويت يقيني لملاك المولى مورد للمنع العقلي ما لم يحرز المعذورية فيه من قبل المولى نفسه.

و هذا الوجه و إن كان تاماً كبروياً، لكنه موقوف على إحراز كون القدرة في محتمل الأهمية عقلية كي يكون تفويت الملاك يقينياً، و لا محرز لذلك سوى إطلاق الخطاب نفسه، و قد تقدم في مناقشة الوجه الأول أن التمسك به يكون من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية.

و التحقيق، إمكان تتميم الوجه الأول و تعديله بحيث يتم الورود في المقام تمسكاً بإطلاق خطاب ما يحتمل أهميته من دون أن يكون تمسكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية، و توضيح ذلك: أن القيد العام إنما ثبت بالبرهان العقلي القائل بأن إطلاق الخطاب لصورة الاشتغال بالمساوي أو الأهم غير معقول، لأنه إما يستلزم طلب الضدين أو صرف المكلف من الأهم أو المساوي إلى غيره، و الأول مستحيل، و الثاني خلاف غرض المولى. و من الواضح أن هذا البرهان لا يقتضي التقييد بأكثر من صورة العلم بالأهمية أو المساواة، و أما صورة الاشتغال بواجب مردد أمره بين المساواة و المفضولية فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق الخطاب لحال الاشتغال به بعد أن كانت الخطابات مجعولة على نهج القضايا الحقيقية بلحاظ حالات حصول العلم بالأهمية أو احتمالها لدى المكلفين، إذ يكفي أن يكون الغرض من ورائه صرف المكلف عما يحتمل مفضوليته إلى ما يحتمل أهميته احتياطاً. و لا يجوز رفع اليد عن الإطلاق إلّا بمقدار ما تم البرهان عليه. و هذا ينتج أن القيد العام هو عدم الاشتغال بضد واجب معلوم المساواة أو معلوم الأهمية أو محتملها، و بذلك يكون الاشتغال بمحتمل الأهمية رافعاً أيضا لموضوع الخطاب الآخر و وارداً عليه دون العكس.

93

3- الترجيح بقوة احتمال الأهمية:

و يراد به أن احتمال الأهمية لو كان في أحد الواجبين المتزاحمين أقوى منه في الآخر قدم عليه، و البرهان عليه، نفس النكتة المتقدمة في ترجيح محتمل الأهمية بعد توسعتها. بأن يُقال: أن القيد اللبي المقدار المتيقن منه هو الاشتغال بما يعلم أنه ليس بأقل- أي مساو أو أهم- أو يحتمل فيه الأهمية احتمالًا مساوياً مع احتمال الأهمية في الآخر أو أقوى منه.

و أما صورة الاشتغال بما يكون احتمال الأهمية فيه أضعف من احتمالها في الخطاب الآخر فلا ضرورة لسقوط إطلاق ذلك الخطاب فيها، إذ لا يلزم منه إلّا صرف المكلف عما يكون احتمال الأهمية فيه أضعف إلى ما يكون احتمال أهميته أقوى، و ليس في هذا الاقتضاء ما يكون نقضاً للغرض المولوي بوجه من الوجوه. و هكذا يتضح من مجموع ما تقدم أن الواجب الأهم- علماً أو احتمالًا- في موارد التزاحم يكون وارداً على الواجب الآخر دون العكس لأن خطاب الواجب الآخر مقيد بعدم الاشتغال بالأهم بينما إطلاق خطاب الأهم ثابت في حال الاشتغال بالواجب الآخر. إلّا أن هذا إنما يتم فيما إذا لم يكن خطاب الواجب الأهم قد ورد فيه ما يدل على تقييده بالقدرة الشرعية أو فرض تقييده بذلك و لكن لا بمعنى عدم الاشتغال بأي واجب آخر بل بالمقدار المأخوذ في المقيد اللبي المستتر- و هو عدم الاشتغال بضد واجب أهم أو مساو- فإنه في هاتين الحالتين يمكن التمسك بإطلاقه لحال الاشتغال بالواجب الآخر و أما إذا فرض ورود التقييد بالقدرة الشرعية بمعنى عدم الاشتغال بأي واجب آخر. فإن ورد ذلك في الخطاب الأهم خاصة تقدم الخطاب الآخر و كان وارداً عليه، و لو كان هذا أهم، لأن إطلاق خطاب الأهم في فرض الاشتغال بالمهم ساقط بحكم التقييد بالقدرة الشرعية و إطلاق خطاب المهم لفرض الاشتغال بالأهم ثابت لما تقدم من إمكان التمسك بإطلاق الخطاب لحال الاشتغال بضد واجب تكون القدرة فيه شرعية، و به نثبت أن القدرة

94

عقلية بالقياس إليه. و منه يظهر أن الترجيح بالقدرة العقلية يتقدم على الترجيح بالأهمية إذا كانا في طرفين متقابلين. و إن كان ورود التقييد بالقدرة الشرعية بلحاظ الخطابين الأهم و المهم معاً فكان الملاك في كليهما مشروطاً بعدم الاشتغال بواجب آخر، فهل يتم فيه الترجيح بالأهمية أم لا يتم؟ فيما يلي تحقيق ذلك.

سريان الترجيح بالأهمية إلى المشروطين بالقدرة الشرعية:

بعد الفراغ عن الترجيح بالأهمية يقع الكلام في أن هذا الترجيح هل يشمل المشروطين بالقدرة الشرعية أيضا أو يختص بالمشروطين بالقدرة العقلية. و قد ذهب المحقق النائيني- قده- إلى عدم الترجيح بالأهمية في المشروطين بالقدرة الشرعية، لأن الأهمية إنما توجب التقديم فيما إذا كان كل من الملاكين تاماً و فعلياً، و أما في المشروطين بالقدرة الشرعية حيث فرض كون كل من الملاكين موقوفاً على القدرة على تحصيله فلا محالة يكون أحد الملاكين غير ثابت في نفسه، لاستحالة ثبوت كلا الملاكين مع عدم ثبوت القدرتين و لا يعلم إن ما لم يثبت من الملاك هل هو الأهم على تقدير وجوده أو غيره فالدوران ليس بين تفويت الملاك الأضعف و تفويت الملاك الأقوى ليتعين بحكم العقل تفويت الأضعف، بل الدوران في أصل ثبوت الملاك و أنه واقعاً هل هو الأضعف أو الأقوى، و لا موجب لترجيح احتمال كونه الأقوى على احتمال كونه الأضعف، كما هو الحال في باب التعارض فيما إذا دل دليل على ثبوت ملاك وجوبي شديد و دل دليل آخر على ثبوت ملاك وجوبي آخر ضعيف بل استحبابي أيضا، و علمنا إجمالًا بكذب أحد الدليلين، فإنه لا يقدم دليل الوجوب على دليل الاستحباب، فكذلك في المقام لا يقدم احتمال الملاك الأقوى على احتمال الملاك الأضعف.

و قد اعترض عليه: بأن باب التعارض و إن كان كما أفيد، حيث أن ملاك الوجوب الشديد لم يثبت لابتلاء دليله بالمعارض و لا علم لنا به من غير ناحية

95

دليله الساقط بالمعارضة، فلا يتعين العمل على طبقه، إلّا أن باب التزاحم ليس كذلك حتى في مثل المشروطين بالقدرة الشرعية، و ذلك للعلم في المقام بفعلية الملاك الأهم. لأن الملاك الأهم على تقدير القدرة عقلًا و شرعاً ثابت بدليل وجوب الأهم بلا معارض، و أما نفس تقدير القدرة عقلًا و شرعاً فهو محرز وجداناً إذ لا مانع عقلي و لا شرعي من الإتيان بالأهم. أما انتفاء المانع العقلي فواضح، و أما المانع الشرعي فلان ما يتصور كونه مانعاً شرعياً هو الأمر التعييني بالآخر المانع عن صرف القدرة الواحدة في طرف الأهم، و هذا الأمر التعييني بالآخر غير محتمل لوضوح أن تعيين الطرف الآخر بلا معين.

بمعنى ان الأمر دائر بين التخيير و بين تعيين الأهم و أما تعيين غيره فغير محتمل، فالقدرة على الأهم عقلًا و شرعاً تامة، فيتم ملاكه و خطابه و يكون بذلك معجزاً مولوياً عن الوجوب الآخر و رافعاً لملاكه‏ (1).

أقول: إن فرض أن القدرة الشرعية المأخوذة قيداً للملاك في الواجبين معاً كان على غرار المقيد اللبّي العام المأخوذ في كل خطاب، و هو عدم الاشتغال بالأهم أو المساوي بالخصوص تمّ الترجيح بالأهمية، كما أشرنا إليه سابقاً. إلّا أنه خلاف المقصود في المقام، إذ المفروض دخل القدرة في الملاك بلحاظ الاشتغال بأي واجب آخر سواءً كان أرجح منه ملاكاً أو مرجوحاً.

و حينئذٍ نقول: تارة: يراد بالقدرة الشرعية عدم الاشتغال بواجب آخر و أخرى: يراد عدم المعجز المولوي. فعلى الأول يكون الصحيح ما أفاده الميرزا (قده) من عدم الترجيح بالأهمية، لا لما أفاده من قياسه على موارد التعارض و احتمال وجود الملاك الأهم، بل لأن كل واحد من الخطابين مشروط بحسب الفرض ملاكاً و خطاباً بعدم الاشتغال بواجب آخر فيكون الاشتغال بكل منهما رافعاً للوجوب الآخر ملاكاً و خطاباً فيكون من التوارد من الطرفين الّذي هو معنى التخيير في باب التزاحم.

____________

(1)- لاحظ أجود التقريرات المجلد الأول، ص 276.

96

و على الثاني، بأن يراد من القدرة الشرعية دخل المعجز المولوي في الملاك، أي عدم الأمر بالخلاف المقتضي لصرف القدرة إليه تعييناً- و هذا هو المعنى الثالث للقدرة الشرعية فيما تقدم- فإن أريد بالمعجز المولوي الأمر التعييني بالخلاف المنجز على المكلف، تمّ الترجيح بالأهمية في المقام أيضا. إذ الأهم سوف يكون ملاكه فعلياً على كل حال لثبوت القدرة عليه عقلًا و عدم المنجز للخلاف شرعاً فإن وجوب المهم و إن كان يحتمل تعينه ثبوتاً و إطلاقه لحال الاشتغال بالأهم- على ما سوف يأتي توضيح النكتة فيه- و لكنه لا منجز له إثباتاً بعد تقييد خطابه بالقدرة عقلًا و شرعاً بالمعنى المذكور، فإذا أحرز فعلية ملاك الأهم على كل حال كان كالمشروط بالقدرة العقلية من حيث الترجيح، بمعنى أنه يكون وارداً على وجوب المهم لأن إطلاقه لحال الاشتغال بالمهم يكون ثابتاً و رافعاً لموضوع وجوب المهم ملاكاً و خطاباً باعتباره معجزاً مولوياً.

و إن أريد بالمعجز المولوي واقع الأمر التعييني بالخلاف، فإذا أريد الأمر بالخلاف الناشئ عن مقتض ملاكي للتعيين تمّ الترجيح بالأهمية أيضا، لأن الخطاب المهم لا يحتمل في حقه تعيين ناشئ من ملاك يقتضيه. فيكون إطلاق وجوب الأهم رافعاً لموضوع وجوب المهم خطاباً و ملاكاً باعتباره معجزاً مولوياً و أمراً تعييناً بالخلاف. و أما إذا أريد الأمر بالخلاف و لو دون مقتض ملاكي لتعيينه فلا يتمّ هذا الترجيح لأن كلًا من الواجبين سوف يكون مشروطاً ملاكاً و خطاباً بعدم الأمر بالخلاف تعييناً، و كما يحتمل ثبوتاً جعل الوجوب التعييني للأهم أي جعل الإطلاق للأمر بالأهم كذلك يحتمل جعل خطابين مشروطين بعدم الاشتغال بالآخر أو جعل الإطلاق للأمر بالمهم و لو من باب اختيار أحد الجعلين المتساويين و ترجيحه على الآخر بلا مرجح فإن صرف الأمر عن الأهم إلى المهم إنما يكون غير معقول فيما إذا ترتب عليه تفويت الأهم لا فيما إذا ارتفع به أصل ملاك الأهم كما في المقام بحسب الفرض. و مع هذا الاحتمال لا يصح التمسك بإطلاق خطاب الأهم لحال الاشتغال بالمهم، كما لا يصح‏

97

التمسك بإطلاق خطاب المهم لحال الاشتغال بالأهم لأنه من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية فهنا يتمّ ما أفاده المحقق النائيني (قده) من احتمال وجود الملاك الأهم نظير موارد التعارض، لأن كلًا من الخطابين يكون ثبوته محتملًا مع العلم بجعل أحدهما أو جعلهما مشروطين بعدم الاشتغال بالآخر، فيكون من موارد احتمال الخطاب الأهم و هو ليس احتمالًا منجزاً لأنه من الشك في أصل التكليف. فالحاصل، لا طريق في هذه الحالة إلى ترجيح الأهم لا بالإطلاق اللفظي و لا بأصالة الاشتغال.

طرق إثبات الأهمية:

لإثبات أهمية ملاك أحد الخطابين المتزاحمين على الآخر يتصور عدة وسائل و طرق يرتبط جلها بالاستظهار العرفي في ألسنة الخطابات الشرعية حسب ما فيها من نكات و مناسبات تختلف من مقام إلى مقام و أهمها ما يلي:

1- التمسك بإطلاق الخطاب لصورة الاشتغال بالواجب الآخر الكاشف إنّا عن أهمية ملاكه و رجحانه على ملاك الآخر. و هذا الطريق يمكن الاستعانة به فيما إذا كان دليل ذلك الخطاب لفظياً مطلقاً و دليل الخطاب الآخر لبياً لا إطلاق فيه.

و فيه: أنه من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية لمخصصه اللبي بناءً على ما تقدم في تقرير أصل هذه المسألة من أن كل خطاب مقيد لباً بعدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم، و لو لا ذلك لوقع التعارض بين إطلاق أدلة الواجبات المتزاحمة و بالتالي دخل التزاحم في باب التعارض.

2- أن يتكفل بعض الأدلة بيان مرتبة اهتمام المولى بتكليف معين على نحو يستفاد منه تقدمه في نظره على غيره، كأن يكون أحد الأشياء التي صُرّح بأن الإسلام إنما بني عليها، كما في حديث بني الإسلام على خمس.

3- أن يرد التشديد و التهويل على ترك ذلك الواجب و مخالفته نظير

98

ما ورد من التعبير بالكفر عن ترك فريضة الحج في الآية الكريمة أو أنه يموت يهودياً أو نصرانياً كما في الروايات، فإن مثل هذه الألسنة أيضا صالحة لأن يستظهر منها مزيد اهتمام المولى به على نحو إن لم يوجب القطع بأهميته على غيره مما لم يرد فيه مثل ذلك اللسان فلا أقل من احتمال الأهمية.

4- استفادة الأهمية من الأدلة الثانوية المتكفلة لأحكام ذلك الواجب و خصائصه، نظير ما ورد في حق الصلاة مما يستفاد منها أنها لا تترك بحال من الأحوال، فإنه يستفاد منه أن الصلاة الأعم من الاختيارية و الاضطرارية أهم من غيرها الّذي لم يرد فيه ذلك و إنها لم تكن تترك بحال لأن المولى يهتم بملاكاتها، فيستظهر منه الأهمية قطعاً أو احتمالًا.

5- مناسبات الحكم و الموضوع المركوزة في الذهن العرفي التي تخلع على دليل الخطاب الشرعي ظهوراً عرفياً لتحديد الملاك و تشخيص الأهم منها و المهم، و هذا إنما يكون في الأدلة المتكفلة لأحكام مركوزة بنفسها و بملاكاتها عند العقلاء، نظير خطاب حرمة الغصب و وجوب حفظ النّفس المحترمة فيما إذا وقع التزاحم بينهما، فإنه لا إشكال في لزوم حفظ النّفس المحترمة و لو أدى ذلك إلى إتلاف شي‏ء من ماله أو التصرف فيه من دون إذنه باعتباره أهم ملاكاً، إذ لا إشكال عرفاً و عقلائياً في أن ملاك حفظ المال و عدم التصرف فيه من دون إذن صاحبه يعتبر من شئون احترام الغير و من تبعاته فلا يعقل أن يكون مزاحماً مع حفظ أصل وجود الغير و في قباله، و هذا الارتكاز العرفي المحمول عليه دليلي الحكمين المتزاحمين يعطي لدليل وجوب حفظ النّفس المحترمة ظهوراً في أهمية ملاكه و بالتالي انحفاظ إطلاقه لحال الاشتغال بالغصب أيضا، المقتضي للورود و ترجيح خطاب وجوب الحفظ على خطاب حرمة الغصب.

6- كثرة التنصيص على الحكم من قبل الشرع فإنه يدل أيضا على‏

99

مزيد اهتمام الشارع بملاك ذلك الحكم و لكن لا مطلقاً بل فيما إذا لم تكن نكتة أخرى تصلح لأن تكون هي المنشأ لها، و توضيح ذلك:

إن أكثرية النصوص في أحد الحكمين قد تنشأ من أهمية ذلك الحكم و قد تنشأ من مناشئ أخرى، ككونه محلًا للابتلاء بدرجة أكبر أو كونه بياناً خالياً من المحذور باعتبار اتفاقه مع رأي العامة أو كونه مما يغفل عنه عادة أو كونه مورداً لسؤال الرّواة كثيراً، إلى غير ذلك من المناشئ المحتملة، و حينئذ: فإن جزمنا بشكل و آخر بعدم وجود أي منشأ للأكثرية بقطع النّظر عن الأهمية كانت بنفسها برهاناً إنّيّاً على الأهمية و ثبت الترجيح بذلك، و إلّا فكما يوجد احتمال كون الأهمية سبباً للأكثرية كذلك يوجد احتمال نشوئها من نكات أخرى كالتي أشرنا إليها. و هذا الاحتمال الثاني يتقوى تبعاً لتعدد الأسباب المحتملة بدلًا عن الأهمية و تكثرها، فكلما كانت البدائل المحتملة للأهمية أكثر كان احتمال نشوء الأكثرية من أحدها أكبر، و كذلك يتقوى هذا الاحتمال تبعاً لمدى إحراز صغريات تلك الأسباب مع الشك في سببيتها فإذا أحرزنا مثلًا أن الحكم الّذي حصل على عدد أوفر من النصوص أكثر دخولًا في محل الابتلاء كان احتمال نشوء الأكثرية من دخوله كذلك أكبر من احتمال ذلك على تقدير الشك في كون دخوله في محل الابتلاء أكثر، و من الواضح أنه كلما قوي احتمال نشوء الأكثرية من النكات المحتمل سببيتها بدلًا عن الأهمية ضعف احتمال الأهمية، و العكس صحيح أيضا، و لكن ما لم يحرز نشوء الأكثرية من أحد تلك البدائل يبقى احتمال النشوء من الأهمية ثابتاً، و كلما كان هذا الاحتمال ثابتاً على هذا النحو أدى إلى أن يكون قيمة احتمال أهمية الحكم ذي النصوص الأكثر عدداً أكبر من قيمة احتمال أهمية الحكم الثاني، و ذلك لأننا نواجه مجموعة من الاحتمالات في سبب الأكثرية و هي أطراف لعلم إجمالي، لأن الواقع لا يخلو من أحدها و كل واحد منها يأخذ قيمة احتمالية بموجب تقسيم رقم اليقين على أطراف العلم‏

100

الإجمالي، و واحدة من هذه القيم الاحتمالية في صالح افتراض أهمية الأول على الحكم الثاني، و هي قيمة احتمال كون الأكثرية ناشئة من شدة الاهتمام، و سائر القيم الاحتمالية الأخرى حيادية نسبتها إلى أهمية هذا أو ذاك على حد سواء، و بذلك تكون قيمة احتمال أهمية الحكم الأول أكبر من قيمة احتمال أهمية الحكم الثاني، لأن كل ما يلائم احتمال أهمية الحكم الثاني من الاحتمالات التي يضمها العلم الإجمالي المذكور يلائم احتمال أهمية الأول أيضا فهما من هذه الناحية مشركان و يمتاز احتمال أهمية الأول بأن بعض احتمالات ذلك العلم الإجمالي في صالح إثباته بالخصوص، فلا محالة يكون أقوى.

و إن شئت قلت: إن كانت أكثرية نصوص الحكم الأول ناشئة من غير الأهمية من الأسباب الأخرى فهذا الافتراض لا يثبت أهمية الحكم الأول- كما هو واضح- و لا ينفيه، لأن مجرد كون الداعي إلى تكثير النصوص هو الدخول في محل الابتلاء كثيراً لا يعني عدم أهميتها أو كون الثاني أهم منه. و إن كانت أكثرية نصوص الحكم الأول ناشئة من أهميته فهذا يحتم أهمية الأول على الثاني، و بالتالي سوف يكون ما هو في صالح احتمال أهمية الأول أكبر مما هو في صالح احتمال أهمية الثاني. نعم إذا فرض وجود مانع عن تكثير النصوص على الحكم الثاني و لو كان أهم، فإذا أحرز وجود مانع من هذا القبيل فسوف لا تجدي أكثرية نصوص الحكم الأول في تقوية احتمال الأهمية، و أما إذا لم يحرز ذلك- سواء شك في أصل وجود ما يمنع أو كان يوجد شي‏ء و احتمل مانعيته- فحساب الاحتمالات جار أيضا بالبيان المتقدم، و لكن مع ملاحظة احتمال وجود المانع عن تكثير نصوص الحكم الثاني، أي سوف يكون احتمال نشوء أكثرية نصوص الحكم الأول من الأهمية بصالح أهمية الحكم الأول على تقدير عدم المانع للحكم الثاني لا مطلقاً، و هذا يعني أن الاحتمالات الحيادية تجاه أهمية الحكم الأول سوف تزداد، حيث‏

101

يضاف عليها احتمال وجود المانع عن إبراز أهمية الحكم الثاني. و أيا ما كان فالمقياس هو ازدياد قيمة احتمال الأهمية زيادة عرفية بحيث لا يكون خلافه بالغاً درجة الاطمئنان.

هذا كله فيما إذا كنا نحسب الاحتمالات و نحن نواجه النصوص الصادرة عن المعصوم (عليه السلام) واقعاً، فنجد أنها في أحد الحكمين أكثر من الآخر، و أما إذا كنا نواجه الروايات التي تنقل إلينا تلك النصوص فنجد أن ما تنقل أحد الحكمين أكثر مما تنقل الحكم الآخر، أي الكثرة في النصوص في مرحلة الوصول، فلا بدّ من إجراء حساب الاحتمالات أخرى في النقل و الرواية لنفي احتمال أن تكون قلة الرواية للحكم الثاني ناشئة عن خصوصية فيها من قبيل توافر الدواعي لنقل الحكم الأول دون الثاني، أو وجود موانع تقتضي عدم نقل الحكم الثاني، بنفس البيان المتقدم أيضا.

4- ترجيح الأسبق زماناً:

إذا كان أحد الواجبين المتزاحمين أسبق زماناً من الآخر، فقد ذكروا لزوم تقديم الأسبق زماناً و ترجيحه على المتأخر زماناً. و ذلك باعتبار: أن الأسبق يصير خطابه فعلياً قبل فعلية مزاحمه فيكون تركه غير معذور فيه بخلاف ما إذا امتثل الأسبق فإنه لا يبقى معه مجال لفعلية الخطاب المتأخر، حيث ترتفع القدرة عليه.

و الصحيح، عدم مرجحية الأسبقية، و توضيح ذلك:

إن الواجبين المتزاحمين تارة: يفترض أن القدرة مأخوذة فيهما عقلًا، و أخرى: يفرض أنها مأخوذة شرعاً، أي أنهما مشروطان بالقدرة الشرعية، فعلى الأول يكون من الواضح عدم الترجيح بالأسبقية، لأن كلا من الخطابين مقيد لباً بقيد واحد، و هو عدم الاشتغال بضد واجب فعلي ملاكه، مساو أو أهم، و برهان هذا التقييد الّذي تقدم شرحه مفصلًا لا يفرق فيه بين حالة

102

كون الضد الواجب مقارنا أو متقدماً زماناً، فكما يكون الإتيان بالأسبق زماناً رافعاً لفعلية الخطاب المتأخر كذلك يكون الإتيان بالمتأخر في زمانه رافعاً لفعلية الخطاب المتقدم، و هو معنى عدم الترجيح. و أما على الفرض الثاني، فقد يتوهم الترجيح بتقريب: أن القدرة الشرعية بمعنى دخلها في الملاك فعلية في حق الأسبق بخلاف المتأخر لأن الإتيان بالأسبق يرفع القدرة على الواجب المتأخّر في ظرفه، دون الإتيان بالواجب المتأخر فإنه لا يرفع القدرة على الأسبق في الزمان المتقدم وجداناً.

إلّا أن هذا التقريب غير تام، لأن الواجب المتأخر إن فرض أن ملاكه مشروط بالقدرة على الواجب في ظرف امتثاله بالخصوص، فما ذكر من ارتفاع فعلية الخطاب المتأخر بامتثال المتقدم و إن كان ثابتاً إلّا أنه ليس من جهة ترجيح أحد المتزاحمين بما هما واجبان على الآخر و إنما باعتبار أخذ قيد خاص في أحد الخطابين بنحو يرتفع بإتيان الفعل المتقدم و لو لم يكن واجباً أصلا، و هذا خارج عن محل الكلام. و إن فرض أنه مشروط بمطلق القدرة المحفوظ مع الاشتغال بالضد- كما هو المفروض في موارد التزاحم- فهذه القدرة كما هي فعلية في حق الواجب الأسبق زماناً كذلك هي فعلية في حق المتأخر زماناً، إذ يمكن للمكلف أن يحفظ قدرته للواجب المتأخر بترك المتقدم.

و يمكن تصوير الترجيح بالأسبقية الزمانية في إحدى حالتين أخريين.

الأولى- أن تكون القدرة الشرعية بمعنى دخل عدم الاشتغال بواجب مقارن أو متقدم في الملاك دون الواجب المتأخر.

فإنه في هذه الحالة سوف يكون الإتيان بالواجب الأسبق زماناً رافعاً بمقتضى هذا التقييد لإطلاق الخطاب المتأخر دون العكس. إلّا أن هذا مجرد افتراض و تقييد زائد في دليل الخطاب، و هو كما يمكن أن يفترض بهذا النحو يمكن ثبوتاً أن يفترض بنحو ينتج العكس بأن يقيد الخطاب بعدم الاشتغال‏

103

بواجب متأخر. و إن كان ظاهر إطلاق القيد لعله يناسب مع الافتراض المذكور في جملة من الموارد.

الثانية: أن تكون القدرة الشرعية بمعنى عدم المنافي المولوي الحاصل بنفس الأمر بالخلاف، فإنه حينئذ سوف يكون الواجب المتقدم فعلي الملاك لعدم المنافي المولوي في زمانه إذا كان الآخر متأخراً وجوباً و امتثالًا كالواجب المعلق، فيكون امتثاله رافعاً لموضوع الخطاب المتأخر.

و هذا أيضا تقييد زائد في الخطاب يُتّبع فيه لسان الدليل، فإذا كان مقيداً بعدم الأمر الفعلي المقارن أو المتقدم بالخلاف دون المتأخر تمّ الترجيح و أما إذا كان مقيداً بعدم تكليف مولوي آخر منجز على المكلف من هذه الناحية و لو لم يكن خطابه فعلياً، و قيل بوجوب حفظ المقدمات المفوتة فالمنافي المولوي موجود لا محالة و يكون التوارد من الطرفين.

و هكذا يتبرهن: أن هذا الترجيح لا يمكن تخرجه على أساس قوانين التزاحم العامة و إنما لا بد فيه من دليل خاص يثبت به تقييد أحد المتزاحمين بعدم وجود مزاحم أسبق زماناً عليه فيتقدم الأسبق بالورود.

نعم، لا يبعد دعوى ترجيح الواجب الأسبق زماناً فيما إذا كان يحتمل فوات الواجب المتأخر زماناً في ظرفه بموت أو عجز أو غير ذلك فإنه مع وجود هذا الاحتمال يمكن أن يقال بلزوم تقديم الأسبق و المبادرة إليه، و ذلك تمسكاً بإطلاق خطابه لإثبات فعليته و تنجزه، لأن المقيد اللبّي الّذي أبرزناه سابقاً لا يقتضي التقييد بأكثر من الاشتغال بواجب مساو أو أهم، عرضي أو طولي، يقطع بانحفاظ القدرة عليه في ظرفه، نظير ما يقال في الترجيح بالأهمية الاحتمالية. إذ لا يكون الإطلاق في الخطاب الأسبق لغواً حينئذ بل من أجل الاحتياط و التحفظ على أحد الملاكين على كل حال.

هذه هي مرجحات باب التزاحم، و قد عرفت رجوعها جميعاً إلى باب الورود، فإن تمّ شي‏ء منها تعين تقديم ذي المزية بقانون الورود و إلّا فالمتعين بناء على إمكان الترتب الالتزام بالتخيير و تساوي الواجبين في مقام الامتثال.

104

حُكم التزاحُم في حَالةِ عَدَم الترجيح‏

إذا فرض تساوي المتزاحمين و عدم ترجيح في أحدهما وقع البحث حينئذ عن ثبوت التخيير بينهما و كونه عقلياً أو شرعياً. و نقصد بالتخيير العقلي، وجود خطابين شرعيين تعيينيين كل منهما مشروط بعدم امتثال الآخر و إنما يتخير بينهما في مقام الامتثال بحكم العقل، و نقصد بالتخيير الشرعي وجود خطاب واحد تخييري بدلًا من خطابين مشروطين.

و مهم الثمرة الملحوظة من وراء هذا البحث مسألة وحدة العقاب و تعدده، حيث يدعى أنه بناء على كون التخيير عقلياً يتعدد العقاب على العاصي إذا تركهما معاً، لأنه يكون قد عصى خطابين شرعيين. و أما إذا كان التخيير شرعياً فلا يكون عاصياً إلّا لخطاب واحد.

و قد أفاد المحقق النائيني- قده- تفصيلًا في المقام بين ما إذا كان التكليفان مشروطين بالقدرة الشرعية أو بالقدرة العقلية، فحكم بالتخيير العقلي في الأول و الشرعي في الثاني، بتقريب. «انه لا وجه لسقوط أصل الخطاب في المشروط بالقدرة العقلية و إنما الساقط إطلاقه لحال الاشتغال بالآخر فيثبت خطابان مشروطان يتخير بينهما عقلًا، و أما المشروط بالقدرة الشرعية فالتخيير الثابت فيه شرعي كشف عنه العقل فإن كلًا من الواجبين إذا كان واجداً لملاك إلزامي في ظرف القدرة عليه- كما هو المفروض- ففي فرض التزاحم‏