بحوث في علم الأصول - ج7

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
418 /
105

يكون أحدهما لا بعينه ذا ملاك إلزامي لا محالة فلا بد للمولى من إيجابه، ضرورة أنه لا يجوز للحكيم أن يرفع يده عن تكليفه بالواحد لا بعينه مع فرض وجدانه للملاك الإلزاميّ بمجرد عجز المكلف عن الإتيان بكلا الفعلين. و عليه فلا مناص للمولى الحكيم في المقام من إيجاب أحد الفعلين لا بعينه» (1).

و التحقيق، أن يقال: تارة: يكون البحث على مستوى عالم الإثبات و ما يستفاد من دليل الخطابين المتزاحمين، و أخرى: يكون البحث على مستوى عالم الثبوت و ما يترتب على كون التخيير عقلياً أو شرعياً.

أما البحث الإثباتي، فالصحيح هو أن التخيير عقلي على كل حال سواء كان الخطاب مشروطاً بالقدرة الشرعية، أي كان الاشتغال بالضد الواجب رافعاً للملاك و الخطاب معاً أم كانت القدرة عقلية. و ذلك لأن ظاهر دليل كل من المتزاحمين هو الخطاب التعييني به غاية الأمر قد فرض تقييده بالمقيد اللبي عقلًا أو بأخذ القدرة فيه شرعاً، و من الواضح أن كل واحد منهما في فرض عدم الاشتغال بالآخر يكون مقدوراً فيكون إطلاقه لفرض عدم الاشتغال بالآخر ثابتاً و مقتضياً لكونه تعيينياً ملاكاً و خطاباً فلا موجب لرفع اليد عنه و افتراض وجود ملاك واحد بالجامع بينهما كما ذكره المحقق النائيني- قده-. و عليه فلو ترك المكلف امتثال الخطابين معاً يكون بذلك مخالفاً لتكليفين فعليين في حقه و مفوتاً لملاكين ثابتين للمولى و أما إذا امتثل أحدهما فيكون ممتثلًا لتكليف و رافعاً لموضوع تكليف آخر كما هو واضح.

نعم، بناء على إنكار الترتب و القول باستحالته يقع التعارض بين الخطابين الظاهرين في التعيينية بلحاظ مورد التزاحم، فإذا فرض العلم بثبوت التكليف في الجملة في مورد التزاحم و عدم سقوطه رأساً اندرج المقام في الشبهة الحكمية التي يحتمل فيها وجود تكليف بالجامع أو بهذا تعييناً أو بذاك تعييناً

____________

(1)- نقل بتصرف من أجود التقريرات الجزء الأول، ص 277- 279.

106

فيحكم فيها بما تقتضيه الأصول العملية المنقحة في محلها.

و أما البحث الثبوتي، فإذا فرضنا القدرة عقلية بمعنى أنها غير دخيلة في الملاك، أو أن الدخيل في الملاك هو القدرة التكوينية المصححة لأصل التكليف بشي‏ء- القدرة الشرعية بالمعنى الأول على المصطلح المتقدم- فسوف يكون ملاك التكليفين معاً فعلياً إلّا أن المكلف عاجز عن استيفائهما. و في مثل ذلك كما يمكن للمولى أن يجعل خطابين تعيينيين لكل منهما مشروطاً بترك الآخر- التخيير العقلي- كذلك يمكنه أن يجعل خطاباً واحداً بالجامع بينهما- التخيير الشرعي- إذ يكون الفرق بينهما حينئذ في مجرد كيفية صياغة التشريع لا أكثر، و ما قيل من تعدد العقاب على التارك لهما معاً فيما إذا كان التخيير عقلياً و وحدته إذا كان شرعياً، غير تام على هذا التقدير لأن كون التخيير عقلياً و إن كان يستلزم فعلية الخطابين معاً على التارك لهما إلّا أنه لا يستلزم تعدد العقاب عليه و الوجه في ذلك: أن هناك عدة مسالك في تشخيص ما هو الميزان في تحقق العصيان و صحة العقوبة، ذكرناها في أبحاث الترتب.

المسلك الأول- أن يكون الميزان في العقوبة القدرة على الامتثال. فكلما لم يكن الامتثال مقدوراً لم يصح العقاب. و هذا هو المسلك الّذي جعله القائلون باستحالة الترتب منطلقاً للنقض على نظرية الترتب و أنها تستلزم العقوبة على أمر غير اختياري، و بناء عليه لا يكون في موارد التزاحم إلّا خطاب واحد و عقوبة واحدة.

المسلك الثاني- أن يكون الميزان في صحة العقوبة القدرة على التخلص من المخالفة سواء كان ذلك بالامتثال أو برفع الموضوع. و بهذا تصح العقوبة في موارد التزاحم إذا كان التخيير عقلياً، لأن الفرار و التخلص من مخالفة كلا الوجوبين الترتيبين مقدور للمكلف.

المسلك الثالث- أن يكون الميزان في صحة العقوبة أن لا يفوّت على‏

107

المولى ملاكاً لزومياً يهتم به، إذ لا موضوعية للخطاب بما هو جعل و تشريع في نظر العقل الّذي هو الحاكم المطلق في باب الإطاعة و العصيان، و إنما هو مجرد طريق لإبراز اهتمام المولى بالملاك. و لهذا يتحقق العصيان أيضا بتفويت ملاك لزومي للمولى إذا استكشفه العبد عن غير طريق الخطاب.

و الصحيح من هذه المسالك هو الأخير، و بناء عليه لا يتعدد العقاب على العاصي في موارد القدرة العقلية سواء كان هناك خطاب واحد بالجامع أو خطابين مشروطين، فإن أحد الملاكين في المقام فواته قهري على كل حال و ليس بتفويت من المكلف.

و أما إذا كانت القدرة شرعية و دخيلة في الملاك. فإن كانت بمعنى وجود الملاك بمقدار وجود القدرة لا أكثر فكما لا يوجد إلّا قدرة واحدة على أحدهما كذلك لا يوجد ملاك إلّا في أحدهما، فأيضاً لا يكون إلّا عقوبة واحدة سواء جعل الخطاب بنحو التخيير العقلي أو الشرعي. و إن كانت القدرة الشرعية بمعنى دخل عدم الاشتغال بواجب آخر في الملاك فهناك ملاكان فعليان على تقدير تركهما معاً، و هذا يعني أن المكلف كان يمكنه أن لا يفوت على المولى شيئاً من ملاكاته بالإتيان بأحدهما، فيتعدد العقاب لا محالة و يكون التخيير عقلياً.

و هكذا يتضح: أن المقياس في تعدد العقوبة و وحدتها لا يرتبط بكون التخيير عقلياً أو شرعياً، و إنما يرتبط بدخل عدم الاشتغال بالمزاحم في الملاك.

هذا كله فيما إذا لم يكن المتزاحمان مشروطين بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث، و أما إذا كانت القدرة شرعية بهذا المعنى- عدم الأمر بالخلاف- فإن أريد به عدم المنافي اللولائي- لو لا الحكم الأول- ففي فرض تساوي الخطابين لا يمكن التمسك بإطلاق شي‏ء من الدليلين لعدم تحقق الشرط المذكور، فلا يثبت شي‏ء من الحكمين ما لم يضم العلم من الخارج بانحفاظ حكم في الجملة،

108

فتكون شبهة حكمية دائرة بين التخيير و التعيين. و إن أريد عدم المنافي الفعلي ففي هذه الحالة يحصل التعارض بين الدليلين، لأن جعل وجوبين من هذا القبيل غير معقول في نفسه باعتبار استلزامه للدور المستحيل، إذ يكون كل من الخطابين بجعله رافعاً لموضوع الآخر- على ما تقدم شرحه سابقاً- فيعلم بكذب أحد الإطلاقين لا محالة، و هو معنى التعارض. و لو فرض التساقط و عدم الترجيح، و ضم إليه علم من الخارج بثبوت حكم في الجملة كانت شبهة حكمية دائرة بين التعيين و التخيير.

109

تنبيهاتُ بابِ التزاحُم‏

بقي التنبيه على أمور.

التنبيه الأول- هل يشترط في التزاحم بين الخطابين أن يكون التضاد بين متعلقيهما اتفاقياً لا دائمياً أو لا يشترط ذلك؟

الصحيح هو ذلك، فإن موارد التضاد الدائمي تكون من موارد التعارض بين الخطابين. و توضيح ذلك: انه في موارد التضاد الدائمي بين المتعلقين تارة: يفترض عدم وجود ضد ثالث لهما و أخرى: يفترض وجوده، فإذا كان المتعلقان ضدين لا ثالث لهما كان وقوع التعارض بين دليلي الحكمين واضحاً، لأنه لا يعقل التكليف بهما معاً لا جمعاً، لاستلزامه الجمع بين الضدين، و لا بدلًا بأن يشرط أحدهما أو كلاهما بعدم الأخر، لأنه من تحصيل الحاصل إذ أن وجود أحدهما على تقدير ترك الآخر ضروري فيكون أحد التكليفين أو كلاهما لغواً.

و أما إذا كانا من الضدين اللذين لهما ثالث، كما إذا ورد: تجب الصلاة عند طلوع الفجر. و ورد في دليل آخر: يجب التمشي عند طلوع الفجر مثلًا.

و هما ضدان لهما ثالث، فهل يعامل معهما معاملة الخطابات المتزاحمة اتفاقاً فيقال بعدم التعارض بينهما لأن كل واحد منهما مقيد لباً بعدم الاشتغال بالمساوي أو الأهم و لا يعقل أهمية كل منهما من الآخر فاما متساويان في الملاك‏

110

فيكون الترتب من الجانبين، و إما أحدهما أهم فيكون الترتب من جانب واحد، أو يقع بينهما تعارض؟ ذهبت مدرسة المحقق النائيني- قده- إلى الثاني.

و الصحيح، وقوع التعارض بين إطلاق الخطابين لا بين أصلهما. أما عدم التعارض بين أصل الخطابين فلأن ثبوت كل منهما مشروطاً بعدم الاشتغال بالآخر لا محذور فيه بعد البناء على إمكان الترتب، و أما وقوع التعارض بين إطلاقيهما فلأن المتفاهم عرفاً ثبوت الإطلاق في كل منهما لحال الاشتغال بالآخر فيكون معارضاً مع إطلاق الخطاب الآخر كما يشهد بذلك الوجدان العرفي.

و التخريج الفني لهذا الوجدان العرفي: أن ما ذكر في ما سبق للمنع عن التمسك بمثل هذا الإطلاق في أدلة الأحكام باعتباره تمسكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية لمخصصه اللبي المتصل، غير جار في المقام لأن خصوصية كون التضاد بينهما دائمياً بنفسها قرينة عرفية على أن المولى ينفي مانعية الاشتغال بالآخر عن الأمر بهذا، و عليه فلا بد من تطبيق قواعد باب التعارض بين إطلاقي كل من الخطابين لحال الاشتغال بالآخر فإن ثبت ترجيح لأحدهما كان مطلقاً و الآخر مشروطاً بعدم الإتيان به. و إلّا فيتساقطان و يثبت بهما حكمان مشروطان بنحو الترتب من الطرفين لما قلناه من عدم التعارض بين أصل الخطابين فإن إطلاق كل منهما لحال ترك الاشتغال بالآخر لا معارض له، كما هو واضح.

التنبيه الثاني‏

- قد اتضح مما تقدم في تعريف التزاحم أنه يستبطن وجود جعلين مترتبين من جانب واحد أو من جانبين، و لذلك قلنا أن خروج التزاحم من باب التعارض الحقيقي موقوف على القول بإمكان الترتب. و المقصود في هذا التنبيه الإشارة إلى الموارد التي لا يمكن فيها الترتب فلا يكون من باب التزاحم، حيث استعرض المحقق النائيني- قده- عدة موارد ادعى فيها عدم معقولية الترتب، فيكون خارجاً عن باب التزاحم. و لا بد قبل التعرض‏

111

لهذه الموارد من أن نشير إلى الضابط العام لإمكان الترتب فنقول:

هناك شرطان أساسيان لإمكان الترتب.

الشرط الأول- أن لا يكون أحد الخطابين مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنى الثالث و هو عدم الأمر بالخلاف، إذ لو كان كذلك فسوف يستحيل ثبوته و لو بنحو الترتب و مشروطاً بعدم الاشتغال بالمنافي، لأن الشرط عدم نفس الأمر الآخر و هو غير محفوظ حتى لو لم يشتغل بالمنافي.

الشرط الثاني- أن لا يكون ترك أحدهما مساوقاً مع تحقق الآخر، كما في الضدين اللذين لا ثالث لهما و إلّا كان الأمر به و لو مشروطاً بعدم الآخر مستحيلًا لأنه من طلب الحاصل.

فإذا اتضح ما هو الضابط العام لإمكان الترتب نرجع إلى استعراض الموارد التي ادعي فيها استحالة الترتب و بالتالي خروجها عن باب التزاحم.

المورد الأول- ما إذا كان أحد التكليفين مشروطاً بالقدرة الشرعية إذ لا يكون حينئذ ملاك فيه لكي يعقل الأمر به و لو مترتباً.

و لا أدري ما ذا فهم السيد الأستاذ- دام ظله- من هذا البيان فأورد عليه بإشكال الدور، و ان الملاك إنما يستكشف بالخطاب دائماً فهو موقوف عليه في مقام الإثبات فلو كان الخطاب الترتبي يستكشف بالملاك و موقوفاً على إحرازه لزم الدور و لزم بطلان الترتب في جميع الموارد إذ لا علم لنا فيها جميعاً بالملاك إلّا من ناحية الخطاب.

و الصحيح ما أوضحناه آنفاً من أن القدرة الشرعية الدخيلة في الملاك إن أريد بها دخل عدم وجود المانع الشرعي و الأمر بالخلاف في الملاك فلا يعقل الترتب، لا لعدم إحراز الملاك في المرتبة السابقة كي يلزم الدور، بل لانتفاء التكليف ملاكاً و خطاباً بانتفاء شرطه و هو القدرة بالمعنى المذكور.

112

و ان أريد بها دخل عدم الاشتغال بالواجب الآخر في الملاك كان الترتب معقولًا لتحقق الشرط بترك الاشتغال بالواجب الآخر.

و قد ذكر في المقام بعض الأمثلة الفقهية كتطبيقات لهذا المورد من موارد عدم إمكان الترتب و بالتالي خروجها عن باب التزاحم.

(منها) ما إذا كان الوضوء مزاحماً بواجب آخر أهم يقتضي صرف الماء فيه كما إذا توقف إنجاء نفس محترمة عليه، و قد حكم المحقق النائيني- قده- بسقوط وجوب الوضوء و الانتقال إلى التيمم بحيث لو توضأ به كان باطلًا لكونه مشروطاً بالقدرة الشرعية و هي منتفية.

و التحقيق، هو الحكم بالصحّة لأن ما يمكن أن يذكر لإثبات كون القدرة شرعية في الوضوء أحد تقريبين.

التقريب الأول- كونه مما له بدل و هو التيمم، و تقدم في البحث عن المرجحات أن ما يكون له بدل يكون مشروطاً بالقدرة الشرعية دائماً و لذلك يرجح عليه ما ليس له بدل.

و فيه: ما تقدم هناك مفصلًا من عدم إمكان استفادة ذلك من مجرد وجود البدل للواجب.

التقريب الثاني- و يتركب من مقدمتين:

أولاهما، أن قوله تعالى (فَلَم تَجِدُوا مَاءً فتيمّمُوا صَعِيداً.) (1).

قد دل على التفصيل بين الوضوء و التيمم و ان الثاني إنما يجب في فرض عدم وجدان الماء فيفهم منه بمقتضى كون التفصيل قاطعاً للشركة أن موضوع وجوب الوضوء هو الواجد للماء.

الثانية، ان المراد من وجدان الماء ليس هو وجوده الخارجي بل‏

____________

(1). 43 النساء.

113

القدرة على استعماله و تيسر الوضوء به و لو بقرينة ذكر المرض مع السفر في الآية المباركة الدال على أن الميزان هو القدرة و عدم المشقة و هو معنى كون القدرة الشرعية في دليل وجوب الوضوء.

و التحقيق: انه تارة: يراد جعل إحراز أخذ القدرة الشرعية بالقرينة الداخلية أو الخارجية مانعاً عن إمكان الترتب في الأمر بالوضوء، و أخرى يراد أن احتمال كون القدرة المأخوذة فيه شرعية أيضا مانع عن الترتب بحيث لا بد من إحراز عدم أخذها في إثبات الأمر الترتبي.

و الأول باطل مبنى و بناء، أما بطلان المبنى فلأن القدرة الشرعية لو كانت بمعنى يمنع عن الترتب- كما لو أريد منه عدم المنافي المولوي- فاحتمالها أيضا يكون مانعاً عن إمكان الترتب فلو كان الخطاب مشروطاً بما يحتمل أن يكون المراد منه القدرة الشرعية بالمعنى المذكور- كقيد الوجدان في الآية الكريمة- لم يجز التمسك به لإثبات الأمر و لو مشروطاً لأنه مقيد بقيد يحتمل ارتفاعه بنفس ثبوت الخطاب الآخر، بل لا بد من إحراز عدم أخذ القدرة الشرعية بالمعنى المذكور و لو بإطلاق و نحوه. نعم، لو أريد بالقدرة الشرعية دخل عدم الاشتغال بالأهم في الملاك أمكن إثبات الأمر الترتبي حتى لو علم بأخذها فيه، و هذا يعنى أن الصحيح هو التفصيل بين المعنيين للقدرة الشرعية لا بين إحراز أخذ القدرة الشرعية و عدم إحرازه. و أما بطلان البناء فلأنه:

أولا- يكفي الأمر الاستحبابي بالوضوء لتصحيح الوضوء فإنه غير مقيد بحسب لسان دليله بالقدرة الشرعية.

و ثانياً- إن الخطاب الوجوبيّ أيضا لم تقم قرينة فيه على أخذ القدرة الشرعية في موضوعه فإنه و إن كان مقيداً بفرض القدرة باعتبار أخذ عنوان عدم وجدان الماء الّذي هو كناية عن العجز و عدم القدرة على الوضوء و لو بقرينة عطف المرض على السفر في موضوع آية التيمم فتكون القدرة عليه مأخوذة في موضوع وجوب الوضوء و لكن عنوان القدرة و الاستطاعة لم يؤخذ بصورة مباشرة

114

في لسان دليل وجوب الوضوء. و ما تقدم من إمكان استظهار دخل القدرة في الملاك بنكتة أن الأصل في قيود الخطاب أن تكون للتأسيس إنما يتم فيما إذا أنيط الحكم صريحاً بالقدرة في لسان دليله لا في مثل المقام الّذي ورد فيه العجز في دليل البدل لتأسيس حكم آخر عليه ثم علم منه بقرينة أن التفصيل قاطع للشركة أن نقيضه مأخوذ في الحكم المبدل إذ لا يلزم من عدم دخل القدرة في ملاك المبدل أن يكون دليل البدل تأكيداً كما هو واضح.

و أما الاتجاه الآخر الّذي ينطلق من افتراض أن الأمر الترتبي بالوضوء مبني على إحراز عدم دخل القدرة في الملاك و لو بإطلاق الخطاب، فإن أريد من القدرة فيه ما يقابل العجز التكويني فيقال: إن القدرة بهذا المعنى إذا ثبت عدم دخلها في الملاك صح الأمر الترتبي و في المقام لا يمكن إثبات ذلك لأن المثبت له اما هو إطلاق المادة أو المدلول الالتزامي للخطاب- على ما تقدم شرحهما مفصلًا- و كلاهما غير جار فيما نحن فيه لأن المقيد لدليل الوضوء متصل به فلا ينعقد إطلاق في المادة و لا دلالة التزامية في الأمر لإثبات الملاك في فرض العجز التكويني. فيرد عليه:

أولا- كفاية إطلاق الخطاب الاستحبابي في إثبات الأمر الترتبي بالوضوء كما تقدم آنفاً.

و ثانياً- إن دخل القدرة التكوينية المقابلة للعجز التكويني في الملاك لا يضر بإمكان الترتب لانحفاظها في المقام و عدم ارتفاعها بمجرد ثبوت الأمر الأهم.

و ثالثاً- تمامية إطلاق المادة و الدلالة الالتزامية في المقام لو سلم بهما كبرويا.

أما الأول- فلان ما يصلح لرفعه هو أن يرد القيد في المادة ابتداء و قبل جعلها موضوعاً للحكم و الملاك و لا يكفي مجرد كون التفصيل قاطعاً للشركة بعد ورود قيد عدم وجدان الماء في آية التيمم لثلم هذا الإطلاق.

115

و أما الثاني- فلأن الآية ليست ظاهرة في التفصيل من حيث الحكم و الخطاب بل من حيث الوظيفة فلا يستفاد منها إلّا التفصيل في الامتثال و أما اختصاص التكليف بالقادر عقلًا فهو مقيد عام منفصل بحسب الفرض و إلّا لم يتم شي‏ء من الطريقين كبروياً.

و إن أريد القدرة الشرعية المقابلة لعدم الاشتغال بواجب آخر، فيرد عليه: مضافاً إلى الاعتراضات المتوجهة على المعنى المتقدم للقدرة. أنه لا يمكن استفادة هذا المعنى من عنوان عدم وجدان الماء الوارد في الآية الكريمة فإن غاية ما يمكن أن يذكر لتبرير هذه الاستفادة ذكر المرض مع السفر في آية التيمم و المريض يجد الماء عادة فلا بدّ و أن يراد من عدم الوجدان معنى أوسع. و لكن هذه القرينة لا تقتضي أكثر من كفاية القدرة العرفية على الوضوء و هي محفوظة كما هو واضح.

و إن أريد القدرة الشرعية بمعنى عدم المنافي المولوي اتجهت الاعتراضات الأربعة باستثناء الاعتراض الثاني منها، فإن القدرة الشرعية بمعنى عدم المنافي المولوي يمنع عن إمكان الترتب حيث يرتفع موضوع الأمر بنفس ثبوت الخطاب الآخر سواء امتثله أم لا فلا يعقل الأمر الترتبي كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

و هكذا يتضح أن الأمر الترتبي بالوضوء محفوظ في موارد المزاحمة مع تكليف آخر أهم.

(و منها) ما إذا كان الوضوء حراماً لكونه تصرفاً في مال الغير بدون إذنه مثلًا فإنه بناء على الامتناع يدخل في باب التعارض و أما بناء على الجواز فمع عدم المندوحة يكون من التزاحم بين التكليفين إلّا إذا قيل بكون القدرة شرعية في الأمر بالوضوء فيكون باطلًا لعدم إمكان الأمر به و لو بنحو الترتب. و أما إذا كانت هناك مندوحة فالأمر بالوضوء فعلي على كل حال لأن ملاكه المشروط بالقدرة

116

الشرعية فعلي، فإن قيل بمقالة المحقق- قده- من عدم التزاحم بين الواجب الموسع و المضيق بحيث يمكن الأمر بالجامع المنطبق على الفرد المزاحم لتكليف أهم- كما هو الصحيح- صح الوضوء بالأمر العرضي و إلّا- كما عليه المحقق النائيني- صح الوضوء بالأمر الترتبي بذلك الفرد لكون الملاك فعلياً على كل حال.

و الصحيح ما تقدم من عدم اشتراط الوضوء بالقدرة الشرعية بالمعنى الّذي يستحيل معه الأمر بنحو الترتب.

(و منها) ما إذا توقف الوضوء على مقدمة محرمة كما إذا توضأ بماء مباح و لكنه موضوع في إناء مغصوب. و التحقيق في هذه الصورة أن يقال:

تارة: يفرض الوضوء من الإناء المغصوب بنحو الارتماس الّذي يعد بنفسه تصرفاً في المغصوب و في مثل ذلك يدخل هذا المثال في الصورة السابقة. و أخرى:

يفرض الوضوء منه بنحو الاغتراف، فإن اغترف الماء لوضوئه كله دفعة واحدة و وضعه في إناء آخر ثم توضأ منه لم يكن إشكال في صحة الوضوء لوجود أمر مطلق به بعد سقوط الحرمة بالعصيان في الزمن الأول إذ لا يبقى مزاحم للوضوء حين القيام به. و إن اغترف الماء شيئاً فشيئاً في مقام التوضؤ فإن عد هذا بنفسه تصرفاً في المغصوب عرفاً أيضا اندرج في الصورة السابقة حيث يجتمع فيه عنوان الوضوء مع الغصب، و إن لم يعد بنفسه تصرفاً في المغصوب و إنما التصرف بالاغتراف الّذي يكون مقدمة للوضوء بالماء فقد ذهب المحقق النائيني- قده- إلى التفصيل بين صورتي الانحصار و عدمه فحكم بالبطلان في الأولى لعدم الأمر بالوضوء بعد أن كان مشروطاً بالقدرة الشرعية و بالصحّة في الثانية لفعلية الملاك بفعلية القدرة الشرعية على الوضوء فيمكن الأمر به و لو بنحو الترتب، غاية الأمر يكون تطبيقه على هذا الفرد مستلزماً لارتكابه محرماً بسوء اختياره.

و قد خالف في ذلك السيد الأستاذ- دام ظله- فحكم بصحة الوضوء

117

حتى في صورة الانحصار بدعوى: «أن القدرة تتجدد عند كل جزء من أجزائه بالعصيان و بارتكاب المحرم حيث إن المكلف بعد ارتكابه و اغترافه الماء من الأواني المغصوبة أو الذهب و الفضة يقدر على الوضوء- مثلًا- بمقدار غسل الوجه، و بما أنه يعلم بارتكابه المحرم ثانياً و ثالثاً إلى أن يتم الوضوء أو الغسل يعلم بطرو التمكن عليه من غسل سائر الأعضاء فعندئذ لا مانع من الالتزام بثبوت الأمر به مترتباً على عصيانه بناء على ما ذكرنا من صحة الترتب و جوازه و إن وجود القدرة في ظرف الإتيان بالأجزاء اللاحقة شرط لوجوب الأجزاء السابقة على نحو الشرط المتأخر. و من المعلوم أنه لا فرق في ذلك بين أن القدرة تبقى من الابتداء أو تحدث في ظرف الإتيان بها و قد عرفت أنه لا دليل على اعتبار القدرة بأزيد من ذلك» (1).

و الصحيح أن القدرة الشرعية المأخوذة في خطاب الوضوء إن أريد منها دخل القدرة التكوينية أو عدم الاشتغال بالضد الأهم في الملاك فالوضوء صحيح في المقام بالخطاب الترتبي و إن أريد منها دخل عدم المنافي المولوي بأن كان مشروطاً بعدم وجود حكم شرعي على خلافه فلا يمكن تصحيح الوضوء لأن القدرة الشرعية بهذا المعنى قد عرفت أنها قيد شرعي محض لا بد في إثباته من تقييد الخطاب به بحسب لسان دليله و لا يخفى أن ظاهر الأمر بشي‏ء مشروطاً بعدم المنافي المولوي أن لا يوجد مناف مولوي حين الإتيان به حدوثاً و بقاء و لا يكفي عدمه بقاء فقط، أي أن لا يكون مناف مولوي منذ حدوث الأمر لا عدم المنافي حين الامتثال فقط لأنه مقتضى إشراط الحكم بعدم المنافي الظاهر في ترتبه عليه. و إن شئت قلت: إن المستفاد من دليل شرطية القدرة بهذا المعنى أن الأمر بالوضوء لا يجتمع مع فعلية الحكم المنافي لأنه يكون معلقاً على عدمه و في المقام و إن كان كل جزء من أجزاء الواجب في ظرف الإتيان به لا يوجد مناف مولوي عنه بالخصوص إلّا أنه باعتبار ارتباطية هذه الأجزاء و عدم إمكان‏

____________

(1)- محاضرات في أصول الفقه الجزء 3، ص 189- 190.

118

فعلية الوجوب الضمني لكل منها مستقلًا عن وجوب الآخر لا يمكن فعلية الأمر بها لاستلزامها فعلية الأمر بالوضوء و المنافي المولوي معاً.

هذا و لكنك قد عرفت عدم الدليل على اشتراط القدرة الشرعية بالمعنى المذكور في خطاب الوضوء. كما أنه لو فرض استفادة ذلك من دليل الأمر الوجوبيّ المتمثل في الآية الكريمة كفانا الأمر الندبي المطلق في تصحيح الوضوء كما هو واضح.

المورد الثاني- إذا كان المتزاحمان طوليين في عمود الزمان مع كون المتأخر هو الأهم و القدرة فيهما عقلية فقد ذهب المحقق النائيني- قده- إلى استحالة الأمر بالمتقدم منهما و لو بنحو الترتب- و إنما قيدناهما بكون القدرة فيهما معاً عقلية لأنها لو كانت فيهما معاً شرعية فقد تقدم منه- قده- أنه لا يجري حينئذ الترجيح بالأهمية و لا الترجيحات الأخرى الراجعة إليه أو إلى الترجيح بالقدرة العقلية غير الموجود في شي‏ء منهما و يكون التخيير حينئذ شرعياً عنده لوجود قدرة واحدة على الجامع و ملاك واحد، و لو كانت في أحدهما عقلية و في الآخر شرعية فقد تقدم أيضا عدم إمكان الترتب عنده في المشروط بالقدرة الشرعية فلا يوجد إلّا تكليف مطلق بالمشروط بالقدرة العقلية فقط- و قد أفاد في وجه ذلك أن الأمر بالمتقدم على نحو الترتب إنما يتصور على أحد وجوه أربعة، كلها مستحيلة.

الأول- أن يكون مشروطاً بعدم الإتيان بالخطاب المتأخر و هو مستحيل لأنه يستلزم الشرط المتأخر و هو غير معقول عنده، مضافاً إلى أنه لا يكفي هذا التقييد لدفع المنافاة بينه و بين خطاب وجوب حفظ القدرة المتولد بلحاظ الواجب المتأخر الأهم.

الثاني- أن يكون مشروطاً بعدم تعقب امتثال الأهم و التعقب شرط مقارن عنده- قده- و به حاول تصحيح ما ثبت في الفقه مما ظاهره الإناطة

119

بالشرط المتأخر، و هذا مستحيل أيضا لأنه لا يدفع المحذور الثاني في الوجه الأول، مضافاً إلى أن التقييد بمثل هذا القيد بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه إثباتاً.

الثالث- أن يكون مشروطاً بعصيان خطاب وجوب حفظ القدرة و هو شرط مقارن، و هذا مستحيل أيضا لأن عصيان وجوب حفظ القدرة إما يكون بنفس الواجب المتقدم أو بفعل آخر مضاد لهما- لو فرض وجوده- و التقييد بكليهما غير معقول إذ يلزم على الأول طلب الحاصل و على الثاني طلب الضدين.

الرابع- أن يكون مشروطاً بالعزم على عصيان الواجب المتأخر الّذي يكون شرطاً مقارناً و هو أيضا مستحيل باعتبار ما تقدم في محله من عدم إمكان الأمر الترتبي مشروطاً بالعزم على العصيان.

و هذا الّذي أفاده مما لا يمكن المساعدة عليه. إذ يرد على ما أفاده في إبطال الوجه الأول من استحالة الشرط المتأخر: أنه لا استحالة فيه على ما حققناه في محله، خصوصاً في أمثال المقام الّذي يكون فيه الشرط المتأخر شرطاً في الخطاب فقط مع فعلية الملاك إذ المفروض كون القدرة في الواجبين عقلية و ليس شرطاً في الاتصاف كي يتوهم استلزامه تأثير المتأخر في أمر تكويني متقدم.

و يرد على ما أبطل به هذا الوجه أيضا من بقاء المضادة بين الأمر الترتبي و بين خطاب وجوب حفظ القدرة للواجب المتأخر.

أولا- أنه مبني على أن يكون وجوب حفظ القدرة خطاباً شرعياً لا مجرد حكم العقل باستحقاق العقاب على تفويت الواجب الأهم بتفويت القدرة عليه إذ على هذا لا يكون هناك إلّا حكم العقل بلزوم إطاعة التكليف الأهم و هو ليس حكماً آخر وراء التكليف الأهم كي تكون له محركية زائدة على‏

120

محركية ذلك التكليف و قد فرض الفراغ عن عدم المنافاة بين محركية الخطاب الأهم المطلق مع محركية الأمر الترتبي في مبحث الضد.

و ثانياً- لو فرض أن وجوب حفظ القدرة خطاب شرعي أيضا و ليس حكماً عقلياً بلزوم الطاعة فلا ريب أنه حكم طريقي محض للحفاظ على الواجب الأهم فليس لها محركية كي تكون منافية مع محركية الأمر الترتبي بالضد.

و يرد على ما أبطل به الوجه الثاني من بقاء محذور الثاني و هو المطاردة بين الأمر الترتبي و وجوب حفظ القدرة ما عرفته الآن. و على ما أبطل به هذا الوجه من عدم الدليل عليه إثباتاً، أن الدليل موجود و هو إطلاق الأمر بالواجب المتقدم لحالة تعقبه بعصيان الواجب المتأخر إذ لا وجه لرفع اليد عن هذا الإطلاق و به يثبت الأمر الترتبي المشروط بتعقب عصيان الأهم.

و يرد على ما أبطل به الوجه الثالث أمران:

الأول- ان حفظ القدرة أمر وجودي فيكون عصيانه بعدم حفظ القدرة و هو ملازم مع الواجب المتقدم ملازمة عدم الضد لضده فيكون التقييد به كالتقييد في سائر موارد الترتب من حيث كون الشرط في الأمر الترتبي ترك الضد الآخر.

الثاني- إن عدم حفظ القدرة و لو فرض كونه بنفس الواجب المتقدم و منطبقاً عليه أو على الضد الآخر مع ذلك لا محذور من تقييد الأمر به لأن القيد هو جامع عدم الحفظ الأعم من الإتيان بالواجب المتقدم أو بضد آخر بنحو صرف الوجود، و واضح أن التقييد بالجامع بنحو صرف الوجود لا يسري إلى الأفراد كي يلزم مجموع المحذورين بل يبقى على الجامع بحده و معه لا يكون الأمر بأحد فردي ذلك الجامع مشروطاً بتحقيق ذلك الجامع من طلب الحاصل أو طلب الضدين. نعم ربما يحصل هناك مانع آخر من الأمر الترتبي في المقام و ذلك فيما إذا كان الجامع محرماً و قيل إنه عين الواجب‏

121

المتقدم أو معلول له فتسري الحرمة الغيرية إليه مثلًا فيلزم غائلة الاجتماع إلّا أن هذا محذور آخر.

و أما إبطاله للوجه الرابع فهو غير تام أيضا لما أثبتناه في أبحاث الترتب من إمكان جعل الأمر الترتبي مشروطاً بالعزم على عصيان الأهم و تفصيله موكول إلى محله. و هكذا يتضح أن الترتب في المقام معقول فيكون مندرجاً في باب التزاحم.

المورد الثالث- ما إذا وقع التزاحم بين الواجب و الحرام كما لو توقف الواجب على فعل ذلك الحرام و كان الواجب هو الأهم ملاكاً، فإنه في مثل ذلك لا يعقل جعل الخطاب التحريمي على المقدمة المحرمة و لو بنحو الترتب.

و تحقيق الكلام في ذلك، أنه تارة: يبنى على عدم وجوب مقدمة الواجب و أخرى: يبنى على وجوب الحصة الموصلة منها أو إمكان اختصاص الوجوب بها، و ثالثة: يبنى على وجوب مطلق المقدمة و استحالة تخصيص الوجوب بالموصلة فقط- كما عليه صاحب الكفاية- قده- فعلى المسلك الأول و الثاني قد يتصور إمكان جعل الخطاب التحريمي على المقدمة بنحو الترتب بأن تحرم على تقدير عدم الإتيان بالواجب الأهم.

إلّا أن الصحيح هو حرمة الحصة غير الموصلة من المقدمة حرمة مطلقة لا مشروطة، إذ لا مانع من حرمتها كذلك و لا تزاحم بينها و بين فعل الواجب بل يمكن امتثالهما معاً و معه يكون إطلاق الهيئة في دليل الحرمة على حاله. نعم المقدمة الموصلة لا يعقل حرمتها لأنها تستلزم التكليف بغير المقدور بعد فرض إيجاب ذيها بل و محذور اجتماع الحرمة و الوجوب في واحد مع وحدة العنوان لو قيل بوجوبها لأن الواجب واقع المقدمة لا عنوانها.

لا يقال- الأمر دائر بين تقييد مدلول هيئة النهي عن المقدمة بما إذا لم يشتغل بذي المقدمة الأهم أو تقييد المادة بالحصة غير الموصلة منها و لا تَعَيّنَ‏

122

لأحدهما في قبال الآخر.

فإنه يقال- إطلاق المادة ساقط على كل حال، لما قرر في محله من رجوع شرائط الهيئة طرّاً إليها في أمثال المقام. إذ لا يعقل إطلاق المادة و صدقها في مورد لا يثبت فيه مفاد الهيئة، فتقيدها بالحصة غير الموصلة معلوم على كل حال، و معه لا موجب لرفع اليد عن إطلاق الهيئة لإثبات حرمة مطلقة للمقدمة غير الموصلة.

و أما على المسلك الثالث، فيستحيل جعل الحرمة للمقدمة على كل حال، لأن جعلها و لو مشروطاً منافٍ مع عدم إمكان تخصيص وجوبها بالموصلة فلا محالة يقع التعارض بين دليل حرمة المقدمة و دليل وجوب ذيها، فيكون من باب التعارض لا التزاحم.

و ما قد يدعى من أن الأمر الغيري بالمقدمة باعتباره مترشحاً من الأمر النفسيّ بذي المقدمة فيكونان في رتبة واحدة- أو على الأقل في رتبتين متصلتين- و التحريم الترتبي متأخر عن الأمر النفسيّ برتبتين لأنه متأخر عن ترك الواجب النفسيّ المتأخر عن الأمر به، و معه لا مانع من تعلقه بالمقدمة لعدم اجتماعه مع الوجوب الغيري في رتبة واحدة فاسد، صغرى و كبرى.

أما صغرى: فلأن المتأخر عن أحد المتلازمين ليس متأخراً عن الآخر.

مضافاً إلى المناقشة في أصل تأخر الخطاب الترتبي بالمهم عن خطاب الأهم، على ما تقدم في محله من أبحاث الترتب. و أما كبرى: فلما تقدم في تلك الأبحاث أيضا من أن غائلة اجتماع الضدين في واحد لا ترتفع بتعدد الرتبة. و هكذا يتضح أنه لا مجال للخطاب الترتبي التحريمي بالمقدمة المحرمة على تمام المسالك في بحث وجوب المقدمة، بل إما خطاب تحريمي مطلق فلا تزاحم و لا تعارض، أو خطاب تحريمي معارض مع الأمر بذي المقدمة.

و منه يتضح الحال في تمام موارد التزاحم بين الواجب و الحرام مع كون‏

123

الواجب أهم و لو لم يكن الحرام مقدمة للواجب، أو بين الحرامين فإنه لا حاجة فيها إلى الترتب، إذ لو كان عصيان الواجب مساوقاً مع امتثال الحرمة دائماً فجعل الخطاب التحريمي له و لو بنحو الترتب يكون لغواً. و إن كان عصيانه غير مساوق مع امتثال الحرمة بأن أمكنه فعل الحرام أيضا، فلا مانع لجعل التحريم المطلق للحصة المقيدة بترك الواجب من ذلك الحرام من دون حاجة إلى الترتب و دفع إشكالات المطاردة بين التكليفين فيه، إذ لا مانع من فعلية مثل هذا الخطاب التحريمي مع الأمر بالواجب الأهم، لأن المكلف قادر على امتثالها معاً من دون أن يلزم طلب الجمع بين الضدين أصلًا. نعم إذا كان ترك الاشتغال بالواجب من شرائط الاتصاف بالنسبة للحرام- أي من شرائط حصول الملاك التحريمي فيه- كانت الحرمة مقيّدة بعدم الاشتغال به بنحو الترتب، إلّا أن هذا خلاف إطلاق الهيئة فيكون منفياً به. و دعوى، دوران الأمر بين تقييد المادة أو الهيئة قد عرفت جوابها، و هذا بخلاف التزاحم في باب الواجبات فإن الأمر المطلق بالمهم غير ممكن و لو قيدنا الواجب بالحصة الخاصة المقارنة لترك الأهم فإنه يستلزم الأمر بالقيد و هو ترك الأهم فيكون منافياً مع الأمر بالأهم، و لذلك حاول المحقق العراقي- قده- إرجاع الأمر بالمهم في موارد الترتب إلى حرمة تركه المقرون بترك الأهم، و قد سماه بوجوب سد باب عدمه المقرون بعدم الأهم، دفعاً لمناقشات صاحب الكفاية- قده- على الترتب. و هذا و إن كان معقولًا ثبوتاً إلّا أنه خلاف ظاهر الأوامر إثباتاً.

المورد الخامس- موارد اجتماع الأمر و النهي، بناء على الجواز و عدم المندوحة، فإنه يقع حينئذ التزاحم بينهما. فإذا كان النهي أهم ملاكاً. لم يعقل إطلاق الأمر في مورد النهي لاستلزامه التكليف بغير المقدور. فهل يمكن بقاؤه بنحو الترتب، بأن يقول مثلًا إذا غصبت فصلّ، أم لا يمكن ذلك؟- ذهب المحقق النائيني- قده- إلى الثاني، و الصحيح هو الأول و تفصيل ذلك، إنه إذا قيل بالجواز على أساس أن تعدد العنوان يستوجب‏

124

تعدد المعنون خارجاً دخل المقام في مورد تزاحم واجب ملازم مع الحرام خارجاً، و لا إشكال في إمكان الأمر الترتبي فيه إذا لم يكن ارتكاب الحرام مساوقاً مع تحقق الواجب. و إذا قيل بالجواز على أساس المسلك القائل بأن تعدد العنوان يكفي لدفع غائلة الاستحالة و لو كان المعنون واحداً أو نحو ذلك من المسالك التي لا تلتزم بتعدد المعنون خارجاً فما يمكن أن يذكر للمنع عن إمكان الأمر الترتبي في المقام أحد وجهين، كلاهما غير تام.

الوجه الأول- أن عصيان الحرام سوف يكون بنفس الصلاة فيها أو المشي مثلًا لأن المعنون واحد بحسب الفرض فيستحيل أن يؤمر بالصلاة مشروطاً بالغصب على نحو الترتب، إذ لو رتب على الغصب الصلاتي كان طلباً للحاصل، و لو رتب على الغصب المشي كان طلباً للضدين، و كلاهما غير معقول.

و فيه: أن ما يتقيد به الأمر الترتبي إنما هو عصيان الخطاب الآخر الّذي هو الجامع بين الحركة الصلاتية في الغصب أو الحركة غير الصلاتية فيه و واضح أن التقيد بالجامع بنحو صرف الوجود لا يستلزم التقييد بكل فرد من أفراده و لا يسري إلى مصاديقه، كما تقدمت الإشارة إليه سابقاً.

نعم إذا فرض أن الأمر كان عبادياً فقد ينشأ محذور عدم إمكان التقرب بالفعل الحرام و لو كان مصداقاً لعنوان واجب إلّا أن هذا محذور آخر لا ربط له بما هو المهم في المقام كما هو واضح.

الوجه الثاني- أن الصلاة مركب من جامع الحركة و كونها صلاةً، و عصيان الخطاب التحريمي إنما يكون بالحركة في المغصوب التي هي التصرف فيه، فيرجع الأمر الترتبي بالصلاة مشروطاً بالغصب إلى الأمر بالحركة الصلاتية في المغصوب على تقدير الحركة فيه، و هذا معناه الأمر بضم الجزء الثاني على تقدير تحقق الجزء الأول، أي الأمر بالحركة الصلاتية على تقدير

125

أصل الحركة لا الأمر بالصلاة التي هي عبارة عن مجموع الجزءين. و هذا و إن كان معقولًا ثبوتاً إلّا أنه خلاف ظاهر الدليل إثباتاً فلا يمكن التمسك به لإثبات الأمر الترتبي.

و فيه: أولا- أن الأمر بأصل الحركة في ضمن الصلاة أمر ضمني، و الأمر الضمني محركيته و تحصيله ضمني أيضا، أي في ضمن تحصيل الكل، و ما هو الشرط المفروض حصوله إنما هو الحركة الاستقلالية أعني ذات الحركة، فلا يلزم من طلب الحركة الضمنية على تقدير أصل الحركة، تحصيل الحاصل.

و ثانياً- أن البرهان على اعتبار القدرة في التكليف المقيد لإطلاقه في موارد العجز عندنا إنما هو استظهار كون التكليف بداعي الباعثية و التحريك، و داعي الباعثية نحو غير المقدور أو نحو الأمر الحاصل غير معقول، فلا يبقى في دليل الحكم إطلاق عرفاً لموارد عدم معقولية التحريك و البعث. و هذا البرهان لا يقتضي أكثر من تقييد إطلاق التكليف في مورد يكون فيه الواجب ممتنع الوجود أو ممتنع العدم، إذ يكفي لإشباع ظهور الأمر بالمركب في كونه بداعي المحركية و الباعثية أن يكون المركب بما هو مركب غير حاصل خارجاً.

و من مجموع ما تقدم اتضح أن اللازم في صحة الترتب و دخول المورد في باب التزاحم توفر الشرطين المذكورين في مستهل البحث، و هما أن لا تكون القدرة المقيد بها التكليف بمعنى عدم الأمر بالخلاف. و أن لا يكون عصيان الخطاب الآخر مساوقاً مع تحقق متعلق هذا التكليف.

كما أنه اتضح أن موارد التزاحم بين الواجب و الحرام أو بين محرمين لا يحتاج فيها للتحفظ على الخطاب التحريمي إلى مبنى إمكان الترتب، بل مقتضى القاعدة فيها ثبوت الحرمة مطلقاً مع تقييد الحرام بالحصة الخاصة المقرونة بترك مزاحمه.

التنبيه الثالث- في التزاحم بين الواجبات الضمنية.

فقد ذهب المحقق‏

126

النائيني- قده- إلى عدم الفرق في تطبيق قواعد باب التزاحم بين الواجبات الاستقلالية المتزاحمة و الواجبات الضمنية كما إذا وقع التضاد بين جزءين من مركب ارتباطي.

و استشكل فيه السيد الأستاذ- دام ظله- مدعياً أن التزاحم فيما بين الواجبات الضمنية الارتباطية توجب وقوع التعارض بين أدلتها.

و الحق ما أفاده السيد الأستاذ. و فيما يلي نبرهن عليه بصيغ و تقريبات مختلفة.

الصيغة الأولى- أن الواجبات الارتباطية وجوباتها ارتباطية أيضا فتكون مجعولة بجعل واحد متعلق بالمركب لا بجعول متعددة. و هذا الجعل الواحد يشترط فيه ما يشترط في كل تكليف من القدرة على مجموع متعلقه، فإذا وقع التضاد بين جزءين من هذا المجموع لم يعد مقدوراً للمكلف فيسقط الأمر به، فإذا لم يقم دليل يدل على وجوب سائر الأجزاء في فرض العجز عن بعضها، فلا يمكن إثبات وجوبها بدليل الأمر الأول. و إن قام دليل على عدم سقوط الواجب كلياً- كما جاء في باب الصلاة من أنها لا تترك بحال- دار الأمر بين التكليف بسائر الأجزاء مع الجامع بين الجزءين المتزاحمين أو بها مع أحدهما تعييناً، و هذه شبهة حكمية في أصل التكليف و ليس من باب التزاحم، فلا بد فيها من الرجوع إلى الأصول و القواعد العامة.

الصيغة الثانية- أن الجزءين المتزاحمين إما أن يكونا معاً مؤثرين في الملاك المطلوب للمولى من الواجب الارتباطي مطلقاً، أو تكون دخالتها فيه مخصوصاً بحال القدرة فقط، أو يكون أحدهما المعين مؤثراً مطلقاً دون الآخر، أو يكون الجامع بينهما مؤثراً. و ليس شي‏ء من هذه التقادير بالتزاحم. إذ على الأول يلزم سقوط التكليف رأساً للعجز عن إمكان تحصيل الملاك منه. و على الثاني يلزم ثبوت التكليف بسائر الأجزاء فقط. و على الثالث يلزم التكليف‏

127

بسائر الأجزاء مع ذلك الجزء المؤثر في الملاك، و على الرابع يلزم التكليف بسائر الأجزاء مع الجامع بين الجزءين.

الصيغة الثالثة- إن الوجوب الضمني باعتباره غير مستقل في الجعل فأي شرط يفرض فيه لا بد و أن يكون شرطاً للجعل الاستقلالي فإذا أريد المعاملة مع الواجبين الضمنيين معاملة الواجبين الاستقلاليين المتزاحمين من حيث كون كل منهما مجعولًا على موضوعه، و هو القادر عقلًا و شرعاً، كان لازم ذلك أخذ هذا الموضوع في الخطاب الاستقلالي أيضا. و من الواضح أن القدرة على كل منهما لا تكون إلّا بترك الآخر فاشتراط إيجابهما بالقدرة معناه اشتراط ذاك الوجوب الاستقلالي بترك الاشتغال بالجزءين معاً فيؤول الأمر الاستقلالي إلى الأمر بالمركب مشروطاً بعدم الاشتغال بشي‏ء من أجزائه و هذا واضح الفساد.

الصيغة الرابعة- إن لازم إجراء التزاحم بين الواجبين الاستقلاليين فعلية إيجابهما عند تركهما معاً لفعلية شرط كلا الوجوبين. و في المقام يستحيل هذا اللازم فيستحيل ملزومه. و هو الأمر المشروط بنحو الترتب. و الوجه في استحالة اللازم ان الوجوبين في المقام جزءان تحليليان من وجوب واحد فإذا فرض ان المكلف ترك كليهما كان شرط كلا الأمرين الضمنيين فعلياً، و بالتالي يصبح الأمر بالمركب كله فعلياً. و هذا معناه ثبوت أمر استقلالي واحد يطلب فيه الجمع بين المتضادين و هو محال، لأنه من طلب الجمع بين الضدين لا الجمع في الطلب كما كان في الطلبين الاستقلاليين المتزاحمين.

و هذه الصياغات الأربع ربما تذكر في قبالها شبهة حاصلها: أنه يمكن افتراض تعلق الأمر من أول الأمر بعنوان ما هو المقدور من أجزاء المركب، و هذا عنوان جامع ينطبق على مجموع الأجزاء إذا كانت كلها مقدورة، و على المقدور منها إذا كان بعضها تعييناً غير مقدور، و حينما يقع تزاحم بين اثنين منها يكون ترك كل منهما محققاً للقدرة على الآخر فيكون مقدوراً و يكون‏

128

هو الواجب، و هو معنى الأمر بكل منهما منوطاً بترك الآخر كما في الواجبين الاستقلاليين المتزاحمين.

و هذه الشبهة إن تمت بطلت كل الصياغات المتقدمة على أساسها. أما بطلان الصيغة الأولى فلأن الواجب ليس الأجزاء العشرة بعنوانها كي يسقط الوجوب بالعجز عن البعض، و إنما الواجب هو المقدور منها و كل من الجزءين المتزاحمين مقدور على تقدير ترك الآخر. و أما بطلان الصيغة الثانية، فلأن الدخيل في الملاك على هذا إنما هو المقدور من الأجزاء، و كل من الجزءين على تقدير ترك الاشتغال بالآخر مقدور فيكون مأموراً به على هذا التقدير و هو معنى الترتب. و أما بطلان الصيغة الثالثة، فلأنها كانت مبنية على أن يكون الأمر بالأجزاء بعنوانها مع أخذ عدم كل من الجزءين بعنوانه في موضوع الأمر بالآخر، و أما إذا كان الأمر متعلقاً بعنوان المقدور من الأجزاء فكأنه قال، إذا كنت قادراً على شي‏ء من الأجزاء فجئ به، و لا محذور منه أصلًا، إذ يكون كل من الجزءين على تقدير ترك الجزء الآخر مقدوراً فيكون كل منهما على تقدير ترك الآخر واجباً. و إن شئت قلت: إن المقدور في حقه هو أحد الجزءين فلا يجب أكثر من أحدهما عليه مع سائر الأجزاء. و أما بطلان الصيغة الرابعة، فلأن الأمر إذا كان متعلقاً بالمقدور من الأجزاء فلا ينطبق إلّا على سائر الأجزاء و الجامع بين الجزءين المتزاحمين لا أكثر لأنه المقدور للمكلف، فلا يلزم طلب الجمع.

إلّا أن هذه الشبهة على فرض تماميتها لا تجدي في تطبيق أحكام التزاحم بالنهج المتقدم في المقام، إذ لو كانت القدرة شرعية في أحدهما عقلية في الآخر تعين الأمر بما تكون القدرة فيه عقلية دائماً و استحال الترتب، و إن كانت القدرة شرعية فيهما معاً ثبت التخيير دائماً و لم يتم شي‏ء من المرجحات المتقدمة، أما الترجيح بالقدرة العقلية فواضح، و أما الترجيح بالأهمية فلما تقدم من عدم جريانه في المشروطين بالقدرة الشرعية، و أما الترجيح بما ليس له بدل فلما

129

عرفت من رجوعه إلى الترجيح بالأهمية الّذي لا مجال له في المشروطين بالقدرة الشرعية، و أما الترجيح بالأسبقية زماناً فقد عرفت عدم تماميته، مع أنه لو أريد به سبق الوجوب فلا موضوع له هنا حتى لو قيل به في الواجبين الاستقلاليين لتعاصر الوجوبين الضمنيين زماناً، و لو أريد به سبق الواجب فالأمر بالمتقدم يكون متعيناً دائماً و لا يمكن الأمر بالتأخر و لو ترك المتقدم لفوات الملاك بذلك لأنه واحد بحسب الفرض.

و التحقيق أن هذه الشبهة غير تامة، و ذلك.

أولا: لأن القدرة ان افترضت قيداً للوجوب تمت الصياغات الأربع للاستحالة لأن معناه الأمر بالأجزاء العشرة بعنوانها و لكن مشروطاً بالقدرة عليها. و ان فرضت قيداً للواجب كما هو المقصود من الشبهة. كان من الأمر بالجامع بين المتزاحمين و هو يختلف عن باب التزاحم الّذي يوجد فيه أمران تعيينيان و لا يتأتى فيه البيان الّذي استطعنا أن نخرج به باب التزاحم على القاعدة عن باب التعارض الحقيقي ببركة المقيد اللبي المستلزم لدخوله في باب الورود.

فإن جعل القدرة قيداً للواجب تصرف في ظهور الدليلين الدالين على وجوب كل من الجزءين بعنوانه فلا يكون جائزاً على القاعدة. بل مقتضى القاعدة أنه لو علم بعدم سقوط الواجب الاستقلالي في مورد التزاحم وقع التعارض بين دليلي الجزءين، و إلّا كان مقتضى القاعدة هو السقوط المطلق للواجب باعتبار العجز عنه.

و ثانياً- إن أدلة الأجزاء و الشرائط ظاهرة في الإرشاد إلى الجزئية و الشرطية و لو كانت بلسان الأمر أو النهي. و هذا المفاد لا يجري فيه التزاحم أصلًا، إذ ليس مفادها حكماً تكليفياً يستحيل ثبوته للمتزاحمين معاً كي نفتش عن المقيد اللبي له، بل مقتضى إطلاقاتها لحال العجز ثبوت الجزئية أو الشرطية فيه أيضا، فيلزم سقوط التكليف الاستقلالي بالمجموع رأساً. و لو فرض العلم من الخارج بعدم سقوطه وقع التعارض بين إطلاق دليلي الجزءين المتزاحمين‏

130

على أساس العلم بانتفاء إحدى الجزئيتين.

التنبيه الرابع: في جريان أحكام التزاحم فيما إذا وقع التزاحم بين الواجب الموسع و المضيّق.

و قد نسب إلى المحقق الثاني- قده- القول بعدم جريانه فيهما لإمكان الأمر بالواجب الموسع المزاحم مع الواجب المضيق في عرض واحد و بلا حاجة إلى تقييد أحدهما بعدم الإتيان بالآخر باعتبار أن الواجب الموسع يرجع إلى إيجاب الجامع بين الأفراد الطولية و الإتيان بهذا الجامع مع الواجب المضيّق جمعاً مقدور فلا يلزم من الأمر بهما في عرض واحد المحال.

و نوقش في ذلك من قبل المحققين بوجوه لا يتم شي‏ء منها.

الوجه الأول- ما أفاده المحقق النائيني- قده- من ابتنائه على كون القدرة شرطاً في التكليف من باب حكم العقل بقبح تكليف العاجز، و أما لو كان الخطاب بنفسه يتطلب اختصاص متعلقه بالحصة المقدورة لأن مفاده البعث و التحريك و هو لا يعقل نحو غير المقدور حتى لو أنكرنا التحسين و التقبيح العقليين و كان الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، فلا بد من أن يكون متعلق الأمر حينئذ مقيداً بالحصة المقدورة عقلًا و شرعا من أفراده. و هذا يعني أنه لا إطلاق في الواجب الموسع للفرد المزاحم لعدم القدرة عليه شرعاً، و هو معنى عدم إمكان الأمر به في عرض الأمر بالواجب المضيق نعم يمكن الأمر به بنحو الترتب.

و قد اعترض عليه السيد الأستاذ- دام ظله- بما حاصله: (أن ما هو المشهور من أن الإنشاء إيجاد للمعنى باللفظ مما لا أساس له أصلًا و إنما حقيقة التكليف عبارة عن اعتبار المولى كون الفعل على ذمة المكلف و إبرازه بمبرز ما، فلا نتصور للتكليف معنى غير ذلك كما أنا لا نتصور للإنشاء معنى ما عدا إبراز ذلك الأمر الاعتباري، و اعتبار المولى الفعل على عهدة المكلف لا يقتضي‏

131

الاختصاص بالحصة المقدورة، فلا مقتضى من قبل نفس التكليف لاعتبار القدرة في متعلقه أبداً و إنما العقل يعتبرها شرطاً في لزوم الامتثال و الإطاعة (1).

و هذا البيان مما لا يمكن المساعدة عليه، و ذلك:

لأن المدعى في هذا الوجه ليس هو أخذ عنوان الباعثية و التحريك في المدلول التصوري لصيغة الأمر كي يربط بينه و بين ما هو الصحيح في تشخيص معنى صيغة الأمر أو الصياغة العقلانية للأحكام، و إنما المدعى أن الخطاب المشتمل على التكليف مهما كان مدلوله اللفظي التصوري يكشف كشفاً تصديقياً عن أن داعي المولى من ورائه هو بعث المكلف و تحريكه نحو الفعل و ليس المراد من الخطاب مجرد إخطار معناه أو لقلقة اعتبار، و مثل هذا الظهور التصديقي لأدلة الأحكام مما لا ينبغي الإشكال فيه. و مبنياً عليه لا يعقل أن يتعلق الخطاب بغير المقدور.

و الصحيح في الجواب: أن داعي الباعثية و التحريك لا يتطلب أكثر من مقدورية ما تعلق به الحكم، و المتعلق في الواجب الموسع هو الجامع بين الأفراد لا كل فرد فرد و الجامع بين الفرد المقدور و غير المقدور يكون مقدوراً لا محالة، فلا موجب لتقييده بالفرد غير المقدور، بل يبقى المتعلق هو الطبيعة الكلية، فإذا ما حققه المكلف في ضمن أي فرد كان امتثالا للتكليف لا محالة.

نعم، لو أرجعنا التخيير العقلي في باب الواجبات الموسعة إلى التخيير الشرعي الّذي يعني تعلق أمر بكل فرد مشروطاً بترك الأفراد الأخرى، لم يكن الخطاب شاملًا للحصة غير المقدورة- كالفرد المزاحم- إلّا بنحو الترتب.

غير أن المحقق في محله عدم رجوع التخيير العقلي إلى الشرعي، بل العكس هو الصحيح.

الوجه الثاني- ما أفاده السيد الأستاذ- دام ظله- من أن إطلاق الواجب‏

____________

(1)- نقل باختصار من محاضرات الجزء الثالث، ص 66- 68.

132

الموسع للفرد المزاحم غير معقول، بناء على المسلك القائل بأن التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة. لأن تقييده بالفرد المزاحم غير معقول و كلما استحال التقييد استحال الإطلاق‏ (1).

و فيه: أن الإطلاق المقابل للتقييد بتقابل العدم و الملكة إنما هو الإطلاق بمعنى عدم التقييد الّذي هو معنى سلبي يستلزم سريان الحكم إلى فاقد القيد، و ليس المراد منه الإطلاق بمعنى شمول الحكم للمقيد، فإن هذا معنى إيجابي لا يكون مقابلًا مع التقييد تقابل العدم و الملكة عند صاحب هذا المبني، و هذا يعني أن التقييد الّذي تستوجب استحالته استحالة الإطلاق في المقام هو التقييد بالفرد غير المزاحم، و هو غير مستحيل. و أما التقييد بالفرد المزاحم المستحيل فيقابله الإطلاق للفرد غير المزاحم فلا بد و أن يقال باستحالته كنتيجة طبيعية لهذا المبنى.

الوجه الثالث- إنه مبني على القول بالواجب المعلق و إمكان تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب إذ سوف يكون الأمر بالواجب الموسع فعلياً حتى في زمان المزاحمة- الّذي هو زمان الواجب المضيّق- مع كون متعلقه استقبالياً لأنه غير مقدور شرعاً بالفعل و إنما يصبح مقدوراً في الزمن الثاني.

و الجواب: ان القول باستحالة الواجب المعلق له أحد تخريجين.

الأول: ان الحكم يستبطن المحركية و الباعثية، و هي بحكم تضايفها مع الانبعاث و التحرك تكون ملازمة في الإمكان و الامتناع لإمكان الانبعاث و امتناعه، و ليس المقصود استلزام التكليف للانبعاث خارجاً، بداهة أن الخطاب يشمل العاصين أيضا و لا انبعاث لهم خارجاً. و إنما المقصود كشفه عن داعي البعث بمعنى إيجاد ما يمكن أن يكون باعثاً، و إمكانية البعث تلازم‏

____________

(1)- محاضرات الجزء الثالث، ص 94.

133

إمكانية الانبعاث و في مورد الواجب المعلق لا إمكانية للانبعاث خارجاً فلا يكون البعث ممكناً.

و هذا التخريج لو تمّ ثبتت استحالة تعلق الوجوب بالجامع بين الأفراد الطولية من أول الأمر في عرض الأمر بالواجب المضيّق، بل لا بد من تأخره و تخصيصه بالزمان الثاني، و معه لا أمر يعم الفرد المزاحم إلّا الأمر الترتبي. إلّا أن هذا الوجه في نفسه غير تام، فإن الخطاب و إن كان بداعي البعث و التحريك و لكنه لا يتطلب أزيد من إمكانية الانبعاث في مجموع عمود الزمان من الواجب الموسع و لا يلزم إمكانية الانبعاث في تمام آنات ذلك الزمان، لأن الخطاب بطبعه الأولي و بلحاظ عالم اللغة لا يدل على أكثر من الجعل الّذي لا يتوقف ثبوته على إمكانية الانبعاث، و إنما قيدناه بذلك بمقتضى الظهور السياقي الكاشف عن أن المدلول التصديقي من ورائه هو داعي البعث و التحريك، و هذا يتحدد وفقاً لما يفهمه العرف من سياق الخطاب و هو لا يفهم من التكليف بواجب يطلب صرف وجوده في عمود الزمان أزيد من داعي البعث و التحريك في مجموع ذلك الزمان، لا في كل آن آن منه.

الثاني- ان الواجب المعلق يستلزم أن يكون الحكم مشروطاً بشرط متأخر، فإنه باعتبار تأخر زمان الواجب عن زمان الوجوب في الواجب المعلق لا محالة يكون مجي‏ء ذلك الزمان شرطاً في صحة جعل الوجوب المتقدم فيكون مستحيلًا، بناء على استحالة الشرط المتأخر، نعم لو كان الشرط هو التعقب بالأمر المتأخر الّذي هو شرط مقارن لا متأخر أمكن جعله ثبوتاً، لكنه خلاف ظاهر الدليل على شرطية نفس الزمان المتأخر في الواجب إثباتاً.

و هذا التخريج أيضا غير تام. فإنه مضافاً إلى ما حققناه في محله من معقولية الشرط المتأخر، يرد عليه: أن شرطية القدرة و تقييد الخطاب به في المقام لم تكن بدليل خاص و إنما المقيّد حكم العقل بقبح تكليف العاجز أو الظهور

134

السياقي المتقدم، و من الواضح أن الضرورات تقدر بقدرها دائماً، و لا قبح في التكليف بالجامع من أول الأمر بعد ثبوت القدرة عليه و لو في الزمن المتأخر كما أنه لا ينافي الظهور السياقي المتقدم، و هذا يعني أنا نتمسك بإطلاق الخطاب لإثبات الوجوب في المقام من أول الأمر و نستكشف منه بالملازمة أن الشرط هو تعقب القدرة الّذي يكون شرطاً مقارناً. فإن كل إطلاق كان مفاده ممكن الثبوت بوجه يكون مقتضى القاعدة التمسك به.

و هكذا يتبين أن الصحيح هو ما ذهب إليه المحقق- قده- من عدم التزاحم بين الواجب الموسع و المضيّق.

التنبيه الخامس- ربما يتصور وقوع التعارض بين الخطابين في موارد التزاحم فيما إذا فرض الجهل بأحدهما. سواء قيل باستحالة الترتب في نفسه أو بإمكانه.

أما على الأول، فلأن المفروض وقوع التعارض بين الخطابين لاستحالة ثبوتهما معاً واقعاً، فلا بدّ من انتفاء أحدهما، من دون فرق بين علم المكلف أو جهله، فيكون نظير موارد اجتماع الأمر و النهي بناء على الامتناع و تغليب جانب الأمر من عدم الفرق في ارتفاع الأمر و بطلان العبادة فيها بين العلم بالحرمة أو الجهل بها.

و أما على الثاني، فلما جاء في تقريرات المحقق النائيني- قده- من أن الترتب إنما يعقل فيما إذا كان الخطاب المترتب عليه واصلًا للمكلف و منجزاً عليه فلو لم يكن منجزاً لم يكن موقع للخطاب الترتبي لأحد وجهين.

الأول- انه لا يتحقق العصيان للخطاب المترتب عليه الّذي هو شرط للخطاب المترتب لأن المفروض عدم تنجزه.

الثاني- انه لا يمكن تحقق العلم بالخطاب المترتب لمكان عدم العلم بما هو موضوعه من كونه عاصياً للخطاب المترتب عليه، لأن العلم بالعصيان فرع‏

135

العلم بالتكليف، و المفروض أنه جاهل به‏ (1).

و الصحيح، عدم التعارض بين الخطابين في موارد التزاحم مع الجهل بأحدهما، و عدم صحة قياسه بموارد اجتماع الأمر و النهي بناء على الامتناع بل يمكن التمسك فيها بالخطاب الواصل منهما حتى لو قيل باستحالة الترتب فضلًا عما إذا قيل بإمكانه. و الوجه في ذلك: ان محذور الامتناع المستوجب للتنافي بين الحكمين يختلف سنخاً في كل من البابين عنه في الباب الآخر، فالامتناع في باب الاجتماع إنما يكون في مركز سابق على الحكم، أي في مرحلة مبادئ الحكم من الحب و البغض و الإرادة و الكراهة، حيث يدعى- بناء على الامتناع- استحالة اجتماع الكراهة و الإرادة على موضوع واحد، و هذا لا ربط له بمرحلة الامتثال و تحرك المكلف خارجاً في مقام الطاعة كي يتأثر بتنجز التكليف عليه و عدم تنجزه، بل تكون الاستحالة على تقدير صحتها ثابتة سواء وصل الحكم إلى المكلف أم لا. و أما الامتناع في المقام فيكون بلحاظ عالم الحكم و ما يستتبعه من اقتضاء التحريك نحو الامتثال، و التحريك نحو امتثال الضدين معاً غير معقول، و أما مع قطع النّظر عن ذلك فلا يلزم من إرادتهما محذور اجتماع الضدين أو المثلين. كما أن مبادئ الحكم من الحب و البغض أمور تكوينية فلا ضير في تعلقهما بالضدين فتمام النكتة في المحذور ينحصر في هذا الباب بمرحلة الجعل و ما يستتبعه من التحريك نحو الامتثال الّذي هو فعل اختياري مباشر للمولى، فلا بدّ و أن يلحظ هذا المحذور و حدوده ليرى أنه يجري في موارد الجهل بأحد الحكمين أم لا؟

و الصحيح ان هذا المحذور غير جار في موارد الجهل بأحد الحكمين المتزاحمين و عدم تنجزه. أما على المسلك القائل بأن الحكم مجرد اعتبار و هو شامل حتى لموارد العجز، غاية الأمر لا يحكم العقل بلزوم الطاعة فيها، فلوضوح أنه على هذا المسلك يعقل الأمر بالضدين مطلقاً إذ لا محذور فيه غير أن العقل‏

____________

(1)- فوائد الأصول الجزء الأول، ص 222.

136

لا يحكم بلزوم الطاعة لأكثر من واحد منهما، فإذا كان التكليف الأهم غير منجز حكم العقل بتنجز التكليف المهم و لزوم امتثاله.

و أما على المسلك القائل باختصاص التكليف بموارد القدرة و عدم ثبوته في موارد العجز، فإن كان هذا التقييد بملاك قبح تكليف العاجز لكونه إحراجاً له على العصيان، فواضح أيضا أنه لا يقتضي أكثر من تقييد التكليف و إخراج موارد تنجز التكليفين معاً، و أما إذا كان أحدهما غير منجز فلا يلزم من إطلاق الآخر أي إحراج على العصيان. و إن كان التقييد باعتبار ما تقدم من استظهار كون التكليف بداعي التحريك و البعث فلا يشمل الا موارد إمكان الانبعاث خارجاً، و الضدان لا يمكن الانبعاث إليهما. فلأن المقصود من داعي البعث و التحريك ليس هو البعث الفعلي للمكلف، أو إذا انقاد و كان مطيعاً. و إلّا يلزم عدم ثبوت التكليف في موارد الجهل به و عدم وصوله إلى المكلف خصوصاً إذا كان قاطعاً بالعدم، إذ لو أراد أن يكون منقاداً لم يعقل منه الانبعاث أيضا، بل يلزم على الأول عدم التفات المولى إلى وجود العاصين، و إنما المقصود استظهار كون الداعي من التكليف هو الانبعاث على تقدير الانقياد و وصول التكليف- بنحو قيد المراد لا الإرادة-.

و ان شئت قلت: ان الداعي من التكليف هو الانبعاث الاقتضائي و حيث لا مانع عقلًا و شرعاً، و من الواضح أن هذا المعنى يعقل ثبوته بلحاظ كلا الضدين في موارد عدم تنجز أحدهما، إذ لا يلزم من إطلاق الأمر في كل منهما مشروطاً بعدم تنجز الآخر محذور التنافي بين الداعويتين لا ذاتاً، و لا عرضاً بلحاظ اقتضاء كل منهما لاستحقاق الامتثال، أما الأول فواضح، و أما الثاني فلأنه لو فرض تنجز التكليف المجهول ارتفع التكليف المعلوم فلا يكون مقتضياً للامتثال، و هذا يعني عدم اجتماعهما في اقتضاء الامتثال معاً فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق الخطاب الواصل في فرض عدم تنجز الخطاب الآخر.

137

و بهذا اتضح الوجه الفني لتصحيح الضد العبادي عند القائلين باستحالة الترتب فيما إذا كان التكليف الأهم مجهولًا بينما يحكم بالبطلان في موارد الاجتماع بناء على الامتناع و لو كانت الحرمة مجهولة، رغم أن الموردين على أساس ذينك المبنيين يكون كلاهما من باب التعارض بين دليلي الحكمين، حيث اتضح أن الخطاب لا بد أن يتقيد بناء على الامتناع بعدم النهي واقعاً و أما في باب التزاحم فيكفي تقييده بعدم تنجز الأهم و لو قيل باستحالة الترتب.

و منه يعرف ما في كلام المحقق النائيني- قده- فإنه على القول بإمكان الترتب أيضا يكون الخطاب الترتبي مشروطاً بعدم تنجز الآخر لا بعصيانه الّذي هو تقييد زائد في دليله، فإن الضرورات تقدر بقدرها دائماً، و عدم تنجز الآخر شرط محرز لدى المكلف.

هذا، مضافاً إلى أنه على القول بلزوم تقييد الأمر الترتبي بعصيان الآخر فلا موجب لفرض تقييده بعنوان العصيان بل يكفي لدفع غائلة المطاردة بين الحكمين أن يقيد بترك الضد الآخر الّذي هو أمر محرز أيضا. كما أنه عرف من هذا البيان: أن المقيد اللبي للخطابات الّذي به أخرجنا باب التزاحم عن التعارض ليس هو عدم الاشتغال بضد واجب واقعاً، بل عدم الاشتغال بضد واجب منجز فإذا فرض عدم تنجز وجوب الضد الأهم كان الأمر بالمهم فعلياً حتى لو اشتغل بالضد، و هذا يعني أن ما تقدم من أحكام التزاحم من التخيير عند التساوي و الترجيح بالأهمية و نحوها من المرجحات المستلزمة لورود أحد الخطابين على الآخر مخصوصة بما إذا كان الحكمان المتزاحمان واصلين منجزين.

التنبيه السادس- في تطبيق فكرة التزاحم على مسألة فقهية معروفة، و هي ما إذا وقع التزاحم بين وجوب الحج على المستطيع و وجوب الوفاء بالنذر و نحوه‏

، كما إذا نذر زيارة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة. و الصحيح‏

138

تقديم خطاب وجوب الحج على خطاب وجوب الوفاء في مقام التزاحم، و ذلك بأحد التقريبات التالية:

التقريب الأول- ترجيحه بالأهمية، فانا حتى إذا فرضنا ان القدرة في وجوب الوفاء عقلية و ان ملاكه مطلق ثابت على تقدير الاشتغال بالحج، مع ذلك رجحنا وجوب الحج، لأن القدرة فيه عقلية أيضا، فيكون ملاكه مطلقاً. و هو أهم إما جزماً أو احتمالًا. و قد تقدم صحة الترجيح بالأهمية.

أما كونه مشروطاً بالقدرة العقلية، فبمقتضى إطلاق دليله فإنه و إن قيد بالاستطاعة بحسب لسانه إلّا أن المراد من الاستطاعة- بلحاظ نفس الآية- ما يقابل العجز التكويني و ما يلحق به عرفاً من المشقة و الحرج- و بلحاظ الروايات- ما فسرت به من الزاد و الراحلة. و على أي حال لا تكون بمعنى عدم الاشتغال بواجب آخر، فلو كان أخذ عنوان الاستطاعة في لسان دليل ظاهراً في دخلها في الملاك فغاية ما يثبت في المقام دخل القدرة التكوينية في وجوب الحج و هي محفوظة، و دعوى: أن الخطاب مقيد لباً بعدم الاشتغال بالضد الواجب المساوي أو الأهم و معه لا يمكن التمسك بإطلاق الدليل لحال الاشتغال بالضد لإثبات فعلية ملاكه، إلّا على مسالك غير تامة.

مدفوعة: بما تقدم من تمامية الإطلاق في الخطاب لحال الاشتغال بالضد الواجب الّذي علم أنه ليس بأهم بل اما مساو أو مرجوح، فضلًا عما إذا كان يعلم بمرجوحيته.

و قياس المقام على دليل وجوب الوضوء الّذي كان مشروطاً بالقدرة بحسب لسان دليله فاستظهر منه كون القدرة شرعية فيه غير تام، إذ مضافاً إلى عدم تمامية الاستظهار المذكور في المقيس عليه- كما تقدم- أن نكتة تلك الاستفادة عطف المريض في الآية الكريمة على المسافر مع تمكنه من الماء خارجاً، مما قد يجعل قرينة على إرادة معنى أوسع للقدرة. و مثل هذه النكتة غير موجودة في المقام.

139

و أما أهمية ملاك الحج، فإن لم نقطع بها على ضوء ما ورد في الأحاديث الكثيرة من التأكيد على الحج و اهتمام الشريعة به و جعله أحد أركان الدين حتى عبر عن تركه بالكفر في الآية الكريمة و جاء في وصف تاركه بأنه يموت نصرانياً أو يهودياً على ما في بعض الروايات، فلا أقل من أن هذه المجموعة الضخمة من التأكيدات تستوجب انتفاء احتمال أهمية وجوب الوفاء في قبال احتمال أهمية وجوب الحج أو ضعفه على أسوأ التقادير، و هو كاف في الترجيح بالأهمية كما تقدم.

التقريب الثاني: ترجيح وجوب الحج باعتبار كون القدرة فيه عقلية و في وجوب الوفاء شرعية. أما الأول فلما تقدم في التقريب السابق. و أما الثاني فباعتبار ما ورد في لسان أدلة وجوب الوفاء بالشرط و نحوه من (أنّ شَرطَ اللّهِ قَبلَ شَرطِكُم) (1) الظاهر في أن هذا الوجوب لا يزاحم وجوباً شرطه اللّه تعالى.

التقريب الثالث: إنه لو سلمنا و افترضنا أن القدرة في وجوب الحج شرعية أيضا، بمعنى اشتراطه ملاكاً و خطاباً بعدم الاشتغال بواجب آخر مع ذلك نرجحه على وجوب الوفاء باعتبار كون القدرة الشرعية في وجوب الوفاء أخس من ذلك، لأنها بمعنى عدم الأمر بالخلاف، إذ الظاهر من اشتراط عدم مخالفة النذر لشرط اللّه تعالى أن لا يكون على خلافه إلزام من الشارع سواء اشتغل به أم لا، و لذلك لا يكون النذر و أشباهه منعقداً و لو لم يشتغل المكلف بالحج، و هذا بخلاف الاستطاعة المأخوذة في وجوب الحج فإنها لا ترتفع بمجرد الأمر بالخلاف:

التقريب الرابع: لو افترضنا أن القدرة في وجوب الحج شرعية بالمعنى المذكور عن عدم الأمر بالخلاف مع ذلك لا بد من تقديم وجوب الحج على‏

____________

(1)- وسائل الشيعة باب 13 من أبواب مقدمات الطلاق.

140

وجوب الوفاء بالنذر و شبهه باعتبار أن المستظهر عرفاً من أدلة وجوب الوفاء اشتراط القدرة الشرعية اللولائية فيه لا مجرد القدرة الشرعية بالفعل، أي أن المستفاد منها اشتراط عدم أمر شرعي بالخلاف في نفسه و بقطع النّظر عن وجوب الوفاء لأن الظاهر من القبلية في قوله شرط اللّه قبل شرطكم أن التكاليف و الالتزامات الشرعية المفروضة من قبل اللّه تعالى لا بد و أن تلحظ في المرتبة السابقة على شروطكم و بقطع النّظر عنها، فإذا كانت ثابتة كذلك فلا يصل الدور إلى شروطكم، و هو معنى القدرة الشرعية اللولائية. بينما دليل وجوب الحج حتى لو دل على اعتبار القدرة الشرعية فيه لا يستفاد منه أكثر من اعتبار القدرة الشرعية بالفعل، و قد تقدم أيضا أن المشروط بالقدرة الشرعية الفعلية يتقدم على المشروط بالقدرة الشرعية اللولائية.

هذه هي التقريبات الصحيحة في تخريج الحكم بتقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر و شبهه في موارد التزاحم. و لا يخفى أن طرف المزاحمة مع وجوب الوفاء تارة يكون أصل وجوب: الحج و أخرى: يكون فوريته بناء على وجوبها، فعلى الأول تتم الوجوه الأربعة جميعاً لترجيح وجوب الحج.

و على الثاني قد لا تتم إلّا الثلاثة الأخيرة منها. ثم إنه ربما يحاول تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر بوجهين آخرين.

أولهما: إن القدرة في وجوب الوفاء شرعية، باعتبار أن موضوعه هو الوفاء بالالتزام و التعهد الصادر من المكلف و هو لا يتعهد إلّا في حدود العمل المقدور له، فما التزم به المكلف هو الفعل المقدور و خطاب وجوب الوفاء موضوعه ما التزم به المكلف فيكون الفعل المقدور أيضا. فإذا ضممنا إلى هذا أن القدرة في وجوب الحج عقلية كما تقدم، تم ترجيحه على وجوب الوفاء.

و فيه: أن الالتزام و التعهد و إن كان مقيداً بالمقدور لباً إلّا أنه ينبغي أن يراد بالمقدور فيه ما يقابل العجز التكويني الّذي لا يتأتى الالتزام‏

141

الجدي به من قبل الإنسان العاقل الملتفت، لا ما يقابل الأمر بالخلاف أو الاشتغال بضد واجب، إذ لعله يلتزم الإتيان بالفعل على كل حال و لو بقصد التخلص عن الأضداد الواجبة في مقام المزاحمة، فهذا البيان لا يبرهن على أكثر من دخل القدرة التكوينية في وجوب الوفاء و قد تقدم أنه لا يكفي لترجيح الواجب الآخر عليه.

الثاني: ترجيح وجوب الحج على وجوب الوفاء بالأسبقية زماناً، بناء على أن وجوب الوفاء بالنذر و شبهه لا يصبح فعلياً من حين انعقاد النذر، و لا من حين تحقق ما علق عليه النذر خارجاً لئلا يلزم منهما التعليق في الإيجاب المستحيل مثلًا، و إنما يصبح فعلياً حين أداء الفعل المنذور- و هو يوم عرفة في المثال- و أما الحج فلا إشكال في فعلية وجوب الخروج إليه و تهيئة الزاد و الراحلة له من زمان خروج الرفقة فيكون أسبق زماناً.

و فيه: إن فرض أن القدرة في الواجبين عقلية فقد تقدم عدم تمامية الترجيح فيه بالأسبقية الزمانية، و إن فرض أنها شرعية فإن أريد من تقدم الحج زماناً- لوجوب الخروج إليه من زمان خروج الرفقة- تقدم الوجوب الغيري المقدمي فهو يستلزم تقدم الوجوب النفسيّ للحج أيضا، و هذا خلف الالتزام باستحالة الواجب المعلق المفترض في هذا الوجه، و إن أريد به تقدم وجوب الخروج الثابت بحكم العقل من باب وجوب المقدمات المفوتة قبل وقت الواجب، فهذا لا يصح إلّا في واجب يكون ملاكه فعلياً في الوقت و هو متوقف على أن تكون القدرة فيه عقلية و أما إذا كانت شرعية كما هو المفروض فلا تجب مقدماته المفوتة قبل الوقت على ما حقق في محله.

لا يقال- قد يفرض أن شرط فعلية الملاك ثبوت القدرة على الواجب و لو قبل الوقت بالقدرة على مقدماته المفوتة.

فإنه يقال- لو استظهر ذلك من دليل شرطية القدرة أيضا بطل الترجيح الأسبقية لأن المتأخر زماناً سوف‏

142

يكون ملاكه فعلياً و يكون الاشتغال بالمتقدم تفويتاً له لا رافعاً لموضوعه كما هو واضح.

هذا مضافاً إلى ما تقدم في بحث الترجيح بالأسبقية بحسب الزمان من احتياجه إلى استظهار تقييد زائد في دليل الخطاب فلا يمكن تخريجه على القاعدة.

التنبيه السابع [التزاحم بين مقتضيات الأحكام و ملاكاتها فى‏مقام التأثير]

- كان البحث حتى الآن في التزاحم الحقيقي الّذي يكون خارجاً عن باب التعارض الحقيقي، إلّا أن هناك قسماً آخر من التزاحم يكون من باب التعارض قد اصطلح عليه المحقق الخراسانيّ- قده- بالتزاحم بين مقتضيات الأحكام و ملاكاتها في مقام التأثير، و فيما يلي نتحدث عن هذا النحو من التزاحم و أحكامه.

التزاحم الملاكي:

التزاحم الملاكي- كما عرفه صاحب الكفاية- هو أن يقع تناف بين مقتضيات الأحكام و ملاكاتها في مقام التأثير، و ذلك في الموارد التي لا يمكن فيها فعلية الحكمين معاً و لو بنحو الترتب، كموارد اجتماع الأمر و النهي بناء على الامتناع، و موارد التضاد بين الواجبين بنحو يكون ترك أحدهما مساوقاً مع فعل الآخر التي تقدم عدم إمكان الأمر الترتبي فيها، و موارد التضاد الدائمي بين الخطابين بناء على مسلك المشهور من وقوع التعارض فيها بين أصل الدليلين، ففي هذه الموارد إذا فرض إحراز ملاكي الحكمين سوف يقع التزاحم الملاكي بينهما.

و الفرق بين التزاحم الملاكي و التزاحم الحقيقي يتلخص في النقاط التالية:

1- إن موارد التزاحم الحقيقي لم تكن فيها منافاة بين الحكمين المتزاحمين بحسب عالم الجعل بل كل منهما كان ثابتاً على موضوعه المقدر الوجود- و هو القادر- من دون محذور. و إنما التنافي في مرحلة فعليتهما، بمعنى أن امتثال‏

143

أحدهما كان يرفع موضوع الآخر فلا يكون فعلياً. و أما في التزاحم الملاكي فالتنافي يكون بين الجعلين على كل حال اما من جهة وحدة موضوعهما المستلزم لاجتماع الضدين و اما من جهة كون عصيان أحدهما مساوقاً مع حصول متعلق الآخر المستلزم لطلب الحاصل، و كلاهما مستحيل.

و إن شئت قلت: إن تقييد موضوع كل جعل بالقادر عقلًا و شرعاً مع افتراض إمكان الترتب كان يكفي لارتفاع التنافي بين الجعلين في موارد التزاحم الحقيقي- على ما تقدم مفصلًا- و لكنه لا يكفي لرفع التنافي بينهما في موارد التزاحم الملاكي لبقاء محذور استحالة اجتماع الحكمين المتضادين على شي‏ء واحد أو محذور استحالة طلب الحاصل على حاله حتى لو فرض إشراط أحدهما بعصيان الآخر، كما هو واضح.

2- و يتفرع على ما سبق أنه ما دام لا يوجد تناف بين الجعلين في موارد التزاحم الحقيقي فلا تعارض بين الدليلين المتكفلين لهما لأن الدليل مفاده الجعل لا فعلية المجعول، و أما في موارد التزاحم الملاكي فيوجد تعارض بين الدليلين ما دام لا يعقل ثبوت الجعلين معاً.

3- و يتفرع على ما سبق أيضا، أن لا حاجة في موارد التزاحم الحقيقي إلى بذل عناية من قبل المولى في ترجيح أحد الحكمين على الآخر أو التخيير بينهما، لأن المولى ليس من وظيفته تحديد موضوع الجعل و ما هو مرتفع منه أو ثابت، و إنما العقل هو الّذي يشخص ذلك. و أما في التزاحم الملاكي فلا مناص عن تصرف من قبل المولى نفسه إذا أريد ترجيح أحد الحكمين على الآخر، لأن هذا التزاحم يواجهه المولى في مرحلة الجعل فيكون من وظيفته تحديده إطلاقاً أو تقييداً، فمن دون ترجيح لأحدهما على الآخر في مقام الجعل لا يكون للعقل شأن فيهما كما هو واضح. و على ضوء هذه الفروق سوف ندرس التزاحم الملاكي من ناحيتين.

144

أولا- في تنقيح الموضوع و كيفية إحراز الملاكين في المورد.

و ثانياً- في أحكام التزاحم الملاكي من الترجيح بمرجحات باب التزاحم أو مرجحات باب التعارض.

1- طرق إثبات الملاكين في باب التزاحم:

قد اتضح فيما سبق أن موارد التزاحم الملاكي مندرجة في باب التعارض بين الأدلة، فإذا كان مقتضى الأصل عند التعارض هو التساقط فكيف يمكن إحراز انحفاظ الملاك في مورد التعارض، إذا لم يفرض دليل خارجي يدلنا عليه كما هو الغالب؟

و فيما يلي عدة محاولات لإثبات الملاك في موارد التزاحم الملاكي نستعرضها مع مناقشة كل منها.

المحاولة الأولى- ما أفاده المحقق الأصفهاني- قده- في حاشيته على الكفاية في بحث اجتماع الأمر و النهي و حاصله: التمسك بالدلالة الالتزامية للخطاب بعد سقوط الدلالة المطابقة على الحكم فإن خطاب (صلّ) كما يدل على وجوب الصلاة كذلك يدل على وجود مقتضي الوجوب و ملاكه فيها، و كذلك الحال في خطاب (لا تغصب) و غاية ما يقتضيه محذور الامتناع عدم إمكان ثبوت الحكمين المتضادين في المجمع، و أما المقتضي لكل منهما فلا برهان على استحالة اجتماعهما في مورد واحد و الدلالة الالتزامية تابعة للمطابقة وجوداً و ذاتاً لا حجية و اعتباراً (1).

و هذه المحاولة غير تامة، و ذلك:

أولا- لما سوف يأتي في موضعه من أن الصحيح هو التبعية بين الدلالتين المطابقية و الالتزامية ذاتاً و حجية.

____________

(1)- راجع نهاية الدراية، الجزء الثاني من المجلد الأول، ص 91.

145

و ثانياً- النقض بسائر موارد التعارض بين الأدلة- كما في التعارض بنحو التباين بين وجوب شي‏ء و حرمته- فإنه لا يقال فيها بالتزاحم الملاكي، مع أن البيان المذكور جار فيها أيضا.

و كأن المحقق العراقي- قده- الّذي حاول أيضا إحراز الملاك في المجمع بنفس البيان المتقدم، قد تفطن إلى ورود هذا النقض فصاغ مرامه بنحو آخر و حاصله: أن الخطاب كما يتكفل طلب الفعل أو الترك كذلك يدل بالالتزام على الردع من نقيضه، و كما أن المدلول الأول يكشف إنا عن وجود الملاك و مبادئ الطلب فيما تعلق به كذلك المدلول الثاني يكشف عن سلب جميع مباديه عنه، فتتشكل لكل خطاب مداليل أربعة بحسب النتيجة فإذا ورد الخطابان المتعارضان على مادة واحدة كما في أكثر موارد التعارض البحت مثل (صلّ و لا تصلّ) وقع التعارض بين المداليل الأربعة جميعاً، لأن كلا منهما كما ينفي المدلول المطابقي للآخر كذلك ينفي المدلول الالتزامي له من اشتماله على الملاك و مبادئ الحكم، و لذلك لا يبقى ما نحرز به الملاك. و أما إذا ورد الخطابان على عنوانين مختلفين، كما في موارد الاجتماع من قبيل (صل و لا تغصب) فإن فرض أن الغصب و الصلاة عنوانان متباينان لا يوجد بينهما جزء مشترك لم يكن تعارض بين المدلول الالتزامي للخطابين، إذ غاية ما يقتضيه كل منهما سلب مبادئ الحكم عن نقيض عنوانه و هو غير العنوان الآخر، و إن فرض وجود جزء مشترك بينهما فيكون طلب أحدهما مقتضياً سلب المبادئ عن نقيض ذلك المجموع لا نقيض كل جزء، فلا ينافي ثبوتها في المجموع الآخر (1). و بهذا فصل بين صورة تعلق الخطابين بموضوعين مستقلين يكون أحدهما بحسب العنوان غير الآخر فيجري في مثله التزاحم الملاكي، و بين صورة تعلق الخطابين بعنوان واحد فلا محيص من إجراء حكم‏

____________

(1)- نقل بتصرف من المقالات، الجزء الأول، ص 131

146

التعارض البحت عليه‏ (1).

و هذا البيان أيضا غير تام، إذ يرد عليه بالإضافة إلى ما ذكرناه من أن الصحيح هو التبعية بين الدلالتين في الحجية، أن الخطاب لا يدل على انسلاخ نقيضه عن الملاك لا بمدلوله المطابقي و لا بدلالته على الردع من النقيض، و إنما غاية ما يقتضيه الدلالة على أن مبادئ الطلب فيما تعلق به أقوى مما في نقيضه و أنه لا يوجد في ذلك النقيض مصلحة غالبة و لا مساوية و أما أصل وجود الملاك فيه فلا نافي له. مع أنه لو سلم ذلك بقي النقض في بعض موارد التعارض البحت على حاله، كما إذا فرض تعلق الأمر بالمطلق و تعلق النهي بالمقيد و لو كان من نفس عنوان المطلق- من قبيل (صل و لا تصل في المغصوب) فإن الأمر سوف لا يدل إلّا على انسلاخ نقيض الصلاة عن مبادئ الحكم، و هو لا ينافي ثبوتها في ترك المقيد بما هو ترك للمقيد، كما هو واضح.

المحاولة الثانية- التمسك بإطلاق المادة بالتقريب المتقدم عن المحقق النائيني- قده- لإثبات الملاك في موارد العجز لإثبات كون القدرة عقلية في الخطاب، حيث يدعى أن للمادة محمولين عرضيين، أحدهما الحكم، و الآخر الملاك، و ما لا يعقل ثبوته في موارد الاجتماع إنما هو إطلاق المادة بلحاظ المحمول الأول دون الثاني، فلا موجب لرفع اليد عنه.

و هذه المحاولة قد تقدم فيما سبق عدم تماميتها، فراجع.

المحاولة الثالثة- التمسك بإطلاق المادة بتقريب آخر أفاده المحقق الأصفهاني- قده- حيث قال: «و هنا طريق آخر لإحراز المصلحة المقتضية، و هو إطلاق المادة، فإنه لا ريب في أن المولى الّذي هو في مقام الحكم الحقيقي الفعلي يكون في مقام بيان تمام موضوع حكمه و المفروض عدم تقيد موضوع حكمه بعدم الاتحاد مع الغصب مثلًا لفظاً، و أما تقيده من حيث أنه موضوع الحكم الفعلي بعدم الاتحاد مع الموضوع المحكوم بحكم مضاد لحكمه عقلا فهو لا يكاد يكون قرينة حافة باللفظ ليصح الاتكال عليه عرفاً في مقام التقييد

____________

(1)- نهاية الدراية الجزء الثاني من المجلد الأول، ص 91.

147

المولوي، فتقييد مفاد الهيئة عقلًا لا يوجب تقييد المادة مولوياً. فتمام موضوع الحكم نفس طبيعة الصلاة المطلقة و إن لم يكن لها حكم عقلًا لمكان حكم مضاد أو لمانع آخر من جهل أو نسيان، فتكون المصلحة قائمة بذات الصلاة المطلقة فالمولى و إن كان في مقام بيان موضوع حكمه حال فعلية الحكم لكنه إذا ثبت أن طبيعة الصلاة المطلقة لفظاً هي تمام الموضوع في هذه الحالة فهي ذات المصلحة في جميع الأحوال، لما عرفت من عدم إمكان الاتكال في تقييد الموضوع على القرينة العقلية البرهانية» (1).

و بهذا الطريق حاول- قده- إحراز الملاك في موارد التزاحم الملاكي بين إطلاق الخطابين لا أصلهما كما في موارد اجتماع الأمر و النهي. و كأنه اتجاه عام لديه يثبت به الملاك في تمام موارد المانع العقلي عن فعلية مدلول الهيئة.

إلّا أن هذه المحاولة أيضا لا يمكن المساعدة عليها، و ذلك لأنه إن أراد أن التقييد العقلي البرهاني لا يوجب انثلام إطلاق المادة بل يحتاج في رفع اليد عن إطلاق المادة إلى أن يكون القيد مبرزاً في عالم اللفظ، فمن الواضح أن إطلاقها كما ينثلم بالمقيدات اللفظية فلا يمكن التمسك به، كذلك ينثلم بالمقيد العقلي لأنه يكشف عن أن متعلق الحكم ثبوتاً ليس هو الطبيعة المطلقة بل المقيدة.

و إن أراد أن المقيد العقلي إنما يقيد مدلول الهيئة و هو الحكم لا المادة، لأن البرهان العقلي قام على عدم إمكان اجتماع الحكمين المتضادين لا أكثر، فالحكم و إن لم يكن ثابتاً في مورد المانع العقلي إلّا أنه في مورد ثبوته يكون متعلقاً بذات المادة من غير قيد، ففيه:

أولا- ان المقيد العقلي في موارد الاجتماع منصب على المادة ابتداء إذا فرض وجود المندوحة، لأن مفاد الهيئة و هو الوجوب فعلى على كل حال،

____________

(1)- نهاية الدراية الجزء الثاني من المجلد الأول، ص 91.

148

و إنما الممتنع إطلاق المادة للفرد المحرم فلا بدّ و أن يكون مقيداً بغيره.

و ثانياً- لو فرض أن المقيد يقيد الهيئة ابتداء، كما في موارد العجز أو موارد اجتماع الأمر و النهي مع عدم المندوحة، مع ذلك لا يجدي التمسك بإطلاق المادة في حال فعلية الحكم لنفي دخل القيد في الملاك. و الوجه في ذلك ما ذكرناه في بحث الواجب المشروط من أن قيود الواجب على قسمين شرائط الاتصاف بالملاك و شرائط وجود الملاك و تحققه خارجاً، و التمسك بإطلاق المادة غاية ما يقتضيه نفي دخل القيد في الواجب بالنحو الثاني و أما دخله فيه بالنحو الأول فالنافي له هو إطلاق الهيئة دائماً لأن شرائط الاتصاف تكون من شرائط الحكم، فالذي يجدي في نفي شرطية قيد كذلك إنما هو التمسك بإطلاق الهيئة و المفروض تقيدها و عدم إمكان التمسك بإطلاقها لحال وجود المانع العقلي، فلا يمكن إثبات فعلية الملاك في موارد سقوط الحكم.

و إن أراد أن البرهان العقلي إنما قام على عدم إمكان شمول الأمر و إطلاقه للفرد المتحد مع الحرام- و كأن هذا مقصوده من تقييد مفاد الهيئة لا كون الوجوب مشروطاً- و هذا غاية ما يقتضيه ضيق دائرة الأمر و عدم إمكان شموله الفرد المتحد مع الحرام لا تقييد متعلقه بقيد عدم الاتحاد معه- بحيث يكون هذا التقيد مطلوباً أيضا كما هو لازم التقييد اللفظي- بل يبقى المطلوب في غير الفرد المحرم ذات الطبيعة لا غير، فيثبت أن ما فيه الملاك ذات الطبيعة أيضا.

ففيه: إن البرهان العقلي بعد أن كشف عن أن متعلق الأمر ثبوتاً ليس هو ذات الطبيعة بلا قيد و إنما الطبيعة المقيدة بغير الحرام- إذ لا واسطة بينهما- فلا يبقى إطلاق ليمكن أن يستكشف به عدم مطلوبية التقيد بعدم الحرام، فإن النافي لذلك إنما هو إطلاق المتعلق و المفروض استحالته ثبوتاً. و إن شئت قلت:

أن غاية ما يقتضيه هذا البيان أن لا يستكشف من تقيد متعلق الأمر ثبوتاً بالحصة غير المحرمة مطلوبية التقيد لأنه ضروري عقلًا حيث يستحيل الإطلاق،

149

نظير ما يقال في باب التعبدي و التوصلي من عدم إمكان استكشاف الإطلاق من عدم التقييد بقصد الأمر لاستحالة التقييد، لا أن يستكشف منه عدم المطلوبية و عدم دخله في الملاك.

ثم أنه لو تم شي‏ء من هذه المحاولات الثلاث لإثبات الملاك ففي خصوص موارد التزاحم الملاكي بين إطلاقي الخطابين- كموارد اجتماع الأمر و النهي- يكون له معارض نافٍ للملاك، و هو ما حقق في بحث التعبدي و التوصلي من أن مقتضى إطلاق الهيئة لما بعد الإتيان بالحصة غير الاختيارية- بناء على القول باختصاص الخطابات بالحصة الاختيارية- و كذلك بعد الإتيان بالحصة المحرمة- بناء على الامتناع- هو عدم الإجزاء و لزوم الإتيان بحصة اختيارية و غير محرمة.

فإن هذا الإطلاق كما يثبت عدم الإجزاء هناك كذلك يثبت عدم وفاء الحصة المحرمة بالملاك هنا، إذ لو كان وافياً به لكان مسقطاً للأمر فيكون عدمه قيداً فيه لا محالة.

لا يقال- إن إطلاق الهيئة هذا ساقط على كل حال لأن البرهان العقلي على التقييد- بناء على القول بالامتناع- يدور أمره بين أن يقيد المادة بغير الحصة المحرمة، أو يقيد الهيئة بما إذا لم يأت بالمجمع، و قد ذكر في محله:

أنه لا معين لأحدهما في قبال الآخر، فلا يمكن جعله معارضاً مع الدلالة الالتزامية المثبتة للملاك.

فإنه يقال- أولا: أن غايته حصول معارض آخر لإطلاق الهيئة إضافة إلى الدلالة الالتزامية المثبتة للملاك.

و ثانياً: قد حققنا في محله أن الصحيح عند الدوران بين رفع اليد عن إطلاق المادة أو إطلاق الهيئة رفع اليد عن إطلاق المادة و التمسك بإطلاق الهيئة، لسقوط إطلاق المادة على كل حال.

لا يقال- إن هيئة الأمر التي يراد التمسك بإطلاقها في المقام لها مقيد لبي متصل، و هو حكم العقل البديهي باستحالة بقاء الأمر بعد امتثاله، فيكون‏

150

المتعلق مقيداً بفرض عدم الإتيان به فلا يشمل حالات وجود المتعلق خارجاً، و طرو مخصص منفصل على المتعلق لا يوجب توسعة دائرة الإطلاق في الهيئة، لأن ظهورها الإطلاقي سقط ذاتاً بالمقيد المتصل و إنما يعود الإطلاق إلى الحجية بسقوط مقيده عن الحجية إذا كان منفصلًا و مزاحماً مع الحجية لا الظهور.

فإنه يقال- أولا: النقض بموارد تقييد إطلاق المتعلق بالمقيدات المنفصلة، فإن لازم هذا البيان عدم إمكان التمسك بإطلاق الهيئة فيما إذا جي‏ء بفرد فاقد للقيد من أفراد الطبيعة، لجريان نفس النكتة المتقدمة فيه، مع أنه لا إشكال عند أحد في عدم الاجتزاء به و لزوم الإتيان بالمقيد.

و ثانياً- إن الصحيح عدم سقوط الخطاب بالامتثال عن الفعلية، و إنما الساقط فاعليته فقط، فإن المحبوب لا يخرج عن كونه محبوباً بوجوده في الخارج، كما أن العلة لا تخرج عن كونها علة بتحقق المعلول، على شرح و تفصيل موكول إلى محله، و بناء عليه يرتفع الإشكال موضوعاً حيث يكون مفاد الهيئة فعلياً على كل حال فإذا فرض تقيد المادة بقيد زائد- و لو بدليل منفصل- كان اللازم الإتيان بالمقيد لا محالة.

و ثالثاً- لو سلمنا التقييد المذكور، فإنما نسلم تقييد مدلول الهيئة بعدم الامتثال، أي عدم الإتيان بما يكون متعلقاً له ثبوتاً لا عدم المادة المأخوذة في ظاهر اللفظ إثباتاً، فإن البرهان لا يقتضي أكثر من ذلك. و إطلاق المادة إنما يحرز صغرى هذا القيد و أن هذا الفرد امتثال، فإذا ورد التقييد و لو في دليل منفصل كان نافياً لصغرى القيد المذكور فيصح التمسك بإطلاق الهيئة.

فاتصال مدلول المادة بالهيئة لا يؤثر شيئاً بعد أن لم يكن هو المقيد على كل حال.

نعم فيما إذا لم يثبت تقييد المادة و إنما وجد معارض له- كما في المقام بناء على تساقط الإطلاقين المتزاحمين ملاكاً في المجمع- لا يمكن التمسك بإطلاق الهيئة سواء قيل بتقييده بعدم الامتثال أم لا إذ على الأول يكون من التمسك‏

151

بالعامّ في الشبهة المصداقية بعد عدم إمكان إحراز صغراه، و على الثاني لا يثبت كون الأمر متعلقاً بالمقيد.

إلّا أن هذا لا يضر في المقام لأن المقصود إبراز معارض في قبال الدال على وجود الملاك في المجمع من إطلاق المادة أو الدلالة الالتزامية، و واضح أن نتيجة الجمع بين إطلاق الهيئة لما بعد الإتيان بالمجمع و إطلاق خطاب النهي للمجمع أن الأمر متعلق بغير المتحد مع الحرام و أنه غير واجد للملاك، و معارضة إطلاق النهي مع إطلاق الأمر غاية ما يلزم منه أن تكون المعارضة بينهما من جهة محذورين. أحدهما، التضاد بين الحكمين. و الآخر، التكاذب في إثبات الملاك و نفيه.

و هكذا يتضح، أن الصحيح عدم وجود ما يثبت الملاك في موارد التزاحم الملاكي بعد سقوط الخطاب إلّا ما قد يفرض من الأدلة الخاصة في بعض الحالات.

2- أحكام التزاحم الملاكي:

ذهبت مدرسة المحقق النائيني- قده- إلى أن موارد التزاحم الملاكي ملحقة بباب التعارض البحت بين الدليلين فلا بد من تطبيق قواعد التعارض عليها و لم تلاحظ مدى تأثير مرجحات باب التزاحم الحقيقي عليه.

و فيما يلي نتحدث أولا عن مدى تأثير مرجحات التزاحم الحقيقي على هذا القسم من التزاحم ثم نتحدث عن تطبيق قواعد التزاحم عليه.

1- تطبيق مرجحات باب التزاحم:

إذا فرض وجود شي‏ء من مرجحات باب التزاحم الحقيقي في موارد التزاحم الملاكي من قبيل ما إذا كان أحدهما أهم من الآخر أو مشروطاً بالقدرة العقلية في حين أن الآخر مشروط بالقدرة الشرعية أو غير ذلك من المرجحات، فهل يمكن أن يثبت به الترجيح بنحو يرتفع التعارض من البين كما هو الحال في موارد التزاحم الحقيقي أم لا؟

152

الصحيح هو التفصيل. و لأجل توضيحه لا بد من استعراض صور وجود كل واحد من تلك المرجحات.

1- الترجيح بالأهمية. و هذا المرجح كان يحتوي على ثلاثة شقوق:

الترجيح بالأهمية المعلومة، و الترجيح باحتمال الأهمية، و الترجيح بقوة احتمال الأهمية.

أما الشقان الأولان فيمكن تطبيقهما في المقام على التفصيل التالي:

أ- إذا كان إحراز وجود الملاك الأهم في مورد التزاحم بدليل خارجي فسوف يتقدم الحكم الأهم لا محالة، إذ يعلم حينئذ بكذب الخطاب الآخر تفصيلًا. لأن جعله في ذلك المورد خلف فعلية الملاك الأهم فلا يكون إطلاق دليله حجة، فيتمسك بإطلاق دليل الخطاب الأهم لا محالة.

ب- إذا كان إحراز وجود الملاك الأهم في مورد التزاحم من نفس الخطاب- بناء على إمكان ذلك- فسوف يقع التعارض بين دليل الحكمين لا بحسب المدلول المطابقي لهما فحسب، بل تسري المعارضة إلى الدال على فعلية الملاك الأهم أيضا لأن المدلول المطابقي للخطاب غير الأهم يكذب فعلية الآخر ملاكاً أيضاً فلا يمكن إثبات ملاكه حتى على مقالة المشهور القائل بإمكان إثبات الملاك مع سقوط الخطاب. و يترتب على هذا القول في هذه الصورة نتيجة غريبة هي لزوم الإتيان بالخطاب غير الأهم بحكم العقل رغم تعارض دليليهما و ذلك لأن ملاكه محرز الوجود على كل حال بخلاف الأهم فيشك في أنه هل يتدارك ملاكه فيما إذا تركه إلى الأهم فيكون تفويته مرخصاً فيه من قبل المولى، أم لا؟ و قد تقدم في بحث الترجيح بالقدرة العقلية منجزية الملاك المحرز كلما شك في رضاء المولى بتفويته. إلّا أن هذه النتيجة إنما تترتب في موارد التزاحم الملاكي بين خطابي الضدين اللذين لا ثالث لهما أو الضدين الدائمين أو موارد الاجتماع بناء على الجواز و تعدد المعنون و عدم المندوحة إذا قلنا بمسلك المحقق النائيني‏

153

- قده- من عدم إمكان الترتب فيها- على ما تقدمت الإشارة إليه في بعض التنبيهات المتقدمة- لا ما إذا كان التزاحم الملاكي بين دليلي الإلزام بالنقيضين من قبيل (صل و لا تصلّ) أو موارد الاجتماع بناء على الامتناع، لأن الملاك غير الأهم المحرز فيهما إنما يكون بمعنى المصلحة و المفسدة لا الحب و البغض و الإرادة و الكراهة، لاستحالة اجتماعهما في موضوع واحد، و ما يكون منجزاً و لا يجوز تفويته عقلًا إنما هو الملاك الفعلي بمعنى الإرادة و الكراهة لا ذات المصلحة و المفسدة.

و أما الشق الثالث أعني قوة احتمال الأهمية، فغير مجد في المقام و لو أحرز وجود الملاك الّذي يكون احتمال أهميته أقوى بالعلم الخارجي، إذ لا يتولد منه العلم بكذب أحد الخطابين ما دامت الأهمية محتملة في الطرفين فيكون من التعارض بين المدلولين المطابقيين فحسب.

2- الترجيح بالقدرة العقلية: و هذا المرجح تارة: يراد منه ما يقابل القدرة الشرعية بمعنى عدم المنافي المولوي، و أخرى: يراد منه ما يقابل القدرة الشرعية بمعنى عدم الاشتغال بالآخر.

أما المعنى الأول- فهو يوجب الترجيح في مورد التزاحم الملاكي بين إطلاقي الخطابين لا أصلهما إذ يكون إطلاق الخطاب المشروط بالقدرة العقلية رافعاً لموضوع إطلاق الآخر. و أما إذا كان التزاحم الملاكي بين أصل الخطابين كما في مورد التضاد الدائمي أو التعارض بنحو التباين، فسوف يقع التعارض بين الدليلين و لا يمكن فيه الترجيح إذ يلزم منه إلغاء الخطاب المشروط رأساً، فيكون دليله مكذباً لأصل الخطاب الآخر و يسري التعارض منه إلى ما يثبت الملاك أيضا لاستحالة اجتماع الأمر المشروط مع ملاك الآخر، لأن فرض ثبوت الملاك يستلزم تأثيره في جعل الحكم الآخر المساوق لارتفاع موضوع الأمر المشروط.

نعم، إذا فرض ثبوت الملاك غير المشروط بالعلم الخارجي تم الترجيح،

154

باعتبار ما ذكرناه في فرض أهمية أحد الملاكين المحرز بدليل خارجي من حصول العلم بكذب الخطاب الآخر المستلزم لسقوطه عن الحجية.

و أما المعنى الثاني للقدرة الشرعية، فهو إنما يتعقل في باب التضاد بين الخطابين لا التناقض، إذ لا يعقل أن يكون الملاك في الأمر بشي‏ء مشروطاً بعدم الإتيان بنقيضه الّذي يساوق الإتيان به، فإنه لا معنى لأن يكون الإتيان بفعل سبباً في اتصافه بالملاك، إلّا بأن يرجع إلى التضاد بين متعلق الحكمين.

و الصحيح في هذا المرجح حينئذٍ هو التفصيل بالنحو المتقدم في الترجيح بالأهمية بين ما إذا أحرز الملاك غير المشروط من الخارج فيعلم بكذب الخطاب المشروط و سقوطه عن الحجية، لأن جعله مطلقاً خلف كونه مشروطاً ملاكاً، و جعله مشروطاً بترك الآخر تحصيل للحاصل، و بين ما إذا أحرز الملاك غير المشروط من دليل الخطاب نفسه فيقع التعارض بينهما و يسري إلى الدال على الملاك غير المشروط.

3- ترجيح ما لا بدل له: و هذا المرجح إن أريد منه عدم البدل العرضي كما في الصلاة في المغصوب مع وجود المندوحة حيث يكون للصلاة بدل عرضي فحاله حال المرجحين السابقين فيصح التفصيل بين ما إذا كان الملاك فيما لا بدل له محرزاً من الخارج فيعلم بسقوط الآخر و تعين ما لا بدل له ملاكاً و خطاباً، لأن ما له مندوحة لا يمكن أن يزاحم في مقام الجعل ما لا مندوحة له من الملاكات و بين ما إذا كان الملاك محرزاً من نفس دليل الحكم فتقع المعارضة بين إطلاق ما له بدل عرضي لمورد التزاحم المقتضى لفعلية ملاكه، و بين دليل الحكم الآخر، لأنه يكون نافياً له ملاكاً و خطاباً. و إن أريد من البدلية الطولية فقد تقدم في أبحاث التزاحم الحقيقي أنه راجع إلى أحد المرجحين السابقين و ليس مرجحاً مستقلًا، و عرفت مدى انطباقهما في موارد التزاحم الملاكي. و أما الترجيح بأسبقية الواجب زماناً فقد تقدم عدم تماميته هناك. و لو فرض صحة الترجيح بها هنالك في المشروطين بالقدرة