بحوث في علم الأصول - ج7

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
418 /
155

الشرعية لفعلية القدرة على الأسبق عقلًا و شرعاً قبل مجي‏ء الواجب المتأخر، فلا مجال لتوهم صحته في هذا المقام، لوضوح أن التعارض لا يرتفع لمجرد أن يكون مفاد أحد الدليلين المتعارضين متقدماً على الآخر زماناً. و هكذا يتضح أن مرجحات باب التزاحم الحقيقي يمكن تطبيقها على التزاحم الملاكي في الجملة لا بوصفها ترجيحاً لأحد الحكمين في مقام الفعلية، بل باعتبار ارتفاع التعارض بين الجعلين على أساسها إذا حصل العلم بسقوط أحدهما تعييناً فيكون الآخر حجة بلا معارض، فإن موارد التزاحم الملاكي تكون من باب التعارض بين الخطابين المتزاحمين فلا يمكن فيها ترجيح أحد المتزاحمين إلّا بعد سقوط الآخر عن الحجية. و منه يعرف أنه لا يختلف الحال في موارد التزاحم الملاكي بين أن يكون الحكمان منجزين معاً أو لا يكون أحدهما منجزاً، خلافاً للتزاحم الحقيقي الّذي كان مشروطاً بوصول الحكمين المتزاحمين، فإن التزاحم الملاكي بعد أن عرفت أنه من باب التعارض فلا يفرق فيه بين فرض تنجزهما و عدمه شأن تمام موارد التعارض بين الأدلة.

و النكتة في ذلك ما أشرنا إليه سابقاً من أن التنافي بين الجعلين في موارد التعارض ليس ناشئاً من ضيق القدرة في عالم الامتثال لكي يرتفع بعدم تنجز أحدهما.

ب- تطبيق قواعد باب التعارض:

بعد أن عرفت أن باب التزاحم الملاكي مندرج في باب التعارض و لو فرض إحراز ملاكيهما، يقع البحث عن مدى تأثير إحراز الملاكين على جريان قواعد باب التعارض فيه من الترجيح بحسب الدلالة أو السند أو التساقط عند فقد المرجحات.

و الكلام عن المرجحات الدلالية تارة، و السندية أخرى، و التساقط ثالثة.

1- المرجحات الدلالية:

أما الترجيح بحسب الدلالة فلا إشكال في انطباقه كما في موارد التعارض البحت، فيما إذا فرض وجود أحد موجبات الترجيح الدلالي. و إنما الكلام‏

156

في أن مجرد إحراز أقوائية أحد الخطابين ملاكاً من الآخر هل يكون موجباً لترجيح دلالي جديد يجمع على أساسه بين الخطابين أم لا.

ذهب صاحب الكفاية- قده- إلى الأول حيث قال: «فلا بد من ملاحظة مرجحات باب المعارضة لو لم يوفق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة فتفطن» (1).

و كأن مقصوده: إن أقوائية أحد الخطابين ملاكاً تقتضي عرفاً أن يحمل الخطاب الأضعف ملاكاً على الحكم الفعلي إذ لا يحتمل العكس، فيكون من حمل الظاهر على النص. و الصحيح أن هذا الجمع مما لا يمكن المساعدة عليه إذ لو أريد إعماله فيما إذا أحرز وجود الملاك الأقوى في مورد التعارض بالعلم الخارجي فقد عرفت مما سبق أنه في هذه الحالة يعلم بسقوط الخطاب الأضعف ملاكاً عن الحجية فترتفع المعارضة من البين. و إن أريد إعماله فيما إذا كان إحراز وجود الملاك الأقوى بنفس الخطاب ففي هذه الحالة و إن لم يكن يعلم بسقوط أحدهما إلّا أن إعمال هذا الجمع مما لا يساعد عليه العرف سواء أريد من الحكم الاقتضائي مجرد ثبوت مقتضي الحكم، بمعنى ثبوته الاقتضائي في مرتبة ثبوت مقتضيه، أو أريد ما هو أقرب إلى مفاد الهيئة و هو الحكم الحيثي الطبعي بمعنى أنه لو خلي و طبعه لكان فعلياً.

إذ لو أريد تطبيقه في موارد التزاحم الملاكي بين أصل الخطابين- كما في الضدين اللذين لا ثالث لهما أو التعارض بنحو التباين- فمن الواضح أن حمل أحد الدليلين على الحكم الاقتضائي يكون طرحاً لذلك الدليل و إلغاء لمفاده عرفاً، إذ ظاهر الدليل أنه يتكفل حكماً ينتهي إلى مقام العمل و لو في الجملة.

و إن أريد تطبيقه على مورد يكون التزاحم الملاكي فيه بين إطلاق الخطابين- كما في صل و لا تغصب- فيرد عليه: أن الدليل الأقوى ملاكاً و إن كان نصاً في الحكم الفعلي إلّا أن شموله لمورد التزاحم يكون بالإطلاق، و علاج التعارض بين الإطلاقين كما يمكن أن يكون بحمل الحكم على بالاقتضائي كذلك‏

____________

(1)- كفاية الأصول ج 1، ص 242 (ط- مشكيني).

157

يمكن أن يكون بتقيد أحد الإطلاقيين. هذا كله، مضافاً إلى ما سوف يأتي الحديث عنه من أن قواعد الجمع بين الدليلين المتعارضين ترجع كلها إلى ملاك القرينية أو الأظهرية و كلاهما مخصوص بما إذا كانت هناك نكتة في الدلالة تقتضي القرينية أو الأقوائية فلا يكفي فيها مجرد انتفاء احتمال في أحد الدليلين موجود في الآخر صدفة.

2- المرجحات السندية:

و أما المرجحات السندية المستفادة من الأخبار العلاجية فلا إشكال في عدم انطباقها في موارد التزاحم الملاكي بين إطلاقي الخطابين، بناء على ما سوف يأتي إن شاء اللّه تعالى من اختصاصها بموارد سريان التعارض إلى السند، و في مورد التعارض بين إطلاقي الدليلين لا تسري المعارضة إلى السند.

و أما مورد التزاحم الملاكي بين أصل الخطابين الّذي يكون التعارض فيه مستوعباً لتمام مدلول الدليلين، فقد يتوهم التفصيل في تطبيق المرجحات السندية بين ما إذا كان إحراز وجود الملاكين بدليل خارجي و بين ما إذا أحرز من نفس الخطاب، فعلى الأول يتم تطبيق المرجحات السندية لكون التعارض فيه يسري إلى، السندين و على التقدير الثاني لا يمكن تطبيقها لبقاء السند على الحجية في إثبات الملاك لكل من الخطابين.

غير أن الصحيح عدم الفرق بين التقديرين، لأن الموضوع في الأخبار العلاجية التي هي مهم الدليل على الترجيح السندي هو الخبران المختلفان و هو منطبق في المقام على كلا التقديرين. بل لا يبعد دعوى أن هذا داخل في القدر المتيقن من مورد تلك الأخبار، حيث لا يمكن تخصيصها بموارد التعارض البحت النادرة بناء على إمكان إثبات الملاك بنفس الخطاب.

هذا، مضافاً إلى أن استكشاف الملاك إذا كان على أساس بقاء الدلالة

158

الالتزامية على الحجية بعد سقوط المطابقية، و كان الملاك لازماً لصدور الخطاب لا لظهوره و إطلاقه، و قيل في بحث حجية لوازم الأمارات بأن حجيتها من جهة أنها في عرض المدلول المطابقي مما قامت عليه الأمارة لوجود حكاية تقديرية و مستترة عنها، فسوف يكون لدينا في المقام شهادتان من الراوي، شهادة بصدور أصل الخطاب، و شهادة أخرى بلازمه و هو ثبوت الملاك، و التعارض السندي لا بد و أن يلحظ في كل منهما مستقلًا عن الآخر و من الواضح أن التعارض يكون سارياً إلى الشهادة الأولى في كل من الدليلين فتنطبق عليهما المرجحات السندية.

3- التساقط:

و أما تساقط الدليلين في موارد التزاحم الملاكي عند فقد المرجحات الدلالية و السندية بنحو يمكن الرجوع فيها إلى الأصول العملية، كما هو الحال في سائر موارد التعارض البحت، فالصحيح هو التفصيل بين القول بالتساقط الجزئي في موارد التعارض أو التساقط المطلق، و نقصد بالتساقط الجزئي سقوط كل من الدليلين في إثبات مفاده تعييناً مع بقائهما على الحجية في نفي الثالث. فإنه إذا قلنا بذلك فسوف لن يختلف الحال في موارد التزاحم الملاكي عنه في موارد التعارض الأخرى، و أما إذا قلنا بالتساقط الكلي و إمكان الرجوع إلى الأصول العملية و لو كانت منافية مع مدلول الدليلين ففي مورد إحراز الملاكين- التزاحم الملاكي- لا يمكن المصير إلى الأصول العملية أحيانا، إذ قد يحصل من الرجوع إليها الترخيص في المخالفة العملية. و نذكر له مثالين.

1- أن يقع التزاحم الملاكي بين أمرين متعلقين بضدين دائميين و لهما ثالث، بناء على مسلك المشهور من وقوع التعارض بين أصل الخطابين في هذه الموارد، فإنه و إن فرض سقوط كل منهما لإثبات وجوب متعلقه إلّا أنه مع ذلك لا يمكن إجراء أصالة البراءة عن الوجوبين لأنه يؤدي إلى جواز

159

تركهما إلى ثالث و هو تفويت لملاك فعلى كل حال، لما أشرنا إليه سابقاً من أن الملاك التام- و هو المحبوبية- لا مانع من وجوده في الضدين معاً. و إن شئت قلت: أنه ترخيص في المخالفة القطعية لتكليف معلوم إذ يعلم في المقام إجمالًا اما بوجوب أحدهما تعينياً لو كان ملاكه أقوى، أو وجوب الجامع بينهما، فيكون من موارد الدوران بين التعيين و التخيير. نعم يمكن إجراء البراءة عن التعيين في كل منهما.

2- ما إذا فرض إحراز الملاكين في المتعارضين بنحو التباين مع كون أحدهما أعم مورداً و لكنه بنحو لا يمكن تخصيصه بالأخص، كما إذا ورد (تصدق على كل فقير و لا يجوز التصدق على الفقير القادر على العمل)، و فرض ندرة الفقير غير القادر على العمل. فإنه بناء على التعارض البحت بينهما يمكن الرجوع إلى أصالة البراءة عن كل من الوجوب و الحرمة، إذ لا يلزم منه مخالفة عملية، و أما بناء على إحراز الملاكين و وقوع التزاحم بينهما فلا يمكن إجراء الأصل المؤمن عن الحكمين معاً إذ يلزم منه تفويت ملاك فعلى لإيجاب التصدق على الفقير غير القادر من العمل الثابت بمقتضى إطلاق الخطاب بحسب الفرض.

التنبيه الثامن- في التزاحم بين المستحبات.

ربما يتصور اختصاص التزاحم و أحكامه بالواجبات و عدم جريانه في الخطابات الاستحبابية، كما التزم السيد الأستاذ- دام ظله- بذلك خارج بحثه.

بدعوى: أن الأوامر الاستحبابية لا يلزم من إطلاق أدلتها لحال التزاحم بين متعلقاتها محذور التكليف بغير المقدور، لجواز ترك المستحب على كل حال فلا تعارض بين إطلاقاتها ليفتش عن مقيد لبي يرفع به التنافي فيما بينها، كما هو الحال في أدلة الواجبات.

و التحقيق أن يقال: إن هذا يختلف باختلاف الوجه الّذي يستند إليه في المنع عن شمول الأمر للضدين في عرض واحد.

160

فإن كان الوجه في ذلك استلزامه إحراج المكلف على الوقوع في العصيان.

فهذا المحذور مخصوص بالأوامر الوجوبية و لا يجري في الأوامر الاستحبابية لعدم تحقق العصيان بمخالفتها.

و إن كان الوجه في ذلك استلزامه طلب الجمع بين الضدين- كما زعمه القائلون باستحالة الترتب- أو كان الوجه فيه ما هو الصحيح من أن الخطابات ظاهرة في داعي الباعثية و المحركية فلا تشمل موارد عدم إمكان التحرك و الانبعاث فلا بد من افتراض تقيدها لباً بحال عدم الاشتغال بضد واجب مساو أو أهم كما برهنا عليه فيما سبق، فهذان الوجهان لا يفرق فيهما بين الأوامر الوجوبية و الأوامر الاستحبابية إذ كما لا يعقل طلب الجمع بين الضدين وجوباً كذلك استحباباً، و كما أن الأمر الوجوبيّ ظاهر في داعي الباعثية و المحركية كذلك الأمر الاستحبابي فإنه لا فرق بينهما إلّا من حيث شدة الطلب و ضعفه. فلو كان للأمر الاستحبابي بأحد الضدين إطلاق حتى لحال الاشتغال بضده المستحب الأهم أو المساوي، فإن كان الغرض منه الإتيان به مع الإتيان بالآخر جمعاً فهو مما لا يمكن التحريك نحوه، و إن كان الغرض منه صرف المكلف عن الضد المساوي أو الأهم إليه فهو جزاف، كما تقدم في شرح البرهان على المقيد اللبي.

نعم، لو فرض أن دليل الاستحباب كان بلسان المحبوبية و الرجحان لا الطلب أمكن إطلاقه حتى لحال الاشتغال بغيره لأن المستحيل إطلاق الطلب للضدين في عرض واحد لا إطلاق مباديه كما أشرنا إليه فيما سبق.

ثم إنه إذا ضممنا إلى هذا الكلام من السيد الأستاذ- دام ظله- مبناه في دلالة الأمر على الوجوب القائل بأن مفاد الأمر ليس إلّا الطلب و أما الوجوب فيثبت بحكم العقل إذا لم يقترن الأمر بترخيص من المولى في الترك فسوف تترتب على ذلك نتائج في باب التزاحم لا يلتزم بها السيد الأستاذ نفسه. إذ ينتج من ذلك.

أولا: إن إخراج باب التزاحم عن باب التعارض لن يحتاج فيه إلى القول‏

161

بإمكان الترتب في مطلق الأوامر إذ لا مانع من إطلاق ما هو مفادها حينئذ- و هو الطلب- للضدين معاً، و إنما المحذور في وجوب الضدين بناء على استحالة الترتب، و المفروض أنه حكم عقلي ينتزع من الطلب حيث لا ترخيص في الترك، و في موارد التزاحم يكون إطلاق الأمر لكل منهما دالًا بالتزام على جواز ترك الآخر إليه، لأن فعله ملازم مع ترك الآخر فلا يعقل عدم الترخيص فيه مع طلب ملزومه، فلا ينتزع العقل وجوبه في قبال الآخر.

و ثانياً- عدم اندراج التزاحم في باب الورود، سواء قيل بإمكان الترتب أو باستحالته، لعدم التنافي بين ما هو مفاد الخطابين- و هو الطلب- لا في مرحلة الجعل و لا المجعول.

و ثالثاً- عدم جريان شي‏ء من أحكام التزاحم المتقدمة من الترجيح و التخيير فيه، لأن ذلك فرع لزوم تقييد الخطاب بعدم الاشتغال بالمساوي و الأهم فيكون كل منهما وارداً على الآخر بامتثاله، فإذا فرض عدم لزوم التقييد فيما هو مفاد الأمر لم يكن شي‏ء من الخطابين رافعاً لموضوع الآخر و لو كان أرجح.

و رابعاً: إمكان إثبات الملاك بإطلاق الخطاب في موارد العجز و عدم القدرة و بالتالي إثبات كون القدرة عقلية في الواجب.

و بعض هذه النتائج يترتب أيضا على القول بدلالة الأمر على الوجوب لفظاً بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

162

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

163

القرينية بأنواعِهَا

القرينية الشخصية (الحكومة) القرينية النوعية (التقييد التخصيص، الأظهرية)

164

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

165

القَرينيّة الشخصِيَّة

1- نظرية الحكومة:

الحكومة عبارة عن نظر أحد الدليلين إلى الآخر بمعنى اشتماله على خصوصية تجعله ناظراً إلى مدلول الدليل الآخر و محدداً للمراد النهائيّ منه. و من هنا نستطيع أن نعتبر الحكومة عبارة عن القرينية الشخصية لأحد الدليلين على الآخر حيث يكون الدليل الحاكم مشتملًا بحكم نظره إلى الدليل المحكوم على ظهور ثان زائداً على ظهوره الأول المخالف مع مفاد الدليل المحكوم و هو الظهور في أن المتكلم يجعل الظهور الأول هو المحدد النهائيّ لمرامه من الدليل المحكوم.

و بذلك يكون الاختلاف بين الحكومة و التخصيص أو غيره من الجموع العرفية الأخرى اختلافاً جوهرياً لا بحسب اللفظ و لسان الدليل فحسب، إذ القرينية في التخصيص قرينية نوعية عرفية و ليس بإعداد شخصي من المتكلم نفسه على ما سوف يأتي توضيحه قريباً إن شاء اللّه.

و بهذا يعرف أيضا الفارق بين الحكومة و الورود، فإن موارد الورود تكون خارجة عن التعارض الحقيقي بين الدليلين على ما تقدم توضيحه في نظرية الورود، في حين أن الحكومة- فيما إذا كان الدليل الحاكم يثبت خلاف ما يثبته المحكوم- يكون من حالات التعارض بين الدليلين مدلولًا و دلالة، لأن نسبة الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم نسبة القرينة إلى ذي القرينة و القرينة

166

تنافي ذا القرينة و مجرد كون القرينة شخصية لا نوعية و بإعداد المتكلم نفسه لا بقانون عرفي عام لا يستوجب رفع التنافي بين الدليلين كما هو واضح. و على هذا الأساس كان لا بد في إثبات عدم سريان التعارض في حالات الحكومة إلى دليل الحجية و كونها من التعارض غير المستقر من التسليم بكبرى عرفية تقول: بأن ظهور ما يعده المتكلم لتفسير كلامه يكون هو المحدد النهائيّ لمدلول مجموع كلامه، إذ من دون التسليم بهذه الكبرى كمصادرة عقلائية في باب المحاورات لا يكفي مجرد فرض الحكومة و نظر أحد الدليلين للآخر مبرراً لتقديمه عليه في الحجية. و هذه المصادرة التي افترضناها لنظرية الحكومة تكفي بنفسها لتخريج الحكومة و تقديم الدليل الحاكم على المحكوم سواء كان متصلًا به أو منفصلًا عنه فلا نحتاج في تقديم الحاكم المنفصل إلى مصادرة إضافية- كما نحتاج إليها في التخصيص على ما سوف يأتي- فإن نكتة أن للمتكلم أن ينصب القرينة بنفسه لتحديد مرامه من خطابه نسبتها إلى القرينة المتصلة و المنفصلة على حد سواء و إن كانت القرينة المتصلة تختلف عن المنفصلة من حيث تأثيرها على ظهور ذي القرينة و هدمها له في حين أن القرينة المنفصلة تهدم الحجية فحسب.

هذا و لكن هناك بيانان آخران يترددان في كلمات مشهور المحققين لوجه تقديم الحاكم على المحكوم غير ما ذكرناه، و هما.

البيان الأول: دعوى خروج موارد الحكومة عن التعارض الحقيقي بين الدليلين لأن الدليل المحكوم يدل على قضية شرطية مفادها ثبوت الجزاء على تقدير ثبوت الشرط، فقوله تعالى (وَ حَرّمَ الرّبا) (1) يدل على قضية شرطية مفادها أن ما كان رباً فهو حرام و القضايا الشرطية لا تتكفل إثبات الشرط أو نفيه إذ لا نظر لها إلّا إلى الملازمة بين ثبوت الجزاء و ثبوت الشرط و الدليل الحاكم الدال على أنه لا ربا بين الوالد و ولده ناظر إلى الشرط في‏

____________

(1)- سورة البقرة: آية 375.

167

الدليل المحكوم إثباتاً أو نفياً، فليس ما هو محط النفي في أحد الدليلين محط الإثبات في الدليل الآخر كي يتحقق التعارض بينهما.

و هذا البيان واضح البطلان، ذلك أن القضية الشرطية و إن لم تكن متكلفة لإثبات الشرط أو نفيه و لكنها دالة على فعلية الجزاء عند تحقق الشرط، بمعنى أنها بضميمة الدليل المثبت لفعلية الشرط- و لو كان هو العلم بتحققه- تدل على فعلية الجزاء و الدليل الحاكم ينفي فعليته بنفي فعلية شرطه، فإن كان الشرط المأخوذ في الشرطية- و هو الرّبا في المثال- ما كان ربا بنظر الشارع و اعتباره، إذن كان الدليل الدال على عدم اعتبار الزيادة بين الوالد و الولد رباً وارداً عليه لا حاكماً لأنه يرفع موضوعه حقيقة لا تعبداً، و إن كان الشرط ما هو رباً حقيقة فالتعارض بين مدلولي الدليلين ثابت لا محالة.

على أن هذا البيان قاصر عن إثبات وجه التقديم في جميع حالات الحكومة و أقسامها، لأن منها ما لا يكون بلسان نفي الموضوع على ما يأتي تفصيله.

البيان الثاني- إن الدليل الحاكم يتعرض إلى شي‏ء زائد لا يتعرض إليه الدليل المحكوم، فالحاكم مثلًا يتعرض إلى أن الربا بين الوالد و ولده ليس رباً إضافة على تعرضه لعدم الحرمة. لكن المحكوم يتعرض لحرمة الرّبا فقط و لا يتعرض لكون ذلك رباً أو لا، فيتقدم الأول على الثاني.

و هذا البيان أيضا لا يرجع إلى محصل، فإن مجرد فرض تعرض الحاكم إلى شي‏ء زائد لا يتعرض إليه المحكوم لا يكون سبباً للتقدم. نعم، هذا يستلزم النّظر إلى المحكوم فيتقدم عليه بملاك القرينية الشخصية و لذا يتقدم عليه حينما يوجد النّظر وحده و لا يوجد تعرض لشي‏ء زائد كما في بعض أقسام الحكومة من قبيل حكومة إطلاق دليل نفي الضرر و الحرج على إطلاقات أدلة الأحكام الأولية.

إن قلت: قد يكون المقصود من هذا البيان تطبيق نكتة أخرى لتخريج الحكومة و هي نكتة تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما،

168

و ذلك بتقريب: أن الحاكم يتعرض بمدلوله اللفظي لتحديد المراد الجدي من الدليل المحكوم، بينما دلالة الدليل المحكوم إنما يكون بمقتضى الأصل و الظهور الحالي و الدلالة اللفظية أقوى و أظهر من مقتضى الأصل العقلائي.

قلنا: إن دلالة الدليل على جدية مدلوله أيضا يكون بمقتضى الأصل و الظهور الحالي فيما إذا لم يكن صريحاً، فلولا افتراض نكتة النّظر و ان حجية الظهور في الدليل المحكوم مقيدة بعدم نصب المتكلم نفسه قرينة شخصية على خلافه مما يجعل الأصل و الظهور الحالي في جدية مدلول الحاكم حاكماً على حجية الظهور الحالي للدليل المحكوم و محرزاً لموضوع ارتفاعه. أقول: لو لا هذه النكتة التي هي المصادرة التي ادعيناها لنظرية الحكومة لم يبق موجب للتقديم لأن الظهور التصديقي في كل من الحاكم و المحكوم كثيراً ما يكون بدرجة واحدة من الظهور و الكاشفية و بملاك واحد.

2- أقسام الحكومة:

قد عرفت أن الدليل الحاكم يشتمل على خصوصية تجعله ناظراً إلى مفاد الدليل المحكوم و قرينة شخصية على تحديد المراد النهائيّ منه. و هذه الخصوصية تكون بأساليب ثلاثة رئيسية.

1- لسان التفسير، بأن يكون أحد الدليلين مفسراً للآخر، سواء كان ذلك بأحد أدوات التفسير البارزة. مثل أو و أعني، أو بما يكون مستبطناً لذلك. و هذه حكومة تفسيرية.

2- لسان التنزيل، بأن يكون أحد الدليلين منزلًا لشي‏ء منزلة موضوع الدليل الآخر كما إذا قال (الطّوَافُ بالبَيتِ صَلاةٌ) فإنه يكون حينئذ ناظراً إلى مفاد الدليل المحكوم من خلال التنزيل، إذ لو لا نظره إليه و فرض ثبوت ما رتّب من الحكم على ذلك الموضوع فيه لم يكن التنزيل معقولًا و هذه حكومة تنزيلية.

169

3- مناسبات الحكم و الموضوع المكتنفة بالدليل الحاكم و التي تجعله ناظراً إلى مفاد الدليل المحكوم، من قبيل ما يقال في أدلة نفي الضرر و الحرج من ظهورها في نفي إطلاقات الأحكام الأولية لا نفي الحكم الضرري و الحرجي ابتداء باعتبار أنه لم يكن من المترقب في الشريعة جعل أحكام ضررية بطبيعتها و إنما المترقب جعل أحكام قد تصبح ضررية أو حرجية في بعض الأحيان، فتكون أدلة نفي الضرر و الحرج بهذه المناسبة ناظرة إلى تلك الإطلاقات و بحكم الاستثناء منها، و لنصطلح على هذا اللون من الحكومة بالحكومة المضمونية. و الجامع بين أقسام الحكومة كلها، أن الدليل الحاكم يكون ناظراً إلى مفاد الدليل المحكوم بمعنى أنه يشتمل على ظهور زائد يدل على أن المتكلم يريد تحديد مفاد الدليل المحكوم على ضوء الدليل الحاكم فيكون قرينة شخصية عليه.

و ليعلم أن القرينة الشخصية كما تتحقق في حالات الحكومة عن طريق نظر أحد الدليلين إلى الآخر، كذلك قد تتحقق على أساس تعيين أحد الدليلين للقرينية بموجب قرار شخصي عام من المتكلم، كما إذا عين الشارع المحكمات التي هي أم الكتاب للقرينية على المتشابهات و تحديد المراد النهائيّ منها. فإنه في مثل ذلك يتقدم ظهور الدليل الّذي عين قرينة على ظهور الدليل الآخر بنفس ملاك تقدم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم و إن لم يكن مشتملًا على خصوصية النّظر إلى الدليل الآخر.

هذا، و السيد الأستاذ- دام ظله- لم يفسر الحكومة بتفسير جامع و إنما قسمها رأساً إلى قسمين و كأنه مشترك لفظي بينهما.

1- الحكومة بملاك النّظر و الشرح، بحيث لو لا الدليل المحكوم لكان الدليل الحاكم لغواً. و مثّل لها بحكومة أدلة الأحكام الواقعية بعضها على بعض، كحكومة دليل نفي الرّبا بين الوالد و ولده على دليل حرمة الرّبا، و حكومة دليل لا ضرر و لا ضرار على أدلة الأحكام الأولية.

170

2- الحكومة بملاك رفع الموضوع، و مثل لها بحكومة الأحكام الظاهرية بعضها على بعض، كحكومة الأمارات على الأصول العملية (1).

و كأن مقصوده- دام ظله- أن الحكومة في الأحكام الواقعية يكون بملاك النّظر دائماً إذ لو لا المحكوم للغى الحاكم، في حين أنه ليس الأمر كذلك في حكومة الأحكام الظاهرية بعضها على بعض، فإن دليل حجية الأمارة لا يلغو و إن فرض عدم ورود «رفع ما لا يعلمون» مثلا.

إلّا أنك ترى أنه في باب الأحكام الواقعية أيضا قد لا يلغو الحاكم لو لم يرد المحكوم، كما في حكومة دليل حجية الأمارة و جعلها علماً- حسب مبناهم- على دليل حرمة الإفتاء بغير العلم الّذي هو من أدلة الأحكام الواقعية.

و على أي حال، فالحكومة لا تكون إلّا بملاك النّظر و القرينية الشخصية و فرضها تارة بملاك النّظر و أخرى بملاك رفع الموضوع غير صحيح. و إنما الاختلاف في وسائل إثبات الناظرية و أساليبها التي تقدمت الإشارة إليها.

و ما أفيد في حكومة دليل الأمارة على دليل الأصل بملاك رفع الموضوع لو أريد منه ملاك مستقل للحكومة غير الناظرية، فيرد عليه: أنه إن فرضت الغاية في الأصل مطلق ما يعتبره الشارع علماً فالدليل الّذي جعل الأمارة علماً يكون وارداً على دليل الأصل لا حاكماً عليه. و إن فرضت الغاية العلم الوجداني الّذي هو المعنى الحقيقي له، فإن كان دليل جعل الأمارة علماً تعبداً إنما يجعل ذلك استطراقاً إلى ترتيب ما رتب في دليل الأصل على العلم من الأثر العملي، أصبح ناظراً إلى مفاده، و إن لم يكن كذلك و إنما دل على مجرد فرض غير العلم و اعتباره علماً فهذا لا أثر له، و لا يثبت به آثار العلم لا بالدليل المحكوم، لأن الغاية فيه العلم الحقيقي لا الاعتباري، و لا بالدليل الحاكم، لأنه لم يدل على ترتيب أثر شرعي و إنما غايته أنه اعتبر ما ليس بعلم علماً و لا قيمة لمجرد هذا الاعتبار.

____________

(1)- نقل مع تصرف من مصباح الأصول، ص 348- 349.

171

3- أحكام الحكومة:

و بعد أن اتضحت نظرية الحكومة و حقيقتها لا بد و أن نشير إلى أهم أحكامها و هي كما يلي:

1- إن الدليل الحاكم كالتخصيص من حيث أنه إذا كان متصلًا بالكلام يرفع الظهور و إذا كان منفصلًا عنه فيرفع الحجية دون الظهور.

و هذا واضح بعد أن عرفنا أن ملاك الحكومة إنما هو القرينية الشخصية، فإن القرينة كلما اتصلت بذي القرينة كانت صالحة لرفع الظهور و جعل مدلوله على وفق القرينة و إذا انفصلت عنه فتهدم حجيته، بناء على المصادرة العقلائية المتقدمة القائلة بأن للمتكلم أن يحدد المراد النهائيّ لمدلول كلامه، و أما ظهوره المنعقد فيبقى على حاله على توضيح و تفصيل تأتي الإشارة إليه في الجمع العرفي و القرينية النوعية.

2- إن موازين التمسك بالمحكوم عند الشك في الحاكم المنفصل بأقسامه هي نفس موازين التمسك بالعامّ عند الشك في مخصصه المنفصل بأقسامه، فيجوز التمسك بالمحكوم في باب الحكومة عند ما يجوز التمسك بالعامّ في باب التخصيص و لا يجوز الأول حينما لا يجوز الثاني. كما أن ابتلاء الدليل الحاكم بالإجمال إذا كان متصلًا بالدليل المحكوم كابتلاء المخصص المتصل بذلك من حيث تأثيره على ما اتصل به و سريان الإجمال منه إليه، و السبب في كل ذلك هو ما تقدم من أن تقديم الدليل الحاكم يكون بملاك القرينية.

3- إن الدليل الحاكم يتقدم و لو كانت دلالته من أضعف الظهورات على الدليل المحكوم و لو كانت دلالته من أقوى الظهورات و لا يطبق عليهما قانون تقديم أقوى الظهورين، لأن حجية الظهور في الدليل المحكوم مقيدة- بحكم المصادرة المفترضة للحكومة- بأن لا يرد تفسير من المتكلم على الخلاف فأي ظهور يدل على ورود ذلك التفسير مهما كان ضعيفاً يستحيل‏

172

أن يكون مزاحماً في الحجية مع ظهور الدليل المحكوم فلا تنتهي النوبة إلى تقديم أقوى الظهورين، و هذا هو السبب في عدم ملاحظ النسبة أو درجة الظهور بين مفاد الدليل الحاكم و مفاد الدليل المحكوم في موارد الحكومة.

4- بعد أن عرفت أن الحكومة إنما تكون بالنظر فلا بدّ في إثبات أي حكم بالدليل الحاكم رفعاً أو وضعاً من إحراز نظر ذلك الدليل الحاكم إليه.

فلو دل الدليل على أن الطواف بالبيت صلاة، فالمقدار الّذي يثبت من آثار الصلاة و أحكامها للطواف بهذا الدليل للطواف إنما يكون بمقدار نظر هذا الدليل إلى أحكام الصلاة، لأن نكتة الحكومة إذا كانت عبارة عن النّظر و التفسير فلا محالة تتحدد بحدوده.

و كذلك الحال في حكومة أدلة نفي الحرج و الضرر على أدلة الأحكام الأولية فإنها تحكم على أدلة الأحكام بمقدار إطلاق نظرها إليها لا أكثر و هذا واضح.

5- إن الحكومة تختص بالأدلة اللفظية و لا معنى لها في الأدلة العقلية و اللبية، لأن الحكومة على ما عرفت لا تكون تصرفاً حقيقياً في الدليل المحكوم ثبوتاً و إنما هي خصوصية النّظر في الدليل الحاكم إلى مفاد الدليل المحكوم و النّظر من شئون الدلالة اللفظية و خصائصها، سواء كان نظراً تفسيرياً أو تنزيلياً أو بمناسبات الحكم و الموضوع. فإن التفسير أسلوب من أساليب التعبير و التنزيل لا واقع له إلّا في عالم التعبير و الاستعمال، و مناسبات الحكم و الموضوع تنشئ ظهوراً في الدليل اللفظي فيصبح ذاك الظهور حجة و ليست هي حجة مستقلة، و لذلك لا يصح إعمالها و تحكيمها في الفقه على الأدلة اللبية كالإجماع و نحوه.

173

القَرينيّة النوعِيَّة

القرينية معناها: أن تكون هناك إفادتان و دلالتان تكون إحداهما معدة إعداداً عرفياً عاماً لتفسير الدلالة الأخرى و تحويل مفادها إلى مفاد آخر. و الفرق بين الدليل القرينة و الدليل الحاكم أن الدليل الحاكم معد إعداداً شخصياً من قبل المتكلم لتفسير الدليل المحكوم بقرينة نظر المتكلم فيه إلى الدليل المحكوم، و أما في المقام فالإعداد قد لا يكون بجعل شخصي من قبل المتكلم و إنما يكون بجعل عرفي فهو إعداد نوعي لا شخصي، و مقتضى عرفية المتكلم متابعته للعرف في ذلك فيثبت بأصالة المتابعة كون المتكلم قد أعد القرينة لتفسير ذي القرينة غير أن إعداده لذلك منكشف بكاشف نوعي لا بكاشف شخصي كما هو الحال في موارد الحكومة.

و إذا اتضح ذلك يتبين: أن ملاك تقدم القرينة على ذي القرينة هو نفس ملاك تقدم الحاكم على المحكوم، لأن مجرد كون الكاشف عن نكتة التقدم شخصياً أو نوعياً لا يضر بانحفاظها و تأثيرها في عدم سريان المعارضة إلى دليل الحجية. و القرينية لها ثلاث مراتب تبعاً للرتب المتصورة للظهور في نفسه، فإن الظهور على ثلاث مراحل.

الأولى- درجة الظهور التصوري، و هو الظهور الّذي ينشأ بسبب الوضع و الّذي لا يتوقف على أكثر من سماع اللفظ و لو كان من غير ذي شعور على ما

174

حققناه مفصلًا في أبحاث الوضع.

الثانية- درجة الظهور التصديقي بلحاظ الإرادة الاستعمالية، و هو عبارة عن ظهور حالي في المتكلم يدل على أنه قاصد استعمال اللفظ في معناه و إخطاره إلى ذهن السامع، و لذلك كان هذا الظهور دلالة تصديقية لا تصورية و بحاجة إلى أن يكون اللفظ صادراً من ذي شعور يتأتى منه الإرادة و القصد.

الثالثة- درجة الظهور التصديقي بلحاظ الإرادة الجدية، الّذي هو عبارة عن ظهور حالي في التكلم أيضا يدل على أنه قاصد لمعنى كلامه جداً و ليس بهازل أو ممتحن أو غير ذلك، حيث أن ظاهر حال كل متكلم ملتفت أن داعيه منه هو الجد و بذلك تكون هذه المرحلة من الظهور دلالة تصديقية أيضا و بحاجة إلى أن يكون اللفظ صادراً عن ذي شعور كما هو الحال في الظهور التصديقي بلحاظ الإرادة الاستعمالية.

و منشأ هذين الظهورين التصديقيين الحاليّين هو الغلبة الخارجية، فإن الغالب فيمن يتكلم بكلام أن يكون قاصداً تفهيم معناه للمخاطب لا ناطقاً باللفظ فقط. و جديّاً في إرادته ذلك المعنى لا هازلًا أو ممتحناً أو متقياً.

و لا يبعد أن يكون ملاك هذه الغلبة هو التعهد النوعيّ العقلائي من قبل المتكلم في حالات المحاورة على قصد المعنى و إرادته جداً كلما يتكلم بكلام، فإن التعهد يمكن أن يكون منشأ للدلالة التصديقية و تفسيراً لها، و إن لم يكن يصلح لتفسير الدلالة الوضعيّة التصديقية عندنا، على ما حققناه و شرحناه مفصلا في أبحاث الوضع.

فإذا اتضحت هذه المراحل الثلاث للظهور، رجعنا إلى القرينية لنرى كيف تتصور في كل من هذه المراحل، فنقول:

أما تصور القرينية بلحاظ المرحلة الأولى، فلكي نفهم ذلك يجب أن نعرف أن الظهور التصوري للكلام تارة: يكون بسبب مفردات الكلام كما في أسد و شجرة و عالم، و أخرى: يكون متحصلًا من هيئة المفرد أو الجملة، و ثالثة:

175

يكون بسبب ما نسميه بالسياق أو الهيئة التركيبية لمجموع الكلام، فإن السياق بهذا المعنى قد يكون له مدلول تصوري و ظهور زائد على الظهورات التصورية للمفردات و الهيئات فحينما يقال: (صلّ صلّ) بنحو التكرار يكون التكرار دالًا على التأكيد، و دلالته على ذلك تصورية و لهذا تكون محفوظة حتى عند سماع ذلك من لافظ بدون شعور، فكما أن الدلالة لصلّ محفوظة لو صدرت من لافظ غير ذي شعور كذلك دلالة التكرار- الّذي هو لون من السياق- على التأكيد محفوظة حتى في هذه الحالة. و هذا يعني أن التأكيد بنحو المدلول التصوري مفهوم من الكلام قبل الوصول إلى مرتبة انتزاع المدلول التصديقي منه. و كذلك الأمر في قولنا (أسد يرمي) فإن هذه الجملة تدل على الرّجل الشجاع لا بحسب مرحلة المدلول التصديقي فحسب بل بحسب مرحلة المدلول التصوري أيضا و لهذا لا ينتقش منها في الذهن إلّا ذلك عند سماعها و لو من لافظ غير ذي شعور، و هذا يعني أن ضم كلمة (يرمي) إلى (أسد) أوجد سياقاً غيّر من الظهور التصوري لكلمة (أسد) و أنشأ ظهوراً تصورياً آخر في الرّجل الشجاع و هو الّذي يشكل الظهور التصوري الفعلي للكلام، لأن الصورة التي يبرزها هي التي تستقر في النّفس، و في مثل هذه الحالة تكون كلمة (يرمي) قرينة بحسب مرحلة الظهور التصوري لأنها أدت إلى إيجاد سياق أوجب تغيير الظهور التصوري و قلبه إلى ظهور آخر.

و أما كيف يتكون للسياق ظهور تصوري بحيث قد يغلب الظهور التصوري الأولي للمفردات، فهذا يتم بأحد سببين.

الأول- أن يكون السياق بنفسه موضوعاً لإفادة صورة معينة، فكما أن وضع المفرد لمعناه يوجب دلالته التصورية عليه كذلك وضع السياق لمعنى- من قبيل وضع التكرار للتأكيد- يوجب الدلالة التصورية للسياق على ذلك المعنى.

الثاني- أن يكون نتيجة للأنس الذهني، ففي مثل جملة (رأيت أسداً

176

يرمي) لو لاحظنا الظهورات التصورية لمفردات السياق نجد أن لدينا صورتين على مستوى التصور، إحداهما صورة مطابقة لما تقتضيه المفردات بطبعها الأول الّذي وضعت له في اللغة و هي صورة حيوان مفترس بين يديه قوس و سهم يرمي بهما، و صورة أخرى ثانوية تدل عليها المفردات بملاحظة مناسبتها للصورة الأولى و هي صورة رجل شجاع يرمي بالسهم. و رغم أن الأولى هي الصورة التي تتطابق مع المدلول الأولي للمفردات مع ذلك يستقر في الذهن بلا تأمل أو تردد الصورة الثانية لبعد الصورة الأولى عن الذهن و عدم اعتياد الذهن على رؤيتها فتكون هذه الغربة و عدم الأنس الذهني سبباً لخطور الصورة الثانية التي هي المدلول الثانوي المناسب مع الكلام و استقرارها في الذهن. هذا إذا كانت القرينة نصاً في معناها بحيث لم يكن يحتمل التأويل فيها و أما إذا كانت تتحمل التأويل بأن يراد من الرمي في المثال الرمي بالنظر مثلًا، فمسألة عدم الأنس مع المعنى الحقيقي لمفردات الجملة لا تقتضي إلّا صرف الذهن عن ذلك المعنى و أما تعيينه في معنى مجازي يكون تصرفاً في معنى اللفظ المتقدم ذكراً أو معنى مجازي يكون تصرفاً في مدلول اللفظ متأخر، فبحاجة إلى إضافة نكتة زائدة.

و هذه النكتة بالإمكان تصويرها بأحد نحوين:

الأول- أن تكون الدلالة التصورية في أحدهما أقوى من دلالتها في الآخر، فتتغلب عليها في مرحلة إخطار المعنى إلى ذهن المخاطب، فإن الأقوائية و الأظهرية كما تتصور بلحاظ مرحلة الدلالات التصديقية كذلك تتصور بلحاظ مرحلة الدلالة التصورية، لأن منشأ الدلالة التصورية إنما هو القرن و الأنس الحاصل بين اللفظ و المعنى في عالم الذهن، و هذا له مراتب متفاوتة شدة و ضعفاً، فكلما كان الاقتران بين اللفظ و معناه آكد كانت الدلالة التصورية أقوى و أظهر.

و هذا التصوير صحيح في نفسه، لكنه لا يصلح لتفسير كافة موارد

177

القرينية، فإن بعضها لا يشترط فيها أن تكون أظهر من ذي القرينة.

الثاني- أن الظهور التصوري لكل ما يكون ذيلًا في الكلام و فضلة يتقدم على الظهور التصوري لكل ما يكون متقدماً عليه و ركناً من الكلام، لأن هذا هو المنسجم مع طبيعة دور القرينة- و هو النّظر إلى مدلول ذي القرينة في مقام تحديد المراد النهائيّ منه- فإن جعل المتقدم ناظراً إلى تحديد المتأخر الّذي لم يذكر بعد- و قد لا يكون متعيناً في نظر المتكلم نفسه فضلًا عن السامع- خلاف الطبع جداً. و هذا هو الّذي يفسر لنا وقوع القرائن غالباً فضلة في الكلام.

و هذا التصوير صحيح أيضا، و على أساسه يمكن تخريج القرينية حتى في مورد لا يكون فيه ظهور القرينة أقوى من ظهور ذيها.

و هكذا نقصد بالقرينية في مرحلة الظهور التصوري كل ما أوجب سياقاً أعطى للكلام مدلولًا تصوريا يختلف عن المدلول التصوري الّذي يقتضيه الطبع الأولى لمفرداته، سواء كان إعطاء السياق لذلك على أساس الوضع أو على أساس الأنس الذهني.

و أما تصور القرينية بلحاظ المرحلة الثانية من الظهور، أي الظهور التصديقي بلحاظ المراد الاستعمالي، فهو بأن ينضم إلى الكلام ما يكون معداً لتفسير المراد الاستعمالي منه و تغيير مدلوله التصديقي الاستعمالي، فإن كان هذا الاعداد ثابتاً بقرينة شخصية من قبل المتكلم كان المفسر واجداً لملاك الحكومة- كما إذا قال رأيت أسداً و أعني بذلك الرّجل الشجاع- و إن كان الإعداد ثابتاً بكاشف نوعي و جعل عرفي كان المفسر مجرد قرينة و ليس حاكماً.

و إن كان يتقدم بنفس ملاك تقدم الحاكم كما عرفت سابقاً.

و أما تصور القرينية بلحاظ المرحلة الثالثة من الظهور، فهو بأن يوجد ما يكون معداً من قبل المتكلم لتفسير المراد التصديقي الجدي من الكلام السابق، فإن كان معداً من قبل المتكلم لتفسير المراد التصديقي الجدي من‏

178

الكلام السابق كان الإعداد مبرزاً بقرينة شخصية فهو حاكم، و إن كان مبرزاً بقرينة نوعية و هي القرار العرفي فهو مجرد قرينة و ليس حاكماً.

و يجب ان يلاحظ هنا: أن القرينية بلحاظ المرحلة الأولى لا تحتاج في إثبات تقديم ظهور القرينة على ظهور ذي القرينة و عدم سريان التعارض إلى دليل الحجية إلى أي مصادرة إضافية وراء كبرى حجية الظهور، لأن المفروض إفناء ظهور القرينة لظهور ذي القرينة. و إنما نحتاج إلى مصادرة إضافية في تقديم ظهور القرينة على ظهور ذي القرينة في مرحلة المدلول التصديقي بقسميه.

و المصادرة هي نكتة تقدم الحاكم على المحكوم، أي أن ما يعد من قبل المتكلم لتفسير كلامه يكون ظهوره هو المعوّل عليه في فهم مراده النهائيّ، مضافاً إلى دعوى كون القرينة معداً إعداداً عرفياً لذلك الأمر الّذي يحقق بضم أصالة المتابعة صغرى تلك الكبرى. و هذه المصادرة و إن كانت تشترك مع المصادرة التي نحتاج إليها في القرائن المنفصلة و التي سنوضّحها الآن، باعتبارهما معاً بملاكات عقلائية عامة، إلّا أنها تختلف عنها في أن هذه المصادرة ترجع إلى كيفية تطبيق كبرى حجية الظهور على الدليل لأنها تجري في مرحلة تشخيص أصل الظهور التصديقي في الدليل فلا تتضمن تصرفاً أو تقييداً في كبرى حجية الظهور، و أما مصادرات القرائن المنفصلة فهي بحسب الحقيقة تضييقات على كبرى حجية الظهور باعتبار انحفاظ صغراها و عدم انثلامها بالقرينة المنفصلة.

و أما الفرق بين ما تحتاجه القرينة المنفصلة من مصادرات و ما تحتاجه القرينة المتصلة في مرحلة المدلول التصديقي فهو أن الأولى بحاجة إلى توسيع نطاق المصادرة التي تحتاجها الثانية، و هي أن يقال: أن إعداد البيان الأخص لكي يكون مفسراً لا يختص بفرض الاتصال بل يجري في فرض الانفصال أيضا، و هذه التوسعة هي التي عبر عنها المحقق النائيني- (قدس سره)- بالقاعدة القائلة: «أن كل ما كان قرينة و هادماً للظهور التصديقي على فرض اتصاله فهو قرينة هادم للحجية على فرض انفصاله» و هذه التوسعة لا تتنافى مع بقاء

179

أصل الظهور التصديقي إذا كانت القرينة منفصلة، إذ يوجد في الحقيقة بناء نوعي من العقلاء على عدم الاعتماد في توضيح مرامهم بالكلام على ما ينفصل عنه، و هذا البناء هو ميزان الظهور التصديقي المحفوظ مع احتمال القرينة المتصلة بل مع الجزم بها أيضا. و التوسعة التي ذكرناها مرجعها إلى بناء طولي من قبل العقلاء حاصله: أنه في حالة الخروج عن مقتضى البناء الأول المشار إليه و الاعتماد على المنفصلات فلا بد و أن يكون ذلك بنحو تحكيم القرينة على ذي القرينة.

و في ضوء هذا التحليل للقرينية ينبغي أن ندرس فيما يلي أنواع الجمع العرفي المعروفة من التقييد و التخصيص و الأظهرية.

180

التقييد

التقييد هو رفع اليد عن الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة باعتبار وجود دال على التقييد. و هذا الدال تارة: نفرضه متصلًا، كما إذا قال (أكرم الشعراء و لا تكرم فساقهم) و أخرى: نفرضه منفصلًا، ففي الصورة الأولى لا يوجد أي تعارض حقيقي بين الدالين لأن معارضة الإطلاق للدال على التقييد فرع تمامية مقدمات الحكمة و وجود دال متصل على التقييد رافع لمقدمات الحكمة فهو وارد على دليلية الدال الآخر على الإطلاق لا على مفاده، و هو نحو من الورود يغاير الورود المتقدم، فإن ما تقدم من الورود كان يعني ارتفاع الموضوع لمفاد أحد الدليلين بسبب مفاد الآخر و أما هذا فيعني ارتفاع دليلية أحد الدليلين بسبب دليلية الدليل الآخر. و هذا هو ملاك عدم استحكام التعارض و سرايته إلى دليل الحجية، إذ لم يبق بعد الورود المذكور دليلان، بل دليل واحد.

و أما في الصورة الثانية، فالملاك المتقدم للتقييد في الصورة الأولى لا يجري فيها إلّا إذا قلنا أن مقدمات الحكمة التي هي منشأ الدلالة الإطلاقية تتوقف على عدم الدليل على التقييد و لو منفصلًا فيكون الدال المنفصل على التقييد وارداً على مقدمات الحكمة و بالتالي على دليلية معارضه. فلا بد من الكلام أولا في تحقيق ذلك، ثم الكلام ثانياً على فرض عدم تماميته في نوع المصادرة

181

الإضافية التي يحتاجها التقييد بالمنفصل لإثبات عدم سراية المعارضة إلى دليل الحجية. فالكلام إذن في أمرين.

الأمر الأول- في أن مقدمات الحكمة التي هي منشأ الدلالة الإطلاقية هل تتوقف على عدم الدال على التقييد و لو منفصلًا فيكون المقيد المنفصل وارداً أيضا على دليليتها أم لا؟

الصحيح: أن الدلالة الإطلاقية تتوقف على عدم المقيد المتصل فحسب، و مجي‏ء المقيد المنفصل لا يرفع الدلالة الإطلاقية و إنما يوجب سقوطها عن الحجية. و البرهان على ذلك: ما نجده من تمامية الدلالة الإطلاقية و انعقادها و صحة التمسك بها بمجرد انتهاء المتكلم من المطلق و عدم نصب قرينة على تقييده، في حين أن الدلالة الإطلاقية لو كانت متوقفة على عدم القرينة المنفصلة على التقييد أيضا لما أمكن إثبات الإطلاق في مورد و لا نسد باب مقدمات الحكمة، إذ لا يمكن إحراز شرطه و هو عدم التقييد المنفصل. و لا يتوهم: إمكان إحرازه بأصالة عدم القرينة، لأن أصالة عدم القرينة إنما تجري فيما إذا كان هناك ظهور في مقام الإثبات يقتضي إفادة معنى و احتمل ورود القرينة على خلافه ففي مثل ذلك تجري أصالة عدم القرينة، و مرجعها لباً إلى أصالة الظهور و عدم جواز رفع اليد عن كشفه النوعيّ لمجرد الاحتمال.

و أما في المقام، فلا يوجد- بقطع النّظر عن مقدمات الحكمة- أي ظهور يقتضي إفادة الإطلاق.

و إن شئت قلت: إن أصالة عدم القرينة إنما تجري فيما إذا كانت القرينة المنفية بالأصل موجبة لتكذيب ظهور متحقق في مقام الإثبات، لأن هذا الظهور بنفسه يكون كاشفاً نوعياً عن عدمها، و أما إذا لم تكن موجبة لذلك فلا كاشف نوعي عن عدمها و لا يجري العقلاء أصالة عدم القرينة فيه لأنهم يجرون هذا الأصل بلحاظ الطريقية و الكاشفية لا من باب التعبد الصرف.

و هناك محاولة من السيد الأستاذ- دام ظله- ذكرها لإثبات تقديم العموم الوضعي على الإطلاق الحكمي مفادها توقف الدلالة الإطلاقية على عدم‏

182

التقييد بالمنفصل في موارد الشك في التقييد، من دون أن يبتلي المطلق بالإجمال. و هي: أن عدم بيان المقيد الّذي هو جزء من مقدمات الحكمة إنما هو عدم مطلق التقييد سواء كان متصلًا أو منفصلًا، و لكن لا بأن يكون عدم القرينة المنفصلة المتأخرة شرطاً في انعقاد الإطلاق المتقدم حتى يبتلي المطلق بمحذور الإجمال و عدم إمكان إحراز الإطلاق فيه، بل بأن يكون الظهور الإطلاقي في كل زمان موقوفاً على عدم بيان القيد إلى ذلك الزمان فعند ما يرد الخطاب المطلق و لا قرينة على التقييد انعقد بذلك ظهور يكشف بالفعل عن الإطلاقي و يبقى هذا الظهور مستمراً ما دام لم يجئ القرينة على التقييد، فإذا جاءت القرينة ارتفع هذا الظهور لمجي‏ء البيان الكاشف عن أن المراد الجدي كان هو المقيد من أول الأمر (1) و بهذا التقريب يتفادى محذور الإجمال عند احتمال القرينة المنفصلة فيمكن إحراز الإطلاق، لأن الظهور الإطلاقي فعلي مع قطع النّظر عن القرينة المحتملة فيكون مكذباً لاحتمال وجود القرينة و كاشفاً عن عدمها.

و قد فرع- دام ظله- على تصويره للدلالة الإطلاقية بالنحو المذكور نتائج عديدة، أهمها تقديم العموم على الإطلاق في مقام التعارض باعتبار كون العام بياناً صالحاً لرفع الدلالة الإطلاقية المتوقفة على عدم البيان.

هذا، و الصحيح: عدم تمامية التوجيه المذكور أيضا، فإنه إذا كان المقصود من ارتفاع الظهور، و كشف القرينة المنفصلة عن إرادة المقيّد من أول الأمر، ارتفاع حجيته لا أصل ظهوره و كاشفيته، فهذا يعني تمامية الدلالة الإطلاقية و عدم توقفها إلّا على عدم التقييد المتصل فتكون الدلالة الإطلاقية الحكمية كالدلالة الأداتية الوضعيّة من حيث انعقادهما بمجرد انتهاء الكلام و عدم اتصال القرينة على الخلاف، و لكن هذا عكس المقصود تماماً و لا يكون‏

____________

(1)- مصباح الأصول، ص 377.

183

وجهاً لتقديم العموم على الإطلاق.

و إن كان المقصود من ارتفاع الظهور الفعلي أن القرينة المنفصلة تهدم الظهور التصديقي للمطلق في إرادة الإطلاق فعندئذ لا يبقى معنى محصل للتقريب المذكور، إذ المتكلم إما أن يكون ظاهر حاله أنه في مقام بيان تمام مراده الجدي بشخص خطابه المطلق، فهذا يعني أن مجرد عدم نصب القرينة متصلًا بالمطلق كاف في انعقاد الظهور التصديقي المذكور، و لا يكون هذا الظهور مرفوعاً بعد ذلك بمجي‏ء القرينة المنفصلة و إنما ترتفع حجيته كما هو واضح.

و إما أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده الجدي من مجموع خطاباته لا خطابه المطلق خاصة. فهذا يعني عدم انعقاد ظهور تصديقي لإرادة الإطلاق من الخطاب المطلق إلّا بعد ملاحظة مجموع ما صدر أو سوف يصدر من خطابات إذا كان المتكلم ممن يتدرج في مقام بيان مرامه، فيعود محذور الإجمال عند احتمال وجود المقيد و لو منفصلًا. و ليست هناك حالة وسطى بين الحالتين كي يقال مثلًا أننا نفرض أن ظاهر حال المتكلم في كل زمان أن يفصح عن مراده بلحاظ مجموع ما صدر من كلماته إلى ذلك الزمان، لأن ذلك يعني أن للمتكلم في كل زمان مراداً يختلف عن مراده في الزمان الآخر باختلاف ما صدر منه، و هذا خلف، إذ المفروض أن هناك حكماً واقعياً واحداً يكشف المخصص متى جاء عن حدوده و قيوده من أول الأمر.

هذا، مضافاً إلى أن هذا التقريب يرد في حقه تساؤل آخر حاصله: أن الرافع للظهور الإطلاقي بالنسبة لكل زمان هل هو وصول البيان أو يكفي وجوده الواقعي و لو لم يصل. أما الأول فلا معنى لادعائه لوضوح أن خصوصية الوصول غير دخيلة في تكوين الظهورات بل في الحجية و التنجيز و التعذير فحسب.

و أما الثاني فيلزم منه الإجمال في كل زمان احتملنا فيه وجود بيان على التقييد، إذ على تقدير وجوده واقعاً يكون الإطلاق مرتفعاً في ذلك الزمان،

184

و لا يمكن التمسك فيه بأصالة عدم القرينة لنفي هذا الاحتمال لأنها فرع وجود كاشف فعلي عن الإطلاق كما تقدمت الإشارة إليه.

الأمر الثاني- فيما يمكن أن يكون أساساً لتقديم المقيدات المنفصلة.

و الصحيح أن ما يمكن أن يكون أساساً لذلك هو القرينية بوصفها ملاكاً للجمع العرفي على ما تقدم توضيحه. و على هذا الأساس نقول: أن تقديم المقيد على المطلق بملاك القرينية بعد فرض انعقاد الظهور الإطلاقي في المطلق بالفعل يتوقف على دعوى قرينيته بلحاظ المرحلة الثالثة من الظهور بأن يقال، ان البيان المخالف الأخص موضوعاً معد عرفاً لتفسير الأعم و لو كان منفصلًا عنه.

و هكذا نرى: أن إثبات تقدم المقيد المنفصل على المطلق و عدم سريان التعارض بينهما إلى دليل الحجية موقوف على التسليم كبروياً بنكتة تقدم الحاكم على المحكوم و أن ظهور ما يعده المتكلم لتفسير كلامه يكون هو المحدد النهائيّ لمدلول مجموع كلماته، و ضم مصادرة أخرى تثبت صغرى هذه النكتة، و هي وجود كاشف نوعي عن إعداد المتكلم للبيان المخالف الأخص موضوعاً لتفسير الأعم، و الكاشف النوعيّ هو بناء العرف على ذلك، و أصالة تبعية المتكلم للبناءات العرفية في مجال المحاورة.

185

التخصيص‏

التخصيص عبارة عن رفع اليد عن الإطلاق الثابت بالوضع و أدوات العموم باعتبار وجود دال على التخصيص، و الدال على التخصيص تارة يكون متصلًا بالعامّ و أخرى يكون منفصلًا عنه، فالبحث يقع في مقامين.

المقام الأول- في التخصيص بالمتصل‏

: و هو ما إذا كان الدال على التخصيص متصلًا بالعامّ. و لا إشكال في تقديم المخصص المتصل على العام و إنما يقع البحث عنه في الجواب على السؤالين التاليين.

الأول- ما هو التخريج الفني لملاك تقديم الخاصّ المتصل على العام.

الثاني- ما يبحث عنه عادة في مباحث العام و الخاصّ، من أن العام كيف صح أن يكون حجة في تمام الباقي مع أن نسبته إليه أو غيره من مقادير الأفراد غير المخصصة على حد سواء.

و لتوضيح الجواب على هذين السؤالين لا بد من استعراض أقسام التخصيص بالمتصل، فإنه يقع بأحد أنحاء ثلاثة. و هي تختلف في النكات و الخصوصيات التي على أساسها يمكن أن يصاغ الملاك الفني للتقديم.

القسم الأول- التخصيص بالمتصل الّذي يكون مدخولًا لأداة العموم، كما هو الحال في التخصيص بالوصف و شبهه من قبيل (أكرم كل عالم عادل).

186

و في هذا القسم من التخصيص لا نواجه بحسب الحقيقة أي تعارض أو تناف بين الدال على العموم و الدال على التخصيص، لا بلحاظ مرحلة المدلول التصوري و لا بلحاظ مرحلة المدلول التصديقي. لأن أدوات العموم موضوعة للدلالة على عموم أفراد مجموع ما يقع مدخولًا لها لا خصوص ما يتعقبها و يتصل بها من العناوين. و هذا يعني أن التقييد بالوصف يتم في مرحلة سابقة على العموم و يكون العموم طارئاً على العنوان المقيد من أول الأمر.

و على هذا الأساس يتضح: أنه لا موضوع في هذا القسم من التخصيص بالمتصل للسؤالين المطروحين آنفاً إذ لم تنعقد دلالتان فعليتان إحداهما في العموم، و الأخرى في الخصوص و يراد تقديم إحداهما على الأخرى كي يفتش عن ملاك للتقديم.

كما أن العام إنما كان حجة في تمام الباقي في هذا القسم باعتبار أن عمومه لم يخصص و لم يقتطع منه شي‏ء أصلًا و إنما انصب العموم من أول الأمر على العنوان المقيد، فيكون الباقي هو تمام العام.

القسم الثاني- التخصيص بالاستثناء، من قبيل (أكرم كل الشعراء إلا الفساق) و في هذا القسم من التخصيص المتصل تكون الدلالة على العموم منعقدة في نفسها لاكتمال مدخول الأداة قبل الاستثناء لعدم كون الاستثناء جزءاً من مدخولها و إنما هو نظير قولنا (أكرم هؤلاء العشرة إلّا زيداً) من حيث انعقاد الدلالة على العشرة في نفسها و لكنه قد اقتطع منها المستثنى.

و التحقيق في هذا القسم: أنه يوجد فيه ثلاث دلالات. إحداها: دلالة الأداة على العموم. و الثانية: دلالة أداة الاستثناء على الاقتطاع و عدم شمول حكم المستثنى منه للمستثنى. و الثالثة: دلالة الحالة السياقية المتحصلة من العام المتعقب بالاستثناء على العموم المقتطع منه بمقدار الخاصّ المستثنى. و هذه الدلالة هي التي تستقر في الذهن أخيراً، فإن للحالة السياقية تأثيراً في تكوين الظهور

187

التصوري للكلام على ما تقدم شرحه سابقاً.

و الدليل على ما ندعيه: ما يشهد به الوجدان من انسباق المدلول المذكور إلى الذهن من مجرد سماع اللفظ و لو لم يكن من متكلم ذي شعور، و لا يكون ذلك إلّا على أساس تأثير الحالة السياقية في المدلول التصوري للكلام بقطع النّظر عن مدلوله التصديقي و الإرادة التصديقية من ورائه.

و بهذا يتضح: أنه في هذا القسم و لو كان يوجد بحسب ما هو المدلول الأولي للكلام دلالتان متنافيتان تدل إحداهما على العموم، و الأخرى على الخصوص، إلّا أنه مع ذلك لا يوجد تعارض حقيقي بين الدليلين، لأن دليلية الدليل إنما تكون بدلالته النهائيّة المستقرة، و الدلالتان المذكورتان ليستا كذلك لأنهما تندمجان في الدلالة الثالثة السياقية التي هي الدلالة المستقرة من مجموع الكلام. و منه يظهر الجواب على السؤالين المطروحين في مستهل البحث، فإننا أيضا لا نواجه في هذا القسم من التخصيص دلالتين مستقرتين متنافيتين كي يتساءل عن وجه تقديم إحداهما على الأخرى، و وجه حجية العام بعد تقديم الخاصّ عليه في تمام الباقي، و إنما هي دلالة واحدة على العام المقتطع منه بمقدار الخاصّ فتكون هي موضوع حجية الظهور. و قد تقدم في بحث القرينية أن ما هو قرينة بلحاظ مرحلة الظهور التصوري و ما يوجب سياقاً يعطي للكلام مدلولًا تصورياً يختلف عن مدلوله التصوري الأولي لا نحتاج في إثبات تقديم ظهورها- و هو الخاصّ في المقام- على ظهور ذي القرينة- و هو العام- و عدم سريان التعارض منهما إلى دليل الحجية إلى أي مصادرة إضافية زائداً على حجية الظهور.

القسم الثالث- التخصيص بما لا يكون قيداً لمدخول أداة العموم و لا تكملة للجملة الدالة عليه كالاستثناء، و إنما يكون جملة مستقلة تعقبت العام و دلت على خلاف حكمه في موضوع تكون نسبته المنطقية إلى موضوع العام العموم و الخصوص المطلق من قبيل (لا يجب إكرام أي عالم، و أكرم الفقيه).

188

و للإجابة على السؤالين السابقين في هذا القسم من التخصيص يمكن أن تذكر عدة محاولات:

المحاولة الأولى- دعوى تعميم النكتة التي ذكرناها في القسم السابق من التخصيص بالمتصل إلى هذا القسم بتقريب: أن الجملتين المتعاقبتين و إن كان لكل منهما بحسب طبعهما الأولي مدلولًا تصورياً ينافي الآخر إلّا أن سياق التعاقب بين جملتين متنافيتين تكون نسبة موضوع إحداهما إلى موضوع الأخرى العموم و الخصوص المطلق يعطي للكلام ظهوراً تصورياً ثالثاً هو العام المقتطع منه بمقدار الخاصّ فيكون هو المدلول التصوري النهائيّ للكلام.

و على أساس هذه المحاولة سوف لن نحتاج أيضا في إثبات تقديم الخاصّ على العام و عدم سريان التعارض إلى دليل الحجية إلى مصادرة إضافية زائداً على حجية الظهور، بل يكون حكم هذا القسم هو حكم القسم السابق، و صيغة الإجابة على السؤالين فيه نفس تلك الصيغة المتقدمة.

إلّا أن هذه المحاولة مما لا يمكن المساعدة عليها، لأن هذا الظهور التصوري الثالث إنما يكون بأحد منشأين. الوضع أو الغرابة و عدم أنس الذهن للمعنى الأولي- على ما تقدم شرحه في بحث القرينية- و الأول من هذين المنشأين عهدة ادعائه في المقام على مدعيها، إذ لم يثبت أن سياق التقارن بين جملتين إحداهما أعم من الأخرى موضوع لغة لمدلول تصوري ثالث. و الثاني منهما أيضا لا ينطبق في المقام، لأن الحديث في هذا القسم عن جملتين مستقلتين يوجد بينهما التناقض المنطقي، و واضح أن عدم التناقض من شئون مرحلة المدلول التصديقي لا التصوري فلا يكون منشأ للتأثير في المداليل التصورية.

و مما ينبه الوجدان العرفي على عدم وجود مثل هذه الدلالة التصورية الثالثة هو أنا لو سمعنا الجملتين من لافظ غير ذي شعور لم نكن نتصور أكثر من‏

189

معنيين متناقضين منطقياً في حين أن الدلالات السياقية التصورية لا يفرق فيها بين سماع اللفظ من ذي شعور أو غير ذي شعور.

المحاولة الثانية- و تبتني على ما ذهب إليه المحقق النائيني- قده- في بحث العام و الخاصّ من أن أدوات العموم تدل على عموم ما يراد من مدخوله لا ما وضع له مدخوله، فإنه بناء على أساس هذا المبنى سوف تكون دلالة الأداة على العموم في طول الإطلاق و جريان مقدمات الحكمة التي تحدد ما يراد من مدخوله. و يكون كل ما يمنع عن جريان مقدمات الحكمة لإثبات إطلاق مدخول الأداة رافعاً لموضوع دلالتها على العموم، و من الواضح أن الخاصّ المتعقب للعام صالح لأن يكون بياناً مانعاً عن جريان مقدمات الحكمة بمقداره و إن لم يكن جزءاً من مدخول الأداة فيرتفع موضوع العموم و لا ينعقد من أول الأمر إلّا بمقدار الباقي الّذي قد تمت فيه مقدمات الحكمة.

و على أساس هذه المحاولة سوف يكون الموقف من السؤالين المطروحين في أول البحث نفس الموقف الّذي كنا نقفه في القسم الأول من التخصيص بالمتصل و هو الخاصّ الّذي يكون جزءاً من مدخول الأداة، إذ هما يشتركان في ورود التقييد في المرتبة السابقة على العموم و عدم انعقاد العموم إلّا بمقدار المقيد فلا تعارض بين عام و خاص كي يتساءل عن وجه تقديم الخاصّ أو وجه حجية العام المخصص في تمام الباقي كما هو واضح.

و قد يناقش في هذا الأصل الموضوعي الّذي تبتني عليه هذه المحاولة بلزوم لغوية وضع أدوات العموم إذا فرض أن دلالتها على ذلك في طول إجراء الإطلاق و مقدمات الحكمة.

غير أن هذا النقاش يكفي في مقام رده أن يقال: بأن الثمرة المطلوبة لتصحيح الوضع و اللغة لا يشترط فيها أن تكون ثمرة فقهية أو أصولية و إنما يشترط فيها أن تكون ثمرة بحسب اللغة و عالم معاني الألفاظ، بأن تكون هنالك صورة جديدة من المعنى يحققها الوضع الجديد للفظ و هذا محفوظ في المقام‏

190

باعتبار أن المعنى المتحصل ببركة أدوات العموم، و هو سريان الحكم إلى كل فرد فرد من ذلك العنوان العام، لم يكن يمكن تحصيله بالإطلاق و مقدمات الحكمة فإنها لا تفي إلّا بإثبات الحكم على الطبيعة دون الأفراد.

و الصحيح في إبطال هذا المسلك أن يقال: بأنه خلط بين الدلالة التّصورية و الدلالة التصديقية. إذ ما ذا يقصد بالمراد في القول بأن أداة العموم وضعت لتدل على العموم بلحاظ ما يراد من مدخولها؟ فهل يقصد مفهوم المراد أو يقصد واقع المراد؟ لا مجال لتوهم الأول إذ من الواضح عدم تبادر مفهوم المراد إلى الذهن من العام. و الثاني مدلول تصديقي و ليس مدلولًا تصورياً فلا يمكن أن يكون هو مدلول الأداة لأن المداليل اللفظية الوضعيّة تصورية و ليست تصديقية، على ما حققناه مفصلًا في مباحث الوضع. فلو كانت أدوات العموم غير موضوعة لعموم ما يصدق عليه العنوان المدخول عليه الأداة لزم أن لا يكون لها مدلول تصوري و لا ينتقش في الذهن شي‏ء عند سماعها من لافظ غير ذي شعور كالجدار مثلًا و هذا واضح الفساد، إذ لا شك في أننا حينما نسمع العام من لافظ غير ذي شعور ننتقل إلى معنى العموم أيضا.

هذا، مضافاً إلى أن الالتزام بهذا المسلك لا يكفي في تصحيح هذه المحاولة للإجابة على كلا السؤالين السابقين في جميع الحالات، بل يبقى السؤال عن وجه تقديم الخاصّ على العام قائماً فيما إذا فرض أن دلالة الخاصّ كانت أيضا بالإطلاق و مقدمات الحكمة، كما إذا افترضنا ان دلالة صيغة الأمر على الوجوب بالإطلاق و ورد (لا يجب إكرام أي عالم، و أكرم الفقيه) فإنه في مثل ذلك كما يمكن جعل الخاصّ رافعاً للإطلاق و مقدمات الحكمة من العام كذلك يمكن اعتبار العام رافعاً للإطلاق و مقدمات الحكمة الجارية في صيغة الأمر فيحمل على الاستحباب.

المحاولة الثالثة- دعوى أن الخاصّ المتعقب للعام إنما يتقدم عليه باعتبار

191

الأظهرية و أقوائية دلالته من دلالة العام، فينطبق عليه قانون تقديم الأظهر على الظاهر و تقديم أقوى الدلالتين على أضعفهما.

و هذه المحاولة فيها نقطتان من الضعف.

الأولى- أنها لا تتمكن من تفسير تقدم الخاصّ على العام في مورد أظهرية دلالة العام من دلالة الخاصّ، كما لو قال (لا يجب إكرام أي عالم، و أكرم النحوي) و بنينا على أن دلالة الأمر على الوجوب بالإطلاق و مقدمات الحكمة التي تكون أضعف من دلالة الأداة على العموم، فلا بد و أن يحمل الأمر في الخاصّ على الاستحباب حينئذ، لأقوائية دلالة العام اللفظية على إطلاق صيغة الأمر الحكمي. فلما ذا يحمل العام على مَن عدا النحويين و يخصص الأقوى بالأضعف و الأظهر بالظاهر؟

الثانية- إن هذا التفسير لو تم فإنما يعالج المشكلة الأولى في السؤالين المتقدمين. و أما المشكلة الثانية المرتبطة بالسؤال عن وجه بقاء العام حجة في تمام الباقي فلا تعالج بهذا التفسير. و لذلك التجأ أصحاب هذه المحاولة في علاج هذه المشكلة إلى بيان آخر، و هو دعوى: التبعيض في الدلالات من حيث الحجية. حيث أن العام كان يدل على إرادة تمام أفراده فكل فرد منها كان مراداً ضمناً و عند ما تسقط إرادة بعض الأفراد بالتخصيص لا موجب لسقوط الباقي بل يبقى العام حجة في دلالاتها التضمنية الأخرى.

و قد نسب هذا البيان إلى الشيخ الأعظم- قده- مع حمل كلامه على إرادة مرحلة الدلالة الاستعمالية التي تكون على وزان المدلول التصوري للكلام.

و من ثم أشكلوا عليه: بأن الدلالة الاستعمالية هي الدلالة على إرادة إخطار المعنى الموضوع له اللفظ في ذهن السامع، فإذا لم يرد العموم فقد استعمل اللفظ في غير ما وضع له رأساً. و من هنا طبق المحقق الخراسانيّ- قده- و السيد الأستاذ- دام ظله- هذا البيان على مرحلة الدلالة التصديقية الثانية

192

للكلام، بتقريب: ان هناك دلالات جدية بعدد الأفراد، فكل فرد يشمله العموم يكون ظاهر حال المتكلم دخوله في مراده الجدي، فإذا سقط بعض تلك الدلالات فلا وجه لسقوط الباقي.

إلّا أن هذا البيان أيضا لا يتم في العام المجموعي و لو فرض تماميته في العام الاستغراقي- كما أشرنا إلى ذلك في أحد تنبيهات الاستصحاب- إذ لا توجد في العام المجموعي دلالات تصديقية عديدة بعدد أفراد العام، بل هناك دلالة تصديقية واحدة على إرادة المجموع كموضوع واحد ذي حكم واحد، في حين أن مبنى حجية العام في تمام الباقي لا يفرق فيه بين العام المجموعي و العام الاستغراقي.

المحاولة الرابعة- ما ذكره المحقق النائيني- قده- من تقدم الخاصّ على العام بملاك القرينية، و قد تقدم في بحث القرينية، أن القرينة هي الدلالة المعدة إعداداً نوعياً لتفسير دلالة أخرى و تحويل مفادها إلى مفاد آخر، و قد ذكرنا أن ذلك تارة يكون بلحاظ المرحلة التصورية من الدلالة و أخرى بلحاظ المرحلة التصديقية الاستعمالية أو الجدية.

فإن أريدت القرينية بلحاظ مرحلة الدلالة التصورية، و أن الخاصّ الّذي يتعقب العام يشكل سياقاً يعطي الكلام مدلولًا تصورياً ثالثاً يتحصل من المزج بين الدلالتين الأوليين، فهذا رجوع إلى المحاولة الأولى التي تقدم بيانها و بيان ما يتفرع عليها، و الظاهر أن أصحاب هذه المحاولة لا يقصدون القرينية بلحاظ هذه المرحلة. و إن أريدت القرينية بلحاظ الدلالة التصديقية، و أن الخاصّ المتعقب يكون مفسراً للمدلول التصديقي الاستعمالي من العام، فملاك تقديم الخاصّ المتصل على العام سوف يكون نفس ملاك تقدم الحاكم، مع فارق أن الحاكم يثبت بإعداد شخصي، و القرينة تكون إعداداً نوعياً عاماً، و لذلك كان لا بد من افتراض وجود قرار نوعي على إعداد الخاصّ عرفاً لتفسير

193

المدلول التصديقي من العام، الأمر الّذي يحقق بضم أصالة المتابعة صغرى نكتة الحكومة و أن ما يعد من قبل المتكلم لتفسير كلامه يكون ظهوره هو المعول عليه في فهم مراده، كما شرحنا ذلك مفصلًا في بحث القرينية.

و هذا التخريج لتقدم الخاصّ على العام تام.

و أما حجية العام في تمام الباقي فقد لجأ أصحاب هذه المحاولة إلى تخريجها على أساس التكملة التي مضت في المحاولة السابقة. و التي تقدم أنها لا تفي بحل الإشكال في العام المجموعي.

و الصحيح أنه يمكن تخريج حجية العام في تمام الباقي على أساس المحاولة نفسها فإن نكتة التقديم التي ذكرت فيها و هي كون الخاصّ قرينة نوعية على خلاف العموم لا تختص بالجانب السلبي من القرينية، و هو إخراج مقدار مدلول الخاصّ عن العام فحسب، بل الخاصّ معد عرفاً للقرينية بأصله على الجانب السلبي و هو إخراج مقدار الخاصّ و بحدّه على الجانب الإيجابي و هو كون الباقي بتمامه داخلًا تحت العموم، أي كونه محدداً للعام و مفسراً للمراد منه كما هو الحال في الحاكم تماماً إلّا من ناحية كون الاعداد نوعياً في القرينية و شخصياً في الحكومة، على ما تقدم توضيحه في بحث القرينية.

و إن شئت قلت: إن مخالفة العام المجموعي بعدم إرادة شي‏ء من أفراده أشد عناية و أكثر مخالفة في مقام المحاورة من إرادة البعض فيكون مقتضى الأصل عدم المخالفة الزائدة. و بهذا نثبت حجية الدلالات الارتباطية إذا كانت تضمنية على ما سوف يأتي الحديث عنه عند البحث عن مسألة التبعية بين الدلالة المطابقية و الالتزامية في الحجية.

المقام الثاني- في التخصيص بالمنفصل‏

، و هو ما إذا كان الدال على التخصيص في خطاب منفصل عن خطاب العام.

و هنا لا تفيد المحاولات المتقدمة في التخصيص المتصل لإثبات تقديم‏

194

الخاصّ على العام ما لم تضف إليها مصادرة جديدة زائداً على المصادرات المتقدمة.

نعم، تستثنى من تلك المحاولات المحاولة الثانية التي كانت تبتني على الرّأي القائل بأن أدوات العموم وضعت لعموم ما يراد من مدخوله، بحيث كان لا بد من تحديد المراد في المرتبة السابقة بالإطلاق و مقدمات الحكمة، فإن هذه المحاولة لو ضممنا إليها الرّأي القائل بأن الإطلاق يتوقف على عدم البيان المتصل و المنفصل معاً كانت وافية لتخريج نظرية التخصيص المنفصل، و لكنه قد تقدم في نظرية التقييد أن عدم البيان الّذي هو إحدى مقدمات الحكمة لإثبات الإطلاق يراد به عدم البيان المتصل بالخصوص.

كما أن المحاولة الثالثة القائلة بتقديم الخاصّ المتصل لكونه أظهر و أقوى دلالة لو أريد منها التقدم في الحجية مع انعقاد كلا الظهورين ذاتاً لجرت في المقام أيضا. و أما لو أريد منها تقدم مقتضى الظهور الأقوى على مقتضى الظهور الأضعف في مقام التأثير لإيجاد الظهور النهائيّ الكاشف عن المراد- كما هو المنسجم مع القاعدة المشهورة القائلة بأن المخصص المتصل يهدم أصل الظهور في العام و المخصص المنفصل يهدم حجية- فهذه نكتة مختصة بالمخصص المتصل و لا يمكن تعميمها إلى المخصص المنفصل من دون افتراض مصادرة إضافية.

و المصادرة الإضافية التي تحتاجها نظرية التخصيص بالمنفصل يمكن توضيحها بافتراض إحدى الحالات التالية.

الحالة الأولى- أن يكون المخصص رغم انفصاله عن العام بحسب السماع و تعاقب الألفاظ متصلًا به بحسب عالم اقتناص المراد و فهمه من الكلام، من قبيل ما إذا أخذه السعال إلى فترة في أثناء كلامه أو غشي عليه ثم بعد ارتفاع السعال أو الغشوة أتم كلامه و ذكر الخاصّ، فإنه بحسب النظام العرفي في المحاورة

195

لا إشكال في اعتبار هذا الخاصّ متصلًا بالعامّ و الفاصل الزمني الواقع بينه و بين العام ملغى في مقام اقتناص المراد. و لذلك لا يقتنص السامع مراد المتكلم بمجرد سماعه لذلك العام بدعوى أنه لم يوصل به مخصصاً و إنما ينتظر إلى أن يفيق ليرى ما ذا يعقب عليه.

و يلحق بهذا ما لو لم يأخذه مانع قهري و لكنه كان هناك شاهد حال أو مقال يشهد بأن له كلاماً واحداً يذكره بشكل متقطع، كالأستاذ المحاضر في موضوع واحد خلال أيام عديدة، فإذا ثبت من حال المتكلم أو مقاله أنه سنخ شخص على خلاف النظام العام للمحاورة يتدرج في مقام بيان تمام مراده يقطع الكلام الواحد و يذكر العام في وقت و الخاصّ في وقت آخر، فإنه حينئذ يكون الخاصّ المنفصل متصلًا في كلام هذا الشخص من حيث كشفه عن المدلول التصديقي و إن لم يكن متصلًا بلحاظ المدلول التصوري.

و في هذه الحالة لا نحتاج إلى مصادرة إضافية زائداً على ما تقدم في التخصيص المتصل إلّا أنه باعتبار مخالفة هذا التقطيع مع الوضع العرفي و الاعتيادي في مقام المحاورة يحتاج إلى وجود ما ينص على أن المتكلم يخالف العرف في الوضع الاعتيادي المذكور و أنه يلغي الفواصل الزمنية عن التأثير في افتراض الكلام مكتملًا و صالحاً لاقتناص المراد منه.

الحالة الثانية- أن يرد تعبد من المتكلم على إعطاء حكم الاتصال للظهورات المنفصلة و ترتيب آثاره الشرعية عليها رغم كونه غير متصل حقيقة، و هذا إنما يعقل في حق المتكلم المشرع، و هو أيضا لا يحتاج إلى مزيد مصادرة و عناية غير ثبوت أصل هذا التعبد و التنزيل.

الحالة الثالثة- ما إذا لم يفترض شي‏ء مما سبق في الحالات السابقة، و يحتاج تقديم الخاصّ على العام في ذلك إلى افتراض مصادرة جديدة هي توسيع لنطاق المصادرة التي كنا نحتاج إليها في بعض أقسام التخصيص المتصل، و ذلك بأن‏

196

يقال: إن إعداد البيان الأخص لكي يكون مفسراً لما هو المراد من العام لا يختص بفرض الاتصال بل يجري في فرض الانفصال أيضا. و بعبارة أخرى: أن الأمر دائر بين أن يكون المتكلم قد جعل كلامه الخاصّ قرينة على مراده من العام أو بالعكس بعد أن صدر منه مخالفة الفصل بين القرينة و ذي القرينة على أي حال، و هذا و إن لم يكن بالدقة من الدوران بين الأقل و الأكثر في المئونة و المخالفة لأن ما هو القرينة إنما هو الخاصّ المتصل و المفروض عدم الانفصال فسواء أريد جعل الخاصّ المنفصل قرينة على العام أو العكس فليس هنالك أكثر من مخالفة واحدة. إلّا أنه مع ذلك كأن في الثاني مزيد مئونة و مخالفة بحيث تكون بمثابة مخالفتين في التكلف و العناية، فتكون منفية بأصالة عدم المخالفة الزائدة.

و هذه التوسعة هي المعبر عنها في كلمات المحقق النائيني- قده- و التي أرسلها كأصل مسلم به، من أن كلما كان على فرض اتصاله قرينة هادمة للظهور كان في فرض الانفصال قرينة هادمة للحجية.

و هكذا يتضح: أن التخصيص بالمنفصل لا بد من تخريجه على أساس إحدى هذه الحالات و لا أثر في المقام للبحث عن أن النصوص الشرعية من أي قسم منها و إن كان يترتب على تعيين ذلك بعض الفوارق و الآثار المرتبطة ببحث حجية الظهور من مباحث علم الأصول.

197

الأظهَرُ و الظاهِر

و يعني بهما في المقام الدلالتان المتنافيتان اللتان تمتاز إحداهما على الأخرى بالأقوائية أو الصراحة. و هما أيضا تارة: يكونان متصلين في كلام واحد، و أخرى: يكونان في كلامين منفصلين. و قد ذهبوا إلى تقديم الأظهر على الظاهر في كلا القسمين.

أما القسم الأول، أي المتصلان، فقد ذهبوا فيه إلى أن الأظهر يهدم ظهور الظاهر. و يمكن تخريج ذلك فنياً بأحد وجوه.

الأول- افتراض وقوع التزاحم بين المقتضيين للظهور التصوري من كل منهما في مقام التأثير لتعيين الصورة النهائيّة المستقرة في الذهن من اللفظ فيتغلب المقتضي الأقوى في مقام التأثير الّذي يتمثل في الأظهر بحسب الفرض، فيكون المدلول التصوري المستقر من اللفظ على وفق الأظهر. فمثلًا قولنا (رأيت أسداً يرمي) يتزاحم فيه مقتضيان تصوريان أحدهما ما يقتضيه (أسد) من إعطاء صورة الحيوان لا الرّجل الشجاع، و ما يقتضيه (يرمي) من إعطاء صورة الرمي بالنبل لا بالنظر. و بعد غرابة إرادة المعنيين معاً على الذهن و عدم تقبله لصورة حيوان مفترس يرمي بالنبل، فلا محالة يقع التزاحم بين المقتضيين المذكورين و يتغلب أقواهما لا محالة في تثبيت الصورة النهائيّة من بين الصورتين الحيوان المفترس الّذي يرمي بنظره، و الرّجل الشجاع الّذي يرمي بقوسه- على‏

198

ما تقدم شرحه في بحث القرينية بلحاظ المدلول التصوري- و هذا التطبيق و إن كان في مدلولي الكلمتين المستعملتين في الجملة الواحدة فهو تحليل للاستعمالات المجازية إلّا أن نفس الفكرة ربما يدعى تطبيقها على موارد الظاهر و الأظهر اللذان يكونان جملتين مستقلتين، و بناء عليه، لا يحتاج في تقديم الأظهر إلى أي مئونة أو مصادرة زائدا على كبرى حجية الظهور كما هو واضح.

إلّا أن هذا الوجه مما لا يمكن المساعدة عليه، لما تقدم في بحث التخصيص من أن القرينية بلحاظ مرحلة المدلول التصوري اما يكون بالوضع أو بالمناسبة، و كلاهما لا يتم في الجملتين المستقلتين كما هو في الظاهر و الأظهر.

الثاني- أن لا يقع تزاحم بين مقتضي الظهورين التصورين، كما إذا فرض أنه لا يصعب على الذهن أن يتصور مدلوليهما معاً، كما لو قال (أكرم العلماء، و لا بأس بترك إكرامهم) فإن معنى الجملتين معاً ينطبع في الذهن على حد سواء، غير أنه لا يمكن التصديق بإرادتهما معاً فيكون التزاحم بلحاظ مرحلة الظهور التصديقي. هنالك يقال: بأن الظهور التصديقي ينعقد على طبق ما يكون ظهوره التصوري أقوى و آكد- سواء كان منشأ الظهورات التصديقية هو الغلبة النوعية، على أساس أن الغالب للمتكلم أن يقصد مدلول كلامه جداً، أو التعهد النوعيّ من قبل المتكلم بأنه متى ما يأتي بكلام له معنى تصوري فهو قاصد له جداً و تكون الغلبة في طول هذا التعهد بنكتة أن الغالب فيمن يتعهد بشي‏ء أن يفي بتعهده- إذ يمكن أن يقال بناء على الاتجاه الأول: بأن هناك تعهداً آخر على أن المتكلم كلما جاء بكلامين أحدهما أقوى و آكد في مدلوله التصوري يكون مقصوده على طبق الأظهر دون الظاهر. و بهذا يرجع هذا التقريب بحسب روحه إلى التقريب الآتي القائم على أساس القرينية. أو يقال: بوجود غلبة نوعية ابتداء في أن المتكلم المتعهد بإرادة المعنى من كلامه جداً يكون قاصداً للمعنى الأظهر في موارد صدور كلامين مختلفين منه،

199

و بذلك ينعقد الظهور التصديقي النهائيّ على طبق الأظهر. فإن غلبة مطابقة المراد مع المدلول التصوري تشتد و تتأكد باشتداد الظهور في المدلول التصوري إذ كلما كان الظهور التصوري أقوى كانت غلبة إرادته و عدم إرادة خلافه أكثر و كذلك يقال بناءً على الاتجاه الثاني.

و بناء على هذا التخريج سوف لن نحتاج في تقديم الأظهر إلى أي مصادرة إضافية زائداً على كبرى حجية الظهور لأن الظاهر و إن كان محفوظاً في مرحلة الظهور التصوري إلّا أنه في مرحلة الظهور التصديقي الّذي هو موضوع الحجية لا يوجد إلّا ظهور واحد على وفق الأظهر كما هو واضح.

الثالث- تطبيق ما مضى في التخصيص من مصادرة القرينية بلحاظ المدلول التصديقي بالنحو المتقدم شرحه، غاية الأمر لا بد و أن يفترض أن هذه القرينية في طول القرائن الأخرى كالتخصيص و التقيد و الحكومة فلا تصل النوبة إليها إلّا حيث لا يمكن علاج التعارض على أساس تلك القرائن. هذا كله في القسم الأول.

و أما القسم الثاني، و هو ما إذا كان الظاهر و الأظهر منفصلين فقد ذهبوا فيه إلى تقديم الأظهر على الظاهر في الحجية إلّا أن شيئاً من الوجوه الثلاثة المتقدمة لا يتم فيه، لأنها جميعاً موقوفة على انعقاد الدلالة التصورية أو التصديقية على خلاف الظاهر و هي لا تنعقد بالمنفصلات، فنحتاج على هذا الأساس في إثبات تقديم الأظهر على الظاهر المنفصلين إلى مصادرة إضافية زائداً على ما تقدم في المتصلين و ذلك بتعميم إحدى الحالات الثلاث التي ذكرناها لتخريج التخصيص بالمنفصل إلى الظاهر و الأظهر أيضا.

إلّا أن قاعدة تقديم الأظهر على الظاهر- سواء في المتصلين أو المنفصلين- إنما يمكن إعمالها فيما إذا كانت الأظهرية أو النصوصية في مرحلة الدلالة

200

بحسب ما يكتنف بالكلام من ملابسات و قرائن، و لا تكفي النصوصية المتولّدة من مجرد علم خارجي يحصل صدفة، إذا انتفى من الخارج احتمال في أحدهما موجود في الآخر. و الوجه في ذلك واضح على ضوء ما تقدم، فإن ملاك هذا التقديم إما القرينية أو التزاحم بين المقتضيين في مقام التأثير و كلاهما يختصان بما إذا كان الخطاب بما له من درجة الكشف و الظهور قرينة أو أقوى اقتضاء من الآخر.

ثم أنه يمكن أن يخرج على أساس هذه القاعدة الجمع بين الخبرين المتعارضين بحمل ما يوافق منهما للعامة على التقية كجمع عرفي في حالات التعارض. و ذلك بتطبيق الأظهرية أو النصوصية على مرحلة الظهور التصديقي من الدليلين المتعارضين فيما إذا أوجبت الموافقة أو المخالفة مع مجموع الملابسات و القرائن اختلافاً في درجة الظهور في الجدية.

إلّا أن هذا الجمع لا يبعد أن يكون طولياً بالنسبة إلى أنحاء الجمع العرفي الأخرى فلا تصل النوبة إليه إلّا بعد عدم إمكان التوصل إلى جمع عرفي بأحد تلك الأنحاء. و تطبيقاً لهذه الكبرى نستشهد بما ورد في الفقه في مسألة طهارة أهل الكتاب و نجاستهم، فإن فيها طائفتين من الروايات دلت إحداهما بالصراحة على طهارة الكتابي، و دلت الأخرى بالظهور على نجاسته‏ (1) فلولا أنه كان يمكن علاج هذا التعارض في مرحلة المدلول الاستعمالي بحمل الأخبار الظاهرة في النجاسة على التنزه كنا نجمع بينهما بحمل أخبار الطهارة على التقية باعتبار موافقتها للعامة و مخالفة أخبار النجاسة لها.

و لعل النكتة في تأخر مرتبة هذا الجمع أن الجمع بأحد الأنحاء الأخرى أكثر شيوعاً و عمومية من الجمع بلحاظ مرحلة الدلالة الجدية، فإن إرادة المقيد من المطلق أو الخاصّ من العام بناء عقلائي نوعي بخلاف إرادة التقية مما ظاهره الجدّ فهي عناية شخصية لظروف خاصة بالإمام فتكون أشد مخالفة.

____________

(1)- راجع الجزء الثالث من بحوث في شرح العروة الوثقى، ص 263.

201

هذه هي أقسام التعارض غير المستقر التي لا يسري التعارض فيها إلى دليل الحجية و إنما يعالج بتقديم الوارد و الحاكم و المقيد و الخاصّ و الأظهر على ما يقابله من مورود و محكوم و مطلق و عام و ظاهر.

و ينبغي التنبيه على نقطتين لهما ارتباط وثيق ببحث التعارض غير المستقر.

النقطة الأولى- في ملاحظة النسبة بين الدليل الّذي حكمنا بتقديمه من أقسام التعارض غير المستقر- كالخاص مثلًا- و بين دليل حجية ما يقابله- كالعام- و أنها هل تكون نسبة الدليل الوارد إلى المورود أو الحاكم إلى المحكوم؟ و هذا بحث نظري مجرد بعد الفراغ عن أصل التقديم.

و قد ذهبت مدرسة المحقق النائيني- قده- إلى أن النسبة بينهما هي الحكومة، بمعنى أن الخاصّ رافع لموضوع حجية العام تعبداً لا وجداناً.

و قد ذكروا في تقريب ذلك أن دليل الحجية قد أخذ في موضوعه مجموع أمرين. الظهور، و عدم العلم بإرادة الخلاف، فالعام إذا ورد خاص حجة في قباله كان علماً بإرادة خلاف العموم منه، و لكنه علم تعبدي لا وجداني فيكون حكومة لا وروداً.- بناء على أن الحكومة هي ارتفاع الموضوع تعبداً-.

و الصحيح: أن النسبة هي الورود لا الحكومة، ذلك أن مثل العام مقيد حجية بعدم نصب الخاصّ قرينة على خلافه و لو منفصلًا، فمع ورود الخاصّ يرتفع ما هو موضوع الحجية عن العام حقيقة و وجداناً فيكون وروداً لا حكومة.

و هذا واضح بناء على الحالتين الأولى و الثالثة من الحالات التي خرجنا عليها التخصيص المنفصل، لأن الحجة إنما هو الظهور الكاشف عن مراد المتكلم و الّذي لم يعد المتكلم ما يكون قرينة على خلافه و إرادته لغيره و ينتفي هذا الموضوع بورود الخاصّ و لو منفصلًا بعد أن افترضنا قرينيته.

202

و أما بناء على الحالة الثانية، و هي ما إذا فرض تنزيل الخطابات المنفصلة منزلة المتصلات في الآثار الشرعية، فهذا التنزيل و إن كان يعقل فيه أن يكون على أساس الحكومة و نظر دليل حجية الخاصّ المنفصل إلى دليل حجية العام لتنزيله إياه منزلة العام المتصل به الخاصّ في الآثار الشرعية المترتبة عليه، إلّا أنه بعد ثبوت هذا التنزيل تكون حجية العام مقيدة لباً بعدم ورود القرينة على خلافه، فيكون الخاصّ بوروده رافعاً لموضوع حجية العموم، فالحاكم إنما هو دليل حجية الخاصّ لا نفسه.

و بهذا يتضح: أن ما أفيد من قبل مدرسة المحقق النائيني- قده- في توجيه الحكومة غير تام. فإن كل دليل و إن كانت حجيته مقيدة لباً بعدم العلم على خلافه، إلّا أن هذا لا يكفي ملاكاً لتقديم الخاصّ على العام فضلًا عن كونه حاكماً عليه، إذ لا موجب لافتراض الخاصّ هو الحجة في مقابل العام دون العكس كي يتحقق علم تعبدي على خلاف العموم ما لم توجد في المرتبة السابقة نكتة تستوجب تقديم أحد الظهورين المتعارضين على الآخر، فلا بد من ملاحظة تلك النكتة ليرى هل تقتضي أن تكون النسبة بين الخاصّ و دليل حجية العام الورود أو الحكومة كما صنعنا آنفاً. و قد تقدم شطر من الكلام حول هذا الموضوع في أول الكتاب حينما كان يراد جعل هذا التقريب بنفسه نكتة لتقديم الخاصّ على العام.

بل التحقيق أنه لا يمكن أن يكون الدليل الخاصّ حاكماً على دليل حجية العام و لو تجاوزنا هذه النقطة، لأن أدلة الحجية أدلة لبية و هي لا تتحمل الحكومة، لأنها- على ما تقدم- عبارة عن كون أحد الدليلين مفسراً و شارحاً للمقصود من الدليل الآخر و هو غير معقول في الأدلة اللبية التي ليس لها ألسنة و ظهورات كي تفسر و تشرح.

النقطة الثانية- في وجه تقديم سند القرينة الظني- كالخاص الثابت بخبر الثقة- على دلالة ذي القرينة- كالعام- و لنفترض لمزيد التوضيح أن سند

203

العام قطعي، فنقول: إن ظهور العام يكون إمارة ظنية على عدم صدور الخاصّ، كما أن سند الخاصّ يكون إمارة ظنية على عدم إرادة عموم العام، فقد يقال بوقوع التعارض بينهما فإن الظهور و إن كانت حجيته مقيدة بعدم القرينة على الخلاف، إلّا أن ذلك حيث تثبت القرينة و أما حيث لم تثبت فيكون الظهور بنفسه مكذباً و نافياً لوجود القرينة على الخلاف، و هذا هو معنى أصالة عدم القرينة. و هذا يعني أن مقتضى الحجية في كل من ظهور العام و سند الخاصّ فعلي في نفسه فيقع التعارض بينهما لا محالة.

و الصحيح، تقديم سند الخاصّ و لو كان ظنياً على ظهور العام. و ذلك بأحد تقريبات.

1- إن سند الخاصّ الظني إذا كان حجة عند العقلاء على حد الظهور- كما في خبر الثقة الّذي هو المهم في المقام- كان اللازم ملاحظة سيرتهم العملية في موارد معارضته للعام، و لا ينبغي الإشكال في أن سيرتهم منعقدة على العمل بالخاص و تخصيص العام على أساسه، فيكون مقتضى عدم ردع الشارع عنها إمضائه لحجية سند الخاصّ الظني. هذا إذا كان الدليل على الحجية هو السيرة العقلائية، و أوضح من ذلك ما إذا كان دليل الحجية هو السيرة المتشرعية. فإنه لا إشكال و لا ريب في انعقادها عند الرّواة و أصحاب الأئمة (عليهم السلام) على العمل بالرواية المخصصة لعموم أو إطلاق، و لو كان في دليل قطعي السند.

2- لو فرضنا إجمال السيرة العملية مع ذلك قد يقدم سند الخاصّ الظني على دلالة العام تمسكاً بإطلاق الأدلة اللفظية المثبتة لحجية السند- إذا تم شي‏ء منها، كما هو الصحيح في بحث حجية خبر الثقة- لعدم انحصار أدلة حجيته بالسيرة العقلائية أو المتشرعية التي تعتبر دليلا لبياً لا إطلاق فيه كما هو الحال في دليل حجية الظهور.

إلّا أن هذا التقريب موقوف على أن يكون الدليل اللفظي متعرضاً للتعريف‏

204

بكبرى الحجية مطلقاً، أما إذا لم يتضمن ذلك صريحاً و إنما عول في مقام بيان الحجة على ما هو المركوز لدى العرف بدرجة يستغنى معها عن التصريح به- كما في رواية: العمري و ابنه ثقتان فما أديا فعني يؤديان- أو صرّح بكبرى الحجية و لكن في سياق إمضاء ما هو المرتكز في أذهان العقلاء. فلا ينعقد فيه إطلاق حينئذ حتى يتمسك به كما هو واضح.

3- لو فرضنا أن سند الخاصّ لم يكن حجة عند العقلاء و إنما ثبتت حجيته بدليل شرعي، فكان عمل العقلاء في مورد ذلك الخاصّ بعموم العام لا بسند الخاصّ الظني، مع ذلك قلنا بلزوم تقديم سند الخاصّ تمسكاً بإطلاق دليل اعتباره شرعاً لا من جهة كونه ردعاً عن إطلاق السيرة العقلائية على العمل بعموم العام كي يقال: بأن مثل هذه الإطلاقات لا تصلح لردع سيرة بالغة الارتكاز في أذهان العقلاء، بل باعتبار أن مدلول السيرة العقلائية على حجية الظهور ليس بنحو القضية الخارجية كما أفاده بعض المحققين، بل بنحو القضية الحقيقية القاضية بحجية كل ظهور ما لم تثبت قرينة على الخلاف، فإذا ثبتت حجية دليل عند الشارع و كونه تاماً في مقام إثبات مراده كان صالحاً لإثبات القرينة و رفع حجية ذلك الظهور. و كذلك العكس، أي إذا نفى الشارع حجية طريق ثابت عند العقلاء- كالقياس مثلًا- فردع عنه كان الظهور حجة في مقابل تلك الحجة المرفوضة شرعاً و إن كانت أخص و كان العقلاء يعملون بها، و ليس ذلك إلّا من جهة ما أشرنا إليه و حققناه مفصلًا في بحث السيرة من استفادة إمضاء النكتة العامة و الكبرى المرتكزة عليها سيرة العقلاء بنحو القضية الحقيقية لا خصوص العمل الخارجي الّذي كان عليه جريهم في عصر الإمضاء. و على هذا الأساس يتضح وجه تقديم سند الخاصّ الظني ما دام معتبراً شرعاً- و لو لم يكن معتبراً عند العقلاء- على ظهور العام القطعي سنداً.