بحوث في علم الأصول - ج7

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
418 /
205

أحكامٌ عامّة لِلتعارُض غير المُستَقِرّ

1- شروطه العامة 2- نتائجه بالنسبة لكل من المتعارضين‏

206

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

207

الشّروط العامّة لِلتعَارُضِ غير المُستَقِرّ

بعد أن استعرضنا أقسام الجمع العرفي في التعارض غير المستقر الّذي لا يسري إلى دليل الحجية، يحسن بنا أن نتحدث عن الشروط العامة التي يخضع لها جميع أقسام الجمع العرفي، أو ما قد يدعى كونه شرطاً لها و هي أربعة.

الأول- أن يكون المتكلم بكلا الكلامين اللذين يجمع بينهما بأحد أنحاء الجمع العرفي المتقدمة واحداً أو بحكم الواحد، و أما مع فرض التعدد فلا يتأتى الجمع المذكور.

و هذا الشرط ثابت في كل أقسام الجمع العرفي القائم على القرينية، كالجمع بالتخصيص أو بالتقييد أو بتقديم الأظهر على الظاهر، لوضوح أن الجمع في هذه الموارد يستند إلى كون القرينة معدة لتفسير ذي القرينة و من المعلوم أن هذا الإعداد العرفي إنما هو في القرينة الصادرة من نفس الشخص الّذي صدر منه ذو القرينة. و كذلك يثبت هذا الشرط في موارد الجمع بالحكومة لأنه مبني على الإعداد الشخصي للمتكلم و هو فرع وحدة مصدر الخطابين أيضا كما هو واضح.

و أما الورود فإن كان الورود فيها بلحاظ الجنبة الإنشائية للدليل الوارد بأن كان متكفلًا لجعل مولوي يقتضي رفع موضوع الجعل في الدليل الآخر، فهذا أيضا يتوقف على الشرط المذكور. لأن رافعية جعل لموضوع جعل آخر

208

إنما تكون في داخل تشريعات جهة واحدة. نعم لو فرض أن شخصاً أناط حكمه بعدم صدور الحكم من الآخر يكون صدور الحكم من الآخر وارداً عليه. و لكن من الواضح أنه لا تعارض حتى الاصطلاحي فضلًا عن الحقيقي بين المجعولين في هذا الفرض لتعدد الحاكم و إنما هو من التعارض المصطنع.

و أما إذا كان الورود بلحاظ الجنبة الإخبارية، بأن كان الوارد متكفلًا للاخبار عن عدم انطباق موضوع المورود على فرد فهذا لا يتوقف على وحدة المصدر للوارد و المورود كما هو واضح.

ثم إن المراد بكون المتكلم بحكم الواحد، المتكلمون المتعددون الذين يمثلون جهة واحدة بحيث تكون كلماتهم كلها كلمات تلك الجهة من قبيل الأئمة من أهل بيت العصمة (عليهم السلام) الممثلين لجهة الشريعة، و لا دخل في ذلك كون الممثلين معصومين من الخطأ أو غير معصومين، فلو فرض أن أشخاصاً غير معصومين كانوا يمثلون جهة واحدة غير الشريعة لسرى الجمع العرفي إلى كلماتهم، لتعقل الإعداد الخاصّ و الإعداد العام للقرينية فيها ما داموا يمثلون جهة واحدة بنحو يعتبر كل واحد منهم كلام الآخر بمثابة كلامه، فإن هذا يتيح له أن يعد كلام الآخر لتفسير كلامه.

الثاني- أن لا يكون هناك علم إجمالي بعدم صدور أحد الخطابين اللذين بينهما جمع عرفي من الشارع، و إلّا لم تجد إمكانية الجمع العرفي في عدم إسراء التعارض إلى دليل الحجية، لأن الجمع العرفي إنما يوجب علاج التعارض الدلالي بين الخطابين و مع العلم الإجمالي بكذب أحدهما لا يكون التعارض بين مدلولي الخطابين بل بين نفس الخطابين و لا معنى حينئذ للجمع العرفي، فيكون التعارض مستقراً و سارياً إلى دليل الحجية.

الثالث- أن يبقى مجال للتعبد بمقدار من دلالة ذي القرينة، و أما إذا اقتضى الجمع العرفي إلغاء التعبد بدلالته رأساً فلا مجال حينئذ لإعمال الجمع‏

209

العرفي. و مثاله ما إذا فرض أن الجمع العرفي اقتضى حمل أحد المتعارضين على كونه إخباراً عن واقعة خارجية لا إنشاء مولوياً، فإنه في مثل ذلك لا يبقى مجال للتعبد بدلالة ذي القرينة لعدم انتهاء دلالته التي تتعين على أساس الجمع العرفي للأثر العملي. و الوجه في هذا الشرط هو أنه مع عدم إمكان التعبد بدلالة ذي القرينة كذلك يكون التعارض بحسب الحقيقة بين القرينة و دليل التعبد بسند ذي القرينة، أي أن التعارض يسري إلى دليل التعبد بالسند، و ذلك لأن ذا القرينة إذا كان التعبد بسنده بعد الجمع العرفي ممكناً فالتعارض ليس في دليل السند بل في دليل حجية الظهور، و المفروض تقدم أحد الظهورين على الآخر بلحاظ هذا الدليل. و أما إذا كان التعبد بالسندين مع الجمع العرفي غير ممكن فهذا يعني التعارض بين التعبد بسند القرينة و التعبد بسند ذي القرينة و هو معنى سريان التعارض إلى دليل حجية السند، و لا موجب بلحاظ هذا الدليل لتقديم أحد السندين على الآخر فيتساقطان.

و قد يبنى على هذا الشرط عدم صحة كون الحمل على التقية جمعاً عرفياً بين الدليلين بلحاظ مرحلة ظهورهما التصديقي في الإرادة الجدية لكون المخالف للعامة نصاً في الإرادة الجدية دون الآخر، فيؤول غير النص على أساس النص من باب حمل الظاهر على الأظهر، فإنه قد يقال: بأن هذا الجمع ليس صحيحاً لأن حمل الخبر الموافق على التقية يوجب إلغاء التعبد بدلالته رأساً و معه لا يمكن شمول دليل التعبد بالسند له، فيحصل التعارض بين التعبدين بالسندين، و معه لا ينفع إمكان الجمع العرفي‏ (1).

و لكن التحقيق عدم صحة هذا الشرط، و ذلك لأن دليل التعبد بالسند مقيد لباً بوجود أثر عملي لمفاد السند المتحصل بعد ملاحظة سائر القرائن، فإذا فرض أن ما هو المفاد العرفي للسند المتحصل بعد ملاحظة القرائن لم يكن له أثر عملي فهو خارج عن موضوع دليل التعبد بالسند، و هذا يعني أن دليل‏

____________

(1)- كما جاء في كفاية الأصول للمحقق الخراسانيّ- قده-.

210

التعبد بالسند بشموله لسند القرينة يقتضي كون المفاد العرفي لذي القرينة سنخ مفاد لا أثر عملي له، و معه يخرج سند ذي القرينة موضوعاً عن دليل التعبد لأنه أخذ في موضوعه أن يكون للمفاد العرفي أثر عملي، و هذا بخلاف العكس.

الرابع- أن يكون التعارض غير المستقر بين الدليلين ذاتياً قائماً على أساس التناقض أو التضاد، و أما إذا كان التعارض بالعرض و على أساس العلم الإجمالي بمخالفة مدلول أحدهما للواقع فسوف يطبق عليه قواعد الجمع العرفي و تقديم أقوى الدليلين، فإذا افترضنا مثلًا ورود أمرٍ بصلاة الظهر في يوم الجمعة الظاهر في وجوبها، و ورد دليل آخر صريح في وجوب الجمعة فيها و علم من الخارج بعدم جعل فريضتين على المكلف في وقت واحد، فلا يمكن جعل الدليل الصريح في وجوب الجمعة قرينة لحمل الأمر بالظهر على الاستحباب.

و قد استفيد هذا الشرط من كلمات المحقق النائيني- قده- و ما يمكن أن يذكر وجهاً فنياً لتخريجه أحد أمور.

الوجه الأول- أن يكون ذلك قياساً على ما تقدم في الشرط الثاني المتقدم، فكما لا يقدم الخاصّ على العام إذا علم إجمالًا بكذب أحدهما كذلك لا يقدم أقوى الدليلين على أضعفهما إذا كان يعلم إجمالًا بكذب مفاد أحدهما.

و هذا الوجه واضح الاندفاع، إذ القياس المذكور في غير محله. لأن قوانين الجمع العرفي موضوعها الظهوران المتنافيان في كلام متكلم واحد فلا بد من إحراز صدور الكلامين عن متكلم واحد كي يمكن تطبيقها عليهما، و في موارد العلم الإجمالي بكذب أحد الراويين- السندين- لم يحرز بعد صدور الكلامين من متكلم واحد لكي نطبق قواعد الجمع العرفي. و هذا بخلاف المقام الّذي لا يعلم فيه بكذب أحد السندين و إنما علم بمخالفة مفاد إحدى الروايتين للواقع، فبمقتضى حجية السند يحرز صدور الكلامين معاً من متكلم واحد فتجري عليهما قواعد الجمع العرفي.

211

و إن شئت قلت: إن العلم الإجمالي بكذب أحد السندين لا يستوجب تعارضاً في الخطابات الشرعية كي يطبق عليها قواعد التعارض و إنما يوجب تعارضاً بين شهادتي الراويين و من الواضح أن تقديم إحدى الشهادتين على الأخرى في مقام النقل لا موجب له حتى إذا افترضنا صراحة ألفاظها في مقام الشهادة و نقل المشهود به، لأن كلام شخص لا يكون قرينة على مراد شخص آخر، كما هو واضح، و هذا بخلاف المقام فإن الشهادتين لا تنافي بينهما من حيث إثبات المشهود به و إنما التنافي بين الخطابين الشرعيين.

الوجه الثاني- قياس المقام بموارد اشتباه الحجة باللاحجة، بدعوى:

أن العلم الإجمالي بكذب أحد الدليلين يوجب سقوط معلوم الكذب عن الحجية واقعاً فيكون أحدهما غير حجة في نفسه، فيدخل في موارد معارضة دليلين علم بعدم حجية أحدهما تفصيلًا ثم اشتبه الأمر و تردد غير الحجة مع الحجة منهما، فإنه لا يحكم في ذلك بتقديم أقوى الظهورين، كما هو واضح.

و هذا الوجه أيضا لا يمكن المساعدة عليه. لأن موضوع الحجة هو الظهور الّذي لم تصل قرينة على خلافه و لم يعلم مخالفته للواقع، و العلم الإجمالي بالمخالفة نسبته إلى كل منهما على حد واحد، أي نسبة احتمالية و ليست يقينية فالقياس على مورد العلم التفصيليّ بعدم حجية أحدهما المعين ثم اشتباهه بالحجة في غير محله.

الوجه الثالث- أن تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما إنما يكون بملاك القرينية و اعتبار العرف الظهور الأقوى مفسراً للمراد من الظهور الأضعف، و هذا إنما يصح فيما إذا كان الدليل الأقوى متعرضاً بمفاده لمفاد الآخر و مجرد العلم الإجمالي بكذب أحدهما لا يجدي في ذلك.

و هذا الوجه أيضا لا يمكن المساعدة عليه. لأنه لو أريد به أن القرينية موقوفة على أن يكون الدليل القرينة بحسب مدلوله المطابقي مفسراً لمدلول الآخر و قرينة عليه عرفاً، فالكبرى ممنوعة، فإن القرينية كما تتعقل في المدلول‏

212

المطابقي لدليل بالقياس إلى دليل آخر كذلك تتعقل في المدلول الالتزامي له.

و إن أريد به أن العلم الإجمالي في موارد التعارض بالعرض لا يحقق دلالة عرفية صالحة للقرينية فالصغرى ممنوعة، فإن كلًا من الدليلين يحتوي على دلالة التزامية على قضية شرطية فحواها أنه لو كان أحد المفادين كذباً فهو مفاد الآخر و العلم الإجمالي بالكذب بحسب الحقيقة يحرز الشرط من هذه القضية فليس هو القرينة على التصرف في الآخر و إنما القرينة تلك الدلالة الالتزامية في الدليل الأقوى، و بذلك يتضح أن كل تعارض بالعرض يرجع بعد التحليل إلى تعارض بالذات بين المدلول الالتزامي لكل من الخطابين مع المدلول المطابق للآخر، و يحل هذا التعارض بتطبيق قوانين الجمع العرفي بينهما من أول الأمر، بحمل مدلول الدليل الأضعف على ما يوافق الدليل الأقوى على تقدير وجود كذب في البين، و العلم الإجمالي دوره الحقيقي إنما هو إحراز هذا التقدير لا أكثر.

الوجه الرابع- قد تقدم أن أحد الدليلين المنفصلين إنما يصلح أن يكون قرينة على الآخر و رافعاً لحجيته فيما إذا فرض كونه قرينة رافعة لأصل الظهور على تقدير اتصاله به، و في موارد التعارض بالعرض لو فرض الجمع بين الدليلين المتعارضين في مجلس واحد مع ذلك لا يصلح الدليل الأقوى منهما للقرينية على الدليل الأضعف و هدم ظهوره، بل تكون نسبة العلم الإجمالي بالخلاف إليهما على حد واحد. و هذا يعني عدم صلاحية أقوى الدليلين للقرينية على أضعف الدليلين في موارد التعارض بالعرض.

و هذا الوجه غير تام أيضا، لأنه لو أريد من فرض الاتصال و الجمع بين الدليلين الجمع بينهما فقط مع كون العلم الإجمالي بالكذب منفصلًا عنهما لكونه ثابتاً بدليل آخر خارج عنهما، فما ذكر من عدم انثلام ظهور الدليل الأضعف و إن كان صحيحاً إلّا أنه ليس من الاتصال بين أقوى الظهورين و أضعفهما ما دام الدليل على العلم الإجمالي المستوجب للتعارض منفصلًا

213

و إن أريد الجمع بينهما مع دليل العلم الإجمالي بحيث يكون العلم الإجمالي بيّنا و واضحاً في مقام التخاطب- كما إذا كان مركوزاً في الذهن العرفي- فلا نسلم عدم القرينية أو الأظهرية المستلزمة لانثلام الظهور الأضعف بسبب الظهور الأقوى فإن ملاك تقدم أقوى الظهورين على أضعفهما سواء كان هو القرينية أو الأقوائية في مقام التأثير- على ما تقدم شرحه- محفوظ في المقام أيضا.

و هكذا يتضح أنه لا فرق في تطبيق قواعد الجمع العرفي و التعارض غير المستقر بين أن يكون التعارض بين الدليلين بالذات أو بالعرض.

214

نتائج الجَمع العُرفيّ‏

بعد فرض تطبيق قواعد الجمع العرفي على الدليلين المتعارضين يقع البحث عن مقتضاها و نتائجها بلحاظ كل من الدليل الغالب و الدليل المغلوب. و لا إشكال في أن مفاد الدليل الغالب لا بد من الأخذ به، و أما حال الدليل المغلوب و تشخيص ما يتبقى له من مدلول بعد تقديم الدليل الغالب عليه، فيتصور على خمسة أنحاء.

1- أن لا يبقى له مدلول عملي رأسا فيلغو شمول دليل الحجية له و يخرج عن موضوعه تخصّصاً، على ما تقدم شرحه في الشروط العامة للتعارض غير المستقر. و مثال ذلك موارد الحمل على التقية أو على جملة خبرية غير مولوية بقرينة منفصلة.

2- أن يبقى الدليل المغلوب محتفظاً بتمام مدلوله، كما هو الحال قبل الجمع العرفي. و مثال ذلك موارد الجمع العرفي بالورود التي لا تنافي فيها بين الجعلين و إنما بين المجعولين في مقام الفعلية.

3- أن يبقى الدليل المغلوب محتفظاً بجزء من مدلوله و يقتطع منه جزئه الآخر، كما هو الحال في موارد التخصيص و التقييد التي يبقى فيها العام أو المطلق حجة في الباقي.

4- أن يثبت للدليل المغلوب مفاد يغاير مفاده الأول يعيّنه الدليل‏

215

الغالب، كما في الحكومة بلسان أعني فيما إذا حدد له الحاكم مفاداً مغايراً مع ما كان يفهم منه لولاه.

5- أن يثبت للدليل المغلوب مفاد مغاير مع مفاده الأول يعينه الدليل المغلوب نفسه، و هذا إنما يكون فيما إذا كان الدليل المغلوب يتحمل أكثر من معنى واحد و إن كان ظاهراً في واحد منها و هو الّذي عارضه فيه الدليل الغالب. و حينئذ إذا افترضنا أن المعنى الآخر كان هو البديل الوحيد للمعنى الأولي الّذي رفع اليد عنه بالدليل الغالب لم نكن بحاجة في إثبات ذلك المعنى إلى افتراض عناية إضافية، و أما إذا لم يكن ذلك المعنى هو البديل المنحصر بأن كانت هنالك مجازات عديدة للفظ مثلًا، فلا بد في تعيين أحدها بالخصوص من افتراض ظهور ثانوي للدليل المغلوب في إرادة ذلك المعنى على تقدير عدم إرادة معناه الحقيقي الأولي.

و يمكننا أن نطبق أكثر هذه الأنحاء من النتائج على المثال الفقهي المعروف، و هو حمل دليل الأمر على الاستحباب بعد مجي‏ء دليل الترخيص، و ذلك بحسب اختلاف المباني في وجه دلالة الأمر على الوجوب. فإنه على مسلك مدرسة المحقق النائيني- قده- القائل بأن الوجوب مستفاد بحكم العقل و ليس مدلولًا لفظياً للأمر يندرج هذا المثال في النحو الثاني، حيث لا يكون أي تناف بين مدلول دليل الترخيص مع الأمر بل يبقى دليل الأمر محتفظاً بتمام مدلوله- و هو الطلب- و إنما الّذي ارتفع موضوعه هو حكم العقل بالوجوب.

و بناء على المسلك القائل بأن الوجوب يستفاد من الأمر ببركة الإطلاق و جريان مقدمات الحكمة، حيث أن إطلاق الطلب يقتضي الطلب المطلق الّذي هو الوجوب. يكون هذا المثال من النحو الثالث الّذي يتبقى فيه للدليل المغلوب جزء من مدلوله، و هو أصل الطلب.

و بناء على المسلك المختار في باب الأمر من أن دلالته على الوجوب بالوضع‏

216

لا بد في حمله على الاستحباب من تطبيق النحو الخامس و دعوى: أن الأمر له ظهور وضعي أولي في الوجوب، و ظهور ثانوي في الاستحباب عند عدم إرادة الوجوب منه. فإن الميزان في الحجية إنما هو الظهور دائماً، فما لم يكن للكلام ظهور في المعنى المراد إثباته لا يمكن تعيينه من بين المعاني المحتملة، كما هو واضح.

217

القِسم الثاني التعَارُض المُستَقِرّ

218

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

219

تقسيم البَحث في التعارُض المُستَقِرّ التعارض المستقر- على ما تقدم- عبارة عن التنافي بين الدليلين بنحو يسري إلى دليل الحجية، فيقع التنافي في اقتضاءات دليل الحجية العام لشمول الدليلين معاً. و هذا النحو من التعارض إنما يكون في الموارد التي لا ينطبق عليها أحد أقسام الجمع العرفي المتقدمة في التعارض غير المستقر.

و البحث عن التعارض المستقر يقع في مسألتين رئيسيتين.

المسألة الأولى- أن التعارض إذا كان مستقراً و سارياً إلى دليل الحجية، فما هو مقتضى دليل الحجية العام فيها؟ التساقط أو التخيير أو الترجيح.

المسألة الثانية- أن التعارض المستقر هل عولج حكمه في دليل خاص وراء دليل الحجية العام؟ و ما هو ذاك العلاج، و هل يشمل التعارض غير المستقر أيضا أم لا؟

220

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

221

المَسألة الأولى حكم التعارض المستقر من زاوية دليل الحجية العَام‏

1- حكم التعارض المستقر إذا كان غير مستوعب لتمام مدلول الدليل.

2- حكم التعارض المستقر إذا كان مستوعباً لتمام مدلول الدليل.

1- متى يكون التعارض مستقراً.

2- فرضيات التعارض المستقر و أحكامها.

«أ- تحديد مركز التعارض بين الدليلين.

ب- تأسيس الأصل في فرضيات التعارض.

1- بلحاظ دليل الحجية الواحد.

2- بلحاظ دليلين للحجية».

3- تطبيقات مشكوك فيها للتعارض المستقر.

«أ- العموم الوضعي و الإطلاق الحكمي.

ب- الشمولي و البدلي.

ج- موارد انقلاب النسبة».

222

و لتحديد ما يقتضيه دليل الحجية العام في موارد التعارض المستقر ينبغي أن يلاحظ أن التعارض المستقر ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول- التعارض المستقر غير المستوعب لتمام المدلول، أي التعارض بنحو العموم من وجه.

القسم الثاني- التعارض المستقر المستوعب لتمام المدلول، كما في التعارض بنحو التباين. و لا بد من الحديث عن أحكام كل من القسمين.

223

1- حُكم التعارُضِ المُستَقِرّ غير المستوعِبِ لِتمامِ المَدلول‏

إذا كان التعارض المستقر بين الدليلين غير مستوعب لتمام مدلولهما، بأن كان بنحو العموم من وجه، فإذا كان مورد الافتراق لدلالة كل منهما أو أحدهما بنحو لا يعقل حجية الدليل فيه بالخصوص خرج ذلك عن هذا القسم و اندرج في التعارض المستقر المستوعب على الأول، حيث تسري المعارضة حينئذ إلى مورد الافتراق منهما. و في التعارض غير المستقر على الثاني.

و أما إذا كان مورد الافتراق لهما قابلًا لأن يكون الدليل حجة بلحاظه بالخصوص، فلا إشكال و لا ريب أن مقتضى القاعدة حينئذ بقاء الدليلين المتعارضين على الحجية سنداً- لو كانا ظنيين- لإثبات مدلول كل منهما في مورد افتراقه عن الآخر، إذ لا موجب لتوهم سريان الإجمال إلى السند الظني إلّا دعوى: أن المعارضة و إن كانت بين الدلالتين أولا و بالذات إلّا أنه يعلم إجمالًا اما بكذب إحدى الدلالتين أو كذب السند الظني، فيكون السند الظني داخلًا في أطراف العلم الإجمالي بالكذب. و كما يكون رفع اليد عن إحدى الدلالتين كافياً لانتفاء التعارض كذلك يكون رفع اليد عن سند ظني رافعاً للتعارض، فلا موجب لترجيح حجية السند على حجية الدلالة.

و هذا التوهم غير صحيح: لأن حجية الدلالة متعينة للسقوط على أي حال. و توضيح ذلك: أن الدوران بحسب الحقيقة ليس بين التمسك بدليل حجية السند الظني‏

224

أو أو دليل حجية الدلالة الظنية، بل الدليل المتمسك به في المقام هو دليل حجية السند لا غير، و أما حجية الدلالة و آثارها فتثبت ثبوتاً ظاهرياً تعبدياً بدليل حجية السند، لأننا لا نواجه النص الصادر المعصوم (عليه السلام) حقيقة و واقعاً لكي نواجه دليل حجية الظهور و إنما نحرز النص بشهادة الراوي و ببركة دليل حجية هذه الشهادة، و من الواضح أن هذا إحراز ظاهري، فتكون حكومة ظاهرية لا واقعية و يكون التمسك بدليل حجية الشهادة و إطلاقها لإثبات تمام الآثار الشرعية المترتبة على الواقع ظاهراً و التي منها حجية الظهور في مادة التعارض. و على أساس هذا التوضيح يتبين أن الأمر دائر بين الأقل و الأكثر في إطلاق دليل واحد و هو دليل حجية الشهادة، حيث يدور الأمر بين الأخذ به بلحاظ الأثر المترتب في مورد الافتراق أو ترك الأخذ به رأساً الّذي يعني عدم ترتيب شي‏ء من آثار الشهادة، فيكون إطلاقه لترتيب الأثر في مورد التعارض ساقطاً على كل حال و أما الآثار المترتبة على حجية الدلالة في مورد الافتراق فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق دليل حجية الشهادة بلحاظها، و لا يقصد بحجية السند أكثر من هذا المعنى، كما هو واضح.

هذا كله بلحاظ مورد الافتراق للدليلين المتعارضين. و أما مورد الاجتماع منهما فيستقر التعارض فيه لا محالة، و لا بد حينئذٍ من تطبيق ما سوف نذكره في التعارض المستوعب من مقتضى الأصل الأولي أو الثانوي، فإنه على ما سوف يظهر لا يفرق فيه بين أن يكون التعارض مستوعباً أو غير مستوعب.

225

2- حُكمُ التعارُضِ المُستَقِرّ المُستَوعِبِ لِتمَامِ المَدلول‏

إذا كان التعارض المستقر مستوعباً لتمام مدلول الدليلين بحيث لا يبقى بعد تقديم أحدهما مجال للآخر، كما في موارد التعارض بنحو التباين، فيقع الكلام عنه تارة: في تنقيح الموضوع و أنه متى يكون التعارض مستقراً، و أخرى: في أحكامه.

أما البحث في تنقيح الموضوع‏

، فقد يحاول إخراج المتعارضين عن التعارض المستقر، و الجمع بينهما انطلاقاً من قاعدة أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، فيؤخذ بكل من الدليلين في جزء من مفاده.

و الواقع أن هذه القاعدة يمكن تقريبها بأحد وجهين:

الأول- التفسير المدرسي و البدائي لها، و هو أننا نأخذ بكل من الدليلين في جزء من مدلوله و نطرح جزئه الآخر ليكون قد عملنا بهما معاً، فلو ورد مثلًا (ثمن العذرة سحت و لا بأس ببيع العذرة) حملنا الأول على عذرة غير المأكول و الثاني على عذرة المأكول، فإن العمل بهما في تمام مدلولهما و إن كان متعذراً إلّا أن هذا لا يسوغ طرحهما في تمام مفادهما، لأن الضرورات تقدر بقدرها دائماً، فليعمل بشي‏ء من مدلول كل منهما فيكون جمعاً بين الدليلين.

و هذا التفسير واضح البطلان، فإن ترك جزء من مفاد كل دليل أخذاً

226

بما يقابله من الدليل الآخر اعتباط و جزاف، إذ كما يمكن الأخذ بجزء من المفاد في كل منهما كذلك يمكن طرح كلا الجزءين من مفاد أحدهما و الأخذ بكلا جزئي مفاد الآخر، فالجزء المطروح من مفاد كل منهما كالجزء الّذي أخذ به من الآخر من حيث كونه موضوعاً للحجية فترجيحه على الآخر بلا مرجح.

الثاني- تفسير هذه القاعدة على أساس الجمع العرفي، بدعوى: أن موارد التعارض يمكن فيها الجمع العرفي بوجه من الوجوه في أغلب الحالات و لأجل توضيح هذه الفكرة نطبقها على الموردين التاليين.

المورد الأول- أن يجمع بينهما بحسب الموضوع، و ذلك فيما إذا ورد مثلًا (لا بأس ببيع العذرة) و (ثمن العذرة سحت)، فإنه يخصص الموضوع في كل منهما بغير موضوع الآخر، بدعوى: أن في كل منهما دلالتين.

دلالة وضعية على ثبوت الحكم بنحو القضية المهملة المستفادة من اسم الجنس، و دلالة إطلاقية على شمول الحكم لتمام الأفراد المستفادة من مقدمات الحكمة.

و المعارضة بحسب الحقيقية ليست بين الدالين على القضيتين المهملتين بل بين الدلالة الإطلاقية من كل منهما مع مدلول الآخر، و باعتبار كون الدلالة على القضية المهملة وضعية و الدلالة الوضعيّة أقوى و أظهر من الدلالة الإطلاقية، فيرفع اليد لا محالة عن إطلاق كل منهما بالظهور الوضعي في الآخر، و بذلك لا تصل النوبة إلى تعارض الدلالتين الإطلاقيتين و تساقطهما، فيستخلص قضيتان مهملتان تتعيّنان في القدر المتيقن من كل طرف، فيحكم في المثال بحرمة بيع عذرة غير المأكول، و جواز بيع عذرة المأكول.

المورد الثاني- الجمع العرفي بينهما بحسب المحمول، كما إذا ورد أمر بشي‏ء ظاهر في وجوبه مع ورود ترخيص في تركه بلسان ظاهر في إباحته بالمعنى الأخص، فإنه يمكن أن يجمع بينهما بحمل الأمر على مطلق الرجحان،

227

لأن كلّا من الدليلين يكون له دلالة ظهورية و دلالة صريحة، فالأمر يدل بظاهره على الوجوب و يكون صريحاً في الرجحان، و دليل الترخيص ظاهر في الإباحة بالمعنى الأخص و نصّ في نفي الإلزام، فيرفع اليد عن ظهور كل منهما بصراحة الآخر و ينتج الاستحباب.

و هذا الوجه في تفسير قاعدة الجمع غير تام أيضا. و ذلك باعتبار أن أحد الدليلين إنما يتقدم على الدليل الآخر المعارض له بالجمع العرفي، فيما إذا كان مدلوله متعيناً للقرينية- و لو بملاك النصوصية أو الأظهرية- بحيث لا يحتمل فيها أن يكون هادماً لمدلول الدليل المعارض، و في المقام ليست استفادة الرجحان من دليل الأمر، أو القضية المهملة من المطلق، بدلالة مستقلة صريحة أو أظهر من مدلول الدليل المعارض لكي يكون قرينة عليه و مورداً لقاعدة الجمع العرفي، و إنما هو مدلول مستخلص من مفادين يتردد بينهما الدليل و يكون على أحدهما معارضاً مع الدليل الآخر، لأنه يهدم أصل ظهوره، و على الآخر قرينة عليه. و مثل هذه الدلالة لا تكون مورداً للجمع العرفي.

و تفصيل ذلك و تحقيقه بأن يقال:

إن الدليل إذا تردد مفاده بين معنيين محتملين في أنفسهما يكون على أحدهما معارضاً و على الآخر صالحاً للقرينة، فتارة: يفترض ظهوره في المعنى الصالح للقرينية، و أخرى: يفترض ظهوره في المعنى المعارض، و ثالثة: يكون مجملًا مردداً بينهما.

أما الصورة الأولى، فلا إشكال فيها في تقديم أحد الدليلين على الآخر بعد افتراض أن مفاده الظاهر منه صالح للقرينية على الآخر. و لعل من أمثلة ذلك ما إذا كان دليل الترخيص ظاهراً في الإباحة العامة- نفي الإلزام- كما إذا ورد (لا تصل في الحمام) و (لا بأس بالصلاة في الحمام) فإن دليل الترخيص و إن كان يحتمل في حقه الإباحة الخاصة و بناء عليها يكون هادماً

228

لأصل النهي، إلّا أنه باعتبار استظهار الإباحة العامة منه يتعين في القرينية على دليل النهي و حمله على التنزه.

و أما الصورة الثانية، فإنه و إن كان يحتمل فيها أن يكون المراد من الدليل معناه القرينة خلافاً لظاهره المعارض، و لكن هدم ظهور الدليل الآخر ليس بأشد حالًا من إهمال الظهور في مفاد الدليل الّذي يكون بظاهره معارضاً.

و بعبارة أخرى: الأخذ بالمفاد الّذي يصلح للقرينية على الدليل الآخر لا دليل عليه و لا حجة تعيّنه، و إنما الحجة- و هو الظهور- تعين المفاد الّذي لا يصلح للقرينية. و من أمثلة هذه الصور الموردان المتقدمان للجمع التبرعي بين الدليلين حيث أن دليل الترخيص مفاده الظاهر- و هو الإباحة بالمعنى الأخص- معارض مع دليل الأمر، و كذلك دليل تجويز بيع العذرة، فإن ما هو ظاهره و لو بمقتضى الإطلاق و مقدمات الحكمة معارض مع دليل النهي عن بيع العذرة و غير صالح للقرينية عليه. و ما قيل فيهما من الجمع العرفي بحمل الظاهر على النص و رفع اليد عن الإطلاق الحكمي بالظهور الوضعي لاسم الجنس مغالطة واضحة، و ذلك: لأن الجمع العرفي بين الدليلين المنفصلين يكون بملاك القرينية لا غير، على ما تقدم شرحه فيما سبق. و القرينية فرع تعين مفاد ما يراد جعله قرينة في المرتبة السابقة لكي يفسر به المراد من ذي القرينة فلا تتم فيما إذا كان مفاد الدليل مردداً بين ما يصلح للقرينية و ما يكون معارضاً- كما هو الحال في المقام- و لهذا لا نقول بالقرينية في أمثال هذه الموارد حتى إذا كانت إحدى القضيتين مجملة مرددة بين المطلق و المقيد، كما إذا لم تتم فيها مقدمات الحكمة في نفسها، و اتصلت إحداهما بالأخرى، فإنه لا تجعل المهملة قرينة على إرادة المقيد من المطلقة نعم لو كانتا منفصلتين كانت المطلقة حجة في مورد الإجمال من الأخرى من باب عدم العلم بالمعارض.

إن قلت: من جملة وجوه الجمع العرفي حمل الظاهر على الأظهر لا

229

بملاك القرينية بل باعتبار تزاحم مقتضى الظهور و الدلالة في كل من الظاهر و الأظهر و حصول ظهور نهائي على وفق الأظهر، على ما تقدم شرحه فيما سبق. و هذا وجه يمكن تطبيقه على المورد الثاني في المقام، بدعوى: ان دلالة اسم الجنس على القضية المهملة باعتبارها بالوضع تكون أقوى و أظهر من دلالة مقدمات الحكمة على الإطلاق فيتقدم عليها و يرفع اليد عن القضيتين الثابتتين بمقدمات الحكمة في كل واحد منهما بالدلالة الوضعيّة في الأخرى.

قلنا- إن تقديم الأظهر على الظاهر على أساس التزاحم بين مقتضيات الظهور و إن كنا نقبله على ما تقدم في الأبحاث السابقة، إلّا أن ذلك يصح في الأظهر المتصل بالظاهر لا المنفصل عنه- كما هو المفروض في موارد التعارض المستقر- لأن الدلالة المنفصلة لا تكون مؤثرة سلباً أو إيجاباً في مرحلة الظهور، فهذا الجمع إنما يتم فيما إذا فرض اتصال القضيتين إحداهما بالأخرى.

و أما الصورة الثالثة، فهي و إن كانت كالصورة السابقة من حيث عدم إمكان إعمال قاعدة الجمع العرفي فيه، لإجمال الدليل و عدم الحجة على تعيين المفاد الصالح للقرينية، إلّا أنه يمكن أن يتوصل- بقاعدة عقلية لا بجمع عرفي- إلى نفس النتيجة المطلوبة من الجمع العرفي، بمعنى رفع الإجمال و تعيين مفاد الدليلين بنحو يرتفع التعارض من البين في بعض أمثلة هذه الصورة و أبرز مثال لذلك ما ورد في تحديد الكر من تحديده تارة: في مرسلة ابن أبي عمير بألف و مائتا رطل. و أخرى: في رواية محمد بن مسلم بستمائة رطل‏ (1)، مع إجمال كلمة الرطل و تردده بين الرطل المكي الّذي هو ضعف الرطل العراقي و بين الرطل العراقي حيث يمكن رفع الإجمال و التنافي بين الدليلين و تحديد مقدار الكر بستمائة بالرطل المكي و ألف و مائتا رطل بالعراقي، لا على أساس حمل رواية محمد بن مسلم على المكي و المرسلة على العراقي فإنه لا معين لذلك مع الإجمال و التردد، بل باعتبار أننا لا نعلم بكذب شي‏ء من الروايتين بحسب منطوقهما اللفظي، فيكون كل منهما محتمل الصدق و المطابقة للواقع، و إذا لم نعلم بكذب واحد منهما كان مقتضى القاعدة شمول الحجية

____________

(1)- وسائل الشيعة باب 11 من أبواب الماء المطلق، حديث- 1، 3.

230

لهما معاً فتثبت بذلك قضيتان مجملتان تدلان على أن الكر ستمائة رطل و ألف و مائتا رطل. و صدق مثل هاتين القضيتين معاً يلزم منه عقلًا قضية ثالثة هو أن الكر ستمائة رطل بالمكي و ألف و مائتا رطل بالعراقي، إذ لو كان أقل من هذا المقدار أو أكثر لما صدقت القضيتان معاً على إجمالهما بل كانت إحداهما كاذبة لا محالة.

و بعبارة أخرى: إن رواية الستمائة تدل على أن الكر ليس بأكثر من ستمائة رطل مكي- لأنه سواء أريد بالرطل فيهما الرطل المكي أو العراقي فهو لا يزيد على هذا المقدار لأن الرطل العراقي أقل من المكي بحسب الفرض- و رواية الألف و المائتين تدل على أن الكر ليس بأقل من ألف و مائتي رطل بالعراقي- سواء أريد بالرطل فيهما المكي أو العراقي- لأن المكي أكثر من العراقي بحسب الفرض فلا يمكن أن يقل الكر عن ألف و مائتين بالعراقي و لا تدل على أنه أكثر من ستمائة رطل مكي لاحتمال إرادة العراقي منه بحسب الفرض و هو نصف المكي، فيكون مقتضى الجمع بين هاتين النتيجتين أن الكر لا يزيد على ستمائة رطل بالمكي و لا ينقص عن الألف و مائتين بالعراقي.

و هكذا اتضح: أن الجموع التبرعية المدعاة بقاعدة أن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح لا يمكن تخريجها على أساس قواعد الجمع العرفي.

نعم، نستثني من ذلك حالة واحدة يكون الموقف فيها من الدليلين المتعارضين موافقاً مع الجمع التبرعي و لكن لا بملاك الجمع العرفي و القرينية بل بملاك العلم الوجداني بسقوط الإطلاق في كلا الدليلين الأمر الّذي ينتج الاقتصار على القدر المتيقن لكل منهما. و تلك الحالة هي ما إذا كان الدليلان معاً قطعيي السند و الجهة. و كان لكل منهما قدر متيقن مستفاد و لو من الخارج، كما إذا فرضنا أن قوله (ثمن العذرة سحت) القدر المتيقن منه عذرة غير مأكول اللحم و قوله (لا بأس ببيع العذرة) القدر المتيقن منه المأكول، فإنه يعلم تفصيلًا حينئذ بسقوط الإطلاق في كل واحد من الدليلين بالقياس إلى ما

231

هو المتيقن من الآخر، فتكون النتيجة نفس النتيجة المستحصلة في الجمع التبرعي.

و يلحق بهذه الحالة أيضا ما إذا كان أحد هذين الدليلين قطعي السند و الجهة دون الآخر و كان له قدر متيقن و قلنا بكبرى انقلاب النسبة- التي سوف يأتي الحديث عنها- فإنه في هذه الحالة يعلم تفصيلًا بسقوط الإطلاق في الدليل ظني السند بالمقدار المقابل مع المتيقن من الدليل القطعي، فتنقلب النسبة بينهما و يصبح الدليل الظني أخص من القطعي فيتقدم عليه بملاك الأخصية إلّا أن هذا كما عرفت مبتنٍ على القول بانقلاب النسبة، و سوف يأتي أنه غير تام بل تبقى نسبة التعارض المستقر بين الدليلين على حالها و لو علم بسقوط شي‏ء من مفاد أحدهما، فيدخل المقام بناء على ذلك في فرضية التعارض بين الدليل القطعي السند و الدليل الظني السند، و سوف يأتي التعرض له.

و لو افترضنا في المثال السابق قطعية سند الدليل الثاني أيضا دون جهته و دلالته انقلبت النسبة بين الدلالتين فيجمع بينهما- بناء على نظرية انقلاب النسبة- و أما بناء على إنكارها فيقع التعارض بين إطلاق الدلالة الظنية في الدليل قطعي السند و الجهة و بين المجموع المركب من أصالة الجد و إطلاق الدلالة في الدليل الآخر.

232

فرضيّات التعارُضِ المُستقِرّ و أَحكامُها

و أما البحث عن أحكام التعارض المستقر من زاوية دليل الحجية العام، فتارة: يكون على مستوى ما يقتضيه دليل الحجية العام من دون افتراض علم من الخارج بثبوت الحجية في الجملة في مورد التعارض و نصطلح عليه بالأصل الأولي. و أخرى: يكون عما يقتضيه دليل الحجية بعد افتراض العلم من الخارج بانحفاظ الحجية في الجملة حتى في موارد التعارض، و عدم التساقط المطلق. و نصطلح عليه بالأصل الثانوي. ثم أن الدليلين المتعارضين تارة:

يفترض قطعية سندهما معاً بحيث يعلم بصدورهما عن الشارع. و أخرى:

يفترض ظنية سندهما معاً بأن يكون صدورهما ثابتاً بدليل الحجية. و ثالثة:

يفترض قطعية سند أحدهما و ظنية سند الآخر. و البحث عن هذه الفرضيات الثلاث يقع من ناحيتين.

الناحية الأولى- في تحديد مركز التعارض بين الدليلين في كل منها.

و الناحية الثانية- في مقتضى الأصل الأولي و الثانوي بلحاظ دليل الحجية الّذي وقع مركزاً للتعارض.

أ- تحديد مركز التعارض بين الدليلين:

أما في الفرضية الأولى، التي يكون الدليلان قطعيين سنداً و لم يقطع ببطلان‏

233

مفاد أي واحد منهما في نفسه مع تعذر الجمع العرفي فمركز التعارض فيها إنما هو دليل حجية الظهور لا السند، لأنه قطعي بحسب الفرض و أما في الفرضية الثانية، التي يكون الدليلان ظنيين سنداً فلا إشكال أن مركز التعارض فيها دليل حجية السند إذا كانت الدلالة قطعية.

و إنما الكلام في تحديد مركز التعارض فيما إذا لم تكن الدلالتان قطعيتين حيث قد يقال بأنه لا موجب لسريان التعارض إلى دليل حجية السند، لأن كلًا منهما يحتمل مطابقته للواقع، بأن يكون كلا الظهورين المتعارضين صادراً من المولى حقيقة، فلا يقاس بموارد قيام أمارتين متعارضتين في الموضوعات مثلًا، كما إذا شهدت بيّنة بعدالة زيد و أخرى بفسقه، الّذي يسري فيه التعارض إلى دليل حجيتهما للعلم بكذب أحدهما.

و الصحيح أن يقال: أن هناك تقادير ثلاثة لحجية السند.

التقدير الأول- و هو التقدير الصحيح- أن تكون حجية كل من سند الرواية و دلالتها ثابتة بجعل واحد يثبت حجية المجموع بنحو الارتباط كما إذا كان دليل الحجية قد دل على لزوم اتباع مفاد الرواية و ما أخبر به الثقة، أي النتيجة المتحصلة من مجموع سنده و دلالته.

و بناء على هذا التقدير، لا إشكال في سريان التعارض إلى دليل حجية السند، لأنه لو أريد إثبات مجموع الحجيتين في كل من الطرفين بدليل الحجية فهو مستحيل، و إن أريد إثبات إحدى الحجيتين في أحد الطرفين أو كليهما فهو خلف الارتباطية في جعل الحجيتين.

التقدير الثاني- أن تكون حجية السند مستقلة و غير مشروطة بحجية الظهور، أي يكون مفاد دليل الحجية التعبد بأصل الصدور دون أن يكون ناظراً بمدلوله المطابقي إلى مفاد الرواية و يكون دوره الحكومة الظاهرية على دليل حجية الظهور، بمعنى إحراز صغرى ذلك الدليل تعبداً. و بناء على‏

234

هذا التقدير تثبت الحجية للسندين معاً و تترتب آثار الصدور الثابتة للأعم من المعنى الظاهر المعارض و غير الظاهر. فلو كان هناك أثر يترتب على الأعم من المعنيين نرتّبه لا محالة، فإذا افترضنا أن الدليل كان مفاده ظاهراً في وجوب شي‏ء و يحتمل فيه الاستحباب أثبتنا بدليل حجية السند- على هذا التقدير- الجامع بين الوجوب و الاستحباب، فإن كان ظهوره مما يمكن الأخذ به- كما في غير مورد التعارض- أثبتنا الوجوب أيضا، و إذا كان ظهوره معارضا ثبت الجامع بمجرده لأن الصدور يستلزم الجامع، و حينئذ إذا فرض أن المعارض كان ظاهراً في الإباحة مع احتمال الاستحباب فيه أيضا أمكن إثبات الجامع في كل منهما بنحو القضية المجملة المرددة بين الوجوب و الاستحباب في الأول، و الاستحباب و الإباحة في الثاني، فإذا استبعدنا احتمال التقية كان مقتضى صدق كل من الرّاويين و مطابقة كلامهما للواقع ثبوت الاستحباب لا محالة.

و قد تقدم في مستهل البحث عن التعارض المستقر أن هذا نحو من الجمع بين الدليلين، و على أساسه حدّدنا مقدار الكر بالوزن في أخبار الرطل المتعارضة في ألف و مائتي رطل عراقي.

غير أنا قيّدنا هذا الجمع بما إذا كان مفاد الدليلين مجملًا مردداً بين ما يمكن معه صدق الدليلين و ما لا يمكن. و لم نعمله فيما إذا كانا ظاهرين في معنيين متعارضين و ذلك باعتبار ما بيناه في التقدير الأول المختار في حجية السند من أن حجيته ارتباطية و ليست مستقلة فلا محالة يسري التعارض من الظهورين إلى السندين. و بعبارة أخرى: إن هناك حجية واحدة جعلت لما هو المتحصل من اخبار الراوي الثقة، و ما هو المتحصل منه فيما إذا كان معارضاً بخبر آخر لا يمكن حجيته بخلاف ما إذا كان مفاده مجملًا مردداً من أول الأمر بين المعنيين، فإن ما هو المتحصل منه- و هو الجامع بين المعنيين- يمكن التعبد به، ثم تعيينه في أحدهما بالنحو الّذي شرحناه آنفاً.

التقدير الثالث- أن تكون حجية السند مستقلة جعلًا عن حجية الظهور

235

و لكنها مقيدة بحجيته، بأن تكون الحجة من الأسانيد ما يكون على تقدير ثبوته حجة بحسب الظهور أيضا.

و بناء على هذا التقدير، تارة: يفترض أن الشرط في حجية السند حجية ظهوره في نفسه و بقطع النّظر عن المعارضات، أي أن الشرط ثبوت مقتضي الحجية في ظهوره، و أخرى: يكون الشرط حجيته بالفعل. فعلى التقدير الأول لا يسري التعارض إلى السندين بل يكون دليل الحجية شاملا لهما فيتعبد بصدور الحديثين معاً و حينئذ، على القول بتعارض الأحكام الظاهرية بوجودها الواقعي يكون السندان كاشفين عن ظهورين معتبرين متعارضين واقعاً، و على القول بتعارض الأحكام الظاهرية بوجودها الواصل، أي في مرحلة وصولهما، يكون السندان كاشفين عن ظهورين معتبرين و موجدين بذلك التعارض بينهما، و على كلا التقديرين لا بأس بالتعبد بالسند و يثبت به الجامع بين المعنى الظاهر و غيره، كما هو الحال على التقدير السابق.

و على التقدير الثاني لا تثبت حجية شي‏ء منهما، لأن ثبوتها لهما معاً محال إذ يستلزم عدم ثبوتها. و بعبارة أخرى: يستحيل اجتماع الشرطين معاً في هذه الحالة فيكون من قبيل موارد التوارد من الجانبين المستحيل. و هذا يعني أن مركز التعارض في هذه الحالة دليل حجية السندين كما كان كذلك على التقدير الأول.

و أما في الفرضية الثالثة، التي يكون أحد الدليلين ظنياً سنداً و الآخر قطعياً مع تعذر الجمع العرفي، كما إذا تعارض خبر الثقة مع ظهور قرآني، فإن فرض أن الدليل الظني السند قطعي الدلالة كان مركز التعارض دليل حجية السند الظني و دليل حجية الظهور في الدليل القطعي. و إن فرض أن الدليل الظني السند ظني الدلالة أيضا كان التعارض بين دليل حجية الظهور في كل منهما و يسري إلى دليل حجية السند الظني أيضا، بحسب ما تقدم في الفرضية السابقة.

236

ب- تأسيس الأصل في فرضيات التعارض الثلاث:

و الكلام تارة: يقع فيما إذا كان مركز التعارض دليلًا واحداً، و أخرى:

فيما إذا كان مركز التعارض دليلين. و الأول يكون في الفرضيتين الأولى و الثانية، و الثاني يكون في الفرضية الثالثة.

1- حكم التعارض بلحاظ دليل الحجية الواحد:

إذا كان مركز التعارض بين المتعارضين دليلًا واحداً للحجية، كما في التعارض بين القطعيين سنداً الّذي يكون مركز التعارض فيه دليل حجية الظهور لكل منهما، أو التعارض بين الظنيين سنداً الّذي يكون مركز التعارض فيه دليل حجة السند لكل منهما، فاما أن يفترض انحصار دليل الحجية في السيرة العقلائية أو دليل لفظي يتقدر بمقدارها، و لو باعتبار ظهوره في الإمضاء.

و إما أن يفترض وجود دليل لفظي على الحجية له إطلاق لكل حالة لم يقم برهان عقلي على امتناع شمولها لها.

فعلى الأول لا محيص عن التساقط و عدم حجية شي‏ء من المتعارضين، لقصور مقام الإثبات و عدم مساعدته لإثبات الحجية في حالات التعارض، حيث لم يحرز وجود ارتكاز عقلائي يساعد على ثبوت الحجية في مورد التعارض، لا بدلًا و لا تعييناً.

و على الثاني، لا بد من البحث أولا عن مقتضى الأصل الأولي المستفاد من ذلك الدليل اللفظي المطلق، و أنه هل يقتضي التخيير أو الترجيح أو التساقط.

و ثانياً عن مقتضى الأصل الثانوي، لو فرض قيام دليل على عدم التساقط المطلق.

أ- مقتضى الأصل الأولي في التعارض بين دليلين:

أما الحديث عن مقتضى الأصل الأولي في التعارض بين دليلين، فالأقوال‏

237

فيه ثلاثة: أحدها التساقط المطلق، و الثاني بقاء الحجية في الجملة، و الثالث التفصيل بنحو يأتي عن المحقق العراقي- قده-.

أما القول بالتساقط، فقد ذهب إليه المشهور. و توضيح برهانهم على ما أفاده السيد الأستاذ- دام ظله- أن إعمال دليل الحجية في المتعارضين يتصور بأحد أنحاء أربعة كلها باطلة، فلا يبقى الا التساقط.

النحو الأول- افتراض شمول دليل الحجية لهما معاً. و هذا غير معقول لأدائه إلى التعبد بالمتعارضين و هو مستحيل.

النحو الثاني- افتراض شمول دليل الحجية لواحد منهما بعينه. و هذا غير معقول أيضا لاستلزامه الترجيح بلا مرجح.

النحو الثالث- افتراض شمول دليل الحجية لكل منهما على تقدير عدم الأخذ بالآخر، لأن ثبوت الحجية المقيدة في كل من الطرفين لا محذور فيه و إنما المحذور في الحجيتين المطلقتين فلا موجب لرفع اليد عن أصل دليل الحجية بالنسبة إلى كل منهما في الجملة، و إنما يرفع اليد عن إطلاق الحجية فيهما. و هذه الحالة أيضا باطلة، لاستلزامها اتصاف كل منهما بالحجية عند عدم الأخذ بهما معاً، فيعود محذور التعبد بالمتعارضين.

النحو الرابع- افتراض حجية كل منهما مقيدة بالأخذ به لا بترك الآخر دفعاً للمحذور المتجه على النحو السابق. و هذا باطل أيضا، إذ لازمه أن لا يكون شي‏ء منهما حجة في فرض عدم الأخذ بهما فيكون المكلف مطلق العنان بالنسبة إلى الواقع و يرجع فيه إلى الأصول اللفظية أو العملية و هذا ما لا يلتزم به القائل بالتخيير و لا يقاس المقام على التخيير الثابت بالدليل و الّذي ترجع روحه إلى الحجية المقيدة في كل منهما، فإنه لو تمّت أخبار التخيير فهي بنفسها تدل- و لو بالالتزام العرفي- على لزوم الأخذ بأحدهما و أنه على تقدير تركهما يؤاخذ

238

على مخالفة الواقع، و هذا بخلاف المقام إذ لم يستفد بمقتضى القاعدة إلا التقييد في حجية كل منهما و اشتراطها بالأخذ به و أما وجوب الأخذ به فلم يدل عليه دليل‏ (1).

و التحقيق: أن هذا المقدار من البيان لا يمكن أن يكون برهاناً على التساقط و لا يصح السكوت عليه بهذا الصدد. إذ أقل ما يمكن أن يناقش فيه- بغض النّظر عن المناقشات التي سوف تتبين من خلال الأبحاث المقبلة- إنه من الممكن الالتزام بإعمال دليل الحجية على النحو الرابع من دون محذور، إذ نتساءل:

انه هل من المحتمل بحسب الارتكاز العرفي و المتشرعي الانفكاك بين حجيتين مشروطة كل واحدة منهما بالأخذ و بين وجوب الأخذ بإحدى هاتين الحجتين؟ فإن كان الانفكاك محتملًا التزمنا بالحجّتين المشروطتين تمسكاً بما يمكن من دليل الحجية و لا يلزم محذور. و إلّا كان دليل الحجية الصالح لإثبات هاتين الحجيتين بالمطابقة دالًا بالالتزام على وجوب الأخذ بأحدهما.

و الصحيح: هو أن الموقف ليس بشكل واحد في جميع فروض التعارض بل يختلف باختلاف حالاتها. فقد يقتضي الموقف التخيير، و قد يقتضي الترجيح، و قد يقتضي التساقط، بل قد يقتضي أحياناً الجمع بينهما.

و توضيحاً لذلك نقول: إن هناك فروضا أربعة.

الفرض الأول- أن يعلم من الخارج- و لو بحسب الارتكاز العقلائي- أن ملاك الحجية و مقتضيها لو كان موجوداً في مورد التعارض فهو في أحدهما المعين أقوى من الآخر، بحيث يراه المولى أرجح في مقام جعل الحجية له.

و في هذه الفرضية مقتضى الأصل ترجيح ذلك الدليل، لأن إطلاق دليل الحجية له يثبت حجيته المطلقة و لا يعارضه إطلاقه للآخر لأنه معلوم السقوط

____________

(1)- مصباح الأصول، ص 366.

239

حيث يعلم بعدم حجيته إما مع الآخر، كما لو لم يكن ملاك الحجية ثابتاً في مورد التعارض أصلا، أو لوحده باعتباره مرجوحاً في ملاك الحجية، فلا محذور في الأخذ بإطلاق دليل الحجية في الآخر.

الفرض الثاني- أن يفترض العلم الخارجي بأن ملاك الحجية إن كان محفوظاً في موارد التعارض فنسبته إليهما على حد واحد. و في هذه الحالة يثبت التخيير لأن إطلاق دليل الحجية لكل منهما على تقدير الأخذ بالآخر ساقط جزماً إما لعدم وجود الملاك رأساً أو لأن الملاك في أحدهما ليس بأقوى منه في الآخر، فلا يقتضي حجيته بالتعيين، فيبقى إطلاق دليل الحجية لكل منهما على تقدير الأخذ به بلا معارض، و بذلك يتجه التخيير في هذا الفرض.

الفرض الثالث- أن نحتمل الترجيح لأحدهما المعين و لا نحتمله في الآخر.

و حينئذ نقطع بسقوط إطلاق دليل الحجية لشمول الآخر عند الأخذ بالأول، اما لعدم ملاك للحجية فيه رأساً أو لوجوده فيهما بنحو التساوي أو لوجوده في الأول بنحو أرجح منه في الثاني، و على جميع هذه الاحتمالات يكون الإطلاق المذكور ساقطاً عند الأخذ بالخبر المحتمل رجحانه فيكون إطلاق دليل الحجية للخبر المحتمل رجحانه بلا معارض فيتمسك به. و بهذا يثبت عدم التساقط المطلق و يدور الأمر حينئذ بين الترجيح و التخيير فيدخل في البحث القادم عن مقتضى الأصل الثانوي في المتعارضين بعد قيام دليل على عدم التساقط المطلق و يكون الدليل المثبت لعدم التساقط المطلق نفس إطلاق دليل الحجية العام مع ضم العناية المفترضة.

الفرض الرابع- ما إذا احتملنا الترجيح في كل من الطرفين سواء احتمل التساوي أو لا. و هذه الفرضية هي التي يتبادر فيها الحكم بالتساقط لأن احتمال الترجيح و الحجية المطلقة في كل منهما معارض به في الآخر، و التخيير- أي الحجية المقيدة في كل منهما- أيضا لا يمكن إثباته بدليل الحجية العام، لا لما

240

أفاد السيد الأستاذ- دام ظله- بل لأن إطلاق دليل الحجية العام لكل منهما على تقدير الأخذ به أو عدم الأخذ بالآخر معارض بإطلاقه لشمول الآخر في نفس هذا التقدير.

و التحقيق في المقام أن يقال: إن التعارض بين الدليلين تارة: يكون التنافي بينهما بالعرض. و أخرى: يكون التنافي بينهما بالذات. و نقصد بالتنافي بالعرض ما إذا كان كل منهما دالًا على حكم متعلق بموضوع غير ما تعلق به الآخر بحيث كان ثبوتهما معاً في أنفسهما معقولًا و لكنه يعلم من الخارج بعدم ثبوت أحدهما إجمالًا، كما إذا دل أحدهما على وجوب الجمعة و الآخر على وجوب الظهر في يوم الجمعة و علم إجمالًا بعدم مطابقة أحدهما للواقع، إذ لا تجب صلاتان في وقت واحد. و نقصد بالتعارض الذاتي إذا كان الدليلان مما لا يمكن ثبوت مفادهما معاً في نفسه، إما لتضاد المفادين، كما إذا دل أحدهما على وجوب شي‏ء و الآخر على حرمته، أو لتناقضهما كما إذا دل أحدهما على وجوب شي‏ء و الآخر على نفي الوجوب عنه. فالأقسام ثلاثة.

أما القسم الأول- و هو التعارض بالعرض على أساس العلم الإجمالي من الخارج بكذب أحد الدليلين، فيمكن أن تذكر بشأنه عدة محاولات للمنع عن الحكم بتساقطهما.

المحاولة الأولى- دعوى الالتزام بكلا الدليلين فيما إذا كانا يدلان على حكمين إلزاميين لا ترخيصيين، إذ لا يلزم منهما محذور الترخيص في المخالفة و بذلك نكون قد عملنا بكلا الدليلين إذ كل دليل لا بد و أن يعمل به ما لم يلزم منه محذور.

و لكن الإشكال على هذه المحاولة بهذا المقدار من البيان واضح، إذ هنالك ملاكان للتعارض. أحدهما: الترخيص في المخالفة القطعية. و الآخر: أن‏

241

يكون أحد الدليلين منجزاً لتكليف و الآخر معذراً عنه، فإن هذا أيضا مستحيل.

و في محل الكلام و إن كان التعارض بالملاك الأول منتفياً إذا كان الدليلان إلزاميين، إلّا أن التعارض بالملاك الثاني موجود، لأن كلًا من الدليلين يكون حجة في مدلوله الالتزامي أيضا الّذي ينفي ما أثبته الآخر فيقع التعارض بين المدلول المطابقي لكل منهما مع المدلول الالتزامي للآخر بالملاك الثاني.

و بهذا يختلف المقام عن الأصلين الإلزاميين في موارد العلم الإجمالي بالخلاف، فإن حجية الأصل إنما تكون بمقدار المؤدى المطابقي لا الالتزامي.

المحاولة الثانية- ان التساقط- حسب ما عرفنا في إبطال الحالة الأولى- إنما جاء من قبل الدلالتين الالتزاميتين مع أن الدلالتين الالتزاميتين متعينتان للسقوط على كل حال اما تخصيصاً أو تخصصاً، لأن الجمع بين الدلالات الأربع غير ممكن فاما أن يسقط الجميع فتكون الدلالتان الالتزاميتان ساقطتين أيضا بالتخصص حيث لا موضوع لحجيتهما بعد سقوط المطابقتين- بناء على ما هو الصحيح من التبعية بين المطابقية و الالتزامية في الحجية- و اما أن تسقط الالتزاميتان فقط دون المطابقيتين و هو معنى التخصيص، و على كلا التقديرين تكون الالتزاميتان ساقطتين، فتبقى المطابقيتان على الحجية من دون معارض.

و هذه المحاولة باطلة أيضا. إذ توجد في المقام معارضتان بحسب الحقيقة، لأن المدلول الالتزامي لكل من الدليلين يعارض معارضة مستقلة مع المدلول المطابقي للآخر، و الدلالة الالتزامية الداخلة في ميدان التعارض مع المطابقية في كل من هاتين المعارضتين ليست تابعة لمعارضها المطابقي في الحجية بل تابعة للدلالة المطابقية الأخرى فلا تكون متعينة للسقوط في مقابل ما يعارضها على كل حال، بل يمكن افتراض سقوط إحدى الدلالتين المطابقيتين مع دلالتها الالتزامية و بقاء دلالة التزامية مع المطابقية في الطرف الآخر. هذا مضافاً إلى أن هذا التقريب مبني على افتراض الطولية بين حجية الدلالة الالتزامية و حجية الدلالة المطابقية بحيث تكون الأولى مشروطة بالثانية فيدور الأمر بين التخصيص‏

242

و التخصص، مع أن الشي‏ء الّذي حققناه في محله إنما هو مجرد التلازم بين الحجيتين فلا تخصص على كل حال.

المحاولة الثالثة- أن الحكم بسقوط المتعارضين إنما يكون فيما إذا كان مقتضي الحجية في كل منهما تاماً في نفسه و أما إذا كان مقتضي الحجية غير تام في أحدهما المعين كان الآخر حجة بالفعل، و هذا واضح.

و بناءً عليه يقال: ان الدلالتين الالتزاميتين لا تصلحان لمعارضة المطابقيتين إذ لو كانتا صالحتين لذلك كان معناه توقف عدم الحجية الفعلية للدلالة المطابقية لدليل وجوب الظهر مثلًا على اقتضاء الحجية للدلالة الالتزامية لدليل وجوب الجمعة- بناء على التبعية- و نفس الشي‏ء يقال في حق عدم حجية الدلالة المطابقية لدليل وجوب الجمعة. و هذا يعني أن عدم الحجية لكل من الدلالتين المطابقيتين يكون موقوفاً على حجية الآخر و هو مستحيل لاستلزامه مانعية كل منهما عن الآخر، و إذا لم يمكن ثبوت اقتضاء الحجية للدلالتين الالتزاميتين معاً و كان ثبوته لإحداهما دون الأخرى ترجيحاً بلا مرجح، فلا يثبت في شي‏ء منهما، و هو معنى عدم صلاحيتهما لمعارضة الدلالتين المطابقتين.

و الجواب- ما ذكرناه في رد المحاولة السابقة من أن التبعية بين الدلالتين في الحجية لا يعني الطولية و التوقف و إنما يراد بها مجرد التلازم و عدم الانفكاك، على ما سوف يأتي الحديث عنه مفصلًا.

المحاولة الرابعة- إن الدلالتين الالتزاميتين، و إن كان لا يعلم بسقوطهما على كل حال، إلّا أنهما يتساقطان بالإجمال و التعارض الداخليّ فيما بينهما، فتبقى الدلالتان المطابقيتان بلا معارض. و منشأ التعارض الداخليّ بين الدلالتين الالتزاميتين هو العلم الإجمالي بثبوت تكليف إلزامي منجز، و ذلك فيما إذا علم بصدق أحد المدلولين المطابقيين، فإنه لا يمكن حينئذٍ حجية المدلولين الالتزاميين معاً حتى لو قيل بعدم التبعية لكونه ترخيصاً في المخالفة القطعية.

و هذه المحاولة بهذا المقدار من البيان أيضا لا تتم، و ذلك لوضوح أن‏

243

مجرد وجود معارضة ثالثة بين الدلالتين الالتزاميتين أنفسهما لا يُنجي المعارضة بين الدلالة المطابقة من طرف و الالتزامية من الطرف الآخر عن التساقط، بل تكون الدلالة الالتزامية في كل طرف مبتلاة بمعارضتين في مرتبة واحدة.

و تكون المعارضة مع الدلالة المطابقية بملاك التناقض و مع الدلالة الالتزامية الأخرى بملاك العلم الإجمالي، فلا وجه لملاحظة المعارضة الثانية في مرتبة أسبق من المعارضة الأولى فتسقط الجميع في عرض واحد. بل مقتضى مسلك المشهور من أن المحذور في شمول دليل الحجية لموارد العلم الإجمالي محذور ثبوتي و ليس إثباتياً و هو مخصص منفصل أن تكون المعارضة على أساس التناقض متقدمة رتبة على المعارضة بملاك العلم الإجمالي، فلا تصل النوبة إلى المعارضة بين الدلالتين الالتزاميتين بملاك العلم الإجمالي. لأن المعارضة بملاك التناقض مستوجب للإجمال الداخليّ و سقوط أصل الإطلاق في دليل الحجية بالنسبة للمتعارضين لأن محذور استحالة التناقض مخصص متصل عرفاً لدليل الحجية فلا إطلاق في دليل الحجية لشمول الالتزاميتين في نفسه حتى يقع التعارض بينهما بملاك العلم الإجمالي.

المحاولة الخامسة- إن البرهان الّذي يستند إليه للتساقط في موارد التعارض بصورة رئيسية إنما هو برهان الترجيح بلا مرجح، حيث أننا لو أردنا أن نأخذ بأحد الدليلين دون الآخر كان ترجيحاً بلا مرجح، بمعنى أن نسبة دليل الحجية إلى كل منهما على حد سواء فلا معين للاستناد إلى أحدهما دون الآخر. إلّا أن هذا البرهان إنما يمكن تطبيقه فيما إذا افترض تمامية دليلية المتعارضين من سائر الجهات بحيث لم يبق إلّا محذور التعارض و الترجيح بلا مرجح، و أما إذا افترض أن أحدهما المعين كان مبتلى بمحذور آخر و لو قطع النّظر عن محذور هذا التعارض، كان في تقديمه على معارضه ارتكاب محذورين، و في مثل ذلك يتعين هذا الدليل للسقوط و يكون معارضه حجة، لأن تقديمه عليه ليس فيه ترجيح بلا مرجح إذ الآخر في نفسه لم يتم و لم ينج من محذور الترجيح بلا مرجح كي‏

244

يقابل هذا الدليل. و ينتج من هذا البيان قاعدة كلية يكون المقام تطبيقاً من تطبيقاتها، و هي: أنه متى ما كانت لدينا طائفتان من الأدلة و كان كل واحد من أفراد إحدى الطائفتين يعارض فرداً بعينه من أفراد الطائفة الأخرى و كانت إحدى الطائفتين إضافة إلى هذه المعارضة توجد بين أفرادها معارضة داخلية بحيث لا يمكن الالتزام بتمام أفرادها في نفسها تقدمت الطائفة الأولى التي أفرادها سليمة عن المعارضة الداخلية على الطائفة الثانية، لأن ترجيح أفرادها ليس ترجيحاً بلا مرجح بعد عدم تمامية أفراد الطائفة الأخرى في نفسها لمحذور مستقل بها.

و فيه: أن مجرد التعارض الداخليّ بين إحدى الطائفتين لا يوجب سلامة الطائفة الأخرى، لأن كل فرد في الطائفة الأولى له معارضان، فرد من الطائفة الثانية و فرد من نفس طائفتها، و إطلاق دليل الحجية لا يمكن أن يشمل الثلاثة معاً و شموله لبعضها دون بعض ترجيح بلا مرجح في عرض واحد، إلّا إذا افترضنا أن المعلوم بالإجمال كذبه في الطائفة الأولى بمقدار المعلوم بالإجمال في مجموع الطائفتين و أما إذا كان أقل- كما هو كذلك في المقام حيث أن المعلوم بالإجمال كذبه إحدى الدلالتين الالتزاميتين و اثنتين من مجموع الدلالات الأربع- كان إطلاق دليل الحجية- أو دليل الأصل- لغير المعلوم كذبه في دائرة العلم الإجمالي الصغير معارضاً مع إطلاقه لسائر الأفراد. و لذلك اشترطنا في انحلال العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير تساوي المعلومين الإجماليين كماً.

المحاولة السادسة- إن العلم الإجمالي بسقوط إحدى دلالتين من مجموع الدلالات الأربع منحل بالعلم الإجمالي بكذب إحدى الدلالتين الالتزاميتين الترخيصيتين لأن إطلاق دليل الحجية للالتزاميتين ساقط تعييناً، لأن حجية إحدى الالتزاميتين بعينها ساقطة بمنجزية العلم الإجمالي و حجية إحداهما لا بعينه لا أثر له، إذ لا يثبت بها إلّا نفي أحد الوجوبين لا بعينه و هو ثابت‏

245

وجداناً بحسب الفرض للعلم بعدم ثبوت وجوبين و لولاه لما كان تعارض بين الدليلين. و تمام النكتة: أن المدعى ليس هو دعوى انحلال العلم الإجمالي بكذب اثنين بالعلم الإجمالي بكذب إحدى الالتزاميتين ليقال أن المعلوم الثاني أقل عدداً، بل انحلال العلم الإجمالي بسقوط الحجية عن اثنين بالعلم التفصيليّ بسقوط الحجية عن الالتزاميتين بسبب تنجز العلم الإجمالي بالإلزام، و لهذا تجري النكتة نفسها لو كان الالتزامي مطابقياً أو المطابقي التزامياً و تقتضي حينئذ سقوط المطابقيتين دون الالتزاميتين. و هذه المحاولة صحيحة بمرّ الصناعة.

هذه هي المحاولات التي يمكن أن يخرج على أساسها حجية الدليلين في الجملة إذا كان التعارض بينهما عرضياً. و قد عرفت أن بعضها صحيح بقطع النّظر عن ملاحظة الارتكازات العقلائية، و أما إذا أريد ملاحظتها و تحكيمها على دليل الحجية العام- كما هو الصحيح- فالتفكيك بين الدلالتين المطابقية و الالتزامية في الأدلة الاجتهادية ليس مقبولًا عرفاً، بل يرى العرف إجمال دليل الحجية العام و عدم شموله للمدلولين المطابقي و الالتزامي معاً. نعم يمكن إثبات حجية أحد الدليلين المتعارضين في مدلوليه المطابقي و الالتزامي ببيان يأتي في القسم الثالث على ما سوف نشير إليه إن شاء اللّه تعالى.

القسم الثاني- أن يكون التعارض ذاتياً على نحو التناقض و نقصد به ما إذا كان فرض كذب أحدهما مساوقاً مع صدق الآخر و لو لم يكونا من النقيضين اصطلاحاً. و الصحيح في هذا القسم هو التساقط المطلق لأن المحتملات المتصورة للحجية ثلاثة. حجيتهما بصورة مطلقة، و حجية أحدهما المعين، و حجية أحدهما تخييراً، و كلها غير معقولة في هذا القسم، فيتعين التساقط.

أما بطلان الأول، فلأن افتراض الحجية بالنسبة إليهما معاً معناه اجتماع التنجيز و التعذير معاً، فحجية الدليل الدال على الوجوب مثلًا تنجيز للوجوب،

246

و حجية الدليل الدال على نفي الوجوب تعذير عنه و لا يمكن ثبوتهما معاً. و بهذا يفترق هذا القسم عن القسم السابق حيث لم يكن ينشأ من الأخذ بالدليلين في مدلولهما الأولي المطابقي هناك هذا المحذور.

و أما بطلان الثاني، فلأن تعيين أحدهما للحجية ترجيح بلا مرجح.

و أما بطلان الثالث، فلأن التخيير يتصور على أنحاء عديدة.

1- حجية كل منهما بشرط عدم حجية الآخر.

2- حجية كل منهما بشرط عدم صدق الآخر و عدم مطابقته للواقع.

3- حجية كل منهما بشرط عدم الالتزام بالآخر.

4- حجية كل منهما بشرط الالتزام به.

5- حجية الفرد المردد منها.

6- حجية الجامع بينهما.

7- حجية غير ما علم إجمالًا كذبه.

و كل هذه الأنحاء المتصورة بدواً لتخريج الحجية التخييرية غير معقولة في المقام، لأنها جميعاً تفقد شرطاً أو أكثر من شروط التخيير في الحجية التي سوف نذكرها و بتوضيح ذلك يتضح أيضا بطلان ما يمكن أن يفترض للتخيير من أنحاء أخرى للحجية في الجملة، فنقول:

إن الشروط الضرورية في الحجية التخييرية تتضح بعد ملاحظة غرض الأصولي من التخيير في الحجية، و هو رفع التنافي بين اقتضاءات دليل الحجية لشمول المتعارضين بتقييد حجية كل منهما بحالة دون الحالة التي يكون الآخر حجة فيها. و تقييد الحجية بنحو يعالج التعارض إنما يتم إذا توفرت الشروط التالية:

247

الشرط الأول- أن لا تكون الحجيتان المشروطتان باقيتين على التعارض كالحجيتين المطلقتين، و هذا واضح.

الشرط الثاني- أن تكون تلك الحجية المشروطة معقولة، في نفسها، بأن لا يستلزم من تقييد الحجيتين المحال.

الشرط الثالث- أن لا تكون الحجية المشروطة في أحد الطرفين منافية للحجية المطلقة في الطرف الآخر، و إلّا لوقع التعارض بين دلالة دليل الحجية على الحجية و لو بالمقدار المشروط في كل طرف، مع إطلاق دليل الحجية في الطرف الآخر.

الشرط الرابع- أن لا تكون الحجية المشروطة حجية مباينة مع ما يستفاد من دليل الحجية العام، بل تكون حصة من حصصها التي بقيت من باب أن الضرورات تقدر بقدرها دائماً.

هذه هي الشروط التي لو توفرت في الحجية المشروطة أمكن إثباتها بدليل الحجية العام. و كل الأنحاء الستة التي ذكرناها آنفاً للتخيير و الحجية المشروطة تفقد شرطاً أو أكثر من هذه الشروط. فالنحو الأول و هو الحجية المشروطة بعدم حجية الآخر فاقد للشرط الثاني من الشروط، لأن لازمه مانعية حجية كل منهما عن حجية الآخر، و التمانع من الطرفين دور محال. نعم هي واجدة للشرائط الثلاثة الأخرى، إذ لا تعارض بين الحجيتين المشروطتين، لأن فعلية كل منهما ترفع فعلية الآخر فلا يقع التنافي بينهما فالشرط الأول و الثالث محرزان، كما أن الشرط الرابع محرز من جهة أن الحجية المشروطة كذلك حصة من الحجية المطلقة و ليست مباينة معها.

و النحو الثاني، و هو الحجية بشرط كذب الآخر، فاقد للشرط الثاني، لأن كذب الآخر في النقيضين مساوق مع صدق الأول فجعل الحجية على هذا التقدير لغو، إذ لو فرض إحراز كذب الآخر كان يعلم بصدق الأول فلا

248

حاجة معه إلى جعل الحجية، و لو فرض عدم إحراز ذلك لم تكن الحجية المذكورة إلّا كالعلم بصدق أحدهما واقعاً غير مجد شيئاً، بمعنى أنه غير منجز و لا يوفر غرض الحجية التخييرية للفقيه و هي تعيين الحجة في أحدهما و الاستناد إليها، و أما سائر الشرائط فهي متوفرة في هذا النحو أيضا.

و النحو الثالث، و هو الحجية المشروطة بعدم الالتزام بالآخر، يفقد الشرط الثالث من الشرائط المتقدمة إذ حجية كل منهما كذلك معارض بإطلاق حجية الآخر لفرض الالتزام بالأول، كما أنه إذا أريد من الالتزام الموافقة الالتزامية فقدنا الشرط الأول أيضا، لأنه في حال عدم الالتزام بشي‏ء منهما سوف تثبت الحجيتان معاً فيقع التنافي بينهما.

و النحو الرابع، و هو الحجية بشرط الالتزام به أيضا فاقد لبعض الشروط، إذ لو أريد منه الالتزام العملي انتفى الشرط الأول و الثاني و الثالث جميعاً لأنه بالإمكان أن يعمل عملًا منسجماً مع كلا الدليلين فلو كان أحدهما يدل على عدم الوجوب و الآخر ينفيه، أمكنه العمل بكلا الدليلين لأن عدم الوجوب لا ينافي الإتيان بالفعل فتثبت الحجيتان معاً و يقع التنافي بينهما و هو خلف الشرط الأول، كما أن أصل حجية دليل بشرط العمل به غير معقول ثبوتا لأنها لغو، إذ الحجية تكون من أجل الإلزام بالعمل فإذا أنيطت بالعمل كان تحصيلًا للحاصل و هذا خلاف الشرط الثاني، كما أن الحجية المشروطة بهذا النحو في أحدهما تعارض الحجية المطلقة في الآخر، و هذا خلاف الشرط الثالث.

و أما لو أريد من الالتزام الموافقة الالتزامية، فالشرط الثالث منثلم أيضا، لأن الحجية كذلك في أحدهما يعارضها إطلاق حجية الآخر. و أما الشرطان الأول و الثاني، فإن أريد من الموافقة الالتزامية معنى لا يمكن حصوله في حق النقيضين معاً من دون أن يكون ذلك المعنى مساوقاً أو ملازماً

249

مع العمل فالشرطان محفوظان، و إلّا بأن أريد مجرد البناء الّذي قد يحصل في حق النقيضين انتفى الشرط الأول أيضا.

و أما النحو الخامس، و هو حجية الفرد المردد، و النحو السادس، و هو حجية الجامع بينهما، فيشتركان في فقدان الشرط الثاني حيث أن الحجية كذلك لو أريد منها إيصال مفاد أحد الدليلين بعينه و إثبات الضيق أو التوسعة به على المكلف فهو غير حاصل بهذه الحجية، لأن نسبتها إلى كليهما على حد سواء و إن أريد بها إيصال أحد المفادين إجمالًا، فهذا بنفسه حاصل في هذا القسم من التعارض، للعلم وجداناً بصدق أحد النقيضين فجعل مثل هذه الحجية لغو و لا يستفيد منها الفقيه عملياً إذ لا يمكن تعيين الحجة في أحدهما الّذي هو الغرض الأصولي من التخيير في الحجية.

كما أنه يختص كل واحد منهما بمفارقة تتجه عليه. و توضيح ذلك: أن حجية الفرد المردد تارة: تقرب ببيان أن الفرد المردد مشمول لإطلاق دليل الحجية العام على حد مشمولية الفردين المعيّنين، فإطلاقه للفرد المردد لا يعارض بشي‏ء فلا موجب لسقوطه. و أخرى تقرّب ببيان آخر: و هو أن مقتضي الحجية في كل من الفردين تام في نفسه و إنما لم تثبت الحجية فيهما لوجود المانع، و هو إنما يمنع عن حجيتهما معاً و أما حجية أحدهما المردد فلا محذور فيه و لذلك لم يكن محذور في ثبوت الحجية إذا قام دليل على حجية أحدهما المعين، فلا موجب لرفع اليد عن إطلاق دليل الحجية في كليهما، بل يرفع اليد عنه بلحاظ أحدهما و تبقى الحجية في أحدهما.

و يرد على البيانين: أن الفرد المردد بالمعنى المقابل للجامع أي الفرد المردد المصداقي غير معقول، لأن التردد يساوق الكلية و لا يجامع التشخص- على ما حققناه في محله- فلا يوجد فرد ثالث بين الفردين المعينين كي يكون لدليل الحجية إطلاق آخر له.

250

و يرد على البيان الأول: إنه لو سلمنا فلسفياً وجود الفرد المردد فلا نسلم إطلاق الدليل له عرفاً و إنما الدليل له إطلاقان للفردين المعينين و قد سقطا بالتعارض فإثبات الحجية لهذا العنوان بدليل الحجية العام غير ممكن، و هذا يعني انثلام الشرط الرابع من الشروط المتقدمة.

و يرد على البيان الثاني: أن الكاشف عن الملاك و ثبوت مقتضي الحجية انما هو إطلاق الدليل نفسه، فإذا فرض سقوط الإطلاقين في دليل الحجية للفردين فمن أين نستكشف انحفاظ مقتضي الحجية في أحدهما.

و أما حجية الجامع بينهما- الفرد المردد المفهومي- فلتقريبها بيانان أيضا.

البيان الأول- أن الجامع بين الدليلين دليل أيضا، فإذا سقط إطلاق دليل الحجية لشمول الدليلين بعنوانهما يبقى إطلاقه للجامع بينهما.

البيان الثاني- إن كلًا من الدليلين المتعارضين يشتركان في الدلالة على الجامع بين الحكمين و إنما يتنافيان في تشخيص خصوصية هذا الجامع و انه إلزام أو ترخيص مثلًا، فإذا سقطت حجيتهما بلحاظ الخصوصيّتين فلتبق حجيتهما بلحاظ الجامع، فتمّ الحجية على الجامع بين المفادين.

و كلا هذين البيانين غير تام، إذ يرد على البيان الأول:

أولا- إن الجامع بين الدليلين ليس دليلًا يحكي عن مدلول معين كي يشكل فرداً ثالثاً لموضوع دليل الحجية، فالشرط الثاني مفقود.

و ثانياً- أنه لو فرض أن الجامع بينهما دليل فالعرف لا يستفيد من دليل الحجية العام أكثر من إطلاقين للفردين المتعارضين، فالشرط الرابع مفقود.

و يرد على البيان الثاني: انه تفكيك في الحجية بين الدلالات التضمنية التحليلية للدليل الواحد نظير ما إذا أخبرنا الثقة بوجود زيد في الغرفة، و نحن‏

251

نعلم بعدم وجوده فيه، فيقال ببقاء الخبر على الحجية في إثبات وجود كلي الإنسان في الغرفة، و هو غير صحيح، فإن الدليل إنما يحكي عن ثبوت الجامع في ضمن الفرد و الحصة الخاصة، أي يحكي عن وجود الجامع بمقدار ما هو مرتبط بذلك الفرد الّذي علم بانتفائه فلا كاشفية و لا حكاية له عن ثبوت الجامع مع قطع النّظر عن ذلك الفرد لكي يكون حجة فيه، بل المقام أوضح بطلاناً من المثال لعدم وجود جامع حقيقي بين المفادين. و ليس هذا من قبيل الدلالات التضمنية غير التحليلية في باب العمومات أو المطلقات و التي تبقى على حجيتها و لو علم بكذب بعضها الآخر.

و إن شئت قلت: إن حجية هذه الدلالة التضمنية و إن كانت داخلة في إطلاق دليل الحجية إلّا أنها كانت داخلة فيه ضمن حجية أصل ذلك الدليل لإثبات الخصوصية لا أن حجيته لإثبات الخصوصية و حجيته لإثبات الجامع فردان مستقلان لإطلاق دليل الحجية حتى يبقى أحدهما على حاله و لو سقط الآخر. فالشرط الرابع مفقود في المقام أيضا.

و أما النحو السابع، و هو حجية غير معلوم الكذب منهما، فيرد عليه:

ما أوردناه على النحو الثاني، و هو حجية كل منهما بشرط كذب الآخر، من لغوية جعل مثل هذه الحجية، فيكون الشرط الثاني مفقوداً، لأن غير ما علم إجمالًا كذبه يعلم بصدقه في النقيضين، فلو أريد من هذه الحجية تنجيز غير ما علم كذبه من الدليلين على المكلف فيما لو أحرز شرط هذه الحجية، فهذا غير معقول لأنه حينما يحرز ذلك يحرز صدق الآخر، فيحرز الحكم الواقعي و لا يبقى مجال لجعل الحجية. و لو أريد منها إيصال مفاد أحد الدليلين إجمالًا فهو ثابت بالعلم الوجداني، و باعتباره دائراً بين الإلزام و الترخيص لا يكون منجزاً، فجعل مثل هذه الحجية لغو و لا يستفاد منها فائدة الحجية التخييرية من تعيين الحجة في أحد الدليلين المتعارضين و الاستناد إليها و لو تنزلنا عن هذا الإيراد، بافتراض عدم العلم بصدق أحدهما- كما

252

في غير المتناقضين- ورد عليه: أنه مع احتمال كذبهما معاً يكون المعلوم إجمالًا كذبه غير متعين في كثير من الأحيان حتى في الواقع و نفس الأمر، لتساوي نسبة العلم إليهما لو كانا كاذبين معاً فيكون غير المعلوم بالإجمال أيضا غير متعين و مع عدم التعين الواقعي يستحيل جعل الحجية له ثبوتاً، فيكون الشرط الثاني مفقوداً. كما أنه لا يشمله إطلاق الدليل إثباتاً، فيكون الشرط الرابع مفقوداً.

و هكذا يتلخص: ان مقتضى القاعدة و الأصل الأولي في المتعارضين من هذا القسم- المتعارضان بنحو التناقض- هو التساقط المطلق.

القسم الثالث- أن يكون التعارض ذاتياً على نحو التضاد. و نقصد بالتضاد ما يقابل القسم الثاني، أي التقابل بنحو يمكن فيه كذب الدليلين معاً و لكنه لا يمكن صدقهما معاً.

و المتجه في هذا النوع من التعارض هو الحكم بالتخيير على مقتضى الأصل الأولي بنحو من الأنحاء السبعة المتقدمة لتصوير الحجية التخييرية، و هو النحو الثاني و النحو السابع- على معنى يرجع لباً إلى النحو الثاني أيضا- و تفصيل ذلك: أن الحجية التخييرية بالنحو الثاني- و هو حجية كل منهما مشروطاً بعدم صدق الآخر- معقول في هذا القسم و إن لم يكن معقولًا في القسم السابق، لتواجد كل شروطها فيه. إذ الشرط الأول، و هو عدم التنافي بين الحجيتين المشروطتين محفوظ من جهة أن هذه الحجية مقيدة في كل طرف بكذب الآخر، و هذا يمنع عن فعلية كلتا الحجيتين بنحو يلزم التنافي في إطلاقات دليل الحجية. أما بناء على مسلك المشهور من تقوّم الحجية بالوصول- و لو إجمالًا- و أن الأحكام الظاهرية تتعارض في مرحلة الوصول فلأن الواصل من هاتين الحجيتين إحداهما لا أكثر، إذ لا يعلم إلّا بكذب أحد الضدين إجمالًا

253

فتكون حجية أحدهما هي الواصلة بوصول موضوعها إجمالًا فلا يقع تناف بين الحجيتين.

و أما بناء على المسلك المختار من ثبوت الأحكام الظاهرية واقعاً كالأحكام الواقعية، فأيضاً لا محذور في البين لعدم مانع عن إطلاق دليل الحجية لكل منهما مشروطاً بكذب الآخر لاحتمال أن الثابت واقعاً فعلية إحدى الحجيتين، و مجرد احتمال كذبهما معاً لا يمنع عن صحة التمسك بإطلاقه لإثبات الحجيتين المشروطتين اللتين يعلم بتحقق شرط إحداهما إجمالًا.

كما أنه لا تنافي بين هذه الحجية المشروطة في أحد الطرفين و الحجية المطلقة في الطرف الآخر، لأن الحجية المشروطة لا تصبح فعلية في أحد الطرفين تعييناً إلّا إذا علم بكذب الآخر تعييناً، و معه لا موضوع للحجية المطلقة فيه حتى تتنافى مع الحجية المشروطة، فالشرط الثالث محفوظ. و كذلك الشرط الرابع، فإن هذه الحجية حصة من حصص الحجية المطلقة المستفادة من دليل الحجية العام و ليست حجية جديدة. و أما الشرط الثاني، و هو معقولية جعلها، فقد يتوهم عدم توفره، لأنه لو أحرز شرط هذه الحجية و هو كذب أحدهما المعين خرج المورد عن التعارض بين الحجتين، و إن لم يحرز ذلك لم تبق فائدة لجعلها إذ لا يحصل منها علم بالمنجز شرعاً.

و لكن الصحيح: توفر هذا الشرط، لأن فائدة هذه الحجية إحراز حجية أحد الدليلين إجمالًا حيث يعلم بكذب أحدهما فيعلم إجمالًا بفعلية إحدى الحجيتين، و هذا أمر زائد لم يكن محرزاً لو لا الحجية المشروطة، إذ مفاد الدليلين يحتمل كذبهما معاً. و ليس فرض كذب أحدهما مساوقاً مع صدق الآخر. و النتيجة العملية الفقهية لإحراز هذه الحجية الإجمالية نفي الثالث، فالفقيه يمكنه أن يفتي بعدم الثالث استناداً إليها. و هذا هو التخريج الفني الصحيح لنظرية نفي الثالث في موارد التعارض، و التي حارت الصناعة الأصولية في كيفية تخريجها بعد البناء على المسلك الصحيح القائل بتبعية الدلالة

254

الالتزامية للمطابقة في الحجية.

و أما الأنحاء الأخرى للحجية التخييرية. فبين ما لا يتم في هذا القسم، و ما لا بد من إرجاعه لباً إلى النحو المتقدم للحجية المشروطة. فالنحو الأول و هو حجية كل منهما مشروطاً بعدم حجية الآخر، يرد عليه. محذور الدور و التمانع من الطرفين المتقدم في القسم السابق. و النحو الثالث و هو حجية كل منهما مشروطاً بعدم الالتزام بالآخر و كذلك النحو الرابع و هو حجية كل منهما مشروطاً بالالتزام به ترد عليهما نفس المحاذير و المناقشات المتجهة عليهما في القسم السابق.

و أما النحوان الخامس و السادس- و هما حجية أحدهما المردد مصداقاً و حجية الجامع بينهما- فمحذور اللغوية الّذي كان يشكل به عليهما في القسم السابق غير متجه في هذا القسم، لما تقدم من عدم اللغوية فيما إذا لم يكن فرض كذب أحد الدليلين مساوقاً مع صدق الآخر، غير أن المناقشات الخاصة المتجهة هناك من عدم معقولية الفرد المردد مصداقاً و عدم مساعدة العرف على أن يكون فرداً ثالثاً من دليل الحجية، و أن الجامع بين الدليلين ليس دليلًا ثالثاً، و الجامع بين المدلولين مدلول تضمني و هو لا يبقى على الحجية بعد سقوط المدلول المطابقي، فكلها متجهة هنا أيضا.

و أما النحو السابع و الأخير من تلك الأنحاء- و هو حجية غير معلوم الكذب منهما- فإنما يعقل هنا لو كان المعلوم كذبه له تعين و امتياز واقعي فيما إذا كانا معاً على خلاف الواقع، بأن كان يعلم بكذب ما رواه الثقة الواقفي مثلًا و اشتبه الأمر و لم يعرف أيهما للواقفي و أيهما لغيره، فإنه في مثل ذلك يوجد تعين واقعي لغير معلوم الكذب إجمالًا.

لا يقال: هذا يخرجه عن باب التعارض و يجعله من اشتباه الحجة باللاحجة، لأن ما هو معلوم الكذب خارج من دليل الحجية في نفسه بمقتضى تخصيصه و لو لباً بعدم العلم بالخلاف، فإنه يقال: المقيد إنما يخرج معلوم الكذب المنجز لا أكثر من ذلك‏