بحوث في علم الأصول - ج7

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
418 /
255

فدليل الحجية شامل في نفسه لكل من الدليلين و لا يكون التمسك به من التمسك بالعامّ في الشبهة المصداقية لمخصصه اللبي.

إلّا أن هذا يرجع بحسب الروح إلى النحو الثاني، إذ معناه حجية كل منهما مشروطاً بعدم كونه المعلوم كذبه المساوق لكون الآخر كذباً.

تلخيص و استنتاج:

و هكذا يتبين أن مقتضى صناعة الأصل الأولي لو كان دليل الحجية العام لفظياً تعبدياً فيما إذا كان بين الدليلين تناف ذاتي بنحو التناقض بالمعنى المتقدم هو التساقط. و فيما إذا كان بينهما تناف ذاتي بنحو التضاد هو الحجية في الجملة و التي من نتائجها نفي الثالث. و فيما إذا كان التعارض بينهما عرضياً هو إعمال كلا الدليلين في مدلوليهما المطابقيين في خصوص ما إذا علم بصدق أحدهما و كانا إلزاميين. هذا كله مع قطع النّظر عن الارتكازات العقلائية و تحكيمها على الدليل العام للحجية. و أما إذا حكمنا الارتكازات العقلائية التي تأبى التفكيك بين المداليل المطابقية و الالتزامية، فإذا فرض العلم بصدق أحد المفادين كان كفرضية التناقض التي حكمنا فيها بالتساقط، لجريان ما ذكرناه في ذلك القسم فيه حرفاً بحرف. و إذا فرض عدم العلم بصدق أحد المفادين بحيث احتملنا كذبهما معاً كان كفرضية التضاد التي أثبتنا فيها الحجية في الجملة بنفس البيان المتقدم أيضا.

و بما أن الصحيح في دليل الحجية العام أنه ليس دليلًا لفظياً تعبدياً فالمتعين هو التساقط المطلق في باب التعارض و عدم ثبوت الحجية التخييرية على مقتضى القاعدة الأولية، و إن شئت قلت: إن هذا النحو من الحجية لو لم يدع كونه على خلاف الارتكاز العقلائي في باب الحجية القائمة على أساس الطريقية و الكاشفية فلا أقل من أنه لا ارتكاز على وفاقه، فلا يمكن إثباته لا بأدلة الحجية اللبية و لا بالأدلة اللفظية، لأن الأدلة اللبية المتمثلة في السيرة العقلائية قد

256

عرفت عدم اقتضائها هذا النحو من الحجية، و الأدلة اللفظية المتمثلة في بعض الآيات أو الروايات القطعية، بين ما لم يصرح فيه بكبرى الحجية و إنما قدرت الكبرى باعتبار مركوزيتها- كما في مثل قوله (عليه السلام) العمري و ابنه ثقتان فما أديا إليك فمعنى يؤديان- و المفروض عدم وفاء تلك الكبرى المركوزة لإثبات هذا النحو من الحجية، و بين ما صرح فيه بالكبرى و لكن في سياق إمضاء ما عليه البناء العقلائي، فلا يكون فيه إطلاق أوسع مما عليه السيرة العقلائية نفسها.

و من خلال مجموع ما ذكرناه اتضح الحال في القول الثاني، و هو القول ببقاء الحجية في الجملة في تمام موارد التعارض.

و أما القول الثالث الّذي ذهب إليه المحقق العراقي- قده- فهو- على ما جاء في تقريرات بحثه- التفصيل بين ما إذا كان الخبران متنافيين بحسب مدلولهما فيحكم فيه بالتساقط المطلق، و بين ما إذا لم يكن تناف بين مدلول الخبرين، بل يمكن صدقهما معاً لكنه علم بكذب أحد الرّاويين المستلزم لدلالة كل منهما بالملازمة على كذب الآخر فيحكم فيه بالحجية و تنجيز مدلولهما على المكلف، و قد أفاد في وجه ذلك ما حاصله: إن كلًا من الخبرين في الفرض الثاني و إن كان يكذّب الآخر بالالتزام إلّا أنه لا يدل على عدم مطابقة مدلوله للواقع فلعل ما تضمنه من الحكم ثابت في الشرع، و هذا يعني أن هذه الدلالة التزامية لا يترتب عليها أثر عملي لكي يكون حجة و معارضاً مع مدلول الآخر، إذ لو أريد بها نفي الحكم الشرعي الواقعي الّذي دل عليه الآخر فقد عرفت عدم دلالته على ذلك، و ان أريد إيقاع المعارضة بينهما باعتبار الدلالة على عدم صدور الكلام المنقول للآخر و لو لم ينته إلى نفي ذات المدلول ففيه: أن عدم الصدور بمجرده لا يترتب عليه تنجيز أو تعذير لكي تقع المعارضة بينهما.

و هذا التفصيل غير تام و ذلك.

أولا- للنقض بموارد التكاذب بين الأمارتين صريحاً بحسب مدلولهما

257

المطابقيتين، كما إذا أخبر أحدهما عن صدور كلام معين من المعصوم و نفى الآخر صدور شخص ذلك الكلام عنه، فإن لازم هذا البيان بقاء الدليل المثبت على الحجية، مع أن التعارض و عدم الحجية في مثله من الواضحات ارتكازاً و عقلائياً.

و ثانياً- الحل، و حاصله: أنه تارة: نبني على أن دليل حجية السند يحقق تعبداً صغرى الحكم الظاهري بحجية شخص ذلك الظهور المنقول عن المعصوم (عليه السلام) و أخرى: نبني على أنه ينجز الحكم الواقعي المفاد بالخبر ابتداء.

فعلى الأول، يكون التعارض في المقام واضحاً، إذ كما يكون كل من الخبرين محققاً لصغرى حجية شخص الظهور المنقول به فيكون منجزاً بهذا الاعتبار، كذلك ينفي بدلالته الالتزامية تلك الصغرى فيكون معذراً عنه بهذا الاعتبار، و مجرد احتمال وجود الحكم واقعاً لا يضر بذلك لأن المنجز إنما هو حجية الظهور التي تكون انحلالية بعدد أشخاص الظهورات، كما هو واضح.

و على الثاني، قد يشكل الأمر، حيث يقال: أن المدلول التزامي لكل منهما لا ينفي وجود الحكم واقعاً حتى يكون معذراً عما ينجزه المدلول المطابقي للآخر، و مجرد الدلالة على كذبه لا يكفي لإسقاطه عن الحجية، لأن حجية الأمارات ليست مقيدة بعدم الكذب واقعاً أو بعدم قيام الحجة على كذبه و إنما الأمارة حجة مطلقاً، غاية الأمر لا يعقل ثبوت الحجية له في موارد العلم الوجداني بالخلاف الّذي يكون حجة ذاتاً، كما حقق في محله.

إلّا أن الصحيح مع ذلك وقوع التعارض و التساقط بين الخبرين على هذا المسلك أيضا، و ذلك: لأننا يمكننا بالتلفيق بين مدلولين التزاميين للخبرين معاً التوصل إلى التعذير عن ذلك الحكم الواقعي المجهول فيكون معارضاً مع الخبر المنجز له، فإن الحاكي لصدور الخطاب المثبت للحكم يدل بالالتزام‏

258

على أن ذلك الحكم الواقعي مقرون بصدور ذلك الخطاب و ليس حكماً مجرداً عنه، و الخبر الآخر يدل بالالتزام على أنه إذا فرض عدم وجود حكم واقعي مجرد عن ذلك الخطاب فلا حكم أصلًا، فينتج بالتلفيق بين المدلولين التعذير عن ذلك الحكم. و إن شئت قلت: أن الحكم المقرون بشخص ذلك الخطاب ينفيه الخبر النافي و الحكم غير المقرون به ينفيه الخبر المثبت و بالجمع بينهما ينفى أصل الحكم الواقعي و يؤمن عنه.

و على أية حال، لا إشكال أن البناء العقلائي القاضي بالحجية من باب الطريقية و الكاشفية لا يرى انحفاظ نكتة الحجية في الخبرين المتكاذبين. فهذا التفصيل مما لا يمكن المساعدة عليه.

ب- نظرية نفي الثالث:

ثم إنه بناء على التساقط المطلق- كما ذهب إليه المشهور- هل يمكن نفي الحكم الثالث المخالف مع مفاد كلا الدليلين المتعارضين فيما إذا لم يكن يعلم بصدق أحدهما أم لا يمكن ذلك، فيجوز الالتزام بحكم ثالث مخالف لمفادهما إذا اقتضاه الأصل؟

ذهب مشهور المحققين إلى إمكان ذلك. و قد أفيد في تخريجه وجهان.

الوجه الأول- ما ذكره صاحب الكفاية- قده- من أن التعارض بين الدليلين غاية ما يستلزمه العلم بكذب أحدهما، فالذي يسقط عن الحجية هو أحدهما المعلوم كذبه إجمالًا و أما الآخر فلا وجه لرفع اليد عن حجيته، و حجيته و إن كانت غير مفيدة بالقياس إلى المدلول المطابقي منهما لعدم إمكان تعيين الحجية في أحد الطرفين، إلّا أنها مفيدة بلحاظ المدلول الالتزامي، و هو نفي الثالث‏ (1).

____________

(1)- راجع كفاية الأصول الجزء 2، ص 385 (ط- مشكيني).

259

و هذا الوجه غير صحيح على ضوء ما تقدم. إذ لو أريد من بقاء حجية أحدهما حجية أحدهما المفهومي أي الجامع بينهما، أو أحدهما المصداقي- الفرد المردد- فهي غير معقولة ثبوتاً، لما تقدم من أن الجامع بين الدليلين ليس دليلًا و الفرد المردد ليس فرداً ثالثاً بين الفردين، و أن دليل الحجية العام لا إطلاق له لمثل هذه العناوين بحسب مقام الإثبات عرفاً. و إن أريد حجية غير معلوم الكذب من الدليلين بوجوده الواقعي فهذا إنما يعقل فيما إذا كان هناك تعين واقعي لمعلوم الكذب- على ما تقدم تفصيله أيضا- فلا يتم فيما إذا كان العلم الإجمالي بالكذب ناتجاً من مجرد التعارض بين الدليلين و تنافي مدلوليهما.

الوجه الثاني- ما نسب إلى المحقق النائيني- قده- من أن الدلالة الالتزامية و إن كانت تابعة للدلالة المطابقية ذاتاً، إلّا أنها غير تابعة لها حجية، لأن كلًا منهما فرد مستقل لدليل الحجية العام فإذا انعقدت الدلالة المطابقية ذاتاً انعقدت الدلالة الالتزامية أيضا و سقوط الدلالة المطابقية بعد ذلك عن الحجية لوجود المعارض لا يستوجب سقوط الدلالة الأخرى و خروجها عن إطلاق دليل الحجية ما دام لا محذور في بقائها على الحجية. و عليه، يكون الثالث منفياً بالدلالة الالتزامية لكل من الدليلين المتعارضين، لأن التعارض بينهما بلحاظ مدلوليهما المطابقيين، و أما الثالث فكلاهما متفقان على نفيه بحسب الفرض.

و هذا الوجه أيضا غير تام، لأن الصحيح تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية في الحجية. و هذه كبرى كلية تظهر ثمرتها في موارد كثيرة، فلا بد من تنقيحها و تمحيصها في هذا المقام. فنقول:

يمكن أن يبرهن على عدم التبعية بين الدلالتين المطابقية و الالتزامية في الحجية بعدة تقريبات.

التقريب الأول- ما أفاده السيد الأستاذ- دام ظله- في إبطال الوجه المتقدم، و يتألف من نقض و حل. أما النقض فبموارد:

260

منها- ما لو قامت بينة على وقوع قطرة من البول على ثوب مثلًا، و علمنا بكذب البينة و عدم وقوع البول على الثوب و لكن احتملنا نجاسة الثوب بشي‏ء آخر كوقوع الدم عليه مثلًا، فهل يمكن الحكم بنجاسة الثوب لأجل البينة المذكورة باعتبار أن الإخبار عن وقوع البول على الثوب اخبار عن نجاسته لكونها لازمة لوقوع البول عليه، و بعد سقوط البينة عن الحجية في الملزوم- للعلم بالخلاف- لا مانع من الرجوع إليها بالنسبة إلى اللازم. و لا نظن أن يلتزم به فقيه.

و منها- ما لو كانت دار تحت يد زيد و ادعاها عمرو و بكر فقامت بينة على كونها لعمرو، و بينة أخرى على كونها لبكر، فبعد تساقطهما في مدلولهما المطابقي للمعارضة هل يمكن الأخذ بهما في مدلولهما الالتزامي، و الحكم بعدم كون الدار لزيد و أنها مجهول المالك؟

و منها- ما لو أخبر شاهد واحد بكون الدار في المثال المذكور لعمرو و أخبر شاهد آخر بكونها لبكر فلا حجية لواحد منهما في مدلوله المطابقي- مع قطع النّظر عن المعارضة- لتوقف حجية الشاهد الواحد على انضمام اليمين، فهل يمكن الأخذ بمدلولهما الالتزامي و الحكم بعدم كون الدار لزيد لكونهما موافقين فيه، فلا حاجة إلى انضمام اليمين؟

و منها- ما لو أخبرت بينة عن كون الدار لعمرو و اعترف عمرو بعدم كونها له فتسقط البينة عن الحجية لكون الإقرار مقدماً عليها، كما أنها مقدمة على اليد فبعد سقوط البينة عن الحجية في المدلول المطابقي للاعتراف هل يمكن الأخذ بمدلولها الالتزامي و هو عدم كون الدار لزيد مع كونها تحت يده؟

إلى غير ذلك من الموارد التي لا يلتزم بأخذ اللازم فيها فقيه أو متفقه.

و أما الحل: فهو أن الإخبار عن الملزوم و إن كان اخباراً عن اللازم إلّا أنه ليس اخباراً عن اللازم بوجوده السعي بل اخبار عن حصة خاصة هي لازم له، فإن الاخبار عن وقوع البول على الثوب ليس اخباراً عن نجاسة الثوب‏

261

بأي سبب كان بل اخبار عن نجاسته المسببة من وقوع البول عليه فبعد العلم بكذب البيّنة في إخبارها عن وقوع البول على الثوب يعلم كذبها في الاخبار عن نجاسة الثوب لا محالة. و أما النجاسة بسبب آخر فهي و إن كانت محتملة إلّا أنها خارجة عن مفاد البيّنة رأساً. و كذا الكلام في المقام، فالخبر الدال على الوجوب يدل على حصة من عدم الإباحة التي هي لازمة للوجوب لا على عدم الإباحة بقول مطلق، و الخبر الدال على الحرمة يدل على عدم الإباحة اللازمة للحرمة لا مطلق عدم الإباحة فمع سقوطهما عن الحجية في مدلولهما المطابقي للمعارضة يسقطان عن الحجية في المدلول الالتزامي أيضا. و كذا الحال في سائر الأمثلة التي ذكرناها (1).

أقول: بالإمكان المناقشة في كل من النقض و الحل، ففيما يتعلق بالنقض يناقش.

أولا- أن هذه النقوض تشترك كلها من أن المشهود به فيها من قبل البينة أو غيرها هو الموضوع الخارجي المحسوس به، و أما الحكم بالنجاسة أو الملكية فليس ثبوته شرعاً باعتباره مدلولًا التزامياً للشهادة، كيف و قد لا يعتقد الشاهد بترتب ذلك الحكم و إنما يثبت الحكم ثبوتاً واقعياً بدليله الوارد في الشبهة الحكمية، و ثبوتاً ظاهرياً في مورد الشهادة بدليل حجية الشهادة و هذا يعني أن ترتبه يكون أثراً شرعياً مصححاً للحجية لا مدلولًا التزامياً للمشهود به. و على هذا الأساس، إذا أريد تطبيق دليل حجية الشهادة في موارد النقض على المدلول الالتزامي لمفاد البينة ابتداء فهو ليس موضوعاً آخر لدليل حجية الشهادة، و إن أريد تطبيقه على الشهادة بالملاقاة- الموضوع الخارجي- لترتيب آثارها فالمفروض سقوطه بالعلم الوجداني، و ان أريد تطبيقه بلحاظ الجامع بين ذلك الموضوع الخارجي و غيره، بدعوى: انحلال الشهادة بالملاقاة مع البول إلى الشهادة بجامع الملاقاة و الشهادة بالخصوصية، و الساقط من هاتين الشهادتين الثانية لا الأولى، فالجواب: أن الشهادة بالجامع‏

____________

(1)- مصباح الأصول ص 369- 370

262

شهادة تضمنية تحليلية، و قد تقدم أن حجيتها ضمنية أيضا، كيف و لو كان مثل هذه الدلالات باقية على الحجية لأمكن إثبات كل شي‏ء بالشهادة الكاذبة على أي شي‏ء، لانحلالها إلى الشهادة على الجامع بينه و بين الشي‏ء المراد إثباته- و لو كان جامعاً انتزاعياً- فتكون حجة في إثبات الجامع، و بنفي ذلك الفرد المعلوم كذبه يتعيّن الآخر لا محالة، و هذا واضح البطلان.

و ثانياً- أن بعض هذه النقوض ليس من باب سقوط الدلالة المطابقية بل من باب عدم ترتب الأثر عليها، لعدم توفر شرائط الحجية كلها- كما في النقض الثالث- و المدعى عند القائل بالتبعية سقوط الدلالة الالتزامية بسقوط المطابقية، لا توقف حجيتها على حجية المدلول المطابقي و ترتب أثر شرعي عليه بالفعل.

و فيما يتعلق بالحل يناقش: بأنه إذا أريد قياس المقام على البينة في الأمثلة المتقدمة، فقد عرفت أن المدلول الالتزامي فيها لم يكن بنفسه موضوعاً جديداً لدليل حجية الشهادة و إنما مصحح جعل الحجية للشهادة بالموضوع الخارجي و لكن الدلالة الالتزامية للظهور في الكلام الصادر من المعصوم (عليه السلام) كشف لفظي عن لازم المدلول المطابقي و ليس مصحح جعل الحجية للمدلول المطابقي كما هو واضح، و ان أريد أن المدلول الالتزامي إنما هو الحصة الخاصة المقارنة مع الملزوم فتكون المعارضة سارية إليه أيضا، فالجواب: أن هذا إنما يتم في المداليل الالتزامية التي لها تخصص و تعين في نفسها مع قطع النّظر عن المقارنة المنتزعة بلحاظ المدلول المطابقي، فتكون بنفسها مما لا تجتمع مع المدلول في الدليل الآخر، و أما إذا لم يكن لها تعين كذلك فلا يتم هذا الوجه، لأن المدلول الالتزامي حينئذ ذات اللازم، و الدلالة الالتزامية دلالة عليه بما هو هو لا بما هو لازم مقارن، فالتلازم نسبة بين المتلازمين و ليس مأخوذاً في أحد الطرفين فمع سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية و عدم مشموليتها لدليل الحجية العام لا مانع من بقاء الدلالة الالتزامية للكلام على حجيتها ما دام مدلولهما محتمل الثبوت في نفسه و الدلالة عليه محفوظة ذاتاً و وجوداً.

263

و بعبارة أخرى: أن عدم الترخيص المستفاد من دليل الوجوب مثلًا و إن كان على تقدير ثبوت الوجوب مقارناً مع الوجوب إلّا أن دليل الوجوب يدل على ذات عدم الترخيص أولا- على أساس برهان استحالة اجتماع الضدين- و ينتزع في طول ذلك ثانياً و بعد ثبوت المدلول المطابقي عنوان التقارن بينهما، و الّذي يدخل ميدان التعارض الدلالة على التقارن لا الدلالة على عدم الترخيص.

التقريب الثاني- ان الدلالة الالتزامية العقلية ليست من دلالة اللفظ على المعنى بل من دلالة المعنى على المعنى، فهناك بحسب الحقيقة دالان و مدلولان، أحدهما الكلام و مدلوله المعنى المطابقي، و الآخر نفس المعنى المطابقي و مدلوله المعنى الالتزامي، لأن الملازمة العقلية ملازمة تصديقية بين واقع المعنيين بوجوديهما الحقيقيّين فإذا سقطت الدلالة اللفظية في إثبات مدلوله فلا يبقى ما يدلنا على المعنى الالتزامي، و هو معنى التبعية بينهما في الحجية.

و هذا الوجه لو تم لأثبت التبعية بمعنى توقف حجية الدلالة الالتزامية على حجية المطابقية لا مجرد الملازمة بينهما و عدم الانفكاك، كما هو الحال على الوجه السابق.

إلّا أن هذا الوجه غير تام أيضا، لأن الملازمة العقلية إنما تكون بين ثبوت المعنى المطابقي واقعاً و ثبوت المعنى الالتزامي كذلك لا ثبوتهما التعبدي، فإن أريد من عدم الدال على المعنى الالتزامي عند سقوط الدلالة المطابقية عدم ذات الدال على المعنى الالتزامي فهو غير صحيح، فإن الدال عليه ذات المعنى المطابقي و هي غير ساقطة و إنما الساقط حجيتها، و إن أريد عدم التعبد بثبوت الدال على المعنى الالتزامي فهو صحيح إلّا أنه لم يكن هو الدال على المعنى الالتزامي، و إلّا لثبتت حجية لوازم الأصول العملية أيضا لثبوت التعبد بمداليلهما المطابقية.

و إن أريد أن حجية الدلالة المطابقية ينقح تعبداً موضوع حجية الدلالة

264

الالتزامية، حيث يثبت بها وجود المعنى المطابقي الدال على المعنى الالتزامي، فيترتب عليه حجيته تعبداً نظير إثبات الحكم الشرعي بالبينة المحرزة لموضوعه تعبداً، فإذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية فلا يمكن إثبات حجية الدلالة الالتزامية لعدم إحراز موضوعها و لو تعبداً. ففيه: أن المعنى المطابقي ليس موضوعاً لحجية المعنى الالتزامي بل ملازماً عقلًا مع المعنى الالتزامي فالنسبة بينهما هي النسبة بين الأمرين التكوينيين المتلازمين لا نسبة الموضوع إلى حكمه الشرعي الّذي يكون مصحح جعل الحجية للأمارة الحاكية عن موضوعه.

و إن شئت قلت: إن موضوع الحجية في الأمارات تلك الدرجة من الكشف التصديقي الثابت في موارد قيامها، و هي كما توجد بالنسبة إلى المدلول المطابقي كذلك توجد بالنسبة إلى المدلول الالتزامي، و مجرد سقوط الكشف الأول عن الحجية لا يستوجب ارتفاع الكشف الثاني.

التقريب الثالث- و هو الوجه المختار- إن ملاك الحجية في الدلالتين واحد فلا تبقى نكتة لحجيته الدلالة الالتزامية إذا سقطت الدلالة المطابقية. و توضيح ذلك:

إن نكتة الحجية و ملاكها في الاخبار و الحكاية إنما هو أصالة عدم الكذب- بالمعنى الشامل للاشتباه- و في الإنشاء و القضايا المجعولة أصالة الظهور و إرادة المعنى من اللفظ، و إذا سقطت الدلالة المطابقية بظهور كذبها في باب الأخبار أو عدم إرادتها في باب الإنشاء فافتراض عدم ثبوت المدلول الالتزامي لها لا يستدعي افتراض كذب زائد في الاخبار أو مخالفة زائدة في الإنشاء لأن هذه الدلالة لم تكن بدال إخباري أو إنشاء مستقل و إنما كانت من جهة الملازمة بين المدلولين فتكون من دلالة المدلول على المدلول و ليست دلالة واجدة لملاك مستقل للكاشفية و الحجية.

و على هذا الأساس صح التفصيل في التبعية بين الدلالة الالتزامية البينة عرفاً- أي الدلالة التصورية- و الدلالة الالتزامية غير البينة- الدلالة التصديقية

265

العقلية- حيث لا نلتزم بالتبعية في الأولى، إذ لو كانت الدلالة الالتزامية بدرجة من الوضوح بحيث تشكل ظهوراً في الكلام زائداً على مدلوله المطابقي فسوف يكون عدم إرادة المتكلم لها مخالفة إضافية زائداً على ما يستلزمه عدم إرادته للمدلول المطابقي فيكون مثل هذه الدلالة الالتزامية مستقلة عن الدلالة المطابقية في ملاك الحجية فلا تتبعها في السقوط.

و على هذا الأساس أيضا صح التفصيل بين الدلالة التضمنية التحليلية و الدلالة التضمنية غير التحليلية و لو كانت ارتباطية- كما في دلالة العام المجموعي- فإن الأولى لا تبقى على الحجية بعد سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية لعدم لزوم خطأ آخر أو مخالفة زائدة من سقوطها بينما الثانية تبقى على الحجية و لو سقط المدلول المطابقي، فلو علم من الخارج عدم إرادة العموم من العام المجموعي للعلم بخروج فرد معين منه مع ذلك يصح التمسك به لإثبات الحكم على مجموع الباقي، كما هو الحال في العموم الاستغراقي، و لا تخريج فني لذلك إلّا ما أشرنا إليه في المقام من أن الدلالة التضمنية في العام المجموعي و إن كانت ارتباطية و لكن مخالفة العام المجموعي بعدم إرادة شي‏ء من أفراده أشد عناية و أكثر مخالفة من إرادة البعض منه فيكون مقتضى الأصل عدم المخالفة الزائدة، و هو معنى عدم التبعية.

ج- التعارض بين الأدلة المتعددة:

لا فرق في ما هو مقتضى الأصل الأولي في موارد التعارض المستقر بين ما إذا كان التعارض بين دليلين أو أكثر، فكما يحكم بتساقطهما في الأول يحكم بتساقط الجميع في الثاني- إذا لم تفرض خصوصية تقتضي تعين بعضهما للسقوط، على ما سوف يأتي الحديث عنه في نظرية انقلاب النسبة- و الوجه في ذلك واضح، فإنه سوف يقع التنافي في اقتضاء دليل الحجية لشمول كل واحد منها مع اقتضائه لشمول الآخر فشموله لها جميعاً غير ممكن و شموله‏

266

لبعض دون بعض ترجيح بلا مرجح، من دون فرق بين أن تكون هناك معارضة واحدة بين مجموع تلك الأدلة أو أكثر، كما إذا تعارض دليل مع دليلين بملاكين مختلفين. و من دون فرق بين أن تكون المعارضة من جهة التنافي بين مدلول كل منها مع مدلول الآخر أو من جهة التنافي بين الرواية، كما إذا علم بكذب أحد الرّواة و عدم صدور ما ينقله عن المعصوم (عليه السلام).

و بهذا يعرف أن موارد اختلاف النسخ في نقل الرواية تكون من باب التعارض أيضا.

إلّا أنه ربما يتصور في خصوص ما إذا وقع الاختلاف و التهافت في طريق نسخة واحدة دون طريق النسخة الأخرى أو الرواية المعارضة، إمكان إنجاء النسخة الأخرى أو المعارض الّذي لم يقع اختلاف في طريق نقلهما عن المعارضة. و من تطبيقات هذه الكبرى في الفقه رواية ذريح المعروفة في العصير العنبي المغلي قال: «سَمِعتُ أبا عَبدِ اللّهِ (عليه السلام) يَقُول: إذا نَشّ العَصِيرُ أو غَلا حَرُمَ» (1). حيث أنها نقلت في التهذيب ب (أو) و نقلها صاحب الوسائل عن الكافي ب (و) و نقلها صاحب البحار عن الكافي ب (أو) فيدعى حينئذ اختصاص التعارض بطريقي النسختين الواردتين في مقام تعيين عبارة الكافي و يبقى نقل التهذيب سليماً عن التعارض.

و التحقيق- على ما أوضحناه في محله في الفقه‏ (2) ان الأمر يختلف باختلاف المبنى في كيفية تصور حجية الخبر مع الواسطة. فالتصور المتعارف لحجيته هو أن يقال: بأن المخبر المباشر لنا يخبرنا عن خبر من قبله فيثبت لنا خبر من قبله على أساس حجية إخبار المخبر المباشر و من قبله يخبر عن خبر من قبله فيثبت لنا ذلك الخبر و هكذا، فبناء على هذا التصور لا معارض لنقل التهذيب‏

____________

(1)- وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الأشربة المحرمة.

(2)- بحوث في شرح العروة الوثقى الجزء الثالث، ص 405.

267

لأن كتاب البحار يثبت خبر من قبله و هكذا إلى أن يصل إلى الكافي و كذلك كتاب الوسائل فيتعارضان في تعيين خبر الكافي قبل أن يصلا إلى إثبات خبر ذريح فنقل التهذيب عن ذريح يبقى بلا معارض إذ لا يوجد ما يصلح لمعارضته، أما نقل الكليني فلأنه لم يثبت اشتماله على الواو مع تهافت نسخ الكافي و أما نقل البحار فلأن التهذيب ينقل عن ذريح أنه نطق ب (أو) و البحار ينقل عن الكافي أنه قال أن ذريحاً نطق بالواو و لعل كلا هذين الكلامين صادقان. لكن المختار في تصوير حجية الخبر مع الواسطة أن الناقل المباشر عن الإمام ينقل.

حكماً واقعياً و نقله له موضوع لحكم ظاهري منجز للواقع و هو الحجية فالناقل عنه ناقل لموضوع ذلك الحكم الظاهري و هذا النقل الجديد يشمله دليل الحجية بهذا اللحاظ و يكون بنفسه موضوعاً لحكم ظاهري منجز لذلك الحكم الظاهري المنجز للواقع و هكذا إلى أن نصل إلى الناقل المباشر لنا الّذي يكون نقله موضوعاً لحكم ظاهري عاشري مثلًا و يكون حجة لأنه نقل موضوع حكم الشارع فيثبت ذلك الحكم، و بناء على هذا التصور يقع التعارض لا محالة بين خبر التهذيب و خبر البحار و خبر الوسائل في عرض واحد و يسقط الكل فإن نقل التهذيب موضوع لحكم ظاهري ينجز الحرمة عند النشيش و نقل البحار موضوع لحكم ظاهري يعذر عن الحرمة عند النشيش من دون غليان فلا محالة يتعارضان و يتساقطان، غاية الأمر أن نقل البحار له معارض آخر و هو نقل الوسائل فيسقط الكل في عرض واحد.

د- مقتضى الأصل الثانوي:

و أما ما تقتضيه القاعدة إذا افترضنا العلم من الخارج بحجية أحد الدليلين المتعارضين و عدم تساقطهما المطلق، فيقال عادة في هذا المجال: أنه تارة نفرض القطع بأن ملاك الحجية في أحدهما المعين أقوى منه في الآخر، و أخرى:

نفرض القطع بتساويه فيهما، و ثالثة: نفرض احتمال تعين الملاك و أقوائيته‏

268

في أحد الطرفين تعييناً، و رابعة: نحتمل تعيّنه في كل من الطرفين. ففي الأول يثبت الترجيح، و في الثاني يثبت التخيير، و في الثالث و الرابع يكون من موارد الدوران بين التعيين و التخيير في الحجية من طرف واحد أو كلا الطرفين، و سوف يأتي البحث عن حكمه.

أقول: قد عرفت مما تقدم أنه في الفروض الثلاثة الأولى لسنا بحاجة إلى افتراض علم خارجي يدلنا على عدم التساقط، بل كان يكفي دليل الحجية وحده لإثبات نفس النتائج المفترضة في التقادير الثلاثة، فالحاجة إلى ضم دليل خارجي على عدم التساقط إنما تظهر في التقدير الأخير الّذي يبحث فيه عن مقتضى الأصل الثانوي، و أنه التخيير أو التعيين.

و أيا ما كان، فالذي علينا البحث عنه هنا هو التفتيش عن مقتضى الأصل الثانوي في موارد علم فيها بعدم التساقط المطلق و تردد الأمر بين تعيين الحجية في أحد الطرفين المتعارضين أو التخيير بينهما. و قد ذكروا: أن مقتضى الأصل التعيين.

و التحقيق: أنه تارة: يبحث مع افتراض عدم انحلال العلم الإجمالي الكبير بوجود تكاليف إلزامية في مجموع الشبهات، و أخرى: يبحث مع افتراض انحلال هذا العلم بموارد حددت فيها تفصيلًا التكاليف بالوجدان أو التعبد بحيث لم يبق مانع من الانتهاء إلى الأصول العملية المؤمنة في غير دائرة ما علم تفصيلًا من الشبهات.

فعلى الفرضية الأولى.- إذا كان احتمال التعيين في أحد الدليلين المتعارضين فقط، و فرض التزام الفقيه به كان حجة عليه لا محالة، سواء كان دليلا إلزامياً أم ترخيصياً. و إذا فرض عدم الالتزام به و إنما التزم بالآخر، أو لم يلتزم بشي‏ء منهما، أو كان احتمال التعيين في كل من الطرفين وارداً، فالنتيجة في جميع هذه التقادير الثلاثة عدم ثبوت الحجية لأحدهما المعين و لزوم‏

269

الاحتياط في مقام العمل، و ذلك للشك في حجية كل منهما و عدم إمكان رفع اليد عن مقتضى العلم الإجمالي الكبير المقتضي للاحتياط في تمام الأطراف.

لا يقال- لا بد من الالتزام بشي‏ء منهما، إذ المفروض ثبوت الحجية في الجملة و لو بدليل خارجي المستلزم لوجوب الالتزام بأحدهما في الجملة.

فإنه يقال- وجوب الالتزام بأحدهما في الجملة الثابت في موارد التخيير و عدم التساقط المطلق إنما يراد به حكم طريقي فحواه تنجز الواقع على المكلف إذا لم يلتزم بشي‏ء منهما و ليس حكماً تكليفياً مستقلًا عن الواقع المشتبه، و المفروض أن الواقع منجز بالعلم الإجمالي الكبير و ان المكلف لا بد و أن يحتاط بلحاظه، فلا مخالفة في ترك الالتزام بهما مع الاحتياط.

و أما على الفرضية الثانية، فتارة: يفترض وجود علم إجمالي بالتكليف في خصوص مورد التعارض، كما إذا دل أحد الدليلين على نفي وجوب الجمعة و الآخر على نفي وجوب الظهر و كان يعلم إجمالًا بوجوب أحدهما، و حكم هذه الصورة حكم الفرضية السابقة أيضا، بمعنى أن ما يلتزم به يكون هو الحجة إذا كان محتمل التعيين، و إلّا فالاحتياط. و أخرى: لا يفترض وجود علم إجمالي في مورد التعارض. و حينئذ تارة: يتكلم فيما إذا تعارض دليل الإلزام مع دليل الترخيص، و أخرى: فيما إذا تعارض دليلان كلاهما يدل على الحكم الإلزاميّ.

و قبل الدخول في تفاصيل القسمين لا بد و أن نوضح: أن الحجية التخييرية ترجع بحسب روحها و صياغتها الثبوتية إلى مجموع أحكام ثلاثة. حجية كل من الطرفين مشروطة بالأخذ به مع وجوب الالتزام بأحدهما وجوباً طريقياً لأن كل الفرضيات الأخرى لتصوير حقيقة الحجية التخييرية كانت غير معقولة باستثناء فرضية حجية كل منهما مشروطاً بكذب الآخر الّذي كان معقولًا في بعض أقسام التعارض و لكنها لم تكن مفيدة لتعيين الحجة في أحد

270

الطرفين حين الأخذ به و إنما كان يظهر أثره في نفي الحكم الثالث فقط- على ما تقدم شرحه مفصلًا- و هذا هو الفارق بين الحجية التخييرية و الوجوب التخييري، فإن الأخير يعقل جعله كحكم واحد متعلق بالجامع بخلاف الحجية فإنها لا يعقل تعلقها بالجامع فلا محالة ترجع لباً إلى حجيّتين مشروطتين في الطرفين مع إيجاب الالتزام بأحدهما كحكم طريقي- و نقصد بالحكم الطريقي ما شرحناه قبل قليل من تنجز الواقع على المكلف فيما إذا لم يلتزم بشي‏ء منهما و عدم إمكان رجوعه إلى الأصول المؤمّنة- و نكتة ذلك لغوية جعل الحجية المشروطة من دونه. فالدليل على الحجية التخييرية بدلالته على هذا الوجوب الطريقي يكون مخصصاً لأدلة الأصول المؤمنة. و بهذا يعرف أيضا أنه لو كان الواقع منجزاً بنفسه إما لعدم انحلال العلم الإجمالي الكبير أو لوجوب الاحتياط في كل شبهة و لو كانت بدوية، فلا موجب لجعل الوجوب الطريقي.

و على ضوء هذا المعنى نقول: إذا فرضنا التعارض بين دليلين يدل أحدهما على حكم إلزامي، و الآخر على حكم ترخيصي و كان يعلم بثبوت الحجية لأحدهما في الجملة و لكنها ترددت بين أن تكون تخييرية أو تعيينية، فهناك ثلاث صور تختلف النتيجة العملية باختلافها.

الصورة الأولى- ما إذا كان احتمال التعيين في دليل الإلزام بالخصوص.

و حكم هذه الصورة أنه إذا التزم الفقيه بدليل الإلزام تمت لديه الحجة على الإلزام للقطع بحجيته في هذا الحال على كل تقدير، و أما إذا لم يلتزم به فيدور الأمر بين ثبوت الحجية المطلقة لدليل الإلزام أو ثبوت الحجية التخييرية التي كانت عبارة عن الأحكام الثلاثة المتقدمة، و حينئذ قد يتوهم: أن العلم الإجمالي هذا دائر بين متباينين لأن الحجية المطلقة لدليل الإلزام مباينة مع الأحكام الثلاثة، فيجب الاحتياط.

إلّا أن الصحيح- كما أشرنا إليه فيما سبق- عدم منجزية مثل هذا العلم الإجمالي، لجريان الأصل المؤمن عن الحجية المطلقة- التعيين- من دون‏

271

معارض لأن الحجية التخييرية لا معنى لإجراء الأصل المؤمن عنها، لأن مئونتها مشتركة بينها و بين الحجية المطلقة فتكون ثابتة بالعلم الوجداني على كل حال، إذ كلتا الحجيتين تشتركان في تنجيز الإلزام فيما إذا التزم بدليل الوجوب أو لم يلتزم بشي‏ء منهما و تزداد مئونة الحجية المطلقة لدليل الإلزام و تظهر فيما إذا التزم بدليل الترخيص، فما يجري عنه الأصل المؤمن إنما هو الحجية التعيينية لدليل الإلزام.

و بتعبير آخر: تجري أصالة البراءة عن الإلزام المحتمل في صورة الالتزام بدليل الترخيص و لا يعارض بأصل مؤمن آخر، لأنه لو لم يلتزم بشي‏ء منهما أو التزم بدليل الإلزام لم يكن الأصل المؤمن جارياً في حقه لعلمه بالمنجز حينئذ المتمثل في الوجوب الطريقي أو الحجة على الإلزام. و هذه نتيجة التخيير و جواز الأخذ بدليل الترخيص الّذي لا يحتمل تعينه. و بهذا يتضح أن إطلاق فتوى المشهور بالتعيين في كافة صور الدوران بينه و بين التخيير غير تام.

الصورة الثانية- ما إذا كان محتمل التعيين دليل الترخيص. و الحكم في هذه الصورة هو إجراء الأصل المؤمن عن الحجية التخييرية لدليل الإلزام، لأنها تتضمن كلفة زائدة بخلاف الحجية التعيينية لدليل الترخيص. و بالتعبير الآخر: تجري البراءة عن الإلزام الواقعي المشكوك سواء التزمنا بدليل الإلزام أو بدليل الترخيص أو لم نلتزم بشي‏ء منهما، إذ على جميع التقادير لا علم لنا بالمنجز لأن الحجة لو كانت متعينة في دليل الترخيص فلا تنجيز أصلًا و مع احتمال ذلك لا يبقى علم منجز فيمكن إجراء البراءة. نعم لو التزمنا بدليل الترخيص لقطعنا بالحجة على الترخيص فيمكن الاستناد إليه في الإفتاء بمضمونه. فالنتيجة في هذه الصورة نتيجة التعيين.

الصورة الثالثة- أن نحتمل التعيين في الدليلين الإلزامي و الترخيصي معاً، و حكم هذه الصورة. كما في الصورة السابقة من حيث جريان الأصل المؤمن عن الحجية التعيينية و التخييرية المحتملتين لدليل الإلزام، لأن فيهما معاً كلفة زائدة،

272

دون الحجية التعيينية لدليل الترخيص. فالنتيجة في هذه الصورة تعيين دليل الترخيص أيضا، نعم تختلف الصورتان في أنه لا يمكن الإفتاء بمضمون دليل الترخيص حتى لو التزم به الفقيه في هذه الصورة لاحتمال تعيين دليل الإلزام عليه. بينما كان يمكن ذلك في الصورة السابقة.

هذا كله إذا كان الدوران بين التعيين و التخيير في الحجية لدليلين متعارضين أحدهما يدل على الإلزام و الآخر على الترخيص.

و أما إذا كان المتعارضان معاً يدلان على الإلزام، فتارة: يفترض أن الحكمين الإلزاميين المفادين بهما سنخ حكمين يمكن الاحتياط فيهما، كما إذا دل أحدهما على وجوب الصدقة على الفقير و دل الآخر على وجوب زيارة الحسين (عليه السلام) و علم بكذب أحدهما إجمالًا. و أخرى: يفترض أن الحكمين الإلزاميين لا يمكن فيهما الاحتياط، كما إذا دل أحدهما على وجوب شي‏ء و الآخر على حرمته. و في كلا الفرضين، تارة: يكون احتمال التعيين في أحد الطرفين، و أخرى: يكون احتمال التعيين في كلا الطرفين، فمجموع الصور أربع.

أما الصورة الأولى- و هي ما إذا أمكن الاحتياط و احتمل التعيين في أحدهما- فيلزم فيها الأخذ بالدليل المحتمل تعيّنه، لأنه بالأخذ به يقطع بالحجة على الإلزام في أحد الطرفين، و التعذير عن الطرف الآخر المحتمل بالدلالة الالتزامية، و بذلك يكون قد أفرغ ذمته بالتعبد، بينما إذا التزم بالآخر حصل العلم الإجمالي بوجود إحدى حجتين إلزاميتين و هو منجز، كما أنه إذا لم يلتزم بشي‏ء منهما حصل العلم الإجمالي بحجية الدال على الإلزام الّذي كان يحتمل تعينه، أو ثبوت الوجوب الطريقي المنجز للواقع و هو علم إجمالي منجز أيضا.

و أما الصورة الثانية- و هي ما إذا أمكن الاحتياط و احتمل التعيين في‏

273

الطرفين معاً فيجب فيها الاحتياط و امتثال كلا الدليلين، لأنه سواء التزم بأحدهما أو لم يلتزم يحصل علم إجمالي منجز، و لا يكون الالتزام بأحدهما موجباً للعلم بالفراغ عن التكليف و لو تعبداً.

و أما الصورة الثالثة- و هي ما إذا لم يكن الاحتياط مع احتمال التعيين في أحد الطرفين- فيجب فيها الأخذ بالدليل المحتمل تعيّنه حيث يقطع معه بالحجة على الحكم الواقعي، و لا يجوز تركه إلى الأخذ بالآخر أو تركهما معاً إذ يتشكل على الثاني علم إجمالي بالمنجز الّذي هو إما الحجية التعيينية أو الوجوب الطريقي. و على الأول، علم إجمالي بحجية أحدهما و هو علم بالحجة المنجزة فيكون كالعلم بالواقع، فلا يمكن إجراء البراءة عن مفاد محتمل التعيين لا من جهة الدوران بين الوجوب و الحرمة و ما قد يقال فيه من عدم جريان البراءة عن شي‏ء منهما. فإنه لا دوران بينهما هنا لاحتمال كذب كلا الدليلين، بل من جهة تشكل هذين العلمين الإجماليين المنجزين. كما أنه لا ينبغي أن يتوهم عدم منجزيّتهما بدعوى: أن المقام من موارد دوران الأمر بين المحذورين فلا يعقل التنجيز فيه، لإمكان الموافقة القطعية عن طريق الالتزام بالطرف الّذي يقطع بحجيته و تفريغ الذّمّة بالعمل على طبقه حين الالتزام به، فما نحن فيه حاله حال دوران الأمر بين المحذورين قبل الفحص الّذي يكون العلم الإجمالي فيه منجزاً، و أثره دفع المكلف إلى الفحص عن الحجة على الحكم الشرعي و تحصيل الموافقة القطعية له، فالنتيجة في هذه الصورة نتيجة التعيين.

لا يقال: جعل الحجية التخييرية للمتعارضين الدائر مفادهما بين المحذورين لغو في نفسه، لأن المكلف يطابق عمله مع أحدهما على كل حال.

فإنه يقال: أن التنجيز المذكور تخيير في المسألة الأصولية و ليس تخييراً في المسألة الفقهية كي يلغو جعله في موارد الدوران بين المحذورين، إذ يترتب عليه الأثر في مثل الإفتاء و ثبوت اللوازم.

274

الصورة الرابعة- نفس الصورة المتقدمة مع افتراض احتمال التعيين في كلا الدليلين- و حكمها جريان البراءة عن احتمال التعيين في كل من الطرفين.

و بتعبير آخر: إجراء البراءة عن كل من الوجوب و الحرمة الواقعيين المحتملين لأنه على جميع التقادير يتشكل علم إجمالي دائر بين محذورين، و لا يمكن موافقته القطعية فيكون حاله حال الدوران بين المحذورين بعد الفحص، مع فرق من ناحية أنه لا دوران هنا بين احتمال الوجوب و الحرمة فقط، بل يحتمل عدمهما أيضا- إذا لم يفترض العلم بصدق أحد الدليلين- و إن كان منفياً بالحجة المعلومة إجمالًا، فالنتيجة في هذه الصورة نتيجة التخيير.

و هكذا اتضح أن مقتضى الأصل الثانوي عند الدوران بين التعيين و التخيير ليس هو التعيين دائماً كما ذهب إليه المشهور، بل قد تثبت نتيجة التخيير.

2- حكم التعارض بلحاظ دليلين للحجية:

إذا كان مركز التعارض بين الدليلين المتنافيين دليل حجية السند في أحد المتعارضين و دليل حجية الظهور في المعارض الأخرى. كما هو الحال في الفرضية الثالثة من فرضيات التعارض الرئيسية، أي ما إذا تعارض دليل ظني السند كخبر الثقة مع دليل قطعي كالكتاب الكريم مع تعذر الجمع العرفي- فتارة: يفرض أن دلالة الخبر قطعية، بحيث لا يحتاج في التمسك به إلى دليل حجية الظهور، و أخرى: تفرض الحاجة إليه.

فعلى التقدير الأول، يكون التعارض ابتداء بين دليل حجية السند الظني و دليل حجية ظهور الدليل القطعي. و بما أن الأخير منحصر في السيرة العقلائية و المتشرعية التي هي من الأدلة اللبية، فقد يتوهم: تعيّن السند الظني للحجية لأن دليل حجية الظهور لا بد و أن يقتصر فيه على قدره المتيقن و هو غير مورد التعارض، بينما دليل حجية السند الظني غير منحصر في الأدلة اللبية بل فيه ما يتضمن إطلاقاً لفظياً- كما إذا تم الاستدلال على حجية خبر الثقة بالآيات‏

275

أو الروايات القطعية السند- فيمكن التمسك بإطلاقه لحالات التعارض أيضا.

و أما الأدلة اللفظية الآمرة بالرجوع إلى الكتاب و العترة فهي مسوقة لبيان عصمتهما و مرجعيتهما التشريعية، و ليست بصدد بيان حجية دلالات القرآن أو الأحاديث و لو كانت ظنية.

و فيه: أن أدلة حجية خبر الثقة اللفظية إمضائية فتتحدد بحدود ما قامت على اعتباره سيرة العقلاء و المفروض أنها غير شاملة لموارد التعارض.

و قد يدعى العكس و تعين الدليل الظني للسقوط بأحد تقريبين.

1- دعوى: انصراف أدلة حجية الخبر عن مورد علم فيه خلافه من نفس المتكلم، كما إذا سمعه بنفسه يبين خلاف ما ينقله المخبر. فكأن دليل حجية السند تنزيل للراوي منزلة المتكلم في مورد لا يصل إليه، فلا يعم صورة اطلاع السامع مباشرة على رأيه، و الدليل القطعي في حكم السماع مباشرة. فإذا خالفه خبر الثقة خرج عن موضوع الحجية.

2- ما تقدم في أبحاث حجية خبر الثقة، من أن حجيته الثابتة بالسيرة العقلائية الممضاة شرعاً ليست تعبدية، و إنما بملاك الطريقية و درجة الكشف النوعيّ المحفوظة فيه، فإذا انسلخت عنه تلك الدرجة بقيام إمارة نوعية معتبرة و معتدّ بها عند العقلاء على خلاف ما أخبر به الثقة سقط عن الاعتبار عندهم.

و هذا بخلاف حجية الظهور الثابتة بالسيرة العقلائية أيضا، فإن ديدنهم على العمل به حتى يعلم بالخلاف فلا يكفي مجرد قيام سند ظني على خلافه و لو كان معتبراً لإسقاطه عن الحجية.

فإذا تم شي‏ء من هذين التقريبين كان ظهور الدليل القطعي حجة و يسقط الدليل الظني على القاعدة، و إلّا رجعنا إلى ما كان يقتضيه الأصل الأولي و الثانوي المتقدم شرحهما مفصلًا فيما إذا كان مركز التعارض دليل الحجية الواحد.

276

و إما إذا كان الدليل الظني سنداً ظنياً دلالة أيضا، فمركز التعارض أولا و بالذات و إن كان حجية الظهور إلّا أنه يسري إلى دليل حجية السند، بناء على ما هو الصحيح من ارتباطية حجية السند و حجية الظهور جعلًا- و قد تقدم شرحه- فلو قلنا في التقدير السابق بتقديم ظهور الدليل القطعي لأحد التقريبين المتقدمين حكم بذلك هنا أيضا.

و إن قلنا في التقدير السابق بتقديم الدليل الظني في الحجية تمسكاً بإطلاق الدليل اللفظي على حجية الخبر، فلا يمكن إجراء هذا البيان هنا إذ المفروض ظنية دلالة الخبر فيكون بحاجة إلى التمسك بدليل حجية الظهور و المفروض سقوطه في موارد التعارض، فيكون دليل حجية السند ساقطاً أيضا.

277

تطبيقاتٌ مشكوكٌ فيها لِلتَعارُض المُستَقِرّ وَ بَيَانُ أحكَامِهَا

بعد أن اتضحت أحكام التعارض المستقر و غير المستقر على مقتضى القاعدة و الأصل الأوّلي و الثانوي، ينبغي البحث عن حالات من التعارض وقعت مورداً للنزاع في كونها صغرى من صغريات التعارض غير المستقر أو المستقر. و أهم هذه الحالات ما يلي:

أولا- إذا تعارضت دلالة وضعية- كالعموم- مع دلالة حكمية- كالإطلاق-.

ثانياً- إذا تعارض المطلق الشمولي مع المطلق البدلي.

ثالثاً- موارد انقلاب النسبة.

و لا بد من تحقيق حال كل واحد من هذه الموارد.

أ- تعارض الدلالة الوضعيّة مع الدلالة الحكمية:

و المثال المعروف لهذه الحالة من حالات التعارض، ما إذا تعارض عام مع المطلق بنحو العموم من وجه من قبيل ما إذا ورد (أكرم كل شاعر)، و ورد أيضا (لا تكرم فاسقاً) فهل يقدّم العام على المطلق فيحمل المطلق على غير موارد شمول العام كجمع عرفي بينهما فلا تسري المعارضة إلى دليل‏

278

الحجية أو يحكم باستقرار التعارض بينهما في مادة الاجتماع؟

و توضيحاً لذلك نبحث في مقامين:

المقام الأول- في المتصلين.

المقام الثاني- في المنفصلين.

أما المقام الأول: و هو ما إذا ورد العام الوضعي متصلًا بالمطلق الحكمي‏

كما إذا قال: (أكرم كل الشعراء و لا تكرم الفاسق). فتارة: يُبنى على أنّ دلالة العام موقوفة على جريان مقدمات الحكمة في متعلق أداة العموم، كما بنى عليه المحقق النائيني- قده- و أخرى: يُبنى على المسلك المشهور المنصور من أن أدوات العموم بنفسها تثبت إطلاق مدخولهما من دون حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة فيه.

فعلى المسلك الأول، سوف لن نتعقل وجهاً فنياً لتقديم العموم على الإطلاق بعد ان كانت دلالتهما معاً بمقدمات الحكمة، فيكون حالهما حال المطلقين المتعارضين، فلا يصح- على هذا المسلك- تقديم العام على المطلق في فرض انفصالهما أيضا، كما هو واضح.

و أما على المسلك الثاني، فقد قيل بتقديم العموم الوضعي على الإطلاق الحكمي بتقريب معروف حاصله: ان دلالة الإطلاق إنما تكون بمقدمات الحكمة فتكون مشروطة بعدم البيان. و أمّا دلالة العام فهي فعلية لكونها بالوضع فتكون صالحة للبيانية و بالتالي رافعة لموضوع مقدمات الحكمة.

و التحقيق: أنه ينبغي أن يلاحظ ما المراد بالبيان في عدم البيان الّذي هو من مقدمات الحكمة، فإنه يحتمل فيه أحد معانٍ ثلاثة:

الأول- بيان القرينة على التقييد.

الثاني- ما يكون بياناً بالفعل سواء كان قرينة أم لا.

279

الثالث- ما يكون بياناً في نفسه لو لا الإطلاق.

فعلى الاحتمال الأول القائل بأن الإطلاق موقوف على عدم بيان ما يصلح للتقييد، تكون الدلالة الإطلاقية منعقدة في نفسها كالدلالة الوضعيّة في العام لأن عموم العام و إن كان بياناً في نفسه في مادة التعارض بينهما إلّا أنه ليس بياناً بنحو التقييد و القرينية.

و على الاحتمال الثاني لا تتم الدلالة الحكمية لما ذكر من أن العام رافع لموضوعها.

و كذلك على الاحتمال الثالث فإن العام أيضا يكون بياناً في نفسه صالحاً لرفع موضوع الإطلاق. بل بناء على هذا الاحتمال لو كانا مطلقين أيضا لا موضوع للدلالة الإطلاقية لأن البيان اللولائي صادق على كل منهما، و هذا بخلافه على المبنى الأول و الثاني، فإن المطلقين المتصلين يكونان متزاحمين في اقتضاء الظهور لتمامية مقدمات الحكمة في كل منهما.

و أما المقام الثاني: و هو ما إذا كانا في خطابين منفصلين‏

، فقد ذهب الشيخ الأنصاري- قده- إلى تقديم العام تطبيقاً لنفس التقريب المتقدم في المتصلين من أن الدلالة الإطلاقية تعليقية متفرعة على جريان مقدمات الحكمة و تماميتها. و من جملة هذه المقدمات عدم بيان الخلاف و العام صالح لأن يكون بياناً على خلاف المطلق، و أما دلالة العموم فإنها بالوضع و الأداة فتكون دلالة فعلية منجزة و الدلالة المنجزة ترفع موضوع الدلالة التعليقية، و يستحيل العكس.

و خالف في ذلك المحقق الخراسانيّ- قده- مدّعياً أن عدم البيان الّذي هو جزء المقتضي في مقدمات الحكمة إنما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد (1).

____________

(1)- كفاية الأصول ج 2، ص 404 (ط- مشكيني).

280

فالمطلق و إن كانت دلالته تعليقية بخلاف العام إلّا أن المعلّق عليه إنما هو عدم البيان المتصل بالمطلق لا مطلق عدم البيان و لو منفصلًا. فمع عدم اتصال البيان بالمطلق تنعقد دلالة فعلية له على حدّ دلالة العام فيكون من تعارض دلالتين فعليتين ناجزتين، و لا مرجّح لأحدهما على الآخر ما لم يفترض ملاك آخر للترجيح، و هو كما يحتمل تحققه في العام يحتمل تحققه في المطلق.

و جاءت بعد ذلك مدرسة المحقق النائيني- قده- لتؤكد صحة الاتجاه الّذي سلكه الشيخ- قده- من توقف المطلق على عدم البيان الأعم من المتصل و المنفصل، بعد إجراء تعديل عليه.

و توضيح ذلك: ان المسلك القائل بتوقف الإطلاق على عدم البيان الأعم من البيان المتصل و المنفصل يواجه إشكالًا عويصاً حاصله: أنه يستلزم عدم جواز التمسك بالإطلاق كلما شك في ثبوت الحكم لفرد أو حال مما يشمله الإطلاق، لاحتمال وجود مقيّد منفصل لم يصل إلينا، إذ الشك في ذلك يساوق، الشك في ثبوت الإطلاق و عدمه، و التمسك بالإطلاق- كالتمسك بكل ظهور- فرعُ إحراز أصل الظهور الإطلاقي في الدليل. و أصالة عدم القرينة على الخلاف إنما تجري فيما إذا كان ظهور في مقام الإثبات يقتضي إفادة معنى و احتمل ورود قرينة على خلافه و مرجعها لُبّاً إلى أصالة الظهور و عدم جواز رفع اليد عن كشفه النوعيّ لمجرد الاحتمال.

و هذه المشكلة حاولت مدرسة المحقق النائيني- قده- التغلب عليها ببيان يحفظ لها في نفس الوقت موقفها من نزاع الشيخ الأنصاري و المحقق الخراسانيّ- قدهما- و ذلك بافتراض أن الإطلاق في كل زمان فرع عدم البيان إلى ذلك الزمان، لا عدم البيان و لو متأخراً. فعند ما يتكلم المولى بالخطاب المطلق و لم ينصب قرينة على التقييد ينعقد بذلك ظهور فعلي على إرادة الإطلاق، و هذا الظهور يبقى مستمراً ما دام لا قرينة على خلافه. فإذا جاءت القرينة ارتفع هذا الظهور من حينه لمجي‏ء البيان الكاشف عن أن المراد الجدي للمولى‏

281

هو المقيد لا المطلق. و بذلك يتفادى محذور الإجمال عند احتمال القرينة المنفصلة، إذ يمكن إحراز الإطلاق لأن الظهور في الخطاب المطلق فعلي مع قطع النّظر عن القرينة المنفصلة فيكون مكذباً لاحتمال وجودها (1).

و هذه المحاولة في دفع إشكال الإجمال عن الاتجاه الّذي سلكه الشيخ- قده- مما لا يمكن المساعدة عليه. بل لو فرض توقّف الإطلاق على عدم البيان الأعم من المتصل و المنفصل لأجملت المطلقات و ما أمكن التمسك بشي‏ء منها في موارد احتمال صدور بيان منفصل على التقييد، فنفس وضوح عدم سقوطها و تمسك العرف بها دليل آخر على أن المأخوذ في مقدمات الإطلاق إنما هو عدم البيان المتصل خاصة- كما عليه صاحب الكفاية- قده-.

و الوجه في ذلك: إنه إذا كان المقصود من ارتفاع الظهور الإطلاقي في كل زمان بورود البيان المنفصل في ذلك الزمان، هو ارتفاع حجيته باعتبار القرينة و الجمع العرفي لا ارتفاع ظهوره و دلالته التصديقية على إرادة الإطلاق، فهذا صحيح فيما إذا كان البيان المنفصل صالحاً للقرينية و الجمع العرفي لا في محل الكلام الّذي يكون المعارض جزءاً من مدلول العام. فإذا افترضت صلاحية هذا المقدار للقرينية و الجمع العرفي أيضا كان لا بد من إبراز نكتة أخرى لها غير مسألة تنجيزية الظهور في العام و تعليقيته في المطلق.

و إن كان المقصود ارتفاع أصل الظهور التصديقي في المطلق بورود البيان و لو منفصلًا، بحيث يكون مجي‏ء القرينة في كل زمان موجباً لارتفاع الظهور التصديقي بلحاظ ذلك الزمان- كما هو ظاهر كلمات هذه المدرسة- فهذا مما لا نتعقله. و قد ذكرنا في بحث التقييد أن المتكلم إما أن يكون ظاهر حاله أنه في مقام بيان تمام مراده الجدّي بشخص خطابه المطلق، فهذا يعني أن مجرّد عدم نصب البيان و القرينة على التقييد متصلًا بالمطلق كافٍ في انعقاد الظهور الإطلاقي و فعليّته و لا يكون‏

____________

(1)- راجع مصباح الأصول، ص 377.

282

مرفوعاً بعد ذلك بمجي‏ء المنفصل. و إمّا أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده الجدي بمجموع خطاباته، و هذا يعني أنه لا ينعقد للمطلق ظهور في الإطلاق أصلًا إلّا بعد ملاحظة مجموع ما يصدر عنه، لأنه لا يفصح عن تمام مراده دفعة واحدة بل تدريجاً، فيعود محذور الإجمال عند احتمال وجود بيان منفصل و لو متأخراً. و ليس هناك حالة وسطى للمتكلم بين الحالتين كي يقال مثلًا أننا نفترض أن ظاهر حال المتكلم في كل زمان أنه يبيّن تمام مراده بلحاظ مجموع ما صدر منه إلى ذلك الزمان، فإن ذلك يعني أن للمتكلم في كل زمان مراداً يختلف عن مراده في الزمان الآخر باختلاف ما يصدر عنه، و هذا خلف ما هو المفروض من أن هناك حكماً واحداً ثابتاً في الواقع يكشف المقيد أو المخصص- متى ما جاء- عن حدوده من أوّل الأمر.

هذا بالإضافة إلى أن هذه المحاولة- كما قلنا فيما سبق- لا يفي بالمقصود تماماً لأن الرافع للظهور الإطلاقي بالنسبة لكل زمان هل هو وصول البيان و القيد إلى المكلف أو صدوره واقعاً؟

أما الأول، فلا معنى لادعائه. إذ من الواضح أن خصوصية الوصول غير دخيلة في تكوّن الظهور التصديقي لكلام المولى الّذي هو كاشف تكويني عن مراده. و إنما يتعقّل دخالته في الحكم بالحجية و المنجزيّة.

و أما الثاني، فيلزم منه أننا لو احتملنا ورود بيان منفصل في الزمان الثاني يبتلي المطلق بالإجمال بلحاظ ذلك الزمان لأنه على تقدير صدور البيان واقعاً يكون الإطلاق مرفوعاً في هذا الزمان، و لا يمكن التمسك بأصالة عدم القرينة لأنه فرع وجود كاشف فعلي في ذلك الزمان. نعم يمكن التمسك باستصحاب بقاء الظهور الإطلاقي المنعقد في الزمان الأول لو فرض عدم احتمال وجود البيان من أول الأمر. و هذا إثبات لنتيجة الإطلاق بالأصل العملي لا اللفظي الّذي هو الغرض من الإطلاق.

فالصحيح: ما عليه المحقق الخراسانيّ- قده- من أن الإطلاق الثابت‏

283

بمقدمات الحكمة يكفي فيه عدم البيان المتصل فينعقد الظهور الإطلاقي و يتم بنفس فراغ المتكلم من كلامه المطلق إذا لم ينصب قرينة على التقييد.

غير أنه مع ذلك يمكن دعوى وجود نكتة أخرى نوعية تقتضي تقديم العام على المطلق في مورد التعارض بملاك الأظهرية التي تقدّم كونها أحد أقسام التعارض غير المستقر.

و توضيح ذلك:

ان المتكلم له ظهوران حاليان كاشفان عن الإرادة الجدية، أحدهما الظهور السلبي في أن ما سكت عنه و لم يذكره في مرحلة الإثبات غير ثابت في مرحلة الثبوت و الجد، فليس هناك شي‏ء قد قصده و لم يقله، و هذا هو أساس الظهورات الإطلاقية في المطلقات. و الآخر الظهور الإيجابي في أن ما ذكره في مرحلة الإثبات ثابت في مرحلة الثبوت أيضا، فليس هناك شي‏ء قد قاله و لم يقصده، و هذا هو أساس الظهورات التقييدية في المقيدات.

و الظهور الأول من هذين الظهورين الحاليين التصديقيين أضعف من الثاني بشهادة تقديم المقيد على المطلق. فإذا كان الأمر كذلك، صح أن يقال بتقدم العام على المطلق في مورد التعارض، باعتبار أن دلالة الأول من الظهور الإيجابي و دلالة الأخير من الظهور السلبي، و قد افترضنا أن الظهور الإيجابي أقوى عند العرف من الظهور السلبي و أظهر، فيتقدم العام على المطلق بالأظهرية النوعية ما لم يكن المطلق محفوفاً إطلاقه بخصوصيات إضافية صدفة تجعله في ذلك المورد أقوى من العموم.

ب- تعارض الإطلاق البدلي و الشمولي‏

: إذا تعارض دليل مطلق يدل على شمول الحكم لتمام أفراده، كما إذا ورد (لا تكرم الفاسق) و هو ما نصطلح عليه بالمطلق الشمولي مع مطلق آخر

284

دل على ثبوت الحكم على فرد واحد مما ينطبق عليه من قبيل (أكرم فقيراً) و هو ما نصطلح عليه بالمطلق البدلي فهل يحكم بتقديم الأول على الأخير في مورد التعارض- و هو الفقير الفاسق- فيحرم إكرامه أم لا؟ نسب إلى الشيخ الأنصاري- قده- القول بالتقديم، و خالف فيه المحقق الخراسانيّ- قده- مدعياً أن كلاهما بالإطلاق و مقدمات الحكمة التي قد تقتضي الشمولية و قد تقتضي البدلية و قد تقتضي غيرهما، فلا موجب للتقديم‏ (1).

و قد حاول المحقق النائيني- قده- توجيه ما اختاره الشيخ- قده- و تقريبه بوجوه أوجهها: أن تقييد الإطلاق الشمولي معناه رفع اليد عن جزء مدلول الخطاب، لأن المطلق الشمولي منحل بحسب الحقيقة إلى دلالات عديدة بعدد أفراد الطبيعة المطلقة، فتقديم المطلق البدلي عليه يستلزم رفع اليد عن بعض هذه الدلالات، و هذا بخلاف العكس فإن مدلول المطلق البدلي إنما هو حكم واحد متعلق بصرف وجود الطبيعة المحفوظ حتى لو خرج بعض الأفراد عنه لأن صرف الوجود لا يقتضي ملاحظة كل فرد و إثبات الحكم عليه.

و قد ناقش السيد الأستاذ- دام ظله- في هذه المحاولة من جهتين:

أولاهما- إن الميزان في تقديم دليل على آخر هو القرينية أو الأظهرية لا الاستحسانات و المناسبات و مجرد كون الإطلاق في أحد الدليلين شمولياً انحلالياً و في الآخر بدلياً لا يتضمن قرينية الشمولي و لا أظهريته بعد أن كان كل منهما بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

ثانيتهما- ان المطلق البدلي أيضا مستلزم لحكم شمولي ينحل على أفراد المطلق، فإن الوجوب المستفاد من أكرم فقيراً و إن كان بدلياً و متعلقاً بصرف وجود الطبيعة إلّا أن لازمه الترخيص في تطبيق هذا الواجب على كل فرد من أفراد طبيعة الفقير، و تقييد المطلق البدلي يلزم منه رفع اليد عن بعض هذه‏

____________

(1)- كفاية الأصول ج 1. ص 169 (ط- مشكيني).

285

الأحكام الترخيصية لا محالة، فتقييد كل من الإطلاقين مستلزم للتصرف في جزء مدلول الآخر، و معه لا مرجح لأحدهما على الآخر (1).

أقول: أما المناقشة الأولى: فيمكن دفعها بأنه إن أريد ان تقديم أحد الظهورين على الآخر لا بد و أن يكون بملاك القرينية و الجمع العرفي، فهذه الكبرى لم يظهر من كلام المحقق النائيني- قده- في المقام إنكارها، و إنما الظاهر أنه يحاول دعوى تقديم المطلق الشمولي على البدلي باعتباره واجداً لأحد ملاكات القرينية على ما سوف نشير إليه.

و إن أريد إنكار الصغرى و أن مجرد الشمولية لا يحقق القرينية فهذا ما يحتاج إلى بحث و نظر في وجه القرينية الّذي يحاوله المحقق النائيني- قده-.

و أما المناقشة الثانية، فيمكن دفعها أيضا بأنّا لو سلمنا دلالة المطلق على أحكام ترخيصية شمولية فهي دلالة عقلية و ليست ظهوراً لفظياً في الخطاب، و هذا بخلاف شمولية الدليل الشمولي فإنها دلالة عرفية و مدّعي التقديم إنما يقول بتقديم ما يكون مدلوله العرفي شمولياً على ما يكون مدلوله العرفي بدلياً.

و التحقيق ان يقال: إن الشمولية و البدلية ليستا من شئون الإطلاق و مقدمات الحكمة فإن مقدمات الحكمة لا تقتضي إلّا مطلباً واحداً دائماً في جميع المقامات، و هو أن ما أخذ موضوعاً للحكم في مقام الإثبات- و هو الطبيعة- تمام الموضوع له ثبوتاً و أما الشمولية و البدلية أي كون الحكم بنحو صرف الوجود أو مطلق الوجود فيستفاد من دال آخر و بنكتة أخرى عقلية أو لفظية، على ما حققنا ذلك مفصلًا في أبحاث الأوامر.

و المعارضة بين المطلق الشمولي و البدلي ليس بلحاظ الشمولية و البدلية فيهما و إنما بين الإطلاق من طرف و مجموع الإطلاق و الشمولية في الطرف الآخر، إلّا أنه باعتبار صراحة الدال على الشمولية بحيث لا يحتمل عرفاً

____________

(1)- نقل بتصرف عن مصباح الأصول ص 378.

286

التصرف فيها سوف يتمركز التعارض بين الدال على الإطلاق في كل منهما، فلا موجب لترجيح أحدهما على الآخر.

هذا، و يمكن تقريب تقديم المطلق الشمولي على البدلي بأحد وجوه:

الأول- أن يقال بأقوائية الظهور الإطلاقي في المطلق الشمولي من الظهور الإطلاقي في المطلق البدلي، لأنه يتكفل أحكاماً عديدة بنحو الانحلال بخلاف المطلق البدلي الّذي لا يتكفل إلّا حكماً واحداً، و أما الترخيصات المستفادة منه بالالتزام فهي أحكام وضعية انتزاعية، بمعنى أنها ترخيصات في تطبيق ذلك الحكم الواحد على أي فرد من أفراد الطبيعة يختاره المكلف، فيدّعي أن التعهد العقلائي أو الغلبة الخارجية على إرادة المتكلم لتمام مدلول الخطاب إثباتاً و عدم إرادة خلافه- الّذي هو ملاك الظهور الإطلاقي في المطلق الشمولي- أقوى و آكد منهما في المطلق البدلي، لأن الاهتمام النوعيّ ببيان أصل حكم برأسه أشد من الاهتمام ببيان حدوده و تطبيقاته سعة و ضيقاً، فيندرج المقام في باب تقديم أقوى الظهورين على أضعفهما الّذي تقدم أنه أحد أقسام التعارض غير المستقر و الجمع العرفي. و لعل هذا التقريب هو مقصود الميرزا- قده- من كلامه الّذي نقلناه آنفاً.

الثاني- تطبيق كبرى حققناها في بحث اجتماع الأمر و النهي لتقديم دليل الحكم الإلزاميّ على دليل الحكم الترخيصي بدعوى: أن المطلق البدلي يستبطن الترخيص في تطبيق الحكم على أي فرد شاء من أفراد الطبيعة، فيعامل معه معاملة الدليل الترخيصي.

و التحقيق: ان تلك الكبرى لا تنطبق في المقام، لأنها تحاول نفي المعارضة بين الدليل الإلزاميّ و الدليل الترخيصي بدعوى: أنه لا يستفاد من الدليل الترخيصي عرفاً أكثر من إثبات الترخيص لعدم المقتضي في ذلك العنوان الترخيصي للإلزام، فلا ينافي ثبوت حكم إلزامي بلحاظ عنوان آخر منطبق‏

287

عليه إذا لم يكن ملازماً معه، و هذا الأمر لا يمكن تطبيقه فيما نحن فيه، لأن المفروض دلالة الدليل البدلي على الحكم الإلزاميّ، كما أن المفروض عدم اجتماعه مع الحكم الشمولي في مادة الاجتماع، إذ لو لا ذلك لم يكن بينهما تعارض أصلًا، و لما احتيج إلى تقديم أحدهما على الآخر. و مجرد استلزام الحكم البدلي للترخيصات الشمولية لا ينفع في دفع هذه المعارضة.

نعم لو ادعي- كمصادرة إضافية على تلك الكبرى- أن العرف يفهم من الإطلاق البدلي الّذي مرجعه إلى الترخيص في تطبيق الواجب على أي فرد شاء من الطبيعة عدم المقتضي لتقييده قدّم الإطلاق الشمولي عليه باعتباره مقتضياً للتقييد، و لعل هذا مقصود الميرزا- قده- مما ينقل عنه من أن إطلاق المطلق البدلي متوقف على عدم المانع من تطبيق الطبيعة على أي فرد و الإطلاق الشمولي مانع.

الثالث- تطبيق مبنى المحقق النائيني- قده- في باب الواجب الموسع من اقتضاء الأمر اختصاص متعلقه بالحصة المقدورة عقلًا و شرعاً بمقتضى ظهور الأمر في الباعثية و المحركية التي لا تكون إلّا في حق الحصة المقدورة عقلًا و المحرّم الشرعي كالممتنع العقلي، فإنه بناء على هذا المبنى يقال في المقام: أنه إذا ورد (أكرم فقيراً، و يحرم إكرام الفاسق) قدمنا مقتضى دليل الحكم الشمولي- و هو الحرمة- على مقتضى دليل الحكم البدلي- و هو الوجوب- فيحكم بحرمة إكرام الفقير الفاسق- لأن الإطلاق الشمولي يثبت حكماً تعيينياً على كل فرد من أفراد الطبيعة، فيكون بشموله للفقير الفاسق مستوجباً لأن يكون إكرامه غير مقدور شرعاً. فيكون رافعاً لموضوع الأمر البدلي.

و فيه، أولا: عدم تمامية المبنى في نفسه، على ما أشرنا إليه في محله.

ثانياً: اختصاصه بما إذا كان المطلق الشمولي متضمناً لحكم إلزامي، فلا يتم في جميع موارد التعارض بين المطلق الشمولي و المطلق البدلي.

288

ج- نظرية انقلاب النسبة:

و يقصد بانقلاب النسبة ما إذا ورد مخصص لأحد المتعارضين بنحو لو لوحظ المتعارضان بعد إعماله انقلبت النسبة بينهما من التعارض المستقر إلى التعارض غير المستقر. و فحوى هذه النظرية أنه لا بد في هذه الحالة من تطبيق قواعد التعارض غير المستقر على المتعارضين، و مرد هذا البحث بحسب الحقيقة إلى تشخيص النسبة بين الدليلين المتعارضين و أنه هل ينبغي أن تلحظ بالقياس إلى مدلولهما مع قطع النّظر عما يرد على كل منهما من القرائن المنفصلة أو تلحظ بعد إعمال تلك القرائن، و فيما يلي نتحدث عن نظرية انقلاب النسبة في ثلاث جهات:

الجهة الأولى- في تحقيق حال أصل النظرية و أن النسبة بين الدليلين المتعارضين هل تنقلب حقاً بعد ورود مخصص لأحدهما أم لا؟

المشهور بينهم عدم الانقلاب. إلّا أن مدرسة المحقق النائيني- قده- قد جعلت هذه النظرية نتيجة طبيعية لما تقدم في نظرية التخصيص من المصادرات المفترضة و جعلتها من تطبيقاتها الواضحة التي يكفي.- بحسب زعمها- مجرد تصورها للتصديق بصحتها.

و المتحصل من مجموع كلمات هذه المدرسة في البرهنة على هذه النظرية يمكن إرجاعه إلى أحد بيانين:

البيان الأول: و يتركب من مقدمتين. أولاهما- أن المعارض لا يكون معارضاً إلّا بمقدار ما يكون حجة فيه إذ لا معنى لمعارضة الحجة مع اللاحجة.

ثانيتهما- أن كبرى القرينية و الجمع العرفي بين العام و الخاصّ التي تقدم الحديث عنها في بحث التعارض غير المستقر بصورة مفصلة تقتضي قرينية كل حجة أخص على الحجة الأعم.

و بناء على التسليم بهاتين المقدمتين، إذا ورد على أحد الدليلين المتعارضين‏

289

ما يخصص مدلوله بنحو يكون ما عدا المقدار المخصص أخص من معارضه، فسوف يكون المقدار الحجة من العام المخصص أخص من المعارض الآخر، فيتقدم عليه بقانون التخصيص. و نحن لا نشك في صحة المقدمة الأولى من هاتين المقدمتين و إنما نختلف مع هذه المدرسة في المقدمة الثانية التي رتبتها و ادعت بداهتها بعد الفراغ عن نظرية التخصيص. و الواقع أن مجرد الفراغ عن نظرية التخصيص و الجمع العرفي بين العام و الخاصّ بحمل العام على الخاصّ لا تثبت ما حاولته هذه المدرسة من تقديم كل حجة أخص على حجة أعم.

ذلك أن كل دليل لفظي يتضمن اعتبارين، اعتبار أنه كلام له ظهور كاشف عن مرام المتكلم، و اعتبار أنه حجة في إثبات ذلك المرام. و المعارضة بين الدليلين و إن كان بلحاظ الاعتبار الثاني دائماً، لأن التعارض إنما هو التنافي في الحجية، إلّا أن المصادرة العقلائية الإضافية زائداً على الحجية التي كانت هي مدرك نظرية التخصيص كما يُعقل أن تقتضي تقديم الخاصّ بما هو حجة على العام، كذلك يعقل أن تقدم الخاصّ بما هو كلام ظاهر على العام، و تشخيص أن ملاك التقديم أي الأخصيتين لم يتقدم البحث عنه و لم يُقم برهان عليه.

فلا يصح تفريع هذه المسألة على تلك. بل لا بد من تحقيق ذلك في هذا المقام، على ما سوف يأتي إن شاء اللّه تعالى.

البيان الثاني: و يترتب من مقدمتين أيضا، أولاهما- أن كل كلام يصدر من المولى يحتوي على ثلاثة ظهورات، الظهور التصوري، و الظهور التصديقي الاستعمالي، و الظهور التصديقي الجدي،- و قد تقدم شرح هذه الظهورات- و المخصص سواء كان متصلًا أو منفصلًا يرفع الظهور الثالث لا محالة، حيث يكشف عن عدم إرادة العموم جداً، و إنما يختلف المخصص المتصل عن المنفصل في ارتفاع الظهور الثاني بل الأول أحياناً.

ثانيتهما- ان كل دليل يكشف عن المراد الجدي و يكون بحسب ظهوره الكاشف أخص مطلقاً من الدليل الآخر يتقدم عليه بالتخصيص. و على‏

290

أساس هاتين المقدمتين تكون النظرية واضحة الصحة، فإنه إذا ورد التخصيص على أحد المتعارضين ارتفع ظهوره الكاشف عن إرادة العموم جداً و أصبح المراد منه ما عدا مقدار التخصيص- بحكم المقدمة الأولى- فينقلب أخص مطلقاً- بحسب هذا الظهور المتبقي- من معارضه، فيتقدم عليه بالتخصيص- بحكم المقدمة الثانية-.

و تعليقنا على هذا البيان: أنه ما ذا يراد بارتفاع الظهور الكاشف عن المراد الجدي في موارد التخصيص بالمنفصل؟ فهل يراد ارتفاع نفس الدلالة التصديقية على الإرادة الجدية التي هي من الدلالات الحالية، أو المراد ارتفاع حجية هذه الدلالة. فإذا أريد الأول كانت المقدمة الأولى من المقدمتين اللتين تألف منهما البيان مرفوضة، لوضوح أن الدليل المنفصل لا يرفع الظهور الحالي في جديّة ما أظهره المتكلم بكلامه إذ بعد انعقاد هذا الظهور على أساس القرائن الحالية و المقالية المكتنفة بالكلام لا معنى لانثلامه و انقلابه عمّا وقع عليه.

أضف إلى ذلك: أن الالتزام بارتفاع الظهور التصديقي بالمخصص المنفصل يستلزم محذور الإجمال دائماً في موارد احتمال المخصص المنفصل بنحو لا يمكن التمسك لنفيه بأصالة العموم، نظير ما كان يلزم من القول بتوقف الظهور الإطلاقي في المطلق على عدم البيان المنفصل، لأن الحجة في الكشف عن المراد في الأدلة اللفظية إنما هو هذا الظهور التصديقي، فلو كان ثبوته موقوفاً على عدم ورود المخصص الكاشف عن الخلاف و لو منفصلًا كان احتمال وروده مستلزماً لإجمال الظهور التصديقي و عدم إمكان التمسك به.

و إن أريد الثاني، و أن المخصص المنفصل يرفع حجية الظهور التصديقي فالمقدمة الأولى تامة و لكن المقدمة الثانية سوف تكون راجعة إلى البيان الأول و هو دعوى: أن الميزان في التخصيص أن يكون أحد الظهورين بما هو حجة أخص من الآخر و إن لم يكن كذلك بما هو ظهور.

291

و الصحيح: عدم انقلاب النسبة بين الدليلين المتعارضين، لأن كل النكات و المصادرات المتقدمة لتخريج نظرية التخصيص لا تقتضي أكثر من تقديم الخاصّ بحسب ظهوره على العام. و توضيح ذلك: أن الوجوه التي ذكرناها لتخريج نظرية التخصيص المنفصل ثلاثة. و كلها لا تصلح لإثبات انقلاب النسبة. أما الأول، و هو أن يقال بإلغاء الفواصل الزمنية بين الخطابات الشرعية في مقام اقتناص المراد منها. فلو أريد به الإلغاء الحقيقي فهذا واضح البطلان و لم يدعه أحد أيضا، إذ لازمه عدم انعقاد الظهور من العموم لا في موارد التخصيص بالمنفصل و لا في موارد مجي‏ء المعارض. و إن أريد به اعتبار تلك الفواصل ملغية بين ذي القرينة و القرينة فحسب- كالعام مع مخصصه مثلًا- فمن الواضح أن هذا لا يقتضي الانقلاب إلّا بافتراض مصادرة زائدة، أي بافتراض إلغاءين طوليين. أحدهما، إلغاء الفاصل الزمني بين العام و الخاصّ و اعتبارهما بحكم الكلام المتصل. و الآخر، إلغاء الفاصل الزمني بين العام الآخر و هذا الكلام المتصل الّذي تكوّن ببركة الإلغاء الأول. فما لم يدّع الإلغاء الثاني لا يمكن تفسير انقلاب النسبة على هذا الأساس. و هذا معنى احتياج تطبيق ذلك التخريج إلى افتراض مصادرة زائدة تتمثل في الإلغاء الثاني، بينما التخصيص الساذج الاعتيادي لم يكن يتوقف إلّا على التسليم بالإلغاء الأول، و لا ملازمة بين الإلغاءين كما هو واضح.

و أما الثاني- و هو أن يكون المخصص المنفصل منزلًا في الآثار الشرعية منزلة المخصص المتصل تعبداً فلأن غاية ما يفترض فيه من عناية التنزيل إلغاء خصوصية الانفصال تعبداً و تنزيلًا مع التحفظ على الشرائط الأخرى التي لا بد من توفرها في المخصص المتصل من قبيل كونه بحسب الظهور أخص، و هذا لا ينطبق في المقام، فإن العام المخصص بالمنفصل ليس مصداقاً لموضوع دليل التنزيل لأن الموضوع الّذي يعطيه دليل التنزيل حكم الأخص المتصل هو الأخص المنفصل و العام المخصص بالمنفصل ليس أخص. نعم إذا افترضنا

292

تنزيلين طوليين أحدهما تنزيل العام المخصص بالمنفصل منزلة العام المخصص بالمتصل- و هذا ينتج أن العام المخصص بالمنفصل يصبح بمثابة أخص منفصل بالنسبة إلى العام الآخر- و الثاني تنزيل هذا الأخص المنفصل بسبب التنزيل الأول منزلة أخص متصل بالعامّ المذكور، تم انقلاب النسبة، إلّا أن هذه عناية زائدة على التنزيل المفترض في هذا الوجه أيضا.

و أما الثالث- و هو تطبيق القاعدة التي تقول: كل ما كان على تقدير اتصاله قرينة هادمة للظهور كان على تقدير انفصاله هادماً للحجية، و المخصص كذلك. فربما يتوهم إمكان تخريج نظرية انقلاب النسبة على أساسه. لأنا إذا جمعنا بين الأدلة الثلاثة- الدليلان المتعارضان و المخصص المنفصل لأحدهما- و افترضنا صدورهما في مجلس واحد ارتفع التعارض من البين و أصبح العام المخصص أخص من معارضه و هادماً لعمومه فلا بد و أن يكون في فرض الانفصال هادماً لحجيته.

إلّا أن هذا التطبيق يحتوي على مغالطة، لأن الّذي يكون على تقدير اتصاله هادماً للعموم إنما هو العام المتصل به مخصصه و مقتضى تطبيق القاعدة المذكورة- بدون إضافة مصادرة جديدة- أن العام المتصل به مخصصه كما يكون قرينة تهدم ظهور العام الآخر في فرض الاتصال يكون أيضا قرينة تهدم حجيته في فرض الانفصال. و من الواضح أن هذا لا يصدق في محل الكلام، إذ لا يوجد عندنا عام متصل به مخصص إلى جانب العام الآخر لا متصلًا به و لا منفصلًا عنه، فلا بد من إضافة مصادرة جديدة من قبيل أن يقال مثلًا: إن كل كلامين كانا على فرض اتصالهما يشكلان قرينة على كلام ثالث بموجب القاعدة السابقة فهما يشكلان نفس القرينة على الكلام الثالث أيضا مع عدم اتصال أحدهما بالآخر، و من الواضح أن هذا معنى زائد أيضا لم يكن مفترضاً في القاعدة المصححة لقرينية الخاصّ سابقاً و لم يكن يحتاجه مدعي القرينية في موارد التخصيص الاعتيادي. و هذا يعني أن قانون انقلاب النسبة و كونه‏

293

جمعاً عرفياً لا يكفي في استنباطه المقدار الّذي يحتاجه من مصادرات عقلائية إثبات القرينية في موارد التخصيص الاعتيادي.

و هناك وجه آخر لتصحيح انقلاب النسبة على أساس القاعدة الميرزائية بدلًا عن إضافة مصادرة جديدة و هو أن يقال: إن المراد بالأخصية التي هي ميزان القرينية الهادمة للظهور على فرض الاتصال و للحجية على فرض الانفصال أخصية ما هو المقدار الحجة لا أخصية ذات المدلول. و هذا أيضا افتراض لمعنى واسع للقاعدة الميرزائية لم يكن يتوقف عليه تفسير قرينية المخصص المنفصل في الموارد الاعتيادية، إذ في تلك الموارد كما يكون المخصص المنفصل أخص بما هو حجة كذلك هو أخص بلحاظ ذات مدلوله، فالتسليم بأن الأخصية ملاك للقرينية بموجب تلك القاعدة لا يكفي تخريجاً لعرفية انقلاب النسبة و كونه جمعاً عرفياً إلّا مع إثبات كون الأخصية ملحوظة بالنسبة إلى مقدار ما هو حجة من مفاد الدليل لا إلى ذاته.

و الصحيح: أن الأخصية التي هي ميزان القرينية بحسب المرتكز العقلائي إنما هي الأخصية بلحاظ ذات المدلول لا بلحاظ المقدار المعتبر منه، لأن النكتة النوعية الملحوظ عقلائياً في هذه القرينية بعد وضوح أن البناءات العقلائية في أمثال المقام ليست تعبدية و إنما هي بنكات الطريقية و الكاشفية، هي أن الأخصية توجب مرتبة من تركيز نظر الدليل على الحكم الخاصّ أقوى من مرتبة تركيز نظر الدليل العام على ذلك الحكم الخاصّ المشمول له بالعموم، و هو معنى الأظهرية النوعية. و من الواضح أن هذه الدرجة من التركيز التي تشكل نكتة للأظهرية النوعية و بالتالي لقرينية الخاصّ على العام إنما هي من شئون الأخصية بلحاظ ذات المدلول لا الأخصية بلحاظ ما هو المقدار الحجة منه، لأن مجرد سقوط جزء من المدلول عن الحجية لسبب خارجي لا يغير شيئاً من درجة ظهور اللفظ بالنسبة إلى باقي الأفراد، و لا يعطي للدليل ظهوراً أشد بالنسبة إلى تلك الأفراد الباقية لكي يصلح للقرينية على عام ما. نعم غاية

294

الأمر أنه يعلم من الخارج بأن هذا الدليل الّذي سقط جزء من مدلوله عن الحجية لسبب خارجي لو كان له محصّل و مفاد جدّي فهو في الأفراد الباقية، و أما درجة دلالة لفظ الدليل على تلك الأفراد و قوة ظهوره في إرادتها فلا تختلف بعد التخصيص عنها قبله. فهو نظير القدر المتيقن من الخارج، فإن القدر المتيقن من الخارج لا يجعل الدليل صريحاً بنحو يصلح للقرينية على تخصيص دليل آخر، و لهذا لا يكون قوله (ثمن العذرة سحت) مخصصاً لقوله (لا بأس بثمن العذرة) بغير ما هو القدر المتيقن منه لأن هذا التيقن لا يجعل دلالة الدليل بما هو دليل على حكم عذرة ما لا يؤكل لحمه نصاً أو أقوى من دلالته على حكم عذرة ما يؤكل لحمه.

و هكذا يتضح: عدم كفاية شي‏ء من الوجوه التي تقدمت في نظرية التخصيص لإثبات انقلاب النسبة. و أنه لا بد من افتراض مصادرة إضافية إذا أريد إثباته.

الجهة الثانية- في استعراض صور التعارض بين الدليلين المتعارضين إذا ورد على أحدهما أو كلاهما مخصص منفصل ليتبين موارد تطبيق نظرية انقلاب النسبة

، و توضيح حال بعض النتائج المتفقة معها غير المبتنية عليها مما قد يتوهم ابتنائها عليها. و قبل البدء بذكر صور التعارض لا بد من توضيح ما يلي: إن هناك نكتتين ينبغي التمييز بينهما.

الأولى- إذا كان أحد الدليلين بحسب ما هو حجة من مدلوله أخص من الدليل الآخر تقدم عليه بالتخصيص و لو لم يكن بحسب تمام مدلوله أخص.

و هذه هي نكتة نظرية انقلاب النسبة التي لم نوافق عليها في الجهة السابقة.

الثانية- إن أحد الدليلين المتعارضين إذا سقط عن الحجية في شي‏ء من مدلوله كان معارضه حجة في ذلك المورد لا محالة، و إن كان التعارض باقياً بينهما بلحاظ الموارد الباقية تحت ما هو الحجة من مدلول كل منهما. و هذه‏

295

النكتة تامة و غير مرتبطة بانقلاب النسبة إذ لا شك في أن التعارض و التساقط بين الدليلين في أي جزء من مدلولهما فرع ثبوت مقتضي الحجية لهما في ذلك الجزء، فإذا لم يكن مقتض للحجية في أحدهما لم يكن مانع من حجية الآخر، كما هو واضح.

و على هذا الضوء نقول: هنالك صور ثلاث رئيسية لانقلاب النسبة ينبغي استعراضها بما تحتوي عليها كل واحدة من شقوق و أقسام.

الصورة الأولى- المتعارضان بنحو التباين كما إذا ورد (تستحب الصدقة على كل فقير) و ورد (تكره الصدقة على فقير) مع افتراض ورود مخصص بأحد الأنحاء التالية:

النحو الأول- أن يرد دليل واحد يخصص أحدهما فقط. كما إذا ورد (لا تستحب الصدقة على الفقير الهاشمي) الّذي هو مخصص دليل الاستحباب.

و هذا هو القدر المتيقن من موارد تطبيق نظرية انقلاب النسبة حيث يجمع بين الأدلة الثلاثة بتخصيص دليل الاستحباب ثم تخصيص دليل الكراهة بدليل الاستحباب المخصص، بناء على انقلاب النسبة بينهما. و على القول بعدم انقلاب النسبة يحكم بتساقط الدليلين المتعارضين في غير مورد المخصص مع الأخذ بمفاد العام غير المخصص في مورد تخصيص العام المخصص على أساس النكتة الثانية المتقدمة.

النحو الثانية- أن يرد دليل واحد يخصص كلا العامين المتعارضين بالتباين، كما إذا ورد (تحرم الصدقة على الفقير الهاشمي) المخصص لدليل الاستحباب و الكراهة معاً. و في هذه الحالة يبقى التعارض بين العامين مستحكماً سواء قيل بانقلاب النسبة أم لا. لبقاء نفس النسبة بينهما بعد إعمال التخصيص أيضا.

النحو الثالث- أن يرد مخصصان كل واحد منهما يخصص العامين‏

296

المتعارضين معاً- سواء كان بينهما تعارض بالعموم من وجه المستلزم للتساقط في مورد الاجتماع، أو بالعموم المطلق المستلزم لتقييد أحدهما بالآخر، أو لم يكن تعارض بينهما- فإنه على جميع هذه التقادير تكون النتيجة كما في النحو السابق، حيث تبقى النسبة بين العامين على التباين بعد إعمال التخصيص أيضا.

النحو الرابع- أن يرد مخصصان أحدهما يخصص كلا العامين المتعارضين و الآخر يخصص أحدهما، و هذا تلفيق- بحسب الحقيقة- بين النحوين الأول و الثاني. و في هذه الحالة لا ينتج المخصص المشترك نسبة جديدة بين المتعارضين و إنما لا بد من ملاحظة المخصص المختص، فإن كانت نسبته إلى المقدار الباقي من العام بعد تخصيصه بالمخصص المشترك العموم و الخصوص كان من النحو الأول، و إلّا كان من أحد شقوق النحو الآتي.

النحو الخامس- أن يرد مخصصان كل منهما يتفرد بتخصيص أحد العامين. و هنا شقوق عديدة.

الأول- أن لا يكون تعارض بين المخصصين، بأن يكون موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، كما إذا ورد (لا يكره التصدق على الفقير التميمي) المخصص لدليل الكراهة و ورد (لا يستحب التصدق على الفقير الهاشمي) المخصص لدليل الاستحباب. و هذا الشق تارة: يفترض فيه استيعاب المخصصين معاً حقيقة أو عرفاً لتمام مدلول العامين و أخرى: يفترض عدم استيعابهما لذلك بحيث يبقى مقدار من أفراد العامين غير مشمول للمخصصين ففي الفرض الأول تثبت حجية كل من العامين المتعارضين في مورد تخصيص الآخر على أساس النكتة الثانية المتقدمة، لسقوط مقتضي الحجية عن كل من العامين في مورد التخصيص. فينتج في المثال استحباب التصدق على غير الهاشمي- الّذي يساوق التميمي بحسب الفرض- و كراهته على غير التميمي.

- الّذي يساوق الهاشمي بحسب هذا الفرض- و في الفرض الثاني سوف تكون النسبة بين المقدار الحجة لكل من العامين بعد إعمال التخصيص العموم من‏

297

وجه، فيتعارضان في الأفراد غير المشمولة للمخصصين، و النتيجة على كل حال هو التساقط في مورد الاجتماع و بقاء الحجية لهما في موردي الافتراق- و هما موردا المخصصين- من دون فرق بين القول بانقلاب النسبة، و عدم انقلابهما.

الثاني- أن تكون النسبة بين المخصصين العموم من وجه من حيث الموضوع، سواء كانا متعارضين من حيث الحكم أو لا. فإنه في الحالتين معاً، تكون النتيجة حجية العامين المتعارضين فيما ورد فيه التخصيص على الآخر و التساقط في غيره، إما لانقلاب النسبة بينهما إلى العموم من وجه، أو لأنهما متباينان كما هو على القول بعدم الانقلاب.

الثالث- أن تكون النسبة بين الخاصّين العموم و الخصوص المطلق، فيكون أحدهما أكثر تخصيصاً لعامه من تخصيص الآخر. و هنا أيضا تارة:

يفترض عدم التنافي بين المخصصين و أخرى: يفترض تنافيهما. ففي الحالة الأولى سوف تنقلب النسبة بين العامين المتعارضين إلى العموم و الخصوص المطلق حيث يصبح العام المخصص بأعم الخاصّين أخص من العام المخصص بأخص الخاصّين فيخصص أحدهما بالآخر على القول بانقلاب النسبة، و أما على القول بعدم انقلابها فيقع التعارض بينهما و لا تثبت الحجية إلّا لأحدهما في مورد افتراقه عن الآخر. أي تثبت حجية العام المخصص بأخص الخاصّين في المقدار الزائد من التخصيص الوارد على العام الآخر على أساس النكتة الثانية المتقدمة. و في الحالة الثانية يتخصص أعم الخاصّين بأخصهما فيكون كالشق الأول من حيث ورود مخصصين غير متعارضين على العامين.

الرابع- أن يكون الخاصان متساويين موضوعاً- و لا بد أن يفرض عدم التنافي بينهما حكماً و إلّا سقطا بالمعارضة- و في هذه الحالة تكون النتيجة هي التعارض بين العامين على كل حال أيضا.

الصورة الثانية- المتعارضان بالعموم من وجه، كما إذا ورد (يستحب‏

298

إكرام الشعراء) و ورد (يكره إكرام الفاسق) مع افتراض ورود مخصص بأحد الأنحاء التالية.

النحو الأول- أن يرد مخصص واحد يخرج مورد افتراق أحد العامين عن مدلوله. و في هذه الحالة تنقلب النسبة بين العامين من وجه إلى العموم و الخصوص المطلق فيخصص أحدهما بالآخر بناء على القول بانقلاب النسبة.

و بناء على عدم الانقلاب يبقى التعارض بينهما في مورد الاجتماع على حاله.

النحو الثاني- أن يرد خاص واحد بلحاظ مورد اجتماع العامين من وجه المتعارضين، و في هذه الحالة سواء كان الخاصّ مخصصاً لأحد العامين بلحاظ مورد اجتماعه مع الآخر أو لكليهما، فالنتيجة هي حجية كل من العامين في غير مورد التخصيص، من دون فرق بين القول بانقلاب النسبة و عدمه.

النحو الثالث- أن يرد مخصصان كل منهما يخرج مورد افتراق أحد العامين من وجه و يخصصه فيه كما إذا ورد (يستحب إكرام الشعراء) و ورد (يكره إكرام الفاسق) ثم ورد على الأول مخصص يخرج الشاعر العادل، و على الثاني مخصص يخرج الفاسق الجاهل. و بعد إعمال التخصيص في هذا الحال على العامين المتعارضين سوف يختص المقدار الحجة في كل منهما بمورد الاجتماع فيتعارضان فيه و يتساقطان، من دون فرق بين القول بانقلاب النسبة و عدمه. إلّا أن البحث في هذا القسم إنما يقع في سريان التعارض إلى الخاصّين و عدمه، إذ على القول بسريان التعارض إلى الخاصّين تسقط الأدلة الأربعة جميعاً، و على القول بعدم سريانه إليهما لا يسقط غير العامين المتعارضين.

و قد اختار المحقق النائيني- قده- عدم السريان، و خالفه في ذلك السيد الأستاذ- دام ظله- فحكم بسقوط الأدلة الأربعة جميعاً. و قد أفاد في وجهه:

«و التحقيق هو الثاني، لما ذكرناه سابقاً من أن منشأ التعارض في أمثال هذه المقامات إنما هو العلم الإجمالي بعدم صدور أحد المتعارضين، و في المقام‏

299

ليس لنا علم إجمالي بعدم صدور خصوص أحد العامين من وجه بل لنا علم بعدم صدور أحد هذه الأدلة الأربعة، إذ لو لم يصدر أحد العامين أو أحد الخاصّين لم يكن تناف بين الثلاثة الباقية، أما لو لم يصدر أحد العامين فواضح، و أما لو لم يصدر أحد الخاصّين فلأنه بعد تخصيص أحد العامين يصير أخص من العام الآخر فيخصص به، فإذا لا بد من ملاحظة الترجيح بين الأدلة الأربعة و طرح أحدها و الأخذ بالثلاثة الباقية، و مع فقد الترجيح و الحكم بالتخيير يتخير بين الأدلة الأربعة بطرح أحدها و الأخذ بالباقي» (1).

و هذا البيان غير تام. و ذلك.

أولا- لورود النقض بما إذا ورد مخصصان كل واحد منهما يخصص أحد الدليلين المتعارضين بنحو يبقى التعارض بينهما على حاله بعد التخصيص أيضا، كما إذا كان موضوع الخاصّين واحداً- و قد تقدمت الإشارة إلى حكمه في الحالات السابقة- فإنه لا إشكال في إعمال المخصصين و إيقاع التعارض بين العامين و الحكم فيهما بالتخيير أو الترجيح، سواء قيل بانقلاب النسبة أم لا. مع أنه بناء على ما أفيد في هذا البيان لا بد من إيقاع المعارضة بين الأدلة الأربعة جميعاً للعلم إجمالًا بعدم صدور أحدها بحيث لو تعين في واحد منها لارتفع التعارض المستحكم.

و ثانياً- أن فرضية التعارض بالنحو المذكور غير مخصوص بالأدلة ظنية السند كي يكون العلم الإجمالي بعدم صدور أحدها موجباً لسريان التعارض إلى سندها جميعاً، بل يمكن افتراض هذا اللون من التعارض بين الأدلة قطعية الصدور التي لا يوجد فيها غير الظهورات المتعارضة، و العلم الإجمالي بعدم جدية أحدها منحل بالعلم التفصيليّ بعدم جدية ظهور أحد العامين من وجه للتعارض بينهما على كل تقدير، فلا يبقى مانع من الأخذ بظهور الخاصّين.

____________

(1)- مصباح الأصول ص 400- 401

300

و ثالثاً- أن التعارض السندي يكون بأحد ملاكين.

الملاك الأول- أن يعلم إجمالًا بكذب أحد السندين، بمعنى عدم صدور الكلام عن المعصوم (عليه السلام) رأساً و كذب النقل.

الملاك الثاني- و يتحقق حيث ينقل من قبل راويين كلامان عن المعصوم يحتمل صدورهما معاً غير أن ظاهر كل منهما لا يلائم ظاهر الآخر، فيقع التعارض في دليل حجية الظهور بين ظهوريهما و يسري إلى دليل حجية السند، باعتبار لغوية بقاء حجية السند مع سقوط الدلالة.

فإن قصد السيد الأستاذ- دام ظله- من تعارض الأدلة الأربعة جميعاً حصول التعارض على أساس الملاك الأول- كما يساعد عليه تعبير التقرير حيث عبر بالعلم الإجمالي بكذب أحدها- فهذا الملاك للتعارض لو فرض وجوده فلا إشكال في استلزامه سقوط الأدلة الأربعة جميعاً، لوقوع التكاذب بين شهادة الراوي في كل واحد منها مع شهادة الراوي في الثلاثة الباقية.

إلّا أن وجود مثل هذا العلم الإجمالي عناية زائدة لم تفترض في المسألة، و مجرد فرض التعارض بين الظهورات لا يستلزم العلم بعدم صدور أحدها و كذب الراوي في مقام النقل، لوضوح إمكان صدور البيانات المتعارضة عن المعصومين (عليهم السلام). فلو فرض وجود علم إجمالي من هذا القبيل في مورد ما فهو لعناية إضافية، لو تمت اقتضت إجمال السند و لو لم يكن تعارض بحسب الدلالة، كما إذا ورد عام و خاص و علم إجمالًا بكذب أحد السندين.

و إن كان مقصوده- دام ظله- التعارض على أساس الملاك الثاني، فالتعارض على هذا الأساس إنما يسري إلى السند فيما إذا أجملت الدلالة و سقط الظهور عن الحجية، بأن كان التعارض الدلالي مستحكماً و لا تعارض كذلك بالنسبة إلى دلالة المخصصين في المقام، إذ لو ادعي ذلك على أساس تعارض كل خاص مع مجموع العامين و الخاصّ الآخر، فالجواب: أن هذه المعارضة

301

غير مستقرة فيما نحن فيه، لأن الخاصّ مقدم على العام المعارض له بالقرينية و المقدم على أحد أجزاء المجموع مقدم على المجموع فلا يعقل أن يكون معارضاً معه، و السر فيه: أنه لا يوجد هنا تعارض مستحكم بين أطراف أربعة، و إنما توجد ثلاث معارضات كل منها بين طرفين، المعارضة بين الخاصّ مع عامه في كل طرف و المعارضة بين العامين بنحو العموم من وجه. و الأوليان غير مستقرتين و إنما المستقر المعارضة الثالثة فحسب سواء قيل بانقلاب النسبة أم لا، أما على الثاني فواضح، و أما على الأول فلأنه لا وجه لملاحظة تخصيص أحد العامين بمخصصه قبل الآخر حتى يصبح ذلك العام أخص مطلقاً من العام الآخر، فإنه ترجيح بلا مرجح.

و إن ادعي ذلك على أساس أن كلًا من العامين يعارض مجموع دليلين المخصص و العام الآخر، لأنهما بمجموعهما مستوعبان لتمام مدلول العام، فيكون نظير استيعاب المخصصات لتمام مدلول العام. فالجواب: أن المجموع المركب من العام الآخر و المخصص و إن كان معارضاً مستوعباً لتمام مدلول العام الأول إلّا أن هذه المعارضة منحلة إلى تعارض غير مستقر و تعارض مستقر، لأن هنالك معارضتين إحداهما بين العام و مخصصه، و الأخرى بين العامين من وجه. و المعارضة الأولى فيها جمع عرفي فلا تكون من التعارض المستقر حتى يسري إلى السند. و لا يقاس بموارد استيعاب المخصصات لتمام مدلول العام، لأن كل واحد من المخصصات لو لوحظ وحده كانت معارضته للعام غير مستقرة، إلّا أنه لا يمكن تقديمها على العام، لا جمعاً و لا بدلًا، فتسقط الجميع عن الحجية.

إن قلت- إن قواعد الجمع العرفي إنما تكون من أجل علاج التعارض غير المستقر و الجمع بين الأدلة بنحو لا تسقط عن الحجية، فلا تنطبق فيما إذا لزم من تطبيقها إلغاء دليل رأساً، كما في المقام.

و إن شئت قلت: إن نظرية التخصيص بالمنفصل لما كانت بملاك التوسعة

302

في القرينية و تنزيل المخصص المنفصل منزلة المتصل، فلا تقتضي التخصيص إلّا في مورد لو فرض اتصال الأدلة المتعارضة، كانت القرينية محفوظة، و هذا غير محفوظ في المقام، إذ لو فرض اتصال الأدلة الثلاثة جميعاً و صدورها في مجلس واحد لم يكن التعارض بين العامين فقط بل كان الإجمال سارياً إلى الأدلة الثلاثة كلها.

قلت: إن قواعد الجمع العرفي ليس من أجل علاج التعارض بين الأدلة بنحو لا تسقط عن الحجية بحيث يكون تطبيقها مشروطاً بعدم استلزامه إلغاء حجية أي واحد من المتعارضين. و إنما هي من أجل التقريب نحو مراد المتكلم فلا موجب لعدم تطبيقها إذا تمت مقتضياتها و لو لزم منه إلغاء دليل برأسه، و إنما لم يطبق التخصيص على المخصصات المستوعبة لتمام مدلول العام الواحد باعتبار عدم تمامية المقتضي فيها، لعدم صلاحية مجموعها للقرينية و الكشف عن المراد من العام، و بعضها و إن كان صالحاً لذلك إلّا أن ترجيحه على غيره بلا مرجح.

و على هذا الأساس، لو فرض صدور الأدلة الأربعة في مجلس واحد متصلًا. كان كل من الخاصّين تام الاقتضاء في الكشف عن المراد من العام المتصل به. و ينحصر التعارض و الإجمال في العامين فقط. و يكون هذا من قبيل ما إذا لم تنعقد دلالة تصورية من أول الأمر في العامين إلّا بلحاظ مورد اجتماعهما فحسب، كما لو قيد مدخول أداة العموم في كل منهما بمورد اجتماعه مع الآخر.

و هكذا يتضح أن مجرد كون رفع اليد عن أحد الأدلة موجباً لارتفاع التعارض المستقر فيما بينها لا يشكل مقياساً فنياً لسريان التعارض إليها جميعاً.

بل لا بد من تحديد مركز التعارض في كل منها و تشخيص ما يكون منها غير مستقر فيطبق عليه قواعد الجمع العرفي، و ما يكون منها مستقراً فيطبق عليه الترجيح أو التخيير أو التساقط.

303

الصورة الثالثة- العام الواحد مع ورود تخصيصات عديدة عليه، و من أجل سهولة استيعاب حكم هذه الصورة بشقوقها، نفترض ورود مخصصين بأحد الأنحاء التالية:

النحو الأول- أن يكون المخصصان بحسب الموضوع متباينين، فيكون ما يشمله أحدهما غير ما شمله الآخر، و يفرض عدم استيعابهما لتمام مدلول العام تارة، و استيعابهما له أخرى و لو عرفاً. ففي الفرض الأول لا ريب في تقديم المخصصين معاً على العام تطبيقاً لقاعدة التخصيص، سواء قيل بانقلاب النسبة أولا. و في الفرض الثاني يقع التعارض بين العام و مجموع الخاصّين و هو تعارض مستقر يسري إلى السند في الأدلة الثلاثة، كما تقدمت الإشارة إليه.

النحو الثاني- أن يكون المخصصان بحسب الموضوع عامين من وجه، فإن كانا بمجموعهما مستوعبين تمام مدلول العام فحكمه حكم القسم الثاني من النحو المتقدم، و إن كانا غير مستوعبين فحكمه حكم القسم الأول من النحو المتقدم إلّا أنه يختلف عنه في وجود مجال لتوهم انقلاب النسبة في هذا النحو- على القول به- لو لوحظت النسبة بين العام مع أحد المخصصين بعد تخصيصه بالآخر. و لكنه توهم لا يذهب إليه حتى القائلين بانقلاب النسبة، لأن نسبة الخاصّين إلى العام على مستوى واحد فملاحظة أحدهما في التخصيص قبل الآخر ترجيح بلا مرجح. و منه يعرف أيضا حال دعوى: تخصيص العام بمورد اجتماع المخصصين، إذا كانا غير متنافيين أولا إعمالًا لكلا المخصصين، ثم ملاحظة النسبة بين العام و بين موردي الافتراق من المخصصين و قد انقلبت إلى العموم من وجه، فإن هذا أيضا مستلزم لمحذور الترجيح بلا مرجح، لأن الخاصّ قرينة على العام بتمام مفاده فملاحظة جزء من مفاده في مقام التخصيص قبل جزئه الآخر ترجيح بلا مرجح.

و أيا ما كان، فالمخصصان في هذا النحو من التعارض تارة: يكونان متنافيين و أخرى: لا يكونان كذلك. و يحكم في الحالة الأولى بالتعارض بين الخاصّين‏

304

في مورد الاجتماع و الرجوع فيه إلى العام بوصفه مرجعاً فوقياً، و يخصص العام بهما في موردي الافتراق من دون فرق بين القول بانقلاب النسبة و عدمه.

و أما في الحالة الثانية فإن كان الخاصان صادرين في زمان واحد خصص العام بكل منهما لا محالة، من دون فرق بين القول بانقلاب النسبة و عدمه، لما أشرنا إليه من أن نسبة المخصصين إلى العام على حد واحد فلا وجه لملاحظة أحدهما مع العام قبل الآخر، أو تخصيص العام أولا بهما في مورد الاجتماع ثم ملاحظة العام مع الخاصّين في موردي الافتراق كي تكون النسبة عموماً من وجه.

و إن كان الخاصان مترتبين زماناً، فقد أثار فيه السيد الأستاذ- دام ظله- شبهة ثم حاول الإجابة عليها.

«أما الشبهة- فهي أن العام بعد ورود المخصص المتقدم لا يكون حجة إلّا في المقدار الباقي، إذ به يكشف عدم تعلق الإرادة الجدية من لفظ العام بالمقدار المشمول له، فحين ورود المخصص الثاني تكون النسبة بينه و بين العام المخصص العموم من وجه لا محالة.

و أما الجواب: فهو أن الأئمة (عليهم السلام) كلهم بمنزلة متكلم واحد، فإنهم يخبرون عن الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة في عصر النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و لهذا يخصص العام الصادر من أحدهم بالخاص الصادر من الآخر منهم، فإنه لو لا أن كلهم بمنزلة متكلم واحد لا وجه لتخصيص العام في كلام أحد بالخاص من شخص آخر. فإذاً يكون الخاصّ الصادر من الصادق (عليه السلام) مثلًا مقارناً مع العام الصادر من أمير المؤمنين (عليه السلام) مثلًا بحسب مقام الثبوت و إن كان متأخراً عنه بحسب مقام الإثبات، و كذا الخاصّ الصادر من الباقر (عليه السلام) مثلًا، فكما أن الخاصّ المقدم زماناً يكشف عن عدم تعلق الإرادة الجدية من لفظ العام بالمقدار المشمول له، كذلك الخاصّ المتأخر يكشف عن عدم تعلق الإرادة