بحوث في علم الأصول - ج7

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
418 /
305

الجدية من لفظ العام بالمقدار الّذي يكون مشمولًا له، و كلاهما في مرتبة واحدة (1).

و التحقيق: أن هذا الكلام ليس جواباً على هذه الشبهة و إنما هو جواب على شبهة أخرى وقع الخلط بينهما. و توضيح ذلك: أن حديث نظر الخطابات الشرعية إلى زمان واحد- و هو زمان التشريع- يثبت أن زمان مدلول الخطابات كلها واحد و ليس كل خطاب يشرع به حكم جديد من حين صدور الخطاب و بهذا يتم الجواب على شبهة أخرى تورد في عكس مسألتنا، و هو ما إذا ورد خاص متقدم على عامه، حيث يشكل على تخصيص العام به: بأن النسبة بينهما عموم من وجه، لأن الخاصّ يشمل الأفراد في الزمن قبل مجي‏ء العام بخلاف العام فلا تكون النسبة العموم و الخصوص المطلق بل من وجه. فيكون الجواب بالالتفات إلى النكتة التي أبرزها السيد الأستاذ في المقام، فإنه إذا كانت الخطابات كلها تكشف عن أحكام ثابتة و مشرّعة في زمن واحد فالنسبة بينهما لا تختلف، سواء تقدم العام أو الخاصّ.

إلّا أن هذه النكتة أجنبية عن الشبهة المثارة في هذا البحث، لأن جهة الإشكال أن العام لا يبقى حجة بعد المخصص الأول إلّا في الباقي، و كون الخطاب يكشف عن أحكام مشرعة في زمان واحد لا يجعل الخاصّ الثاني حجة قبل وروده، بل الحجة قبله هي العموم، فإذا كان الميزان في التخصيص ملاحظة النسبة بين المقدار الحجة من كل دليل- كما هو مبنى انقلاب النسبة- فلا محالة تكون النسبة بين المقدار الحجة من العام حين مجي‏ء المخصص الثاني العموم من وجه، فالإجابة على هذه الشبهة لا بد و أن تكون بتوحيد زمان الدال و الحجة لا الدال و المدلول، كما هو واضح.

و الصحيح في الجواب: أن تحكيم المخصص على العام و تخصيصه به في‏

____________

(1)- مصباح الأصول ص 393.

306

كل زمان موقوف على حجية الخاصّ في ذلك الزمان، فليس ورود الخاصّ في زمان معناه ارتفاع حجية العام إلى الأبد، و لذلك يرجع العام حجة فيما إذا ورد عليه مخصص أو معارض بعد ذلك، و على هذا الأساس يعرف: أن تخصيص العام في زمن ورود الخاصّ الثاني بالنسبة إلى كل من المخصصين موقوف على حجية ذلك المخصص في ذلك الزمان، و لا تجدي حجيته في زمن أسبق، و من الواضح، أن حجية كل واحد من المخصصين في زمان صدور الخاصّ الثاني في رتبة واحدة، و إن كانت إحدى الحجيتين بقائية و الأخرى حدوثية. فتخصيص العام بإحداهما قبل الأخرى ترجيح بلا مرجح.

و لو لا هذه النكتة للزم تأسيس فقه جديد بملاحظة الأدلة الشرعية المتعارضة و تحديد النسب و العلاقات فيما بينها.

النحو الثالث- ما إذا كانت النسبة بين الخاصّين العموم و الخصوص المطلق، و في هذا النحو من التعارض، تارة: يفرض ورود أخص المخصصين منفصلًا عن العام، و أخرى: يفرض اتصاله به.

أما الفرض الأول، فالحكم فيه هو تخصيص العام بكلا المخصصين، سواء كان بينهما تناف أم لا و سواء قيل بانقلاب النسبة أم لا، إذ لا وجه لملاحظة أحد المخصصين في مقام التخصيص قبل الآخر على ما تقدم شرحه.

و أما الفرض الثاني، فتارة: لا يكون العام المخصص قد ورد في دليل آخر مجرداً من مخصصه المتصل، و أخرى: يكون كذلك. ففي الحالة الأولى، كما إذا ورد- أكرم كل شاعر، و لا تكرم الكذاب منهم- و ورد في دليل منفصل- لا يجب إكرام الشاعر الفاسق- لا بد من معاملة العام المخصص بالمتصل مع المخصص المنفصل معاملة العامين من وجه، سواء قيل بانقلاب النسبة أم لا، لأن العام لم ينعقد ظهوره في العموم من أول الأمر. لاتصال القرينة على التخصيص.

نعم، لو فرض أن الخاصّ المتصل كان مخالفاً مع الخاصّ المنفصل كما

307

إذا ورد- أكرم الشعراء و يحرم إكرام الكذاب منهم- و ورد- يكره إكرام الشاعر الفاسق- فبناء على انقلاب النسبة يخصص المخصص المنفصل بالمخصص المتصل أولا، و بعد ذلك تنقلب النسبة بينه و بين العام إلى العموم و الخصوص المطلق بسبب ما طرأ عليه من تخصيص. و بناء على إنكار انقلاب النسبة تبقى المعارضة بينهما في مادة الاجتماع على حالها.

و قد ترد هنا الشبهة المتقدمة في الجهة السابقة، من أن مقتضى القاعدة القائلة بأن ما كان على تقدير اتصاله قرينة رافعاً للظهور كان على تقدير انفصاله رافعاً للحجية، أن يخصص العام بأعم المخصصين أيضا، لأنه إذا ورد متصلًا كان مخصصاً للعام في عرض المخصص الآخر.

و الجواب: أن طرف الإضافة و المعارضة ينبغي أن يكون محفوظاً في فرضي الاتصال و الانفصال، فلا بد و أن يبقى ذلك الظهور- الّذي لو كان المخصص متصلًا به كان رافعاً له- على حاله حين الانفصال حتى يتقدم عليه في الحجية، و في المقام لو كان أعم الخاصّين متصلًا كان معارضاً مع ذات العام بعرضه العريض، لا العام المخصص، لأن المخصصين نسبتهما إليه على حد سواء، و لكنه على تقدير الانفصال يكون المعارض هو العام المخصص بالمتصل الّذي لا ينعقد فيه الظهور التصديقي إلّا بمقدار الباقي الّذي تكون نسبته إلى المخصص المنفصل عموماً من وجه، فما هو طرف المعارضة على فرض الاتصال غير ما هو طرف المعارضة على فرض الانفصال، فلا تنطبق القاعدة التي تقضي بأن كل ما يكون قرينة في حال الاتصال يكون كذلك حال الانفصال، لأنها إنما تصدق في حالة كون طرف المعارضة لما هو المرشح للقرينية واحداً في فرضي الاتصال و الانفصال.

و أما في الحالة الثانية، ففيما يتعلق بالخاص المنفصل مع العام المخصص يكون الحكم كما في الحالة الأولى من التعارض بنحو العموم من وجه، و إنما يمتاز هذا الفرض على سابقه في مورد الاجتماع و أنه‏

308

هل يصح الرجوع فيه إلى العام الوارد في دليل ثان مجرداً عن المخصص كمرجع فوقي بعد التعارض أم لا؟

ذهب المحقق النائيني- قده- إلى الثاني مدعياً في وجه ذلك: (أن أعم الخاصّين يدخل ميدان المعارضة في مورد الاجتماع مع أعم العامين، و لا يكون مخصصاً، لأنه إنما يصلح للمخصصية إن لم يكن مبتلى بالمعارض، و المفروض ابتلائه بمعارضة العام المخصص بالمتصل فلا يمكن أن يخصص أعم العامين) (1).

و الصحيح هو الأول: لأن أعم الخاصّين- الخاصّ المنفصل- و إن لم يكن صالحاً لتخصيص أعم العامين في مورد الاجتماع- و هو الشاعر الفاسق غير الكذاب- لأن التخصيص فرع حجية الخاصّ في نفسه و عدم ابتلائه بالمعارض و هو في المقام مبتلى بالمعارض، إلّا أن عدم صلاحيته لتخصيصه لا يجعل العام الأعم صالحاً للمعارضة معه، بل يستحيل معارضته معه لأن المعارضة بين الدليلين فرع حجية كل منهما في نفسه و أعم الخاصّين لو كان حجة في مورد الاجتماع لكان مخصصاً لأعم العامين و مقدماً عليه، و هذا يعني أن حجية العام في مادة التعارض- بين أعم الخاصّين و العام المخصص بالمتصل- موقوفة على سقوط أعم الخاصّين عن الحجية في تلك المادة و إلّا لكان صالحاً للقرينية و رفع حجية العام، و ما كانت حجيته موقوفة على عدم حجية الآخر يستحيل أن يقع طرفاً للمعارضة معه و أن يكون صالحاً للمانعية عن حجيته كما هو واضح، و إذا استحال وقوع العام طرفاً للمعارضة مع أعم الخاصّين تعين كونه مرجعاً بعد التعارض بين أعم الخاصّين و العام المخصص بالمتصل، لأن المقتضي لحجيته في هذه الحالة موجود و المانع مفقود، أما وجود المقتضي فلأن ظهور العام في العموم منعقد لأن المفروض عدم اتصال‏

____________

(1)- نقل بتصرف من أجود التقريرات الجزء الثاني، ص 519- 520.

309

أي مخصص متصل به، و أما عدم المانع فلأن ما يحتمل كونه مانعاً إنما هو معارضة أعم الخاصّين له، و قد تبرهن امتناع وقوعه طرفاً للمعارضة مع أعم الخاصّين.

هذه مهم صور التعارض بين الأدلة المتعددة استعرضناها لتوضيح موارد انقلاب النسبة و تمييز النتائج المترتبة عليه عما لا يتوقف ترتبه عليه. و ربما بقيت صور أخرى جانبية يظهر حكمها بمراجعة الخصوصيات و النكات المتقدمة.

الجهة الثالثة: في موقف القائلين بعدم انقلاب النسبة و تحقيق الحال في ذلك.

إن هنالك أربع حالات للدليلين المتعارضين في موارد انقلاب النسبة- و لنفرضها فيما إذا ورد دليلان متعارضان بنحو التباين و ورد مخصص على أحدهما و منه يعرف الحال في سائر الموارد-.

الحالة الأولى- أن يكون العام المخصص ظنياً سنداً و جهة، و حكم هذه الحالة التعارض و التساقط في غير مورد التخصيص إذا كان العام غير المخصص ظنياً سنداً أيضا. و إلّا تعين العام المخصص للسقوط باعتباره مخالفاً للدليل القطعي.

الحالة الثانية- أن يكون العام المخصص قطعياً سنداً و جهة، بأن لا يكون أصل صدوره غير جدي و إن كان يحتمل ذلك في عمومه. و في هذه الحالة سوف يقطع بثبوت مفاد العام المخصص في الجملة و بنحو القضية المهملة، و بضم هذه القضية المهملة المتيقنة إلى المخصص تتشكل له دلالة التزامية على ثبوت حكم العام المخصص في غير مورد التخصيص في الجملة، و هذه الدلالة الالتزامية تكون مخصصة لعموم العام الآخر بمقدار تلك القضية المجملة المهملة، فإن كان لها قدر متيقن تعين فيه و وقع التعارض بين العامين بلحاظ باقي الأفراد إذا كانا متكافئين، و إلّا بأن كانت القضية المهملة مرددة بين مجموع الباقي كان من موارد إجمال المخصص و دورانه بين المتباينين المستوجب‏

310

لتشكل علم إجمالي بالتخصيص، فإن قيل بسقوط العام في موارد دوران المخصص بين متباينين عن الحجية رجعنا إلى حكم العام المخصص في تمام الباقي، و إن قيل ببقاء حجيته لإثبات الحكم في أحد المتباينين إجمالًا ليتشكل علم إجمالي بالحجية، فهذا غير منتج في المقام، لسقوط هذه الحجة على كل حال بالمعارضة، فلا يتشكل علم إجمالي بالحجة ليكون منجزاً فيما إذا كان مفادها حكم إلزامي.

لا يقال: قد تقدم في مستهل البحث عن التعارض المستقر أن القضية المهملة المرددة بين الجزئية و الكلية لا تصلح للقرينية و الجمع العرفي، و بهذا دفعنا محاولات الجمع التبرعي بين المطلقين المتعارضين الرامية إلى تحكيم المهملة في كل منهما على الإيجاب الكلي للمطلق الآخر. فهذه الدلالة الالتزامية للمخصص منتزعة من العام المخصص بالنحو المذكور.

فإنه يقال: لا نريد بالقضية المهملة ما ينتزع من مدلول العام المخصص، و إنما نريد بها القضية المعلومة إجمالًا من شهادة الراوي القطعية و انتفاء احتمال التقية، فإن هذا العلم بانضمامه إلى دليل التخصيص يشكل دلالة التزامية تصلح لتخصيص العام الآخر.

و إن شئت قلت: إن المخصص يدل على قضية شرطية هي أنه لو كان حكم العام المخصص ثابتاً في الجملة، فهو في دائرة الباقي، و هذه الدلالة صالحة للقرينية و تخصيص العام الآخر بحكم أخصيتها، و شهادة الراوي القطعية تثبت الشرط فيها فيتم التخصيص، و لا يمكن للعام أن يعارض شيئاً منهما، أما الشرط فلكونه قطعياً، و أما الجزاء على تقدير الشرط فلكونه أخص.

الحالة الثالثة- أن يكون العام المخصص ظني السند قطعي الجهة، و حكم هذه الحالة كما في الحالة السابقة. و لتوضيح ذلك نقول: أن العام المخصص يحتوي على دالين و مدلولين.

311

الدال الأول- كلام الراوي و مدلوله صدور الحديث من المعصوم (عليه السلام) الدال الثاني- كلام المعصوم (عليه السلام) و مدلوله الحكم العام المستفاد منه ببركة أصالة العموم. و مدلول الدال الأول يلازم عقلًا ثبوت الحكم المفاد بالحديث في الجملة، إذ المفروض قطعية الجهة، فلو كان الراوي صادقاً في شهادته كان الحكم ثابتاً في الجملة. و قد بينّا في الحالة السابقة أن للمخصص دلالة التزامية على قضية شرطية مفادها أنه لو ثبت حكم العام في الجملة فهو في غير دائرة التخصيص، و قد كان شرطها مقطوعاً به في الحالة السابقة و لكنه في المقام يثبت بالدال الأول- و هو شهادة الراوي- تعبداً و به يتم التخصيص.

لا يقال: عموم العام غير المخصّص ينفي حجية سند العام المخصص، لأن المعارضة تسري إلى سند العام المخصص بعد أن كان غير قطعي.

فإنه يقال: عموم العام إنما ينفي حجية الدال الأول فيما إذا لم يكن المخصص في البين، لعدم صلاحية الدلالة الالتزامية على ثبوت الحكم في الجملة المستفادة من شهادة الراوي للحديث العام بمجردها للقرينية و تخصيص العام الآخر، لأنها و إن كانت أخص إلّا أنها دلالة لشهادة الراوي فلا تصلح لتقييد كلام الإمام (عليه السلام) و أما بعد فرض ورود الخاصّ من المعصوم (عليه السلام) فسوف تتشكل تلك الدلالة الالتزامية في حديث الإمام نفسه فتصلح للقرينية و التخصيص.

الحالة الرابعة- أن يكون العام المخصص قطعي السند ظني الجهة، بحيث يحتمل فيه عدم الإرادة الجدية و إن كان على خلاف الأصل. و الحكم في هذه الحالة استحكام التعارض بين العامين كما كان في الحالة الأولى، لأن الخاصّ و إن كان يدل على قضية شرطية بالالتزام و هي أخص من العام غير المخصص و لكنه لا يوجد في هاتين الحالتين ما يثبت الشرط لهذه الشرطية الأخص‏

312

لا بالوجدان- لفرض ظنية الجهة- و لا بالحجة، لأن أصالة الجد لا تدل على جدية القضية المهملة المنتزعة من العام، و إنما تدل على جدية ما هو المدلول لكلام المعصوم (عليه السلام) و ما هو المدلول إنما هو القضية المطلقة لا المهملة المنتزعة عقلًا، و أصالة الجد في القضية المطلقة ساقطة بالمعارضة بحسب الفرض.

313

المَسألة الثانية حكم التعارض المستقر من زاوِيَة الأخبار الخاصّة

1- أخبار الطرح 2- أخبار العلاج أ- أخبار التخيير ب- أخبار الترجيح ح- أخبار التوقف و الإرجاء 3- تنبيهات المسألة 4- ملتقى المسألتين‏

314

بعد أن اتضح فيما سبق مقتضيات دليل الحجية العام في موارد التعارض بين الأدلة. تنتهي النوبة إلى دراسة حالات التعارض من زاوية الأخبار الخاصة ليرى- بحسب النتيجة- هل يثبت بها ما يخالف تلك المقتضيات أم لا، فإن مشكلة التعارض و الاختلاف في الروايات الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) قد واجهها أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أيضا فتصدوا لمعرفة الموقف الشرعي منها و كيفية علاجها عن طريق السؤال عنهم (عليهم السلام)، فوردت أحاديث كثيرة ترتبط بهذا الشأن، و دراسة هذه الأحاديث و تحديد معطياتها تقع في فصلين:

الفصل الأول- فيما تقتضيه أخبار الطرح.

الفصل الثاني- فيما تقتضيه أخبار العلاج.

315

أَخبارُ الطّرح‏

و نقصد بأخبار الطرح الروايات المستفيضة التي تأمر بعرض الحديث على الكتاب و الأخذ بما وافقه و طرح ما خالفه. و قد وردت هذه الأخبار بألسنة مختلفة بالإمكان تصنيفها إلى ثلاث طوائف نبحث عنها تباعاً.

الطائفة الأولى- ما ورد بلسان الاستنكار و التحاشي عن صدور ما يخالف الكتاب من المعصومين (عليهم السلام).

و من نماذج هذه الطائفة رواية أيوب بن حمر قال: «سَمِعتُ أبَا عَبدِ اللّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: كُلّ حَدِيثٍ مَردود إلى الكِتَابِ وَ السّنّةِ وَ كُلّ شَي‏ءٍ لا يُوَافِقُ كِتَابَ اللّهِ فَهُوَ زُخرُفٌ» (1).

و مثلها رواية أيوب بن راشد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ما لَم يُوَافِق مِنَ الحَدِيثِ القُرآنَ فَهُوَ زُخرُفٌ» (2) و هما صحيحتان سنداً.

و التعبير بالزخرف فيهما يجعلهما من أمثلة هذه الطائفة الدالة على التحاشي عن صدور ما يخالف الكتاب منهم.

و من نماذج هذه الطائفة أيضا رواية هشام بن الحكم و غيره عن أبي‏

____________

(1) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة باب 9 من أبواب صفات القاضي.

316

عبد اللّه (عليه السلام) قال: «خَطَبَ رَسُولُ اللّهِ (صلى اللَّه عليه و آله) فَقَالَ: يا أيّهَا النّاسُ ما جَاءَكُم عَنّي يُوَافِقُ كِتَابَ اللّهِ فَأنَا قُلتُهُ وَ ما جَاءَكُم يُخَالِفُ كِتَابَ اللّهِ فَلَم أقُلهُ» (1).

و لكنها غير نقية السند لورود محمد بن إسماعيل فيه، و هو مردد بين من ثبت توثيقه و من لم يثبت. و إنما جعلناها من أمثلة هذه الطائفة باعتبار أن التعبير ب (لم أقله) يفهم منه عرفاً استنكار الصدور و التحاشي عنه لا مجرد الاخبار بعدمه.

و هكذا يتضح أن مفاد هذه الطائفة استنكار صدور ما لا يوافق الكتاب الكريم و السنة الشريفة عنهم. و يقع الحديث بعد هذا حول هذا المفاد من جهات عديدة.

الأولى- في تحديد المراد مما لا يوافق الكتاب، فهل يراد منه المخالفة مع الكتاب بأن يكون هنالك تعرض من الكتاب و لا يوافقه الحديث، أو يعم ما إذا لم يكن الكتاب متعرضاً لذلك الموضوع أصلًا، فيكون عدم موافقة الحديث معه من باب السالبة بانتفاء الموضوع؟

لا ينبغي الإشكال في أن المستظهر عرفاً هو الأول، لأن جملة ما لا يوافق الكتاب و إن كانت قضية سالبة و هي منطقياً أعم من السالبة بانتفاء الموضوع و السالبة بانتفاء المحمول، إلّا أن المتفاهم العرفي منها هو السالبة بانتفاء المحمول بأن يكون عدم الموافقة للكتاب مع وجود دلالة كتابية، و يؤيده: أن الحديث الثالث عبر عما يقابل موافقة الكتاب بالمخالفة، فيكون شاهداً على إرادة هذا المعنى من عدم الموافقة.

الثانية- في أن المستفاد من هذه الطائفة هل هو نفي الصدور كجملة خبرية أو نفي الحجية؟ و يترتب عليه، أنه على التقدير الثاني تكون هذه الطائفة كالطائفة الثالثة الآتية مقيدة لإطلاق دليل الحجية العام بما إذا لم يكن‏

____________

(1)- المصدر السابق.

317

الخبر مخالفاً مع القرآن الكريم- على أبحاث و تفاصيل سوف يأتي التعرض لها- و على التقدير الأول يقع التعارض بين شهادة الراوي بصدور الخبر المخالف مع هذه الطائفة النافية لصدور ذلك عنهم و قد يطبق عليهما حينئذ قواعد التعارض من الترجيح أو التخيير، بل قد يقال بتقديم الخبر المخالف على أساس الجمع العرفي إذ يحتمل صدوره عنهم واقعاً فيكون تخصيصاً في عموم هذه الطائفة، فإن الجمل الخبرية كالجمل الإنشائية تقبل التخصيص فيحكم بعدم صدور ما يخالف الكتاب عنهم إلّا في ذلك المورد.

إلّا أن هذا الكلام غير تام. و ذلك أولا: لأن الإخبار بصدور ما يخالف الكتاب عنهم في موردٍ كلام للراوي لا المعصوم فلا يصلح لتخصيص الجملة الخبرية من كلام المعصوم (عليه السلام) فإن قواعد القرينية و الجمع العرفي إنما تجري في الكلمات الصادرة عن متكلم واحد.

و ثانياً- إباء ألسنة هذه الطائفة عن التخصيص باعتبار ما ورد فيها من لسان الاستنكار و أن ما خالف الكتاب زخرف باطل.

و ثالثاً- أن مدلول هذه الروايات نفي صدور صرف وجود المخالف للكتاب عنهم، و أنه لا يصدر منهم ذلك و لو مرة واحدة، و ليس المقصود أنهم لا يخالفون الكتاب في كل فرد فرد من أحاديثهم، فإن هذا لم يكن هو المحتمل أو المتوقع حصوله، فصدور حديث واحد كاف لأن يكون طرحاً لمفاد هذه الطائفة و تكذيباً لها. و حينئذ، إذا احتملنا صدور الحديث المخالف عنهم واقعاً وقع التنافي بين هذه الروايات و الخبر المخالف بلحاظ المروي و إن استبعدنا صدوره عنهم على تقدير صدور هذه الطائفة وقع التنافي بينهما بلحاظ الرواية، إذ يعلم إجمالًا بكذب الشهادة في أحدهما، و يكون تطبيق أحكام التعارض المستقر من الترجيح أو التخيير مبنياً في هذه‏

318

الحالة على القول بتعميمها لموارد التعارض بملاك التكاذب في الرواية أيضا، على ما سوف يأتي الحديث عنه.

الثالثة- فيما تشمله هذه الطائفة من أقسام التعارض بين الخبر و الكتاب الكريم. فهل تشمل جميع أقسام التعارض المستقر و غير المستقر أو المراد، منها قسم خاص فقط. و البحث عن هذه الجهة سوف نتعرض له بصورة مفصلة فيما يأتي عند التعرض لمعنى المخالفة مع الكتاب، إلّا أنه ينبغي الإشارة في المقام إلى أنه لا يبعد أن يكون المتفاهم من هذه الطائفة بقرينة لسان التحاشي و الاستنكار عدم صدور ما يكون مخالفاً مع الكتاب منهم بمعنى عدم صدور ما يكون مستوجباً لطرح القرآن و تكذيبه لا مجرد المخالفة معه بالتخصيص أو التقييد، بل و لا المخالفة بنحو العموم من وجه مما لا يستلزم طرح الكتاب و قد شاع لدى المتشرعة صدوره منهم كثيراً، فإن هذا هو الّذي يناسب أن يستنكر و يتحاشى منه.

الطائفة الثانية- ما دل على إناطة العمل بالرواية بأن يكون موافقاً مع الكتاب و عليه شاهد منه‏

، من قبيل رواية أبي يعفور قال: (سَألتُ أبَا عَبدِ اللّهِ عَنِ اختِلافِ الحَدِيثِ يَروِيهِ مَن نَثِقُ بِهِ وَ مِنهُم مَن لَا نَثِقُ بِهِ؟ قَال: إذَا وَرَدَ عَلَيكُم حَدِيثٌ فَوَجَدتُم لَهُ شاهِداً مِن كِتابِ اللّهِ أو مِن قولِ رَسُولِ اللّهِ (صلى اللَّه عليه و آله) وَ إلّا فالّذِي جاءكُم بِهِ أولى بِهِ» (1).

و التعبير باختلاف الحديث الوارد في كلام السائل- سواء أريد به تنوع الحديث بمعنى مختلف الحديث، أو أريد به تعارض الحديث و تهافته أو أريد الحديث المختلف المتناقض مع المسلمات و المركوزات الدينية الثابتة بالكتاب و السنة- لا يضرّ بالاستدلال، لأن الاستدلال إنما يكون بجواب الإمام (عليه السلام) الّذي يحتوي على كبرى كلية مستقلة تدل على أن كل حديث ليس عليه شاهد

____________

(1)- وسائل الشيعة باب 9 من أبواب صفات القاضي.

319

من الكتاب الكريم أو السنّة النبوية فلا يؤخذ به.

و التفسير المشهور لمفاد هذه الطائفة: أن كل حديث لا يكون في القرآن دلالة، و لو بالعموم أو الإطلاق، توافق مدلوله و تشهد عليه لا يكون مقبولًا.

و نحن نجعل البحث حول الاستدلال بهذه الطائفة مبنياً على هذا التفسير، تاركين التعرض لتفسير آخر محتمل في معنى هذه الروايات جميعاً إلى نهاية المطاف، فنقول:

يمكن أن يسجل على الاستدلال بهذه الطائفة عدة مفارقات.

الأولى- أن مفادها عرفاً في حكم إلغاء حجية خبر الواحد مع كونها أخبار آحاد، و لا يمكن الاستناد في إلغاء حجية خبر الواحد إلى خبر واحد.

أما كون مفادها بحكم الإلغاء فباعتبار أنها و إن دلت على عدم حجية خصوص ما ليس عليه شاهد من الكتاب الكريم، إلّا أن ذلك مساوق عرفاً لإلغاء الخبر مطلقاً، فإن الغرض العرفي من جعل الحجية للخبر إثبات ما لا يوجد عليه دليل مسلم من كتاب أو سنّة قطعية به.

و أما أن خبر الواحد لا يستند إليه في إلغاء حجية خبر الواحد. فلأنه يستلزم الخلف كما هو واضح.

و هذا الاعتراض، صحيح لا دافع له.

الثانية- لو افترضنا أن المستفاد من هذه الطائفة إلغاء حجية صنف خاص من الأخبار تخصيصاً لدليل الحجية العام، مع ذلك يقال: بأن تخصيص أدلة حجية خبر الواحد العامة بخصوص الخبر الّذي عليه شاهد من الكتاب الكريم تخصيص غير عرفي، فتكون معارضة معها لا مخصصة، و معه لا يبقى ما نثبت به حجية هذه الطائفة التي هي من أخبار الآحاد أيضا.

و هذا الاعتراض مبني على انحصار أدلة حجية الخبر في الأدلة اللفظية،

320

و أما إذا كان هناك دليل لبي متمثل في السيرة العقلائية أو المتشرعية يدل على حجيته أيضا فلا مانع من أن يقال: أن هذه الطائفة تصلح أن تكون رادعة عن السيرة في جزء من مدلولها مع بقائها ممضاة في جزئها الآخر الّذي يندرج فيه نفس هذه الطائفة- بقطع النّظر عن مناقشات قادمة-.

الثالثة- أن دليلية هذه الطائفة مستحيلة، لأنه يلزم من دليليتها عدم دليليتها إذ هي أيضا مما لا شاهد عليها من الكتاب الكريم- بناء على عدم صحة الاستدلال بالآيات الناهية عن العمل بالظن لنفي حجية خبر الواحد- و كل ما يلزم من ثبوته عدمه محال.

و الجواب: أن مفاد هذه الأخبار- شأن كل قضية عامة- يحتوي على إطلاقات عديدة بعدد مصاديق الأخبار الآحاد التي لا شاهد عليها من الكتاب، و من جملتها إطلاقها لنفسها بوصفها خبراً واحداً لا شاهد عليه من القرآن الكريم، و الّذي يلزم من دليليته عدم دليليته إنما هو هذا الإطلاق خاصة، فتكون حجيته مستحيلة دون حجية إطلاقاتها الأخرى.

لا يقال- لا يحتمل التفكيك بين خبر و خبر مما لا شاهد عليه من الكتاب، فسقوط الحجية في بعضها يستلزم سقوطها في الكل، و بهذا أبطلنا في بحث حجية خبر الثقة الاستدلال بالإجماع المنقول من قبل السيد المرتضى- قده- لنفي حجية خبر الواحد.

فإنه يقال- احتمال التفكيك بين خصوص هذه الأخبار التي لا شاهد عليها من الكتاب و غيرها مما لا شاهد عليه منه موجود هنا و إن لم يكن مثل هذا الاحتمال عرفياً في الفرق بين إخبار السيد و غيره. و ذلك باعتبار أن هذه الطائفة، رغم كونها مما لا شاهد عليها من الكتاب الكريم، تكون مقربة بحسب النتيجة إلى الكتاب الكريم، فمن المعقول أن تكون حجة لأجل إسقاط الخبر المخالف للكتاب الكريم عن الحجية.

321

الرابعة- إن هذه الطائفة إما أن تحمل بحسب المفاد على الطائفة السابقة فتكون إخباراً عن عدم صدور ما لا شاهد عليه من الكتاب الكريم عنهم (عليهم السلام)- كما إذا حملنا ما ورد في ذيلها من قوله (عليه السلام) فالذي جاءكم به أولى به، على الاستنكار بمعنى أنه أولى به من الإمام (عليه السلام) كناية عن كونه من جعل نفسه- و إما أن يكون مفادها نفي حجية الخبر الّذي لا يكون عليه شاهد من الكتاب- كما إذا كان طرف الإضافة في الأولوية الواردة في الذيل هو السائل لا الإمام، بمعنى أن الّذي جاء به أولى به من المنقول إليهم لأنه أدرى بصدقه أو كذبه- و على كلا التقديرين لا يمكن أن يتم الاستدلال.

أما على الأول، فللعلم بمخالفة هذا المفاد للواقع الّذي كان يمارسه الأئمة (عليهم السلام) على كل حال، بعد وضوح أن دورهم لم يكن يقتصر على مجرد شرح الأدلة الشرعية الأخرى و الاجتهاد في إطارها على حد ما كان يمارسه فقهاء المذاهب الأخرى، بل كان لهم علاوة على ذلك دور إبراز ما لم يتعرض إليه الكتاب الكريم و لم يستوعبه المقدار الواصل للمسلمين من السنّة النبوية الشريفة في تفاصيل الأحكام و جزئياتها، حتى كان صدور ذلك عنهم متواتراً إجمالًا من خلال الأحاديث الكثيرة الواردة عنهم في مختلف أبواب الفقه.

فلا بد من حمل هذه الطائفة- بناء على هذا التفسير- على التقية و المجاراة مع مذاق العامة، إذا لم يشكل وضوح هذا المعنى بنفسه في ذهن المتشرعة آنذاك قرينة على تعيين معنى آخر لها.

و أما على التفسير الثاني، فأيضاً لا يمكن الأخذ بإطلاق مفادها لأن حجية خبر الثقة في الجملة كان أمراً مرتكزاً لدى المتشرعة و نقلة الأحاديث، حتى بالنسبة لما لا شاهد عليه من الكتاب الكريم، و لذلك وجد ذلك الاهتمام البالغ على نقل الروايات و ضبطها و دراستها و الاستجازة في مقام نقلها عن الرّواة و أصحاب المصنفات و الأصول. و هذا يشكل قرينة لبية متصلة بالخطاب تصرفه إلى معنى آخر و لو أن يكون هو إلغاء الخبر عن الحجية في خصوص‏

322

أصول الدين و العقيدة.

و هذا يعني العلم بعدم مطابقة مضمون هذه الروايات للواقع في الفروع فلا بد إما من حملها على التقية أو تقييدها بالأصول و العقائد.

الخامسة- أن هذه الطائفة تكون مخالفة للكتاب أو ما يكون كالكتاب سنة قطعية، سواء استظهرنا منها نفي الحجية مطلقاً، أو كان مفادها تخصيص الحجية بما عليه شاهد من الكتاب، لأنها تخالف أدلة حجية خبر الثقة القطعية.

فإنها و إن كان فيها ما يمكن تخصيصه بهذه الطائفة- من قبيل آية النبأ، بناء على عموم دلالتها للخبر في الشبهات الحكمية و الموضوعية- فتحمل على الموضوعية، غير أن فيها ما لا يمكن تخصيصه بها، إما لوروده في الشبهات الحكمية خاصة- كآية النفر- أو لكون الشبهة الحكمية القدر المتيقن من مدلوله أو مورده- من قبيل الروايات القطعية التي استدللنا بها على حجية ما يؤديه الثقة المأمون عن المعصوم (عليه السلام)- و حينئذ لا بد من القول بسقوط هذه الطائفة عن الحجية، بأحد البيانات التالية:

1- إنها مشمولة لنفسها فيلزم من حجيتها عدم حجيتها. بالتقريب الّذي أبطلنا به الاستدلال على حجية خبر الواحد بإجماع السيد المرتضى- قده- و لا يرد عليه ما أوردناه في دفع الأمر الثاني من وجاهة احتمال التفكيك في الحجية بين هذا الخبر بالخصوص و بين غيره مما ليس عليه شاهد من الكتاب.

فإن هذا الاحتمال إنما يتجه فيما إذا لم تكن هذه الطائفة معارضة مع الكتاب الكريم، بل مجرد أنه لا شاهد عليها منه، و أما مع فرض المعارضة معه- سيما إذا كانت بنحو التباين- فهي أولى بالسقوط من غيره.

2- إنها مشمولة للطوائف الدالة على إلغاء ما خالف الكتاب عن الحجية، أو نفي صدوره عنهم (عليهم السلام) فتسقط عن الحجية بهذا الاعتبار، أما إذا كانت تلك الطوائف بمجموعها تبلغ حد التواتر الإجمالي فواضح، و أما إذا كانت‏

323

أخبار آحاد و ادعي أن هذه الطائفة تشملها أيضا باعتبارها مما لا شاهد عليه من الكتاب فغايته أن يقع التنافي بينهما و التعارض، حيث يكون إطلاق دليل الحجية العام لكل منهما موجباً لخروج الآخر عنه، فيتعارض الإطلاقان لدليل الحجية، فلا تثبت حجية شي‏ء منهما. و معه لا يثبت تقييد زائد في دليل الحجية العام.

3- لو قطعنا النّظر عن روايات طرح ما خالف الكتاب مع ذلك قلنا أن هذه الطائفة تتعارض مع جملة من أدلة الحجية التي وردت في الشبهات الحكمية، أو التي لا يمكن تخصيصها بغيرها، و بعد التعارض يرجع إلى مثل آية النبأ من أدلة الحجية العامة، باعتبارها مرجعاً فوقانياً. من دون فرق بين أن يكون المستظهر من مثل رواية ابن أبي يعفور إلغاء الحجية رأساً، أو تخصيصها بما إذا كان عليه شاهد من الكتاب، لأن في أدلة الحجية ما لا يمكن تخصيصه بذلك أيضا، فإن مثل آية النفر أو ما دل من الروايات القطعية على لزوم اتباع ما جاء به الثقة المأمون، مما لا يمكن أن يكون المراد منه خصوص ما توجد معه دلالة قرآنية، إذ لو كان النّظر إلى ذلك لكفى أن يعوّل على القرآن الكريم و يأمر بالرجوع إليه من دون حاجة إلى التأكيد على ضرورة النفر و التبليغ و الاتباع و الإطاعة لما يقوله الثقة المأمون.

4- لو قطع النّظر عن العموم الفوقاني- كما إذا لم يتم الاستدلال بآية النبأ- مع ذلك أمكن أن يقال: أن النسبة بين رواية ابن أبي يعفور و آية النفر- المستفاد من إطلاقها لصورة عدم حصول العلم من الإنذار حجية الخبر- هي العموم من وجه لشمول الرواية الأخبار الواردة في غير الفروع التي لا تشملها آية النفر- إن صح استظهار اختصاصها بذلك بقرينة كلمة التفقه في الدين- و شمول الآية لصورة حصول العلم من الخبر و لا تشملها الرواية، فإذا فرضنا وجود رواية واحدة- و لو غير قطعية سنداً- دلت على حجية خبر الثقة في الفروع بالخصوص- كما قد يستظهر ذلك من بعض روايات حجية خبر الثقة بقرينة ما ورد فيها من الأمر بالسماع للراوي و الإطاعة- فسوف تكون النتيجة

324

حجية خبر الثقة في الفروع، لأن هذه الرواية الخاصة بعد إثبات حجيتها بإطلاق الآية تصلح أن تكون قرينة على تخصيص إطلاق رواية ابن أبي يعفور فيكون رفع اليد عن إطلاقها بالقرينة، بخلاف العكس. فيختص نفي حجية خبر الثقة بالخبر الوارد في أصول الدين و نحوها.

و إن شئت قلت- أن تمامية مقتضي الحجية لإطلاق رواية ابن أبي يعفور فرع عدم تخصيصها بما دل على حجية خبر الثقة في الفروع. و هو فرع عدم ثبوت حجيته بإطلاق آية النفر، و ما يكون فرع عدم شي‏ء يستحيل أن يمنع عن ذلك الشي‏ء، و إلّا لزم الدور.

هذا كله لو افترضنا أن رواية ابن أبي يعفور تنفي حجية خبر الثقة مطلقاً، و أما على التفسير الآخر لها، و كونها تنفي حجية ما ليس عليه شاهد من الكتاب خاصة، فالأمر أوضح، لأن الرواية المخصصة سوف تكون حجة على كل حال، لأنها مما عليه شاهد من الكتاب المتمثل في إطلاق آية النفر.

الطائفة الثالثة- ما يكون مفاده نفي حجية ما يخالف الكتاب الكريم.

من قبيل رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قَالَ رَسُولُ اللّهِ (صلى اللَّه عليه و آله) إنّ عَلى كُلّ حَقّ حَقِيقَةً و عَلى كُلّ صَواب نُوراً، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللّهِ فَخُذُوهُ وَ ما خَالَفَ كِتَابَ اللّهِ فَدَعُوهُ». و رواية جميل ابن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «الوُقُوفُ عِندَ الشّبهَةِ خَيرُ مِنَ الاقتِحَامِ في الهَلَكَةِ، إنّ عَلى كُلّ حَقّ حَقِيقَةً وَ عَلى كُلّ صَواب نُوراً فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللّهِ فَخُذُوهُ وَ ما خَالَفَ كِتَابَ اللّهِ فَدَعُوهُ» (1) ..

و الأولى و إن كانت غير نقية سنداً إلّا أن الثانية صحيحة.

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 9- من أبواب صفات القاضي.

325

و قد اشتملت هذه الطائفة من أخبار الطرح على عقدين. عقد سلبي يردع عن حجية ما خالف الكتاب الكريم، و عقد إيجابي يأمر بأخذ ما وافق الكتاب الكريم. و لا بد من الحديث حول كل من العقدين في نقاط.

الأولى- أن مفادها هل يكون جملة خبرية- و هي استنكار صدور ما يخالف الكتاب عنهم- فتكون كالطائفة الأولى، أو مجرد نفي الحجية التعبدية المستفاد من الأمر الإرشادي بترك ما خالف الكتاب؟ قد يدعى الأول بقرينة ما ورد فيها من أن على كل صواب نوراً فما لا نور عليه- و هو الخبر المخالف للكتاب- ليس بصواب فلا يكون صادراً عنهم.

إلّا أن الصحيح هو الثاني، لأن هذه الجملة لا تعدو أن تكون تعبيراً متعارفاً عن أن الحق يتضح و الصواب تبدو دلائله و تبشر أماراته في أغلب الأحيان، و ليس إخباراً عن ملازمة دائمية بين الصدق و بين ظهور النور و الحقيقة. و مما يشهد على عدم إرادة الاستنكار و نفي الصدور قوله (عليه السلام) في صدر رواية جميل (الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة) الظاهر في وجود الشبهة و احتمال المطابقة للواقع. فلا يستفاد من هذه الطائفة أكثر من نفي حجية ما خالف الكتاب الكريم.

الثانية- قد يقال أن هذه الطائفة لا تختص بأخبار الآحاد بل تشمل كل أمارة تؤدي إلى مخالفة الكتاب فتختلف عن الطائفتين السابقتين الظاهرتين بمقتضى سياقهما في النّظر إلى حجية الرواية و السند خاصة. و من هنا قد يستشكل في تخصيص دليل الحجية العام بها.

إلّا أن الصحيح، تقديم إطلاق هذه الطائفة- لو تمت- على دليل حجية الخبر باعتبار حكومتها عليه، إذ هي كأدلة المانعية و الشرطية فرض فيها الفراغ عن أصل حجية خبر الثقة ليستثنى منها حالة خاصة. فتكون ناظرة إلى دليل الحجية العام و حاكمة عليه، مضافاً إلى أن القدر المتيقن منها هو

326

خبر الثقة باعتباره الفرد البارز و المتعارف و الداخل في محل الابتلاء وقتئذ الّذي كان يترقب مخالفته للكتاب تارة و موافقته له أخرى، فلا يمكن تخصيصها بغير خبر الثقة.

الثالثة- إن هذه الطائفة يحتمل في مفادها عدة احتمالات.

الأول- أن تكون ناظرة إلى ما كان يعتمد عليه العامة في الفقه من الأحاديث أو الأقيسة و الاستحسانات فتردع عنها و ترشد إلى أن ما ينبغي الاعتماد عليه إنما هو الكتاب الكريم و السنة الشريفة القطعية، فتكون كسائر الأدلة الرادعة عن العمل بغير الكتاب و ما يكون بحكمه.

و هذا الاحتمال ينفيه تطبيق نفس العنوان في الطوائف الأخرى على ما ينقل عنهم من الروايات المخالفة للكتاب و أنه زخرف باطل لم نقله، فلا موجب لافتراض اختصاصها بأحاديث العامة و أقيستهم.

الثاني- أن تكون متعرضة لخصوص ما يخالف الكتاب و ما يوافقه، فتلغي المخالف عن الحجية و تأمر بأخذ الموافق مع السكوت عن الخبر الّذي لا يوافق الكتاب و لا يخالفه. و هذا الاحتمال يبعده ظهور هذه الروايات في أنها بصدد إعطاء ضابط عملي للمكلفين، فكيف يتغافل عن هذا الصنف من الروايات التي تشكل أكثر ما صدر عنهم من أحاديث.

الثالث- أن يراد من الموافقة عدم المخالفة، فلا تدل على نفي حجية ما لا يوافق الكتاب و لا يخالفه.

الرابع- أن يراد من المخالفة عدم الموافقة، فتدل على نفي حجية ما لا يوافق الكتاب و لا يخالفه.

و لا يبعد تعين الاحتمال الأخير منهما. بقرينة قوله (عليه السلام) «إن لكل حق حقيقة و على كل صواب نوراً» و جعل التفصيل في الحكم بلزوم أخذ ما يوافق‏

327

الكتاب و طرح ما يخالفه من تفريعات تلك الكبرى، فكأنه يقول، خذ بما يوافق الكتاب لأنه نور على الصواب، و حينئذ سوف تصبح هذه الطائفة من حيث المفاد كالطائفة السابقة الدالة على إلغاء ما لا شاهد عليه من الكتاب عن الحجية، و الّذي قد يكون عرفاً بحكم إلغاء الخبر عن الحجية مطلقاً، فلا بد من تخصيصها بالخبر في أصول الدين مثلًا أو حملها على التقية، على أساس المناقشات المتقدمة في التعليق على تلك الطائفة.

الرابعة- أن العقد الإيجابي من مدلول هذه الطائفة دل على لزوم الأخذ بما وافق الكتاب. فهل يستظهر منه تأسيس حجية جديدة غير حجية خبر الثقة، فتكفي الموافقة للكتاب في حجية الخبر و لو كان من غير ثقة، أو أنه إرشاد إلى رفع المانع عن الحجية الناتج من مخالفة الخبر للكتاب، فلا يكون حجة إلّا إذا اجتمعت شرائط الحجية الأخرى فيه، شأنه في ذلك شأن أدلة الشرطية و المانعية الأخرى؟

الظاهر هو الثاني، سواء فسرنا الموافقة بعدم المخالفة أو بوجود مضمونه في الكتاب. أما على الأول فلأن مجرد عدم المخالفة لا يصلح لأن يكون سبباً للحجية بحسب مناسبات الحكم و الموضوع العرفية في باب الحجية القائمة على أساس الطريقية و الكاشفية. و أما على الثاني، فلأن تأسيس حجية ما يوجد مضمونه في الكتاب و إن لم يكن لغواً عقلًا، حيث يمكن أن يظهر أثره فيما إذا فرضنا أن تلك الدلالة القرآنية ساقطة عن الحجية بالتخصيص و نحوه ثم ورد خبر يوافقها و يكون أخص من ذلك المخصص، فإنه على تقدير جعل الحجية لهذا الخبر ترجع الدلالة القرآنية إلى الحجية ببركة حجية ذلك الخبر بمقدار مفاده. إلّا أن هذا مجرد أثر عقلي و ليس عرفياً، بل المتفاهم من الأمر بأخذ ما يوافق الكتاب التعويل على الكتاب لا جعل الحجية للخبر الموافق معه. نعم لا مانع من حجيته بدليل آخر إذا اجتمعت سائر شروط الحجية فيه، لأن المانع هو المخالفة مع الكتاب و المفروض انتفائها.

328

الخامسة- أن العقد السلبي في هذه الطائفة دل على إلغاء ما يخالف الكتاب عن الحجية، و المخالفة كما تشمل التنافي بنحو التباين أو العموم من وجه كذلك تشمل التنافي بنحو التخصيص أو التقييد أو الحكومة، لأن ذلك كله يصدق عليه المخالفة فيكون مقتضى إطلاقها طرح ما يعارض الكتاب الكريم مطلقاً سواء كان تعارضاً مستقراً أو غير مستقر.

و قد أجاب المحققون عن هذا الإشكال بأحد جوابين.

الأول- أن المعارضة بنحو التخصيص أو التقييد أو الحكومة ليست بمخالفة عرفاً لأن الخاصّ و المقيد و الحاكم تكون قرينة على المراد من العام و المطلق و المحكوم فلا تعارض بينهما.

الثاني- وجود علم إجمالي بصدور كثير من المخصصات و المقيدات للكتاب عن الأئمة (عليهم السلام)، و هذا إن لم يشكل قرينة متصلة تصرف عنوان المخالفة في هذه الروايات إلى الأنحاء الأخرى من المخالفة، أي التعارض المستحكم فلا أقل من سقوط الإطلاقات القرآنية عن الحجية بالتعارض الداخليّ فيما بينها على أساس هذا العلم الإجمالي، فتبقى الأخبار المخصصة على حجيتها.

أقول: تارة، يراد من المخالفة المخالفة مع دلالة قرآنية يكون مقتضي الحجية فيها ثابتاً حتى بعد مجي‏ء الخبر المخالف، كما في موارد عدم قرينية الرواية المخالفة و عدم وجود ما يسقط الظهور القرآني عن الحجية في نفسه. و أخرى:

يراد المخالفة مع دلالة قرآنية يكون مقتضي الحجية فيها محفوظاً بقطع النّظر عن الرواية المخالفة فيشمل صورة قرينية الخبر المخالف و تكون هذه الطائفة بنفسها دليلًا على سلب الحجية عن القرينة المخالفة. و ثالثة: يراد المخالفة مع دلالة قرآنية و لو لم يكن مقتضي الحجية محفوظاً فيها حتى لو قطع النّظر عن الخبر المخالف باعتبار علم إجمالي بالتخصيص و التقييد و نحو ذلك.

فعلى الاحتمال الأول يتم كلا الجوابين، لعدم انحفاظ مقتضي الحجية

329

إذا كان الخبر المخالف قرينة، اما للقرينية، أو للعلم الإجمالي بالتخصيص المستوجب سقوط الظهورات القرآنية عن الحجية.

و على الثاني يتم أحد الجوابين فقط و هو فرض وجود علم إجمالي مسقط لمقتضي الحجية في الآيات، و أما بدونه فإطلاق الطائفة الآمرة بالطرح يقتضي سقوط الخبر المخالف و لو كان قرينة.

و على الاحتمال الثالث، لا يتم شي‏ء من الجوابين، لأن مقتضى الحجية غير دخيل في ملاك الطرح على هذا الاحتمال.

و الجواب بافتراض العلم الإجمالي حيث يتم يتوقف على عدم التسليم بانحلاله بالموارد التي ثبت فيها ورود التخصيص و التقييد على الآيات القرآنية بمقدار يحتمل انطباق المعلوم بالإجمال عليه.

و الأوجه من هذه الاحتمالات أوسطها، باعتبار أن الظاهر من الأمر بطرح ما يخالف الكتاب توجيه المكلف نحو العمل بالكتاب و هذا لا يناسب إلّا مع انحفاظ مقتضي الحجية فيه بقطع النّظر عن ورود الخبر المخالف فينتفي الاحتمال الثالث، كما أن الاحتمال الأول منفي بالإطلاق، لأن عنوان المخالفة صادق على أي حال. و هذا يعني أن الجواب الأول غير تام و الجواب الثاني موقوف على عدم الانحلال.

و يمكن أن يجاب أيضا، بعد الاعتراف بتمامية الإطلاق لشمول موارد المعارضة غير المستقرة أن هناك مخصصاً لهذا الإطلاق، و هو ما ورد في بعض الأخبار العلاجية مما يستفاد منه الفراغ عن حجية الخبر المخالف مع الكتاب في نفسه. ففي رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه. قال: «قَالَ الصّادِقُ:

إذَا وَرَدَ عَلَيكُم حَدِيثَانِ مُختَلِفانِ فَاعرِضُوهُمَا عَلى كِتَابِ اللّهِ فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللّهِ فَخُذُوهُ وَ ما خَالَفَ كِتَابَ اللّهِ فَردّوهُ،

330

فَإن لَم تَجِدُوهُمَا في كِتَابِ اللّهِ فَاعرِضُوهُمَا عَلى أخبَارِ العَامّةِ ..

إلخ» (1).

فإن الظاهر من قوله (عليه السلام) إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، أن الإمام (عليه السلام) بصدد علاج مشكلة التعارض بين حديثين معتبرين في أنفسهما لو لا التعارض، فيكون دليلًا على عدم قدح المخالفة مع الكتاب في حجية كل منهما الاقتضائية.

نعم لا يوجد فيه إطلاق يشمل جميع أقسام الخبر المخالف مع الكتاب، لأنه ليس في مقام بيان هذه الحيثية ليتم فيه الإطلاق، فلا بد من الاقتصار على المتيقن من مفاده، و لا يبعد أن يكون القدر المتيقن منه هو المخالفة على نحو القرينية و الجمع العرفي كما في موارد التخصيص و التقييد و الحكومة.

السادسة- هل تصدق المخالفة فيما إذا كان الخبر مخالفاً مع إطلاق من القرآن الكريم، كما تصدق فيما إذا كان مخالفاً مع عمومه، أم لا؟ ذهب السيد الأستاذ- دام ظله- إلى الثاني، مدعياً في وجه ذلك: «أن الإطلاق غير داخل في مدلول اللفظ بل الحاكم عليه هو العقل ببركة مقدمات الحكمة التي لا يمكن جريانها في هذه الصورة، فالمستفاد من الكتاب ذات المطلق لا إطلاقه كي يقال أن مخالفه زخرف و باطل» (2).

و هذا الّذي أفاده- دام ظله- مما لا يمكن المساعدة عليه. لأنه لو أريد منه تطبيق المبنى المتقدم اختياره له في باب المطلقات من توقف تمامية الإطلاق على عدم البيان الأعم من المتصل و المنفصل، و الكتاب إذا كان بالعموم كان بياناً رافعاً لموضوع الإطلاق في الخبر و إذا كان بالإطلاق و مقدمات الحكمة لم يحكم العقل بالإطلاق في شي‏ء منهما. ففيه:

أولا- عدم تمامية المبنى، على ما تقدم توضيحه مفصلًا.

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 9- من أبواب صفات القاضي.

(2)- مصباح الأصول، ص 431.

331

و ثانياً- لو سلمت تماميته فهو يتوقف على أن تكون دلالة الدليل المنفصل بالوضع كي تكون صالحة لرفع الإطلاق و مقدمات الحكمة، فلا يصح تطبيقه على المطلقين، إذ لا يكون شي‏ء منهما صالحاً لذلك إلّا على معنى غير تام للبيان المأخوذ عدمه قيداً في مقدمات الحكمة، على ما تقدمت الإشارة إليه في أبحاث التعارض غير المستقر. فالظهور في المطلقين معاً منعقد و عنوان المخالفة صادق على الخبر المعارض مع إطلاق الكتاب أيضا.

و إن أريد: ان الإطلاق دلالة سكوتية فلا يكون لفظاً و كلاماً ليكون قرآناً، ففيه:

أولا- ان الإطلاق و إن كان يستفاد من السكوت و عدم ذكر القيد إلّا أن عدم ذكر القيد متصلًا بالخطاب يجعل الكلام ظاهراً في الإطلاق بحيث يكون السكوت حيثية تعليلية لإطلاق الخطاب القرآني نفسه.

و ثانياً- إن الإطلاق لو فرضناه سكوتاً مع ذلك كان كالدلالة اللفظية القرآنية من حيث كونه دلالة قطعية سنداً. و المفروض- على ما سوف يأتي الحديث عنه- أن الميزان المستفاد من هذه الروايات في طرح ما يخالف الكتاب كونه مخالفاً مع دليل قطعي السند و على أساسه عمم هذا الحكم إلى المخالفة مع السنّة القطعية.

و ان أريد: أن الإطلاق ليس ظهوراً مستفاداً من الكتاب الكريم، و إنما هو بحكم العقل فالمخالفة بين الخبر و بين حكم العقل لا الكتاب.

ففيه: أن الإطلاق و مقدمات الحكمة عبارة عن تحليل حال المتكلم في مقام كشف تمام مراده من كلامه باعتباره إنساناً عاقلًا ملتفتاً و لا يقصد بها براهين عقلية. و لذلك لم يكن يستشكل أهل العرف في استفادة الإطلاق كظهور عرفي لكلام المتكلم.

فالصحيح، عدم الفرق في أنحاء المخالفة بين المخالفة مع عموم الكتاب‏

332

الكريم، أو إطلاقه.

السابعة- إذا كانت المخالفة بنحو العموم من وجه، فهل يسقط الخبر عن الحجية رأساً أو في خصوص مورد التعارض؟ الصحيح هو الثاني، لأن العنوان الوارد في لسان هذه الأخبار- و هو اسم الموصول في قوله «ما خالف الكتاب»- مطلق يشمل كل أمارة تخالف الكتاب الكريم و ليس مخصوصاً بالحديث أو الرواية، و من الواضح أنه في موارد التعارض بنحو العموم من وجه يكون المخالف مع الكتاب إطلاق الحديث لا أصله فلا موجب لسقوط سنده.

و إن شئت قلت: أن هذه الحالة ليست بأشد مما إذا علم بعدم مطابقة الإطلاق للواقع، فكما أن ذلك لا يؤدي إلى سقوط سند الحديث كذلك الحال في مورد المعارضة مع إطلاق الكتاب أو غيره من الأدلة القطعية. فإن نكتة هذا السقوط إنما هو قطعية المعارض.

و الطائفة الأولى و إن كانت ظاهرة في إسقاط السند عن الحجية على ما تقدمت الإشارة إليه، إلّا أنها مع ذلك لا تقتضي طرح السند في محل الكلام، لأن المستفاد منها عرفاً إسقاط السند الّذي لو أخذ به لزم منه طرح مفاد الكتاب القطعي، و في موارد التعارض بنحو العموم من وجه لا يلزم منه ذلك، إذ لم يكن التعارض من جهة المنافاة بين أصل الدلالتين و إنما من جهة خصوصية الإطلاق في الخبر بحيث لو لم يكن يشمل مورد الافتراق لكان مقدماً على إطلاق الكتاب الكريم.

الثامنة- هل يتعدى من مخالفة الكتاب إلى مخالفة السنة القطعية النبوية أو مطلق السنة القطعية أم لا؟

الصحيح أن يقال: أن الدلالة القرآنية تشتمل على ثلاث خصائص.

الخصية الأولى- أنها كلام اللّه سبحانه و تعالى المعجز.

333

الخصيصة الثانية- أنها قطعية الجهة حيث لا يحتمل فيها التقية و نحوها.

الخصيصة الثالثة- أنها قطعية الصدور.

و تشترك السنة النبوية القطعية مع الكتاب الكريم في اثنتين من هذه الخصائص و هما الثانية و الثالثة، كما تشترك السنة القطعية غير النبوية مع الكتاب في الأخيرة منها فيما إذا لم تكن قطعية الجهة كما هو الغالب. و لا بد و أن ينظر بحسب مناسبات الحكم و الموضوع العرفية لهذا الحكم أن المستفاد من هذه الأخبار دخالة أي واحدة من هذه الخصوصيات في الحكم بطرح المخالف.

أما الخصيصة الأولى فلا يحتمل- بحسب المناسبات- دخلها في الحكم بالطرح، فإنها تناسب مثل الحكم باحترام القرآن الكريم أو وجوب الإنصات لآياته أو تلاوته مثلًا لا الحكم بالحجية القائمة على أساس الكاشفية و الطريقية.

و أما الخصيصة الثانية و الثالثة فاحتمال دخالتها معاً في المقام و إن كان معقولًا في نفسه، و لكن لا يبعد دعوى أن المنسبق إلى الذهن العرفي من هذه الروايات الحكم بإلغاء ما يخالف الكتاب الكريم على أساس كونه قطعياً سنداً لأن قطعية السند هي الصفة البارزة و الطابع العام الواضح لدى المتشرعة عن القرآن الكريم كدليل شرعي، و أما مسألة التقية فلم تكن معروفة لدى الجميع، خصوصاً في مثل عصر النبي (صلى اللَّه عليه و آله) الّذي أسندت إليه في جملة من هذه الروايات قاعدة طرح ما خالف الكتاب. فالصحيح تعميم الحكم بالطرح إلى المخالفة مع كل دليل قطعي السند.

التاسعة- قد أشرنا فيما سبق إلى أنه يمكن تفسير مفاد هذه الأخبار بنحو آخر لا يحتاج معه إلى جل الأبحاث المتقدمة، و ذلك التفسير هو: أنه لا يبعد أن يكون المراد من طرح ما خالف الكتاب الكريم، أو ما ليس عليه شاهد منه، طرح ما يخالف الروح العامة للقرآن الكريم، و ما لا تكون نظائره و أشباهه موجودة فيه. و يكون المعنى حينئذ أن الدليل الظني إذا لم يكن منسجماً مع‏

334

طبيعة تشريعات القرآن و مزاج أحكامه العام لم يكن حجة. و ليس المراد المخالفة و الموافقة المضمونية الحدية مع آياته. فمثلًا لو وردت رواية في ذم طائفة من الناس و بيان خستهم في الخلق أو أنهم قسم من الجن، قلنا أن هذا مخالف مع الكتاب الصريح في وحدة البشرية جنساً و حسباً و مساواتهم في الإنسانية و مسئولياتها مهما اختلفت أصنافهم و ألوانهم. و أما مجي‏ء رواية تدل على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلًا فهي ليست مخالفة مع القرآن الكريم و ما فيه من الحث على التوجه إلى اللّه و التقرب منه عند كل مناسبة و في كل زمان و مكان. و هذا يعني أن الدلالة الظنية المتضمنة للأحكام الفرعية فيما إذا لم تكن مخالفة لأصل الدلالة القرآنية الواضحة تكون بشكل عام موافقة مع الكتاب و روح تشريعاته العامة، خصوصاً إذا ثبتت حجيتها بالكتاب نفسه.

و مما يعزز هذا الفهم، مضافاً إلى أن هذا المعنى هو مقتضى طبيعة الوضع العام للأئمة المعصومين (عليهم السلام) و دورهم في مقام بيان الأحكام الأمر الّذي كان واضحاً لدى المتشرعة و رواة هذه الأحاديث أنفسهم و الّذي على أساسه أمروا بالتفقه في الدين و الاطلاع على تفاصيله و جزئياته التي لا يمكن معرفتها من القرآن الكريم، مما يشكل قرينة متصلة بهذه الأحاديث تصرفها إلى إرادة هذا المعنى. ما نجده في بعضها من قوله (إن وجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من الكتاب) فإن التعبير بالشاهد الّذي يكون بحسب ظاهره أعم من الموافق بالمعنى الحرفي، مع عدم الاقتصار على شاهد واحد خير قرينة على أن المراد وجود الأمثال و النّظائر لا الموافقة الحدية.

و قد جاء هذا المعنى في رواية الحسن بن الجهم عن العبد الصالح: «قَال:

إذَا جَاءكَ الحَدِيثَانِ المُختَلَفَانِ فَقسهُمَا عَلى كِتَابِ اللّهِ وَ أحَادِيثِنا فَإن أشبَهَهَا فَهُوَ حَقّ و إن لَم يُشبِههَا فَهُوَ بَاطِلٌ» (1).

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة المجلد الأول، ص 64.

335

و هذه الرواية و إن كانت واردة في فرض التعارض، إلّا أنها بحسب سياقها تشير إلى نفس القاعدة المؤكد عليها في مجموع أخبار الباب.

و على هذا الأساس يتضح أنه لا يستفاد من أخبار الطرح إلغاء الأدلة الظنية المعارضة مع الكتاب الكريم معارضة لا توجب إلغاء أصل مفاد قرآني واضح، كما في موارد التعارض غير المستقر، بل التعارض بنحو العموم من وجه أيضا، و إنما نحكم بسقوطها في مورد المعارضة بمقتضى القاعدة المتقدم شرحها في المسألة السابقة.

336

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

337

أَخبارُ العِلاج‏

و هي الأحاديث الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) لعلاج حالات التعارض و الاختلاف الواقع بين الروايات.

و الطريف أن هذه الأخبار قد ابتلت بنفسها بالتعارض فيما بينها، لأنها وردت بمضامين مختلفة قد يستفاد من بعضها التخيير. و قد يستفاد من بعضها التوقف أو الإرجاء، و قد يستفاد من بعضها الترجيح بالأحدث زماناً، أو بموافقة الكتاب أو مخالفة العامة أو غيرها من المرجحات. فلا بدّ من تحديد مدلولها، ليرى هل يتمخض منها مطلب زائد على مقتضى القاعدة الأولية المنقحة في المسألة السابقة أم لا.

و في هذا الضوء يمكننا أن نصنف أخبار العلاج إلى ثلاث طوائف.

1- أخبار التخيير.

2- أخبار الترجيح.

3- أخبار التوقف و الإرجاء.

و فيما يلي نتحدث عن كل قسم من هذه الأقسام تباعاً.

338

اخبار التخيير

ذهب المشهور إلى التخيير في حالات التعارض إذا لم يكن يوجد أحد المرجحات القادمة، و قد استندوا في ذلك إلى عديد من الروايات.

منها: رواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «سَألتُهُ عَنِ الرّجُلِ اختَلَفَ عَلَيهِ رَجُلانِ مِن أهلِ دِينهِ في أمرٍ كِلَاهُمَا يَروِيهِ أحَدُهُمَا يَأمُرُ بِأخذِهِ وَ الآخَرَ يَنهَاهُ عَنهُ كَيفَ يَصنَعُ؟ فَقَالَ:

يُرجِئُهُ حَتّى يَلقَى مَن يُخبِرَهُ فَهُوَ في سِعَةٍ حَتّى يَلقَاهُ» (1).

و هي تامة سنداً.

و أما دلالتها، فتقريب الاستدلال بها على مدعى المشهور- التخيير- أن قوله (عليه السلام) (فهو في سعة حتى يلقاه) ظاهر في جواز الأخذ بأيهما شاء و هو معنى التخيير، و أما قوله (يرجئه حتى يلقى من يخبره) فهو راجع إلى الحكم الواقعي و كيفية اكتشافه فلا ينافي التخيير في الحجية الّذي هو حكم ظاهري.

و قد أورد عليه السيد الأستاذ- دام ظله-: بأن موردها ما إذا دار الأمر بين محذورين بقرينة ما افترض فيها من أن أحد المخبرين يأمر بشي‏ء و الآخر

____________

(1)- وسائل الشيعة باب 9 من أبواب صفات القاضي.

339

ينهى عنه، و التخيير في مثل ذلك على مقتضى القاعدة فليس في الرواية حكم جديد (1).

و هذا الإيراد قابل للدفع.

فإنه أولا- التخيير العملي في موارد الدوران بين المحذورين إنما ينتهى إليه فيما إذا لم يكن أصل حاكم، كعموم فوقاني يثبت أحد الحكمين الإلزاميين أو أصل عملي منجّز له، و إلّا كانت النتيجة التعيين لا التخيير فيمكن أن يقال: مقتضى إطلاق الرواية لفرض وجود مرجع من هذا القبيل كون التخيير المذكور تخييراً في الحجية فيكون أمراً زائداً على مقتضى القاعدة.

و ثانياً- ان أريد أن غاية ما يستفاد منها التخيير في الحجية في موارد الدوران بين المحذورين و هو ثابت في نفسه بحكم العقل، فمن الواضح أن العقل لا يحكم إلّا بالتخيير في مقام العمل لا التخيير في الحجية المساوق مع حجية ما يلزم به و تعيينه. و ان أريد أن غاية ما يستفاد من السعة عدم المنجزيّة و العذر في مقام العمل، فهذا لا يتوقف على أن يكون النّظر إلى فرض الدوران بين المحذورين، بل هو إشكال آخر على الرواية حتى لو فرض إطلاق مفادها من حيث المورد، لأنه يساوق البراءة الجارية في غير موارد الدوران بين محذورين أيضا. و هو مرتبط بما يستظهر من قوله (عليه السلام)، (فهو في سعة حتى يلقاه) من حيث كون المراد السعة في الأخذ بأحدهما في مقام العمل بالحجة أو مجرد الترخيص الظاهري في مقام الامتثال.

و ثالثاً- أن التخيير في موارد الدوران بين المحذورين- عند من يقول به- إنما هو فيما إذا كان جنس الإلزام معلوماً، فحمل التخيير في الرواية على التخيير العملي الثابت بمقتضى القاعدة في موارد الدوران بين المحذورين موقوف على افتراض ورودها في مورد العلم بجنس الإلزام، مع أن السائل‏

____________

(1)- مصباح الأصول، ص 400.

340

لم يظهر من سؤاله فرض العلم بالإلزام و إنما الّذي فرضه ورود خبرين متعارضين و هذا لا يلزم العلم منه بجنس الإلزام إذ يحتمل كذبهما معاً. فإن أراد السيد الأستاذ من التخيير المستفاد من الرواية ما يقابل البراءة فإذا كان يستفيد العلم بجنس الإلزام من مجرد فرض السائل روايتين إحداهما تأمر و الأخرى تنهى، فهو غير تام كما عرفت. و إذا كان يدعي أن جامع الإلزام يثبت بنفس هذين الخبرين المتعارضين، لدلالة الرواية على حجية أحدهما في الجملة فهذا أمر زائد على مقتضى القاعدة، و يكون من حيث النتيجة العملية كالحجية التخييرية لأحدهما في موارد الدوران.

و إذا أراد من التخيير المستفاد من الرواية ما يعم البراءة و عدم التخيير غاية الأمر أنها بملاك العجز و عدم القدرة على الاحتياط لا بملاك الجهل، و هو لا يفرق فيه بين فرض العلم بجنس الإلزام و عدمه، فهذا مرجعه إلى مناقشة أخرى في الرواية و هي دعوى: أن مفادها ليس بأكثر من السعة بمعنى البراءة و عدم المنجزية لا التخيير، سواء كان موردها فرض الدوران بين المحذورين أم لا.

و التحقيق، أن الاستدلال بهذه الرواية على التخيير المزعوم غير تام، و ذلك لوجهين:

الأول- قوة احتمال أن يكون الملحوظ فيها حالات التعارض الواقعة في أصول الدين و نحوها من مسائل الجبر و التفويض و القضاء و القدر و البداء و المشيئة بقرينة التعبير الوارد في كلام السائل (أحدهما يأمر بأخذه) فإن النّظر لو كان إلى الفروع كان الأنسب أن يعبّر بالأمر بفعله. إذ التعبير بالأخذ يناسب الأمور الاعتقادية. و كذلك التعبير الوارد في جواب الإمام (عليه السلام) من قوله (يرجئه حتى يلقى من يخبره) فإن الإرجاء- و كذلك التعبير بمن يخبره- يناسب الاعتقادات التي تطلب فيها المعرفة لا الفروع التي يطلب فيها الامتثال و يكون الإرجاء فيها موجباً عادة للتفويت، مضافاً إلى قلة فروض الدوران‏

341

بين المحذورين في الفروع. و لا أقل من الاحتمال المستوجب للإجمال و عدم انعقاد الإطلاق في الرواية. و بناء عليه، لا يستفاد من السعة في الحديث التخيير أصلًا، إذ لا معنى له في الاعتقادات و المعارف الدينية. و إنما يكون المراد السعة من حيث الاعتقاد و الالتزام بمؤداه فلا يلتزم بشي‏ء منهما حتى يلقى من يخبره بالواقع.

الثاني- إن قوله (عليه السلام) (فهو في سعة حتى يلقاه) كما يحتمل فيه أن يكون بياناً لمطلب على خلاف مقتضى القاعدة و هو التخيير في الحجية، و السعة من حيث الأخذ بكل منهما، كذلك يحتمل فيه أمران آخران لا يتم معهما الاستدلال.

1- أن يكون تأكيداً للجملة الأولى، و هي قوله (يرجئه حتى يلقى من يخبره) و يكون المقصود أنه في سعة من حيث الوصول إلى الواقع المجهول إلى أن يلقى الإمام. فلا يجب عليه الفحص أو شد الرحال إلى الإمام (عليه السلام) كي يتوصل إلى الحكم الشرعي الواقعي. و أما الوظيفة العملية التي لا محيص عنها في الواقعة المجهولة، فلا يتعرض لها الحديث بمدلوله اللفظي، و لكن يفهم- و لو بمقتضى الإطلاق المقامي- أن وظيفته بعد ورود الخبرين كوظيفته قبل ورودهما، فلا ينشأ من وصولهما كلفة زائدة، و إلّا لكان يتعرض لها.

2- أن يكون المراد من السعة السعة العملية في مقام تفريغ الذّمّة عن الواقع المجهول بعد تعارض الدليلين، فيكون بياناً لعدم نشوء تنجيز زائد من ناحية الخبرين.

و نحن إن لم ندع تعين أحد هذين الاحتمالين في قبال الاحتمال الأول لتفسير جملة «فهو في سعة حتى يلقاه» فلا أقل من مساواتهما لذلك الاحتمال الّذي هو مناط الاستدلال فيكون الدليل مبتلى بالإجمال.

و منها- رواية علي بن مهزيار قال: «قرأتُ في كِتَاب لِعَبدِ اللّهِ بنِ مُحَمّد إلى أبي الحَسَنِ (عليه السلام): اختَلَفَ أصحَابُنَا في رِواياتِهِم عَن‏

342

أبي عَبدِ اللّهِ (عليه السلام) في رَكعَتَي الفجرِ في السّفَرِ، فَرَوَى بَعضُهُم أن صَلّهِمَا في المَحمِلِ، وَ رَوَى بَعضُهُم لَا تُصَلّهِمَا إلّا عَلى الأرضِ، فَأعلِمني كَيفَ تَصنَعُ أنتَ لأقتَدِي بِكَ في ذَلِكَ؟ فَوَقّعَ (عليه السلام):

مُوَسّعٌ عَلَيكَ بِأيّةٍ عَمِلتَ» (1).

و فقرة الاستدلال منها قوله (عليه السلام) (موسع عليك بأية عملت) الواضح في الدلالة على التخيير و إمكان العمل بكل من الحديثين المتعارضين.

و لكن يرد عليه.

أولا- ان الظاهر منها إرادة التوسعة و التخيير الواقعي لا التخيير الظاهري بين الحجيتين لظهور كل من سؤال الراوي و جواب الإمام (عليه السلام) في ذلك.

أما ظهور السؤال فلأنه مقتضى التنصيص من قبله على الحكم الّذي تعارض فيه الخبران الظاهر في استعلامه عن الحكم الواقعي. على أن قوله (فاعلمني كيف تصنع أنت لأقتدي بك) كالصريح في أن السؤال عن الحكم الواقعي للمسألة. فيكون مقتضى التطابق بينه و بين الجواب كون النّظر في كلام الإمام (عليه السلام) إلى ذلك أيضا، إذ لا وجه لصرف النّظر مع تعيين الواقعة عن حكمها الواقعي إلى الحكم الظاهري العام.

و أما ظهور الجواب في التخيير الواقعي، فباعتبار أنه المناسب مع حال الإمام (عليه السلام) العارف بالأحكام الواقعية و المتصدي لبيانها فيما إذا كان السؤال عن واقعة معينة بالذات.

و ثانياً- لو تنزلنا و افترضنا أن النّظر إلى مرحلة الحكم الظاهري و الحجية، مع ذلك لا يمكن أن يستفاد التخيير في حالات التعارض المستقر الّذي هو المقصود في المقام، لأن موردها التعارض بين ما يأمر بالصلاة على الأرض‏

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 15- من أبواب القبلة.

343

و ما يدل على الترخيص في إيقاعها في المحمل، و هو مما فيه جمع عرفي بحمل دليل الأمر على الاستحباب. فيكون مدلول الحديث حجية كل من الخبرين في نفسه لعدم التعارض بينهما، و التوسعة في مقام العمل بالأخذ بمفاد دليل الترخيص أو دليل الأمر، لكون الأمر استحبابياً لا لزومياً، فهذا المعنى أيضا صالح عرفاً لأن يكون هو المراد من قوله (عليه السلام) (موسع عليك بأية عملت).

و منها- ما رواه الشيخ في الغيبة بسنده عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري في مكاتبة بتوسط الحسين بن روح عن الحجة (عليه السلام) «يَسألُني بَعضُ الفُقَهَاءِ عَنِ المُصَلّي إذَا قَامَ مِنَ التّشَهّدِ الأوّلِ إلى الرّكعَةِ الثّالِثةِ هَل يَجِب عَلَيهِ أن يُكبّر، فَإنّ بَعضَ أصحَابِنَا قَالَ:

لا يَجِبُ عَلَيهِ التّكبِيرُ وَ يُجزِيهِ أن يَقُولَ بِحَولِ اللّهِ وَ قُوّتِهِ أقُومُ وَ أقعُدُ؟ فَكَتَبَ في الجَوَابِ: أنّ فِيهِ حَدِيثَينِ، أمّا أحَدُهُمَا فَإنّهُ إذَا انتَقَلَ مِن حَالَةٍ إلى أخرَى فَعَليهِ التّكبِيرُ، وَ أمّا الآخَرُ فَإنّهُ رُوِيَ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِن السّجدَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ ثُمّ جَلَسَ ثَمّ قَامَ فَلَيسَ عَلَيهِ في القِيَامِ بَعدَ القُعُودِ تَكبِيرٌ، وَ كَذلِكَ التّشهد الأوّلُ يَجرِي هذَا المَجرَى، وَ بِأيّهِمَا أخَذتَ مِن بَابِ التّسليمِ كَانَ صَواباً» (1) و فقرة الاستدلال منها قوله (عليه السلام) (بأيهما أخذت من التسليم كان صواباً) بل الاستدلال بها لعله أوضح منه بالرواية السابقة باعتبار كلمة (أخذ من جهة التسليم) التي قد يستشعر منها النّظر إلى الحجية و التعبد بأحد الخبرين.

و الصحيح عدم تمامية الاستدلال بها، لأن السائل في هذه الرواية لم يفرض خبرين متعارضين و إنما سأل من مسألة اختلف الفقهاء في حكمها الواقعي،

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 13- من أبواب السجود.

344

و إنما يراد الاستدلال بها على التخيير باعتبار ما في جواب الإمام (عليه السلام) من نقل حديثين متخالفين و ترخيصه في التسليم بأيهما شاء. إلّا أن هذا الجواب غير دال على التخيير المطلوب، و ذلك لعدة أمور.

الأول: ظهور كلام الإمام (عليه السلام) في الرخصة الواقعية لا التخيير الظاهري بين الحجيتين، إما من جهة كونه ظاهر حال الإمام (عليه السلام) دائماً إذا كان متعرضاً لبيان حكم مسألة معينة، و إما من جهة ظهور سؤال الراوي في الاستفهام عن الحكم الواقعي للمسألة فيكون مقتضى أصالة التطابق بين السؤال و الجواب أن النّظر إلى الترخيص الواقعي أيضا.

الثاني: إن جملة (و كذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى) تارة:

تفترض جزءاً من الحديث الثاني و أخرى: تفترض كلاما مستقلًا يضيفه الإمام (عليه السلام) إلى الحديثين.

فإذا كانت جزءاً من الحديث- و لو بقرينة أنه مورد لسؤال الراوي الّذي قال عنه الإمام (عليه السلام) أن فيه حديثين- كان الحديثان متعارضين إلّا أنهما من التعارض غير المستقر الّذي فيه جمع عرفي واضح، لا باعتبار أخصية الحديث الثاني من الحديث الأول فحسب بل باعتبار كونه ناظراً إلى مدلوله و هو ثبوت التكبير في الانتقال من حال إلى آخر، فيكون حاكماً عليه و عدم استحكام التعارض بين الحاكم و المحكوم أمر واضح عرفاً و مقطوع به فقهياً بحيث لا يحتمل أن يكون للشارع حكم على خلاف الجمع العرفي فيه فيكون هذا بنفسه قرينة على أن المقصود من التخيير الترخيص الواقعي.

و إذا كانت جملة مستقلة، و أن الحديث الثاني يتكفل حكم القيام من الجلوس بعد السجدة الثانية و أنه ليس على المصلي تكبير فيه، فلا تعارض بين الحديثين في مورد سؤال الراوي و هو الانتقال من التشهد إلى القيام لأن الحديث الثاني لا ينفي ذلك و إنما ينفي لزوم التكبير في القيام بعد التشهد، فيكون هذا

345

بنفسه قرينة على أن المراد هو الترخيص الواقعي.

الثالث: انه بناء على مسلك مدرسة المحقق النائيني (قده) من أن الوجوب ينتزعه العقل من الأمر بشي‏ء و عدم الترخيص في تركه و ليس مدلولًا للأمر، لا يكون تعارض بين الحديثين اللذين ينقلهما الإمام (عليه السلام) أصلًا إذ يكون مفاد أحدهما طلب الفعل و مفاد الآخر الترخيص في الترك و هو لا ينافي طلب الفعل و إنما يكون موجباً لعدم حكم العقل بالوجوب، فيتعين أن يكون المراد من كلام الإمام (عليه السلام) على هذا المبنى الترخيص الواقعي.

و هذا الوجه لإبطال الاستدلال غير تام، لأن الظاهر من الحديث الثاني نفي ما دل عليه الحديث الأول لا مجرد الترخيص في ترك التكبير، باعتباره ناظراً إلى الحكم الثابت في الحديث الأول فكأنه ينفي الطلب المبرز بذلك الحديث فيكون بينهما تعارض لا محالة.

الرابع: لو تمت دلالتها على التخيير الظاهري في الحجية فموردها الحديثان القطعيان اللذان نقلهما الإمام (عليه السلام) بنفسه كما يناسبه تعبيره (عليه السلام) عنهما بالحديثين، المشعر بكونه سنةً ثابتة عن آبائه المعصومين (عليهم السلام) فلا يمكن التعدي منه إلى التعارض بين خبرين ظنيين من حيث السند لاحتمال أن يكون مزيد اهتمام الشارع بالقطعيين موجباً لجعل الحجية التخييرية في موردهما خاصة و لا إطلاق في الرواية ليتمسك به.

هذا كله مضافاً، إلى أن الرواية غير نقية السند لأنها مكاتبة بخط أحمد ابن إبراهيم النوبختي و إملاء الحسين بن روح. و أحمد بن إبراهيم النوبختي مجهول لا ذكر له في كتب الرّجال، فإن كان واسطة في النقل عن الحسين ابن روح فالرواية ساقطة سنداً و إن استظهرنا أنه كان مجرد مستنسخ للمكاتبة و أن الراوي- و هو محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري- يشهد بإملاء الحسين ابن روح كانت معتبرة، و الإجمال و التردد كاف في إسقاط السند أيضا.

346

و منها- ما رواه الطبرسي في الاحتجاج مرسلًا عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «إذَا سَمِعتَ مِن أصحَابِكَ الحَديثَ وَ كُلّهُم ثِقَةٌ فَمُوَسّعٌ عَلَيكَ حَتّى تَرَى القَائِمَ فَتَرُدّ عَلَيهِ» (1).

و الاستدلال بها على التخيير باعتبار ما ورد فيها من التوسعة في الأخذ بهذا الحديث أو ذاك. و قد علق السيد الأستاذ- دام ظله- على هذه الرواية «بأنها لا دلالة لها على حكم المتعارضين كما ترى، و مفادها حجية أخبار الثقة إلى ظهور الحجة (عليه السلام)» (2).

و فيه: أنه لو سلمنا عدم ورودها في فرض التعارض و لم نقبل ما سوف نشير إليه من القرينة على أن النّظر فيها إلى صورة التعارض فلا بأس بأن يستفاد من إطلاقها التخيير في موارد التعارض، لأن دليل الحجية إذا كان بلسان جعل المنجزية أو الطريقية أو إيجاب العمل لا يمكن أن يشمل موارد التعارض، لأن شموله للمتعارضين معاً غير معقول و لأحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، و أما إذا كان بلسان التوسعة و أن له أن يعمل به فيعقل إطلاقه للمتعارضين معاً، لأن جواز العمل بأحد المتعارضين لا ينافي جواز العمل بالآخر أيضا. و من هنا نقول أن مثل حديث (فللعوام أن يقلدوه) في مسألة التقليد لو لا ما فيه من ضعف السند يمكن أن يكون دليلًا على التخيير عند تساوي المجتهدين مع اختلافهما.

و قد يستشكل في الاستدلال بها بإبراز احتمال أن يكون المراد من التوسعة التوسعة في الوظيفة العملية و بملاك الأصول المؤمنة مع افتراض سقوط المتعارضين عن الحجية، فلا يكون دليلًا على التخيير في الحجية.

و فيه: أن موارد التعارض ليست دائماً مجرى للأصول المؤمنة، بل قد

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 9- من أبواب صفات القاضي.

(2)- مصباح الأصول، ص 424.

347

تكون مورداً للتنجيز إما لوجود عموم فوقاني منجز لا بد من الرجوع إليه بعد التعارض أو لوجود أصل عملي منجز، كما في باب المعاملات مثلًا.

ثم أن قوله (عليه السلام) (و كلهم ثقة) لا إشكال في دلالته على دخالة وثاقة كل الرّواة في الحكم بالتوسعة، فإن فرض أن وثاقة الكل مأخوذة بنحو الانحلال فتصبح وثاقة كل راوٍ دخيلة في الحكم بالسعة في مقام الأخذ بالرواية- كما فهمه السيد الأستاذ- مد ظله- كان ذلك قرينة على خلاف الإشكال الثاني، لأن الرجوع إلى التأمين ليس مشروطاً بأن يكون المخبر ثقة. و إن فرضنا أنّ وثاقة الكل مأخوذة بنحو المجموعية و أن الدخيل في الحكم بالتوسعة وثاقة جميع الرّواة بحيث لو فرض وثاقة البعض دون البعض لم تثبت التوسعة، كان ذلك قرينة على خلاف الإشكال الأول، و ان مفروض الرواية الأخبار المتعارضة فيكون دالًا على الحجية التخييرية، و لا يبعد ظهور الرواية في دخالة وثاقة الكل في الحكم بالتوسعة، فدلالة الرواية على التخيير تامة و لكنهما ساقطة سنداً بالإرسال.

و منها- رواية الطبرسي في الاحتجاج مرسلة عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: (قُلتُ لِلرّضا تَجِيئُنَا الأحَادِيثُ عَنكُم مُختَلِفَةً؟ قَالَ: ما جَاءَكَ عَنّا فَقِسهُ عَلى كِتَابِ اللّهِ عَزّ وَ جَل وَ أحَادِيثِنَا فَإن كَانَ يَشبَهُهَا فَهُوَ مِنّا وَ إن لَم يُشبِهُهَا فَلَيسَ مِنّا. قُلتُ: يَجِيئُنَا الرّجُلانِ وَ كِلَاهُمَا ثِقَةٌ بِحَدِيثَينِ مُختَلِفَينِ فَلَا نَعلَم أيّهمَا الحَقّ؟ فَقَالَ: إذَا لَم تَعلَم فَمُوَسّعٌ عَلَيكَ بأيّهِمَا أخَذتَ) (1).

و هي أوضح الروايات في الدلالة على التخيير إلّا أنها ساقطة سنداً بالإرسال.

و منها- مرفوعة زرارة التي سوف يأتي الحديث عنها في أخبار الترجيح،

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة ج 1 باب- 6- من أبواب المقدمات، ص 64.

348

حيث ورد في ذيلها ما يستدل به على التخيير عند فقد المرجحات، و هو قوله (عليه السلام): (إذَن فَتَخَيّرَ أحَدَهُمَا فَتَأخُذُ بِهِ وَ تَدَعَ الآخَرَ) (1).

و قد ناقش فيه السيد الأستاذ- مد ظله- بأن موردها الروايتان المشهورتان معاً بحسب فرض الراوي، و المراد من الشهرة- على ما سوف يقع الحديث عنه- الشهرة الروائيّة لا الفتوائية و هي مساوقة مع قطعية سندهما و هذا خارج عن محل الكلام فإننا نتحدث عن التخيير في المتعارضين غير القطعيين‏ (2).

و فيه: أن المراد بالشهرة في المرفوعة الشهرة في الفتوى لا الرواية- على ما سوف يأتي الحديث عنه- و لو سلم إرادة الشهرة الروائيّة منها فلا بدّ و أن تفترض بدرجة لا تبلغ مرتبة التواتر، لأن الرواية فرضت بنفسها الترجيح بالأصدقية و الأعدلية عند تكافئهما من ناحية الشهرة فيراد مرتبة من الشهرة يبقى معها مجال للترجيح السندي بمثل الأصدقية و الأعدلية.

إلّا أن الرواية ساقطة سنداً لأنها مرفوعة العلامة بزعم صاحب غوالي اللئالي. هذه هي مهم ما يمكن أن يستدل به من الروايات على التخيير مطلقاً أو في الجملة. و قد عرفت عدم تمامية شي‏ء منها.

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة ج 1، ص 62.

(2)- مصباح الأصول، ص 423.

349

أَخبارُ الترجيح‏

و أما الأخبار الدالة على المرجحات و تقديم أحد الخبرين المتعارضين على أساسها فهي عديدة و مختلفة، و تنسيقاً للبحث عنها نصنفها إلى أربعة أصناف.

1- ما يدل على الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة.

2- ما يدل على الترجيح بالشهرة.

3- ما يدل على الترجيح بالأحدثية.

4- ما يدل على الترجيح بصفات الراوي.

1- الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة

: و الأخبار الدالة على الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة كثيرة، إلّا أن أهمها و أصحها ما رواه قطب الدين سعيد بن هبة اللّه الراوندي في رسالته التي ألفها في أحوال أحاديث أصحابنا عن محمد و علي ابني علي بن عبد الصمد عن أبيهما عن أبي البركات علي بن الحسين عن أبي جعفر بن بابويه عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن أيوب بن نوح عن محمد بن أبي عمير عن عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه قال: (قَالَ الصّادِقُ (عليه السلام): إذَا وَرَدَ عَلَيكُم حَدِيثَانِ مُختَلِفانِ فَاعرِضُوهُمَا عَلى كِتَابِ اللّهِ فَمَا وَافَقَ كِتَابَ‏

350

اللّهِ فَخُذُوهُ وَ ما خَالَفَ كِتَابَ اللّهِ فَرُدّوهُ فَإن لَم تَجِدُوهُمَا في كِتَابِ اللّهِ فَاعرِضُوهُمَا عَلى أخبَارِ العَامّةِ فَمَا وَافَقَ أخبَارَهُم فَذَرُوهُ وَ ما خَالَفَ أخبَارَهُم فَخُذُوهُ) (1).

و الكلام حول هذه الرواية يقع تارة: في سندها، و أخرى: في مفادها، و ثالثة: في علاقتها بسائر الروايات.

أما البحث عن سندها، فربما يناقش فيه من وجوه.

الأول- استبعاد وجود كتاب لقطب الدين الراوندي في أحوال الرّجال لأن اثنين من تلامذة الشيخ الراوندي- و هما ابن شهرآشوب و منتجب الدين- قد ترجما أستاذهما في كتابي معالم العلماء و فهرست منتجب الدين و لم يذكرا هذه الرسالة في عداد مؤلفاته، مما ينفي صحة انتسابها إليه.

و مما يعزز هذا النفي ما أبداه جملة من العلماء كالشيخ أسد اللّه التستري- قده- من احتمال أن تكون هذه الرسالة للسيد الراوندي الّذي كان معاصراً مع الشيخ الراوندي المعروف، فنسب إليه اشتباه.

و هذه المناقشة يدفعها أننا لو فرضنا تمامية طريق لصاحب الوسائل إلى أحد تلامذة الراوندي قد نقل هذه الرسالة عن أستاذه فمجرد سكوت ابن شهرآشوب أو منتجب الدين عن ذكرها في ترجمة الراوندي لا يكفي لإسقاط طريق صاحب الوسائل عن الاعتبار، إذ لعل هذا الكتاب وصل إلى تلميذ ثالث لم يكن زميلًا لهما و لا معاصراً في تلمذته على الشيخ، خصوصاً و هذه الرسالة- و هي رسالة مختصرة- لم تكن ذات شأن بالغ و لذلك لم يكن لها اسم خاص و عنوان واضح حتى أن صاحب الوسائل يذكرها بالوصف و أنها في أحوال أحاديث أصحابنا، و ذكر صاحب البحار أن هناك رسالة للراوندي سماها

____________

(1)- وسائل الشيعة باب 9 من أبواب صفات القاضي.

351

برسالة الفقهاء و قال أنها وصلت إليه عن طريق الثقات، و المظنون أنها عين الرسالة، فأي استبعاد في أن يجهل التلميذان وجود مثل هذه الرسالة أو عن إيرادها ضمن مصنفات الشيخ الراوندي- قده-.

أضف إلى ذلك: أن ابن شهرآشوب و منتجب الدين- قدهما- لم يعلم من حالهما أنهما كانا بصدد حصر كافة مؤلفات الشيخ الراوندي، و لهذا لم يذكرا جميع كتبه بل كل منهما ذكر كتباً لم يذكرها الآخر- رغم أن منتجب الدين أطنب في عرض مصنفات أستاذه- فقد ذكر ابن شهرآشوب مثلًا كتاباً للراوندي في أولاد العسكريين و لم يذكره الشيخ منتجب الدين، و ذكر منتجب الدين كتاب شرح النهج و لم يذكره ابن شهرآشوب.

و مما يعزز ذلك أيضا، وجود كتب أخرى نسبت إلى الراوندي مع عدم ذكر التلميذين لها، من قبيل كتاب قصص الأنبياء الّذي ينقله صاحب الوسائل مع كتاب الخرائج و الجرائح عن الراوندي- قده- و قد صرح ابن طاوس في مهج الدعوات بأنه لسعيد بن هبة اللّه الراوندي.

الثاني- التشكيك في وجود طريق لصاحب الوسائل إلى هذه الرسالة، لأنه لم يذكر طريقه إليها في كتاب الوسائل فإن غاية ما نجده فيه ما يذكره في فوائده الخاتمة من الطريق المعتمد لديه إلى كتاب قصص الأنبياء و كتاب الخرائج و الجرائح للراوندي، و لم يذكر طريقاً يعتمده في نقل هذه الرسالة.

و هذه المناقشة غير تامة أيضا. لأنه يمكن إثبات طريق لصاحب الوسائل إلى هذا الكتاب بضم كلامين له أحدهما إلى الآخر، فقد ذكر في فوائده الخاتمة «نروي كتاب الخرائج و الجرائح و كتاب قصص الأنبياء لسعيد بن هبة اللّه الراوندي بالإسناد السابق عن العلامة عن والده عن الشيخ مهذب الدين الحسين بن ردّه عن القاضي أحمد بن علي بن عبد الجبار الطوسي عن سعيد ابن هبة اللّه الراوندي» ثم يقول «و نروي باقي الكتب بالطرق السابقة» فإنّا

352

نستظهر من مجموع هذين الكلامين أنه ينقل سائر الكتب التي ذكرها في متن الوسائل و التي لم يصرح بها في المشيخة عن مؤلفها بالإسناد المذكور أيضا.

و مما يشهد على أن هذا الطريق هو سند صاحب الوسائل إلى الرسالة، طريق العلامة إلى سعيد بن هبة اللّه الراوندي في إجازته المعروفة التي أحصت عدداً كبيراً من علماء الطائفة فإنه ذكر في تلك الإجازة المعروفة لآل زهرة طرقه إلى كتب الشيعة و إلى كتب العامة، و قال بأنه يروي جميع كتب سعيد بن هبة اللّه الراوندي عن فلان ... إلخ. و ذكر عين هذا الطريق الّذي ينقل عنه صاحب الوسائل بواسطة العلامة كتابي قصص الأنبياء و الخرائج و الجرائح و المفروض أن صاحب الوسائل يخبر بأن هذا هو أحد كتب الراوندي أيضا فهذا يعزز أن صاحب الوسائل قد تلقى الرسالة بنفس هذا الطريق العام.

الثالث- أن هذه الرسالة لو كان ينقلها صاحب الوسائل عن العلامة بالطريق المتقدم فكيف لا نجد له عيناً و لا أثر في كلمات العلامة و مشايخه فإن من يراجع كتاب التهذيب الّذي ألّفه العلامة في علم الأصول أو كتاب المعتبر للمحقق أو المراجع الأخرى لمشايخنا المتقدمين لا يرى أنهم استدلوا بهذه الرواية على الترجيح أصلًا، مما يوجب الوثوق بأن هذه الرسالة لم يكن يطلع عليها العلامة أو المحقق وقتئذٍ.

و فيه: أن عدم استدلال العلامة أو المحقق في كتبهم الأصولية بهذه الرواية لا يدل على عدم وجود الرسالة بأيديهم، لأنهما لم يذكرا أكثر روايات الباب. و قد اقتصر شيخنا المحقق- قده- في كتاب المعارج على قوله «إذا كان أحد الخبرين المتعارضين مخالفاً للكتاب دون الآخر قدم ما كان غير مخالف على ما كان مخالفاً لأن المخالف لو لم يكن له معارض لا يكون حجة فكيف مع وجود المعارض، و أما إذا كان أحدهما مخالفاً للعامة دون الآخر فقد قال شيخنا أبو جعفر- يعني الشيخ الطوسي- قده- أنه يقدم ما خالف العامة

353

على ما وافق العامة عملًا منه بأخبار الآحاد في المقام و إثباتاً منه للمسألة العلمية بأخبار الآحاد».

الرابع- إن محمداً و علياً ابني علي بن عبد الصمد- الواقعان في السند- قد يقال أنهما ليسا محمداً و علياً ابني علي بن عبد الصمد و إنما هما محمد و علي ابني عبد الصمد لأنهما شخصان معروفان و من مشايخ ابن شهرآشوب و أساتذته الذين يروي عنهم و قد وقعا في طرق صاحب الوسائل كثيراً، و أما محمد و علي ابنا علي بن عبد الصمد فلم يقعا في طرق صاحب الوسائل و إجازته المعروفة و من البعيد أن يكون الشيخ الراوندي المتقدم طبقة عن ابن شهرآشوب ينقل عن أولاد علي بن عبد الصمد الّذي هو من أساتذة ابن شهرآشوب و من ينقل عنه، مما يوجب قوة احتمال وجود خطأ في البين و أن يكون المقصود محمد و علي ابني عبد الصمد و هما و إن كان لا إشكال في وثاقتهما و جلالة شأنهما إلّا أن الإشكال في أبيهما الّذي ينقلان الرواية عنه- و هو عبد الصمد- فإنه ممن لم يثبت توثيقه.

و فيه: أن محمداً و علياً ابني علي بن عبد الصمد واقعان في أسانيد الراوندي جزماً و قد تكرر ذلك في كتاب قصص الأنبياء على ما شهد به مؤلف كتاب رياض العلماء، و قد جاء في ترجمة الراوندي من قبل جملة من العلماء ذكر محمد و علي ابني علي بن عبد الصمد في عداد مشايخه و لم يجئ ذكر محمد و علي ابن عبد الصمد أصلًا.

و قد وقع الالتباس في تشخيص علي بن عبد الصمد من جراء تشابه الأسماء حتى ترجم الشيخ الحر- ره- في كتاب أمل الآمل عدة أشخاص بهذا الاسم فقال: «محمد بن علي بن عبد الصمد النيسابوري فاضل جليل من مشايخ ابن شهرآشوب» (1). و قال: «محمد بن عبد الصمد النيسابوري عالم فاضل‏

____________

(1)- أمل الآمل ج 2، ص 287

354

جليل القدر من مشايخ ابن شهرآشوب» (1) و قال: «علي بن علي بن عبد الصمد التميمي النيسابوري فقيه ثقة قرأ على والده و على الشيخ أبي علي ابن الشيخ أبي جعفر (2)». و قال: «الشيخ علي بن عبد الصمد التميمي السبزواري فقيه دين ثقة قرأ على الشيخ أبي جعفر (يعني الصدوق) قاله منتجب الدين» (3) و قال: «الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الصمد النيسابوري التميمي فاضل عالم يروي عنه ابن شهرآشوب و لا يبعد اتحاده مع التميمي السبزواري السابق بل الظاهر ذلك» (4).

و الظاهر: أن هناك محمداً و علياً ابني عبد الصمد- و هما المشايخ المعروفون لابن شهرآشوب- و هما حفيدان لمحمد أو علي أو حسين أبناء علي بن عبد الصمد الأول، فهناك علي بن عبد الصمد الأول الجد الأعلى للأسرة و هو ذلك العالم الجليل الفقيه الّذي كان في طبقة الشيخ الطوسي و المرتضى- رهما- و يروي عن الصدوق- قده- بواسطة واحدة غالباً فيما اطلعنا عليه، و إن ادعي أنه قد روى عنه بلا واسطة، و هذا الشخص لا يمكن أن يكون هو شيخ ابن شهرآشوب بوجه أصلًا. و قد كان له ثلاثة أبناء محمد و علي و حسين و هم الطبقة الأولى من أولاده، و الأولان منهما هما اللذان يروي عنهما الراوندي هذه الرواية و كانا من مشايخه و هناك حفيد لعلي بن عبد الصمد- الجلد الأول- اسمه عبد الصمد و لا ندري هل هو ابن علي أو حسين ابني علي بن عبد الصمد، و لكنه لم يكن ابن محمد بن علي بن عبد الصمد بقرينة تعبير ابنه عنه بأنه عم أبيه. و أيا ما كان فهذا عبد الصمد الثاني له ولدان اسمهما علي و محمد و هما اللذان من مشايخ ابن شهرآشوب. و هذا التسلسل النسبي يتضح من عدة روايات و كلمات العلماء في ترجمة بعض أفراد هذه الأسرة. نقتصر منها على‏

____________

(1)- أمل الآمل ج 2، ص 278.

(2)- أمل الآمل ج 2، ص 194.

(3)- أمل الآمل ج 2، ص 192.

(4)- أمل الآمل ج 2، ص 192.