بحوث في علم الأصول - ج7

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
418 /
355

ذكر ما جاء في مهج الدعوات لابن طاوس حيث قال: «قال علي بن عبد الصمد- و هو الّذي يروي عنه ابن شهرآشوب و من مشايخه لأن ابن طاوس شيخ العلامة و ابن شهرآشوب في طبقة مشايخ العلامة أو أعلى بقليل- أخبرني جدي- و هو أحد الأولاد الصلبيين لعلي بن عبد الصمد الأول جد الأسرة- قال حدثنا والدي الفقيه أبو الحسن- يعني علي بن عبد الصمد جد الأسرة الّذي كان من طبقة السيد المرتضى و الشيخ الطوسي فإنه المكنى بأبي الحسن- قال حدثنا جماعة من أصحابنا منهم السيد أبو البركات- و هو الّذي وقع في طريق رواية الراوندي أيضا- عن الصدوق- و هذا يدل أيضا على ما ذكرناه من أنه يروي عن الصدوق بواسطة واحدة-» فإن هذا التسلسل الواقع في هذا الطريق يدل على أن علي بن عبد الصمد الّذي هو في طبقة مشايخ ابن شهرآشوب غير علي بن عبد الصمد المكنى بأبي الحسن الّذي يروي عن أبي البركات، و إنما هو جده الأعلى. فما تقدم من الشيخ الحرفي أمل الآمل من اتحاد الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الصمد النيسابوري التميمي الّذي يروي عنه ابن شهرآشوب مع علي بن عبد الصمد التميمي السبزواري الّذي نقل الشيخ الحرّ عن منتجب الدين أنه فقيه دين ثقة قرأ على الشيخ أبي جعفر الصدوق غير صحيح. و عليه فالرواية صحيحة السند من هذه الناحية، لأن محمداً و علياً ابني علي بن عبد الصمد ينقلان الرواية عن أبيهما و هو ذلك الشيخ الفقيه الجليل الّذي قرأ على أبي جعفر- قده-.

الخامس- أبو البركات علي بن الحسين العلوي الخوزي الّذي يروي عنه الراوندي لا يوجد دليل على توثيقه عدا شهادة صاحب الوسائل- قده- بوثاقته و هي لا تفيد في التوثيق، لأنها لا يحتمل فيها أن تكون عن حسٍّ مع هذا البعد الزمني الممتد بينهما و هو قرابة سبعمائة عام فلو فرض وجود احتمال الحسيّة لشهادات الشيخ الطوسي- قده- في حق الرّواة غير المعاصرين له- و لذلك يؤخذ بها- فذلك من جهة عدم وجود هذا المقدار من البعد الزمني‏

356

بينه و بين أبعد راوٍ يفرض من أولئك الرّواة.

و فيه: أن المقياس في نشوء احتمال الاستناد إلى الحس في مقابل الحدس و الاجتهاد ليس هو طول الزمان و قصره فحسب، و إنما تتحكم فيه أيضا ملابسات ذلك الفاصل الزمني و ظروفه، فقد يكون الفاصل قصيراً و لكنه قد مضى بنحو لا يوفر للباحث ما يحتاجه من المدارك الواضحة التي تستوجب حسية شهادته بالتوثيق أو الجرح، و قد تطول الفاصل الزمني دون أن يضر بما تطلبه حسية الشهادة من مدارك و مستندات، فمثلًا ترى أن التسلسل النسبي لأسرة علوية قد يكون محفوظاً عبر مئات السنين فيستطيع أي فرد منها أن ينسب نفسه إلى أبيه ثم إلى جده و جد جده و هكذا إلى أزمنة سحيقة من تاريخ آبائه و أجداده نتيجة الاهتمام الموجود تجاه هذا النسب المبارك، بينما لا يتأتى ذلك في حق الأنساب الأخرى و لو لأزمنة قصيرة من تاريخ الآباء و الأجداد.

و على هذا الأساس، لو لاحظنا السنين التي تفصل بين الشيخ الطوسي- قده- و بين الرّواة الذين شهد بوثاقتهم و التي هي أقصر بكثير من الفاصل الزمني بين صاحب الوسائل- قده- و العلماء الذين يشهد بوثاقتهم- كأبي البركات مثلًا- نرى فارقاً كيفياً كبيراً بين الزمانين يميز الفاصل الزمني بين صاحب الوسائل و أبي البركات من ناحية إمكانية الحصول فيه على مدارك حسية للشهادة بوثاقته. و ذلك الفارق الكيفي يتمثل في توفر الضبط في النقل و شدة الاهتمام بمدارك التوثيق و الجرح و التعديل و شيوع كتب الرّجال و الإجازات و الإسناد التي هي منفذ اطلاع الباحث على معرفة أحوال الرّجال عادة و عدم توفر مثل هذه المدارك و إمكانات البحث و الاطلاع في الفترة الزمنية بين الشيخ الطوسي و أصحاب الأئمة حتى أنه لم ينقل فهرست لأحد من الأصحاب في هذه الفترة غير البرقي- قده-.

و مما يعزز وثاقة أبي البركات أيضا ما جاء في كتاب رياض العلماء في‏

357

ترجمة شخص من العلماء اسمه علي بن أبي طالب بن محمد بن أبي طالب التميمي و هو على ما يظهر من ترجمته متأخر عن ابن شهرآشوب و يعبر عنه بأنه فاضل عالم محدث فقيه قال- أي في كتاب رياض العلماء- «أنه في عدد من نسخ عيون أخبار الرضا للصدوق- قده- يوجد فيه إسناد لهذا الكتاب يرجع إلى علي بن أبي طالب بن محمد بن أبي طالب و هو يرويه عن الإمام الفقيه فلان ...

ثم يتسلسل في ذكر علمائنا- (رضوان اللّه عليهم)- واحداً بعد آخر إلى أن يصل إلى الواسطة قبل الصدوق، فيقول: قال حدثنا الإمام الزاهد أبي البركات الخوزي عن الصدوق».

فإن هذا الكلام و أمثاله كما يؤيد وثاقة أبو البركات حيث يعبر عنه بالإمام الزاهد و هي رتبة عالية من التوثيق لا يلقب بها إلّا أجلاء علماء الطائفة كذلك يثبت ما قلناه آنفاً من انتشار الأسناد و المدارك التي يتيح إمكانية التعويل عليها في مجال التعرف على أحوال الرّجال في الفترة الزمنية التي عاش فيها صاحب الوسائل- قده- فاحتمال حسية شهادته بتوثيق أبى البركات موجود فتكون شهادته معتبرة لا محالة.

و هكذا يتضح أن رواية الراوندي صحيحة سنداً.

و أما الحديث عن مفادها فقد اشتمل مفادها على مرجحين طوليين.

الأول- الموافقة و المخالفة مع الكتاب، فيرجّح ما وافق الكتاب على ما خالفه و مقتضاه الاقتصار في الترجيح على خصوص ما إذا كان أحد الخبرين موافقاً مع الكتاب و الآخر مخالفاً له فلا يكفي مجرد مخالفة أحدهما للكتاب في ترجيح الآخر عليه. اللهم إلّا أن يستظهر كفاية ذلك بالتعدي و الفهم العرفي بدعوى: أن مناسبات الحكم و الموضوع العرفية في باب جعل الحجية و الطريقية تقتضي أن يكون الميزان في الترجيح عدم المخالفة مع الكتاب الكريم لوضوح عدم مجي‏ء جميع التفاصيل و جزئيات الأحكام الشرعية فيه، فيكون المراد

358

من الموافقة عدم المخالفة.

الثاني- المخالفة و الموافقة مع العامة فيرجّح ما خالف أخبارهم على ما وافقها. و قد يقال باختصاص هذا الترجيح بما إذا كانت المخالفة و الموافقة مع أخبارهم لأنه الّذي نصّ عليه الحديث، إلّا أن الصحيح التعدي إلى الموافقة و المخالفة مع فتاواهم و آرائهم أيضا و إن كانت على أساس غير الأخبار من أدلة الاستنباط عندهم فإنه لا فرق بينه و بين الموافقة مع أخبارهم في الترجيح القائم على أساس نكتة طريقية لا تعبدية.

و المستفاد من الرواية طولية الترجيحين و أن الأول منهما مقدم في مقام علاج التعارض على الثاني كما هو واضح.

و أما الحديث عن نسبتها إلى سائر الأخبار فبلحاظ أخبار التخيير لو تم شي‏ء منها تكون رواية الراوندي أخص مطلقاً باعتبارها تثبت الترجيح في قسم خاص من حالات التعارض و هو ما إذا كان أحد المتعارضين موافقاً مع الكتاب أو مخالفاً مع العامة، و أما بلحاظ أخبار الترجيح الأخرى أو أخبار التوقف و الإرجاء، فسوف نتعرض إلى نسبتها مع رواية الراوندي لدى التعليق على كل واحد منها.

و من جملة أخبار الترجيح بمخالفة العامة، رواية الحسين بن السرى قال:

«قَالَ أبُو عَبدِ اللّهِ (عليه السلام): إذَا وَرَدَ عَلَيكُم حَدِيثَانِ مُختَلِفانِ فَخُذُوا بِمَا خَالَفَ القومَ» (1).

و هي ساقطة سنداً، و لكنها موافقة دلالة مع رواية الراوندي في ترجيح ما خالف العامة على ما وافقهم بعد أن تعدينا في فهم رواية الراوندي إلى مطلق المخالفة مع فتاواهم. نعم هذه الرواية مطلقة تشمل صورة مخالفة الخبر المخالف مع العامة للكتاب الكريم أيضا فلا بدّ من تقييدها برواية الراوندي باعتبارها

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 9- من أبواب صفات القاضي حديث 30.

359

تدل على الترتيب و تخصيص هذا المرجّح بما إذا لم يتم في المرتبة السابقة الترجيح بموافقة الكتاب.

و منها- رواية الحسن بن الجهم قال: «قُلتُ لِلعَبدِ الصّالِحِ (عليه السلام) هَل يَسَعُنَا فِيمَا وَرَدَ عَلَينَا مِنكُم إلّا التّسلِيمِ لَكُم؟ فَقَالَ:

لَا وَ اللّهِ لَا يَسَعكُم إلّا التّسلِيمُ لَنَا، فَقُلتُ: فَيُروَى عَن أبي عَبدِ اللّهِ (عليه السلام) شَي‏ءٌ يُروَى عَنهُ خِلافُهُ فَبِأيّهِمَا نَأخُذُ؟ فَقَالَ:

خُذ بِمَا خَالَفَ القَومَ، وَ ما وَافَقَ القَومَ فَاجتَنِبهُ» (1).

و هي كسابقتها في الدلالة.

و منها- رواية محمد بن عبد اللّه قال: «قُلتُ للرّضا (عليه السلام): كَيفَ نَصنَعُ بالخَبَرَينِ المُختَلِفَينِ؟ فَقَالَ: إذَا وَرَدَ عَلَيكُم خَبَرَان مُختَلِفانِ فَانظُرُوا إلى ما يُخَالِفُ مِنهُمَا العَامّةَ فَخُذُوهُ و انظُرُوا إلى ما يُوَافِق أخبَارَهُم فَدَعُوهُ» (2).

و هي كالسابقتين أيضا.

و منها- مرسلة الطبرسي عن سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قُلتُ: يَرِدُ عَلَينَا حَدِيثَانِ واحِدٌ يَأمُرُنا بالأخذِ بِهِ وَ الآخَرُ يَنهَانَا عَنهُ؟ قَالَ لَا تَعمل بِوَاحِدٍ منهَا حَتّى تَلقَى صَاحِبَكَ فَتَسألُهُ. قُلتُ: لَا بُدّ أن نَعمَلَ بِوَاحِدٍ منهَا؟ قَالَ: خُذ بِمَا فِيهِ خِلَافُ العَامّةِ» (3).

و لو لا إرسالها كنا نقيد بها إطلاق رواية الراوندي في الترجيح بمخالفة العامة بما إذا كان يتحتم العمل بأحد المتعارضين في زمان حضور الإمام (عليه السلام)، و لكنها ساقطة سنداً بالإرسال، كما أنها من ناحية سكوتها عن الترجيح بموافقة

____________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

360

الكتاب تقيّد برواية الراوندي.

و منها- رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قَالَ: ما سَمِعتهُ مِنّي يَشبَهُ قَولَ النّاسِ فِيهِ التّقِيّةُ، وَ ما سَمِعت منّي لَا يَشبَهُ قَولَ النّاسِ فَلَا تَقِيّةَ فِيهِ» (1).

إلّا أن هذه الرواية واردة في طبيعي الخبر لا خصوص المتعارضين فقد يقال بأنها تدل على سقوط ما يشبه العامة عن الحجية مطلقاً، غير أن الظاهر كون المراد من مشابهة قول الناس أن يكون الحديث متضمناً لنفس الأساليب و الأصول الموضوعية التي يتبناها الناس و يستدلون بها في مقام استنباط الحكم الشرعي، و مثل ذلك لا يبعد أن يكون قرينة نوعية عقلائية على صدور الحديث تقية، فتكون ساقطة عن الحجية على القاعدة.

و من جملة ما قد يستدل به على الترجيح بالكتاب، رواية الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: «قُلتُ لَهُ يَجِيئُنَا الأحَادِيثُ عَنكُم مُختَلِفَة فَقَالَ: ما جَاءَكَ عَنّا فَقِس عَلى كِتَابِ اللّهِ عَزّ وَ جَلّ وَ أحَادِيثِنَا فَإن كَانَ يَشبَهُهُمَا فَهُوَ مِنّا وَ إن لَم يَكُن يَشبَهُهُمَا فَلَيس مِنّا. قُلتُ: يَجِيئُنَا الرّجُلانِ وَ كِلَاهُمَا ثِقَةٌ بِحَدِيثَينِ مُختَلِفَين وَ لَا نَعلَمُ أيّهُمَا الحَقُّ؟ قال: فَإذَا لَم تَعلَم فَمُوَسّعٌ عَلَيكَ بِأيّهِمَا أخَذتَ» (2).

إلّا أن هذه الرواية لا تدل على الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة و إنما مساقها مساق بعض أخبار الطرح الدالة على إناطة حجية الخبر بوجود شاهد يشبهه من الكتاب الكريم فلا تكون من أخبار الترجيح بل من أخبار الطرح، نعم ما جاء في ذيلها يدل على التخيير في موارد التعارض فتكون من أخبار

____________

(1)- المصدر السابق.

(2)- المصدر السابق.

361

التخيير التي لا بد من تقييدها بأخبار الترجيح ان تمت في نفسها إلّا أن سندها غير تام للإرسال فيه.

و من جملة ما يدل على الترجيح بهذا المرجح، مقبولة عمر بن حنظلة و مرفوعة زرارة اللتان يقع الحديث عن مفادهما مفصلًا في الترجيح بالصفات.

و هكذا يتضح أن الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة تام على أساس رواية الراوندي المتضمنة للترجيح بهما بنحو الترتب و الطولية بينهما.

2- الترجيح بالشهرة

: و أهم ما يدل على هذا المرجح المقبولة و المرفوعة اللتان سوف يأتي الحديث عنهما مفصلًا في الترجيح بالصفات.

و هناك رواية للطبرسي ورد فيها: «وَ رُوِيَ عَنهُم (عليه السلام) أنّهُم قَالُوا: إذَا اختَلَفَت أحَادِيثُنَا عَلَيكُم فَخُذُوا بِمَا اجتَمَعَت عَلَيهِ شيعَتُنَا فَإنّهُ لَا رَيبَ فِيهِ» (1).

و المراد باجتماع الشيعة إن كان الاجتماع في الرواية فهو مساوق مع التواتر و لا إشكال حينئذ في لزوم العمل به و طرح الخبر المخالف له، و إن كان المراد اجتماع الشيعة عليه في العمل و الفتوى كان معناه مرجحية الشهرة الفتوائية، و لا يبعد ظهورها في الأخير باعتبار إضافة الاجتماع فيها إلى الشيعة لا إلى الرّواة بالخصوص مما يناسب أن يكون المراد منه الاجتماع في الرّأي و العمل.

و الرواية و إن كانت ضعيفة سنداً بالإرسال، إلّا أن مفادها يثبت في الفقه كثيراً على مقتضى القاعدة، لأن اجتماع الشيعة إن لم يورث الاطمئنان الشخصي للفقيه بالحكم فكثيراً ما يكشف عن خلل في الخبر المخالف له بنحو

____________

(1)- المصدر السابق.

362

يسقطه عن الحجية. و هذه الطائفة من أخبار الترجيح لو تمت سنداً و دلالة تقدمت على أخبار التخيير بالتخصيص، و أما نسبتها إلى خبر الراوندي و غيره مما دل على الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة فعموم من وجه، و سوف يأتي مزيد توضيح لهذه النقطة لدى التعليق على الاستدلال بالمقبولة و المرفوعة.

3- الترجيح بالأحدثية

: و المراد بالأحدثية، صدور الخبر في زمن متأخر عن زمن صدور الآخر و أهم ما ورد في لسان هذا الترجيح كمرجح لأحد المتعارضين على الآخر روايتان.

إحداهما- رواية هشام بن سالم عن أبي عمرو الكناني قال: «قال أبُو عَبدِ اللّهِ (عليه السلام): يا أبَا عُمر أ رَأيتَ لَو حَدّثتُكَ بِحَدِيثٍ أو أفتَيتُكَ بِفُتيَا ثُمّ جِئتَني بَعدَ ذَلِكَ فَسَألتَني عَنهُ فَأخبَرْتُكَ بِخِلَافِ ذَلِكَ بِأيّهمَا كُنتُ تَأخُذُ؟ قُلتُ: بِأحدَثِهِمَا وَ أدَعُ الآخَرَ. فَقَالَ، قَد أصَبتَ يا أبَا عَمرو، أبَى اللّهُ إلّا أن يُعبَدَ سِرّاً. أما وَ اللّهِ لأن فَعَلتُم ذَلِكَ إنّهُ لَخَيرٌ لي وَ لَكُم، و أبَى اللّهُ عَزّ وَ جَلّ لَنَا وَ لَكُم في دِينِهِ إلّا التّقِيّةُ» (1).

و الثانية- رواية الحسين بن مختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أ رَأيتُكَ لَو حَدّثتُكَ بِحَدِيثٍ العَام ثُمّ جِئتَني مِن قابِل فَحَدّثتُكَ بِخِلَافِهِ بِأيّهِمَا كُنتَ تَأخُذُ؟ قَالَ: قُلتُ. كُنتُ آخُذُ بالأخِيرِ. فَقَالَ: رَحِمَكَ اللّهُ» (2).

و البحث عن هذه الطائفة من أخبار الترجيح يقع في نقاط.

النقطة الأولى- حول سند الروايتين.

أما الرواية الثانية فهي ساقطة سنداً باعتبار الإرسال الواقع فيه. و أما الرواية الأولى فهي ضعيفة بأبي عمرو الكناني‏

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة ج 1 باب- 6- من أبواب المقدمات، ص 66.

(2)- جامع أحاديث الشيعة ج 1 باب- 6- من أبواب المقدمات، ص 66.

363

الّذي لم يثبت توثيقه. نعم قد نقل السيد البروجردي- قده- في جامع أحاديث الشيعة سنداً آخر لها عن صاحب الوسائل عن البرقي في المحاسن عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مثله.

و هذا سند صحيح يمكن أن يتم على أساسه الحديث إلّا أن الظاهر سقوط أبي عمرو في هذا السند سهواً فهشام بن سالم ينقل الرواية عن أبي عمرو الكناني أيضا، و القرينة على ذلك توجه الخطاب إلى أبي عمرو في كلام الإمام (عليه السلام) مرتين. و لو تنزلنا عن ذلك وقع التهافت في النقل بين السندين بعد استبعاد كونهما روايتين.

النقطة الثانية- في علاقتها بأخبار التخيير و أخبار الترجيح بأحد المرجحات الأخرى، فهل تكون معارضة لها أو مخصصة؟

و الصحيح هو التفصيل بين تقديرين.

التقدير الأول- أن نبني في بحث حقيقة الأحكام الظاهرية على ما هو المختار عندنا من أنها كالأحكام الواقعية تتعارض بمجرد ثبوتها واقعاً إذا كانت متنافية في أنفسها، فلا محالة يقع التعارض بين روايات الأخذ بالأحدث مع أخبار التخيير أو الترجيح بسائر المرجحات، لأن فرض التقارن بين الخبرين صدوراً و عدم كون أحدهما أحدث من الآخر، نادر جداً.

التقدير الثاني- أن نبني على ما هو المشهور من أن الحكمين الظاهريين المتنافيين يتعارضان في مرحلة الوصول، و حينئذ لا يظهر التعارض بين روايات الأخذ بالأحدث مع سائر أخبار الباب إلّا فيما إذا علمنا بما هو الأحدث.

فيمكن تخصيص تلك الأخبار بغير موارد العلم بالأحدثية- كما هو الغالب في الخبرين الصادرين من إمام واحد- و العلم الإجمالي بأحدثية أحدهما لا أثر له لأنه علم إجمالي مردد بين الترخيص و الإلزام فلا يكون منجزاً. فإذا فرض أن روايات الأخذ بالأحدث كانت أخص مطلقاً من تلك الأخبار-

364

كما هو كذلك بالنسبة إلى أخبار التخيير- خصصت الأخيرة بها و إن كانت النسبة عموماً من وجه- كما هو الحال بالنسبة لأدلة الترجيح- كان حالها حال التعارض فيما بينهما بلحاظ بعض المرجحات، على ما سوف يأتي الحديث عنه إن شاء اللّه تعالى.

النقطة الثالثة

- ربما يقال بتقديم أخبار التخيير أو الترجيح بسائر المرجحات على هذه الطائفة و لو فرض استحكام التعارض بينهما و ذلك على أساس أحد تخريجين.

التخريج الأول- إن في أخبار التخيير أو الترجيح ما هو أحدث من روايات الأخذ بالأحدث لورود بعضها عن الأئمة المتأخرين زماناً عن الإمام الصادق- (عليهم السلام)- فيكون أحدث من هذه الطائفة فتتقدم بحكم هذه الأخبار نفسها.

و فيه: أولًا: إن هذا البيان إنما يمكن توجيهه فيما إذا علم بصدور إحدى الطائفتين المتعارضتين حيث يمكن أن يقال حينئذ بلزوم الأخذ بأخبار التخيير أو الترجيح بسائر المرجحات إما لكونها هي الصادرة واقعاً أو لأن ما هو الصادر- و هو أخبار الأخذ بالأحدث- تأمرنا بذلك. و لكنا لا نعلم بصدور إحدى الطائفتين فلا بد من الرجوع إلى دليل الحجية العام و نسبته إليهما على حد واحد. و المفروض عدم إمكان شموله لهما معاً و شموله لإحداهما دون الأخرى ترجيح بلا مرجح.

و ثانياً- لو فرضنا العلم بصدور إحداهما فأيضاً لا يتم هذا التخريج.

إذ يلزم منه أن تسقط أخبار الأخذ بالأحدث عن الحجية في تمام الموارد عدا مورد واحد و هو تقديم معارضها الأحدث المتمثل في أخبار التخيير أو الترجيح بأحد المرجحات الأخرى، و هذا كتخصيص الأكثر إلغاء للدليل رأساً.

التخريج الثاني- إن أخبار الأخذ بالأحدث بشمولها لنفسها بلحاظ معارضتها مع ما هو أحدث منها تسقط عن الحجية، إذ يلزم من حجيتها عدم حجيتها،

365

فنأخذ بأخبار التخيير أو الترجيح بسائر المرجحات بدون معارض.

و فيه: أن الساقط عن الحجية لاستلزام حجيته عدم حجيته هو إطلاق أخبار الأخذ بالأحدث لنفسها لا أصلها، و احتمال التفكيك بينهما و بين سائر الموارد موجود فلا موجب لرفع اليد عن حجيتها بلحاظ موارد التعارض الأخرى، فيكون معارضاً مع أدلة التخيير أو الترجيح بسائر المرجحات.

النقطة الرابعة- حول دلالة هذه الطائفة على الترجيح بالأحدثية.

و الصحيح أنها لو فرض تمامية دلالتها على الترجيح فإنما تدل عليه في غير محل الكلام، لأن الترجيح بالأحدثية حكم تعبدي بحت لا يطابق القواعد العقلائية المرتكزة في باب الطريقية فلا محالة يقتصر فيه على مورد النص بعد أن لم يكن فيه إطلاق لفظي. فإن كلمات الأئمة (عليهم السلام) تنظر جميعاً إلى وقت واحد و تكشف عن حكم شرع في صدر الإسلام فلا أثر لمجرد كون أحد الخبرين أحدث من الآخر صدوراً في الكاشفية و الطريقية التي هي ملاك الحجية و الاعتبار. و مورد هذه الطائفة تتضمن خصوصيتين.

أولاهما- كون الحديثين قطعيين سنداً و مسموعين من الإمام (عليه السلام) مباشرة فلا يمكن التعدي منهما إلى الظنيين، لاحتمال دخل القطع بالصدور في هذا الحكم، إذ ليس حكماً واقعياً حتى يكون ظاهر أخذ قيد القطع في لسان دليله كونه طريقاً إلى الواقع المقطوع به، بل هو حكم ظاهري تعبدي يعقل أن يكون للشك و اليقين دخل فيه.

ثانيتهما- معاصرة السامع للحديث الأحدث و حضوره في مجلس الصدور، لأن المفروض فيها ذلك بمقتضى قوله (عليه السلام) ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه، فلعل لهذه الخصوصية دخلًا في الحكم المذكور أيضا.

و هذه الخصوصية بنفسها يمكن إبرازها أيضا في رواية أخرى من هذه الطائفة و هي رواية معلى بن خنيس قال: «قُلتُ لأبي عَبدِ اللّهِ (عليه السلام) إذَا

366

جَاءَ حَدِيثُ عَن أوّلِكُم وَ حَدِيثُ عَن آخِرِكُم بِأيّهِمَا نَأخُذُ؟

فقال: خُذُوا بِهِ حَتّى يَبلُغَكُم عَن الحَيّ فَإن بَلَغَكُم عَنِ الحَيّ فَخُذُوا بِقَولِهِ» (1).

فإن هذه الرواية قد لا يتجه في حقها احتمال اختصاصها بمعلومي الصدور، لأنه قد عبر فيها بمجي‏ء الحديث الّذي قد يدعى إطلاقه للأخبار الآحاد، إلّا أن الخصوصية الثانية واضحة في موردها. مضافاً إلى ضعف سندها.

و التحقيق أن هذه الطائفة ليست من أدلة الترجيح أصلًا بل مفادها أمر آخر. و توضيح ذلك:

أن الحديث الأحدث المسموع من الإمام (عليه السلام) فيه ظهوران. أحدهما الظهور في كونه بصدد بيان الحكم الواقعي العام. و الثاني ظهوره في بيان وظيفة السامع الفعلية التي قد تكون واقعية و قد تكون لظروف التقية- كما في قصّة علي بن يقطين مع الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)- و الظاهر أن المقصود من الأخذ بالأحدث في هذه الروايات ملاحظة الظهور الثاني في حق السامع و التأكيد على لزوم اتباعه على كل حال، لا ترجيح الأحدث بلحاظ ظهوره الأول الكاشف عن الحكم الواقعي العام. و مما يشهد لهذا الفهم، مضافاً إلى كون الأحدثية لا تتضمن أية مناسبة عقلائية للترجيح في باب الحجية فمن المستبعد جداً افتراض دخلها شرعاً في هذا الباب، التفات السائل لهذا الترجيح بنفسه حيث أجاب على سؤال الإمام بأنه يأخذ بالأحدث، مما يعني أن هذا المعنى كان واضحاً مركوزاً لدى العرف، و ذلك لا يكون إلّا بالاعتبار الّذي أوضحناه.

و أيضا مما يعزز هذا الفهم، ما ورد في ذيل رواية الكناني، من قوله (عليه السلام) «أبى اللّه إلا أن يعبد سراً، أما و اللّه لئن فعلتم ذلك انه لخير لي و لكم و أبى اللّه عزّ و جل لنا و لكم في دينه إلّا التقية». و هذا صريح في أن نظر الإمام (عليه السلام)

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة، ج 1 باب- 6- من أبواب المقدمات، ص 66.

367

على تقدير صدور الحديث- إلى ما هو وظيفة السامع بالفعل و لو من أجل التقية.

و أخيراً يمكننا أن نستظهر هذا المعنى من هذه الروايات و ما افترض فيها من سماع المكلف بنفسه الحديث المخالف لما كان يعرفه من رأي الإمام (عليه السلام) سابقاً الّذي يعني قطعية الحديثين سنداً و دلالة المستدعي حصول القطع عرفاً بأن ما وافق منهما العامة إنما صدر مراعاة لظروف التقية المعاشة وقتئذٍ، فيكون مساقها مساق روايات أخرى وردت بهذا الشأن من قبيل رواية أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قَالَ لي: يا زِيَادُ ما تَقُولُ لَو أفتَينَا رَجُلًا مِمّن يَتَوَلّانَا بِشَي‏ءٍ مِنَ التّقِيّةِ؟ قَالَ: قُلتُ لَهُ: أنتَ أعلَمُ جُعِلتُ فِدَاكَ. قَالَ: إن أخَذَ بِهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَ أعظَمُ أجراً.

قَالَ: و في رواية أخرى: إن أخَذَ بِهِ أجِرَ وَ إن تَرَكَهُ وَ اللّهِ أثِمَ».

و ما عن الخثعمي: قال «سَمِعتُ أبَا عَبدِ اللّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: مَن عَرَفَ أنّا لَا نَقُولُ إلّا حَقّاً فَليَكتَفِ بِمَا يَعلَمُ مِنّا فإن سَمع مِنّا خِلَافَ ما يَعلَمُ فَليَعلَم أنّ ذَلِكَ دِفَاعاً مِنّا عَنهُ» (1).

فالصحيح عدم صحة الترجيح بالأحدثية.

4- الترجيح بالصفات:

و مهم ما يستدل به على الترجيح بصفات الراوي، مقبولة عمر بن حنظلة و مرفوعة زرارة.

أما المقبولة فقد جاء فيها: «قَالَ سَألتُ أبَا عَبدِ اللّهِ (عليه السلام): عَن رَجُلَينِ مِن أصحَابِنا يَكُونُ بَينَهُمَا مُنَازعَة. في دَين أو مِيرَاث فَتَحَاكَمَا إلى السّلطَانِ أو إلى القُضَاةِ أ يَحلّ ذَلِكَ؟ قَال (عليه السلام):

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 9- من أبواب صفات القاضي.

368

مَنْ تَحَاكَمَ إلَيْهِمْ في حَقّ أوْ بَاطِلٍ فَإنَّمَا تَحَاكَمَ إلى الطّاغُوتِ وَ ما يَحْكُمُ لَهُ فَإنّمَا يَأخُذُهُ سُحْتاً وَ إنْ كَانَ حَقّهُ ثابِتاً، لأنّه أخَذَ بِحُكمِ الطّاغُوتِ وَ إنّما أمَرَ اللَّهُ أنْ يَكْفُرَ بِهِ. قَالَ اللّهُ تَعَالى: «وَ يَتَحَاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ و قَد أمِرُوا أن يَكفُرُوا بِهِ» قُلتُ: فَكَيفَ يَصنَعَانِ؟ قَالَ: يَنظُرانِ مَن كَانَ مِنكُم مِمّن قَد رَوَى حَدِيثَنَا وَ نَظَرَ في حَلالِنَا وَ حَرَامِنَا وَ عَرَفَ أحكَامَنَا فَليَرضَوا بِهِ حَكَماً فَإنّي جَعَلتُهُ عَلَيكُم حَاكِماً فَإذَا حَكَمَ بِحُكمِنَا فَلَم يُقبَل مِنهُ فَإنّمَا بِحُكمِ اللّهِ استَخَفّ وَ عَلَينَا قَد رَدِّ وَ الرّادّ عَلَينَا الرّادّ عَلى اللّهِ وَ هُوَ عَلى حَدّ الشّركِ بِاللّهِ.

قُلتُ: فَإن كَانَ كُلّ واحِدٍ اختَارَ رَجُلًا مِن أصحَابِنَا فَرضيَا أن يَكُونَا النّاظِرَينِ في حَقّهِمَا فَاختَلَفَا فِيما حَكَما وَ كِلَاهُمَا اختَلَفَا في حَدِيثِكُم؟ فَقَالَ، الحُكمُ ما حَكَمَ بِهِ أعدَلهُمَا وَ أفقَهُهمَا وَ أصدَقُهُمَا في الحَدِيثِ وَ أورَعُهُمَا، وَ لَا يُلتفَت إلَى ما يَحكُمُ بِهِ الآخَرُ. قَالَ: فَقُلتُ: فَإنّهُمَا عَدلَانِ مَرضِيّانِ عِندَ أصحَابنَا لَا يُفضَّلُ واحدٌ مِنهُمَا عَلى صَاحِبِهِ؟ قَالَ:

فَقَالَ: يُنظَر إلى ما كَانَ من روايَتَهما عَنّا في ذَلكَ الّذي حَكَما به المُجمَعُ عَلَيهِ عندَ أصحَابكَ فَيُؤخَذُ بِهِ مِن حُكمِنَا و يُترَكُ الشاذ الّذي لَيسَ بِمَشهُور عِندَ أصحَابِكَ فإن المُجمَعَ عَلَيهِ لَا رَيبَ فِيهِ، وَ إنّما الأمُور ثَلاثَةٌ أمرٌ بَيّنٌ رُشدُهُ فَيُتّبَعُ وَ أمرٌ بَيّنٌ غَيّهُ فَيُجتَنَبُ وَ أمرٌ مُشكِلٌ يُرَدّ حُكمُهُ إلى اللّهِ.

قَالَ رَسُولُ اللّهِ (صلى اللَّه عليه و آله): حَلَالٌ بَيّنٌ و حَرَامٌ بَيّنٌ وَ شُبُهَاتٌ بَينَ ذَلِكَ فَمَن تَرَكَ الشّبهَاتِ نَجَا مِنَ المُحَرّمَاتِ وَ مَن أخَذَ بِالشّبهَاتِ وَقَعَ في المُحَرّمَاتِ وَ هَلَكَ مِن حَيثُ لَا يَعلَم. قَالَ:

369

قُلتُ: فَإن كَانَ الخَبَرَانِ عَنكُم مَشهورَينِ قَد رَواهُما الثّقَاةُ عَنكُم؟ قَالَ: يُنظَرُ فَمَا وَافَقَ حُكمُهُ حُكمَ الكِتَابِ وَ السّنّةِ و خَالفَ العَامّةَ فَيُؤخَذُ بِهِ و يُترَكُ ما خَالَفَ حُكمُه حُكمَ الكِتابِ وَ السنّةِ وَ وَافَقَ العَامّةَ. قُلتُ: جُعِلتُ فِدَاكَ إن رَأيتَ أن كَانَ الفَقِيهَانِ عَرَفَا حُكمَهُ مِنَ الكِتَابِ وَ السّنّةِ وَ وَجَدنَا أحَدَ الخَبَرَينِ مُوَافِقاً للعَامّةِ و الآخَر مُخَالِفاً لَهُم بِأيّ الخَبَرَينِ يُؤخَذُ؟ فَقَالَ: ما خَالَفَ العَامّة فَفِيهِ الرّشَادُ. فَقُلتُ: جُعِلتُ فِدَاكَ فَإن وَافَقَهُمَا الخَبَرَانِ جَمِيعاً؟ فَقَالَ: يُنظَرُ إلى ما هُم إلَيه أميَلُ حُكّامُهُم وَ قُضَاتُهُم فَيُترَكُ وَ يُؤخَذُ بِالآخَرِ. قُلتُ: فَإن وَافَقَ حُكّامُهُم الخَبَرَينِ جَمِيعاً؟ قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ فَأرجِئهُ حَتّى تَلقَى إمَامَكَ، فَإنّ الوُقُوفَ عِندَ الشّبهَاتِ خَيرٌ مِنَ الاقتِحَامِ في الهَلَكاتِ» (1).

و أما المرفوعة. فقد رواها ابن أبي الجمهور الأحسائي في غوالي اللئالي عن العلامة مرفوعاً إلى زرارة قال: «سَألتُ أبَا جَعفَر (عليه السلام) فَقُلتُ لَهُ: جُعِلتُ فِدَاكَ يَأتي عَنكُم الخَبَرَانِ وَ الحَدِيثَانِ المُعَارِضَان فَبِأيّهِمَا آخُذُ؟ فَقَالَ: يا زُرَارَةُ خُذ بِمَا اشتَهَرَ بَينَ أصحَابِك وَ دَع الشّاذّ النّادِرَ. فَقُلتُ: يا سَيّدِي إنّهُمَا مَعاً مَشهوران مأثورانِ عَنكُمْ؟ فَقَالَ: خُذ بِمَا يَقُولُ أعدَلُهُمَا عِندَكَ وَ أوثَقُهُمَا في نَفسِكَ. فَقُلتُ: إنّهُمَا مَعاً عَدلَان مَرضِيّانِ مُوَثّقان؟ فَقَالَ: انظُر ما وَافَقَ مِنهُمَا العَامّةَ فَاترُكهُ وَ خُذ بِمَا خَالَفَ فَإنّ الحَقّ فِيمَا خَالَفَهُم. قُلتُ: رُبّما كانا مُوافِقَينِ لَهُم أو مُخَالِفَينِ فَكَيفَ أصنَعُ؟ قَالَ: إذَن فَخُذ بِمَا فِيه‏

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 9- من أبواب صفات القاضي.

370

الحَائطَةُ لِدِينِكَ وَ أترُك الآخَرَ. قُلتُ: إنّهُمَا مَعاً مُوافِقَانِ للاحتِياطِ أو مُخالِفانِ لَهُ فَكَيفَ أصنَعُ؟ فَقَالَ: إذَن فَتَخَيّر أحَدَهُمَا فَتَأخُذُ بِهِ وَ دَع الآخَرَ».

و البحث عن هاتين الروايتين يقع أولا حول سندهما، و ثانياً في تحديد مفادهما، و ثالثاً في العلاقة بينهما، و رابعاً في علاقتهما برواية الراوندي المتقدمة و غيرها من روايات الترجيح، فهنا أربع جهات.

أما الجهة الأولى- فلا إشكال في سقوط المرفوعة سنداً، لما فيها من الرفع، بل قالوا أن هذه الرواية لم توجد في كتب العلامة التي بأيدينا أصلًا.

و أما المقبولة، فقد يقال بسقوط سندها عن الحجية أيضا باعتبار عدم ورود توثيق بشأن عمر بن حنظلة و إن كان الأصحاب قد عملوا بمفادها فسميت بالمقبولة. غير أن الصحيح- بناء على القاعدة المختارة لنا في الرّجال من توثيق من ينقل عنه أحد الثلاثة- صحة سندها، و ذلك باعتبار ما وردَ في رواية ليزيد بن الخليفة أنه قال للإمام (عليه السلام) (جاءنا عمر بن حنظلة بوقت عنك) فأجاب (عليه السلام): (إذَن لَا يَكذِبُ عَلَينَا) (1) و هو ظاهر في أن عمر بن حنظلة كان ثقة بطبعه عند الإمام (عليه السلام)، إلّا أن يزيد ابن الخليفة نفسه ممن لا توجد شهادة بتوثيقه و إنما يمكن توثيقه بالقاعدة المذكورة، حيث قد روى عنه صفوان بن يحيى- و هو أحد الثلاثة- بسند معتبر في باب كفارة الصوم من الكافي‏ (2) فنثبت بذلك وثاقته و بروايته نثبت وثاقة عمر بن حنظلة أيضا، فالمقبولة صحيحة سنداً.

الجهة الثانية- في تحديد مفادهما، و لا إشكال في أنهما دلتا على مرجحين زائداً على ما دلت عليه رواية الراوندي من المرجحات، و هما الترجيح‏

____________

(1)- وسائل الشيعة باب- 10- من أبواب مواقيت الصلاة.

(2)- فروع الكافي ج 4 باب كفارة الصوم، ص 144.

371

بالشهرة و الترجيح بالصفات، مع فرق بينهما في تحديد مرتبة كل من المرجحين و كونه مقدماً على الآخر أو مؤخراً عنه، فالترجيح بالشهرة مقدم على الترجيح بالصفات في المرفوعة و مؤخر عنه في المقبولة، و لا بد من البحث عن كيفية استفادة الترجيح بهذين المرجحين، فنقول:

أما استفادة الترجيح بالشهرة من هاتين الروايتين، فقد ناقش فيها جملة من المحققين بأن المراد من الشهرة التواتر و الاستفاضة في النقل، و في مثل هذه الحالة تسقط الرواية الشاذة عن الحجية في نفسها لمعارضتها مع دليل قطعي، فلا يكون الأخذ بالمشهور من باب الترجيح بل من باب تمييز الحجة عن اللاحجة.

و التحقيق: أن الشهرة إذا لوحظت بالنسبة إلى الرواية بما هي حكاية عن حديث المعصوم، تكون ظاهرة في الشهرة الروائيّة المساوقة مع الاستفاضة و إذا لوحظت بالإضافة إلى الرواية بما هو رأي نقل عن المعصوم كانت ظاهرة في الشهرة الفتوائية و العملية عند الفقهاء. و لا يبعد أن يكون ظاهر المرفوعة إرادة الاشتهار في الفتوى لا في الرواية بقرينتين.

أولاهما- ما جاء في افتراض السائل تعليقاً على الترجيح بالشهرة من إمكان اشتهار الروايتين المتعارضتين معاً، و هذا لا يناسب الشهرة في الرواية المساوقة مع قطعية الصدور، إذ لو أريد ذلك لم يبق مجال بعد ذلك للترجيح بالأعدلية و الأوثقية عقلائياً. و دعوى: أن الشهرة الروائيّة حينما توجد في المتعارضين معاً لا يحصل القطع بالصدور منها، مدفوعة: بأن هذا إنما يصح فيما إذا كان يستبعد صدور أحاديث متعارضة من الأئمة (عليهم السلام)، و لا استبعاد في صدورها عنهم بعد ما عرف من حالهم الابتلاء بظروف التقية و غيرها من الملابسات التي كانت تضطرهم إلى التحفظ و الاحتياط، كما تشهد بذلك جملة من الأحاديث الواردة عنهم و قد شرحنا جانباً منها في البحث المتقدم عن مناشئ وجود الاختلاف و التعارض فيما بين الروايات.

372

فلا يؤثر مجرد تعارض الخبرين المشهورين بحسب الظهور في حصول القطع أو الاطمئنان بصدورهما معاً أثراً معتداً به.

ثانيتهما- إباء سياق الترجيح بالصفات في المرفوعة عن إرادة الشهرة الروائيّة، إذ لو كان المراد ذلك لكان المناسب أن يرجح ما كان مجموع رواته أعدل و أصدق، مع أنه قد جاء في تعبير الإمام (عليه السلام) «خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك» و جاء في تعبير السائل «أنهما معاً عدلان مرضيان» و هو ظاهر في ملاحظة الراويين المباشرين. و هكذا يظهر إمكان استفادة الترجيح بالشهرة الفتوائية من المرفوعة.

و أما المقبولة، فاحتمال إرادة الشهرة في الرواية منها تتجه بل لعلها ظاهر ما جاء فيها من التعبير «فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم» و ما قد يلاحظ من أن الشهرة بهذا المعنى كان ينبغي تقديمها على الترجيح بالصفات مع أنها ذكرت في المقبولة بعده، جوابه ما سوف يأتي الحديث عنه إن شاء اللّه تعالى من أن الترجيح بالصفات في المقبول بلحاظ أحد الحكمين على الآخر لا الروايتين.

و أما استفادة الترجيح بالصفات من هاتين الروايتين. فبالنسبة إلى المقبولة يمكن أن يعترض عليه بوجهين.

الأول- اختصاص موردها بعصر الحضور و التمكن من لقاء الإمام (عليه السلام) بقرينية قوله (عليه السلام)، فيها «أرجئه حتى تلقى إمامك» و هذا الاعتراض يتجه على استفادة الترجيح بالشهرة و غيرهما مما ذكر في المقبولة أيضا.

و فيه: أولا- أن جعل لقاء الإمام (عليه السلام) غاية في ذيل الحديث و إن كان قرينة على الاختصاص بعصر التمكن من لقائه، لكن لا يلزم من ورود قيد على الجزء الأخير من الحديث أو جعله بنحو القضية الخارجية تعميم ذلك على‏

373

الفقرات السابقة المطلقة في نفسها و الظاهرة في جعل الحكم على نهج القضايا الحقيقية لا الخارجية.

و ثانياً- لو فرض عدم انعقاد إطلاق لفظي لفقرات الترجيح بالصفات من المقبولة. مع ذلك أمكننا إثبات تعميم مفادها بالفهم العرفي و استظهار عدم الفرق و إن كانت فقرة الذيل منها مخصوصة بزمان الحضور، لأن هناك فرقاً عرفياً واضحاً بين ما جاء في الذيل من الاحتياط و الإرجاء إلى حين لقاء الإمام (عليه السلام) الّذي لا يناسب أن يكون حكماً عاماً لزمان الحضور و الغيبة فيمكن أن يكون التمكن من لقاء الإمام (عليه السلام) الّذي كان ميسوراً للسائل دخيلًا فيه، و بين الترجيح بالشهرة أو بالصفات التي هي مميزات موضوعية في أحد المتعارضين لا دخل لخصوصية التمكن من رؤية الإمام (عليه السلام) و عدم التمكن منها في مرجحيّتها، فبمناسبات الحكم الموضوع العرفية و العقلائية يفهم عدم دخل هذه الخصوصية في الترجيح بالمرجحات الواردة في المقبولة.

الثاني- أن الترجيح بالصفات في المقبولة ترجيح لأحد الحكمين على الآخر و ليس ترجيحاً لإحدى الروايتين على الأخرى في مقام التعارض.

و هذا الاعتراض وجيه فيما يتعلق بالصفات دون المرجحات الأخرى الواردة في المقبولة. فلنا في المقام دعويان.

و مبرر الدعوى الأولى: إضافة الصفات في المقبولة إلى الحاكمين حيث قال (عليه السلام) «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما في الحديث و أورعهما».

هذا مضافاً: إلى أن الإمام (عليه السلام) قد طبق الترجيح بالصفات على أول سلسلة السندين المتعارضين و هما الحاكمان من دون أن يفرض أنهما راويان مباشريان للحديث بينما لو كان الترجيح بها ترجيحاً لإحدى الروايتين على الأخرى كان ينبغي تطبيقه على الراوي المباشر كما هو عمل المشهور و مقتضى الصناعة أيضا لأن التعارض ليس بين الراويين غير المباشرين، إذ كل منهما يروي‏

374

موضوعاً غير ما يرويه الآخر و يكون من ينقل منهما عن الأعدل مثلًا حاكماً في نقله على نقل الآخر- بعد فرض ثبوت الترجيح بالصفات- فلا يستحكم التعارض بين نقليهما بوجه أصلًا. و إنما التعارض مستحكم بين نقل الرّاويين المباشرين فإما أن يطبق الترجيح بالصفات عليهما أو على مجموع السلسلة على أقل تقدير. مع أن الإمام (عليه السلام) قد طبقه على الحاكمين اللذين يمثلان أول سلسلة السند لو كان مع الواسطة- كما هو الغالب- و هذا لا ينسجم إلّا مع افتراض كون الترجيح لأحد الحكمين بلحاظ صفات الحاكم به لا الروايتين.

و مبرر الدعوى الثانية: هو انتقال سياق الحديث من ملاحظة الحاكمين إلى ملاحظة الرواية التي يستند إليها كل منهما، حيث جاء فيه «ينظر ما كان من روايتهما عنا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك ... إلخ» فأضيفت المميزات إلى الرواية لا الحكم. إلّا أنه مع ذلك يوجد أمامنا ثلاثة احتمالات في تفسير الترجيح بهذه المرجحات.

الأول- أن تكون إضافتها إلى الرواية بالعرض و المجاز، بأن يكون القصد ترجيح الحكم الّذي يكون مدركه واجداً للمزية الترجيحية.

الثاني- أن تكون إضافتها إلى الرواية حقيقية و لكن لا باعتبار كاشفية الرواية ذات المزية الترجيحية عن الحكم الشرعي الواقعي، بل في مقام فصل الخصومة بالخصوص، فكأنما أراد الإمام (عليه السلام) أنه بعد تعارض الحاكمين تجعل الرواية ذات المزية الترجيحية هي الحكم الفصل للمنازعة و ان كان لا رجحان لها في مقام الإفتاء و استنباط الحكم الشرعي الواقعي.

الثالث- أن تكون إضافتها إلى الرواية حقيقية و بما هي كاشفة عن الحكم الشرعي و حجة عليه.

و الظاهر تعين الاحتمال الأخير لأن الأول خلاف حقيقية الإضافة، و الثاني خلاف قوله (عليه السلام) (فيؤخذ به و يترك الشاذ) الظاهر عرفاً في حجية المشهور في مقام الأخذ و العمل مطلقاً لا في مقام فصل الخصومة خاصة.

375

و أما المرفوعة، و استفادة الترجيح بالصفات منها فلا كلام في ذلك غير أنها ساقطة سنداً.

و يتلخص من مجموع ما تقدم: أنه لا يتحصل من هاتين الروايتين شي‏ء زائد على ما في رواية الراوندي من الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة، لأن المرفوعة ساقطة سنداً و المقبولة و إن ورد فيها الترجيح بالصفات و الشهرة مضافاً إلى موافقة الكتاب و مخالفة العامة إلّا أنه قد عرفت رجوع الأول إلى الحكمين لا الروايتين، و كون الثاني من باب تمييز الحجة عن اللاحجة.

الجهة الثالثة- في علاقة المقبولة بالمرفوعة على تقدير تماميتها سنداً و دلالة في إثبات جميع تلك المرجحات، فانهما مختلفتان في عدة مواد.

المادة الأولى- إن المقبولة بدأت الترجيح بالصفات و ثنت بالشهرة بينما الأمر في المرفوعة على العكس تماماً. فيقع بين إطلاقيهما تعارض من هذه الناحية.

و قد ذكر الشيخ الأعظم- قده- انه يمكن العمل بالمقبولة بحكم المرفوعة نفسها التي تقضي بتقديم المشهور على الشاذ، و المقبولة مشهورة بخلاف المرفوعة التي لم تنقل إلّا عن غوالي اللئالي مرفوعة إلى زرارة (1).

و اعترض عليه المحقق الأصفهاني- قده- بأن هذا مستحيل، إذ يلزم منه سقوط المرفوعة عن الحجية و كل ما يلزم من وجوده عدمه يكون محالًا (2).

و التحقيق. أن التعارض بين المقبولة و المرفوعة في هذه المادة ليس بنحو التباين بل بنحو العموم من وجه أي التعارض بين إطلاق الترجيح بكل من المرجحين المتعاكسين فيهما مع إطلاق الآخر، فالمقبولة، تثبت الترجيح بالصفات سواء كان الآخر مشهوراً أم لا، و المرفوعة تثبت الترجيح‏

____________

(1)- فرائد الأصول، ص 448 طبعة رحمة اللّه.

(2)- نهاية الدراية المجلد الثالث، ص 165.

376

بالشهرة سواء كان الآخر واجداً للصفات أم لا. فيتعارضان في خصوص ما إذا كان أحدهما واجداً للصفات و الآخر مشهوراً، و التعارض الدلالي قد عرفت في الأبحاث السابقة عدم سريانه إلى السند. فإن بنينا على أن المرجحات الواردة في هذه الأخبار مخصوصة بالتعارض السندي فلا معنى لترجيح المقبولة على المرفوعة بكونها مشهورة، و إن بنينا على شمول الترجيح بالمرجحات المنصوصة للعامين من وجه فينفتح مجال لدعوى الشيخ- قده-.

و الصحيح هو التفصيل بين صورتين حينئذ.

الأولى- أن نفترض المقبولة مشهورة من دون أن يكون الراوي في المرفوعة واجداً لمزية صفتية. و في هذه الصورة لا بد من الحكم بتقديم المقبولة في مادة التعارض، لأن هذه الحالة داخلة في مادة الافتراق للمرفوعة فلا موجب لرفع اليد عنها. و هذا معناه أن المرفوعة تدل بمادة افتراقها على العمل بالمقبولة في مادة التعارض بينهما، و بالتالي تكون المرفوعة بإطلاقها في مادة الافتراق لهذا المورد من موارد التعارض قد خصصت مادة اجتماعها مع المقبولة، فلم يلزم من وجود شي‏ء واحد عدمه، كما لا يلزم من إسقاط مادة اجتماعها تخصيصها بالفرد النادر لبقاء موارد الافتراق التي لا مبرر لفرض ندرتها.

الثانية- أن نفترض المرفوعة أرجح من حيث صفات الراوي من المقبولة و إن كانت المقبولة أشهر. و في هذه الحالة لا يتم ما أفاده الشيخ- قده- لأن ترجيح المقبولة على المرفوعة بالشهرة عملًا بالمرفوعة ليس بأولى من ترجيح المرفوعة على المقبولة بالصفات عملًا بالمقبولة. و بعبارة أخرى، أن المرفوعة في أي مرتبة يتمسك بها تكون مبتلاة في هذه الصورة بالمعارضة مع المقبولة في تلك المرتبة.

و أما ما ذكره المحقق الأصفهاني- قده- من محذور الاستحالة فغير

377

وارد، لأن المقبولة و المرفوعة تتضمنان إطلاقات طولية متعارضة. فأولًا يتعارض إطلاقهما للخبرين المتعارضين الدال أحدهما مثلًا على وجوب السورة و الآخر على عدم وجوبها، حيث أن المقبولة ترجح الأصدق منهما و المرفوعة ترجح المشهور، و ثانياً يتولد من تلك المعارضة تعارض بين نفس إطلاقي المقبولة و المرفوعة لهذا المورد فإنه أيضا مصداق للتعارض بين حديثين تعالجه المقبولة و المرفوعة فيقدم الأصدق بحكم المقبولة و الأشهر بحكم المرفوعة.

و في هذه المرتبة أيضا تتشكل معارضة جديدة هي فرد ثالث لحكم المقبولة و المرفوعة و هكذا. و هذا يعني أن المحذور في تقديم المقبولة على المرفوعة أنه في أي مرتبة من هذه المراتب الطولية للتعارض لو أعملنا المرفوعة في مقام الترجيح كان جزافاً لا أنه يلزم من وجوده عدمه فإن التقديم في أي مرتبة انما يسقط ما في المرتبة السابقة عليها لا ما في نفس تلك المرتبة.

هذا كله إذا افترضنا استحكام التعارض بين الروايتين، مع أنه يمكن أن يدعى وجود جمع عرفي بينهما. و توضيح ذلك. أن هناك حالات عديدة يمكن افتراضها في دليلي الترجيح المختلفين.

الحالة الأولى- أن يقتصر كل منهما على مرجح غير ما تكفله الآخر، كما إذا جاء في أحدهما، (خذ بالمشهور) و ورد في الآخر (خذ بما يرويه أعدلهما).

الحالة الثانية- أن يقتصر أحدهما على مرجح و يذكر الآخر مرجحين أولهما غير ما ذكر في الأول. كما إذا جاء في أحدهما (خذ بالمشهور) و ورد في الآخر (خذ بما يرويه الأعدل، و إن لم يكن فبالمشهور).

الحالة الثالثة- نفس الحالة مع افتراض أن دليل الترجيح الثاني قد ذكر فيه المرجح المذكور في الأول أولا أيضا.

الحالة الرابعة- أن يذكر كل من الدليلين كلا المرجحين مع التعاكس في الترتيب كما هو الحال في المرفوعة و المقبولة. و التعارض في هذه الحالات‏

378

إن قيل باستحكامه فإنما يقال به في الحالة الأولى بالخصوص التي تكون المعارضة بنحو العموم من وجه لا الحالات الثلاث الأخرى. إذ في الحالة الثانية يكون دليل الترجيح المشتمل على مرجحين أخص مطلقاً من دليل الترجيح الآخر فيتقيد به، و في الحالة الثالثة لا تعارض بينها أصلًا لأن الدليل المشتمل على المرجح الأول فقط ساكت عن وجود ترجيح آخر طولي و لا ينفيه، و في الحالة الرابعة يكون لكل من دليلي المرجحين المتعاكسين ظهوران، ظهور إطلاقي يقتضي تقدم المرجح المذكور فيه أولا على المذكور فيه ثانياً لأنه مقتضى إطلاق الترجيح به حتى إذا كان المرجح الثاني ثابتاً في المعارض الآخر.

و ظهور عرفي صريح في أن المرجح المذكور فيه أولا ليس متأخراً رتبة عن المذكور فيه ثانياً، بل اما مقدم عليه أو في عرضه على الأقل و إلّا لما قدّم عليه في التسلسل الترجيحي، و هذا الظهور أقوى من الإطلاق و أظهر و التعارض بين دليل الترجيح بحسب الحقيقة واقع بين الظهور الإطلاقي لأحدهما مع هذا الظهور العرفي الصريح من الآخر فيرفع اليد عن الإطلاق بالظهور الصريح بقانون حمل الظاهر على الأظهر المتقدم في أقسام الجمع العرفي فينتج عرضية المرجحين معاً. و إعمال هذا الجمع واضح جدّاً إذا فرضنا مجي‏ء الترتيب بين المرجحين في كلام الإمام (عليه السلام) ابتداء، و أما إذا افترضنا انتزاع الترتيب من كلام الإمام (عليه السلام) عن طريق الترتيب الوارد في سؤال الراوي بعد فرضه تساويهما في المرجح الأول، كما هو الحال في المقبولة و المرفوعة، فقد لا يكون الجمع المذكور واضحاً، إذ لعل الإمام (عليه السلام) في جوابه على السؤال الأول أجاب بالمرجح الثاني إذ لا بأس بذلك، و لذا لا نضايق من أن يقتصر الإمام على ذكر المرجح الثاني فقط- كما في الحالة الثانية من الحالات الأربع- إلّا أنه مع ذلك يقال أن ظاهر كلام الإمام (عليه السلام) ان المرجح الثاني على الأقل ليس مقدماً على الأول إذ لو كان مقدماً عليه كان ما ذكره أولا مقيداً لباً بعدم المرجح الثاني و هذا القيد غير مأخوذ في الكلام الثاني، فلا يكون الجوابان‏

379

منصبين على موضوع واحد مع أن ظاهرهما ذلك، فهذا من قبيل أن يقول الإمام في الجواب عن المتعارضين (خذ بأشهر الحديثين المتساويين في صفات الراويين لهما، قال: فإن كانا متساويين في الشهرة قال: خذ بقول أصدقهما) فالترتيب العكسي ليس محذوره مجرد تقييد الإطلاق بل إضافة إلى ذلك يلزم ورود الكلامين على موضوعين و هذه مخالفة لظهور أقوى من الإطلاق. و إن شئت قلت: إن الكلام الثاني قرينة على أن موضوع كلامه الأول قابل لأن يفرض فيه أحدهما أصدق و الآخر غير أصدق و هذا لا يلائم مع الترتيب العكسي، فيقيد إطلاق كل من المرجحين المتعاكسين بهذا الظهور في دليل الترجيح الآخر و تثبت عرضيتهما في النتيجة.

لا يقال: بناء على العرضية أيضا يكون موضوع الحكم بالترجيح بالمزيّة الأولى مقيداً بعدم اتصاف معارضه بالمزية الثانية.

فإنه يقال: عند عرضية المرجحين يكون الموضوع ذات الخبرين فيكون الجوابان واردين على موضوع واحد، و الفرق هو أن المرجح الثاني بناء على الترتيب العكسي يرفع شأنية الترجيح بالمرجح الأول و أما بناء على العرضية فإنما لا يمكن فعلية الترجيح للتعارض و إلّا فمقتضى الترجيح فيهما معاً تام.

المادة الثانية- الاختلاف بين المرفوعة و المقبولة في الصفات التي جعلت وجوهاً للترجيح في كل منهما. فالمقبولة تضمنت الترجيح بالأعدلية و الأفقهية و الأصدقية في الحديث و الأورعية، و إذا أرجعنا الأورعية إلى الأعدلية- لأن المراد من الأعدلية مزيد استقامة على جادة الشرع و الالتزام بها و لا يراد من الأورعية غير ذلك- رجعت الصفات الترجيحية إلى ثلاث. و أما المرفوعة فقد اقتصر فيها على الترجيح بصفتي الأعدلية و الأوثقية. فإذا كانت الصفات في المقبولة ترجيحاً لأحد الحكمين على الآخر لم يكن تعارض بينهما، و إن كانت ترجيحاً لأحد الخبرين. فإذا استظهرنا من تعداد الصفات المذكورة المثالية فألغينا خصوصية ما ذكر منها و قلنا أن المقصود الترجيح بكل مزية

380

توجب قرب أحد الخبرين إلى الواقع لم يكن تعارض بينهما أيضا و أما إذا جمدنا على الصفات المذكورة فيهما، أو حملنا ما جاء في المقبولة بالخصوص على المثالية و لو بقرينة قوله «قلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر» دون المرفوعة فهنالك يقع التعارض بينهما حيث أن أحدهما يقتصر على اثنين منها و يحكم بالرجوع إلى المرجحات الأخرى عند فقدهما بخلاف الآخر، و علاج هذا التعارض يكون بالتقييد فإن الظاهر من هذه المرجحات أنها مرجحات عديدة في عرض واحد فلا تصل النوبة إلى المرجحات الطولية الأخرى إلّا بعد اجتيازها.

المادة الثالثة- ما إذا فرضنا عدم رجوع الترجيح بالصفات في المقبولة إلى الروايتين فيكون أول المرجحات في المقبولة و المرفوعة معاً الشهرة و آخرها مخالفة العامة، فإنه حينئذ يقع التعارض بينهما من ناحيتين.

الأولى- المعارضة بالعموم من وجه بين نفس المرجحين المتوسطين و هما مخالفة العامة و الشهرة، حيث يكون مقتضى إطلاق كل منهما تقدمه على الآخر و تكون هذه المعارضة من الحالة الأولى من حالات الاختلاف بين دليلي الترجيح الأربع.

الثانية- المعارضة بلحاظ مورد افتراق كل من المرجحين، فلو كان أحدهما موافقاً للكتاب مثلًا و ليس راوي الآخر أصدق دلت المقبولة حينئذ على ترجيح الموافق للكتاب بينما تحكم المرفوعة بلزوم الانتقال إلى المرجح الثالث لأنهما متساويان في الصفات، و تكون هذه المعارضة من الحالة الثانية من حالات الاختلاف بين دليلي الترجيح الأربع.

و حكم المعارضة الثانية هو التخصيص و تقييد إطلاق المرجح الثالث بما إذا لم يكن يوجد المرجح الثاني، أي أن كلًا من المقبولة و المرفوعة كالصريح في الدلالة على أن المرجح الثالث في طول ما اختصت به من المرجح الثاني، و مقتضى الجمع بين هاتين الصراحتين تعذر تقديم المرجح الثالث على أي واحد

381

من المرجحين المتعارضين بالعموم من وجه، و أما إعمال المرجح الثالث عند تكافؤ المتعارضين في المرجحين المتقدمين عليه بأن كان أحدهما موافقاً للكتاب و الآخر واجداً لصفات الراوي فسوف يأتي الحديث عنه في الجهة القادمة عند ملاحظة النسبة بين رواية الراوندي و المرفوعة.

و حكم المعارضة الأولى التساقط في مورد اجتماع المرجحين المتعارضين بالعموم من وجه و بالتالي عدم تقدم شي‏ء منهما على الآخر.

لا يقال- إن المقبولة لا تدل على عدم مرجحية الصفات كي تعارض بالعموم من وجه مع المرفوعة، لأنّها بينت الترجيح بموافقة الكتاب في مورد فرغ فيه عن تساوي الراويين- و هما الحاكمان- في الصفات فلا ينعقد فيها إطلاق لحال فقدان أحدهما للصفة الترجيحية حتى يدل على عدم مرجحية الصفات.

فإنه يقال- قد تقدم أن مرجحية الصفات لا بد من لحاظها في الراويين المباشرين لسماع الحديث من المعصوم أو في كل طبقات السند على تقدير التنزل و هذا لم يفرض في المقبولة.

المادة الرابعة- الاختلاف بين المقبولة و المرفوعة في الترجيح بمخالفة العامة و موافقة الكتاب. و الكلام حول هذا الاختلاف يقع في نقاط ثلاث.

الأولى- دلالة المقبولة في نفسها على مرجحية موافقة الكتاب كمرجح مستقل، إذ ربما يعترض على ذلك بأن الوارد فيها الترجيح بمجموع موافقة الكتاب و مخالفة العامة حيث جمع بينهما بواو العطف. إلّا أن الصحيح مع ذلك إمكان استفادة مرجحية موافقة الكتاب منها على نحو الاستقلال لما جاء فيه من الحكم بعد ذلك بالترجيح بمخالفة العامة في خبرين نسبتهما إلى الكتاب واحدة. فإن هذا دليل على أن موافقة الكتاب مرجح مستقل و إلّا لكان ضم الكتاب إلى ما هو في نفسه مرجح مستقل لغواً.

382

الثانية- أن المقبولة هل يستفاد منها تقديم الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بمخالفة العامة أم لا، و تظهر ثمرته فيما إذا كان أحدهما مخالفاً للعامة و الآخر موافقاً للكتاب، فإنه بناء على الطولية يؤخذ بما وافق الكتاب و بناء على العرضية يتكافئان.

و تحقيق الحال في هذه النقطة: أن عطف مخالفة العامة على موافقة الكتاب فيه ثلاثة احتمالات.

1- أن يكون مجموع الأمرين هو المرجح. و قد اتضح مما بيناه في النقطة السابقة سقوط هذا الاحتمال.

2- أن يكون كل منهما مرجحاً مستقلًا في عرض واحد.

3- أن يكون العطف حشواً في الكلام جي‏ء به توطئة لبيان الترجيح بمخالفة العامة بعد ذلك، و إشعاراً بأن آراء العامة كثيراً ما تكون مخالفة مع الكتاب. و هذا الاحتمال لو تم استظهاره تمت الدلالة على الطولية بين الترجيحين. و مما يؤيد أن يكون السائل قد فهم الطولية من كلام الإمام (عليه السلام) سكوته عن السؤال عن حكم ما إذا كان أحدهما موافقاً للكتاب غير مخالف للعامة و الآخر بالعكس رغم أنه كان بصدد استيعاب كل الشقوق المتصورة للتفاضل و التكافؤ- على ما هو واضح من خلال أسئلته- فإن الصور المعقولة بلحاظ هذين المرجحين عشرة، فإن كلًا من الخبرين المتعارضين يتصور في حقه أربع صور. لأنه اما أن يكون واجداً لكلتا المزيتين أو يكون فاقداً لهما معاً أو يكون واجداً لأحدهما فقط، فهذه صور أربع في كل من الطرفين و ينتج من ملاحظتها في الطرفين معاً بضرب الصور الأربع لكل طرف في الأربع من الطرف الآخر ست عشرة صورة يستثنى منها ست مكررة- لعدم خصوصية في أحد الخبرين- فتبقى عشر صور فهم السائل حكم تسع منها خلال أسئلته المتكررة عن الإمام (عليه السلام)، و تبقى صورة واحدة هي التي ذكرناها لا يفهم حكمها إلّا بناء على استفادة الطولية في الترجيح بالمزيتين.

383

و تفصيل الصور العشر و كيفية استفادة حكمها من المقبولة على ما يلي:

1- أن يكون أحد الخبرين واجداً للمزيتين معاً و الآخر فاقداً لهما معاً، و يستفاد حكمه صريحاً من قوله (عليه السلام) «ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف الكتاب و السنّة و وافق العامة».

2- أن يكون أحد الخبرين واجداً للمزيتين معاً و الآخر موافقاً للكتاب و العامة معاً، و حكمه يستفاد من قوله (عليه السلام) «أ رأيت إن كان الفقيهان عرفاً حكمه من الكتاب و السنّة فوجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة و الآخر مخالفاً بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد».

3- أن يكون كلاهما موافقاً للكتاب و غير مخالف للعامة، و حكمه يتبين من قوله (عليه السلام)، «قلت: جعلت فداك فإن وافقها- يعني العامة- الخبران جميعاً ... إلخ» و قد فرض مسبقاً موافقتهما للكتاب فحكم الإمام (عليه السلام) بالأخذ بما هو أبعد من ميل قضاتهم و حكامهم. إلّا أن هذه الصورة إنما يستفاد حكمها بالتصريح لو فرض الخبران موافقين للعامة، و أما لو فرض غير موافقين و لا مخالفين فيستفاد حكمها أيضا بعد أن يضم إلى ذلك استظهار المثالية من فرض موافقة الخبرين للكتاب أو مخالفتهما للعامة، و كأن المقصود تساويهما من حيث الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة.

4- أن يكون أحدهما واجداً للمزيتين معاً و الآخر مخالفاً للعامة فقط.

5- أن يكون أحدهما موافقاً للكتاب فقط و الآخر فاقداً للمزيتين معاً.

و يفهم حكم هاتين الصورتين مما تقدم من استظهار مرجحية موافقة الكتاب مستقلًا.

6- أن يفقد كلاهما كلتا المزيتين.

7- أن يكون كلاهما مخالفاً للعامة و ليس شي‏ء منهما موافقاً للكتاب.

384

8- أن يكون كلاهما واجدين للمزيتين معاً.

و حكم هذه الصور الثلاث يفهم من ذيل المقبولة بعد افتراض السائل تكافؤ الخبرين من ناحية المزيتين، فإنه و إن فرض في نصّ العبارة موافقتهما للعامة لكن المتفاهم من ذلك عرفاً- على ما أشرنا إليه- افتراض تساويهما من ناحية هذا الترجيح اما لفقدانهما له معاً أو لوجوده فيهما معاً.

9- أن يكون أحدهما فاقداً للمزيتين معاً و الآخر مخالفاً للعامة غير موافق للكتاب، و حكم هذه الصورة يفهم أيضا من قوله (عليه السلام) «ما خالف العامة ففيه الرشاد» بعد فرض السائل موافقتهما للكتاب معاً بمعنى تساويهما من ناحية ذلك الترجيح.

10- أن يكون أحدهما موافقاً للكتاب غير مخالف للعامة و الآخر على العكس، و هذه هي الصورة التي لا يستفاد حكمها من مجموع الشقوق إلّا إذا استفيدت الطولية بين المرجحين.

الثالثة- أن المقبولة إن فرضنا دلالتها على الترجيح بالصفات أولا ثم بالشهرة فموافقة الكتاب تكون المرجح الثالث فيها و مخالفة العامة هي المرجح الرابع فيها- بناء على الطولية بينهما- بينما هي المرجح الثالث في المرفوعة، فالرجوع إلى مخالفة العامة يكون في المرفوعة مقيداً بقيدين و لكنه في المقبولة مقيد إضافة إلى ذلك بقيد ثالث هو عدم الترجيح بموافقة الكتاب، فلا بدّ من تقييد المرفوعة بالمقبولة.

و إن فرضنا عدم دلالة المقبولة على مرجحية الصفات فتتفق المقبولة مع المرفوعة في المرجحين الأول و الثالث و يختلفان في المذكور ثانياً في كل منهما، و قد عرفت التعارض بين إطلاقهما بنحو العموم من وجه المقتضي بعد التساقط عرضيتهما و تأخر المرجح الثالث- و هو مخالفة العامة- عنهما معاً.

المادة الخامسة- إن المقبولة قد ورد فيها بعد الترجيح بمخالفة العامة، ترجيح‏

385

ما يكون قضاتهم و حكامهم أبعد عنه، مع أنه لم يرد ذلك في المرفوعة و إنما ورد الأمر بأخذ ما فيه الحائط للدين.

إلّا أن المتفاهم عرفاً من مثل هذا البيان أنه مرتبة أدنى في الترجيح بمخالفة العامة و بيان أن هذه المرتبة من البعد عن آرائهم و فتاواهم أيضا كاف في الترجيح.

المادة السادسة- أن المقبولة أمرت عند فقدان جميع المرجحات بالاحتياط و الوقوف عند الشبهة و إرجاء الواقعة إلى أن يلقى الإمام (عليه السلام) بينما المرفوعة أمرت بالأخذ بما فيه الحائط للدين، و مع تساويهما من هذه الجهة حكم بالتخيير بينهما.

و البحث عن هذه النقطة يقع من جهتين.

الجهة الأولى- في تشخيص أن المستفاد من المرفوعة هل هو الترجيح بموافقة الاحتياط، أو التساقط و الرجوع إلى أصالة الاحتياط في المسألة الفرعية؟

الجهة الثانية- في أنه هل يوجد تعارض بينهما في هذه النقطة أم لا؟

أما البحث من الجهة الأولى، فالظاهر من المرفوعة الترجيح بموافقة الاحتياط، لا التساقط و الرجوع إلى أصالة الاحتياط في المسألة الفرعية. و ذلك لأن هذا هو ظاهر قوله فخذ بما فيه الحائطة لدينك. حيث أن المراد باسم الموصول هنا الحديث الموافق للاحتياط و الأمر بالأخذ بحديث ظاهر في الإرشاد إلى حجيته في مقابل الآخر، و هو معنى الترجيح.

هذا، مضافاً إلى أن الراوي فرض بعد ذلك أن الحديثين معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان، و يتعين أن يكون نظر الراوي في ذلك إلى الحديث بلحاظ مفاده المطابقي لا بلحاظ مجموع ما يستفاد منه و لو التزاماً بنحو يشمل نفي الآخر، إذ لو كان نظر الراوي إلى المجموع لما تعقلنا فرض كون الحديثين معاً موافقين للاحتياط في مقابل كونهما معاً مخالفين له، لأنه إن أراد الموافقة المطلقة فهي مستحيلة مع فرض التعارض كاستحالة المخالفة

386

المطلقة أيضا، و إن أراد الموافقة من وجه المساوقة للمخالفة من وجه أيضا فلا يتصور في قباله شق آخر حينئذٍ. و هذا بخلاف ما إذا كان نظر الراوي إلى المفاد المطابقي خاصة، فإنه يحمل فرض موافقة الحديثين للاحتياط على الموافقة و لو من ناحية، كما إذا دلت رواية على وجوب التمام و رواية على وجوب التقصير. و يحمل فرض مخالفة الحديثين للاحتياط على المخالفة المطلقة، كما إذا دلت رواية على أن مواطن التخيير بين القصر و التمام ثلاثة، هي مكة و المدينة المكرمة و مسجد الكوفة، و دلت رواية أخرى على أنها ثلاثة، هي مكة و المدينة و الحائر الحسيني. و على هذا يتبين أن فرض كون الحديثين معاً موافقين للاحتياط أو مخالفين لا يساوق عدم إمكان الاحتياط ليقال بأن الحجية التخييرية ضرورة يلتجئ إليها المولى في فرض عدم إمكان إجراء الأصل- أي الاحتياط- بل يلائم مع إمكان الاحتياط، و حينئذٍ يكون التفكيك بين صورة كون أحد الحديثين موافقاً للاحتياط دون الآخر و صورة كون كلا الحديثين على نحو واحد من جهة الاحتياط موافقة أو مخالفة و الالتزام بالتساقط في الأول دون الثاني، على خلاف الارتكاز العرفي لمناسبات الحجية، فإن مجرد كون أحد الخبرين موافقاً للاحتياط دون الآخر كيف يكون سبباً لأسوئية حال الخبرين و سقوطهما عن الحجية معاً.

و أما البحث من الجهة الثانية. فبلحاظ الترجيح بموافقة الاحتياط لا تعارض بين المرفوعة و المقبولة، شأن كل ترجيح يرد في أحد الدليلين و يسكت عنه الدليل الآخر مع اتفاقهما على الترجيحات الأخرى.

و أما بلحاظ الحكم بالتخيير في ذيل المرفوعة، و بالتوقف في ذيل المقبولة، فسوف يأتي البحث عنه في أخبار التوقف و الإرجاء.

الجهة الرابعة- في نسبة المقبولة و المرفوعة إلى رواية الراوندي. و الكلام في ذلك تارة: يقع في نسبة المقبولة معها و أخرى: في نسبة المرفوعة إليها.

أما المقبولة. فإن قلنا: ان الترجيح بالصفات فيها يرجع إلى الحاكمين لا

387

الراويين و أن الشهرة الواردة فيها ليست من أجل الترجيح و إنما لتمييز الحجة عن اللاحجة، كانت المقبولة كرواية الراوندي من حيث اشتمالها على ترجيحين، الترجيح بموافقة الكتاب و الترجيح بمخالفة العامة، فإن استفدنا الطولية بين الترجيحين من المقبولة أيضا كانت كرواية الراوندي تماماً و إلّا اعتمدنا في ذلك على رواية الراوندي بعد عدم دلالة المقبولة على العرضية. كما و نعتمد في الاكتفاء بمطلق المخالفة للعامة و لو بمرتبة عدم ميل قضاتهم و حكامهم إليه في مقام الترجيح على المقبولة بعد سكوت خبر الراوندي عنه.

و إن قلنا: أن المقبولة تدل على الترجيح بالشهرة و الصفات- و لا نقول به- كان مقتضى القاعدة تقييد إطلاق رواية الراوندي بهما. فلا يصل الدور إلى الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة إلّا بعد تكافؤ الخبرين المتعارضين من ناحية صفات الراوي و الشهرة.

و ربما يقال: بعدم إمكان تقييد رواية الراوندي بالصفات الترجيحية الواردة في المقبولة. إذ قل ما يتساوى فيها الراويان للحديثين المتعارضين، فيلزم تقييد رواية الراوندي بفرد نادر.

و قد يفصل في صحة ذلك على حسب التفصيل المتقدم في النسبة بين أخبار التخيير و أخبار الترجيح بالأحدث. من عدم المحذور بناء على مسلك المشهور في باب الأحكام الظاهرية القائل بعدم التنافي فيما بينها إلّا في فرض الوصول، فإن الموارد التي لا يعرف فيها امتياز أحد الراويين في الصفات ليست بنادرة نعم لا بد و أن لا يتشكل علم إجمالي في دائرة الأخبار المبتلاة بالمعارض المخالفة مع الكتاب بأن الراوي في بعضها أرجح من حيث الصفات و إلّا فقد حصل الوصول الإجمالي فيرجع الإشكال.

و أما المرفوعة، فقد ذكر فيها الشهرة أولا ثم الصفات ثم مخالفة العامة، فإذا جعلنا الشهرة تمييزاً للحجة عن غيرها فسوف يكون عدد المرجحات‏

388

المستفادة منها اثنين كعدد المرجحات في رواية الراوندي مع اختلافهما في الأول منهما فإنه عبارة عن الصفات الترجيحية في المرفوعة و موافقة الكتاب في رواية الراوندي، فيقع بينهما التعارض بنحو العموم من وجه. فإن لم يدع الجمع العرفي بينهما بالحمل على عرضية المرجحين بتقريب: أنهما لو جمعا في كلام واحد لفهم العرف عرضيتهما و المنفصلات كالمتصلات في مقام العمل، فلا أقل من التعارض و التساقط في مادة الاجتماع و ثبوت العرضية بينهما بحسب النتيجة أيضا. هذا بلحاظ المرجح الأول في كل منهما و أما بلحاظ المرجح الثاني المتفق عليه بينهما- و هو الترجيح بمخالفة العامة- فإن فقد المرجحان الأولان معاً وصل الدور إليه بلا إشكال، و إن وجد أحد المرجحين الأولين فلا إشكال أيضا في عدم وصول النوبة إلى الترجيح بمخالفة العامة، و إنما الإشكال فيما إذا وجد كل من المرجحين في أحد الطرفين. إذ قد يقال حينئذ:

بأن مقتضى الجمود على حاق اللفظ في المرفوعة و رواية الراوندي عدم الترجيح بمخالفة العامة إذ الترجيح بها في الأولى مقيدة بعدم كون أحد المتعارضين واجداً للصفات، و في الثانية مقيدة بعدم كون أحدهما موافقاً للكتاب. و هذا الإشكال يرد في كل مرجحين اختلف فيهما أخبار العلاج في مقام تقييد مرجح ثالث متفق عليه بينهما، كما هو الحال في ملاحظة المقبولة و المرفوعة في الجهة السابقة أيضا.

إلّا أن الصحيح، هو التفصيل بين استفادة العرضية للمرجحين المختلفين على أساس الجمع العرفي و استفادتها على أساس التعارض بالعموم من وجه و التساقط في مورد الاجتماع، فإنه على الأول لا يبعد أن يكون مقتضى الجمع بينهما عرفاً عرضية المرجحين المختلف فيهما و تأخر مرتبة المرجح الثالث عنهما معاً.

بنحو تصل النوبة إليه عند تساوي المتعارضين بلحاظهما. و أما بناء على الثاني فلا يمكن استفادة ذلك لاحتمال أن يكون أحد المرجحين المتزاحمين في طول الآخر ثبوتاً و إن سقط إطلاق دليل الترجيح به إثباتاً.

389

و أما إذا جعلنا الشهرة في المرفوعة أحد المرجحات أيضا فسوف تكون المرجحات المستفادة منها أربعة تتفق معها رواية الراوندي في الأخير فقط- و هو مخالفة العامة- فلا محالة يتقيد الترجيح بها بفقدان كل تلك المرجحات المتقدمة حملًا للمطلق على المقيد. و يقع التعارض بين تلك المرجحات المتقدمة مع المرجح الأول في رواية الراوندي- و هو الترجيح بموافقة الكتاب- و يعالج بالنحو المتقدم، فإن قبلنا الجمع العرفي المشار إليه- كما هو الصحيح- كانت النتيجة أن الشهرة و موافقة الكتاب في عرض واحد و بعدهما تصل النوبة إلى الصفات ثم إلى مخالفة العامة، و إن لم نقبل ذلك أصبح إطلاق الترجيح بموافقة الكتاب طرفاً للمعارضة بالعموم من وجه مع إطلاق الترجيح بالشهرة و الصفات في المرفوعة، و النتيجة هي التساقط و العرضية عملياً.

إلّا أن هذا كله مبني على تمامية المرفوعة سنداً و قد عرفت عدمها، و بذلك ينتهي الحديث عن أخبار الترجيح و قد تلخص أن المقدار الثابت بها هو الترجيح بموافقة الكتاب ثم بمخالفة العامة بمراتبها.

390

أَخبار التوقّفِ و الإرجاء

و هناك طائفة من الروايات قد يستدل بها على لزوم التوقف في موارد تعارض الخبرين و عدم الأخذ بشي‏ء منهما. و يمكن تصنيفها بحسب ما جاء في ألسنتها إلى صنفين:

الأول- ما ورد بلسان الأمر بالرد إلى الأئمة (عليهم السلام) من قبيل ما نقله في السرائر نقلًا من كتاب مسائل الرّجال لمحمد بن علي بن عيسى قال: حدثنا محمد ابن أحمد بن محمد بن زياد و موسى بن محمد بن علي بن عيسى قال: «كَتَبتُ إلى الشّيخِ مُوسَى الكَاظمِ أعَزّهُ اللّهُ وَ أيّدَهُ: أسألُهُ: عَنِ الصّلاةِ ...

إلى أن قال: وَ سَألتُهُ عَنِ العلمِ المَنقُولِ إلَينَا عَن آبائك وَ أجدَادِك قَد اختُلِفَ عَلَينَا فيهِ كيفَ نَعمَلُ بهِ عَلى اختلافهِ أو الرّدّ إلَيكَ فِيمَا اختُلِفَ فِيهِ؟ فَكَتَبَ (عليه السلام) ما عَلِمتُم أنّهُ قَولُنَا فَالزِمُوهُ وَ ما لَم تَعلَمُوهُ فَرُدّوهُ إلَينَا» (1).

و قد ورد هذا اللسان في روايات عديدة اخترنا هذه الرواية منها بالخصوص لورودها في مورد اختلاف الأحاديث و تعارضها و ليست واردة في طبيعي الخبر كي يكون مفادها- على تقدير تماميتها- نفي حجية خبر الواحد

____________

(1)- جامع أحاديث الشيعة ج 1 باب- 6- من أبواب المقدمات، ص 66.

391

فتعارض بأدلة حجيته خبر الثقة أو تخصص بها.

و هذه الرواية و إن لم تقيد بحسب لسانها بما إذا كان الخبران المتعارضان كلاهما من ثقة، إلّا أنه لا يبعد أن يستظهر كون السؤال فيها عن تحديد الموقف بسبب الاختلاف في مورد يفرغ فيه عن لزوم الأخذ بالخبر لو لا الاختلاف، فتكون واردة في خصوص مورد التعارض بين دليلين معتبرين في أنفسهما.

إلّا أن الاستدلال بهذه الرواية غير تام أيضا. و ذلك أولا- لسقوطها سنداً، باعتبار الجهل بحال صاحب كتاب مسائل الرّجال الّذي ينقل عنه المحقق ابن إدريس هذه الرواية.

و ثانياً- على تقدير تماميتها تكون مخصصة بما تم من أدلة الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة. كما أنها معارضة مع أخبار التخيير لو تم شي‏ء منها.

الثاني- ما ورد بلسان الأمر بالوقوف عند الشبهة و إرجاء الواقعة إلى حين لقاء الإمام (عليه السلام). و هو ما جاء في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة المتقدمة في أخبار الترجيح. حيث ورد فيه بعد افتراض السائل تساوي الخبرين المتعارضين في جميع المرجحات «إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».

و الاستدلال بهذه الرواية لا ينافي أخبار الترجيح لأنها دلت على التوقف في طول فقدان الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة، بل الشهرة و الصفات أيضا بناء على استفادة الترجيح بهما من المقبولة. إلّا أنه قد يتوهم معارضتها مع ما دل على التخيير مطلقاً أو عند فقد الترجيح بأحد المرجحات المنصوصة، كما في المرفوعة.

و الظاهر أنه لا تعارض بين ذيل المقبولة الآمرة بالإرجاء بعد فرض تكافؤ

392

الخبرين المتعارضين مع أدلة التخيير، و ذلك لما تقدمت الإشارة إليه من أن المقبولة بصدد علاج التعارض بلحاظ موردها، و هو مورد الخصومة و اختلاف الحاكمين، و من الواضح أنه في هذا المورد لا معنى للحكم بالترجيح بموافقة الاحتياط- كما جاء في ذيل المرفوعة- مع تشبث كل من الخصمين بحقه و لا للحكم بالتخيير- كما في أخبار التخيير-.

نعم، قد يقال: أن ذيل المرفوعة التي هي بنفسها من أخبار التخيير حيث أنه يدل على أن التخيير في طول استواء نسبة الحديثين إلى الاحتياط إثباتاً و نفياً، يكون معارضاً لما دل على التخيير بين المتعارضين اللذين يكون أحدهما موافقاً للاحتياط دون الآخر. و لا يبعد الجمع العرفي عندئذٍ بحمل الأمر بالأخذ بالأحوط على الاستحباب، فإن الأمر الطريقي يتصور فيه الوجوب و الاستحباب أيضا تبعاً لمرتبة شدة الاهتمام و ضعفه، فكأن اللازم طريقيا اختيار أحدهما و المستحب طريقياً اختيار ما كان موافقاً للاحتياط.

393

تنبيهاتُ المسألة الثانية

التنبيه الأول [هل يثبت بأخبار التخيير، التخيير فى المسألة الأصولية أو اللفظية و يقع البحث فى‏جهات‏]

- لو افترض تمامية الاستدلال بأخبار التخيير في حالات التعارض مطلقاً، أو في فرض عدم وجدان أحد المرجحات السابقة، فهل يثبت بها التخيير في المسألة الأصولية أو التخيير في المسألة الفقهية؟

و البحث عن ذلك يقع في عدة جهات.

الجهة الأولى- في الفرق بين التخييرين.

لا إشكال في أن الحكم بالتخيير في حالات التعارض حكم شرعي ظاهري و ليس واقعياً. و إنما البحث حول تشخيص كونه حكماً تكليفياً فرعياً فيكون التخيير في المسألة الفقهية، أو حكماً وضعياً أصولياً فيكون التخيير في المسألة الأصولية.

و المراد بالحكم التكليفي الفرعي- التخيير الفقهي- الترخيص العملي للمكلفين في تطبيق سلوكهم وفق أحد الدليلين المتعارضين.

و المراد بالحكم الوضعي الأصولي- التخيير الأصولي- حجية أحد المتعارضين، و هو الّذي يختاره المكلف- بإحدى الصياغات المعقولة التي سوف يأتي الحديث عنها- فالفرق الثبوتي بين التخييرين يتمثل في أن الحكم التكليفي العملي للمكلفين لا يتحدد في التخيير الأصولي بنفس ما هو المجعول‏

394

التشريعي فيه- كما هو الحال في التخيير الفقهي-، و إنما يحدده ما سوف يختاره المكلف فيكون مفاده حجة عليه تعييناً. فإذا كان أحد المتعارضين يدل على وجوب القصر في المواطن الأربعة مثلًا و اختاره المكلف صار حجة عليه، و أصبح تكليفه العملي وجوب القصر فيها شأنه في ذلك شأن ما إذا لم يكن لدليل وجوب القصر معارض أصلًا. و هذه هي النتيجة المتوخاة من التخيير في الحجية- التخيير الأصولي-

الجهة الثانية- في معقولية هذين النحوين للتخيير ثبوتاً.

لا إشكال في معقولية التخيير الفقهي و ذلك بأن يرخص المولى أن يُطبق العبد عمله على طبق أحد الخبرين بنحو لا يخالفهما معاً. و إنما يقع البحث في كيفية صياغة التخيير في المسألة الأصولية فهل يراد به سنخ ما يقال في الوجوب التخييري أو لا و الصياغة المعروفة في باب جعل الوجوب التخييري تكون بأحد شكلين إما إيجاب الجامع بين الفعلين أو إيجاب كل منهما مشروطاً بترك الآخر. و الأول منهما يستبطن جعلًا واحداً بينما الثاني يتضمن جعلين مستقلين، و المعقول من هذين الشكلين لكيفية جعل الحكم التخييري في المقام هو الثاني لا الأول فهنا دعويان لا بد من تمحيصهما.

الدعوى الأولى- عدم معقولية جعل الحجية التخييرية كجعل واحد على حد جعل وجوب تخييري للجامع.

الدعوى الثانية- معقولية جعل الحجية التخييرية كجعلين مشروطين.

أما برهان الدعوى الأولى: فهو أن الغرض المرغوب فيه في باب الوجوب التخييري حمل المكلف على إيجاد أحد الفردين من الجامع لا كليهما، و هذا الغرض يحصل بتعلق الوجوب بالجامع بنحو صرف الوجود، فإن إيجاب الجامع بنحو صرف الوجود و إن كان لا يسري إلى الأفراد- لأن سريانه إلى بعض دون بعض ترجيح بلا مرجح و سريانه إلى الجميع خلف كونه بنحو

395

صرف الوجود- لكنه مع ذلك يبعث المكلف نحو الإتيان بفرد من الأفراد لأن الجامع لا يتحقق إلّا بذلك. و أما الغرض المطلوب من الحجية التخييرية فهو تنجيز مفاد أحد الدليلين المتعارضين تعييناً كما إذا لم يكن له معارض و هذا لا يتحقق عن طريق جعل الحجية للجامع بين الخبرين. و توضيحه: أن الخبرين تارة: يفترض أنهما يدوران بين النفي و الإثبات- أي الإلزام و الترخيص- و أخرى: يفترض أنهما معاً إلزاميان- كما لو دل أحدهما على وجوب الظهر و الآخر على وجوب الجمعة- و في كلا التقديرين لا نتوصل إلى غرض الحجية التخييرية من جعلها للجامع بين الدليلين، إذ غاية ما يلزم من ذلك قيام الحجة على الجامع بين الإلزام و الترخيص في الأول و الإلزامين في الثاني، و الأول لا أثر له لأنه ليس بأحسن حالًا من العلم الوجداني بالجامع بين الترخيص و الإلزام، و الثاني يوجب الاحتياط و الإتيان بالطرفين و كلاهما خلاف الغرض المطلوب من وراء جعل الحجية التخييرية و هو تعيّن أحد الطرفين حين الالتزام به. بل لا بد في تحقق هذا الغرض من أن ينصب الجعل على شخص أحد الدليلين المتعارضين، و قد عرفت أن الجعل المتعلق بالجامع بنحو صرف الوجود يستحيل سريانه إلى أفراد ذلك الجامع.

و أما الدعوى الثانية- فجعل الحجية المشروطة في الطرفين أمر معقول و منسجم مع الغرض المطلوب من الحجية التخييرية، إلّا أن الكلام في كيفية تحديد الشرط لهذه الحجية بنحو لا يستوجب الجمع بين الحجيتين في بعض الأحيان. و قد ذكر المشهور أن الشرط عبارة عن التزام المكلف بأحد الخبرين فكل ما التزم به من المتعارضين يكون هو الحجة فعلًا عليه، و بما أن العاقل لا يتأتى منه التزامان متهافتان فلا يتفق أن تجتمع في حقه حجيتان و إن كان يجب عليه أحد الالتزامين وجوباً طريقياً.

و هذا المعنى أمر معقول و إن كان لا يخلو عن غرابة تشريعية باعتبار أن الالتزام لم يكن شرطاً في حجية دليل في غير موارد التعارض فكيف يكون‏

396

شرطاً لها في موارد التعارض. على أن الموافقة الالتزامية بأحد الدليلين التي تكون نوعاً من التشريع قبل حجية ذلك الدليل إنما يسمح بها في طول الحجية فكيف صارت الحجية في طولها. و يمكن تفادي هذه الاستغرابات بتبديل الشرط و جعله عبارة عن ما يختاره المكلف مع لزوم أحد الاختيارين عليه. كما يمكن فرض إعطاء أمر تشريع إحدى الحجيتين إلى المكلف نفسه، فهو الّذي يجعل أحد الخبرين حجة لنفسه، إلّا أن هذا يستبطن أيضا غرابة تجويز التشريع و إعطائه بيد المكلف.

الجهة الثالثة- فيما يفتي به الفقيه في موارد التعارض.

أما على القول بالتخيير في المسألة الفقهية فيتعين على الفقيه أن يفتي بنفس هذا التخيير كحكم تكليفي ظاهري.

و أما إذا قيل بالتخيير في المسألة الأصولية، و فرض اختيار الفقيه لأحد الخبرين المتعارضين، فهل يفتي المقلدين بالتخيير الأصولي أو يفتيهم بمفاد الخبر الّذي تعين عليه.

أما إفتاؤه بالتخيير الأصولي فلا محذور فيه عدا ما قد يتوهم من أن الأحكام الأصولية مختصة بالمجتهد و لا تثبت في حق المقلدين، و قد أبطلنا هذا التوهم مفصلًا في مبحث حجية القطع من هذه البحوث.

و أما إفتاؤه بمفاد الخبر الّذي صار حجة في حقه ففيه جنبتان لا بد من ملاحظتهما.

الجنبة الأولى- كونه إخباراً منه بما أنزله اللّه و فرضه على عباده.

الجنبة الثانية- كونه حجة على المقلدين بحيث يتعين عليهم الالتزام به و السير على طبقه.

و الجنبة الأولى من هاتين لا إشكال فيها بعد فرض حجية الخبر الّذي اختاره، فيمكنه أن يخبر بمدلوله كحكم شرعي، كما هو الحال في غير موارد

397

التعارض. و أما الجنبة الثانية، فيشكل إثباتها في المقام، و الوجه في ذلك: أن التقليد ليس أمراً تعبدياً صرفاً، و إنما هو بملاك رجوع الجاهل إلى العالم و الخبير، و إفتاء الفقيه بمفاد الخبر الّذي أصبح حجة عليه في قبال الخبر الآخر لم يكن على أساس علم و خبرة مفقودة للمقلد و إنما لمحض الرغبة و الاختيار الشخصي فالمقلد شأنه شأن المجتهد في أنه يختار أي الخبرين شاء و يكون هو الحجة عليه.

الجهة الرابعة- في أن أي التخييرين يستفاد من أخبار التخيير على تقدير تماميتها؟

و بما أن التخيير الأصولي هو المشتمل على مئونة زائدة فبالإمكان تقريب استفادته من أخبار التخيير بأحد الوجوه التالية.

الأول- قد ورد في ألسنة بعض تلك الأخبار التعبير بالأخذ، من قبيل قوله (عليه السلام) «فموسع عليك بأيهما أخذت من باب التسليم كان صواباً» و مقتضى إطلاقه شموله للأخذ العملي و الأخذ المفادي معاً، أي الأخذ بمفاد الخبر و الالتزام به، و التوسعة في الأخذ المفادي مساوق مع الحجية الأصولية. و هذا التقريب لا يرد في لسان آخر من قبيل قوله (عليه السلام) «موسع عليك حتى ترى القائم» و لا يقال: أن السعة بإطلاقها تشمل السعة في العمل و السعة في الأخذ، فإن السعة عرفاً تكون في مقابل الضيق و لا ضيق عرفاً من عدم التخيير الأصولي المساوق لعدم صحة الالتزام بمفاد معين و إنما الضيق في الاحتياط العملي فيكون السعة عبارة عن التخيير العملي الفقهي أيضا.

الثاني- استظهار ناظرية أخبار التخيير إلى دليل الحجية العام لتدارك قصوره عن شمول موارد التعارض، فيكون مفادها جعل الحجية أيضا لا مجرد التخيير العملي.

الثالث- أن غاية ما يمكن أن يقال في أخبار التخيير عدم دلالتها على التخيير الأصولي، فيكون التخيير العملي هو القدر المتيقن من مفادها لا دلالتها على عدم التخيير الأصولي. و حينئذ بالإمكان إثبات الحجية التخييرية بالتلفيق‏

398

بين المتيقن من مفاد أخبار التخيير و بين دليل الحجية العام، فإن إطلاق دليل الحجية العام لكل منهما في حال الالتزام به إنما سقط بالمعارضة مع إطلاقه لحجية الآخر في نفس هذه الحال و لكن أخبار التخيير تسقط هذا الإطلاق على كل تقدير، لأن التخيير سواء كان أصولياً أو فقهياً لا يجتمع مع الحجية المطلقة لأحد الطرفين، فلا يبقى مانع من التمسك بإطلاق دليل الحجية العام لإثبات الحجية المشروطة في الطرفين و هو معنى الحجية التخييرية.

لا يقال- دليل الحجية العام بعد أن ابتلي بالإجمال و التعارض الداخليّ لا يمكن التمسك به و لو وجد قرينة منفصلة ترفع أحد إطلاقاته المتعارضة.

فإنه يقال- ظاهر دليل الحجية شمول كل من الطرفين مشروطاً بعدم الحجية المطلقة في الطرف الآخر، و قد ثبت هذا الشرط بأخبار التخيير.

التنبيه الثاني- هل التخيير على تقدير ثبوته ابتدائي أم استمراري؟

و البحث عن ذلك على مستوى ما يستفاد من أخبار التخيير أولا، و ما تقتضيه الأصول العملية ثانياً.

أما البحث الأول، فضابطه، أنه تارة: نستفيد من أخبار التخيير قضية حملية مطلقة شمولية فكأنه قال: المأخوذ من الخبرين المتعارضين حجة، فيكون التخيير استمرارياً، و أخرى: نستفيد منها الأمر بأخذ أحد الخبرين- بنحو الإطلاق البدلي لأن متعلق الأمر ملحوظ بنحو صرف الوجود دائماً- فإن كان يستفاد منها الانحلالية بلحاظ الوقائع الطولية في عمود الزمان فأيضاً يستفاد استمرارية التخيير، و إن كان بنحو يلحظ فيه مجموع الوقائع كواقعة واحدة قد أمرنا بأخذ أحد الدليلين المتعارضين فيها فهذا مطلق بدلي قد امتثل باختيار أحد الخبرين في أول الأمر فلا تبقى فيه دلالة على استمرارية التخيير بعد ذلك.

و أما البحث الثاني- فالأصل العملي الّذي يمكن أن يتمسك به لإثبات‏

399

استمرارية التخيير إنما هو الاستصحاب. و قد أورد عليه: بأن موضوع الحكم المستصحب غير محفوظ فيه، لأنه عبارة عن المتحير الّذي لا حجة تعيينية له و المكلف بعد أن اختار أحد المتعارضين صار حجة عليه و خرج عن التخيير.

و أجيب عن هذا الاعتراض: بأن الموضوع ليس هو المتحيّر إذ لم يؤخذ ذلك في أدلة التخيير و إنما المأخوذ فيها الخبران المتعارضان و هو بقاء محفوظ كما هو حدوثاً.

و تحقيق الكلام في هذا الاستصحاب، أنه تارة: نبني على التخيير الأصولي و نحاول إثبات استمراره بالاستصحاب، و أخرى: نبني على التخيير الفقهي و نريد إثبات بقائه بالاستصحاب.

أما التخيير الأصولي، فهو منحل إلى حكمين- على ما تقدمت الإشارة إليه- حجية ما اختاره المكلف، و الأمر بأخذ أحدهما كوجوب طريقي.

فإن أريد إجراء الاستصحاب في الحكم الثاني، فاستصحابه لا يثبت حجية ما أخذ به في الزمان الثاني إذ ليس ترتبها عليه من باب ترتب الحكم على موضوعه كما هو واضح. و إن أريد إجراء الاستصحاب في الحكم الأول فمرجعه إلى استصحاب تعليقي، بأن يقال: إن ما اختاره في المرة الثانية لو كان يختاره سابقاً كان حجة عليه فهو كذلك بقاء، بل هذا الاستصحاب أشد إشكالًا من استصحاب الحرمة التعليقية للعصير العنبي الّذي بنى المحقق الخراسانيّ- قده- على جريانه، لأن إشكال التعارض بينه و بين استصحاب الحلية التنجيزية كان يمكن التغلب عليه هناك بدعوى: أن الحلية مغياة بعدم الغليان و الحلية المغياة مع الحرمة التعليقية متؤالمتان بوجودهما الوجداني الواقعي فكيف يتعارضان بوجودهما الاستصحابي الظاهري، و استصحاب الحلية المغياة ينفي الحلية الفعلية بعد حصول الغاية لا قبلها. و أما في المقام فدعوى التعارض المذكور بين هذا الاستصحاب و استصحاب الحجية الفعلية لما أخذ به ابتداء لا جواب عليها، لأن الحجية بقاء لا يعلم كونها مغياة بعدم الأخذ

400

بالآخر كما كانت الحلية مغياة هنالك ليكون عدم الأخذ بالآخر شرطاً في حدوث الحجية فقط.

و أما التخيير الفقهي الّذي هو حكم تكليفي، فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيه.

التنبيه الثالث- في شمول أخبار العلاج لموارد الجمع العرفي.

قد يقال بإطلاق لسان الروايات المتضمنة لعلاج حالات التعارض بين الحديثين لموارد التعارض غير المستقر أيضا فيما إذا كان بين مدلول الدليلين تعارضاً حقيقياً- كما في غير الورود من أقسام التعارض غير المستقر-، فإن هذا القسم من التعارض و إن لم يكن سارياً إلى دليل الحجية، إلّا أن الميزان في الرجوع إلى أخبار العلاج ليس هو التنافي في الحجية، بل الوارد في مفادها مطلق التعارض و الاختلاف في الحديث و هو ثابت حتى مع عدم سريان التنافي إلى دليل الحجية.

إلّا أن الصحيح عدم تمامية هذا البيان. و ما يمكن أن يذكر في الجواب عليه أحد وجوه نقتصر منها على ما يلي:

الوجه الأول- أن الظاهر من أسئلة الرّواة لأخبار العلاج كونهم واقعين في الحيرة من جراء التنافي الّذي يجدونه بين الحديثين، و من البعيد عادة أن يقع الراوي بما هو إنسان عرفي في التحير مع وجود جمع عرفي بين، المتعارضين فهذه قرينة معنوية تصرف ظواهر هذه الأخبار إلى موارد التعارض المستحكم خاصة.

و هذا الوجه غير تام. لأن التحيّر في الحجة و إن لم يكن موجوداً لدى الإنسان العرفي في موارد الجمع العرفي، إلّا أن هذا لا ينافي أن يكون سؤاله عن مطلق موارد الاختلاف و التعارض- كما هو مقتضى الإطلاق- لإمكان أن يكون مستفهماً عن احتمال وجود طريقة خاصة متبعة لدى الشارع في موارد التنافي بين أحاديثه.

401

هذا، مضافاً: إلى أن في أخبار العلاج ما ورد الحكم فيه من الإمام (عليه السلام) ابتداء من دون سؤال و تحير يفترض من قبل الراوي، بل عمدة روايات العلاج- و هي صحيحة الراوندي- قد ورد العلاج فيها من قبل الإمام (عليه السلام) فلئن فرض عدم الإطلاق في غيرها كفى ما فيها من الإطلاق.

الوجه الثاني- أن غاية ما يثبت بهذا البيان دلالة أخبار العلاج بالإطلاق على ما يخالف مقتضى السيرة و البناء العقلائي في حالات التعارض غير المستقر فيدور الأمر بين تخصيص إطلاقها بالسيرة أو ردع السيرة بإطلاقهما، سنخ ما يقال في الآيات الناهية عن العمل بالظن مع انعقاد السيرة العقلائية على العمل بخبر الثقة، و بعد عدم تعين أحدهما يتساقطان و يرجع إلى استصحاب مقتضى السيرة الثابت في أول الشريعة و لو بالإمضاء.

و هذا الجواب أيضا غير تام، لنكات و خصوصيات متقدمة في أبحاث حجية خبر الواحد نقتصر في المقام على ذكر نكتة منها هي: أن السيرة إذا ما تعارضت مع دليل لفظي يكون مقتضي الحجية تاماً فيه و احتمل في حقه أن يكون رادعاً عن السيرة المعارضة، كان مقتضى القاعدة هو التمسك بالدليل اللفظي، لتمامية مقتضي الحجية فيه و الشك في المانع و هو لا يعتنى به في باب الأدلة اللفظية. و هذا بخلاف السيرة فإن الشك في إمضائها يساوق الشك في ثبوت مقتضي الحجية فيها.

الوجه الثالث- أن السيرة العقلائية القائمة على كبرى الجمع العرفي- خصوصاً في حق من كان ديدنه تفريق القرائن و ذكرها منفصلة كالشارع الأقدس- مستحكمة في أذهان العرف بدرجة لا يصلح مجرد إطلاق في بعض أخبار العلاج للردع عنها بل الأمر على العكس تماماً إذ يكون وضوح هذه الكبرى و رسوخها في أذهانهم بنفسه قرينة مانعة عن انعقاد الإطلاق في تلك الأخبار.

الوجه الرابع- ان أخبار العلاج يمكن أن يستفاد من بعضها ما يدل على‏

402

عدم شمول أحكام العلاج الوارد فيها لموارد الجمع العرفي، فإن صحيحة الراوندي التي أهم هذه الأخبار قد افترض فيها حجية الخبر المخالف مع الكتاب في نفسه و بقطع النّظر عن معارضته بحديث آخر، و لذلك صار في مقام علاج التعارض بين خبرين متعارضين أحدهما مخالف مع الكتاب و الآخر موافق معه، فتدل على أن الخبر المعارض مع الكتاب حجة في نفسه على الأقل في موارد المخالفة بنحو التخصيص و التقييد، فإذا صح أن يكون حجة في مقابل الكتاب كان حجة في قبال خبر الثقة أيضا.

و هذا الوجه صحيح لو لا أنه لا يثبت تمام المدعى، لما تقدمت الإشارة إليه من أن هذه الرواية ليست في مقام البيان من هذه الناحية ليمكن التمسك بإطلاقها و إخراج موارد التعارض المستقر عنها، فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن منها و هو أوضح موارد الجمع العرفي و أخفّها عناية.

الوجه الخامس- التمسك بالسيرة المتشرعية المستقرة في زمن الأئمة (عليهم السلام) فيخصص بها إطلاق أخبار العلاج. و هذا الوجه تام لو لا دعوى اختصاصه بموارد الجمع العرفي الواضحة، لأن ثبوت سيرة متشرعية لأصحاب الأئمة (عليهم السلام) في تمام موارد التعارض غير المستقر غير واضح، إذ لم نظفر بشواهد تاريخية تدل على أنهم كانوا يقدمون كل ما هو أظهر على الظاهر مثلًا، و إن كان يوجد بعض الشواهد على تقديمهم مثل الخاصّ و المقيد على العام و المطلق، و كذلك الجمع العرفي بحمل دليل الأمر على الاستصحاب عند ورود الترخيص، حيث ورد هذا اللون من الجمع في أقدم الآثار الأصولية عند العامة و الخاصة، بل قد ورد التأكيد على الجمع بنحو التخصيص و التقييد في الروايات التي شبهت أحاديثهم بالقرآن الكريم من حيث أن فيه العام و الخاصّ و الناسخ و المنسوخ.

التنبيه الرابع- في شمول أخبار العلاج لموارد التعارض المستقر غير المستوعب لتمام مدلول الدليل أي التعارض بالعموم من وجه.

و قد نقل السيد

403

الأستاذ- دام ظله- عن أستاذه المحقق النائيني- قده- التفصيل في ذلك بين المرجحات السندية و المرجحات الدلالية، فالمرجح السندي لا يأتي في العامين من وجه لأن تطبيقه إما يستلزم إسقاط الخبرين في مادة الافتراق لكل منهما و هو بلا موجب، و إما يستلزم التبعيض في السند الواحد و هو غير معقول.

و هذا بخلاف المرجح الدلالي إذ بالإمكان أعماله في مادة الاجتماع فقط لتعدد الدلالات.

و أورد عليه السيد الأستاذ- دام ظله- بأن الدال و إن كان واحداً و الدلالة متعددة، إلّا أن الأحكام المترتبة في باب النقل و الاخبار بعضها يترتب على الدال و بعضها يترتب على الدلالة، فحرمة الكذب مثلًا موضوعها الدال فإذا قال (كل من في البلد قد خرج) كان كذباً واحداً و بالتالي حراماً واحداً رغم تعدد الدلالات بعدد أفراد من في البلد، بينما حرمة الغيبة موضوعها الدلالة فتعدد بتعددها، فإذا قال (كل هؤلاء فساق) ارتكب مخالفة تحريم الغيبة بعدد أفرادهم. و الحجية حكم مترتب على الدلالة لا على الدال، فالعام من وجه و إن كان دالًا واحداً لكن دلالته في مادة الاجتماع غير دلالته في مادة الافتراق و كل منهما موضوع لحجية مستقلة- بناء على عدم التبعية بين الدلالات التضمنية في الحجية- فلا محذور في سقوطه عن الحجية في خصوص مادة الاجتماع لوجود ترجيح في معارضه‏ (1).

أقول: في كلا الكلامين نظر.

أما ما أفاده السيد الأستاذ، فلأن في المقام دالين و دلالتين، فنقل الراوي دال أول و له مدلول واحد و هو صدور الحديث عن الإمام (عليه السلام)، و حديث الإمام (عليه السلام) دال ثان و له دلالات عديدة بعدد ما يتضمنه من أحكام، و ليس المقصود في المرجح السندي ترجيح أحد كلامي المعصوم (عليه السلام) على كلامه‏

____________

(1)- نقل باختصار من مباني الاستنباط الجزء الأول، ص 498- 501.

404

الآخر بمرجح ليقال أن الحجية تكون بلحاظ الدلالة و هي متعددة، و إنما المقصود ترجيح أحد الدالين الأولين على الآخر، أي ترجيح نقل أحد الراويين على نقل الآخر. و كل من النقلين له دلالة واحدة و مدلول واحد.

و أما ما أفاده المحقق النائيني- قده- فالإشكال عليه من حيث نهج البحث، إذ ليس من الصحيح أن يقال: بأن إسقاط العام في مادة الافتراق بلا موجب فلا يمكن تطبيق المرجحات السندية عليه، بل لا بد من النّظر إلى الأخبار العلاجية ليرى هل تشمل بحسب مدلولها العامين من وجه أم لا، فلو فرض شمولها لهما و فرض عدم إمكان التفكيك بين مادة الاجتماع و مادة الافتراق سقط العام حتى في مورد افتراقه و لم يكن بلا بموجب بل موجب أخبار العلاج.

و تحقيق الكلام يستدعي ذكر أمور.

الأول- إن التفكيك سنداً بين مادة الاجتماع و مادة الافتراق في موارد التعارض بالعموم من وجه ممكن ثبوتاً، لأن لكل من الراويين شهادتين بحسب الحقيقة شهادة إيجابية بأن الإمام (عليه السلام) قال العام، و شهادة سلبية سكوتية بعدم استثنائه مورد الاجتماع عن حكمه. و التعارض إنما يكون بلحاظ الشهادتين الأخيرتين، لأن عدم تعقب الاستثناء هو الّذي حقق الظهور في مادة الاجتماع فتعارض الحديثان، فإذا أسقط الشارع الشهادة السلبيّة لإحدى الروايتين أمكن بقاء الشهادة الإيجابية فيها على الحجية و بها نثبت حكم العام في مادة الافتراق.

الثاني- لا شك في أنه إذا انصب الترجيح بحسب ظاهر دليله على النقل و الرواية كان ظاهراً في أنه ترجيح لأحد السندين على الآخر، و أما إذا انصب الترجيح على المضمون المنقول فهو يناسب مع أن يكون ترجيحاً لأحد السندين فيكون تخصيصاً في دليل حجيته، أو ترجيحاً لإحدى الدلالتين و تخصيصاً في دليل حجيتها، إلّا أنه لا يستفاد منه أكثر من الترجيح الفعلي الملائم مع كونه‏