بحوث في علم الأصول - ج7

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
418 /
405

لقوة أحد المضمونين في مقابل الآخر و لو من غير جهة الصدق و الكذب، و لهذا يمكن أن يكون له إطلاق للخبرين القطعيين أيضا.

و على هذا الأساس نقول: إن ظاهر الترجيح بالصفات في أخبار العلاج- بناء على استفادته منها- كونه بلحاظ السندين، بقرينة قوله (عليه السلام) «خذ بما يقول أعدلهما، أو الحكم ما حكم به أعدلهما» حيث أضاف فيه الأخذ إلى قول الراوي. على أن مناسبات الحكم و الموضوع أيضا تقتضي أن يكون الترجيح بالصفات ترجيحاً سندياً. و أما الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة، فالظاهر من مثل رواية الراوندي «فما وافق كتاب اللّه فخذوه ... إلخ» أنه ترجيح فعلي لأحد المضمونين على الآخر فيشمل بإطلاقه الحديثين القطعيين أيضا.

الثالث- إنا و إن تعقّلنا في الأمر الأول إمكان التفكيك السندي في موارد العامين من وجه، إلّا أن هذا وحده لا يكفي للحكم به إثباتاً، بل لا بد من ملاحظة لسان أخبار الترجيح. و حينئذ نقول: إن مهم دليل الترجيح- و هو رواية الراوندي- قد أضيف فيها الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة إلى الحديثين حيث قال (عليه السلام) «إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فأعرضوهما على كتاب اللّه». و هذا لا يشمل موارد العامين من وجه، سواء استفدنا منه الترجيح السندي أو المضموني. لأن الحديث لا يصدق على الشهادة السكوتية السلبية مستقلًا، كما لا يصدق على جزء مدلول الحديث و هو خصوص دلالته في مادة الاجتماع- فإن أريد تطبيقه على الشهادة السلبية بالخصوص- بناء على كونه مرجحاً سندياً- أو على جزء المدلول- بناء على كونه مرجحاً مضمونياً- فهو غير صحيح لعدم انطباق العنوان المأخوذ في دليل الترجيح عليهما. و إن أريد تطبيقه على الشهادة الإيجابية أو تمام الحديث فهذا مناف مع ظهور سياقي نفهمه لأخبار العلاج يقضي بأنها بصدد العلاج و الإسقاط بمقدار التعارض لا أكثر من ذلك- و لعل هذا هو مقصود المحقق‏

406

النائيني- قده- من قوله أن سقوط أحد العامين من وجه في مادة افتراقه بلا موجب.

لا يقال: لا وجه للجمود على التعبير بالحديث الوارد في لسان الدليل، و لهذا يتعدى إلى موارد التعارض بين خبرين ينقلان تقريرين أو فعلين من المعصوم (عليه السلام) متنافيين في الكشف عن الحكم الشرعي.

فإنه يقال: إن مثل هذا التعدي يصح في النقل المستقل لا النقل الضمني التحليلي، كما هو الحال في المقام.

نعم، يمكن أن يدعى، بناء على كون الترجيح بموافقة الكتاب الكريم أو بمخالفة العامة ترجيحاً فعلياً لمطلق المضمون الموافق للكتاب أو المخالف للعامة لإحدى الشهادتين على الأخرى، أن العرف يتعدى من حالات التعارض بنحو التباين إلى حالات التعارض بنحو العموم من وجه، فإن موافقة الكتاب أو مخالفة العامة كما تستوجب قوة مضمون تمام المدلول المعارض كذلك تستوجب قوة جزء المدلول المعارض، إلّا أن تحصيل الجزم بصحة هذا التعدي لا يخلو من إشكال.

الرابع- أن موارد التعارض بنحو العموم من وجه قد قسمه السيد الأستاذ- دام ظله- إلى ثلاثة أقسام، إذ قد يكون كلاهما بالوضع و قد يكون كلاهما بالإطلاق و مقدمات الحكمة و قد يكون أحدهما بالوضع و الآخر بمقدمات الحكمة، فالأوّل هو القدر المتيقن لتطبيق المرجحات عليه، بناء على استظهار جريانه في التعارض غير المستوعب، و الثاني يقدم فيه العموم الوضعي على الإطلاق الحكمي، و قد تقدم البحث عنه مفصلًا، و أما الثالث فقد استشكل- دام ظله- في تطبيق المرجحات عليه، بدعوى: أن المرجحات إنما ثبتت في الحديثين المتعارضين و الإطلاق ليس حديثاً و إنما هو بحكم العقل و مقدمات‏

407

الحكمة (1). و هذا الكلام قد ذكره السيد الأستاذ في عدة مواضع.

و نحن نحتمل في تفسيره أحد وجوه تقدمت الإشارة إليها و كلها مما لا يمكن المساعدة عليه في المقام.

الأول- أن يكون المقصود أن الإطلاق إنما يستفاد من السكوت و عدم ذكر القيد، و الحديث عبارة عن الكلام فلا يصدق على السكوت.

و فيه: أولا: أن مقتضى الجمود على كلمة الحديث و إن كان هو الاقتصار على الكلام اللفظي، إلّا أن المتفاهم عرفاً و بحسب مناسبات الحكم و الموضوع أن موضوع أحكام العلاج كل سنّتين متعارضتين، سواء كانا كلامين أو فعلين أو تقريرين، و لذلك لا نستشكل في تطبيق المرجحات على خبرين متعارضين نقلا عن المعصوم فعلين متنافيين في الكشف عن الحكم الشرعي، فإذا فرض شمول أخبار العلاج للتعارض بنحو العموم من وجه الّذي يكون فيه التعارض بين جزء مدلولي الحديثين، فلا فرق بين أن تكون الدلالة سكوتية أو لفظية أو مختلفة.

و ثانياً- أن مقدمات الحكمة و التي من جملتها السكوت عن القيد حيثية تعليلية عرفاً لإيجاد الدلالة و الظهور في الكلام، فيكون الإطلاق مدلولًا للفظ عرفاً و ليس أمراً سكوتياً بحتاً.

و ثالثاً- لو أريد إعمال هذا النحو من التدقيق لأمكن إسراء الإشكال إلى العموم الوضعي أيضا، باعتبار أن المدلول التصوري فيه و إن كان لفظاً، إلّا أن المدلول التصديقي الّذي بلحاظه يكون التعارض بين الدليلين ليس لفظاً و إنما يقتنص من سكوته عن التخصيص المتصل.

الثاني- أن يكون المقصود أن الإطلاق ليس ظهوراً مستفاداً من كلام المعصوم (عليه السلام) أو سكوته بل بحكم العقل، و الترجيح إنما يكون لأحد الحديثين‏

____________

(1)- مباني الاستنباط الجزء الرابع، ص 503.

408

الصادرين عن المعصوم (عليه السلام) على الآخر لا لأحد الحكمين العقليين على الآخر.

و فيه: أن الإطلاق و مقدمات الحكمة عبارة عن تحليل حال المتكلم في مقام الكشف عن تمام مرامه من خطابه باعتباره إنساناً عاقلًا ملتفتاً، و لا يقصد من مقدمات الحكمة البراهين العقلية كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.

الثالث- أن يكون المقصود أن الإطلاق موقوف على تمامية مقدمات الحكمة التي منها عدم البيان، و هو أعم من البيان المتصل و المنفصل و مع مجي‏ء المطلقين المتعارضين لا ينعقد موضوع الإطلاق في شي‏ء منهما ليكون من التعارض بين حديثين.

و فيه: أولا- عدم تمامية المبنى، على ما تقدم توضيحه عند التعرض لنظرية التقييد.

و ثانياً- لو سلّمت تماميته، فلا يتم في المطلقين، إلّا على معنى غير تام للبيان المأخوذ عدمه في مقدمات الحكمة، على ما تقدم شرحه في أبحاث التعارض المستقر أيضا.

ثم إن هذا الاستشكال و إن ذكره السيد الأستاذ- دام ظله- في المطلقين المتعارضين بنحو العموم من وجه و لكنه جار حرفياً في المتباينين إذا كانت دلالتهما بالإطلاق و قد عرفت عدم تماميته. و ان الصحيح على القول بشمول أخبار الترجيح للتعارض المستقر غير المستوعب لتمام المدلول عدم الفرق بين المطلق الحكمي و العام الوضعي.

التنبيه الخامس‏

- قد ورد في كلمات جملة من المحققين أن الترجيح بالمرجحات السندية مقدم على الترجيح بما سموه بالمرجح الجهتي- كالترجيح‏

409

بمخالفة العامة- و لعل نظرهم يعم مطلق الترجيح غير السندي- و قد ذكروا في وجهه: أن الترجيح الجهتي إنما تصل النوبة إليه بعد الفراغ عن صدور الحديث فيكون إعمال المرجح السندي في مرتبة متقدمة فلا يبقى موضوع للترجيح الجهتي.

و التحقيق: أننا تارة: نفترض ظهور دليل الترجيح في الترتيب بين بعض المرجحات و بعض، و أخرى: نفترض أن كلا من المرجح السندي و غير السندي قد ورد في دليل خاص، فلم يعرف وجود ترتيب بينهما، و ثالثة:

نفرض أن دليل الترجيح يستفاد منه الترجيح بالمرجحات المنصوصة لا باعتبار خصوصية فيها بل لما تستلزمها من قوة لأحد الدليلين في مقام الكشف. فهذه فرضيات ثلاث يختلف الموقف من مسألة تقديم المرجح السندي على غيره باختلافها.

فبناء على الفرضية الأولى، لا مجال إلّا للالتزام بالترتيب الوارد في أدلّة الترجيح، و هذا واضح.

و أما بناء على الفرضية الثانية، فتارة: نفرض أن مصب الترجيح بحسب ظاهر دليل الترجيح السندي هو السند و بحسب ظاهر دليل الترجيح الجهتي هو الجهة بعد الفراغ عن الصدور، و أخرى: نفرض أن مصب الترجيح فيهما معاً هو الصدور و إنما الفرق بينهما في نكتة الترجيح، فقد تكون حيثية في السند نفسه و قد تكون حيثية في الجهة.

و هناك تقريبان يفهمان من كلماتهم لتخريج الترتيب بين المرجحين يختص أحدهما بالافتراض الأول بينما يجري ثانيهما على كلا التقديرين.

أما التقريب الأول- فهو أن المرجح الجهتي قد أخذ في موضوعه الفراغ عن الصدور، إذ لو لم يكن صادراً من المعصوم (عليه السلام) فلا معنى لكونه بداعي الجد أو التقية، فيكون المرجح الصدوري الجاري في مرحلة الصدور حاكماً

410

على المرجح الجهتي الجاري في مرحلة الدلالة أو رافعاً لموضوعه.

و هذا البيان بحاجة إلى تمحيص و توضيح، و بهذا الصدد لا بد و أن نعرف مسبقاً: أن الترجيح بالجهة لا يتفرع على الفراغ عن صدور الخبرين المتعارضين معاً، لأن دليل الترجيح بمخالفة العامة لا يعبدنا بصدور الخبر الموافق تقية، بل غايته نفي الصدور الجدي عنه، فهو ينفي الخاصّ بما هو خاص الّذي يناسب أن يكون صادراً على وجه التقية أو غير صادر أصلًا، فلا نحتاج إلى المفروغية عن الصدور في الخبر الموافق للعامة و إنما نحتاج إلى ذلك في الخبر المخالف. و حينئذ نقول:

إن الترجيح الجهتي الّذي يفترض توقّفه على الفراغ عن مرحلة الصدور نتصوره بأحد أنحاء ثلاثة.

الأول- أن يكون قد أخذ في موضوع الترجيح الجهتي إحراز صدور الخبر المخالف.

و على هذا التقدير، ان فرض تساوي الخبرين من حيث المرجحات السندية فالخبر المخالف للعامة نحرز صدوره لا بدليل الترجيح الجهتي- فإن دليل أي حكم لا يمكن أن يحرز موضوع نفسه- بل بدليل الحجية العام، فإنه بضمه إلى دليل الترجيح يثبت صدور الخبر المخالف جداً و عدم صدور الخبر الموافق جداً.

و إن فرض أن الخبر الموافق للعامة أرجح صدوراً، فدليل الترجيح الصدوري يلغي التعبد بصدور الخبر المخالف فلا يمكن إحراز صدوره لا بدليل الترجيح الجهتي لأنه لا يثبت موضوعه و لا بدليل الحجية العام لأنه مخصص بدليل الترجيح الصدوري فينتفي موضوع الترجيح الجهتي. و هكذا يثبت في هذا التقدير حكومة الترجيح السندي على الجهتي.

الثاني- أن يكون موضوع الترجيح الجهتي الصدور الواقعي للحديث.

و على هذا التقدير ان فرض تساوي الخبرين من حيث المرجحات أثبتنا صدور

411

الخبر المخالف بدليل الحجية و رجحناه على معارضه بنفس البيان المتقدم على التقدير السابق.

و أما على فرض رجحان الخبر الموافق للعامة سنداً، فإن فرض أن دليل الترجيح السندي كان ينفي صدور الخبر المرجوح فبذلك يحكم على الترجيح السندي ظاهراً، حيث يتعبدنا بعدم صدور الخبر المخالف للعامة. و إن فرض ان غايته عدم التعبد بصدور الخبر المرجوح، أمكننا أن نضم استصحاب عدم الصدور لنفي موضوع الترجيح الجهتي أيضا. و على كل حال فالنتيجة على هذا التقدير تقديم المرجح السندي على الجهتي أيضا.

الثالث- أن يكون موضوع الترجيح الجهتي تمامية مقتضي الحجية في سند الخبر المخالف. فدليل المرجح الجهتي يرجع إلى قضية شرطية، شرطها كون الخبر المخالف خبر ثقة، و جزائها إسقاط أصالة الجد في الخبر الموافق فلا يمكن نفي موضوع الترجيح الجهتي بدليل الترجيح السندي، لأن موضوعه- و هو كون الخبر من ثقة و واجداً لشرائط الحجية- ثابت وجداناً و لا يوجد ما ينفيه و لو تعبداً، فيكون المرجحان السندي و غير السندي في عرض واحد.

و المتعين من هذه الأنحاء هو الأخير لو لا وجود قرينة خاصة في دليل الترجيح الجهتي تقتضي أحد النحوين الأولين. لأن مجرد كون الترجيح جهتياً لا يقتضي تقييداً زائداً على كون الخبر في نفسه تام الملاك، فيكون مقتضى إطلاق دليل الترجيح الجهتي لفرض وجود الترجيح السندي و عدمه تعين النحو الأخير.

و أما التقريب الثاني- فحاصله: أن هناك فرقاً بين المرجح الجهتي و المرجح السندي في نكتة الترجيح، فالمرجح السندي يكون بملاك استحكام الخبر الأرجح و قوة مفاده في الكشف عن الحكم الشرعي، بينما المرجح الجهتي يكون بملاك وهن في كاشفية الخبر المرجوح ينشأ عن موافقته للعامة المستوجب لاحتمال صدوره تقية و لكنه وهن يختص بموارد التعارض فقط و لذلك لا

412

يستوجب حمل الخبر على التقية في غير موارد التعارض. فيتحصل من هذا التقريب أمران.

1- ان مرجح الترجيح بمخالفة العامة إلى أمارية موافقة العامة على التقية.

2- ان هذه الأمارية تختص بصورة التعارض و عدم إمكان الأخذ بالخبرين معاً.

و يستنتج من مجموع هذين الأمرين: أنه كلما أمكن حمل التعارض في رتبة سابقة على الترجيح الجهتي و العمل بالخبر الموافق للعامة لم يصح حمله على التقية. و دليل المرجح السندي يحقق هذا الشرط فيرتفع موضوع الترجيح الجهتي.

و كلا هذين الأمرين مما لا يمكن المساعدة عليه.

إذ يرد على الأول: احتمال كون الترجيح بمخالفة العامة أيضا بملاك استحكام الخبر المخالف في الكشف عن الحكم الشرعي لعدم تطرق احتمال التقية فيه فيكون درجة كشفه أقوى من درجة الكشف في الآخر على حد الأقوائية في الكشف الثابتة في خبر الأعدل.

و يرد على الثاني: إن هذه الأمارية و إن لم تكن مطلقة و لكنها مقيدة بحصول التعارض بلحاظ دليل الحجية العام فلا يجدي رفع التعارض بلحاظ دليل ثانوي متمثل في أخبار العلاج في انتفاء موضوع الترجيح الجهتي. و إن شئت قلت: أن القدر المتيقن من تقييد هذه الأمارية ما إذا كان التعارض بين خبرين واجدين لمقتضي الحجية في أنفسهما و لا قرينة على تقييد دليل الترجيح الجهتي بافتراض انحفاظ المعارضة بلحاظ كل دليل.

و أما بناء على الفرضية الثالثة- و هي ما إذا استفيد من دليل العلاج ترجيح أقوى الخبرين على الآخر- فلا بد حينئذ من ملاحظة درجة القوة في الكشف التي تحصل على أساس كل من المرجحين، فيجري حينئذ حساب الاحتمالات‏

413

ثم يؤخذ بأقواهما كشفاً بحسب النتيجة. و هذا مطلب لا يوجد ضابط نوعي له بل يختلف باختلاف الحالات و الملابسات.

التنبيه السادس- في علاقة أخبار العلاج بأخبار الطرح. ربما يتصور التعارض بين الروايات الآمرة بطرح ما خالف الكتاب الكريم و أخبار العلاج الدالة على التخيير أو الدالة على الترجيح التي لم يرد فيها الترجيح بموافقة الكتاب أو ورد متأخراً عن الترجيح بسائر المرجحات، بدعوى: أن كلًا من الطائفتين تورد تخصيصاً على دليل الحجية العام و النسبة بينهما العموم من وجه. إلّا أن الصحيح، عدم التعارض بينهما. لما أشرنا إليه خلال كلماتنا السابقة من أن المستظهر و المتفاهم عرفاً من سياق أخبار العلاج ورودها سؤالًا و جواباً في مورد يفرغ فيه عن اشتمال الخبرين المتعارضين على شرائط الحجية العامة بحيث كان منشأ التوقف و الحيرة منحصراً في التعارض و الاختلاف، فهي تعالج مشكلة التنافي في اقتضاءات دليل الحجية العام لشمول المتعارضين فحسب، بينما أخبار الطرح تدل على عدم مقتضي الحجية فيما يخالف الكتاب الكريم في نفسه، و هذا معناه ورود أخبار الطرح على أخبار العلاج.

هذا، مضافاً: إلى أن المتعين على تقدير وقوع التعارض بين الطائفتين تقديم أخبار الطرح على أخبار العلاج، لإباء مساق جملة منها عن التخصيص أولا، و كونها بحكم الأخص ثانياً، إذ لا يحتمل الفرق في سقوط ما يخالف الكتاب عن الحجية بين ما لا يكون له معارض فيسقط و ما يكون له معارض فيبقى على الحجية تخييراً أو تعييناً، فإن معارضته مع حديث آخر يوجب مزيد وهن ملاك في حجيته لا تأكده و رجحانه.

414

مُلتَقى المَسألتَين‏

بعد أن استعرضنا أخبار العلاج لا بأس بملاحظة ما ورد فيها من الترجيحات لنرى هل بالإمكان تخريج شي‏ء منها على مقتضى القاعدة فتلتقي المسألة الأولى مع المسألة الثانية في النتائج أم لا يمكن ذلك.

و تفصيل الكلام في ذلك. أن المرجحات المذكورة في أخبار الترجيح كما يلي:

1- الترجيح بموافقة الكتاب الكريم.

2- الترجيح بمخالفة العامة.

و هذان هما المرجحان اللذان تم ثبوتهما بأخبار العلاج.

3- الترجيح بالشهرة.

4- الترجيح بالصفات.

5- الترجيح بالأحدثية.

و فيما يلي نتحدث عن كل واحد من هذه المرجحات، و مدى إمكان تخريجه على مقتضى القاعدة الأولية. فنقول:

أما الترجيح بموافقة الكتاب‏

، فيمكن تخريجه على مقتضى القاعدة فيما إذا

415

تم تخصيص دليل الحجية العام بأخبار الطرح- و قد تقدم شرحه مفصلًا فيما سبق- إذ أنها كانت تشمل جميع أنحاء المخالفة مع الكتاب الكريم و إنما خرجنا عن إطلاقها في القدر المتيقن الثابت حجيته بسيرة الأصحاب أو بما يستفاد من بعض أخبار العلاج، إلّا أن هذا القدر المتيقن إنما يكون في غير موارد التعارض جزماً لقوة احتمال عدم حجيته في مثل هذه الحالة فيكون مشمولًا لإطلاق أخبار الطرح التي تنفي مقتضي الحجية فيه، فيسلم معارضه و يكون حجة على القاعدة. من غير فرق في ذلك بين حالة التعارض المستوعب لتمام مدلول الخبرين أو حالة التعارض غير المستوعب- التعارض بنحو العموم من وجه- غاية الأمر، أن الساقط عن الحجية في الحالة الأولى أصل الخبر المخالف للكتاب و في الحالة الثانية الإطلاق المعارض لأنه المشمول لعموم الموصول في أخبار طرح ما خالف الكتاب.

و أما الترجيح بمخالفة العامة

، فتخريجه على مقتضى القاعدة الأولية يبتني على تطبيق قاعدة حمل الظاهر على النص بلحاظ مرحلة الدلالة التصديقية الجدية بعد عدم إمكان الجمع العرفي بلحاظ مرحلة الدلالة الاستعمالية. حيث أن الحديث المخالف للعامة يكون نصاً في الجدية لو قيس إلى الخبر الموافق معهم، و قد تقدم في بحث التعارض المستقر صحة هذا النحو من الجمع بين الدليلين المتعارضين إذا أوجبت الموافقة و المخالفة مع مجموع الملابسات اختلافاً في درجة الظهور في الجدية (1) و هذا أيضا لا يفرق فيه بين المعارضة المستوعبة لتمام المدلول أو غير المستوعبة بعد أن كان احتمال التقية في إطلاق الحديث دون أصله معقولًا أيضا.

إلّا أن هناك اعتراضاً وجهه صاحب الكفاية- قده- على حمل الخبر الموافق للعامة على التقية كجمع عرفي بأنه يستلزم سقوط الخبر الموافق عن‏

____________

(1)- ص 200

416

الحجية رأساً إذا كان التعارض بنحو التباين، إذ لا معنى للتعبد بسند ثم حمله على التقية و هو معنى سريان التعارض إلى دليل الحجية العام‏ (1).

و هذا الاعتراض، قد أجبنا عنه في بحث التعارض غير المستقر لدى التعرض لشرائط التعارض غير المستقر العامة (2).

و أما الطولية بين هذين الترجيحين المستفاد من صحيحة الراوندي فبالإمكان تخريجها على أساس مقتضى القاعدة أيضا، باعتبار أن ترجيح المخالف للعامة إنما كان على أساس الجمع العرفي و أما ترجيح الموافق للكتاب فلعدم مقتضي الحجية في الخبر المخالف له، و من الواضح أن إعمال قواعد الجمع العرفي فرع حجية الخبرين في نفسيهما و المفروض عدم شمول دليل الحجية للخبر المخالف للكتاب و إن كان مخالفاً للعامة.

و أما الترجيح بالشهرة

، فلو أريد بها الشهرة الروائيّة المساوقة مع التواتر و الاستفاضة- كما استفاده السيد الأستاذ- دام ظله- فتخريج الترجيح بها يكون بنفس البيان المتقدم في الترجيح بموافقة الكتاب بعد افتراض استفادة التعميم من أخبار الطرح لكل ما خالف دليلًا قطعياً كتاباً كان أم سنّة. و إن أريد بها الشهرة في الفتوى و العمل، فإذا كشفت هذه الشهرة في مورد عن وجود خلل في الخبر المخالف للمشهور و لعمل الأصحاب أوجبت سقوطه عن الحجية أيضا، بناء على ما تقدم في أبحاث حجية خبر الثقة من إناطة حجيته بعدم حصول وثوق بخلل فيه.

و أما الترجيح بصفات الراوي‏

- كالأعدلية و الأوثقية- فإن فرض أنها كانت توجب احتمال التعيين في حجية خبر الأعدل أمكننا لإثبات الترجيح‏

____________

(1)- كفاية الأصول الجزء الثاني، ص 414 (طبعة المشكيني).

(2)- راجع ص 200.

417

بها أن نطبق ما تقدم في المسألة الأولى من قاعدة التعيين عند الدوران بينه و بين التخير في الحجية ضمن التحفظات التي ذكرناها هناك. و دعوى: وجود احتمال تعين خبر غير الأعدل أيضا لكونه هاشمياً أو كريماً أو غيرهما من الصفات مثلًا. مدفوعة: بأن احتمال دخل مثل هذه الصفات غير المرتبطة بمرحلة الكشف و الصدق منفي بإطلاق دليل الحجية العام الظاهر في أن ملاكات الحجية قائمة على أساس الكاشفية و الطريقية.

و أما الترجيح بالأحدثية.

فقد يخرّج على مقتضى القاعدة الأولية أيضا، بدعوى: أن الأمر يدور بين رفع اليد عن إطلاق دليل الحجية الأزماني للخبر غير الأحدث أو رفع اليد عن أصل إطلاقه للخبر الأحدث، و التخصيص الأزماني أهون من التخصيص الأفرادي.

لا يقال- أن الأحكام المدلول عليها في الأخبار و أحاديث الأئمة ثابتة منذ صدر الإسلام و ليست مشرعة من قبلهم، فتكون الأحاديث كلها ناظرة إلى فترة زمنية واحدة للتشريعات.

فإنه يقال- قد تقدم مثل هذه الشبهة في أبحاث نظرية انقلاب النسبة، و أجبنا عنها هناك بأن تقدم الحكم الشرعي الواقعي المفاد بالحديث المتأخر صدوراً لا يعني تقدم الحكم الظاهري بحجيته، كما هو واضح.

إلّا أن هذا التخريج غير تام، لعدم صحة أصله الموضوعي، إذ لا فرق في تخصيص الدليل أو تقييده بين عمومه الأزماني أو الأفرادي. على أنه لو سلمنا ذلك فهو إنما يجدي فيما إذا كان لدينا دليل لفظي بحت يدلنا على حجية خبر الواحد و أما إذا كان الدليل لبياً عقلائياً أو محمولًا عليه فلا إطلاق‏

418

له لموارد التعارض بعد وضوح عدم كون الأحدثية نكتة تقتضي الترجيح في الطرق و الأمارات العقلائية.

و الحمد للّه أولا و آخراً و صلى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين.