شرح نهج البلاغة - ج7

- ابن ابي الحديد المزيد...
310 /
53

فأيام الهموم مقصصات # و أيام السرور تطير طيرا

و قال أبو تمام

ثم انبرت أيام هجر أردفت # بجوى أسى فكأنها أعوام (1) - (1) .

قوله ع‏ إن الفتن إذا أقبلت شبهت معناه أن الفتن عند إقبالها و ابتداء حدوثها يلتبس أمرها و لا يعلم الحق منها من الباطل إلى أن تنقضي و تدبر فحينئذ ينكشف حالها و يعلم ما كان مشتبها منها (2) - ثم أكد ع هذا المعنى بقوله‏ ينكرن مقبلات و يعرفن مدبرات و مثال ذلك فتنةو فتنة الخوارج كان كثير من الناس فيها في مبدإ الأمر متوقفين و اشتبه عليهم الحال و لم يعلموا موضع الحق إلى أن انقضت الفتنة و وضعت الحرب أوزارها و بان لهم صاحب الضلالة من صاحب الهداية (3) - .

ثم وصف الفتن فقال إنها تحوم حوم الرياح يصبن بلدا و يخطئن بلدا حام الطائر و غيره حول الشي‏ء يحوم حوما و حومانا أي دار (4) - .

ثم ذكر أن أخوف ما يخاف عليهم فتنة بني أمية و معنى قوله‏ عمت خطتها و خصت بليتها أنها عمت الناس كافة من حيث كانت رئاسة شاملة لكل أحد و لكن حظ أهل البيت ع و شيعتهم من بليتها أعظم و نصيبهم فيها أوفر (5) - .

و معنى قوله‏ و أصاب البلاء من أبصر فيها و أخطأ البلاء من عمي عنها أن العالم بارتكابهم المنكر مأثوم إذ لم ينكر و الجاهل بذلك لا إثم عليه إذا لم ينههم عن المنكر لأن من لا يعلم المنكر منكرا لا يلزمه إنكاره و لا يعني بالمنكر هاهنا

____________

(1) ديوانه 3: 152.

54

ما كان منكرا من الاعتقادات و لا ما يتعلق بالأمانة بل الزنى و شرب الخمر و نحوهما من الأفعال القبيحة .

فإن قلت أي فرق بين الأمرين قلت لأن تلك يلحق الإثم من لا يعلمها إذا كان متمكنا من العلم بها و هذه لا يجب إنكارها إلا مع العلم بها و من لا يعلمها لا يلحقه الإثم إذا كان متمكنا من العلم بها فافترق الموضوعان (1) - .

ثم أقسم ع فقال‏ و ايم الله و أصله و ايمن الله و اختلف النحويون في هذه الكلمة فعند الأكثرين منهم أن ألفها ألف وصل و أن أيمن اسم وضع للقسم هكذا بألف وصل و بضم الميم و النون قالوا و لم يأت في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها و تدخل عليها اللام لتأكيد الابتداء فتقول ليمن الله فتذهب الألف قال الشاعر

فقال فريق القوم لما نشدتهم # نعم و فريق ليمن الله ما ندري‏ (1)

و هذا الاسم مرفوع بالابتداء و خبره محذوف و التقدير ليمن الله قسمي فإذا خاطبت قلت ليمنك و في حديث عروة بن الزبير ليمنك لئن كنت ابتليت لقد عافيت و لئن كنت أخذت لقد أبقيت‏ (2) و تحذف نونه فيصير ايم الله بألف وصل مفتوحة و قد تكسر و ربما حذفوا الياء فقالوا ام الله و ربما أبقوا الميم وحدها مضمومة فقالوا م الله و قد يكسرونها لما صارت حرفا شبهوها بالباء و ربما قالوا من الله بضم الميم و النون و من الله بكسرهما و من الله بفتحهما و ذهب أبو عبيد و ابن كيسان و ابن درستويه إلى أن أيمن جمع يمين و الألف همزة قطع و إنما خففت

____________

(1) اللسان 7: 354؛ و نسبه إلى نصيب ص 178.

(2) النهاية لابن الأثير 4: 268.

55

و طرحت في الوصل لكثرة الاستعمال قالوا و كانت العرب تحلف باليمين فتقول يمين الله لا أفعل قال إمرؤ القيس

فقلت يمين الله أبرح قاعدا # و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي‏ (1)

قالوا و اليمين تجمع على أيمن قال زهير

فتجمع أيمن منا و منكم # بمقسمة تمور بها الدماء (2) .

ثم حلفوا به فقالوا أيمن الله ثم كثر في كلامهم و خف على ألسنتهم حتى حذفوا منه النون كما حذفوا في قوله لم يكن فقالوا لم يك فأقسم ع لأصحابه أنهم سيجدون بني أمية بعده لهم أرباب سوء و صدق ص فيما قال فإنهم ساموهم سوء العذاب قتلا و صلبا و حبسا و تشريدا في البلاد (1) - .

ثم شبه بني أمية بالناب الضروس‏ و الناب الناقة المسنة و الجمع نيب تقول لا أفعله ما حنت النيب و الضروس السيئة الخلق تعض حالبها .

و تعذم بفيها تكدم و العذم الأكل بجفاء و فرس عذوم يعض بأسنانه (2) - .

و الزبن‏ الدفع زبنت الناقة تزبن إذا ضربت بثفناتها عند الحلب تدفع الحالب عنها (3) - و الدر اللبن و في المثل لا در دره الأصل لبنه ثم قيل لكل خير و ناقة درور أي كثيرة اللبن (4) - .

ثم قال‏ لا يزالون بكم قتلا و إفناء لكم حتى لا يتركوا منكم إلا من ينفعهم‏ إبقاؤه أو لا يضرهم و لا ينفعهم قال‏ حتى يكون انتصار أحدكم منهم كانتصار العبد من مولاه أي لا انتصار لكم منهم لأن العبد لا ينتصر من مولاه أبدا و قد جاء في كلامه

____________

(1) ديوانه 32.

(2) ديوانه 78 مقسمة: موضع الحلف عند الأصنام؛ و قال بعضهم: مكّة؛ لأنّها تنحر بها البدن و تمور بها الدماء. و تمور: تسيل (من شرح الديوان) .

56

ع في غير هذا الموضع تتمة هذا المعنى إن حضر أطاعه و إن غاب سبعه أي ثلبه و شتمه و هذه أمارة الذل كما قال أبو الطيب

أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني # و لا أعاتبه صفحا و إهوانا (1)

و هكذا كنت في أهلي و في وطني # إن النفيس نفيس أينما كانا (1) - .

ـقال ع‏ و الصاحب من مستصحبه أي و التابع من متبوعه (2) - .

و الشوه جمع شوهاء و هي القبيحة الوجه شاهت الوجوه تشوه شوها (2) قبحت و شوهه الله فهو مشوه و هي شوهاء و لا يقال للذكر أشوه و مخشية مخوفة (3) - .

و قطعا جاهلية شبهها بقطع السحاب لتراكمها على الناس و جعلها جاهلية لأنها كأفعال الجاهلية الذين لم يكن لهم دين يردعهم و يروى شوهاء و قطعاء أي نكراء كالمقطوعة اليد (4) - .

قوله‏ نحن أهل البيت منها بمنجاة أي بمعزل و النجاة و النجوة المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاك و لا يعلوه السيل (5) - و لسنا فيها بدعاة أي لسنا من أنصار تلك الدعوة و أهل البيت منصوب على الاختصاص كقولهم نحن معشر العرب نفعل كذا و نحن آل فلان كرماء (6) - .

قوله‏ كتفريج الأديم الأديم الجلد و جمعه أدم مثل أفيق و أفق و يجمع أيضا على آدمة كرغيف و أرغفة و وجه التشبيه أن الجلد ينكشف عما تحته فوعدهم ع بأن الله تعالى يكشف تلك الغماء كانكشاف الجلد عن اللحم‏ بمن يسومهم خسفا و يوليهم ذلا .

____________

(1) ديوانه 4: 223.

(2) ساقطة من ب.

57

و العنف‏ بالضم ضد الرفق (1) - و كأس مصبرة ممزوجة بالصبر لهذا المر و يجوز أن يكون مصبرة مملوءة إلى أصبارها و هي جوانبها و في المثل أخذها بأصبارها أي تامة الواحد صبر بالضم (2) - .

و يحلسهم يلبسهم أحلست البعير ألبسته الحلس و هو كساء رقيق يكون تحت البرذعة يقال له حلس و حلس مثل شبه و شبه (3) - .

و الجزور من الإبل يقع على الذكر و الأنثى و جزرها ذبحها (4) - .

و هذا الكلام إخبار عن ظهور المسودة و انقراض ملك بني أمية و وقع الأمر بموجب إخباره ص حتى لقد صدق قوله لقد تود قريش الكلام إلى آخره فإن أرباب‏السيركلهم نقلوا أن مروان بن محمد قال‏لما شاهد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان لوددت أن 1علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى و القصة طويلة و هي مشهورة (1) .

و هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب‏السيرو هي متداولة منقولة مستفيضة خطب بها 1علي ع بعد انقضاء أمر و فيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمه الله من ذلك

1- قوله ع و لم يكن ليجترئ عليها غيري و لو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب‏وو ايم الله لو لا أن تتكلوا فتدعوا العمل لحدثتكم بما قضى الله عز و جل على لسان 14نبيكم ص لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم عارفا للهدى الذي نحن عليه سلوني قبل أن تفقدوني فإني ميت عن قريب أو مقتول بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه بدم و ضرب بيده إلى لحيته .

____________

(1) تفصيل حوادثها في الكامل لابن الأثير 4: 327-334.

58

1- و منها في ذكر بني أمية يظهر أهل باطلها على أهل حقها حتى تملأ الأرض عدوانا و ظلما و بدعا إلى أن يضع الله عز و جل جبروتها و يكسر عمدها و ينزع أوتادها ألا و إنكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات‏وتؤجروا و لا تمالئوا عليهم عدوهم فتصرعكم البلية و تحل بكم النقمة .

1- و منها إلا مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه و إن توارى عنه شتمه و ايم الله لو فرقوكم تحت كل حجر لجمعكم الله لشر يوم لهم .

1,12- و منها فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا فالبدوا و إن استنصروكم فانصروهم فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل البيت بأبي 12ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد 15فاطمة لرحمنا يغريه الله ببني أمية حتى يجعلهم حطاما و رفاتا مَلْعُونِينَ أَيْنَمََا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً `سُنَّةَ اَللََّهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللََّهِ تَبْدِيلاً .

فإن قيل لما ذا

1- قال و لو لم أك فيكم لما قوتل أهل‏و أهل .

و لم يذكرقيل لأن الشبهة كانت في أهل‏و أهل‏ظاهرة الالتباس لأن الزبير و طلحة موعودان بالجنة و عائشة موعودة أن تكون زوجة 14رسول الله ص في الآخرة كما هي زوجته في الدنيا و حال طلحة و الزبير في السبق و الجهاد و الهجرة معلومة و حال عائشة في محبة 14الرسول ص لها و ثنائه عليها و نزول القرآن فيها معلومة و أما أهل فكانوا أهل قرآن و عبادة و اجتهاد و عزوف عن الدنيا و إقبال على أمور الآخرة و هم كانوا قراء أهل العراق و زهادهم و أما معاوية فكان فاسقا مشهورا بقلة الدين و الانحراف عن الإسلام و كذلك ناصره و مظاهره على أمره عمرو بن العاص و من اتبعهما من طغام أهل الشام و أجلافهم و جهال الأعراب فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم و استحلال قتالهم بخلاف حال من تقدم ذكره .

59

فإن قيل و من هذا الرجل الموعود به الذي قال ع عنه بأبي 12ابن خيرة الإماء قيل أما الإمامية فيزعمون أنه 12إمامهم الثاني عشر و أنه ابن أمة اسمها نرجس و أما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي يولد في مستقبل الزمان لأم ولد و ليس بموجود الآن .

فإن قيل فمن يكون من بني أمية في ذلك الوقت موجودا حتى يقول ع في أمرهم ما قال من انتقام هذا الرجل منهم حتى يودوا لو أن 1عليا ع كان المتولي لأمرهم عوضا عنه .

قيل أما الإمامية فيقولون بالرجعة و يزعمون أنه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أمية و غيرهم إذا ظهر 12إمامهم المنتظر و أنه يقطع أيدي أقوام و أرجلهم و يسمل عيون بعضهم و يصلب قوما آخرين و ينتقم من أعداء آل محمد ع المتقدمين و المتأخرين و أما أصحابنا فيزعمون أنه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلا من ولد 15فاطمة ع ليس موجود الآن و أنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و ظلما و ينتقم من الظالمين و ينكل بهم أشد النكال و أنه لأم ولد كما قد ورد في هذا الأثر و في غيره من الآثار و أن اسمه 12محمد كاسم 14رسول الله ص و أنه إنما يظهر بعد أن يستولي على كثير من الإسلام ملك من أعقاب بني أمية و هو السفياني الموعود به في الخبر الصحيح من ولد أبي سفيان بن حرب بن أمية و أن الإمام الفاطمي يقتله و يقتل أشياعه من بني أمية و غيرهم و حينئذ ينزل المسيح ع من السماء و تبدو أشراط الساعة و تظهر دابة الأرض و يبطل التكليف و يتحقق قيام الأجساد عند نفخ الصور كما نطق به الكتاب العزيز .

60

فإن قيل فإنكم قلتم فيما تقدم أن الوعد إنما هو بالسفاح و بعمه عبد الله بن علي و المسودة و ما قلتموه الآن مخالف لذلك .

قيل إن ذلك التفسير هو تفسير ما ذكره الرضي رحمه الله تعالى من كلام 1أمير المؤمنين ع في نهج البلاغة و هذا التفسير هو تفسير الزيادة التي لم يذكرها الرضي و هي قوله بأبي 12ابن خيرة الإماء و قوله لو كان هذا من ولد 15فاطمة لرحمنا فلا مناقضة بين التفسيرين‏

61

*1093* 93 و من خطبة له ع‏

فَتَبَارَكَ اَللَّهُ اَلَّذِي لاَ يَبْلُغُهُ بُعْدُ اَلْهِمَمِ وَ لاَ يَنَالُهُ حَدْسُ اَلْفِطَنِ اَلْأَوَّلُ اَلَّذِي لاَ غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِي فَيَنْتَهِيَ وَ لاَ آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي فَيَنْقَضِيَ (1) - . البركة كثرة الخير و زيادته و تبارك الله منه و بركت أي دعوت بالبركة و طعام بريك أي مبارك و يقال بارك الله لزيد و في زيد و على زيد و بارك الله زيدا يتعدى بنفسه و منه قوله تعالى‏ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ (1) و يحتمل‏ تبارك الله معنيين أحدهما أن يراد تبارك خيره و زادت نعمته و إحسانه و هذا دعاء و ثانيهما أن يراد (2) به تزايد و تعال في ذاته و صفاته عن أن يقاس به غيره و هذا تمجيد .

قوله ع‏ لا يبلغه بعد الهمم أي بعد الأفكار و الأنظار عبر عنها بالهمم لمشابهتها إياها (2) - و حدس الفطن ظنها و تخمينها حدست أحدس بالكسر (3) - .

و يسأل عن قوله‏ لا غاية له فينتهي و لا آخر له فينقضي فيقال إنما تدخل الفاء فيما إذا كان الثاني غير الأول و كقولهم ما تأتينا فتحدثنا و ليس الثاني هاهنا غير الأول لأن الانقضاء هو الآخرية بعينها فكأنه قال لا آخر له فيكون له آخر و هذا لغو و كذلك القول اللفظة في الأولى .

و ينبغي أن يقال في الجواب إن المراد لا آخر له بالإمكان و القوة فينقضي بالفعل فيما

____________

(1) سورة النمل 27.

(2) ساقط من ب.

62

لا يزال و لا هو أيضا ممكن الوجود فيما مضى فيلزم أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم و هو معنى قوله‏ فينتهي بل هو واجب الوجود في حالين فيما مضى و في المستقبل و هذان مفهومان متغايران و هما العدم و إمكان العدم فاندفع الإشكال فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ وَ أَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ اَلْأَصْلاَبِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ اَلْأَرْحَامِ كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اَللَّهِ خَلَفٌ حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ص فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ اَلْمَعَادِنِ مَنْبِتاً وَ أَعَزِّ اَلْأَرُومَاتِ مَغْرِساً مِنَ اَلشَّجَرَةِ اَلَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ وَ اِنْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ اَلْعِتَرِ وَ أُسْرَتُهُ خَيْرُ اَلْأُسَرِ وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ اَلشَّجَرِ نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وَ بَسَقَتْ فِي كَرَمٍ لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وَ ثَمَرٌ لاَ يُنَالُ فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اِتَّقَى وَ بَصِيرَةُ مَنِ اِهْتَدَى سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ وَ شِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ وَ زَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ سِيرَتُهُ اَلْقَصْدُ وَ سُنَّتُهُ اَلرُّشْدُ وَ كَلاَمُهُ اَلْفَصْلُ وَ حُكْمُهُ اَلْعَدْلُ أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ‏ فَتْرَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ وَ هَفْوَةٍ عَنِ اَلْعَمَلِ وَ غَبَاوَةٍ مِنَ اَلْأُمَمِ (1) -. تناسختهم أي تناقلتهم و التناسخ في الميراث أن يموت ورثة بعد ورثة و أصل الميراث‏

63

قائم لم يقسم كأن ذلك تناقل من واحد إلى آخر و منه نسخت الكتاب و انتسخته و استنسخته أي نقلت ما فيه و يروى تناسلتهم (1) - .

و السلف‏ المتقدمون و الخلف‏ الباقون و يقال خلف صدق بالتحريك و خلف سوء بالتسكين (2) - .

و أفضت كرامة الله إلى 14محمد ص أي انتهت (3) - و الأرومات جمع أرومة و هي الأصل و يقال أروم بغير هاء (4) - و صدع شق (5) - و انتجب اصطفى (6) - و الأسرة رهط الرجل (7) - .

ـو قوله‏ نبتت في حرم يجوز أن يعني به مكة و يجوز أن يعني به المنعة و العز (8) - .

و بسقت طالت (9) - و معنى قوله‏ و ثمر لا ينال ليس على أن يريد به أن ثمرها لا ينتفع به لأن ذلك ليس بمدح بل يريد به أن ثمرها لا ينال قهرا و لا يجنى غصبا و يجوز أن يريد بثمرها نفسه ع و من يجري مجراه من أهل البيت ع لأنهم ثمرة تلك الشجرة .

و لا ينال أي لا ينال مساعيهم و مآثرهم و لا يباريهم أحد و قد روي في الحديث عن 14النبي ص في فضل قريش و بني هاشم الكثير المستفيض نحو

14- قوله ع قدموا قريشا و لا تقدموها.

و

14- قوله الأئمة من قريش .

و

14- قوله إن الله اصطفى من العرب معدا و اصطفى من معد بني النضر بن كنانة و اصطفى هاشما من بني النضر و اصطفاني من بني هاشم .

و

14- قوله إن جبرائيل ع قال لي يا 14محمد قد طفت الأرض شرقا و غربا فلم أجد فيها أكرم منك و لا بيتا أكرم من بني هاشم .

و

14- قوله نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية.

و

14- قوله ع إن الله تعالى لم يمسسني بسفاح في أرومتي منذ إسماعيل بن إبراهيم إلى عبد الله‏

64

بن عبد المطلب .

و

14,1,2,3- قوله ص سادة أهل محشر سادة أهل الدنيا أنا و 1علي و 2حسن و 3حسين و حمزة و جعفر .

و

14- قوله و قد سمع رجلا ينشد

يا أيها الرجل المحول رحله # هلا نزلت بآل عبد الدار

أ هكذا قال يا أبا بكر منكرا لما سمع فقال أبو بكر لا يا 14رسول الله إنه لم يقل هكذا و لكنه قال‏

يا أيها الرجل المحول رحله # هلا نزلت بآل عبد مناف (1)

عمرو العلا هشم الثريد لقومه # و رجال مكة مسنتون عجاف‏

فسر ص بذلك .

و

14- قوله أذل الله من أذل قريشا قالها ثلاثا.

و

14- كقوله

أنا النبي لا كذب # أنا 14ابن عبد المطلب .

و

14- كقوله الناس تبع لقريش برهم لبرهم و فاجرهم لفاجرهم.

و

14- كقوله أنا ابن الأكرمين.

و

14- قوله لبني هاشم و الله لا يبغضكم أحد إلا أكبه الله على منخريه في النار .

و

14- قوله ما بال رجال يزعمون أن قرابتي غير نافعة بلى إنها لنافعة و إنه لا يبغض أحد أهلي إلا حرمه الله الجنة .

و الأخبار الواردة في فضائل قريش و بني هاشم و شرفهم كثيرة جدا و لا نرى الإطالة هاهنا باستقصائها (1) - .

و سطع الصبح يسطع سطوعا أي ارتفع و السطيع الصبح (2) - و الزند العود تقدح به النار و هو الأعلى و الزندة السفلى فيها ثقب و هي الأنثى فإذا اجتمعا قيل زندان و لم يقل زندتان تغليبا للتذكير و الجمع زناد و أزند و أزناد (3) - .

و القصد الاعتدال (4) - و كلامه الفصل أي الفاصل و الفارق بين الحق و الباطل و هو مصدر بمعنى الفاعل كقولك رجل عدل أي عادل (5) - .

و الهفوة الزلة هفا يهفو (6) - و الغباوة الجهل و قلة الفطنة يقال غبيت عن الشي‏ء و غبيت

____________

(1) لمطرود بن كعب الخزاعيّ أمالي المرتضى 2: 268.

65

الشي‏ء أيضا أغبى غباوة إذا لم يفطن له و غبي علي الشي‏ء كذلك إذا لم تعرفه و فلان غبي على فعيل أي قليل الفطنة اِعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ عَلَى أَعْلاَمٍ بَيِّنَةٍ فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ يَدْعُو إِلَى دَارِ اَلسَّلاَمِ وَ أَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَ فَرَاغٍ وَ اَلصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ اَلْأَقْلاَمُ جَارِيَةٌ وَ اَلْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ اَلْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ وَ اَلتَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ وَ اَلْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ (1) -. الطريق‏ يذكر و يؤنث يقال هذا الطريق الأعظم و هذه الطريق العظمى و الجمع أطرقة و طرق (2) - .

و أعلام بينة أي منار واضح و نهج أي واضح و دار السلام الجنة و يروى و الطريق نهج بالواو واو الحال (3) - .

و أنتم في دار مستعتب أي في دار يمكنكم فيها استرضاء الخالق سبحانه و استعتابه (4) - .

ثم شرح ذلك فقال أنتم ممهلون متفرغون و صحف أعمالكم لم تطو بعد و أقلام‏ الحفظة عليكم لم تجف بعد و أبدانكم صحيحة و ألسنتكم ما اعتقلت كما تعتقل ألسنة المحتضرين عند الموت و توبتكم مسموعة و أعمالكم مقبولة لأنكم في دار التكليف لم تخرجوا منها

66

*1094* 94 و من خطبة له ع‏

بَعَثَهُ وَ اَلنَّاسُ ضُلاَّلٌ فِي حَيْرَةٍ وَ حَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ قَدِ اِسْتَهْوَتْهُمُ اَلْأَهْوَاءُ وَ اِسْتَزَلَّتْهُمُ اَلْكِبْرِيَاءُ وَ اِسْتَخَفَّتْهُمُ اَلْجَاهِلِيَّةُ اَلْجَهْلاَءُ حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ اَلْأَمْرِ وَ بَلاَءٍ مِنَ اَلْجَهْلِ فَبَالَغَ ص فِي اَلنَّصِيحَةِ وَ مَضَى عَلَى اَلطَّرِيقَةِ وَ دَعَا إِلَى اَلْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ (1) - . (1) حاطبون في فتنة جمع حاطب و هو الذي يجمع الحطب و يقال لمن يجمع بين الصواب و الخطإ أو يتكلم بالغث و السمين حاطب ليل لأنه لا يبصر ما يجمع في حبله . و يروى خابطون (2) - .

و استهوتهم الأهواء دعتهم إلى نفسها (3) - .

و استزلتهم الكبرياء جعلتهم ذوي زلل و خطإ (4) - و استخفتهم الجاهلية جعلتهم ذوي خفة و طيش و خرق (5) - .

و الزلزال‏ بالفتح الاسم بالكسر المصدر و الزلازل الشدائد و مثله في الكسر عند الاسمية و الفتح عند المصدر القلقال‏

____________

(1) ساقطة من مخطوطة النهج.

67

*1095* 95 و من خطبة له ع‏

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْأَوَّلِ فَلاَ شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ وَ اَلآْخِرِ فَلا شَيْ‏ءَ بَعْدَهُ وَ اَلظَّاهِرِ فَلاَ شَيْ‏ءَ فَوْقَهُ وَ اَلْبَاطِنِ فَلاَ شَيْ‏ءَ دُونَهُ. تقدير الكلام (1) - و الظاهر فلا شي‏ء أجلى منه و الباطن‏ فلا شي‏ء أخفى منه فلما كان الجلاء يستلزم العلو و الفوقية و الخفاء يستلزم الانخفاض و التحتية عبر عنهما بما يلازمهما (2) - و قد تقدم الكلام في معنى الأول و الآخر و الظاهر و الباطن .

و ذهب أكثر المتكلمين إلى أن الله تعالى يعدم أجزاء العالم ثم يعيدها و ذهب قوم منهم إلى أن الإعادة إنما هي جمع الأجزاء بعد تفريقها لا غير .

و احتج الأولون بقوله تعالى‏ هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ (1) قالوا لما كان أولا بمعنى أنه الموجود و لا موجود معه وجب أن يكون آخرا بمعنى أنه سيئول الأمر إلى عدم كل شي‏ء إلا ذاته تعالى كما كان أولا و البحث المستقصى في هذا الباب مشروح في كتبناالكلامية

____________

(1) سورة الحديد 3.

68

وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ 14اَلرَّسُولِ ص مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ فِي مَعَادِنِ اَلْكَرَامَةِ وَ مَمَاهِدِ اَلسَّلاَمَةِ قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ اَلْأَبْرَارِ وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ اَلْأَبْصَارِ دَفَنَ اَللَّهُ بِهِ اَلضَّغَائِنَ وَ أَطْفَأَ بِهِ اَلنَّوَائِرَ اَلثَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً وَ أَعَزَّ بِهِ اَلذِّلَّةَ وَ أَذَلَّ بِهِ اَلْعِزَّةَ كَلاَمُهُ بَيَانٌ وَ صَمْتُهُ لِسَانٌ (1) -. المهاد الفراش و لما قال‏ في معادن و هي جمع معدن قال بحكم القرينة و الازدواج‏ و مماهد و إن لم يكن الواحد منها ممهدا كما قالوا الغدايا و العشايا و مأجورات و مأزوات و نحو ذلك و يعني بالسلامة هاهنا البراءة من العيوب أي في نسب طاهر غير مأفون و لا معيب (2) - .

ثم قال‏ قد صرفت نحوه أي نحو 14الرسول ص و لم يقل من صرفها بل جعله فعلا لم يسم فاعله فإن شئت قلت الصارف لها هو الله تعالى لا بالجبر كما يقوله الأشعرية بل بالتوفيق و اللطف كما يقوله أصحابنا و إن شئت قلت صرفها أربابها (3) - .

و الضغائن جمع ضغينة و هي الحقد ضغنت على فلان بالكسر ضغنا و الضغن الاسم كالضغينة و قد تضاغنوا و اضطغنوا انطووا على الأحقاد و دفنها أكمنها و أخفاها (4) - و ألف به إخوانا لأن الإسلام قد ألف بين المتباعدين (5) - و فرق‏ بين المتقاربين و قال‏

69

تعالى‏ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََاناً (1) قطع ما بين حمزة و أبي لهب مع تقاربهما و ألف بين 1علي ع و عمار مع تباعدهما (1) - .

قوله ع‏ و صمته لسان لا يعني باللسان هاهنا الجارحة نفسها بل الكلام الصادر عنها كقول الأعشى (2)

إني أتتني لسان لا أسر بها

قالوا في تفسيره أراد الكلمة و جمعه على هذا ألسن لأنه مؤنث كقولك ذراع و أذرع فأما جمع لسان للجارحة فألسنة لأنه مذكر كقولك حمار و أحمرة يقول ع إن كلام 14الرسول ص بيان و البيان إخراج الشي‏ء من حيز الخفاء إلى حيز الوضوح و صمته ص كلام و قول مفيد أي أن صمته لا يخلو من فائدة فكأنه كلام و هذا من باب التشبيه المحذوف الأداة كقولهم يده بحر و وجهه بدر

____________

(1) سورة آل عمران 103.

(2) هو أعشى باهلة؛ و بقيته:

من علو لا كذب فيها و لا سخر*

ديوان الأعشين 266.

70

*1096* 96 و من كلام له ع‏

وَ لَئِنْ أَمْهَلَ اَللَّهُ اَلظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ وَ بِمَوْضِعِ‏ (1) اَلشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ أَمَا وَ اَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمُ عَلَيْكُمْ لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ وَ لَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِهِمْ (2) بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ اَلْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وَ أَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي اِسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا أَ شُهُودٌ (3) كَغُيَّابٍ وَ عَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ أَتْلُو عَلَيْكُمْ اَلْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ اَلْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ اَلْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً كَظَهْرِ اَلْحَنِيَّةِ عَجَزَ اَلْمُقَوِّمُ وَ أَعْضَلَ اَلْمُقَوَّمُ أَيُّهَا اَلْقَوْمُ اَلشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ اَلْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ اَلْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ اَلْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اَللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَ صَاحِبُ أَهْلِ اَلشَّامِ يَعْصِي اَللَّهَ وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ لَوَدِدْتُ وَ اَللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ اَلدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَ أَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ

____________

(1) مخطوطة النهج: «و موضع» .

(2) مخطوطة النهج: «باطل صاحبهم» .

(3) مخطوطة النهج: «أ شهود» .

71

يَا أَهْلَ اَلْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَثٍ وَ اِثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلاَمٍ وَ عُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ لاَ أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اَللِّقَاءِ وَ لاَ إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ اَلْبَلاَءِ تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ يَا أَشْبَاهَ اَلْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ وَ اَللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ اَلْوَغَى وَ حَمِيَ اَلضِّرَابُ قَدِ اِنْفَرَجْتُمْ عَنِ 1اِبْنِ أَبِي طَالِبٍ اِنْفِرَاجَ اَلْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ مِنْهَاجٍ مِنْ 14نَبِيِّي وَ إِنِّي لَعَلَى اَلطَّرِيقِ اَلْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً (1) -. أمهله‏ أخره و أخذه فاعل و المفعول محذوف تقديره فلن يفوته (2) - و المرصاد (1) الطريق و هي من ألفاظ الكتاب العزيز . و مجاز طريقه مسلكه و موضع جوازه (3) - و الشجا ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره و موضع الشجا هو الحلق نفسه و مساغ ريقه موضع الإساغة أسغت الشراب أوصلته إلى المعدة و يجوز سغت الشراب أسوغه و أسيغه و ساغ الشراب نفسه يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق يتعدى و لا يتعدى و هذا الكلام من باب التوسع و المجاز لأن الله تعالى لا يجوز عليه الحصول في الجهات و لكنه كقوله تعالى‏ وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ (2) و قوله‏ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ (3) .

(4) -

____________

(1) و هو من قوله تعالى في سورة الفجر 89: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ. .

(2) سورة الحديد 4.

(3) سورة ق 16.

غ

72

ثم أقسم ع أن أهل الشام لا بد أن يظهروا على أهل العراق و أن ذلك ليس لأنهم على الحق و أهل العراق على الباطل بل لأنهم أطوع لأميرهم و مدار النصرة في الحرب إنما هو على طاعة الجيش و انتظام أمره لا على اعتقاد الحق فإنه ليس يغني في الحرب أن يكون الجيش محقا في العقيدة إذا كان مختلف الآراء غير مطيع لأمر المدبر له و لهذا تجد أهل الشرك كثيرا ما ينتصرون على أهل التوحيد (1) - .

ثم ذكر ع نكتة لطيفة في هذا المعنى فقال العادة أن الرعية تخاف ظلم الوالي و أنا أخاف ظلم رعيتي‏ و من تأمل أحواله ع في خلافته علم أنه كان كالمحجور عليه لا يتمكن من بلوغ ما في نفسه و ذلك لأن العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين و كان السواد الأعظم لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقاده فيه و يرون تفضيل من تقدمه من الخلفاء عليه و يظنون أن الأفضلية إنما هي الخلافة و يقلد أخلافهم أسلافهم و يقولون لو لا أن الأوائل علموا فضل المتقدمين عليه لما قدموهم و لا يرونه إلا بعين التبعية لمن سبقه و أنه كان رعية لهم و أكثرهم إنما يحارب معه بالحمية و بنخوة العربية لا بالدين و العقيدة و كان ع مدفوعا إلى مداراتهم و مقاربتهم و لم يكن قادرا على إظهار ما عنده أ لا ترى إلى كتابه إلى قضاته في الأمصار .

و

1- قوله فاقضوا كما كنتم تقضون حتى تكون للناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي .

و هذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير و معناه واضح و هو أنه قال لهم اتبعوا عادتكم الآن بعاجل الحال في الأحكام و القضايا التي كنتم تقضون بها إلى أن يكون للناس جماعة أي إلى أن تسفر هذه الأمور و الخطوب عن الاجتماع و زوال الفرقة و سكون الفتنة و حينئذ أعرفكم ما عندي في هذه القضايا و الأحكام التي قد استمررتم عليها .

ثم قال أو أموت كما مات أصحابي فمن قائل يقول عنى بأصحابه الخلفاء المتقدمين‏

73

و من قائل يقول عنى بأصحابه شيعته كسلمان و أبي ذر و المقداد و عمار و نحوهم أ لا ترى إلى

1- قوله على المنبر في أمهات الأولاد كان رأيي و رأي عمر ألا يبعن و أنا أرى الآن بيعهن فقام عليه عبيدة السلماني فقال له رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك فما أعاد عليه حرفا .

فهل يدل هذا على القوة و القهر أم على الضعف في السلطان و الرخاوة و هل كانت المصلحة و الحكمة تقتضي في ذلك الوقت غير السكوت و الإمساك أ لا ترى‏

1- أنه كان يقرأ في صلاة الصبح و خلفه جماعة من أصحابه فقرأ واحد منهم رافعا صوته معارضا قراءة 1أمير المؤمنين ع إن الحكم إلا لله يقضي بالحق و هو خير الفاصلين فلم يضطرب ع و لم يقطع صلاته و لم يلتفت وراءه و لكنه قرأ معارضا له على البديهة فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اَللََّهِ حَقٌّ وَ لاََ يَسْتَخِفَّنَّكَ اَلَّذِينَ لاََ يُوقِنُونَ (1) .

و هذا صبر عظيم و أناة عجيبة و توفيق بين و بهذا و نحوه استدل أصحابنا المتكلمون على حسن سياسته و صحة تدبيره لأن من مني بهذه الرعية المختلفة الأهواء و هذا الجيش العاصي له المتمرد عليه ثم كسر بهم الأعداء و قتل بهم الرؤساء فليس يبلغ أحد في حسن السياسة و صحة التدبير مبلغه و لا يقدر أحد قدره و قد قال بعض المتكلمين من أصحابنا إن سياسة 1علي ع إذا تأملها المنصف متدبرا لها بالإضافة إلى أحواله التي دفع إليها مع أصحابه جرت مجرى المعجزات لصعوبة الأمر و تعذره فإن أصحابه كانوا فرقتين إحداهما تذهب إلى أن عثمان قتل مظلوما و تتولاه و تبرأ من أعدائه و الأخرى و هم جمهور أصحاب الحرب و أهل الغناء و البأس يعتقدون أن عثمان قتل لأحداث أوجبت عليه القتل و قد كان منهم من يصرح بتكفيره و كل من هاتين الفرقتين يزعم أن 1عليا ع موافق لها على رأيها و تطالبه في كل وقت بأن يبدي مذهبه في عثمان و تسأله أن يجيب بجواب واضح في أمره و كان ع

____________

(1) سورة الروم 60، و هذه قراءة على، و قراءة المصحف: يَقُصُّ اَلْحَقَّ، و انظر تفسير القرطبيّ 6: 439.

74

يعلم أنه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأخرى و أسلمته و تولت عنه و خذلته فأخذ ع يعتمد في جوابه و يستعمل في كلامه ما تظن به كل واحدة من الفرقتين أنه يوافق رأيها و يماثل اعتقادها فتارة

1- يقول الله قتله و أنا معه .

و تذهب الطائفة الموالية لعثمان إلى أنه أراد أن الله أماته و سيميتني كما أماته و تذهب الطائفة الأخرى إلى أنه أراد أنه قتل عثمان مع قتل الله له أيضا و كذلك

1- قوله تارة أخرى ما أمرت به و لا نهيت عنه .

1- و قوله لو أمرت به لكنت قاتلا و لو نهيت عنه لكنت ناصرا .

و أشياء من هذا الجنس مذكورة مروية عنه فلم يزل على هذه الوتيرة حتى قبض ع و كل من الطائفتين موالية له معتقدة أن رأيه في عثمان كرأيها فلو لم يكن له من السياسة إلا هذا القدر مع كثرة خوض الناس حينئذ في أمر عثمان و الحاجة إلى ذكره في كل مقام لكفاه في الدلالة على أنه أعرف الناس بها و أحذقهم فيها و أعلمهم بوجوه مخارج الكلام و تدبير أحوال الرجال (1) - .

ثم نعود إلى الشرح قوله ع‏ و نصحت لكم هو الأفصح و عليه ورد لفظ القرآن (1) و قول العامة نصحتك ليس بالأفصح (2) - .

قوله‏ و عبيد كأرباب يصفهم بالكبر و التيه .

فإن قلت كيف قال عنهم إنهم عبيد و كانوا عربا صلبية قلت يريد أن أخلاقهم كأخلاق العبيد من الغدر و الخلاف و دناءة الأنفس و فيهم مع ذلك كبر السادات و الأرباب و تيههم فقد جمعوا خصال السوء كلها (3) - .

و أيادي سبأ مثل يضرب للمتفرقين و أصله قوله تعالى عن أهل سبإ وَ مَزَّقْنََاهُمْ

____________

(1) من قوله تعالى في سورة الأعراف 79: وَ قََالَ يََا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسََالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ. .

75

كُلَّ مُمَزَّقٍ (1) و سبأ مهموز و هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان و يقال ذهبوا أيدي سبأ و أيادي سبأ الياء ساكنة و كذلك الألف و هكذا نقل المثل أي ذهبوا متفرقين و هما اسمان جعلا واحدا مثل معديكرب (1) - . قوله‏ تتخادعون عن مواعظكم أن تمسكون عن الاتعاظ و الانزجار و تقلعون عن ذلك من قولهم كان فلان يعطي ثم خدع أي أمسك و أقلع و يجوز أن يريد تتلونون و تختلفون في قبول الموعظة من قولهم خلق فلان خلق خادع أي متلون و سوق خادعة أي مختلفة متلونة و لا يجوز أن يريد باللفظة المعنى المشهور منها لأنه إنما يقال فلان يتخادع لفلان إذا كان يريه أنه منخدع له و ليس بمنخدع في الحقيقة و هذا لا يطابق معنى الكلام (2) - .

و الحنية القوس و قوله‏ كظهر الحنية يريد اعوجاجهم كما أن ظهر القوس معوج (3) - و أعظل المقوم أي أعضل داؤه أي أعيا (4) - و يروى أيها الشاهدة أبدانهم بحذف الموصوف (5) - .

ثم أقسم أنه يود أن معاوية صارفه بهم فأعطاه من أهل الشام واحدا و أخذ منه عشرة صرف الدينار بالدراهم أخذ هذا اللفظ عبد الله بن الزبير لما وفد إليه أهل البصرة و فيهم الأحنف فتكلم منهم أبو حاضر الأسدي و كان خطيبا جميلا فقال له عبد الله بن الزبير اسكت فو الله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام صرف الدينار بالدراهم فقال يا أمير المؤمنين إن لنا و لك مثلا أ فتأذن في ذكره قال نعم قال مثلنا و مثلك و مثل أهل الشام قول الأعشى

علقتها عرضا و علقت رجلا # غيري و علق أخرى غيرها الرجل‏ (2)

____________

(1) سورة سبأ 19.

(2) هو أعشى قيس، ديوانه 13.

76

أحبك أهل العراق و أحببت أهل الشام و أحب أهل الشام عبد الملك فما تصنع (1) - ثم ذكر ع أنه مني‏ أي بلي منهم بثلاث و اثنتين‏ إنما لم يقل بخمس لأن الثلاث إيجابية و الاثنتين سلبية فأحب أن يفرق بين الإثبات و النفي (2) - .

و يروى‏ لا أحرار صدق عند اللقاء جمع صادق (3) - و لا إخوان ثقة عند البلاء أي موثوق بهم (4) - .

تربت أيديكم كلمة يدعى على الإنسان بها أي لا أصبتم خيرا و أصل ترب أصابه التراب فكأنه يدعو عليه بأن يفتقر حتى يلتصق بالتراب (5) - .

قوله‏ فما إخالكم أي فما أظنكم و الأفصح كسر الألف و هو السماع و بنو أسد يفتحونها و هو القياس (6) - .

قوله‏ ألو أصله أن لو ثم أدغمت النون في الألف فصارت كلمة واحدة .

و حمس الوغى بكسر الميم اشتد و عظم فهو حمس و أحمس بين الحمس و الحماسة .

و الوغى‏ في الأصل الأصوات و الجلبة و سميت الحرب نفسها وغى لما فيها من ذلك (7) - .

و قوله‏ انفراج المرأة عن قبلها أي وقت الولادة (8) - .

قوله‏ ألقطه لقطا يريد أن الضلال غالب على الهدى فأنا ألتقط طريق الهدى من بين طريق الضلال لقطا من هاهنا و هاهنا كما يسلك الإنسان طريقا دقيقة قد اكتنفها الشوك و العوسج من جانبيهما كليهما فهو يلتقط النهج التقاطا اُنْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ وَ اِتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَ إِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا وَ لاَ تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا وَ لاَ تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا

77

لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ 14مُحَمَّدٍ ص فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً وَ قَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ وَ يَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ اَلْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ اَلْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ وَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ اَلشَّجَرُ يَوْمَ اَلرِّيحِ اَلْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ اَلْعِقَابِ وَ رَجَاءً لِلثَّوَابِ (1) -. السمت‏ الطريق (2) - و لبد الشي‏ء بالأرض يلبد بالضم لبودا التصق بها (3) - و يصبحون شعثا غبرا من قشف العبادة و قيام الليل و صوم النهار و هجر الملاذ فيراوحون بين جباههم و خدودهم‏ تارة يسجدون على الجباه و تارة يضعون خدودهم على الأرض بعد الصلاة تذللا و خضوعا و المراوحة بين العمل أن يعمل هذا مرة و هذا مرة و يراوح بين رجليه إذا قام على هذه تارة و على هذه أخرى (4) - .

و يقال معزى‏ لهذا الجنس من الغنم و معز و معيز و أمعوز و معز بالتسكين و واحد المعز ماعز كصحب و صاحب و الأنثى ماعزة و الجمع مواعز (5) - .

و هملت أعينهم سالت تهمل و تهمل .

و يروى حتى تبل جباههم أي يبل موضع السجود فتبتل الجبهة بملاقاته (6) - و مادوا تحركوا و اضطربوا إما خوفا من العقاب‏ كما يتحرك الرجل و يضطرب أو رجاء للثواب‏ كما يتحرك النشوان من الطرب و كما يتحرك الجذل المسرور من الفرح

78

*1097* 97 و من كلام له ع‏

وَ اَللَّهِ لاَ يَزَالُونَ حَتَّى لاَ يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلاَّ اِسْتَحَلُّوهُ وَ لاَ عَقْداً إِلاَّ حَلُّوهُ وَ حَتَّى لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لاَ وَبَرٍ إِلاَّ دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رِعَتِهِمْ رَعْيِهِمْ (1) وَ حَتَّى يَقُومَ اَلْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ اَلْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا (2) شَهِدَ أَطَاعَهُ وَ إِذَا غَابَ اِغْتَابَهُ وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا غَنَاءً عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً فَإِنْ أَتَاكُمُ اَللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا وَ إِنِ اُبْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَ إِنَّ اَلْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (1) - . تقدير الكلام لا يزالون‏ ظالمين فحذف الخبر و هو مراد و سدت حتى‏ و ما بعدها مسد الخبر و لا يصح ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن زال بمعنى تحرك و انتقل فلا تكون محتاجة إلى خبر بل تكون تامة في نفسها لأن تلك مستقبلها يزول بالواو و هاهنا بالألف لا يزالون فهي الناقصة التي لم تأت تامة قط و مثلها في أنها لا تزال ناقصة ظل و ما فتى و ليس .

و المحرم‏ ما لا يحل انتهاكه و كذلك المحرمة بفتح الراء و ضمها (2) - .

و بيوت المدر هي البيوت المبنية في القرى و بيوت الوبر ما يتخذ في البادية من وبر الإبل و الوبر لها كالصوف للضأن و كالشعر للمعز .

____________

(1) زاد في مخطوطة النهج بعدها: «و نزل به غيهم» .

(2) مخطوطة النهج: «فإذا» .

79

و قد وبر البعير بالكسر فهو وبر و أوبر إذا كثر وبره (1) - و نبا به‏ منزله إذا ضره و لم يوافقه و كذلك نبا به فراشه فالفعل لازم فإذا أردت تعديته بالهمزة قلت قد أنبى فلان على منزلي أي جعله نابيا و إن عديته بحرف الجر قلت قد نبا بمنزلي فلان أي أنباه علي و هو في هذا الموضع معدى بحرف الجر .

و سوء رعتهم أي سوء ورعهم أي تقواهم و الورع بكسر الراء الرجل التقي ورع يرع بالكسر فيهما ورعا و رعة و يروى سوء رعيهم أي سوء سياستهم و إمرتهم (2) - و نصرة أحدكم من أحدهم‏ أي انتصاره منه و انتقامه فهو مصدر مضاف إلى الفاعل و قد تقدم شرح هذا المعنى و قد حمل قوم هذا المصدر على الإضافة إلى المفعول و كذلك نصرة العبد و تقدير الكلام حتى يكون نصرة أحد هؤلاء الولاة لأحدكم كنصرة سيد العبد السيئ الطريقة إياه و من‏ في الموضعين مضافة إلى محذوف تقديره من جانب أحدهم و من جانب سيده و هذا ضعيف لما فيه من الفصل بين العبد و بين قوله إذا شهد أطاعه‏ و هو الكلام الذي إذا استمر المعنى جعل حالا من العبد بقوله من سيده (3) - و الضمير في قوله فيها يرجع إلى غير مذكور لفظا و لكنه كالمذكور يعني الفتنة أي حتى يكون أعظمكم في الفتنة غناء .

و يروى برفع أعظمكم‏ و نصب أحسنكم‏ و الأول أليق و هذا الكلام كله إشارة إلى بني أمية

80

*1098* 98 و من خطبة له ع‏

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ وَ نَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ وَ نَسْأَلُهُ اَلْمُعَافَاةَ فِي اَلْأَدْيَانِ كَمَا نَسْأَلُهُ اَلْمُعَافَاةَ فِي اَلْأَبْدَانِ عِبَادَ اَللَّهِ أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ اَلدُّنْيَا اَلتَّارِكَةِ لَكُمْ وَ إِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا وَ اَلْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَامِكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَ مَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ وَ أَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ وَ كَمْ عَسَى اَلْمُجْرِي إِلَى اَلْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا وَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لاَ يَعْدُوهُ وَ طَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ اَلْمَوْتِ يَحْدُوهُ وَ مُزْعِجٌ فِي اَلدُّنْيَا عَنِ اَلدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً فَلاَ تَنَافَسُوا فِي عِزِّ اَلدُّنْيَا وَ فَخْرِهَا وَ لاَ تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَ نَعِيمِهَا وَ لاَ تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَ بُؤْسِهَا فَإِنَّ عِزَّهَا وَ فَخْرَهَا إِلَى اِنْقِطَاعٍ وَ إِنَّ زِينَتَهَا وَ نَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ وَ ضَرَّاءَهَا وَ بُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ وَ كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى اِنْتِهَاءٍ وَ كُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ أَ وَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ اَلْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَ فِي آبَائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ اَلْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ وَ مُعْتَبَرٌ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَ وَ لَمْ تَرَوْا إِلَى اَلْمَاضِينَ مِنْكُمْ لاَ يَرْجِعُونَ وَ إِلَى اَلْخَلَفِ اَلْبَاقِينَ لاَ يَبْقَوْنَ أَ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ اَلدُّنْيَا يُمْسُونَ وَ يُصْبِحُونَ يُصْبِحُونَ وَ يُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى فَمَيِّتٌ فَمَيْتٌ يُبْكَى وَ آخَرُ يُعَزَّى وَ صَرِيعٌ مُبْتَلًى وَ عَائِدٌ يَعُودُ وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ وَ طَالِبٌ لِلدُّنْيَا

81

وَ اَلْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وَ غَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ وَ عَلَى أَثَرِ اَلْمَاضِي مَا يَمْضِي اَلْبَاقِي أَلاَ فَاذْكُرُوا هَاذِمَ اَللَّذَّاتِ وَ مُنَغِّصَ اَلشَّهَوَاتِ وَ قَاطِعَ اَلْأُمْنِيَّاتِ عِنْدَ اَلْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ اَلْقَبِيحَةِ وَ اِسْتَعِينُوا اَللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ وَ مَا لاَ يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَ إِحْسَانِهِ (1) -. لما كان الماضي معلوما جعل الحمد بإزائه لأن المجهول لا يحمد عليه و لما كان المستقبل غير معلوم جعل الاستعانة بإزائه لأن الماضي لا يستعان عليه (2) - و لقد ظرف و أبدع ع في قوله‏ و نسأله المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان و ذلك أن للأديان سقما و طبا و شفاء كما أن للأبدان سقما و طبا و شفاء قال محمود الوراق

و إذا مرضت من الذنوب فداوها # بالذكر إن الذكر خير دواء

و السقم في الأبدان ليس بضائر # و السقم في الأديان شر بلاء.

17- و قيل لأعرابي ما تشتكي قال ذنوبي قيل فما تشتهي قال الجنة قيل أ فلا ندعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني .

17- سمعت عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة رجلا يقول ما أشد العمى على من كان بصيرا فقالت عبد الله غفلت عن مرض الذنوب و اهتممت بمرض الأجساد عمى القلوب عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا وددت أن الله وهب لي كنه محبته و لم يبق مني جارحة إلا تبلها (1) .

17- قيل لحسان بن أبي سنان في مرضه ما مرضك قال مرض لا يفهمه الأطباء قيل

____________

(1) تبلها: أسقمها.

82

و ما هو قال مرض الذنوب فقيل كيف تجدك الآن قال بخير إن نجوت من النار قيل فما تشتهي قال ليلة طويلة بعيدة ما بين الطرفين أحييها بذكر الله .

17- ابن شبرمة عجبت ممن يحتمي من الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار (1) - .

قوله ع‏ الدنيا التاركة لكم و إن لم تحبوا تركها معنى حسن و منه قول أبي الطيب

كل دمع يسيل منها عليها # و بفك اليدين عنها تخلى‏ (1) .

و الرفض‏ الترك و إبل رفض متروكة ترعى حيث شاءت (2) - و قوم سفر أي مسافرون (3) - و أموا قصدوا و العلم‏ الجبل أو المنار في الطريق يهتدى به .

و كأن في هذه المواضع كهي في قوله كأنك بالدنيا لم تكن و كأنك بالآخرة لم تزل ما أقرب ذلك و أسرعه (4) - و تقدير الكلام هاهنا كأنهم في حال كونهم غير قاطعين له قاطعون له و كأنهم في حال كونهم غير بالغين له بالغون له لأنه لما قرب زمان إحدى الحالتين من زمان الأخرى شبهوا و هم في الحال الأولى بهم أنفسهم و هم على الحال الثانية (5) - .

قوله ع‏ و كم عسى المجري أجرى فلان فرسه إلى الغاية إذا أرسلها ثم نقل ذلك إلى كل من يقصد بكلامه معنى أو بفعله غرضا فقيل فلان يجري بقوله إلى كذا أو يجري بحركته الفلانية إلى كذا أي يقصد و ينتهي بإرادته و أغراضه و لا يعدوه و لا يتجاوزه (6) - .

و الحثيث‏ السريع و يحدوه يسوقه (7) - و المنافسة المحاسدة و نفست عليه بكذا أي ضننت (8) - و البؤس‏ الشدة و النفاد الفناء .

(9) -

____________

(1) ديوانه 3: 131.

83

و ما في قوله‏ على أثر الماضي ما يمضي الباقي إما زائدة أو مصدرية و قد أخذ هذا اللفظ الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم مات مسلمة بن عبد الملك قيل لما مات مسلمة بن عبد الملك و اجتمع بنو أمية و رؤساء العرب ينظرون جنازته خرج الوليد بن يزيد على الناس و هو نشوان ثمل يجر مطرف خز و هو يندب مسلمة و مواليه حوله فوقف على هشام فقال يا أمير المؤمنين إن عقبى من بقي لحوق من مضى و قد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى و اختل الثغر فوهى و ارتج الطود فهوى و على أثر من سلف ما يمضي من خلف ف تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ (1) - .

قوله ع‏ عند مساورة الأعمال القبيحة العامل في‏ عند قوله‏ اذكروا أي ليكن ذكركم الموت وقت مساورتكم و المساورة المواثبة و سار إليه يسور سورا وثب قال الأخطل يصف خمرا له‏

لما أتوها بمصباح و مبزلهم # سارت إليهم سئور الأبجل الضاري‏ (1)

أي كوثوب العرق الذي قد فصد أو قطع فلا يكاد ينقطع دمه و يقال إن لغضبه لسورة و هو سوار أي وثاب معربد

____________

(1) ديوانه 118. المبزل: الثقب في جانب الخابية تجرى منه الخمر صافية. و الأبجل: عرق يكون في الدوابّ. و انظر اللسان (سور) .

84

*1099* 99 و من خطبة له ع‏

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلنَّاشِرِ فِي اَلْخَلْقِ فَضْلَهُ وَ اَلْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ وَ أَنَّ 14مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَ بِذِكْرِهِ نَاطِقاً فَأَدَّى أَمِيناً وَ مَضَى رَشِيداً وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ اَلْحَقِّ مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ دَلِيلُهَا مَكِيثُ اَلْكَلاَمِ بَطِي‏ءُ اَلْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَ أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ اَلْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اَللَّهُ حَتَّى يُطْلِعَ اَللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَ يَضُمُّ نَشْرَكُمْ فَلاَ تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ وَ لاَ تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ فَإِنَّ اَلْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَ تَثْبُتَ اَلْأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً أَلاَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ ص كَمَثَلِ نُجُومِ اَلسَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اَللَّهِ فِيكُمُ اَلصَّنَائِعُ وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ (1) -. يده هاهنا نعمته يقال لفلان عندي يد أي نعمة و إحسان قال الشاعر

فإن ترجع الأيام بيني و بينها # فإن لها عندي يدا لا أضيعها (2) -.

85

و صادعا أي مظهرا و مجاهرا للمشركين قال تعالى‏ فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ (1) - (1) و راية الحق‏ الثقلان المخلفان بعد 14رسول الله ص و هما الكتاب و العترة (2) - .

و مرق خرج أي فارق الحق و مزق السهم عن الرمية خرج من جانبها الآخر و به سميت الخوارق مارقة (3) - .

و زهقت نفسه بالفتح زهوقا أي خرجت قال تعالى‏ وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كََافِرُونَ (2) و زهقت الناقة إذا سبقت و تقدمت أمام الركاب و زهق الباطل اضمحل يقول ع من خالفها متقدما لها أو متأخرا عنها فقد خرج عن الحق و من لازمها فقد أصاب الحق (4) - .

ثم قال‏ دليلها مكيث الكلام يعني نفسه ع لأنه المشار إليه من العترة و أعلم الناس بالكتاب و مكيث الكلام‏ بطيئه و رجل مكيث أي رزين و المكث اللبث و الانتظار مكث و مكث بالفتح و الضم و الاسم المكث و المكثة بالضم و كسرها يعني أنه ذو أناة و تؤدة (5) - ثم أكد ذلك بقوله‏ بطي‏ء القيام ثم قال‏ سريع إذا قام أي هو متأن متثبت في أحواله فإذا نهض جد و بالغ و هذا المعنى كثير جدا قال أبو الطيب

و ما قلت للبدر أنت اللجين # و لا قلت للشمس أنت الذهب‏ (3)

فيقلق منه البعيد الأناة # و يغضب منه البطي‏ء الغضب‏

يعني سيف الدولة

____________

(1) سورة الحجر 94.

(2) سورة التوبة ديوانه 85.

(3) 1: 97.

غ

86

أقوال مأثورة في مدح الأناة و ذم العجلة

و من أمثالهم يريك الهوينى و الأمور تطير يضرب لمن ظاهره الأناة و باطنه إبرام الأمور و تنفيذها و الحاضرون لا يشعرون و يقولون لمن هو كذلك‏ وَ تَرَى اَلْجِبََالَ تَحْسَبُهََا جََامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحََابِ (1) .

17- و وقع ذو الرئاستين إلى عامل له أن أسرع النار التهابا أسرعها خمودا فتأن في أمرك .

16- و يقال إن آدم ع أوصى ولده عند موته فقال كل عمل تريدون أن تعملوه فتوقفوا فيه ساعة فإني لو توقفت لم يصبني ما أصابني.

17- بعض الأعراب يوصي ولده إياكم و العجلة فإن أبي كان يكنيها أم الندم .

17- و كان يقال من ورد عجلا صدر خجلا .

و قال ابن هاني المغربي

و كل أناة في المواطن سؤدد # و لا كأناة من قدير محكم‏ (2)

و من يتبين أن للصفح موضعا # من السيف يصفح عن كثير و يحلم

و ما الرأي إلا بعد طول تثبت # و لا الحزم إلا بعد طول تلوم‏ (3) .

و قوله ع بطي‏ء القيام سريع إذا قام فيه شبه من قول الشنفري

مسبل في الحي أحوى رفل # و إذا يغزو فسمع أزل.

و من أمثالهم في مدح الأناة و ذم العجلة أخطأ مستعجل أو كاد و أصاب متثبت أو كاد .

____________

(1) سورة النمل 88.

(2) ديوانه 670.

(3) تلوّم في الأمر: تمكث فيه و انتظر.

87

و منها

و قد يكون مع المستعجل الزلل‏ (1) .

و منها رب عجلة تهب ريثا (2) و قال البحتري‏

حليم إذا القوم استخفت حلومهم # وقور إذا ما حادث الدهر أجلبا (3) .

قال الأحنف لرجل سبه فأفرط يا هذا إنك منذ اليوم تحدو بجمل ثقال .

و قال الشاعر

أحلامنا تزن الجبال رجاحة # و تخالنا جنا إذا ما نجهل‏

فصل في مدح قلة الكلام و ذم كثرته‏

فأما قوله ع‏ مكيث الكلام فإن قلة الكلام من صفات المدح و كثرته من صفات الذم‏

17- قالت جارية ابن السماك له ما أحسن كلامك لو لا أنك تكثر ترداده فقال أردده حتى يفهمه من لم يفهمه قالت فإلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من فهمه .

17- بعث عبد العزيز بن مروان بن الحكم إلى ابن أخيه الوليد بن عبد الملك قطيفة حمراء و كتب إليه أما بعد فقد بعثت إليك بقطيفة حمراء حمراء حمراء فكتب إليه الوليد أما بعد فقد وصلت القطيفة و أنت يا عم أحمق أحمق أحمق .

____________

(1) للقطامى و صدره:

*قد يدرك المتأنّى بعض حاجته*

و بعده:

و ربّما فات قوما جلّ أمرهم # إذا توانوا و كان الرّأى لو عجلوا

و انظر جمهرة أشعار العرب 313 (المطبعة الرحمانية) .

(2) أول من قاله مالك بن عوف الشيباني. مجمع الأمثال 1: 294.

(3) ديوانه 1: 55.

88

17- و قال المعتضد لأحمد بن الطيب السرخسي طول لسانك دليل على قصر عقلك .

17- قيل للعتابي ما البلاغة قال كل من أفهمك حاجته من غير إعادة و لا خلسة و لا استعانة فهو بليغ قيل له ما الاستعانة قال أ لا ترى الرجل إذا حدث قال يا هناه و استمع إلي و افهم و أ لست تفهم هذا كله عي و فساد .

17- دخل على المأمون جماعة من بني العباس فاستنطقهم فوجدهم لكنا مع يسار و هيئة و من تكلم منهم أكثر و هذر فكانت حاله أفحش من حال الساكتين فقال ما أبين الخلة في هؤلاء لا خلة الأيدي بل خلة الألسنة و الأحلام .

1- و سئل 1علي ع عن اللسان فقال معيار أطاشه الجهل و أرجحه العقل .

17- سمع خالد بن صفوان مكثارا يتكلم فقال له يا هذا ليست البلاغة بخفة اللسان و لا بكثرة الهذيان و لكنها إصابة المعنى و القصد إلى الحجة .

17- قال أبو سفيان بن حرب لعبد الله بن الزبعري ما لك لا تسهب في شعرك قال حسبك من الشعر غرة لائحة أو وصمة فاضحة .

و في خطبة كتاب البيان و التبيين (1) لشيخنا أبي عثمان و نعوذ بك من شر السلاطة و الهذر كما نعوذ بك من العي و الحصر قال أحيحة بن الجلاح

و الصمت أجمل بالفتى # ما لم يكن عي يشينه

و القول ذو خطل إذا # ما لم يكن لب يعينه.

و قال الشاعر يرثي رجلا

لقد وارى المقابر من شريك # كثير تحلم و قليل عاب‏ (2)

____________

(1) البيان و التبيين 1: 5.

(2) البيان و التبيين 2: 246، و نسبهما إلى محرز بن علقمة.

89

صموتا في المجالس غير عي # جديرا حين ينطق بالصواب.

14- و كان 14رسول الله ص يكره التشادق و الإطالة و الهذر و قال إياك و التشادق .

14- و قال ص أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون.

14- و روى عمرو بن عبيد رحمه الله تعالى عن 14النبي ص إنا معاشر الأنبياء بكاءون قليلو الكلام.

رجل بكي‏ء على فعيل .

17- قال و كانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله .

17- و قيل للخليل و قد اجتمع بابن المقفع كيف رأيته فقال لسانه أرجح من عقله و قيل لابن المقفع كيف رأيت الخليل قال عقله أرجح من لسانه فكان عاقبتهما أن عاش الخليل مصونا مكرما و قتل ابن المقفع تلك القتلة .

17- و سأل حفص بن سالم عمرو بن عبيد عن البلاغة فقال ما بلغك الجنة و باعدك عن النار و بصرك مواقع رشدك و عواقب غيك قال ليس عن هذا أسأل فقال كانوا يخافون من فتنة القول و من سقطات الكلام و لا يخافون من فتنة السكوت و سقطات الصمت .

17- قال أبو عثمان الجاحظ و كان عمرو بن عبيد رحمه الله تعالى لا يكاد يتكلم فإن تكلم لم يكد يطيل و كان يقول لا خير في المتكلم إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه و إذا أطال المتكلم الكلام عرضت له أسباب التكلف و لا خير في شي‏ء يأتيك بالتكلف .

و قال بعض الشعراء

و إذا خطبت على الرجال فلا تكن # خطل الكلام تقوله مختالا

90

و اعلم بأن من السكوت إبانة # و من التكلف ما يكون خبالا (1) .

17- و كان يقال لسان العاقل من وراء قلبه فإذا أراد الكلام تفكر فإن كان له قال و إن كان عليه سكت و قلب الجاهل من وراء لسانه فإن هم بالكلام تكلم به .

14- و قال سعد بن أبي وقاص لعمرو ابنه حين نطق مع القوم فبذهم و قد كان غضب عليه فكلموه في الرضا عنه هذا الذي أغضبني عليه سمعت 14رسول الله ص يقول يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقر بألسنتها .

17- و قال معاوية لعمرو بن العاص في أبي موسى قد ضم إليك رجل طويل اللسان قصير الرأي فأجد الحز و طبق المفصل و لا تلقه برأيك كله .

17- و كان يقال لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب .

17- و كان يقال مقتل الرجل بين فكيه و قيل بين لحييه .

17- و كان يقال ما شي‏ء بأحق بسجن من لسان .

17- و قالوا اللسان سبع عقور .

17- و أخذ أبو بكر بطرف لسانه و قال هذا الذي أوردني الموارد .

17- لما أنكح ضرار بن عمرو ابنته من معبد بن زرارة أوصاها حين أخرجها إليه فقال أمسكي عليك الفضلين قالت و ما هما قال فضل الغلمة و فضل الكلام .

17- و سئل أعرابي كان يجالس الشعبي عن طول صمته فقال أسمع فأعلم و أسكت فأسلم .

و

14- قال 14النبي ص و هل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم‏ (2) .

____________

(1) البيان و التبيين 1: 135، و نسبهما إلى بعض الكلبيين.

(2) النهاية لابن الأثير 1: 233؛ قال في شرحه: «أى ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه، واحدتها حصيدة، تشبيها بما يحصد من الزرع، و تشبيها باللسان و ما يقتطعه بحد المنجل الذي يحصد به» .

91

14- تكلم رجل في مجلس 14النبي ص فخطل في كلامه فقال ع ما أعطي العبد شرا من ذلاقة لسان.

17- قال عمر بن عبد العزيز يوم بويع بالخلافة خالد بن عبد الله القسري و قد أنشده متمثلا

و إذا الدر زان حسن نحور # كان للدر حسن نحرك زينا

إن صاحبكم أعطي مقولا و حرم معقولا .

17- و قيل لإياس بن عمر ادع لنا فقال اللهم ارحمنا و عافنا و ارزقنا فقالوا زدنا يا أبا الرحمن فقال أعوذ بالله من الإسهاب .

17- و كان القباع و هو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي مسهابا سريع الحديث كثيره فقال فيه أبو الأسود الدؤلي

أمير المؤمنين جزيت خيرا # أرحنا من قباع بني المغيرة (1)

بلوناه و لمناه فأعيا # علينا ما يمر لنا مريره

على أن الفتى نكح أكول # و مسهاب مذاهبه كثيره.

و قال أبو العتاهية

كل امرئ في نفسه # أعلى و أشرف من قرينه‏ (2)

و الصمت أجمل بالفتى # من منطق في غير حينه.

و قال الشاعر

و إياك إياك المراء فإنه # إلى الشر دعاء و للشر جالب‏

17- و كان يقال العجلة قيد الكلام .

____________

(1) ملحق ديوانه 47.

(2) ديوانه 282.

92

17- أطال خطيب بين يدي الإسكندر فزبره قال ليس حسن الخطبة على حسب طاقة الخاطب و لكن على حسب طاقة السامع .

5- 5محمد الباقر ع إني لأكره أن يكون مقدار لسان الرجل فاضلا على مقدار علمه كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله.

17- أطال ربيعة الرأي الكلام و عنده أعرابي فلما فرغ من كلامه قال للأعرابي ما تعدون العي و الفهاهة فيكم قال ما كنت فيه أصلحك الله منذ اليوم.

و

1- من كلام 1أمير المؤمنين ع إذا تم العقل نقص الكلام .

17- واصل بن عطاء لأن يقول الله لي يوم القيامة هلا قلت أحب إلي من أن يقول لي لم قلت لأني إذا قلت طالبني بالبرهان و إذا سكت لم يطالبني بشي‏ء .

17- نزل النعمان بن المنذر برابية فقال له رجل من أصحابه أبيت اللعن لو ذبح رجل على رأس هذه الرابية إلى أين كان يبلغ دمه فقال النعمان المذبوح و الله أنت و لأنظرن إلى أين يبلغ دمك فذبحه فقال رجل رب كلمة تقول دعني .

17- أعرابي رب منطق صدع جمعا و رب سكوت شعب صدعا .

17- قالت امرأة لبعلها ما لك إذا خرجت تطلقت و تحدثت و إذا دخلت قعدت و سكت قال لأني أدق عن جليلك و تجلين عن دقيقي .

17- النخعي كانوا يتعلمون السكوت كما يتعلمون الكلام .

17- علي بن هشام

لعمرك إن الحلم زين لأهله # و ما الحلم إلا عادة و تحلم

إذا لم يكن صمت الفتى من بلادة # و عي فإن الصمت أهدى و أسلم.

17- وهيب بن الورد إن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت و العاشرة العزلة عن الناس .

93

3- مكث الربيع بن خثيم عشرين سنة لا يتكلم إلى أن قتل 3الحسين ع فسمعت منه كلمة واحدة قال لما بلغه ذلك أ و قد فعلوها ثم قال‏ اَللََّهُمَّ فََاطِرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ عََالِمَ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبََادِكَ فِي مََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثم عاد إلى السكوت حتى مات .

17- الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب

زعم ابن سلمى أن حلمي ضرني # ما ضر قبلي أهله الحلم

إنا أناس من سجيتهم # صدق الحديث و رأيهم حتم

لبسوا الحياء فإن نظرت حسبتهم # سقموا و لم يمسسهم سقم

إني وجدت العدم أكبره # عدم العقول و ذلك العدم

و المرء أكثر عيبه ضررا # خطل اللسان و صمته حكم.

14- جاء في الحديث المرفوع عن 14النبي ص إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه فإنه يلقى الحكمة.

17- سفيان بن عيينة من حرم العلم فليصمت فإن حرمها فالموت خير له .

17- و كان يقال إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك .

و اعلم أن هذه الخطبة خطب بها 1أمير المؤمنين ع في الجمعة الثالثة من خلافته و كنى فيها عن حال نفسه و أعلمهم فيها أنهم سيفارقونه و يفقدونه بعد اجتماعهم عليه و طاعتهم له و هكذا وقع الأمر فإنه نقل أن أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من الشهر الذي قتل فيه ع .

1,2- و جاء في الأخبار أنه عقد 2للحسن ابنه ع على عشرة آلاف و لأبي أيوب‏

94

الأنصاري على عشرة آلاف و لفلان و فلان حتى اجتمع له مائة ألف سيف و أخرج مقدمته أمامه يريد الشام فضربه اللعين ابن ملجم و كان من أمره ما كان و انفضت تلك الجموع و كانت كالغنم فقد راعيها (1) - .

و معنى قوله‏ ألنتم له رقابكم أطعتموه (2) - و معنى‏ أشرتم إليه بأصابعكم أعظمتموه و أجللتموه كالملك الذي يشار إليه بالإصبع و لا يخاطب باللسان (3) - ثم أخبرهم أنهم يلبثون بعده ما شاء الله‏ و لم يحدد ذلك بوقت معين ثم يطلع الله لهم من يجمعهم و يضمهم‏ يعني من أهل البيت ع و هذا إشارة إلى 12المهدي الذي يظهر في آخر الوقت و عند أصحابنا أنه غير موجود الآن و سيوجد و عند الإمامية أنه موجود الآن (4) - .

قوله ع‏ فلا تطمعوا في غير مقبل و لا تيأسوا من مدبر ظاهر هذا الكلام متناقض و تأويله أنه نهاهم عن أن يطمعوا في صلاح أمورهم على يد رئيس غير مستأنف الرئاسة و هو معنى مقبل‏ أي قادم تقول سوف أفعل كذا في الشهر المقبل و في السنة المقبلة أي القادمة يقول كل الرئاسات التي تشاهدونها فلا تطمعوا في صلاح أموركم بشي‏ء منها و لأن تنصلح أموركم على يد رئيس يقدم عليكم مستأنف الرئاسة خامل الذكر ليس أبوه بخليفة و لا كان هو و لا أبوه مشهورين بينكم برئاسة بل يتبع و يعلو أمره و لم يكن قبل معروفا هو و لا أهله الأدنون و هذه صفة 12المهدي الموعود به (5) - .

و معنى قوله‏ و لا تيأسوا من مدبر أي و إذا مات هذا 12المهدي و خلفه بنوه بعده فاضطرب أمر أحدهم فلا تيأسوا و تتشككوا و تقولوا لعلنا أخطأنا في اتباع هؤلاء فإن المضطرب الأمر منا ستثبت دعائمه و تنتظم أموره و إذا زلت إحدى رجليه ثبتت‏

95

الأخرى فثبتت الأولى أيضا و يروى فلا تطعنوا في عين مقبل أي لا تحاربوا أحدا منا و لا تيأسوا من إقبال من يدبر أمره منا (1) - .

ثم ذكر ع أنهم كنجوم السماء كلما خوى نجم طلع نجم‏ خوى مال للمغيب (2) - .

ثم وعدهم بقرب الفرج فقال إن تكامل صنائع الله عندكم و رؤية ما تأملونه أمر قد قرب وقته و كأنكم به و قد حضر و كان و هذا على نمط المواعيد الإلهية بقيام الساعة فإن الكتب المنزلة كلها صرحت بقربها و إن كانت بعيدة عندنا لأن البعيد في معلوم الله قريب و قد قال سبحانه‏ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً `وَ نَرََاهُ قَرِيباً

96

*1100* 100 و من خطبة له ع و هي من الخطب التي تشتمل على ذكر الملاحم‏

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْأَوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ وَ اَلآْخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ وَ بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ وَ بِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ آخِرَ لَهُ (1) -. يقول البارئ تعالى موجود قبل كل شي‏ء يشير العقل إليه و يفرضه أول الموجودات و كذلك هو موجود بعد كل شي‏ء يشير العقل إليه و يفرضه آخر ما يبقى من جميع الموجودات فإن البارئ سبحانه بالاعتبار الأول يكون أولا قبل كل ما يفرض أولا و بالاعتبار الثاني يكون آخرا بعد كل ما يفرض آخرا (2) - .

فأما قوله‏ بأوليته وجب أن لا أول له إلى آخر الكلام فيمكن أن يفسر على وجهين أحدهما أنه تعالى لما فرضناه أولا مطلقا تبع هذا الفرض أن يكون قديما أزليا و هو المعني بقوله‏ وجب أن لا أول و إنما تبعه ذلك لأنه لو لم يكن أزليا لكان محدثا فكان له محدث و المحدث متقدم على المحدث لكنا فرضناه أولا مطلقا أي لا يتقدم عليه شي‏ء فيلزم المحال و الخلف و هكذا القول في آخريته لأنا إذا فرضناه آخرا مطلقا تبع هذا الفرض أن يكون مستحيل العدم و هو المعني بقوله‏ وجب أن لا آخر له

97

و إنما تبعه ذلك لأنه لو لم يستحل عدمه لصح عدمه لكن كل صحيح و ممكن فليفرض وقوعه لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال مع فرضنا إياه صحيحا و ممكنا لكن فرض تحقق عدمه محال لأنه لو عدم لما عدم بعد استمرار الوجودية إلا بضد لكن الضد المعدم يبقى بعد تحقق عدم الضد المعدوم لاستحالة أن يعدمه و يعدم معه في وقت واحد لأنه لو كان وقت عدم الطارئ هو وقت عدم الضد المطروء عليه لامتنع عدم الضد المطروء عليه لأن حال عدمه الذي هو الأثر المتجدد تكون العلة الموجبة للأثر معدومة و المعدوم يستحيل أن يكون مؤثرا البتة فثبت أن الضد الطارئ لا بد أن يبقى بعد عدم المطروء عليه و لو وقتا واحدا لكن بقاءه بعده و لو وقتا واحدا يناقض فرضنا كون المطروء عليه آخرا مطلقا لأن الضد الطارئ قد بقي بعده فيلزم من الخلف و المحال ما لزم في المسألة الأولى .

و التفسير الثاني ألا تكون الضمائر الأربعة راجعة إلى البارئ سبحانه بل يكون منها ضميران راجعين إلى غيره و يكون تقدير الكلام بأولية الأول الذي فرضنا كون البارئ سابقا عليه علمنا أن البارئ لا أول له و بآخرية الآخر الذي فرضنا أن البارئ متأخر عنه علمنا أن البارئ لا آخر له و إنما علمنا ذلك لأنه لو كان سبحانه أولا لأول الموجودات و له مع ذلك أول لزم التسلسل و إثبات محدثين و محدثين إلى غير نهاية و هذا محال .

و لو كان سبحانه آخرا لآخر الموجودات و له مع ذلك آخر لزم التسلسل و إثبات أضداد تعدم و يعدمها غيرها إلى غير نهاية و هذا أيضا محال وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا اَلسِّرُّ اَلْإِعْلاَنَ وَ اَلْقَلْبُ اَللِّسَانَ‏

98

أَيُّهَا اَلنَّاسُ‏ لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي وَ لاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي وَ لاَ تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَالَّذِي فَلَقَ اَلْحَبَّةَ وَ بَرَأَ اَلنَّسَمَةَ إِنَّ اَلَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ 14اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِ‏ (1) ص وَ اَللَّهِ (2) مَا كَذَبَ اَلْمُبَلِّغُ وَ لاَ جَهِلَ اَلسَّامِعُ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ اِشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِي اَلْأَرْضِ وَطْأَتُهُ عَضَّتِ اَلْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا وَ مَاجَتِ اَلْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وَ بَدَا مِنَ اَلْأَيَّامِ كُلُوحُهَا وَ مِنَ اَللَّيَالِي كُدُوحُهَا فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ وَ قَامَ عَلَى يَنْعِهِ‏ (3) وَ هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ وَ بَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ اَلْفِتَنِ اَلْمُعْضِلَةِ وَ أَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ وَ اَلْبَحْرِ اَلْمُلْتَطِمِ هَذَا وَ كَمْ يَخْرِقُ اَلْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ وَ يَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ وَ عَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ اَلْقُرُونُ بِالْقُرُونِ وَ يُحْصَدُ اَلْقَائِمُ وَ يُحْطَمُ اَلْمَحْصُودُ (1) -. في الكلام محذوف و تقديره لا يجرمنكم شقاقي‏ على أن تكذبوني و المفعول فضلة و حذفه كثير نحو قوله تعالى‏ اَللََّهُ يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يَقْدِرُ (4) فحذف العائد إلى الموصول و منها قوله سبحانه‏ لاََ عََاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ إِلاََّ مَنْ رَحِمَ (5) أي من رحمه و لا بد من تقدير العائد إلى الموصول و قد قرئ قوله‏ وَ مََا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (6) و ما عملت أيديهم بحذف المفعول .

لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ لا يحملنكم و قيل لا يكسبنكم و هو من الألفاظ القرآنية (7) .

(2) -

____________

(1) في مخطوطة النهج بعد هذه الكلمة «القرشيّ» .

(2) ساقطة من مخطوطة النهج.

(3) مخطوطة النهج: «ساقه» .

(4) سورة العنكبوت 62.

(5) سورة هود 43.

(6) سورة يس 35.

(7) من قوله تعالى في سورة هود 89: وَ يََا قَوْمِ لاََ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقََاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مََا أَصََابَ قَوْمَ نُوحٍ... .

99

و لا يستهوينكم أي لا يستهيمنكم يجعلكم هائمين (1) - .

و لا تتراموا بالأبصار أي لا يلحظ بعضكم بعضا فعل المنكر المكذب (2) - .

ثم أقسم بالذي فلق الحبة و برأ النسمة فلق الحبة من البر أي شقها و أخرج منها الورق الأخضر قال تعالى‏ إِنَّ اَللََّهَ فََالِقُ اَلْحَبِّ وَ اَلنَّوى‏ََ (1) .

و برأ النسمة أي خلق الإنسان و هذا القسم لا يزال 1أمير المؤمنين يقسم به و هو من مبتكراته و مبتدعاته (3) - .

و المبلغ‏ و السامع‏ هو نفسه ع يقول

1- ما كذبت على 14الرسول تعمدا و لا جهلت ما قاله فأنقل عنه غلطا (4) - .

و الضليل‏ الكثير الضلال كالشريب و الفسيق و نحوهما .

و هذا كناية عن عبد الملك بن مروان لأن هذه الصفات و الأمارات فيه أتم منها في غيره لأنه قام بالشام حين دعا إلى نفسه و هو معنى نعيقه و فحصت راياته بالكوفة تارة حين شخص بنفسه إلى العراق و قتل مصعبا و تارة لما استخلف الأمراء على الكوفة كبشر بن مروان أخيه و غيره حتى انتهى الأمر إلى الحجاج و هو زمان اشتداد شكيمة عبد الملك و ثقل وطأته و حينئذ صعب الأمر جدا و تفاقمت الفتن مع الخوارج و عبد الرحمن بن الأشعث فلما كمل أمر عبد الملك و هو معنى أينع زرعه هلك و عقدت رايات الفتن المعضلة من بعده كحروب أولاده مع بني المهلب و كحروبهم مع زيد بن علي ع و كالفتن الكائنة بالكوفة أيام يوسف بن عمر و خالد القسري و عمر بن هبيرة و غيرهم و ما جرى فيها من الظلم و استئصال الأموال و ذهاب النفوس .

____________

(1) سورة الأنعام 95.

100

و قد قيل إنه كنى عن معاوية و ما حدث في أيامه من الفتن و ما حدث بعده من فتنة يزيد و عبيد الله بن زياد و واقعة 3الحسين ع و الأول أرجح لأن معاوية في أيام 1أمير المؤمنين ع كان قد نعق بالشام و دعاهم إلى نفسه و الكلام يدل على إنسان ينعق فيما بعد أ لا تراه يقول‏ لكأني أنظر إلى ضليل قد نعق بالشام ثم نعود إلى تفسير الألفاظ و الغريب (1) - .

النعيق‏ صوت الراعي بغنمه (2) - و فحص براياته من قولهم ما له مفحص قطاة أي مجثمها كأنهم جعلوا ضواحي الكوفة مفحصا و مجثما لراياتهم .

و كوفان اسم الكوفة و الكوفة في الأصل اسم الرملة الحمراء و بها سميت الكوفة و ضواحيها نواحيها القريبة منها البارزة عنها يريد رستاقها (3) - .

و فغرت فاغرته فتح فاه و هذا من باب الاستعارة أي إذا فتك فتح فاه و قتل كما يفتح الأسد فاه عند الافتراس و التأنيف للفتنة (4) - .

و الشكيمة في الأصل حديدة معترضة في اللجام في فم الدابة ثم قالوا فلان شديد الشكيمة إذا كان شديد المراس شديد النفس عسر الانقياد (5) - .

و ثقلت وطأته عظم جوره و ظلمه (6) - و كلوح الأيام‏ عبوسها (7) - و الكدوح‏ الآثار من الجراحات .

و القروح الواحد الكدح أي الخدش .

و المراد من قوله‏ من الأيام ثم قال‏ و من الليالي أن هذه الفتنة مستمرة الزمان كله لأن الزمان ليس إلا النهار و الليل (8) - .

و أينع الزرع‏ أدرك و نضج و هو الينع و الينع بالفتح و الضم مثل النضج و النضج‏

101

و يجوز ينع الزرع بغير همز ينع ينوعا و لم تسقط الياء في المضارع لأنها تقوت بأختها و زرع ينيع و يانع مثل نضيج و ناضج و قد روي أيضا هذا الموضع بحذف الهمز .

و قوله ع‏ و قام على ينعه الأحسن أن يكون ينع هاهنا جمع يانع كصاحب و صحب ذكر ذلك ابن كيسان و يجوز أن يكون أراد المصدر أي و قام على صفة و حالة هي نضجه و إدراكه (1) - .

و هدرت شقاشقه قد مر تفسيره في الشقشقية (2) - و برقت بوارقه سيوفه و رماحه (3) - و المعضلة العسرة العلاج داء معضل (4) - .

و يخرق الكوفة يقطعها و القاصف‏ الريح القوية تكسر كل ما تمر عليه و تقصفه (5) - .

ثم وعد ع بظهور دولة أخرى فقال‏ و عن قليل تلتف القرون بالقرون و هذا كناية عن الدولة العباسية التي ظهرت على دولة بني أمية و القرون‏ الأجيال من الناس واحدها قرن بالفتح .

و يحصد القائم و يحطم المحصود كناية عن قتل الأمراء من بني أمية في الحرب ثم قتل المأسورين منهم صبرا فحصد القائم قتل المحاربة و حطم الحصيد القتل صبرا و هكذا وقعت الحال مع عبد الله بن علي و أبي العباس السفاح

102

*1101* 101 و من خطبة له ع تجري هذا المجرى‏

وَ ذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اَللَّهُ فِيهِ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلآْخِرِينَ لِنِقَاشِ اَلْحِسَابِ وَ جَزَاءِ اَلْأَعْمَالِ خُضُوعاً قِيَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ اَلْعَرَقُ وَ رَجَفَتْ بِهِمُ اَلْأَرْضُ فَأَحْسَنُهُمُ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَ لِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً (1) -. هذا شرح حال يوم القيامة و النقاش‏ مصدر ناقش أي استقصى في الحساب

16- و في الحديث من نوقش الحساب عذب (2) -.

و ألجمهم العرق سال منهم حتى بلغ إلى موضع اللجام من الدابة و هو الفم (3) - .

و رجفت بهم تحركت و اضطربت رجف يرجف بالضم و الرجفة الزلزلة و الرجاف من أسماء البحر سمي بذلك لاضطرابه (4) - .

ثم وصف الزحام الشديد الذي يكون هناك فقال أحسن الناس‏ حالا هناك‏ من وجد لقدميه موضعا و من وجد مكانا يسعه وَ مِنْهَا فِتَنٌ كَقِطَعِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ لاَ تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ وَ لاَ تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا وَ يَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ‏