شرح نهج البلاغة - ج7

- ابن ابي الحديد المزيد...
310 /
103

سَلَبُهُمْ يُجَاهِدُهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ اَلْمُتَكَبِّرِينَ فِي اَلْأَرْضِ مَجْهُولُونَ وَ فِي اَلسَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اَللَّهِ لاَ رَهَجَ لَهُ وَ لاَ حِسَّ وَ سَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ اَلْأَحْمَرِ وَ اَلْجُوعِ اَلْأَغْبَرِ (1) -. قطع الليل جمع قطع و هو الظلمة قال تعالى‏ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ (2) - (1) .

قوله‏ لا تقوم لها قائمة أي لا تنهض بحربها فئة ناهضة أو لا تقوم لتلك الفتن قائمة من قوائم الخيل يعني لا سبيل إلى قتال أهلها و لا يقوم لها قلعة قائمة أو بنية قائمة بل تنهدم (3) - .

قوله‏ و لا يرد لها راية أي لا تنهزم و لا تفر لأنها إذا فرت فقد ردت على أعقابها (4) - .

قوله‏ مزمومة مرحولة أي تامة الأدوات كاملة الآلات كالناقة التي عليها رحلها و زمامها قد استعدت لأن تركب (5) - .

يحفزها يدفعها (6) - و يجهدها يحمل عليها في السير فوق طاقتها جهدت دابتي بالفتح و يجوز أجهدت و المراد أن أرباب تلك الفتن يجتهدون و يجدون في إضرام نارها رجلا و فرسانا فالرجل كنى عنهم بالقائد و الفرسان كنى عنهم بالراكب (7) - .

و الكلب‏ الشدة من البرد و غيره و مثله الكلبة و قد كلب الشتاء و كلب القحط و كلب العدو و الكلب أيضا الشر دفعت عنك كلب فلان أي شره و أذاه .

(8) -

____________

(1) سورة هود 81.

104

و قوله‏ قليل سلبهم أي همهم القتل لا السلب كما قال أبو تمام

إن الأسود أسود الغاب همتها # يوم الكريهة في المسلوب لا السلب (1) - (1)

ثم ذكر ع أن هؤلاء أرباب الفتن يجاهدهم قوم أذلة كما قال الله تعالى‏ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ (2) و ذلك من صفات المؤمنين (2) - .

ثم قال هم مجهولون‏ عند أهل الأرض‏ لخمولهم قبل هذا الجهاد و لكنهم معروفون‏ عند أهل السماء و هذا إنذار بملحمة تجري في آخر الزمان و قد أخبر 14النبي ص بنحو ذلك و قد فسر هذا الفصل قوم و قالوا إنه أشار به إلى الملائكة لأنهم مجهولون في الأرض معروفون في السماء و اعتذروا عن لفظة قوم‏ فقالوا يجوز أن يقال في الملائكة قوم كما قيل في الجن قوم قال سبحانه‏ فَلَمََّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (3) إلا أن لفظ أذلة عند المتكبرين يبعد هذا التفسير (3) - .

ثم أخبر بهلاك البصرة بجيش من نقم الله لا رهج له و لا حس الرهج الغبار و كنى بهذا الجيش عن جدب و طاعون يصيب أهلها حتى يبيدهم (4) - و الموت الأحمر كناية عن الوباء (5) - و الجوع الأغبر كناية عن المحل و سمي الموت الأحمر لشدته و منه

1,14- الحديث كنا إذا احمر البأس اتقينا 14برسول الله .

و وصف الجوع بأنه أغبر لأن الجائع يرى الآفاق كأن عليها غبرة و ظلاما و فسر قوم هذا الكلام‏و هو بعيد لأن جيشه كان ذا حس و رهج و لأنه أنذر البصرة بهذا الجيش عند حدوث تلك الفتن أ لا تراه قال فويل لك يا بصرة عند ذلك و لم يكن قبل فتن شديدة على الصفات التي ذكرها 1أمير المؤمنين ع

____________

(1) ديوانه 1: 71.

(2) سورة المائدة 54.

(3) سورة الأحقاف 29.

105

*1102* 102 و من خطبة له ع‏

أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُنْظُرُوا إِلَى اَلدُّنْيَا نَظَرَ اَلزَّاهِدِينَ فِيهَا اَلصَّادِفِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا وَ اَللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ اَلثَّاوِيَ اَلسَّاكِنَ وَ تَفْجَعُ اَلْمُتْرَفَ اَلآْمِنَ لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ وَ لاَ يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرُ فَيُنْتَظَرَ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وَ جَلَدُ اَلرِّجَالِ فِيهَا إِلَى اَلضَّعْفِ وَ اَلْوَهْنِ فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ وَ اِعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ اَلدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ وَ كَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ اَلآْخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ وَ كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ (1) -. الصادفين عنها أي المعرضين و امرأة صدوف التي تعرض وجهها عليك ثم تصدف عنك (2) - .

و عما قليل عن قليل و ما زائدة .

و الثاوي المقيم ثوى يثوي ثواء و ثويا مثل مضى يمضي مضاء و مضيا و يجوز ثويت بالبصرة و ثويت البصرة و جاء أثويت بالمكان لغة في ثويت قال الأعشى

106

أثوى و قصر ليله ليزودا # فمضت و أخلف من قتيلة موعدا (1) - (1) .

و المترف الذي قد أترفته النعمة أي أطغته (2) - يقول ع لا يعود على الناس ما أدبر و تولى عنهم من أحوالهم الماضية كالشباب و القوة و لا يعلم حال المستقبل من صحة أو مرض أو حياة أو موت لينتظر و ينظر إلى هذا المعنى قول الشاعر

و أضيع العمر لا الماضي انتفعت به # و لا حصلت على علم من الباقي (3) -.

و مشوب مخلوط شبته أشوبه فهو مشوب و جاء مشيب في قول الشاعر

و ماء قدور في القصاع مشيب.

فبناه على شيب لم يسم فاعله و في المثل هو يشوب و يروب يضرب لمن يخلط في القول أو العمل (4) - .

و الجلد الصلابة و القوة و الوهن الضعف نفسه و إنما عطف للتأكيد كقوله تعالى‏ لِكُلٍّ جَعَلْنََا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهََاجاً (2) و قوله‏ لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا نَصَبٌ وَ لاََ يَمَسُّنََا فِيهََا لُغُوبٌ (5) - (3) .

ثم نهى عن الاغترار بكثرة العجب من الدنيا (6) - و علل حسن هذا النهي و قبح الاغترار بما نشاهده عيانا من قلة ما يصحب‏ مفارقيها منها و قال الشاعر

فما تزود مما كان يجمعه # إلا حنوطا غداة البين في خرق

و غير نفحة أعواد شببن له # و قل ذلك من زاد لمنطلق (7) -

ثم جعل التفكر علة الاعتبار و جعل الاعتبار علة الأبصار و هذا حق لأن الفكر يوجب الاتعاظ و الاتعاظ يوجب الكشف و المشاهدة بالبصيرة التي نورها الاتعاظ .

(8) -

____________

(1) ديوانه 150، و روايته: «و مضى» .

(2) سورة المائدة 48.

(3) سورة فاطر 35.

107

ثم ذكر أن ما هو كائن‏ و موجود من الدنيا سيصير عن قليل‏ أي بعد زمان قصير معدوما و الزمان القصير هاهنا انقضاء الأجل و حضور الموت (1) - .

ثم قال إن الذي هو كائن‏ و موجود من الآخرة سيصير عن قليل أي بعد زمان قصير أيضا كأنه لم يزل‏ و الزمان القصير هاهنا هو حضور القيامة و هي و إن كانت تأتي بعد زمان طويل إلا أن الميت لا يحس بطوله و لا فرق بين ألف ألف سنة عنده إذا عاد حيا و بين يوم واحد لأن الشعور بالبطء في الزمان مشروط بالعلم بالحركة و يدل على ذلك حال النائم (2) - ثم قال كل معدود منقض‏ و هذا تنبيه بطريق الاستدلال النظري على أن الدنيا زائلة و منصرفة و قد استدل المتكلمون بهذا على أن حركات الفلك يستحيل ألا يكون لها أول فقالوا لأنها داخلة تحت العدد و كل معدود يستحيل أن يكون غير متناه و الكلام في هذا مذكور في كتبناالعقلية (3) -.

ثم ذكر أن كل ما يتوقع لا بد أن يأتي # و كل ما سيأتي فهو قريب و كأنه قد أتى‏

و هذا مثل قول قس بن ساعدة الإيادي ما لي أرى الناس يذهبون ثم لا يرجعون أ رضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا أقسم قس قسما إن في السماء لخبرا و إن في الأرض لعبرا سقف مرفوع و مهاد موضوع و نجوم تمور و بحار لا تغور اسمعوا أيها الناس و عوا من عاش مات و من مات فات و كل ما هو آت آت وَ مِنْهَا اَلْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ اَلرِّجَالِ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اَللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ جَائِراً عَنْ قَصْدِ اَلسَّبِيلِ سَائِراً بِغَيْرِ

108

دَلِيلٍ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ اَلدُّنْيَا عَمِلَ وَ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ اَلآْخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَ كَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطٌ عَنْهُ (1) -. قوله ع‏ العالم من عرف قدره من الأمثال المشهورة عنه ع و قد قال الناس بعده في ذلك فأكثروا نحو قولهم إذا جهلت قدر نفسك فأنت لقدر غيرك أجهل و نحو قولهم من لم يعرف قدر نفسه فالناس أعذر منه إذا لم يعرفوه و نحو قول الشاعر أبي الطيب

و من جهلت نفسه قدره # رأى غيره منه ما لا يرى‏ (1) .

ثم عبر عن هذا المعنى بعبارة أخرى فصارت مثلا أيضا و هي قوله‏ كفى بالمرء جهلا ألا يعرف قدره و من الكلام

6- المروي عن 6أبي عبد الله الصادق ع مرفوعا ما هلك امرؤ عرف قدره رواه أبو العباس المبرد عنه في الكامل قال ثم قال 6أبو عبد الله ع و ما إخال رجلا يرفع نفسه فوق قدرها إلا من خلل في عقله.

و

4,5,3,1- روى صاحب الكامل أيضا عن 5أبي جعفر الباقر ع قال لما حضرت الوفاة 4علي بن الحسين ع أبي ضمني إلى صدره ثم قال يا بني أوصيك بما أوصاني به 3أبي يوم قتل و بما ذكر لي أن أباه 1عليا ع أوصاه به يا بني عليك ببذل نفسك فإنه لا يسر أباك بذل نفسه حمر النعم .

17- و كان يقال من عرف قدره استراح .

____________

(1) ديوانه 1: 44.

109

و

16- في الحديث المرفوع ما رفع امرؤ نفسه في الدنيا درجة إلا حطه الله تعالى في الآخرة درجات.

17- و كان يقال من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه (1) -.

ثم ذكر ع أن من أبغض البشر إلى الله عبدا وكله الله إلى نفسه‏ أي لم يمده بمعونته و ألطافه لعلمه أنه لا ينجع ذلك فيه و أنه لا ينجذب إلى الخير و الطاعة و لا يؤثر شي‏ء ما في تحريك دواعيه إليها فيكله الله حينئذ إلى نفسه (2) - .

و الجائر العادل عن السمت و لما كان هذا الشقي خابطا فيما يعتقده و يذهب إليه مستندا إلى الجهل و فساد النظر جعله كالسائر بغير دليل (3) - .

و الحرث‏ هاهنا كل ما يفعل ليثمر فائدة فحرث الدنيا كالتجارة و الزراعة و حرث الآخرة فعل الطاعات و اجتناب المقبحات و المعاصي و سمي حرثا على جهة المجاز تشبيها بحرث الأرض و هو من الألفاظ القرآنية .

و كسل الرجل بكسر السين يكسل أي يتثاقل عن الأمور فهو كسلان و قوم كسالى و كسالى بالفتح و الضم (4) - .

قال ع حتى كان ما عمله‏ من أمور الدنيا هو الواجب عليه لحرصه و جده فيه و كان ما ونى عنه‏ أي فتر فيه من أمور الآخرة ساقط عنه و غير واجب عليه لإهماله و تقصيره فيه ـ وَ مِنْهَا وَ ذَلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ كُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَةٍ إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَ إِنْ غَابَ‏

110

لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ اَلْهُدَى وَ أَعْلاَمُ اَلسُّرَى لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَ لاَ اَلْمَذَايِيعِ اَلْبُذُرِ أُولَئِكَ يَفْتَحُ اَللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَ يَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ اَلْإِسْلاَمُ كَمَا يُكْفَأُ اَلْإِنَاءُ بِمَا فِيهِ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَ لَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ وَ قَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ‏ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ وَ إِنْ كُنََّا لَمُبْتَلِينَ . (1) قال الرضي رحمه الله تعالى أما قوله ع كل مؤمن نومة فإنما أراد به الخامل الذكر القليل الشر و المساييح جمع مسياح و هو الذي يسيح بين الناس بالفساد و النمائم و المذاييع جمع مذياع و هو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها و نوه بها و البذر جمع بذور و هو الذي يكثر سفهه و يلغو منطقه (1) - شهد حضر (2) - و كفأت الإناء أي قلبته و كببته و قال ابن الأعرابي يجوز أكفأته أيضا (3) - و البذر جمع بذور مثل صبور و صبر و هو الذي يذيع الأسرار (4) - و ليس كما قال الرضي رحمه الله تعالى فقد يكون الإنسان بذورا و إن لم يكثر سفهه و لم يلغ منطقه بأن يكون علنة مذياعا من غير سفه و لا لغو (5) - و الضراء الشدة و مثلها البأساء و هما اسمان مؤنثان من غير تذكير و أجاز الفراء أن يجمع على آضر و أبؤس كما يجمع النعماء على أنعم .

____________

(1) سورة المؤمنين 30.

111

و اعلم أنه قد جاء في التواضع و هضم النفس شي‏ء كثير و من ذلك

16- الحديث المرفوع من تواضع لله رفعه الله و من تكبر على الله وضعه.

و

13- يقال إن الله تعالى قال لموسى إنما كلمتك لأن في أخلاقك خلقا أحبه الله و هو التواضع.

17- و رأى محمد بن واسع ابنه يمشي الخيلاء فناداه فقال ويلك أ تمشي هذه المشية و أبوك أبوك و أمك أمك أما أمك فأمة ابتعتها بمائتي درهم و أما أبوك فلا كثر الله في الناس مثله .

و مثل قوله ع كل مؤمن نومة إن شهد لم يعرف و إن غاب لم يفتقد

14- قول 14رسول الله ص رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبر قسمه.

17- و قال عمر لابنه عبد الله التمس الرفعة بالتواضع و الشرف بالدين و العفو من الله بالعفو عن الناس و إياك و الخيلاء فتضع من نفسك و لا تحقرن أحدا فإنك لا تدري لعل من تزدريه عيناك أقرب إلى الله وسيلة منك .

17- و قال الأحنف عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين من فرجين كيف يتكبر.

و قد جاء في كلام 14رسول الله ص ما يناسب كلام 1أمير المؤمنين ع هذا

14- إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا و إذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل غبراء مظلمة.

و أما إفشاء السر و إذاعته فقد ورد فيه أيضا ما يكثر و لو لم يرد فيه إلا قوله سبحانه‏ وَ لاََ تُطِعْ كُلَّ حَلاََّفٍ مَهِينٍ `هَمََّازٍ مَشََّاءٍ بِنَمِيمٍ (1) لكفى .

____________

(1) سورة القلم 10، 11.

112

و

14- في الحديث المرفوع من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله مثلها من نار جهنم .

قيل في تفسيره هو أن يسعى بأخيه و يجر نفعا بسعايته .

17- الجنيد ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت .

17- عبد الرحمن بن عوف من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها .

17- قال رجل لعمرو بن عبيد إن عليا الأسواري لم يزل منذ اليوم يذكرك بسوء و يقول الضال فقال عمرو يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حين نقلت إلينا حديثه و لا وفيتني حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه اعلم أن الموت يعمنا و البعث يحشرنا و القيامة تجمعنا و الله يحكم بيننا .

17- و كان يقال من نم إليك نم عليك .

17- و قالوا في السعاة يكفيك أن الصدق محمود إلا منهم و إن أصدقهم أخبثهم .

17- وشي واش برجل إلى الإسكندر فقال له أ تحب أن أقبل منك ما قلت فيه على أن أقبل منه ما قال فيك قال لا قال فكف عن الشر يكف عنك .

17- قال رجل لفيلسوف عابك فلان بكذا قال لقيتني لقحتك بما لم يلقني به لحيائه .

17- عاب مصعب بن الزبير الأحنف عن شي‏ء بلغه عنه فأنكره فقال أخبرني بذلك الثقة فقال كلا أيها الأمير إن الثقة لا ينم .

17- عرض بعض عمال الفضل بن سهل عليه رقعة ساع في طي كتاب كتبه إليه فوقع الفضل قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة و القبول إجازة و ليس من دل على قبيح كمن أجازه و عمل به فاطرد هذا الساعي عن عملك و أقصه عن بابك فإنه لو لم يكن في سعايته كاذبا لكان في صدقه لئيما إذ لم يرع الحرمة و لم يستر العورة و السلام .

113

17- صالح بن عبد القدوس

من يخبرك بشتم عن أخ # فهو الشاتم لا من شتمك

ذاك شي‏ء لم يواجهك به # إنما اللوم على من أعلمك

كيف لم ينصرك إن كان أخا # ذا حفاظ عند من قد ظلمك.

17- طريح بن إسماعيل الثقفي (1)

إن يعلموا الخير يخفوه و إن علموا # شرا أذاعوا و إن لم يعلموا كذبوا (1) -.

و معنى قوله ع و إن غاب لم يفتقد أي لا يقال ما صنع فلان و لا أين هو أي هو خامل لا يعرف (2) - .

و قوله‏ أولئك يفتح الله بهم أبواب الرحمة و يكشف بهم ضراء النقمة و روي أولئك يفتح الله بهم أبواب رحمته و يكشف بهم ضراء نقمته أي ببركاتهم يكون الخير و يندفع الشر .

ثم ذكر ع أنه سيأتي على الناس زمان‏ تنقلب فيه الأمور الدينية إلى أضدادها و نقائضها و قد شهدنا ذلك عيانا (3) - .

ثم أخبر ع أن الله لا يجور على العباد لأنه تعالى عادل‏ (2) و لا يظلم و لكنه يبتلي عباده أي يختبرهم ثم تلا قوله تعالى‏ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ وَ إِنْ كُنََّا لَمُبْتَلِينَ (3) و المراد أنه تعالى إذا فسد الناس لا يلجئهم إلى الصلاح لكن يتركهم و اختيارهم امتحانا لهم فمن أحسن أثيب و من أساء عوقب‏

____________

(1) ساقطة من ب.

(2) ب: «عال» .

(3) سورة «المؤمنون» 30.

114

*1103* 103 و من خطبة له ع‏

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى بَعَثَ 14مُحَمَّداً ص وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ اَلْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً وَ لاَ وَحْياً فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ وَ يُبَادِرُ بِهِمُ اَلسَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ يَحْسِرُ اَلْحَسِيرُ وَ يَقِفُ اَلْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ إِلاَّ هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ وَ اِسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا وَ اِسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا مَا ضَعُفْتُ وَ لاَ جَبُنْتُ وَ لاَ خُنْتُ وَ لاَ وَهَنْتُ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ اَلْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ اَلْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ. قال الرضي رحمه الله تعالى و قد تقدم مختار هذه الخطبة إلا أنني وجدتها في هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة و نقصان فأوجبت الحال إثباتها ثانية لقائل أن يقول أ لم يكن في العرب نبي قبل 14محمد و هو خالد بن‏ (1) سنان العبسي و أيضا فقد كان فيها هود و صالح و شعيب .

____________

(1) هو خالد بن سنان بن غيث العبسى، ذكره الرسول عليه السلام؛ و قال: «ذلك نبى أضاعه قومه» .

و انظر أخباره في مروج الذهب 1: 131 (طبع أوربا) .

115

و نجيب هذا القائل بأن مراده ع أنه لم يكن في زمان 14محمد ص و ما قاربه من ادعى النبوة فأما هود و صالح و شعيب فكانوا في دهر قديم جدا و أما خالد بن سنان فلم يقرأ كتابا و لا يدعي شريعة و إنما كانت نبوة مشابهة لنبوة جماعة من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يكن لهم كتب و لا شرائع و إنما ينهون عن الشرك و يأمرون‏ (1) بالتوحيد (1) - .

و منجاتهم نجاتهم نجوت من كذا نجاء ممدود و نجا مقصور و منجاة على مفعله و منه قولهم الصدق منجاة (2) - .

قوله ع‏ و يبادر بهم الساعة كأنه كان يخاف أن تسبقه القيامة فهو يبادرها بهدايتهم و إرشادهم قبل أن تقوم و هم على ضلالهم (3) - .

و الحسير المعيا حسر البعير بالفتح يحسر بالكسر حسورا و استحسر مثله و حسرته أنا يتعدى و لا يتعدى حسرا فهو حسير و يجوز أحسرته بالهمزة و الجمع حسرى مثل قتيل و قتلى و منه حسر البصر أي كل يحسر قال تعالى‏ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خََاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ (2) و هذا الكلام من باب الاستعارة و المجاز يقول ع كان 14النبي ص لحرصه على الإسلام و إشفاقه على المسلمين و رأفته بهم يلاحظ حال من تزلزل اعتقاده أو عرضت له شبهة أو حدث عنده ريب و لا يزال يوضح له و يرشده حتى يزيل ما خامر سره من وساوس الشيطان و يلحقه بالمخلصين من المؤمنين و لم يكن ليقصر في مراعاة أحد من المكلفين في هذا المعنى إلا من كان يعلم أنه لا خير فيه أصلا لعناده و إصراره على الباطل و مكابرته للحق (4) - .

و معنى قوله‏ حتى يلحقه غايته حتى يوصله إلى الغاية التي هي الغرض بالتكليف يعني اعتقاد الحق و سكون النفس إلى الإسلام و هو أيضا معنى قوله‏ و بوأهم محلتهم .

(5) -

____________

(1) ساقطة من ب.

(2) سورة الملك 4.

116

و معنى قوله‏ فاستدارت رحاهم انتظم أمرهم لأن الرحى إنما تدور إذا تكاملت أدواتها و آلاتها كلها و هو أيضا معنى قوله‏ و استقامت قناتهم و كل هذا من باب الاستعارة (1) - .

ثم أقسم أنه ع كان من ساقتها الساقة جمع سائق كقادة جمع قائد و حاكة جمع حائك و هذا الضمير المؤنث يرجع إلى غير مذكور لفظا و المراد الجاهلية كأنه جعلها مثل كتيبة مصادمة لكتيبة الإسلام و جعل نفسه من الحاملين عليها بسيفه حتى فرت و أدبرت و أتبعها يسوقها سوقا و هي مولية بين يديه .

حتى أدبرت بحذافيرها أي كلها عن آخرها (2) - .

ثم أتى بضمير آخر إلى غير مذكور لفظا و هو قوله‏ و استوسقت في قيادها يعني الملة الإسلامية أو الدعوة أو ما يجري هذا المجرى و استوسقت اجتمعت يقول لما ولت تلك الدعوة الجاهلية استوسقت هذه في قيادها كما تستوسق الإبل المقودة إلى أعطانها و يجوز أن يعود هذا الضمير الثاني إلى المذكور الأول و هو الجاهلية أي ولت بحذافيرها و اجتمعت كلها تحت ذل المقادة (3) - .

ثم أقسم أنه ما ضعف‏ يومئذ و لا وهن و لا جبن و لا خان و ليبقرن الباطل‏ الآن حتى يخرج الحق من خاصرته‏ كأنه جعل الباطل كالشي‏ء المشتمل على الحق غالبا عليه و محيطا به فإذا بقر ظهر الحق الكامن‏ (1) فيه و قد تقدم منا شرح ذلك‏

____________

(1) ب الكائن: «» .

غ

117

*1104* 104 و من خطبة له ع‏

حَتَّى بَعَثَ اَللَّهُ 14مُحَمَّداً ص شَهِيداً وَ بَشِيراً وَ نَذِيراً خَيْرَ اَلْبَرِيَّةِ طِفْلاً وَ أَنْجَبَهَا كَهْلاً وَ أَطْهَرَ اَلْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً وَ أَجْوَدَ اَلْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً فَمَا اِحْلَوْلَتْ لَكُمُ اَلدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا (1) وَ لاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلاَفِهَا إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا قَلِقاً وَضِينُهَا قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ اَلسِّدْرِ اَلْمَخْضُودِ وَ حَلاَلُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وَ صَادَفْتُمُوهَا وَ اَللَّهِ ظِلاًّ مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وَ أَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ وَ أَيْدِي اَلْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ وَ سُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ أَلاَ وَ إِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَ إِنَّ اَلثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَ هُوَ اَللَّهُ اَلَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَ لاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَ فِي دَارِ عَدُوِّكُمْ (1) -. معنى كون 14النبي ص شهيدا أنه يشهد على الأمة بما فعلته من طاعة و عصيان (2) - أنجبها أكرمها و رجل نجيب أي كريم بين النجابة و النجبة مثل الهمزة .

____________

(1) مخطوطة النهج: «لذاتها» .

118

و يقال هو نجبة القوم أي النجيب منهم و أنجب الرجل أي ولد ولدا نجيبا و امرأة منجبة و منجاب تلد النجباء و نسوة مناجيب (1) - .

و الشيمة الخلق و الديمة مطر يدوم (2) - و المستمطرون‏ المستجدون و المستماحون (3) - و احلولت حلت و قد عداه حميد بن ثور في قوله‏ (1)

فلما أتى عامان بعد انفصاله # عن الضرع و احلولى دماثا يرودها (2)

و لم يجئ افعوعل متعديا إلا هذا الحرف و حرف آخر و هو اعروريت الفرس و هو الرضاع‏ بفتح الراء رضع الصبي أمه بكسر الضاد يرضعها رضاعا مثل سمع يسمع سماعا و أهل نجد يقولون رضع بالفتح يرضع بالكسر مثل ضرب يضرب ضربا و قال الأصمعي أخبرني عيسى بن عمر أنه سمع العرب تنشد هذا البيت‏

و ذموا لنا الدنيا و هم يرضعونها # أفاويق حتى ما يدر لها ثعل‏ (3)

بكسر الضاد و الأخلاف‏ للناقة بمنزلة الأطباء للكلبة واحدها خلف بالكسر و هو حلمة الضرع (4) - و الخطام‏ زمام الناقة خطمت البعير زممته و ناقة مخطومة و نوق مخطمة (5) - .

و الوضين‏ للهودج بمنزلة البطان للقتب و التصدير للرحل و الحزام للسرج و هو سيور تنسج مضاعفة بعضها على بعض يشد بها الهودج منه إلى بطن البعير و الجمع وضن (6) - .

و المخضود الذي خضد شوكة أي قطع (7) - .

و شاغرة خالية شغر المكان أي خلا و بلدة (4) شاغرة إذا لم تمتنع من غارة أحد (8) - و الثائر طالب الثأر لا يبقى على شي‏ء حتى يدرك ثأره .

____________

(1) ديوانه 703.

(2) احلولى: استحلى و استمرأ، و الدماث: جمع دمث؛ و هو السهل اللين الكثير النبات من الأرض، و يرودها: يأتيها للرعى.

(3) اللسان 9: 484، و نسبه إلى ابن همام السلولى.

(4) ساقطة من ب.

119

يقول ع مخاطبا لمن في عصره من بقايا الصحابة و لغيرهم من التابعين الذين لم يدركوا عصر 14رسول الله ص إن الله بعث 14محمدا و هو أكرم الناس شيمة و أنداهم يدا و خيرهم طفلا و أنجبهم كهلا فصانه الله تعالى في أيام حياته عن أن يفتح عليه الدنيا و أكرمه عن ذلك فلم تفتح عليكم البلاد و لا درت عليكم الأموال و لا أقبلت الدنيا نحوكم و ما دالت الدولة لكم إلا بعده فتمكنتم من أكلها و التمتع بها كما يتمكن الحالب من احتلاب الناقة فيحلبها و حلت لذاتها لكم و استطبتم العيشة و وجدتموها حلوة خضرة .

ثم ذكر أنهم صادفوها يعني الدنيا و قد صعبت على من يليها ولاية حق كما تستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام ليس زمامها بممكن راكبها من نفسه قلقة الوضين لا يثبت هودجها تحت الراكب حرامها سهل التناول على من يريده كالسدر الذي خضد عنه شوكه فصار ناعما أملس و حلالها غير موجود لغلبة الحرام عليه و كونه صار مغمورا مستهلكا بالنسبة إليه و هذا إشارة إلى ما كان يقوله دائما من استبداد الخلفاء قبله دونه بالأمر و أنه كان الأولى و الأحق .

فإن قلت إذا كانت الدنيا قلقة الوضين جائلة الخطام فهي صعبة الركوب و هذا ضد قوله‏ حرامها بمنزلة السدر المخضود لأنه من الأمثال المضروبة للسهولة قلت فحوى كلامه أن الدنيا جمحت به ع فألقته عن ظهرها بعد أن كان راكبا لها أو كالراكب لها لاستحقاقه ركوبها و أنها صارت بعده كالناقة التي خلعت زمامها أو أجالته فلا يتمكن راكبها من قبضه و استرخى وضينها لشدة ما كان صدر عنها من النفار و التقحم حتى أذرت راكبها فصارت على حال لا يركبها إلا من هو موصوف بركوب غير طبيعي لأنه ركب ما لا ينبغي أن يركب فالذين ولوا أمرها ولوه‏

120

على غير الوجه كما أن راكب هذه الناقة يركبها على غير الوجه و لهذا لم يقل فصار حرامها بمنزلة السدر المخضود بل قال عند أقوام فخصص .

و هذا الكلام كله محمول عند أصحابنا على التألم من كون المتقدمين تركوا الأفضل كما قدمناه في أول الكتاب .

ثم ذكر ع أن الدنيا فانية و أنها ظل ممدود إلى أجل معدود ثم ذكر أن الأرض بهؤلاء السكان فيها صورة خالية من معنى كما قال الشاعر

ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم # الله يعلم أني لم أقل فندا (1)

إني لأفتح عيني ثم أغمضها # على كثير و لكن لا أرى أحدا.

ثم أعاد الشكوى و التألم فقال أيديكم في الدنيا مبسوطة و أيدي مستحقي الرئاسة و مستوجبي الأمر مكفوفة و سيوفكم مسلطة على أهل البيت الذين هم القادة و الرؤساء و سيوفهم مقبوضة عنكم و كأنه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل 3الحسين ع و أهله و كأنه يشاهد ذلك عيانا و يخطب عليه و يتكلم على الخاطر الذي سنح له و الأمر الذي كان أخبر به (1) - ثم قال‏ إن لكل دم ثائرا يطلب القود و الثائر بدمائنا ليس إلا الله وحده الذي لا يعجزه مطلوب و لا يفوته هارب (2) - .

و معنى قوله ع‏ كالحاكم في حق نفسه أنه تعالى لا يقصر في طلب دمائنا كالحاكم الذي يحكم لنفسه فيكون هو القاضي و هو الخصم فإنه إذا كان كذلك يكون مبالغا جدا في استيفاء حقوقه (3) - .

ثم أقسم و خاطب بني أمية و صرح بذكرهم أنهم ليعرفن الدنيا عن قليل في أيدي غيرهم و في دورهم و أن الملك سينتزعه منهم أعداؤهم و وقع الأمر بموجب إخباره ع

____________

(1) البيتان لدعبل، ديوانه 57، و هما أيضا في العقد لابن عبد ربّه 2: 295.

121

فإن الأمر بقي في أيدي بني أمية قريبا من تسعين سنة ثم عاد إلى البيت الهاشمي و انتقم الله تعالى منهم على أيدي أشد الناس عداوة لهم

هزيمة مروان بن محمد في‏ثم مقتله بعد ذلك‏

سار عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس في جمع عظيم للقاء مروان بن محمد بن مروان و هو آخر خلفاء الأمويين فالتقيا بالزاب (1) من أرض الموصل و مروان في جموع عظيمة و أعداد كثيرة فهزم مروان و استولى عبد الله بن علي على عسكره و قتل من أصحابه خلقا عظيما و فر مروان هاربا حتى أتى الشام و عبد الله يتبعه فصار إلى مصر فاتبعه عبد الله بجنوده فقتله ببوصير الأشمونين من صعيد مصر و قتل خواصه و بطانته كلها و قد كان عبد الله قتل من بني أمية على نهر أبي فطرس (2) من بلاد فلسطين قريبا من ثمانين رجلا قتلهم مثلة (3) و احتذى أخوه داود بن علي بالحجاز فعله فقتل منهم قريبا من هذه العدة بأنواع المثل .

و كان مع مروان حين قتل ابناه عبد الله و عبيد الله و كانا وليي عهده فهربا في خواصهما إلى أسوان من صعيد مصر ثم صارا إلى بلاد النوبة و نالهم جهد شديد و ضر عظيم فهلك عبد الله بن مروان في جماعة ممن كان معه قتلا و عطشا و ضرا و شاهد من بقي منهم أنواع الشدائد و ضروب المكاره و وقع عبيد الله في عدة ممن نجا معه في أرض البجه (4) و قطعوا البحر إلى ساحل جدة و تنقل فيمن نجا معه من أهله و مواليه في البلاد مستترين راضين أن يعيشوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا فظفر بعبد الله أيام السفاح فحبس

____________

(1) هو الزاب الأعلى، بين الموصل و إربل.

(2) فطرس، ضبطه صاحب مراصد الاطلاع بضم الفاء و سكون الطاء و ضم الراء و سين مهملة؛ و قال:

موضع قرب الرملة من أرض فلسطين.

(3) يقال: مثل فلان بالقتيل مثلة و مثلا، أي جدعه و ظهرت آثار فعله عليه.

(4) انظر تاريخ الطبريّ 3: 1428 (طبع أوربا) .

122

فلم يزل في السجن بقية أيام السفاح و أيام المنصور و أيام المهدي و أيام الهادي و بعض أيام الرشيد و أخرجه الرشيد و هو شيخ ضرير فسأله عن خبره فقال يا أمير المؤمنين حبست غلاما بصيرا و أخرجت شيخا ضريرا فقيل إنه هلك في أيام الرشيد و قيل عاش إلى أن أدرك خلافة الأمين .

شهدمع مروان في إحدى الروايتين إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع الذي خطب له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن الوليد بن عبد الملك فقتل فيمن قتل و في الرواية الثانية أن إبراهيم قتله مروان الحمار قبل ذلك .

لما انهزم مروان مضى نحو الموصل فمنعه أهلها من الدخول فأتى حران و كانت داره و مقامه و كان أهل حران حين أزيل لعن 1أمير المؤمنين عن المنابر في أيام الجمع امتنعوا من إزالته و قالوا لا صلاة إلا بلعن 1أبي تراب فاتبعه عبد الله بن علي بجنوده فلما شارفه خرج مروان عن حران هاربا بين يديه و عبر الفرات و نزل عبد الله بن علي على حران فهدم قصر مروان بها و كان قد أنفق على بنائه عشرة آلاف ألف درهم و احتوى على خزائن مروان و أمواله فسار مروان بأهله و عترته من بني أمية و خواصه حتى نزل بنهر أبي فطرس و سار عبد الله بن علي حتى نزل دمشق فحاصرها و عليها من قبل مروان الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان في خمسين ألف مقاتل فألقى الله تعالى بينهم العصبية في فضل نزار على اليمن و فضل اليمن على نزار فقتل الوليد و قيل بل قتل في حرب عبد الله بن علي و ملك عبد الله دمشق فأتى يزيد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان و عبد الجبار بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فحملهما مأسورين إلى أبي العباس السفاح فقتلهما و صلبهما بالحيرة و قتل عبد الله بن علي بدمشق خلقا كثيرا من أصحاب مروان و موالي بني أمية و أتباعهم و نزل عبد الله على نهر

123

أبي فطرس فقتل من بني أمية هناك بضعا و ثمانين رجلا و ذلك في ذي القعدة من سنة ثنتين و ثلاثين و مائة

شعر عبد الله بن عمرو العبلي في رثاء قومه‏

و في قتلى نهر أبي فطرس و قتلى الزاب يقول أبو عدي عبد الله بن عمر عمرو العبلي و كان أموي الرأي‏

تقول أمامة لما رأت # نشوزي عن المضجع الأملس‏ (1)

و قلة نومي على مضجعي # لدى هجعة الأعين النعس

أبي ما عراك فقلت الهموم # عرين أباك فلا تبلسي‏ (2)

عرين أباك فحبسنه # من الذل في شر ما محبس

لفقد الأحبة إذ نالها # سهام من الحدث المبئس‏ (3)

رمتها المنون بلا نكل # و لا طائشات و لا نكس

بأسهمها المتلفات النفوس # متى ما تصب مهجة تخلس

فصر عنهم بنواحي البلاد # فملقى بأرض و لم يرمس‏ (4)

نقى أصيب و أثوابه # من العيب و العار لم تدنس‏ (5)

و آخر قد رس في حفرة # و آخر طار فلم يحسس‏ (6)

أفاض المدامع قتلى كدى # و قتلى بكثوة لم ترمس‏ (7)

و قتلى بوج و باللابتين # من يثرب خير ما أنفس‏ (8)

____________

(1) الأغانى 4: 340 (طبعة الدار) ؛ و روايته: «المضجع الأنفس» .

(2) لا تبلسى: لا تحزنى.

(3) في الأصل «المبلس» و أثبت رواية الأغانى.

(4) الأغانى: «و لم يرسس» ، و الرس و الرمس: الدفن.

(5) الأغانى: «تقى» .

(6) الأغانى: «قد دس» .

(7) كدى: موضع بالطائف، و كثوة: موضع بعينه.

(8) و ج: اسم واد بالطائف.

124

و بالزابيين نفوس ثوت # و قتلى بنهر أبي فطرس (1)

أولئك قومي أناخت بهم # نوائب من زمن متعس

إذا ركبوا زينوا الموكبين # و إن جلسوا زينة المجلس‏ (2)

و إن عن ذكرهم لم ينم # أبوك و أوحش في المأنس

فذاك الذي غالني فاعلمي # و لا تسألي بامرئ متعس

هم أضرعوني لريب الزمان # و هم ألصقوا الخد بالمعطس‏

(3)

أنفة بن مسلمة بن عبد الملك

17- و روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني قال نظر عبد الله بن علي في الحرب إلى فتى عليه أبهة الشرف و هو يحارب مستقتلا (4) فناداه يا فتى لك الأمان و لو كنت مروان بن محمد قال إلا أكنه فلست بدونه فقال و لك الأمان و لو كنت من كنت فأطرق ثم أنشد

لذل الحياة و كره الممات‏ (5) # و كلا أراه طعاما وبيلا (6)

و إن لم يكن غير إحداهما # فسيرا إلى الموت سيرا جميلا.

ثم قاتل حتى قتل فإذا هو ابن مسلمة بن عبد الملك .

(7)

____________

(1) الزابيان: تثنية زاب، و هو الزاب الأعلى و الزاب الأسفل؛ و يريد به الأعلى؛ و به كانت الموقعة.

(2) الأغانى: «الزين في المجلس» .

(3) رواية الأغانى:

هم أضرعونى لريب الزما # ن و هم ألصقوا الرّغم بالمعطس.

(4) الأغانى: «مستنقلا» ؛ و هو الخارج من الصف المتقدم على أصحابه.

(5) الأغانى: «أذل الحياة» .

(6) إحدى روايتى الأغانى:

*و كلاّ أرى لك شرّا وبيلا*

(7) الأغانى 4: 343، 344 (طبعة الدار) .

125

مما قيل من الشعر في التحريض على قتل بني أمية

17- و روى أبو الفرج أيضا عن محمد بن خلف وكيع قال دخل سديف مولى آل‏ (1) أبي لهب على أبي العباس بالحيرة و أبو العباس جالس على سريره و بنو هاشم دونه على الكراسي و بنو أمية حوله على وسائد قد ثنيت لهم و كانوا في أيام دولتهم يجلسونهم و الخليفة (2) منهم على الأسرة و يجلس بنو هاشم على الكراسي فدخل الحاجب فقال يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازي أسود راكب على نجيب متلثم يستأذن و لا يخبر باسمه و يحلف لا يحسر اللثام عن وجهه حتى يرى أمير المؤمنين فقال هذا سديف مولانا أدخله فدخل فلما نظر إلى أبي العباس و بنو أمية حوله حسر اللثام عن وجهه ثم أنشد

أصبح الملك ثابت الأساس # بالبهاليل من بني العباس (3)

بالصدور المقدمين قديما # و البحور القماقم الرؤاس

يا إمام المطهرين من الذم # و يا رأس منتهى كل رأس

أنت مهدي هاشم و فتاها (4) # كم أناس رجوك بعد أناس‏ (5)

لا تقيلن عبد شمس عثارا # و اقطعن كل رقلة و غراس‏

____________

(1) الأغانى: «و هو مولى لآل أبى لهب» .

(2) الأغانى: «و الخلفاء» .

(3) قال في الكامل: الآساس: جمع أس؛ و تقديرها «فعل» (بضم العين و سكون اللام) ، و «إفعال» ؛ و قد يقال للواحد أساس، و جمعه أسس. و البهلول: الضحّاك. و قال المرصفى: الأجود تفسيره بالعزيز الجامع لكل خير.

(4) الأغانى: «و هداها» .

(5) الأغانى: «بعد إياس» .

126

أنزلوها بحيث أنزلها الله # بدار الهوان و الإنعاس

خوفها أظهر التودد منها # و بها منكم كحز المواسي‏ (1)

أقصهم أيها الخليفة و احسم # عنك بالسيف شأفة الأرجاس

و اذكرن مصرع 3الحسين و زيد # و قتيلا بجانب المهراس (2)

و القتيل الذي بحران أمسى # ثاويا بين غربة و تناس‏ (3)

فلقد ساءني و ساء سوائي # قربهم من نمارق و كراسي‏ (4)

نعم كلب الهراش مولاك شبل # لو نجا من حبائل الإفلاس.

قال فتغير لون أبي العباس و أخذه زمع‏ (5) و رعدة فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى آخر فيهم كان إلى جانبه فقال قتلنا و الله العبد فأقبل أبو العباس عليهم فقال يا بني الزواني‏ (6) لا أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا و أنتم أحياء تتلذذون في الدنيا خذوهم فأخذتهم الخراسانية بالكافر كوبات فأهمدوا إلا ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه استجار بداود بن علي و قال إن أبي لم يكن كآبائهم

____________

(1) رواية الأغانى:

خوفهم أظهر التودّد منهم # و بهم منكم كحزّ المواسى.

(2) ذكر المبرد في شرح هذا البيت قوله: «مصرع الحسين و زيد» ، يعنى زيد بن عليّ بن الحسين؛ كان خرج على هشام بن عبد الملك، و قتله يوسف بن عمر الثقفى؛ و صلبه بالكناسة هو و جماعة من أصحابه.. و إنّما نسب قتل حمزة إلى بنى أميّة؛ لأن أبا سفيان بن حرب كان قائد الناس يوم أحد» .

(3) القتيل الذي بحران هو إبراهيم بن محمّد بن على؛ و هو الذي يقال له الإمام، و في رواية الأغانى:

«و الإمام الذي» .

(4) سوائى سواى، و النمارق: واحدتها نمرقة؛ و هي الوسائد.

(5) الزمع: شدة الرعدة.

(6) الأغانى: «يا بنى الفواعل» .

127

و قد علمت صنيعته إليكم فأجاره و استوهبه من السفاح و قال له قد علمت صنيع أبيه إلينا فوهبه له و قال لا يريني وجهه و ليكن بحيث نأمنه و كتب إلى عماله في الآفاق بقتل بني أمية (1) .

17- فأما أبو العباس المبرد فإنه روى في الكامل (2) هذا الشعر على غير هذا الوجه و لم ينسبه إلى سديف بل إلى شبل مولى بني هاشم . قال أبو العباس دخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي و قد أجلس ثمانين من بني أمية على سمط الطعام فأنشده‏

أصبح الملك ثابت الأساس # بالبهاليل من بني العباس

طلبوا وتر هاشم و شفوها # بعد ميل من الزمان و يأس‏ (3)

لا تقيلن عبد شمس عثارا # و اقطعن كل رقلة و أواسي‏ (4)

ذلها أظهر التودد منها # و بها منكم كحز المواسي‏ (5)

و لقد غاظني و غاظ سوائي # قربها من نمارق و كراسي

أنزلوها بحيث أنزلها الله # بدار الهوان و الإنعاس

و اذكرا مصرع 3الحسين و زيد # و قتلا بجانب المهراس

و القتيل الذي بحران أضحى # ثاويا بين غربة و تناس

نعم شبل الهراش مولاك شبل # لو نجا من حبائل الإفلاس.

فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد و بسطت البسط عليهم و جلس عليها و دعا

____________

(1) الأغانى 4: 344-346.

(2) الكامل 8: 134، 135 بشرح المرصفى.

(3) قال أبو العباس: يقال: «فى فيك ميل علينا (بسكون الياء) ، و في الحائط ميل بفتحها» .

(4) قال أبو العباس: الأواسى: ياؤه مشددة في الأصل، و تخفيفها يجوز، و لو لم يجز في الكلام لجاز في الشعر» .

(5) مروج الذهب 3: 261 و ما بعدها، مع تصرف في الرواية.

128

بالطعام و إنه ليسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعا و قال لشبل لو لا أنك خلطت شعرك بالمسألة لأغنمتك أموالهم و لعقدت لك على جميع موالي بني هاشم . قال أبو العباس الرقلة النخلة الطويلة و الأواسي جمع آسية و هي أصل البناء كالأساس و قتيل المهراس حمزة ع و المهراس ماء بأحد و قتيل حران إبراهيم الإمام . قال أبو العباس فأما سديف فإنه لم يقم هذا المقام و إنما قام مقاما آخر دخل على أبي العباس السفاح و عنده سليمان بن هشام بن عبد الملك و قد أعطاه يده فقبلها و أدناه فأقبل على السفاح و قال له‏

لا يغرنك ما ترى من رجال # إن تحت الضلوع داء دويا

فضع السيف و ارفع السوط حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا.

فقال سليمان ما لي و لك أيها الشيخ قتلتني قتلك الله فقام أبو العباس فدخل و إذا المنديل قد ألقي في عنق سليمان ثم جر فقتل .

فأما سليمان بن يزيد بن عبد الملك بن مروان فقتل بالبلقاء و حمل رأسه إلى عبد الله بن علي .

أخبار متفرقة في انتقال الملك من بني أمية إلى بني العباس

17- و ذكر صاحب مروج الذهب أنه أرسل عبد الله أخاه صالح بن علي و معه عامر بن إسماعيل أحد الشيعة الخراسانية إلى مصر فلحقوا مروان ببوصير فقتلوه و قتلوا كل من كان معه من أهله و بطانته و هجموا على الكنيسة التي فيها بناته و نساؤه فوجدوا خادما بيده سيف مشهور يسابقهم على الدخول فأخذوه و سألوه عن أمره فقال إن‏

129

أمير المؤمنين أمرني إن هو قتل أن أقتل بناته و نساءه كلهن قبل أن تصلوا إليهن فأرادوا قتله فقال لا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني فقدتم ميراث 14رسول الله ص فقالوا و ما هو فأخرجهم من القرية إلى كثبان من الرمل فقال اكشفوا هاهنا فإذا البردة و القضيب و قعب‏ (1) مخضب قد دفنها مروان ضنا بها أن تصير إلى بني هاشم فوجه به عامر بن إسماعيل إلى صالح بن علي فوجه به صالح إلى أخيه عبد الله فوجه به عبد الله إلى أبي العباس و تداوله خلفاء بني العباس من بعد .

و أدخل بنات مروان و حرمه و نساؤه على صالح بن علي فتكلمت ابنة مروان الكبرى فقالت يا عم أمير المؤمنين حفظ الله لك من أمرك ما تحب حفظه و أسعدك في أحوالك كلها و عمك بخواص نعمه و شملك بالعافية في الدنيا و الآخرة نحن بناتك و بنات أخيك و ابن عمك فليسعنا من عدلكم ما وسعنا من جوركم قال إذا لا نستبقي منكم أحدا لأنكم قد قتلتم إبراهيم الإمام و زيد بن علي و يحيى بن زيد و مسلم بن عقيل و قتلتم خير أهل الأرض 3حسينا و إخوته و بنيه و أهل بيته و سقتم نساءه سبايا كما يساق ذراري الروم على الأقتاب إلى الشام فقال يا عم أمير المؤمنين فليسعنا عفوكم إذا قال أما هذا فنعم و إن أحببت زوجتك من ابني الفضل بن صالح قالت يا عم أمير المؤمنين و أي ساعة عرس ترى بل تلحقنا بحران فحملهن إلى حران (2) . كان عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة الفهري عامل إفريقية لمروان فلما حدثت الحادثة هرب عبد الله و العاص ابنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك إليه فاعتصما به فخاف

____________

(1) مروج الذهب: «و مخصر» .

(2) الخبر في مروج الذهب 3: 261-263 مع اختصار و تصرف، و في آخره: «فعلت أصواتهن عند دخولهن بالبكاء على مروان، و شققن جيوبهن، و أعولن بالصياح و النحيب؛ حتى ارتجّ العسكر بالبكاء منهن على مروان» .

130

على نفسه منهما و رأى ميل الناس إليهما فقتلهما و كان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك يريد أن يقصده و يلتجئ إليه فلما علم ما جرى لابني الوليد بن يزيد خاف منه فقطع المجاز بين إفريقية و الأندلس و ركب البحر حتى حصل بالأندلس فالأمراء الذين ولوها كانوا من ولده .

ثم زال أمرهم و دولتهم على أيدي بني هاشم أيضا و هم بنو حمود الحسنيون من ولد إدريس بن الحسن ع . لما قتل عامر بن إسماعيل مروان ببوصير و احتوى على عسكره دخل إلى الكنيسة التي كان فيها فقعد على فراشه و أكل من طعامه فقالت له ابنة مروان الكبرى و تعرف بأم مروان يا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه حتى أقعدك عليها تأكل من طعامه ليلة قتله محتويا على أمره حاكما في ملكه و حرمه و أهله لقادر أن يغير ذلك فأنهي هذا الكلام إلى أبي العباس السفاح فاستهجن ما فعله عامر بن إسماعيل و كتب إليه أ ما كان لك في أدب الله ما يزجرك أن تقعد في مثل تلك الساعة على مهاد مروان و تأكل من طعامه أما و الله لو لا أن أمير المؤمنين أنزل ما فعلته على غير اعتقاد منك لذلك‏ (1) و لا نهم‏ (2) على طعام لمسك من غضبه و أليم أدبه ما يكون لك زاجرا و لغيرك واعظا فإذا أتاك كتاب أمير المؤمنين فتقرب إلى الله بصدقة تطفئ بها غضبه و صلاة تظهر فيها الخشوع و الاستكانة له و صم ثلاثة أيام و تب إلى الله من جميع ما يسخطه و يغضبه و مر جميع أصحابك أن يصوموا مثل صيامك .

و لما أتي أبو العباس برأس مروان سجد فأطال ثم رفع رأسه و قال الحمد لله الذي

____________

(1) من مروج الذهب.

(2) في مروج الذهب: و لا شهوة.

131

لم يبق ثأرنا قبلك و قبل رهطك الحمد لله الذي أظفرنا بك و أظهرنا عليك ما أبالي متى طرقني الموت و قد قتلت 3بالحسين ع ألفا من بني أمية و أحرقت شلو هشام بابن عمي زيد بن علي كما أحرقوا شلوه و تمثل‏ (1)

لو يشربون دمي لم يرو شاربهم # و لا دماؤهم جمعا ترويني.

ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد ثانية ثم جلس فتمثل‏

أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت # قواطع في أيماننا تقطر الدما (2)

إذا خالطت هام الرجال تركتها # كبيض نعام في الثرى قد تحطما

ثم قال أما مروان فقتلناه بأخي إبراهيم و قتلنا سائر بني أمية 3بحسين و من قتل معه و بعده من بني عمنا أبي طالب (3) .

17- و روى المسعودي في كتاب مروج الذهب عن الهيثم بن عدي قال حدثني عمرو بن هانئ الطائي قال خرجت مع عبد الله بن علي لنبش قبور بني أمية في أيام أبي العباس السفاح فانتهينا إلى قبر هشام بن عبد الملك فاستخرجناه صحيحا ما فقدنا منه إلا عرنين أنفه فضربه عبد الله بن علي ثمانين سوطا ثم أحرقه و استخرجنا سليمان بن عبد الملك من أرض دابق فلم نجد منه شيئا إلا صلبه و رأسه و أضلاعه فأحرقناه و فعلنا مثل ذلك بغيرهما من بني أمية و كانت قبورهم بقنسرين ثم انتهينا إلى دمشق فاستخرجنا الوليد بن عبد الملك فما وجدنا في قبره قليلا و لا كثيرا و احتفرنا عن عبد الملك فما وجدنا إلا شئون‏ (4) رأسه ثم احتفرنا عن يزيد بن معاوية فلم نجد منه إلا عظما واحدا و وجدنا

____________

(1) في مروج الذهب: «فتمثل بقول العباس بن عبد المطلب من أبيات له....

(2) بعده في مروج الذهب:

تورّثن من أشياخ صدق تقرّبوا # بهنّ إلى يوم الوغى فتقدّما.

(3) مروج الذهب 3: 271-272.

(4) الشئون: موصل قبائل الرأس، مفرده شأن.

132

من موضع نحره إلى قدمه خطا واحدا أسود كأنما خط بالرماد في طول لحده و تتبعنا قبورهم في جميع البلدان فأحرقنا ما وجدنا فيها منهم .

قلت قرأت هذا الخبر على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي بن عبد الله في سنة خمس و ستمائة و قلت له أما إحراق هشام بإحراق زيد فمفهوم فما معنى جلده ثمانين سوطا فقال رحمه الله تعالى أظن عبد الله بن علي ذهب في ذلك إلى حد القذف لأنه يقال‏

14,5- إنه قال لزيد يا ابن الزانية لما سب أخاه 5محمدا الباقر ع فسبه زيد و قال له سماه 14رسول الله ص 5الباقر و تسميه أنت البقرة لشد ما اختلفتما و لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا فيرد الجنة و ترد النار .

و هذا استنباط لطيف .

ـقال مروان لكاتبه عبد الحميد بن يحيى حين أيقن بزوال ملكه قد احتجت إلى أن تصير مع عدوي و تظهر الغدر بي فإن إعجابهم ببلاغتك و حاجتهم إلى كتابتك تدعوهم إلى اصطناعك و تقريبك فإن استطعت أن تسعى لتنفعني في حياتي و إلا فلن تعجز عن حفظ حرمي بعد وفاتي فقال عبد الحميد إن الذي أشرت به هو أنفع الأمرين لي و أقبحهما بي و ما عندي إلا الصبر معك حتى يفتح الله لك أو أقتل بين يديك ثم أنشد

أسر وفاء ثم أظهر غدرة # فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره.

فثبت على حاله و لم يصر إلى بني هاشم حتى قتل مروان ثم قتل هو بعده صبرا (1) .

____________

(1) مروج الذهب 3: 263.

133

و قال إسماعيل بن عبد الله القسري دعاني مروان و قد انتهت به الهزيمة إلى حران فقال يا أبا هاشم و ما كان يكنيني قبلها قد ترى ما جاء من الأمر و أنت الموثوق به و لا عطر بعد عروس ما الرأي عندك فقلت يا أمير المؤمنين علام أجمعت قال ارتحل بموالي و من تبعني حتى آتي الدرب‏ (1) و أميل إلى بعض مدن الروم فأنزلها و أكاتب ملك الروم و أستوثق منه فقد فعل ذلك جماعة من ملوك الأعاجم و ليس هذا عارا على الملوك فلا يزال يأتيني من الأصحاب الخائف و الهارب و الطامع فيكثر من معي و لا أزال على ذلك حتى يكشف الله أمري و ينصرني على عدوي فلما رأيت ما أجمع عليه من ذلك و كان الرأي و رأيت آثاره في قومه من نزار و عصبيته على قومي من قحطان غششته فقلت أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأي أن تحكم أهل الشرك في بناتك و حرمك و هم الروم لا وفاء لهم و لا يدرى ما تأتي به الأيام و إن حدث عليك حدث من أرض النصرانية و لا يحدثن الله عليك إلا خيرا ضاع من بعدك و لكن اقطع الفرات و استنفر الشام جندا جندا فإنك في كنف و عدة و لك في كل جند صنائع و أصحاب إلى أن تأتي مصر فهي أكثر أرض الله مالا و خيلا و رجالا و الشام أمامك و إفريقية خلفك فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام و إن كانت الأخرى مضيت إلى إفريقية فقال صدقت و أستخير الله فقطع الفرات و الله ما قطعه معه من قيس إلا رجلان ابن حديد السلمي و كان أخاه من الرضاعة و الكوثر بن الأسود الغنوي و غدر به سائر النزارية مع تعصبه لهم فلما اجتاز ببلاد قنسرين و خناصرة أوقعوا بساقته و وثب به أهل حمص و صار إلى دمشق فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشي ثم العقيلي ثم أتى الأردن فوثب به هاشم بن عمرو التميمي ثم مر بفلسطين فوثب به أهلها و علم مروان أن إسماعيل بن عبد الله قد غشه في الرأي و لم يمحضه النصيحة و أنه فرط في مشورته إياه

____________

(1) يطلق الدرب على ما بين طرطوس و بلاد الروم.

134

إذ شاور رجلا من قحطان موتورا شانئا له و إن الرأي كان أول الذي هم به من قطع الدرب و النزول ببعض مدن الروم و مكاتبته ملكها و لله أمر هو بالغه‏ (1) .

لما نزل مروان بالزاب جرد من رجاله ممن اختاره من أهل الشام و الجزيرة و غيرها مائة ألف فارس على مائة ألف قارح ثم نظر إليهم و قال إنها لعدة و لا تنفع العدة إذا انقضت المدة (2) .

لما أشرف عبد الله بن علي في المسودة و في أوائلهم البنود السود تحملها الرجال على الجمال البخت‏ (3) و قد جعل لها بدلا من القنا خشب الصفصاف و الغرب‏ (4) قال مروان لمن قرب منه أ ما ترون رماحهم كأنها النخل غلظا أ ما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنها قطع الغمام السود فبينما هو ينظرها و يعجب إذ طارت قطعة عظيمة من الغربان السود فنزلت على أول عسكر عبد الله بن علي و اتصل سوادها بسواد تلك الرايات و البنود و مروان ينظر فازداد تعجبه و قال أ ما ترون إلى السواد قد اتصل بالسواد حتى صار الكل كالسحب السود المتكاثفة ثم أقبل على رجل إلى جنبه فقال أ لا تعرفني من صاحب جيشهم فقال عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب قال ويحك أ من ولد العباس هو قال نعم قال و الله لوددت أن 1علي بن أبي طالب ع مكانه في هذا الصف قال يا أمير المؤمنين أ تقول هذا 1لعلي مع شجاعته التي ملأ الدنيا ذكرها قال ويحك إن 1عليا مع شجاعته صاحب دين و إن الدين غير الملك و إنا نروي عن قديمنا أنه لا شي‏ء 1لعلي و لا لولده في هذا ثم قال من هو من ولد العباس

____________

(1) مروج الذهب 3: 264، 265.

(2) مروج الذهب 3: 265 مع اختصار و تصرف.

(3) البخت: الإبل الخراسانية.

(4) الغرب: شجرة حجازية ضخمة شاكة.

135

فإني لا أثبت شخصه قال هو الرجل الذي كان يخاصم بين يديك عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فقال أذكرني صورته و حليته قال هو الرجل الأقنى الحديد العضل المعروق الوجه الخفيف اللحية الفصيح اللسان الذي قلت لما سمعت كلامه يومئذ يرزق الله البيان من يشاء فقال و إنه لهو قال نعم فقال‏ إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ أ تعلم لم صيرت الأمر بعدي لولدي عبد الله و ابني محمد أكبر سنا منه قال لا قال إن آباءنا أخبرونا أن الأمر صائر بعدي إلى رجل اسمه عبد الله فوليته دونه .

ثم بعث مروان بعد أن حدث صاحبه بهذا الحديث إلى عبد الله بن علي سرا فقال يا ابن عم إن هذا الأمر صائر إليك فاتق الله و احفظني في حرمي فبعث إليه عبد الله أن الحق لنا في دمك و أن الحق علينا في حرمك‏ (1) .

قلت إن مروان ظن أن الخلافة تكون لعبد الله بن علي لأن اسمه عبد الله و لم يعلم أنها تكون لآخر اسمه عبد الله و هو أبو العباس السفاح . كان العلاء بن رافع سبط ذي الكلاع الحميري مؤنسا لسليمان بن هشام بن عبد الملك لا يكاد يفارقه و كان أمر المسودة بخراسان قد ظهر و دنوا من العراق و اشتد إرجاف الناس و نطق العدو بما أحب في بني أمية و أوليائهم .

قال العلاء فإني لمع سليمان و هو يشرب تجاه رصافة أبيه و ذلك في آخر أيام يزيد الناقص و عنده الحكم الوادي (2) و هو يغنيه بشعر العرجي (3)

إن الحبيب تروحت أجماله # أصلا فدمعك دائم إسباله‏ (4)

فاقن الحياء فقد بكيت بعولة # لو كان ينفع باكيا إعواله‏ (5)

____________

(1) مروج الذهب: 3: 274، 275.

(2) في الأصول: «الأودى، تصحيف، و صوابه في مروج الذهب.

(3) في الأصول: «البرحمى» تصحيف.

(4) ديوانه 69.

(5) اقن الحياء: احفظه.

136

يا حبذا تلك الحمول و حبذا # شخص هناك و حبذا أمثاله.

فأجاد ما شاء و شرب سليمان بن هشام بالرطل و شربنا معه حتى توسدنا أيدينا فلم أنتبه إلا بتحريك سليمان إياي فقمت مسرعا و قلت ما شأن الأمير فقال على رسلك رأيت كأني في مسجد دمشق و كأن رجلا على يده حجر و على رأسه تاج أرى بصيص ما فيه من الجوهر و هو رافع صوته بهذا الشعر

أ بني أمية قد دنا تشتيتكم # و ذهاب ملككم و ليس براجع

و ينال صفوته عدو ظالم # كأسا لكم بسمام موت ناقع.

فقلت أعيذ الأمير بالله وساوس الشيطان الرجيم هذا من أضغاث الأحلام و مما يقتضيه و يجلبه الفكر و سماع الأراجيف فقال الأمر كما قلت لك ثم وجم ساعة و قال يا حميري بعيد ما يأتي به الزمان قريب قال العلاء فو الله ما اجتمعنا على شراب بعد ذلك اليوم‏ (1) .

سئل بعض شيوخ بني أمية عقيب زوال الملك عنهم ما كان سبب زوال ملككم فقال جار عمالنا على رعيتنا فتمنوا الراحة منا و تحومل على أهل خراجنا فجلوا عنا و خربت ضياعنا فخلت بيوت أموالنا و وثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا و أمضوا أمورا دوننا أخفوا علمها عنا و تأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا و استدعاهم عدونا فظافروه على حربنا و طلبنا أعداءنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا و كان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا .

كان سعيد بن عمر بن جعدة بن هبيرة المخزومي أحد وزراء مروان و سماره فلما ظهر

____________

(1) مروج الذهب 3: 239، 240.

137

أمر أبي العباس السفاح انحاز إلى بني هاشم و مت إليهم بأم هانئ بنت أبي طالب و كانت تحت هبيرة بن أبي وهب فأتت منه بجعدة فصار من خواص السفاح و بطانته فجلس السفاح يوما و أمر بإحضار رأس مروان و هو بالحيرة يومئذ ثم قال للحاضرين أيكم يعرف هذا فقال سعيد أنا أعرفه هذا رأس أبي عبد الملك مروان بن محمد بن مروان خليفتنا بالأمس رحمه الله تعالى قال سعيد فحدقت إلي الشيعة و رمتني بأبصارها فقال لي أبو العباس في أي سنة كان مولده قلت سنة ست و سبعين فقام و قد تغير لونه غضبا علي و تفرق الناس من المجلس و تحدثوا به فقلت زلة و الله لا تستقال و لا ينساها القوم أبدا فأتيت منزلي فلم أزل باقي يومي أعهد و أوصي فلما كان الليل اغتسلت و تهيأت للصلاة و كان أبو العباس إذا هم بأمر بعث فيه ليلا فلم أزل ساهرا حتى أصبحت و ركبت بغلتي و أفكرت فيمن أقصد في أمري فلم أجد أحدا أولى من سليمان بن مجالد مولى بني زهرة و كانت له من أبي العباس منزلة عظيمة و كان من شيعة القوم فأتيته فقلت له أ ذكرني أمير المؤمنين البارحة قال نعم جرى ذكرك فقال هو ابن أختنا وفي لصاحبه و نحن لو أوليناه خيرا لكان لنا أشكر فشكرت لسليمان بن مجالد ما أخبرني به و جزيته خيرا و انصرفت فلم أزل من أبي العباس على ما كنت عليه لا أرى منه إلا خيرا .

و إنما ذلك المجلس إلى عبد الله بن علي و إلى أبي جعفر المنصور فأما عبد الله بن علي فكتب إلى أبي العباس يغريه بي و يعاتبه على الإمساك عني و يقول له إنه ليس مثل هذا مما يحتمل و كتب إليه أبو جعفر يعذر لي و ضرب الدهر ضربة فأتى ذات يوم عند أبي العباس فنهض و نهضت فقال لي على رسلك يا ابن هبيرة فجلست فرفع الستر و دخل و ثبت في مجلسه قليلا ثم خرج في ثوبي وشي و رداء و جبة فما رأيت و الله أحسن منه و لا مما عليه قط فقال لي يا ابن هبيرة إني ذاكر لك أمرا فلا

138

يخرجن من رأسك إلى أحد من الناس ـقلت نعم قال قد علمت ما جعلنا من هذا الأمر و ولاية العهد لمن قتل مروان و إنما قتله عمي عبد الله بجيشه و أصحابه و نفسه و تدبيره و أنا شديد الفكر في أمر أخي أبي جعفر في فضله و علمه و سنه و إيثاره لهذا الأمر كيف أخرجه عنه فقلت أصلح الله أمير المؤمنين إني أحدثك حديثا تعتبر به و تستغني بسماعه عن مشاورتي قال هاته فقلت كنا مع مسلمة بن عبد الملك بالقسطنطينية إذ ورد علينا كتاب عمر بن عبد العزيز ينعى سليمان و مصير الأمر إليه فدخلت إليه فرمى الكتاب إلي فقرأته و استرجعت و اندفع يبكي و أطال فقلت أصلح الله الأمير و أطال بقاءه إن البكاء على الأمر الفائت عجز و الموت منهل لا بد من ورده فقال ويحك إني لست أبكي على أخي لكني أبكي لخروج الأمر عن ولد أبي إلى ولد عمي فقال أبو العباس حسبك فقد فهمت عنك ثم قال إذا شئت فانهض فلما نهضت لم أمض بعيدا حتى قال لي يا ابن هبيرة فالتفت إليه فقال أما إنك قد كافأت أحدهما و أخذت بثأرك من الآخر قال سعيد فو الله ما أدري من أي الأمرين أعجب من فطنته أم من ذكره‏ (1) .

لما ساير عبد الله بن علي في آخر أيام بني أمية عبد الله بن حسن بن حسن و معهما داود بن علي فقال داود لعبد الله بن الحسن لم لا تأمر ابنيك بالظهور فقال عبد الله بن حسن لم يأن لهما بعد فالتفت إليه عبد الله بن علي فقال أظنك ترى أن ابنيك قاتلا مروان فقال عبد الله بن حسن إنه ذلك قال هيهات ثم تمثل

____________

(1) مروج الذهب 3: 272-274.

139

سيكفيك الجعالة مستميت # خفيف الحاذ من فتيان جرم

أنا و الله أقتل مروان و أسلبه ملكه لا أنت و لا ولداك‏ (1) .

17- و قد روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني رواية أخرى في سبب قتل السفاح لمن كان أمنه من بني أمية قال حدث الزبير بن بكار عن عمه أن السفاح أنشد يوما قصيدة مدح بها و عنده قوم من بني أمية كان آمنهم على أنفسهم فأقبل على بعضهم فقال أين هذا مما مدحتم به فقال هيهات لا يقول و الله أحد فيكم مثل قول ابن قيس الرقيات فينا

ما نقموا من بني أمية إلا # أنهم يحلمون إن غضبوا (2)

و أنهم معدن الملوك فما # تصلح إلا عليهم العرب .

فقال له يا ماص كذا من أمه و إن الخلافة لفي نفسك بعد خذوهم فأخذوا و قتلوا (3) .

و روى أبو الفرج أيضا أن أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا و أمر ببساط فبسط عليهم و جلس فوقه يأكل و هم يضطربون تحته فلما فرغ قال ما أعلم أني أكلت أكلة قط كانت أطيب و لا أهنأ في نفسي من هذه‏ (4) فلما فرغ من الأكل قال جروهم بأرجلهم و ألقوهم في الطريق ليلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحياء .

____________

(1) مروج الذهب 3: 274.

(2) ديوانه 4.

(3) الأغانى 4: 346 (طبعة الدار) .

(4) الأغانى: «منها» .

140

قال فلقد رأينا الكلاب تجرهم بأرجلهم و عليهم سراويلات الوشي حتى أنتنوا ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها (1) .

17- قال أبو الفرج و روى عمر بن شبة قال حدثني محمد بن معن الغفاري عن معبد الأنباري عن أبيه قال لما أقبل داود بن علي من مكة أقبل معه بنو حسن جميعا و فيهم عبد الله بن حسن بن حسن و أخوه حسن بن الحسن و معهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان و هو أخو عبد الله بن الحسن لأمه فعمل داود مجلسا ببعض الطريق جلس فيه هو و الهاشميون كلهم و جلس الأمويون تحتهم فجاء ابن هرمة فأنشده قصيدة يقول فيها

فلا عفا الله عن مروان مظلمة # و لا أمية بئس المجلس النادي

كانوا كعاد فأمسى الله أهلكهم # بمثل ما أهلك الغاوين من عاد

فلن يكذبني من هاشم أحد # فيما أقول و لو أكثرت تعدادي.

قال فنبذ داود نحو عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص ضحكة كالكشرة فلما قاموا قال عبد الله بن الحسن لأخيه الحسن بن الحسن أ ما رأيت ضحك‏ (2) داود إلى ابن عنبسة الحمد لله الذي صرفها عن أخي يعني العثماني قال فما هو إلا أن قدم المدينة حتى قتل ابن عنبسة (3) .

17- قال أبو الفرج و حدثني محمد بن معن قال حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو

____________

(1) الأغانى 4: 347 (طبعة الدار) .

(2) الأغانى: «ضحكته إلى ابن عنبسة» .

(3) الأغانى 4: 348 (طبعة الدار) .

141

بن عثمان قال استحلف أخي عبد الله بن الحسن داود بن علي و قد حج معه سنة اثنتين و ثلاثين و مائة بطلاق امرأته مليكة بنت داود بن الحسن ألا يقتل أخويه محمدا و القاسم ابني عبد الله بن عمرو بن عثمان قال فكنت أختلف إليه آمنا و هو يقتل بني أمية و كان يكره أن يراني أهل خراسان و لا يستطيع إلي سبيلا ليمينه فاستدناني يوما فدنوت منه فقال ما أكثر الغفلة و أقل الحزمة فأخبرت بها أخي عبد الله بن الحسن فقال يا ابن أم تغيب عن الرجل و أقل عنه فتغيب حتى مات‏ (1) . قلت إلا أن ذلك الدين الذي لم يقضه داود قضاه أبو جعفر المنصور . و روى أبو الفرج في الكتاب المذكور أن سديفا أنشد أبا العباس و عنده رجال من بني أمية فقال‏

يا ابن عم 14النبي أنت ضياء # استبنا بك اليقين الجليا

فلما بلغ قوله‏ (2)

جرد السيف و ارفع العفو حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا (3)

قطن البغض في القديم و أضحى‏ (4) # ثابتا في قلوبهم مطويا

و هي طويلة فقال أبو العباس يا سديف خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ ثم أنشد أبو العباس متمثلا

أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا # فلن تبيد و للآباء أبناء

____________

(1) الأغانى 4: 348 (طبعة الدار) .

(2) من الأغانى.

(3) ذكر بعده في الأغانى:

لا يغرّنك ما ترى من رجال # إنّ تحت الضلوع داء دويّا.

(4) في الأغانى: «بطن البغض» .

142

ثم أمر بمن عنده فقتلوا (1) .

17- و روى أبو الفرج أيضا عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه عن عمومته أنهم حضروا سليمان بن علي بالبصرة و قد حضر جماعة من بني أمية عنده عليهم الثياب الموشاة (2) المرتفعة قال أحد الرواة المذكورين فكأني أنظر إلى أحدهم و قد أسود شيب في عارضيه من الغالية (3) فأمر بهم فقتلوا و جروا بأرجلهم فألقوا على الطريق و إن عليهم لسراويلات الوشي و الكلاب تجرهم بأرجلهم‏ (4) .

17- و روى أبو الفرج أيضا عن طارق بن المبارك عن أبيه قال جاءني رسول عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان قال يقول لك عمرو (5) قد جاءت هذه الدولة و أنا حديث السن كثير العيال منتشر الأموال فما أكون في قبيلة إلا شهر أمري و عرفت و قد عزمت على أن أخرج من الاستتار و أفدي حرمي بنفسي و أنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن علي فصر إلي فوافيته فإذا عليه طيلسان أبيض مطبق و سراويل وشي مسدول فقلت يا سبحان الله ما تصنع الحداثة بأهلها أ بهذا اللباس تلقى هؤلاء القوم لما تريد لقاءهم فيه‏ (4) فقال لا و الله و لكن ليس عندي ثوب إلا أشهر مما ترى فأعطيته طيلساني و أخذت طيلسانه و لويت سراويله إلى ركبتيه فدخل إلي سليمان ثم خرج مسرورا فقلت له حدثني ما جرى بينك و بين الأمير قال دخلت عليه و لم يرني قط (6) فقلت أصلح الله الأمير لفظتني البلاد إليك و دلني فضلك

____________

(1) الأغانى 4: 348، 349 (طبعة الدار) .

(2) الأغانى: «الموشية» .

(3) الغالية: ضرب من الطيب.

(4) الأغانى 4: 349.

(5) من الأغانى.

(6) الأغانى: «و لم نتراء» .

143

عليك إما قتلتني غانما (1) و إما أمنتني سالما (2) فقال و من أنت حتى أعرفك فانتسبت له فقال مرحبا بك اقعد فتكلم سالما آمنا ثم أقبل علي فقال حاجتك يا ابن أخي فقلت إن الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهن معنا و أولى الناس بهن بعدنا قد خفن لخوفنا و من خاف خيف عليه فو الله ما أجابني إلا بدموعه على خديه ثم قال يا ابن أخي يحقن الله دمك و يحفظك في حرمك و يوفر عليك مالك فو الله لو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت فكن متواريا كظاهر و آمنا كخائف و لتأتني رقاعك قال فو الله لقد كنت أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه و عمه قال فلما فرغ من الحديث رددت عليه طيلسانه فقال مهلا فإن ثيابنا إذا فارقتنا لم ترجع إلينا (3) .

17- و روى أبو الفرج الأصفهاني قال أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن عمر بن شبة قال قال سديف لأبي العباس يحضه على بني أمية و يذكر من قتل مروان و بنو أمية من أهله‏

كيف بالعفو عنهم و قديما # قتلوكم و هتكوا الحرمات

أين زيد و أين يحيى بن زيد # يا لها من مصيبة و ترات

و الإمام الذي أصيب بحران # إمام الهدى و رأس الثقات

قتلوا آل أحمد لا عفا الذنب # لمروان غافر السيئات.

17- قال أبو الفرج و أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني محمد بن يزيد المبرد لرجل من شيعة بني العباس يحضهم على بني أمية

____________

(1) من الأغانى.

(2) من الأغانى، و روايته: «و إمّا رددتنى سالما» .

(3) الأغانى 4: 349، 350 (طبعة الدار) .

144

إياكم أن تلينوا لاعتذارهم # فليس ذلك إلا الخوف و الطمع

لو أنهم أمنوا أبدوا عداوتهم # لكنهم قمعوا بالذل فانقمعوا

أ ليس في ألف شهر قد مضت لهم # سقيتم جرعا من بعدها جرع

حتى إذا ما انقضت أيام مدتهم # متوا إليكم بالأرحام التي قطعوا

هيهات لا بد أن يسقوا بكأسهم # ريا و أن يحصدوا الزرع الذي زرعوا

إنا و إخواننا الأنصار شيعتكم # إذا تفرقت الأهواء و الشيع‏ (1) .

17- قال أبو الفرج و روى ابن المعتز في قصة سديف مثل ما ذكرناه من قبل إلا أنه قال فيها فلما أنشده ذلك التفت إليه أبو الغمر سليمان بن هشام فقال يا ماص بظر أمه أ تجبهنا بمثل هذا و نحن سروات الناس فغضب أبو العباس و كان سليمان بن هشام صديقه قديما و حديثا يقضي حوائجه في أيامهم و يبره فلم يلتفت إلى ذلك و صاح بالخراسانية خذوهم‏ (2) فقتلوهم جميعا إلا سليمان بن هشام فأقبل عليه أبو العباس فقال يا أبا الغمر ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا قال لا و الله قال فاقتلوه و كان إلى جنبه فقتل و صلبوا في بستانه حتى تأذى جلساؤه بريحهم فكلموه في ذلك فقال و الله إن ريحهم عندي لألذ و أطيب من ريح المسك و العنبر غيظا عليهم و حنقا (2) .

17- قال أبو الفرج و كان أبو سعيد مولى فائد من مواليهم يعد في موالي عثمان بن عفان و اسم أبي سعيد إبراهيم و هو من شعرائهم الذين رثوهم و بكوا على دولتهم و أيامهم فمن شعره بعد زوال أمرهم

____________

(1) بعده في الأغانى 4: 351:

إيّاكم أن يقول الناس إنهم # قد ملّكوا ثمّ ما ضرّوا و لا نفعوا.

(2) من الأغانى 4: 351 و انظر طبقات الشعراء لابن المعتز 39، 40.

غ

145

بكيت و ما ذا يرد البكاء # و قل البكاء لقتلى كداء

أصيبوا معا فتولوا معا # كذلك كانوا معا في رخاء

بكت لهم الأرض من بعدهم # و ناحت عليهم نجوم السماء

و كانوا ضياء فلما انقضى # الزمان بقومي تولى الضياء.

و من شعره فيهم‏

أثر الدهر في رجالي فقلوا # بعد جمع فراح عظمي مهيضا

ما تذكرتهم فتملك عيني # فيض دمع و حق لي أن تفيضا

و من شعره فيهم‏

أولئك قومي بعد عز و ثروة # تداعوا فإلا تذرف العين أكمد

كأنهم لأناس للموت غيرهم # و إن كان فيهم منصفا غير معتد (1) .

17- و قال أبو الفرج ركب المأمون بدمشق يتصيد حتى بلغ جبل الثلج فوقف في بعض الطريق على بركة عظيمة في جوانبها أربع سروات‏ (2) لم ير أحسن منها فنزل هناك و جعل ينظر إلى آثار بني أمية و يعجب منها و يذكرهم ثم دعا بطبق عليه طعام فأكل و أمر علوية فغنى‏

أولئك قومي بعد عز و منعة # تفانوا فإلا تذرف العين أكمد

و كان علوية من موالي بني أمية فغضب المأمون و قال يا ابن الفاعلة أ لم يكن لك وقت تبكي فيه على قومك إلا هذا الوقت قال كيف لا أبكي عليهم و مولاكم زرياب كان في أيام دولتهم يركب معهم في مائة غلام و أنا مولاهم معكم أموت جوعا فقام المأمون

____________

(1) الأغانى 4: 353 (طبعة الدار) .

(2) السرو: شجر حسن الهيئة قويم الساق، واحده سروة.

146

فركب و انصرف الناس و غضب على علوية عشرين يوما و كلم فيه فرضي عنه و وصله بعشرين ألف درهم‏ (1) .

لما ضرب عبد الله بن علي أعناق بني أمية قال له قائل من أصحابه هذا و الله جهد البلاء فقال عبد الله كلا ما هذا و شرطة (2) حجام إلا سواء إنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع‏ (3) .

خطب سليمان بن علي لما قتل بني أمية بالبصرة فقال‏ وَ لَقَدْ كَتَبْنََا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ اَلصََّالِحُونَ (4) قضاء فصل و قول مبرم فالحمد لله الذي صدق عبده و أنجز وعده و بُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ الذين اتخذوا الكعبة غرضا و الدين هزوا و الفي‏ء إرثا و اَلْقُرْآنَ عِضِينَ لقد حََاقَ بِهِمْ مََا كََانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ و كأين ترى لهم من‏ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ ذلك بما قدمت أيديهم‏ وَ مََا رَبُّكَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ أمهلهم حتى اضطهدوا العترة و نبذوا السنة وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ ثم أخذهم ف هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً .

ضرب الوليد بن عبد الملك علي بن عبد الله بن العباس بالسياط و شهره بين الناس يدار به على بعير و وجهه مما يلي ذنب البعير و صائح يصيح أمامه هذا علي بن عبد الله الكذاب فقال له قائل و هو على تلك الحال ما الذي نسبوك إليه من الكذب يا أبا محمد قال بلغهم قولي إن هذا الأمر سيكون في ولدي و الله ليكونن فيهم

____________

(1) الأغانى 14: 353، 354.

(2) الشرط: بزغ الحجام بالمشرط.

(3) الخبر في اللسان (9: 25) ، مع اختلاف في الرواية.

(4) سورة الأنبياء: 5.

147

حتى يملكه عبيدهم الصغار العيون العراض الوجوه الذين كأن وجوههم المجان المطرقة .

و روي أن علي بن عبد الله دخل على هشام و معه ابنا ابنه الخليفتان أبو العباس و أبو جعفر فكلمه فيما أراد ثم ولى فقال هشام إن هذا الشيخ قد خرف و أهتر يقول إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده فسمع علي بن عبد الله كلامه فالتفت إليه و قال إي و الله ليكونن ذلك و ليملكن هذان .

17- و قد روى أبو العباس المبرد في كتاب الكامل هذا الحديث فقال دخل علي بن عبد الله بن العباس على سليمان بن عبد الملك فيما رواه محمد بن شجاع البلخي و معه ابنا ابنه الخليفتان بعد أبو العباس و أبو جعفر فأوسع له على سريره و بره و سأله عن حاجته فقال ثلاثون ألف درهم علي دين فأمر بقضائها قال و استوص بابني هذين خيرا ففعل فشكره علي بن عبد الله و قال وصلتك رحم فلما ولى قال سليمان لأصحابه إن هذا الشيخ قد اختل و أسن و خلط و صار يقول إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده فسمع ذلك علي بن عبد الله فالتفت إليه و قال إي و الله ليكونن ذلك و ليملكن هذان‏ (1) .

قال أبو العباس المبرد و في هذه الرواية غلط لأن الخليفة في ذلك الوقت لم يكن سليمان و إنما ينبغي أن يكون دخل على هشام لأن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس كان يحاول التزويج في بني الحارث بن كعب و لم يكن سليمان بن عبد الملك يأذن له فلما قام عمر بن عبد العزيز جاء فقال إني أردت أن أتزوج ابنة خالي من بني الحارث

____________

(1) الكامل 2: 218 مع اختلاف في الرواية.

148

بن كعب فتأذن لي فقال عمر بن عبد العزيز تزوج يرحمك الله من أحببت فتزوجها فأولدها أبا العباس السفاح و عمر بن عبد العزيز بعد سليمان و أبو العباس ينبغي ألا يكون تهيأ لمثله أن يدخل على خليفة حتى يترعرع و لا يتم مثل هذا إلا في أيام هشام بن عبد الملك .

1- قال أبو العباس المبرد و قد جاءت الرواية أن 1أمير المؤمنين عليا ع لما ولد لعبد الله بن العباس مولود فقده وقت صلاة الظهر فقال ما بال ابن العباس لم يحضر قالوا ولد له ولد ذكر يا 1أمير المؤمنين قال فامضوا بنا إليه فأتاه فقال له شكرت الواهب و بورك لك في الموهوب ما سميته فقال يا 1أمير المؤمنين أ و يجوز لي أن أسميه حتى تسميه فقال أخرجه إلي فأخرجه فأخذه فحنكه و دعا له ثم رده إليه و قال خذ إليك أبا الأملاك قد سميته عليا و كنيته أبا الحسن قال فلما قدم معاوية خليفة قال لعبد الله بن العباس لا أجمع لك بين الاسم و الكنية قد كنيته أبا محمد فجرت عليه (1) .

قلت سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى فقلت له من أي طريق عرف بنو أمية أن الأمر سينتقل عنهم و أنه سيليه بنو هاشم و أول من يلي منهم يكون اسمه عبد الله و لم منعوهم عن مناكحة بني الحارث بن كعب لعلمهم أن أول من يلي الأمر من بني هاشم تكون أمه حارثية و بأي طريق عرف بنو هاشم أن الأمر سيصير إليهم و يملكه عبيد أولادهم حتى عرفوا صاحب الأمر بعينه كما قد جاء في هذا الخبر

____________

(1) الكامل 360 (طبع أوروبا) .

149

فقال أصل هذا كله محمد بن الحنفية ثم ابنه عبد الله المكنى أبا هاشم . قلت له أ فكان محمد بن الحنفية مخصوصا من 1أمير المؤمنين ع بعلم يستأثر به على أخويه 2حسن و 3حسين ع قال لا و لكنهما كتما و أذاع ثم قال‏

1,2,3,6- قد صحت الرواية عندنا عن أسلافنا و عن غيرهم من أرباب الحديث أن 1عليا ع لما قبض أتى محمد ابنه أخويه 2حسنا و 3حسينا ع فقال لهما أعطياني ميراثي من 1أبي فقالا له قد علمت أن 1أباك لم يترك صفراء و لا بيضاء فقال قد علمت ذلك و ليس ميراث المال أطلب إنما أطلب ميراث العلم .

قال أبو جعفر رحمه الله تعالى فروى أبان بن عثمان عمن يروي له ذلك عن 6جعفر بن محمد ع قال فدفعا إليه صحيفة لو أطلعاه على أكثر منها لهلك فيها ذكر دولة بني العباس .

1- قال أبو جعفر و قد روى أبو الحسن علي بن محمد النوفلي قال حدثني عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس قال لما أردنا الهرب من مروان بن محمد لما قبض على إبراهيم الإمام جعلنا نسخة الصحيفة التي دفعها أبو هاشم بن محمد بن الحنفية إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و هي التي كان آباؤنا يسمونها صحيفة الدولة في صندوق من نحاس صغير ثم دفناه تحت زيتونات بالشراة (1) لم يكن بالشراة من الزيتون غيرهن فلما أفضى السلطان إلينا و ملكنا الأمر أرسلنا إلى ذلك الموضع فبحث و حفر فلم يوجد فيه شي‏ء فأمرنا بحفر جريب من الأرض في ذلك الموضع حتى بلغ الحفر الماء و لم نجد شيئا .

قال أبو جعفر و قد كان محمد بن الحنفية صرح بالأمر لعبد الله بن العباس و عرفه تفصيله و لم يكن 1أمير المؤمنين ع قد فصل لعبد الله بن العباس الأمر و إنما أخبره به

____________

(1) الشراة: صقع بالشام بين المدينة و دمشق، و من بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة، كان يسكنها ولد عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس في أيّام بنى مروان. ياقوت.

150

مجملا كقوله في هذا الخبر خذ إليك أبا الأملاك و نحو ذلك مما كان يعرض له به و لكن الذي كشف القناع و أبرز المستور عليه هو محمد بن الحنفية . و كذلك أيضا ما وصل إلى بني أمية من علم هذا الأمر فإنه وصل من جهة محمد بن الحنفية و أطلعهم على السر الذي علمه و لكن لم يكشف لهم كشفه لبني العباس فإن كشفه الأمر لبني العباس كان أكمل .

قال أبو جعفر فأما أبو هاشم فإنه قد كان أفضى بالأمر إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس و أطلعه عليه و أوضحه له فلما حضرته الوفاة عقيب انصرافه من عند الوليد بن عبد الملك مر بالشراة و هو مريض و محمد بن علي بها فدفع إليه كتبه و جعله وصيه و أمر الشيعة بالاختلاف إليه .

قال أبو جعفر و حضر وفاة أبي هاشم ثلاثة نفر من بني هاشم محمد بن علي هذا و معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب و عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فلما مات خرج محمد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر من عنده و كل واحد منهما يدعي وصايته فأما عبد الله بن الحارث فلم يقل شيئا .

قال أبو جعفر رحمه الله تعالى و صدق محمد بن علي أنه إليه أوصى أبو هاشم و إليه دفع كتاب الدولة و كذب معاوية بن عبد الله بن جعفر لكنه قرأ الكتاب فوجد لهم فيه ذكرا يسيرا فادعى الوصية بذلك فمات و خرج ابنه عبد الله بن معاوية يدعي وصاية أبيه و يدعي لأبيه وصاية أبي هاشم و يظهر الإنكار على بني أمية و كان له في ذلك شيعة يقولون بإمامته سرا حتى قتل .

دخلت إحدى نساء بني أمية على سليمان بن علي و هو يقتل بني أمية بالبصرة

151

فقالت أيها الأمير إن العدل ليمل من الإكثار منه و الإسراف فيه فكيف لا تمل أنت من الجور و قطيعة الرحم فأطرق ثم قال لها

سننتم علينا القتل لا تنكرونه # فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر

ثم قال يا أمة الله‏

و أول راض سنة من يسيرها (1) .

أ لم تحاربوا 1عليا و تدفعوا حقه أ لم تسموا 2حسنا و تنقضوا شرطه أ لم تقتلوا 3حسينا و تسيروا رأسه أ لم تقتلوا زيدا و تصلبوا جسده أ لم تقتلوا يحيى و تمثلوا به أ لم تلعنوا 1عليا على منابركم أ لم تضربوا أبانا علي بن عبد الله بسياطكم أ لم تخنقوا الإمام بجراب النورة في حبسكم ثم قال أ لك حاجة قالت قبض عمالك أموالي فأمر برد أموالها عليها .

ـلما سار مروان إلى الزاب حفر خندقا فسار إليه أبو عون عبد الله بن يزيد الأزدي و كان قحطبة بن شبيب قد وجهه و أمد أبو سلمة الخلال بأمداد كثيرة فكان بإزاء مروان ثم إن أبا العباس السفاح قال لأهله و هو بالكوفة حينئذ من يسير إلى مروان من أهل بيتي و له ولاية العهد إن قتله فقال عبد الله عمه أنا قال سر على بركة الله فسار فقدم على أبي عون فتحول له أبو عون عن سرادقه و خلاه له بما فيه ثم سأل عبد الله عن مخاضة في الزاب فدل عليها فأمر قائدا من قواده فعبرها في خمسة آلاف فانتهى إلى عسكر مروان فقاتلهم حتى أمسوا و تحاجزوا و رجع القائد بأصحابه فعبر المخاضة إلى عسكر عبد الله بن علي و أصبح مروان فعقد جسرا و عبر بالجيش كله إلى

____________

(1) من بيت لأبى ذؤيب الهذلى؛ ديوان الهذليين 1: 156 و البيت بتمامه:

فلا تجز عن من سنّة أنت سرتها # و أوّل راض سنّة من يسيرها.

.

152

عبد الله بن علي فكان ابنه عبد الله بن مروان في مقدمته و على الميمنة الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان و على الميسرة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان و عبأ عبد الله بن علي جيشه و تراءى الجمعان فقال مروان لعبد العزيز بن عمر انظر فإن زالت الشمس اليوم و لم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم و إن قاتلونا قبل الزوال ف إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ثم أرسل إلى عبد الله بن علي يسأله الكف عن القتال نهار ذلك اليوم فقال عبد الله كذب ابن زربي إنما يريد المدافعة إلى الزوال لا و الله لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله ثم حرك أصحابه للقتال فنادى مروان في أهل الشام لا تبدءوهم بالحرب فلم يسمع الوليد بن معاوية منه و حمل على ميسرة عبد الله بن علي فغضب مروان و شتمه فلم يسمع له و اضطرمت الحرب فأمر عبد الله الرماة أن ينزلوا و نادى الأرض الأرض فنزل الناس و رمت الرماة و أشرعت الرماح و جثوا على الركب فاشتد القتال فقال مروان لقضاعة انزلوا قالوا حتى تنزل كندة فقال لكندة انزلوا فقالوا حتى تنزل السكاسك فقال لبني سليم انزلوا فقالوا حتى تنزل عامر فقال لتميم احملوا فقالوا حتى تحمل بنو أسد فقال لهوازن احملوا قالوا حتى تحمل غطفان فقال لصاحب شرطته احمل ويلك قال ما كنت لأجعل نفسي غرضا قال أما و الله لأسوأنك قال وددت أن أمير المؤمنين يقدر على ذلك فانهزم عسكر مروان و انهزم مروان معهم و قطع الجسر فكان من هلك غرقا أكثر ممن هلك تحت السيف و احتوى عبد الله بن علي على عسكر مروان بما فيه و كتب إلى أبي العباس يخبره الواقعة .

كان مروان سديد الرأي ميمون النقيبة حازما فلما ظهرت المسودة و لقيهم كان‏