شرح نهج البلاغة - ج7

- ابن ابي الحديد المزيد...
310 /
153

ما يدبر أمرا إلا كان فيه خلل و لقد وقف‏و أمر بالأموال فأخرجت و قال للناس اصبروا و قاتلوا و هذه الأموال لكم فجعل ناس يصيبون من ذلك المال و يشتغلون به عن الحرب فقال لابنه عبد الله سر في أصحابك فامنع من يتعرض لأخذ المال فمال عبد الله برايته و معه أصحابه فتنادي الناس الهزيمة الهزيمة فانهزموا و ركب أصحاب عبد الله بن علي أكتافهم .

لما قتل مروان ببوصير قال الحسن بن قحطبة أخرجوا إلي إحدى بنات مروان فأخرجوها إليه و هي ترعد قال لا بأس عليك قالت و أي بأس أعظم من إخراجك إياي حاسرة و لم أر رجلا قبلك قط فأجلسها و وضع رأس مروان في حجرها فصرخت و اضطربت فقيل له ما أردت بهذا قال فعلت بهم فعلهم بزيد بن علي لما قتلوه جعلوا رأسه في حجر زينب بنت علي بن الحسين ع . دخلت زوجة مروان بن محمد و هي عجوز كبيرة على الخيزران في خلافة المهدي و عندها زينب بنت سليمان بن علي فقالت لها زينب الحمد لله الذي أزال نعمتك و صيرك عبرة أ تذكرين يا عدوة الله حين أتاك نساؤنا يسألنك أن تكلمي صاحبك في أمر إبراهيم بن محمد فلقيتهن ذلك اللقاء و أخرجتهن ذلك الإخراج فضحكت و قالت أي بنت عمي و أي شي‏ء أعجبك من حسن صنيع الله بي عقيب ذلك حتى أردت أن تتأسى بي فيه ثم ولت خارجة .

بويع أبو العباس السفاح بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلون من شهر ربيع‏

154

الأول سنة اثنتين و ثلاثين و مائة فصعد المنبر بالكوفة فخطب فقال الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه و كرمه و شرفه و عظمه و اختاره لنا و أيده بنا و جعلنا أهله و كهفه و حصنه و القوام به و الذابين عنه و الناصرين له و خصنا برحم 14رسول الله ص و أنبتنا من شجرته و اشتقنا من نبعته و أنزل بذلك كتابا يتلى فقال سبحانه‏ قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ (1) فلما قبض 14رسول الله ص قام بالأمر أصحابه‏ وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ََ بَيْنَهُمْ (2) فعدلوا و خرجوا خماصا (3) ثم وثب بنو حرب و بنو مروان فابتزوها و تداولوها و استأثروا بها و ظلموا أهلها فأملى الله لهم حينا فلما آسفوه‏ (4) انتقم منهم بأيدينا و رد علينا حقنا فأنا السفاح المبيح و الثائر المبير (5) .

و كان موعوكا فاشتدت عليه الوعكة فجلس على المنبر و لم يستطع الكلام فقام عمه داود بن علي و كان بين يديه فقال يا أهل العراق إنا و الله ما خرجنا لنحفر نهرا و لا لنكنز لجينا و لا عقيانا و إنما أخرجتنا الأنفة من ابتزاز الظالمين حقنا و لقد كانت أموركم تتصل بنا فترمضنا و نحن على فرشنا لكم ذمة الله و ذمة 14رسوله و ذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل الله و نعمل فيكم بكتاب الله و نسير فيكم بسنة 14رسول الله ص و اعلموا أن هذا الأمر ليس بخارج عنا حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم .

____________

(1) سورة الشورى 23.

(2) سورة الشورى 38.

(3) خماصا: جياعا.

(4) آسفوه: أغضبوه.

(5) المبير: المهلك.

155

يا أهل الكوفة إنه لم يخطب على منبركم هذا خليفة حق إلا 1علي بن أبي طالب و أمير المؤمنين هذا فأحمد الله الذي رد إليكم أموركم ثم نزل .

و قد روي حديث خطبة داود بن علي برواية أخرى و هي الأشهر قالوا لما صعد أبو العباس منبر الكوفة حصر فلم يتكلم فقام داود بن علي و كان تحت منبره حتى قام بين يديه تحته بمرقاة فاستقبل الناس و قال أيها الناس-إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدم قوله فعله و لأثر الفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال و حسبكم كتاب الله تمثلا فيكم و ابن عم 14رسول الله ص خليفة عليكم أقسم بالله قسما برا ما قام هذا المقام أحد بعد 14رسول الله ص أحق به من 1علي بن أبي طالب و أمير المؤمنين هذا فليهمس هامسكم و لينطق ناطقكم ثم نزل .

و من خطب داود التي خطب بها بعد شكرا شكرا أ ظن عدو الله أن لن يظفر به أرخي له في زمامه حتى عثر في فضل خطامه فالآن عاد الحق إلى نصابه و طلعت الشمس من مطلعها و أخذ القوس باريها و صار الأمر إلى النزعة (1) و رجع الحق إلى مستقره أهل بيت 14نبيكم أهل الرأفة و الرحمة .

و خطب عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس لما قتل مروان فقال الحمد لله الذي لا يفوته من طلب و لا يعجزه من هرب خدعت و الله الأشقر نفسه إذ ظن أن الله ممهله‏ وَ يَأْبَى اَللََّهُ إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ فحتى متى و إلى متى

____________

(1) النزعة: جمع نازع؛ و هو الرامى يشد الوتر إليه ليضع فيه السهم؛ يريد: رجع الحق إلى أهله.

156

أما و الله لقد كرهتهم العيدان‏ (1) التي افترعوها و أمسكت السماء درها (2) و الأرض ريعها (3) و قحل‏ (4) الضرع و جفز (5) الفنيق و أسمل‏ (6) جلباب الدين و أبطلت الحدود و أهدرت الدماء و كان ربك بالمرصاد فَدَمْدَمَ‏ (7) عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوََّاهََا `وَ لاََ يَخََافُ عُقْبََاهََا و ملكنا الله أمركم عباد الله لينظر كيف تعملون فالشكر الشكر فإنه من دواعي المزيد أعاذنا الله و إياكم من مضلات الأهواء و بغتات الفتن فإنما نحن به و له .

لما أمعن داود بن علي في قتل بني أمية بالحجاز قال له عبد الله بن الحسن ع يا ابن عمي إذا أفرطت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك و ما يكفيك منهم أن يروك غاديا و رائحا فيما يسرك و يسوءهم كان داود بن علي يمثل ببني أمية يسمل العيون و يبقر البطون و يجدع الأنوف و يصطلم الآذان كان عبد الله بن علي بنهر أبي فطرس يصلبهم منكسين و يسقيهم النورة و الصبر و الرماد و الخل و يقطع الأيدي و الأرجل و كان سليمان بن علي بالبصرة يضرب الأعناق .

خطب السفاح في الجمعة الثانية بالكوفة فقال

____________

(1) العيدان، يريد أعواد المنابر، و افترعوها: اعتلوها.

(2) درها، أي مطرها.

(3) الريع: النماء.

(4) قحل: يبس جلده على لحمه.

(5) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذى لكرامته، و الجفز: السرعة في المشى.

(6) أسمل: خلق و بلى.

(7) دمدم عليهم، طحنهم فأهلكهم.

157

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و الله لا أعدكم شيئا و لا أتوعدكم إلا وفيت بالوعد و الوعيد و لأعملن اللين حتى لا تنفع إلا الشدة و لأغمدن السيف إلا في إقامة حد أو بلوغ حق و لأعطينكم حتى أرى العطية ضياعا إن أهل بيت اللعنة وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ كانوا لكم أعداء لا يرجعون معكم من حالة إلا إلى ما هو أشد منها و لا يلي عليكم منهم وال إلا تمنيتم من كان قبله و إن كان لا خير في جميعهم منعوكم الصلاة في أوقاتها و طالبوكم بأدائها في غير وقتها و أخذوا المدبر بالمقبل و الجار بالجار و سلطوا شراركم على خياركم فقد محق الله جورهم و أزهق باطلهم بأهل بيت 14نبيكم فما نؤخر لكم عطاء و لا نضيع لأحد منكم حقا و لا نجهزكم في بعث و لا نخاطر بكم في قتال و لا نبذلكم دون أنفسنا وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ مََا نَقُولُ وَكِيلٌ بالوفاء و الاجتهاد و عليكم بالسمع و الطاعة .

ثم نزل .

كان يقال لو ذهبت دولة بني أمية على يد غير مروان بن محمد لقيل لو كان لها مروان لما ذهبت .

كان يقال إن دولة بني أمية آخرها خليفة أمه أمة فلذلك كانوا لا يعهدون إلى بني الإماء منهم و لو عهدوا إلى ابن أمة لكان مسلمة بن عبد الملك أولاهم بها و كان انقراض أمرهم على يد مروان و أمه أمة كانت لمصعب بن الزبير وهبها من إبراهيم بن الأشتر فأصابها محمد بن مروان يوم قتل ابن الأشتر فأخذها من ثقله فقيل إنها كانت حاملا بمروان فولدته على فراش محمد بن مروان و لذلك كان أهل خراسان ينادونه في الحرب يا ابن الأشتر . ـقيل أيضا إنها كانت حاملا به من مصعب بن الزبير و إنه لم تطل مدتها عند

158

إبراهيم بن الأشتر حتى قتل فوضعت حملها على فراش محمد بن مروان و لذلك كانت المسودة تصيح به في الحرب يا ابن مصعب ثم يقولون يا ابن الأشتر فيقول ما أبالي أي الفحلين غلب علي لما بويع أبو العباس جاءه ابن عياش المنتوف فقبل يده و بايعه و قال الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزيرة و ابن أمة النخع ابن عم 14رسول الله ص و ابن عبد المطلب . لما صعد السفاح منبر الكوفة يوم بيعته و خطب الناس قام إليه السيد الحميري فأنشده‏

دونكموها يا بني هاشم # فجددوا من آيها الطامسا (1)

دونكموها لا علا كعب من # أمسى عليكم ملكها نافسا

دونكموها فالبسوا تاجها # لا تعدموا منكم له لابسا

خلافة الله و سلطانه # و عنصر كان لكم دارسا

قد ساسها من قبلكم ساسة # لم يتركوا رطبا و لا يابسا

لو خير المنبر فرسانه # ما اختار إلا منكم فارسا

و الملك لو شوور في سائس # لما ارتضى غيركم سائسا

لم يبق عبد الله بالشام من # آل أبي العاص امرأ عاطسا

فلست من أن تملكوها إلى # هبوط عيسى منكم آيسا.

قال داود بن علي لإسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص بعد قتله من قتل من بني

____________

(1) الأبيات في الأغانى 7: 240 (طبع الدار) مع اختلاف في الرواية.

159

أمية هل علمت ما فعلت بأصحابك قال نعم كانوا يدا فقطعتها و عضدا ففتت‏ (1) فيها و مرة (2) فنقضتها و جناحا فحصصتها (3) قال إني لخليق أن ألحقك فيهم قال إني إذا لسعيد .

لما استوثق الأمر لأبي العباس السفاح وفد إليه عشرة من أمراء الشام فحلفوا له بالله و بطلاق نسائهم و بأيمان البيعة بأنهم لا يعلمون إلى أن قتل مروان أن 14لرسول الله ص أهلا و لا قرابة إلا بني أمية .

17- و روى أبو الحسن المدائني قال حدثني رجل قال كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحدا يسمي أحدا أو يناديه يا علي أو يا حسن أو يا حسين و إنما أسمع معاوية و الوليد و يزيد حتى مررت برجل فاستسقيته ماء فجعل ينادي يا علي يا حسن يا حسين فقلت يا هذا إن أهل الشام لا يسمون بهذه الأسماء قال صدقت إنهم يسمون أبناءهم بأسماء الخلفاء فإذا لعن أحدهم ولده أو شتمه فقد لعن اسم بعد الخلفاء و أنا سميت أولادي بأسماء أعداء الله فإذا شتمت أحدهم أو لعنته فإنما ألعن أعداء الله .

كانت أم إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أموية من ولد عثمان بن عفان . قال إبراهيم فدخلت على جدي عيسى بن موسى مع أبي موسى فقال لي جدي أ تحب بني أمية فقال له موسى أبي نعم إنهم أخواله فقال و الله لو رأيت جدك

____________

(1) فت في عضده؛ أى كسر قوته و فرق عنه أعوانه.

(2) المرة في الأصل: طاقة الحبل.

(3) يقال: حص الجناح؛ أى قطعه.

160

علي بن عبد الله بن العباس يضرب بالسياط ما أحببتهم و لو رأيت إبراهيم بن محمد يكره على إدخال رأسه في جراب النورة (1) لما أحببتهم و سأحدثك حديثا إن شاء الله أن ينفعك به نفعك لما وجه سليمان بن عبد الملك ابنه أيوب بن سليمان إلى الطائف وجه معه جماعة فكنت أنا و عن محمد بن علي بن عبد الله جدي معهم و أنا حينئذ حديث السن و كان مع أيوب مؤدب له يؤدبه فدخلنا عليه يوما أنا و جدي و ذلك المؤدب يضربه فلما رآنا الغلام أقبل على مؤدبه فضربه فنظر بعضنا إلى بعض و قلنا ما له قاتله الله حين رآنا كره أن نشمت به ثم التفت أيوب إلينا فقال أ لا أخبركم يا بني هاشم بأعقلكم و أعقلنا أعقلنا من نشأ منا يبغضكم و أعقلكم من نشأ منكم يبغضنا و علامة ذلك أنكم لم تسموا بمروان و لا الوليد و لا عبد الملك و لم نسم نحن بعلي و لا بحسن و لا بحسين . لما انتهى عامر بن إسماعيل و كان صالح بن علي قد أنفذه لطلب مروان إلى بوصير مصر هرب مروان بين يديه في نفر يسير من أهله و أصحابه و لم يكن قد تخلف معه كثير عدد فانتهوا في غبش الصبح إلى قنطرة هناك على نهر عميق ليس للخيل عبور إلا على تلك القنطرة و عامر بن إسماعيل من ورائهم فصادف مروان على تلك القنطرة بغالا قد استقبلته تعبر القنطرة و عليها زقاق عسل فحبسته عن العبور حتى أدركه عامر بن إسماعيل و رهقه فلوى مروان دابته إليهم و حارب فقتل فلما بلغ صالح بن علي ذلك قال إن لله جنودا من عسل .

لما نقف رأس مروان و نفض مخه قطع لسانه و ألقى مع لحم عنقه فجاء كلب فأخذ اللسان فقال قائل‏

161

إن من عبر الدنيا أن رأينا لسان مروان في فم كلب .

خطب أبو مسلم بالمدينة في السنة التي حج فيها في خلافة السفاح فقال الحمد لله الذي حمد نفسه و اختار الإسلام دينا لعباده ثم أوحى إلى 14محمد رسول الله ص من ذلك ما أوحى و اختاره من خلقه نفسه من أنفسهم و بيته من بيوتهم ثم أنزل عليه في كتابه الناطق الذي حفظه بعلمه و أشهد ملائكته على حقه قوله‏ إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1) ثم جعل الحق بعد 14محمد ع في أهل بيته فصبر من صبر منهم بعد على اللأواء و الشدة و أغضى على الاستبداد و الأثرة ثم إن قوما من أهل بيت 14الرسول ص جاهدوا على ملة 14نبيه و سنته بعد عصر من الزمان من عمل بطاعة الشيطان و عداوة الرحمن بين ظهراني قوم آثروا العاجل على الآجل و الفاني على الباقي إن رتق جور فتقوه أو فتق حق رتقوه أهل خمور و ماخور و طنابير (2) و مزامير إن ذكروا لم يذكروا أو قدموا إلى الحق أدبروا و جعلوا الصدقات في الشبهات و المغانم في المحارم و الفي‏ء في الغي هكذا كان زمانهم و به كان يعمل سلطانهم و زعموا أن غير آل محمد أولى بالأمر منهم فلم و بم أيها الناس أ لكم الفضل بالصحابة دون ذوي القرابة الشركاء في النسب و الورثة في السلب‏ (3) مع ضربهم على الدين جاهلكم و إطعامهم في الجدب جائعكم و الله ما اخترتم من حيث اختار الله لنفسه ساعة قط و ما زلتم بعد نبيه تختارون تيميا مرة و عدويا مرة و أمويا مرة و أسديا مرة و سفيانيا مرة و مروانيا مرة

____________

(1) سورة الأحزاب 33.

(2) الماخور: بيت الريبة. و الطنابير: جمع طنبور، و هو آلة من آلات الطرب: ذو عنق طويل و ستة أوتار من نحاس.

(3) السلب: ما يسلب.

162

حتى جاءكم من لا تعرفون اسمه و لا بيته يضربكم بسيفه فأعطيتموها عنوة و أنتم صاغرون ألا إن آل محمد أئمة الهدى و منار سبيل التقى القادة الذادة السادة بنو عم 14رسول الله و منزل جبريل بالتنزيل كم قصم الله بهم‏ (1) من جبار طاغ و فاسق باغ شيد الله بهم الهدى و جلا بهم العمى لم يسمع بمثل العباس و كيف لا تخضع له الأمم لواجب حق الحرمة أبو 14رسول الله بعد أبيه و إحدى يديه و جلده بين عينيه أمينه‏و ناصره بمكة و رسوله إلى أهلها و حاميه‏عند ملتقى الفئتين لا يخالف له رسما و لا يعصي له حكما الشافع يوم نيق‏ (2) العقاب إلى 14رسول الله في الأحزاب ها إن في هذا أيها الناس‏ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ (3) .

قلت الأسدي عبد الله بن الزبير و من لا يعرفون اسمه و لا بيته يعني نفسه لأنه لم يكن معلوم النسب و قد اختلف فيه هل هو مولى أم عربي .

ويوم مبايعة الأنصار السبعين 14لرسول الله ص بمكة و يوم نيق العقاب يوم شفع العباس ذلك اليوم في أبي سفيان و في أهل مكة فعفا 14النبي ص عنهم .

اجتمع عند المنصور أيام خلافته جماعة من ولد أبيه منهم عيسى بن موسى و العباس بن محمد و غيرهما فتذاكروا خلفاء بني أمية و السبب الذي به سلبوا عزهم فقال المنصور كان عبد الملك جبارا لا يبالي ما صنع و كان الوليد لحانا مجنونا و كان سليمان همته بطنه و فرجه و كان عمر أعور بين عميان و كان هشام رجل القوم و لم يزل بنو أمية ضابطين لما مهد لهم من السلطان يحوطونه و يصونونه و يحفظونه و يحرسون ما وهب الله لهم منه مع تسنمهم معالي الأمور و رفضهم أدانيها حتى أفضى أمرهم إلى أحداث مترفين من أبنائهم فغمطوا النعمة و لم يشكروا العافية و أساءوا الرعاية فابتدأت النقمة منهم

____________

(1) ساقطة من ب.

(2) نيق العقاب: موضع بين مكّة و المدينة قرب الجحفة.

(3) د: الألباب.

163

باستدراج الله إياهم آمنين مكره مطرحين صيانة الخلافة مستخفين بحق الرئاسة ضعيفين عن رسوم السياسة فسلبهم الله العزة و ألبسهم الذلة و أزال عنهم النعمة .

سأل المنصور ليلة عن عبد الله بن مروان بن محمد فقال له الربيع إنه في سجن أمير المؤمنين حيا فقال المنصور قد كان بلغني كلام خاطبه به ملك النوبة لما قدم دياره و أنا أحب أن أسمعه من فيه فليؤمر بإحضاره فأحضر فلما دخل خاطب المنصور بالخلافة فأمره المنصور بالجلوس فجلس و للقيد في رجليه خشخشة قال أحب أن تسمعني كلاما قاله لك ملك النوبة حيث غشيت بلاده قال نعم قدمت إلى بلد النوبة فأقمت أياما فاتصل خبرنا بالملك فأرسل إلينا فرشا و بسطا و طعاما كثيرا و أفرد لنا منازل واسعة ثم جاءني و معه خمسون من أصحابه بأيديهم الحراب فقمت إليه فاستقبلته و تنحيت له عن صدر المجلس فلم يجلس فيه و قعد على الأرض فقلت له ما منعك من القعود على الفرش قال إني ملك و حق الملك أن يتواضع لله و لعظمته إذا رأى نعمه متجددة عنده و لما رأيت تجدد نعمة الله عندي بقصدكم بلادي و استجارتكم بي بعد عزكم و ملككم قابلت هذه النعمة بما ترى من الخضوع و التواضع ثم سكت و سكت فلبثنا ما شاء الله لا يتكلم و لا أتكلم و أصحابه قيام بالحراب على رأسه ثم قال لي لما ذا شربتم الخمر و هي محرمة عليكم في كتابكم فقلت اجترأ على ذلك عبيدنا بجهلهم قال فلم وطئتم الزروع بدوابكم و الفساد محرم عليكم في كتابكم و دينكم‏ (1) قلت فعل ذلك أتباعنا و عمالنا جهلا منهم قال فلم لبستم الحرير و الديباج و الذهب و هو محرم عليكم في كتابكم و دينكم قلت استعنا في أعمالنا بقوم من

____________

(1) ساقطة من ب .

غ

164

أبناء العجم كتاب دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك اتباعا لسنة سلفهم على كره منا فأطرق مليا إلى الأرض يقلب يده و ينكت الأرض ثم قال عبيدنا و أتباعنا و عمالنا و كتابنا ما الأمر كما ذكرت و لكنكم قوم استحللتم ما حرم الله عليكم و ركبتم ما عنه نهيتم و ظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العز و ألبسكم الذل و إن له سبحانه فيكم لنقمة لم تبلغ غايتها بعد و أنا خائف أن يحل بكم العذاب و أنتم بأرضي فينالني معكم و الضيافة ثلاث فاطلبوا ما احتجتم إليه و ارتحلوا عن أرضي .

فأخذنا منه ما تزودنا به و ارتحلنا عن بلده فعجب المنصور لذلك و أمر بإعادته إلى الحبس .

و قد جاءنا في بعض الروايات أن السفاح لما أراد أن يقتل القوم الذين انضموا إليه من بني أمية جلس يوما على سرير بهاشمية الكوفة (1) و جاء بنو أمية و غيرهم من بني هاشم و القواد و الكتاب فأجلسهم في دار تتصل بداره و بينه و بينهم ستر مسدول ثم أخرج إليهم أبا الجهم بن عطية و بيده كتاب ملصق فنادى بحيث يسمعون أين رسول 3الحسين بن علي بن أبي طالب ع فلم يتكلم أحد فدخل ثم خرج ثانية فنادى أين رسول زيد بن علي بن الحسين فلم يجبه أحد فدخل ثم خرج ثالثة فنادى أين رسول يحيى بن زيد بن علي فلم يرد أحد عليه فدخل ثم خرج رابعة فنادى أين رسول إبراهيم بن محمد الإمام و القوم ينظر بعضهم إلى بعض و قد أيقنوا بالشر ثم دخل و خرج فقال لهم إن أمير المؤمنين يقول لكم هؤلاء أهلي و لحمي فما ذا صنعتم بهم ردوهم إلي أو فأقيدوني من أنفسكم فلم ينطقوا بحرف و خرجت الخراسانية بالأعمدة فشدخوهم عن آخرهم .

____________

(1) هاشمية الكوفة، مدينة بناها السفاح.

165

قلت و هذا المعنى مأخوذ من قول الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب لما قتل زيد بن علي ع في سنة اثنتين و عشرين و مائة في خلافة هشام بن عبد الملك و ذلك أن هشاما كتب إلى عامله بالبصرة و هو القاسم بن محمد الثقفي أن يشخص كل من بالعراق من بني هاشم إلى المدينة خوفا من خروجهم و كتب إلى عامل المدينة أن يحبس قوما منهم و أن يعرضهم في كل أسبوع مرة و يقيم لهم الكفلاء على ألا يخرجوا منها فقال الفضل بن عبد الرحمن من قصيدة له طويلة

كلما حدثوا بأرض نقيقا # ضمنونا السجون أو سيرونا

أشخصونا إلى المدينة أسرى # لا كفاهم ربي الذي يحذرونا

خلفوا 14أحمد المطهر فينا # بالذي لا يحب و استضعفونا

قتلونا بغير ذنب إليهم # قاتل الله أمة قتلونا

ما رعوا حقنا و لا حفظوا فينا # وصاة الإله بالأقربينا

جعلونا أدنى عدو إليهم # فهم في دمائنا يسبحونا

أنكروا حقنا و جاروا علينا # و على غير إحنة أبغضونا

غير أن 14النبي منا و أنا # لم نزل في صلاتهم راغبينا

إن دعونا إلى الهدى لم يجيبونا # و كانوا عن الهدى ناكبينا

أو أمرنا بالعرف لم يسمعوا منا # و ردوا نصيحة الناصحينا

و لقدما ما رد نصح ذوي الرأي # فلم يتبعهم الجاهلونا

فعسى الله أن يديل أناسا # من أناس فيصبحوا ظاهرينا

فتقر العيون من قوم سوء # قد أخافوا و قتلوا المؤمنينا

166

ليت شعري هل توجفن بي الخيل # عليها الكمأة مستلئمينا (1)

من بني هاشم و من كل حي # ينصرون الإسلام مستنصرينا

في أناس آباؤهم نصروا الدين # و كانوا لربهم ناصرينا

تحكم المرهفات في الهام منهم # بأكف المعاشر الثائرينا (2)

أين قتلى منا بغيتم عليهم # ثم قتلتموهم ظالمينا

ارجعوا هاشما و ردوا أبا اليقظان # و ابن البديل في آخرينا

و ارجعوا ذا الشهادتين و قتلى # أنتم في قتالهم فاجرونا

ثم ردوا حجرا و أصحاب حجر # يوم أنتم في قتلهم معتدونا

ثم ردوا أبا عمير و ردوا # لي رشيدا و ميثما و الذينا

قتلوا بالطفوف # من بني هاشم و ردوا 3حسينا

أين عمرو و أين بشر و قتلى # معهم بالعراء ما يدفنونا

ارجعوا عامرا و ردوا زهيرا # ثم عثمان فارجعوا عازمينا

و ارجعوا الحر و ابن قين و قوما # قتلوا حين جاوزوا

و ارجعوا هانئا و ردوا إلينا # مسلما و الرواع في آخرينا

ثم ردوا زيدا إلينا و ردوا # كل من قد قتلتم أجمعينا

لن تردوهم إلينا و لسنا # منكم غير ذلكم قابلينا

____________

(1) الكماة: الشجعان: و المستلئم: لابس اللأمة، و هي الدرع في الحرب.

(2) المرهفات: السيوف. و الهام. الرءوس.

167

أَلاَ إِنَّ أَبْصَرَ اَلْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي اَلْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ اَلْأَسْمَاعِ مَا وَعَى اَلتَّذْكِيرَ وَ قَبِلَهُ أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ وَ اِمْتَاحُوا مِنْ صَفِيِّ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ اَلْكَدَرِ عِبَادَ اَللَّهِ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ وَ لاَ تَنْقَادُوا إِلَى أَهْوَائِكُمْ لِأَهْوَائِكُمْ فَإِنَّ اَلنَّازِلَ بِهَذَا اَلْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِ شَفََا جُرُفٍ هََارٍ يَنْقُلُ اَلرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ وَ يُقَرِّبَ مَا لاَ يَتَقَارَبُ فَاللَّهَ اَللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لاَ يُشْكِي شَجْوَكُمْ وَ لاَ يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى اَلْإِمَامِ إِلاَّ مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ اَلْإِبْلاَغُ فِي اَلْمَوْعِظَةِ وَ اَلاِجْتِهَادُ فِي اَلنَّصِيحَةِ وَ اَلْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ وَ إِقَامَةُ اَلْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَ إِصْدَارُ اَلسُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا فَبَادِرُوا اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ اَلْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ وَ اِنْهَوْا عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ اَلتَّنَاهِي (1) -. هار الجرف يهور هورا و هئورا فهو هائر و قالوا هار خفضوه في موضع الرفع كقاض و أرادوا هائر و هو مقلوب من الثلاثي إلى الرباعي كما قلبوا شائك السلاح إلى شاكي السلاح و هورته فتهور و انهار أي انهدم (2) - .

168

و أشكيت زيدا أزلت شكايته و الشجو الهم و الحزن (1) - .

و صوح النبت‏ أي جف أعلاه قال‏

و لكن البلاد إذا اقشعرت # و صوح نبتها رعي الهشيم‏ (1) .

يقول ع أشد العيون إدراكا ما نفذ طرفها في الخير و أشد الأسماع إدراكا ما حفظ الموعظة و قبلها (2) - .

ثم أمر الناس أن يستصبحوا أي يسرجوا مصابيحهم من شعلة سراج متعظ في نفسه واعظ لغيره و روي بالإضافة من شعلة مصباح واعظ بإضافة مصباح إلى واعظ و إنما جعله متعظا واعظا لأن من لم يتعظ في نفسه فبعيد أن يتعظ به غيره و ذلك لأن القبول لا يحصل منه و الأنفس تكون نافرة عنه و يكون داخلا في حيز قوله تعالى‏ أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (2) و في قول الشاعر

لا تنه عن خلق و تأتي مثله‏ (3) .

و عني بهذا المصباح نفسه ع (3) - .

ثم أمرهم أن يمتاحوا من عين صافية قد انتفى عنها الكدر كما يروق الشراب بالراووق فيزول عنه كدرة و الامتياح‏ نزول البئر و مل‏ء الدلاء منها و يكني بهذا أيضا عن نفسه ع .

(4) -

____________

(1) لأبى على البصير، و قبله:

لعمر أبيك ما نسب المعلّى # إلى كرم و في الدّنيا كريم‏

أمالي القالى 2: 287.

(2) سورة البقرة 44.

(3) لأبى الأسود الدؤلي، و بقيته:

*عار عليك إذا فعلت عظيم*

و البيت من شواهد المغني، و انظر شرح شواهد المغني للسيوطي 264.

169

ثم نهاهم عن الانقياد لأهوائهم و الميل إلى جهالتهم و قال إن من يكون كذلك فإنه على جانب جرف‏ متهدم و لفظة هار من الألفاظ القرآنية (1) - (1) .

ثم قال و من يكون كذلك فهو أيضا ينقل الهلاك على ظهره من موضع إلى موضع‏ ليحدث رأيا فاسدا بعد رأي فاسد أي هو ساع في ضلال يروم أن يحتج لما لا سبيل إلى إثباته و ينصر مذهبا لا انتصار له (2) - .

ثم نهاهم و حذرهم أن يشكوا إلى من لا يزيل شكايتهم و من لا رأي له في الدين و لا بصيرة لينقض ما قد أبرمه الشيطان في صدورهم لإغوائهم و يروى إلى من لا يشكي شجوكم و من ينقض برأيه ما قد أبرم لكم و هذه الرواية أليق أي لا تشكوا إلى من لا يدفع عنكم ما تشكون منه و إنما ينقض برأيه الفاسد ما قد أبرمه الحق و الشرع لكم (3) - .

ثم ذكر أنه ليس على الإمام‏ إلا ما قد أوضحه من الأمور الخمسة (4) - .

ثم أمرهم بمبادرة أخذ العلم من أهله يعني نفسه ع قبل أن يموت فيذهب العلم و تصويح النبت‏ كناية عن ذلك (5) - .

ثم قال و قبل أن تشغلوا بالفتن و ما يحدث عليكم من خطوب الدنيا عن استثارة العلم من معدنه و استنباطه من قرارته (6) - .

ثم أمرهم بالنهي عن المنكر و أن يتناهوا عنه‏ قبل أن ينهوا عنه و قال إنما النهي بعد التناهي‏ .

____________

(1) من قوله تعالى في سورة التوبة 109 أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيََانَهُ عَلى‏ََ شَفََا جُرُفٍ هََارٍ فَانْهََارَ بِهِ فِي نََارِ جَهَنَّمَ. .

170

و في هذا الموضع إشكال و ذلك أن لقائل أن يقول النهي عن المنكر واجب على العدل و الفاسق فكيف قال إنما أمرتم بالنهي بعد التناهي‏

17- و قد روي أن الحسن البصري قال للشعبي هلا نهيت عن كذا فقال يا أبا سعيد إني أكره أن أقول ما لا أفعل قال الحسن غفر الله لك و أينا يقول ما يفعل ود الشيطان لو ظفر منكم بهذه فلم يأمر أحد بمعروف و لم ينه عن منكر .

و الجواب أنه ع لم يرد أن وجود النهي عن المنكر مشروط بانتهاء ذلك الناهي عن المنكر و إنما أراد أني لم آمركم بالنهي عن المنكر إلا بعد أن أمرتكم بالانتهاء عن المنكر فالترتيب إنما هو في أمره ع لهم بالحالتين المذكورتين لا في نهيهم و تناهيهم .

فإن قلت فلما ذا قدم أمرهم بالانتهاء على أمرهم بالنهي قلت لأن إصلاح المرء نفسه أهم من الاعتناء بإصلاحه لغيره

171

*1105* 105 و من خطبة له ع‏

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي شَرَعَ اَلْإِسْلاَمَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ وَ نُوراً لِمَنِ اِسْتَضَاءَ بِهِ وَ فَهْماً لِمَنْ عَقَلَ وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَ عِبْرَةً لِمَنِ اِتَّعَظَ وَ نَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَ ثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَ رَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَ جُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ فَهُوَ أَبْلَجُ اَلْمَنَاهِجِ وَ أَوْضَحُ اَلْوَلاَئِجِ مُشْرِفُ اَلْمَنَارِ مُشْرِقُ اَلْجَوَادِّ مُضِي‏ءُ اَلْمَصَابِيحِ كَرِيمُ اَلْمِضْمَارِ رَفِيعُ اَلْغَايَةِ جَامِعُ اَلْحَلْبَةِ مُتَنَافِسُ اَلسُّبْقَةِ شَرِيفُ اَلْفُرْسَانِ اَلتَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ وَ اَلصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَ اَلْمَوْتُ غَايَتُهُ وَ اَلدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَ اَلْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَ اَلْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ (1) -. هذا باب من الخطابة شريف و ذلك لأنه ناط بكل واحدة من اللفظات لفظة تناسبها و تلائمها لو نيطت بغيرها لما انطبقت عليها و لا استقرت في قرارها أ لا تراه قال‏ أمنا لمن علقه فالأمن مرتب على الاعتلاق و كذلك في سائر الفقر كالسلم المرتب على الدخول و البرهان المرتب على الكلام و الشاهد المرتب على الخصام و النور المرتب‏

172

على الاستضاءة إلى آخرها أ لا ترى أنه لو قال و برهانا لمن دخله و نورا لمن خاصم عنه و شاهدا لمن استضاء به لكان قد قرن باللفظة ما لا يناسبها فكان قد خرج عن قانون الخطابة و دخل في عيب ظاهر (1) - و توسم تفرس (2) - و الولائج جمع وليجة و هو المدخل إلى الوادي و غيره (3) - .

و الجنة الترس (4) - و أبلج المناهج معروف الطريق (5) - .

و الحلبة الخيل المجموعة للمسابقة (6) - .

و المضمار موضع تضمير الخيل و زمان تضميرها (7) - و الغاية الراية المنصوبة و هو هاهنا خرقة تجعل على قصبة و تنصب في آخر المدى الذي تنتهي إليه المسابقة كأنه ع جعل الإسلام كخيل السباق التي مضمارها كريم و غايتها رفيعة عالية و حلبتها جامعة حاوية و سبقتها متنافس فيها و فرسانها أشراف (8) - .

ثم وصفه بصفات أخرى فقال التصديق‏ طريقه و الصالحات‏ أعلامه و و الموت غايته‏ أي إن الدنيا سجن المؤمن و بالموت يخلص من ذلك السجن و يحظى بالسعادة الأبدية .

قال‏ و الدنيا مضماره كأن الإنسان يجري إلى غاية هي الموت و إنما جعلها مضمار الإسلام لأن المسلم يقطع دنياه لا لدنياه بل لآخرته فالدنيا له كالمضمار للفرس إلى الغاية المعينة (9) - .

قال‏ و القيامة حلبته أي ذات حلبته فحذف المضاف كقوله تعالى‏ هُمْ دَرَجََاتٌ عِنْدَ اَللََّهِ أي ذوو درجات .

ثم قال‏ و الجنة سبقته أي جزاء سبقته فحذف أيضا

173

مِنْهَا فِي ذِكْرِ 14اَلنَّبِيِّ ص حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لقَابِسٍ وَ أَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ فَهُوَ أَمِينُكَ اَلْمَأْمُونُ وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ اَلدِّينِ وَ بَعِيثُكَ نِعْمَةً وَ رَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً اَللَّهُمَّ اِقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ وَ اِجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ اَلْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اَللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ اَلْبَانِينَ بِنَاءَهُ وَ أَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ وَ شَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ وَ آتِهِ اَلْوَسِيلَةَ وَ أَعْطِهِ اَلسَّنَاءَ وَ اَلْفَضِيلَةَ وَ اُحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ خَزَايَا وَ لاَ نَادِمِينَ وَ لاَ نَاكِبِينَ وَ لاَ نَاكِثينَ وَ لاَ ضَالِّينَ وَ لاَ مُضِلِّينَ وَ لاَ مَفْتُونِينَ. قال الرضي رحمه الله تعالى و قد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلا أننا كررناه هاهنا لما في الروايتين من الاختلاف (1) - قبسا منصوب بالمفعولية أي أورى‏ 14رسول الله ص قبسا و القبس شعلة من النار و القابس‏ طالب الاستصباح منها و الكلام مجاز و المراد الهداية في الدين (2) - .

و علما منصوب أيضا بالمفعولية أي و أنا 14رسول الله ص علما .

لحابس أي نصب لمن قد حبس ناقته ضلالا فهو يخبط لا يدري كيف يهتدي إلى المنهج علما يهتدي به .

174

فإن قلت فهل يجوز أن ينصب قبسا و علما على أن يكون كل واحد منهما حالا أي حتى أورى 14رسول الله في حال كونه قبسا و أنار في حال كونه علما قلت لم أسمع أورى الزند و إنما المسموع ورى و ورى و لم يجئ أورى إلا متعديا أورى زيد زنده فإن حمل هاهنا على المتعدي احتيج إلى حذف المفعول و يصير تقديره حتى أورى 14رسول الله الزند حال كونه قبسا فيكون فيه نوع تكلف و استهجان (1) - .

و البعيث‏ المبعوث (2) - و مقسما نصيبا و إن جعلته مصدرا جاز (3) - .

و النزول‏ طعام الضيف (4) - و الوسيلة ما يتقرب به و قد فسر قولهم في دعاء الأذان‏اللهم آته الوسيلةبأنها درجة رفيعة في الجنة (5) - و السناء بالمد الشرف (6) - و زمرته‏ جماعته .

و خزايا جمع خزيان و هو الخجل المستحيي مثل سكران و سكارى و حيران و حيارى و غيران و غيارى (7) - .

و ناكبين أي عادلين عن الطريق (8) - و ناكثين أي ناقضين للعهد .

قلت سألت النقيب أبا جعفر رحمه الله و كان منصفا بعيدا عن الهوى و العصبية عن هذا الموضع فقلت له قد وقفت على كلام الصحابة و خطبهم فلم أر فيها من يعظم 14رسول الله ص تعظيم هذا الرجل و لا يدعو كدعائه فإنا قد وقفنا من نهج البلاغة و من غيره على فصول كثيرة مناسبة لهذا الفصل تدل على إجلال عظيم و تبجيل شديد منه 14لرسول الله ص فقال و من أين لغيره من الصحابة كلام مدون يتعلم منه كيفية ذكرهم 14للنبي ص و هل وجد لهم إلا كلمات مبتدرة لا طائل تحتها ثم قال إن 1عليا ع كان قوي الإيمان 14برسول الله ص و التصديق له ثابت اليقين قاطعا بالأمر متحققا له و كان‏

175

مع ذلك يحب 14رسول الله ص لنسبته منه و تربيته له و اختصاصه به من دون أصحابه و بعد فشرفه له لأنهما نفس واحدة في جسمين الأب واحد و الدار واحدة و الأخلاق متناسبة فإذا عظمه فقد عظم نفسه و إذا دعا إليه فقد دعا إلى نفسه و لقد كان يود أن تطبق دعوة الإسلام مشارق الأرض و مغاربها لأن جمال ذلك لاحق به و عائد عليه فكيف لا يعظمه و يبجله و يجتهد في إعلاء كلمته .

فقلت له قد كنت اليوم أنا و جعفر بن مكي الشاعر نتجاذب هذا الحديث فقال جعفر لم ينصر 14رسول الله ص أحد نصرة أبي طالب و بنيه له أما أبو طالب فكفله و رباه ثم حماه من قريش عند إظهار الدعوة بعد إصفاقهم و إطباقهم على قتله و أما ابنه جعفر فهاجر بجماعة من المسلمين إلى أرض الحبشة فنشر دعوته بها و أما 1علي فإنه أقام عماد الملة بالمدينة ثم لم يمن أحد من القتل و الهوان و التشريد بما مني به بنو أبي طالب أما جعفر فقتل‏و أما 1علي فقتل بالكوفة بعد أن شرب نقيع الحنظل و تمنى الموت و لو تأخر قتل ابن ملجم لمات أسفا و كمدا ثم قتل ابناه بالسم و السيف و قتل بنوه الباقون مع أخيهم‏و حملت نساؤهم على الأقتاب سبايا إلى الشام و لقيت ذريتهم و أخلافهم بعد ذلك من القتل و الصلب و التشريد في البلاد و الهوان و الحبس و الضرب ما لا يحيط الوصف بكنهه فأي خير أصاب هذا البيت من نصرته و محبته و تعظيمه بالقول و الفعل فقال رحمه الله و أصاب فيما قال فهلا قلت‏ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاََ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاََمَكُمْ بَلِ اَللََّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدََاكُمْ لِلْإِيمََانِ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ (1) .

ثم قال و هلا قلت له فقد نصرته الأنصار و بذلت مهجها دونه و قتلت بين يديه في

____________

(1) سورة آل عمران 163.

176

مواطن كثيرة و خصوصاثم اهتضموا بعده و استؤثر عليهم و لقوا من المشاق و الشدائد ما يطول شرحه و لو لم يكن إلافإنه اليوم الذي لم يكن في العرب مثله و لا أصيب قوم قط بمثل ما أصيب به الأنصار ذلك اليوم ثم قال إن الله تعالى زوى الدنيا عن صالحي عباده و أهل الإخلاص له لأنه لم يرها ثمنا لعبادتهم و لا كفؤا لإخلاصهم و أرجأ جزاءهم إلى دار أخرى غير هذه الدار في مثلها يتنافس المتنافسون مِنْهَا فِي خِطَابِ أَصْحَابِهِ وَ قَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اَللَّهِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاؤُكُمْ وَ تُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ وَ يُعَظِّمُكُمْ مَنْ لاَ فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَ لاَ يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ وَ يَهَابُكُمْ مَنْ لاَ يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً وَ لاَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ وَ قَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اَللَّهِ مَنْقُوضَةً فَلاَ تَغْضَبُونَ وَ أَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ وَ كَانَتْ أُمُورُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ وَ عَنْكُمْ تَصْدُرُ وَ إِلَيْكُمْ تَرْجِعُ فَمَكَّنْتُمُ اَلظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ وَ أَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ وَ أَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اَللَّهِ فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ وَ يَسِيرُونَ فِي اَلشَّهَوَاتِ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ لَجَمَعَكُمُ اَللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ (1) -. هذا خطاب لأصحابه الذين أسلموا مدنهم و نواحيهم إلى جيوش معاوية التي كان‏

177

يغير بها على أطراف أعمال 1علي ع كالأنبار و غيرها مما تقدم ذكرنا له قال لهم إن الله أكرمكم بالإسلام بعد أن كنتم مجوسا أو عباد أصنام و بلغتم من كرامته‏ إياكم بالإسلام منزلة عظيمة أكرم بها إماؤكم‏ و عبيدكم و من كان مظنة المهنة و المذلة (1) - .

و وصل بها جيرانكم أي من التجأ إليكم من معاهد أو ذمي فإن الله تعالى حفظ لهم ذمام المجاورة لكم حتى عصم دماءهم و أموالهم (2) - و صرتم إلى حال يعظمكم‏ بها من لا فضل لكم عليه‏ و لا نعمة لكم عنده‏ كالروم و الحبشة فإنهم عظموا مسلمي العرب لتقمصهم لباس الإسلام و الدين و لزومهم ناموسه و إظهارهم شعاره (3) - .

و يهابكم من لا يخاف لكم سطوة و لا لكم عليه إمرة كالملوك الذين في أقاصي البلاد نحو الهند و الصين و أمثالها و ذلك لأنهم هابوا دولة الإسلام و إن لم يخافوا سطوة سيفها لأنه شاع و ذاع أنهم قوم صالحون إذا دعوا الله استجاب لهم و أنهم يقهرون الأمم بالنصر السماوي و بالملائكة لا بسيوفهم و لا بأيديهم قيل إن العرب لما عبرت دجلة إلى القصر الأبيض الشرقي بالمدائن عبرتها في أيام مدها و هي كالبحر الزاخر على خيولها و بأيديها رماحها و لا دروع عليها و لا بيض فهربت الفرس بعد رمي شديد منها للعرب بالسهام و هم يقدمون و يحملون و لا تهولهم السهام فقال فلاح نبطي بيده مسحاته و هو يفتح الماء إلى زرعه لأسوار من الأساورة معروف بالبأس و جودة الرماية ويلكم أ مثلكم في سلاحكم يهرب من هؤلاء القوم الحاسرين و لذعه باللوم و التعنيف فقال له أقم مسحاتك فأقامها فرماها فخرق الحديد حتى عبر النصل إلى جانبها الآخر ثم قال انظر الآن ثم رمى بعض العرب المارين عليه عشرين سهما لم يصبه و لا فرسه منها بسهم واحد و إنه لقريب منه غير بعيد و لقد كان بعض السهام يسقط بين يدي الأسوار فقال له بالفارسية أ علمت أن القوم مصنوع لهم قال نعم (4) - .

ـ

178

ثم قال ع ما لكم لا تغضبون‏ و أنتم ترون عهود الله منقوضة و إن من العجب أن يغضب الإنسان و يأنف من نقض عهد أبيه و لا يغضب و لا يأنف لنقض عهود إلهه و خالقه (1) - .

ثم قال لهم كانت الأحكام الشرعية إليكم ترد مني و من تعليمي إياكم و تثقيفي لكم ثم تصدر عنكم‏ إلى من تعلمونه إياها من أتباعكم و تلامذتكم ثم يرجع إليكم‏ بأن يتعلمها بنوكم و إخوتكم من هؤلاء الأتباع و التلامذة ففررتم من الزحف لما أغارت جيوش الشام عليكم و أسلمتم منازلكم و بيوتكم و بلادكم إلى أعدائكم و مكنتم الظلمة من منزلتكم حتى حكموا في دين الله بأهوائهم و عملوا بالشبهة لا بالحجة و اتسعوا في شهواتهم و مآرب أنفسهم (2) - .

ثم أقسم بالله إن أهل الشام لو فرقوكم تحت كل كوكب ليجمعنكم الله‏ ليوم و هو شر يوم لهم‏ و كنى بذلك عن ظهور المسودة و انتقامها من أهل الشام و بني أمية و كانت المسودة المنتقمة منهم عراقية و خراسانية

179

*1106* 106 و من كلام له ع في بعض أيام

وَ قَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَ اِنْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ اَلْجُفَاةُ اَلطَّغَامُ وَ أَعْرَابُ أَهْلِ اَلشَّامِ وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ اَلْعَرَبِ وَ يَآفِيخُ اَلشَّرَفِ وَ اَلْأَنْفُ اَلْمُقَدَّمُ وَ اَلسَّنَامُ اَلْأَعْظَمُ وَ لَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَ تُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً بِالنِّصَالِ وَ شَجْراً بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلاَهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالْإِبِلِ اَلْهِيمِ اَلْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَ تُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا (1) -. جولتكم هزيمتكم فأجمل في اللفظ و كنى عن اللفظ المنفر عادلا عنه إلى لفظ لا تنفير فيه كما قال تعالى‏ كََانََا يَأْكُلاََنِ اَلطَّعََامَ (1) قالوا هو كناية عن إتيان الغائط و إجمال في اللفظ .

و كذلك قوله‏ و انحيازكم عن صفوفكم كناية عن الهرب أيضا و هو من قوله تعالى‏ إِلاََّ مُتَحَرِّفاً لِقِتََالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ََ فِئَةٍ (2) .

____________

(1) سورة الفرقان 7.

(2) سورة الأنفال 16.

180

و هذا باب من أبواب البيان لطيف و هو حسن التوصل بإيراد كلام غير مزعج عوضا عن لفظ يتضمن جبها و تقريعا (1) - .

و تحوزكم تعدل بكم عن مراكزكم و الجفاة جمع جاف و هو الفدم الغليظ و الطغام الأوغاد (2) - و اللهاميم‏ جمع لهموم و هو الجواد من الناس و الخيل قال الشاعر

لا تحسبن بياضا في منقصة # إن اللهاميم في أقرابها بلق (3) - (1)

و اليآفيخ‏ جمع يافوخ و هو معظم الشي‏ء قول قد ذهب يافوخ الليل أي أكثره و يجوز أن يريد به اليافوخ و هو أعلى الرأس و جمعه يآفيخ أيضا و أفخت الرجل ضربت يافوخه و هذا أليق لأنه ذكر بعده الأنف‏ و السنام فحمل اليافوخ على العضو إذا أشبه (4) - .

و الوحاوح‏ الحرق و الحزازات (5) - و لقيته بأخرة على فعلة أي أخيرا (6) - .

و الحس‏ القتل قال الله تعالى‏ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ (7) - (2) .

و شجرت زيدا بالرمح طعنته (8) - و التأنيث في أولاهم‏ و أخراهم‏ للكتائب .

و الهيم العطاش و تذاد تصد و تمنع و قد روي الطغاة عوض الطغام .

و روي حشأ بالهمز من حشأت الرجل أي أصبت حشاه .

و روي بالنضال بالضاد المعجمة و هو المناضلة و المراماة .

و قد ذكرنا نحن هذا الكلام فيما اقتصصناه من أخبارفيما تقدم من هذا الكتاب‏

____________

(1) اللسان 16: 29، من غير نسبة.

(2) سورة آل عمران 152.

181

*1107* 107 و من خطبة له ع و هي من خطب الملاحم‏

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ وَ اَلظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ خَلَقَ اَلْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ إِذْ كَانَتِ اَلرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلاَّ بِذَوِي اَلضَّمَائِرِ وَ لَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ اَلسُّتُرَاتِ وَ أَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ اَلسَّرِيرَاتِ (1) -. الملاحم‏ جمع ملحمة و هي الوقعة العظيمة في الحرب (2) - و لما كانت دلائل إثبات الصانع ظاهرة ظهور الشمس وصفه ع بكونه ظهر و تجلى لخلقه‏ و دلهم عليه بخلقه إياهم و إيجاده لهم (3) - .

ثم أكد ذلك بقوله‏ و الظاهر لقلوبهم بحجته و لم يقل لعيونهم لأنه غير مرئي و لكنه ظاهر للقلوب بما أودعها من الحجج الدالة عليه (4) - .

ثم نفى عنه الروية و الفكر و التمثيل بين خاطرين ليعمل على أحدهما لأن ذلك إنما يكون لأرباب الضمائر و القلوب أولي النوازع المختلفة و البواعث المتضادة (5) - .

ثم وصفه بأن علمه محيط بالظاهر و الباطن و الماضي و المستقبل فقال إن علمه خرق باطن الغيوب المستورة و أحاط بالغامض من عقائد السرائر

182

مِنْهَا فِي ذِكْرِ 14اَلنَّبِيِّ ص اِخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ اَلْأَنْبِيَاءِ وَ مِشْكَاةِ اَلضِّيَاءِ وَ ذُؤَابَةِ اَلْعَلْيَاءِ وَ سُرَّةِ اَلْبَطْحَاءِ وَ مَصَابِيحِ اَلظُّلْمَةِ وَ يَنَابِيعِ اَلْحِكْمَةِ (1) -. شجرة الأنبياء أولاد إبراهيم ع لأن أكثر الأنبياء منهم (2) - و المشكاة كوة غير نافذة يجعل فيها المصباح (3) - و الذؤابة طائفة من شعر الرأس (4) - و سرة البطحاء وسطها و بنو كعب بن لؤي يفخرون على بني عامر بن لؤي بأنهم سكنوا البطاح و سكنت عامر بالجبال المحيطة بمكة و سكن معها بنو فهر بن مالك رهط أبي عبيدة بن الجراح و غيره قال الشاعر

فحللت منها بالبطاح # و حل غيرك بالظواهر.

و قال طريح بن إسماعيل

أنت ابن مسلنطح البطاح و لم # تطرق عليك الحني و الولج‏ (1) .

و قال بعض الطالبيين

و أنا ابن معتلج البطاح إذا غدا # غيري و راح على متون ظواهر

____________

(1) قبل في الوليد بن يزيد بن عبد الملك، و كان من أخواله. الحنىّ: ما انخفض من الأرض، و الولج:

ما اتسع من الأودية؛ أى لم تكن بينهما فيختفى حسبك، و البيت في معجم البلدان 2: 214.

183

يفتر عني ركنها و حطيمها # كالجفن يفتح عن سواد الناظر

كجبالها شرفي و مثل سهولها # خلقي و مثل ظبائهن مجاوري‏

وَ مِنْهَا:

طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَ أَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ اَلْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَ آذَانٍ صُمٍّ وَ أَلْسِنَةٍ بُكْمٍ مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ اَلْغَفْلَةِ وَ مَوَاطِنَ اَلْحَيْرَةِ (1) -. إنما قال‏ دوار بطبه لأن الطبيب الدوار أكثر تجربة أو يكون عنى به أنه يدور على من يعالجه لأن الصالحين يدورون على مرضى القلوب فيعالجونهم و

16- يقال إن المسيح رئي خارجا من بيت مومسة فقيل له يا سيدنا أ مثلك يكون هاهنا فقال إنما يأتي الطبيب المرضى (2) -.

و المراهم‏ الأدوية المركبة للجراحات و القروح (3) - و المواسم‏ حدائد يوسم بها الخيل و غيرها (4) - .

ثم ذكر أنه إنما يعالج بذلك من يحتاج إليه و هم أولو القلوب العمي و الآذان الصم و الألسنة البكم‏ أي الخرس و هذا تقسيم صحيح حاصر لأن الضلال و مخالفة

184

الحق يكون بثلاثة أمور إما بجهل القلب أو بعدم سماع المواعظ و الحجج أو بالإمساك عن شهادة التوحيد و تلاوة الذكر فهذه أصول الضلال و أما أفعال المعاصي ففروع عليها

فصل في التقسيم و ما ورد فيه من الكلام‏

و صحة التقسيم باب من أبواب علم‏البيان‏و منه قوله سبحانه‏ ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ (1) .

و هذه قسمة صحيحة لأن المكلفين إما كافر أو مؤمن أو ذو المنزلة بين المنزلتين هكذا قسم أصحابنا الآية على مذهبهم في الوعيد .

و غيرهم يقول العباد إما عاص ظالم لنفسه أو مطيع مبادر إلى الخير أو مقتصد بينهما .

و من التقسيم أيضا قوله‏ وَ كُنْتُمْ أَزْوََاجاً ثَلاََثَةً `فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ `وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ `وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ (2) و مثل ذلك .

و قوله تعالى‏ هُوَ اَلَّذِي يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً (3) لأن الناس عند رؤية البرق بين خائف و طامع .

17- و وقف سائل على مجلس الحسن البصري فقال رحم الله عبدا أعطى من سعة أو واسى من كفاف أو آثر من قلة فقال الحسن لم تترك لأحد عذرا .

____________

(1) سورة فاطر 32.

(2) سورة الواقعة 7-10.

(3) سورة الرعد 12.

185

و من التقسيمات الفاسدة في الشعر قول البحتري

ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا # مقصرا في ملامة أو مطيلا (1)

قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا # أو معينا أو عاذرا أو عذولا

فالتقسيم في البيت الأول صحيح و في الثاني غير صحيح لأن المشوق يكون حزينا و المسعد يكون معينا فكذلك يكون عاذرا و يكون مشوقا و يكون حزينا .

و قد وقع المتنبي في مثل ذلك فقال‏

فافخر فإن الناس فيك ثلاثة # مستعظم أو حاسد أو جاهل‏ (2)

فإن المستعظم يكون حاسدا و الحاسد يكون مستعظما .

و من الأبيات التي ليس تقسيمها بصحيح ما ورد في شعر الحماسة

و أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا # فخنت و إما قلت قولا بلا علم‏ (3)

فأنت من الأمر الذي قد أتيته # بمنزلة بين الخيانة و الإثم‏

و ذلك لأن الخيانة أخص من الإثم و الإثم شامل لها لأنه أعم منها فقد دخل أحد القسمين في الآخر و يمكن أن يعتذر له فيقال عنى بالإثم الكذب نفسه و كذلك هو المعني أيضا بقوله قولا بلا علم كأنه قال له إما أن أكون أفشيت سري إليك فخنتني أو لم أفش فكذبت علي فأنت فيما أتيت بين أن تكون خائنا أو كاذبا .

و مما جاء من ذلك في النثر قول بعضهم من جريح مضرج بدمائه أو هارب لا يلتفت إلى ورائه و ذلك أن الجريح قد يكون هاربا و الهارب قد يكون جريحا .

و قد أجاد البحتري لما قسم هذا المعنى و قال

____________

(1) ديوانه 2: 210.

(2) ديوانه 3: 259.

(3) لعبد اللّه بن همام السلولى، حماسة أبى تمام بشرح المرزوقى 3: 1139.

186

غادرتهم أيدي المنية صبحا # للقنا بين ركع و سجود

فهم فرقتان بين قتيل # قبضت نفسه بحد الحديد

أو أسير غدا له السجن لحدا # فهو حي في حالة الملحود

فرقة للسيوف ينفذ فيها الحكم # قسرا و فرقة للقيود.

و من ذلك قول بعض الأعراب النعم ثلاث نعمة في حال كونها و نعمة ترجى مستقبلة و نعمة تأتي غير محتسبة فأبقى الله عليك ما أنت فيه و حقق ظنك فيما ترتجيه و تفضل عليك بما لم تحتسبه و ذلك أنه أغفل النعمة الماضية و أيضا فإن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة في قسم النعمة المستقبلة .

و قد صحح القسمة أبو تمام فقال‏

جمعت لنا فرق الأماني منكم # بأبر من روح الحياة و أوصل‏ (1)

كالمزن من ماضي الرباب و مقبل # متنظر و مخيم متهلل

فصنيعة في يومها و صنيعة # قد أحولت و صنيعة لم تحول.

فإن قلت فإن ما عنيت به فساد التقسيم على البحتري و المتنبي يلزمك مثله فيما شرحته لأن الأعمى القلب قد يكون أبكم اللسان أصم السمع .

قلت إن الشاعرين ذكرا التقسيم بأو و 1أمير المؤمنين ع قسم بالواو و الواو للجمع فغير منكر أن تجتمع الأقسام الوحد أو أن تعطي معنى الانفراد فقط فافترق الموضعان‏

____________

(1) ديوانه 3: 51، و هناك البيت الثالث قبل الثاني .

غ

187

لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ اَلْحِكْمَةِ وَ لَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ اَلْعُلُومِ اَلثَّاقِبَةِ فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْأَنْعَامِ اَلسَّائِمَةِ وَ اَلصُّخُورِ اَلْقَاسِيَةِ قَدِ اِنْجَابَتِ اَلسَّرَائِرُ لِأَهْلِ اَلْبَصَائِرِ وَ وَضَحَتْ مَحَجَّةُ اَلْحَقِّ لِخَابِطِهَا وَ أَسْفَرَتِ اَلسَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا وَ ظَهَرَتِ اَلْعَلاَمَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلاَ أَرْوَاحٍ وَ أَرْوَاحاً بِلاَ أَشْبَاحٍ وَ نُسَّاكاً بِلاَ صَلاَحٍ وَ تُجَّاراً بِلاَ أَرْبَاحٍ وَ أَيْقَاظاً نُوَّماً وَ شُهُوداً غُيَّباً وَ نَاظِرَةً عَمْيَاءَ وَ سَامِعَةً صَمَّاءَ وَ نَاطِقَةً بَكْمَاءَ (1) -. انجابت انكشفت (2) - و المحجة الطريق و الخابط السائر على غير سبيل واضحة (3) - و أسفرت الساعة أضاءت و أشرقت و عن‏ متعلقة بمحذوف و تقديره كاشفة عن وجهها (4) - .

و المتوسم‏ المتفرس (5) - أشباها بلا أرواح‏ أي أشخاصا لا أرواح لها و لا عقول (6) - و أرواحا بلا أشباح‏ يمكن أن يريد به الخفة و الطيش تشبيها بروح بلا جسد و يمكن أن يعني به نقصهم لأن الروح غير ذات الجسد ناقصة عن الاعتمال و التحريك اللذين كانا من فعلها حيث كانت تدير الجسد (7) - .

و نساكا بلا صلاح نسبهم إلى النفاق (8) - و تجارا بلا أرباح نسبهم إلى الرياء و إيقاع الأعمال على غير وجهها (9) - .

ثم وصفهم بالأمور المتضادة ظاهرا و هي مجتمعة في الحقيقة فقال أيقاظا نوما

188

لأنهم أولو يقظة و هم غفول عن الحق كالنيام و كذلك باقيها قال تعالى‏ فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ وَ لََكِنْ تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ (1) رَايَةُ ضَلاَلٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا وَ تَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ اَلْمِلَّةِ قَائِمٌ عَلَى اَلضَّلَّةِ فَلاَ يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلاَّ ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ اَلْقِدْرِ أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ اَلْعِكْمِ تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ اَلْأَدِيمِ وَ تَدُوسُكُمْ دَوْسَ اَلْحَصِيدِ وَ تَسْتَخْلِصُ اَلْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اِسْتِخْلاَصَ اَلطَّيْرِ اَلْحَبَّةَ اَلْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ اَلْحَبِّ. هذا كلام منقطع عما قبله لأن الشريف الرضي رحمه الله كان يلتقط الفصول التي في الطبقة العليا من الفصاحة من كلام 1أمير المؤمنين ع فيذكرها و يتخطى ما قبلها و ما بعدها و هو ع يذكر هاهنا ما يحدث في آخر الزمان من الفتن‏و غيره (1) - .

و القطب‏ في قوله ع‏ قامت على قطبها الرئيس الذي عليه يدور أمر الجيش (2) - و الشعب‏ القبيلة العظيمة و ليس التفرق للراية نفسها بل لنصارها و أصحابها فحذف المضاف و معنى تفرقهم أنهم يدعون إلى تلك الدعوة المخصوصة في بلاد متفرقة أي تفرق ذلك الجمع العظيم في الأقطار داعين إلى أمر واحد و يروى بشعبها جمع شعبة (3) -

____________

(1) سورة الحجّ 46.

189

و تقدير تكيلكم بصاعها تكيل لكم فحذف اللام كما في قوله تعالى‏ وَ إِذََا كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ (1) أي كالوا لهم أو وزنوا لهم و المعنى تحملكم على دينها و دعوتها و تعاملكم بما يعامل به من استجاب لها و يجوز أن يريد بقوله‏ تكيلكم بصاعها يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم و يتلاعبون بكم و يرفعونكم و يضعونكم كما يفعل كيال البر به إذا كاله بصاعه (1) - .

و تخبطكم بباعها تظلمكم و تعسفكم (2) - قائدها ليس على ملة الإسلام بل مقيم على الضلالة يقال ضلة لك و إنه ليلومني ضلة إذا لم يوفق للرشاد في عذله (3) - .

و الثفالة ما ثفل في القدر من الطبيخ (4) - و النفاضة ما سقط من الشي‏ء المنفوض .

و العكم العدل و العكم أيضا نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها (5) - .

و عركت الشي‏ء دلكته بقوة (6) - و الحصيد الزرع المحصود (7) - .

و معنى استخلاص‏ الفتنة المؤمن أنها تخصه بنكايتها و أذاها كما قيل المؤمن ملقى و الكافر موقى

16- و في الخبر المرفوع آفات الدنيا أسرع إلى المؤمن من النار في يبيس العرفج.

أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ اَلْمَذَاهِبُ وَ تَتِيهُ بِكُمُ اَلْغَيَاهِبُ وَ تَخْدَعُكُمُ اَلْكَوَاذِبُ وَ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ فَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ وَ لِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ وَ أَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ وَ اِسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ

____________

(1) سورة المطففين 3.

190

وَ لْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ وَ لْيَجْمَعْ شَمْلَهُ وَ لْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ اَلْأَمْرَ فَلْقَ اَلْخَرَزَةِ وَ قَرَفَهُ قَرْفَ اَلصَّمْغَةِ (1) -. الغياهب الظلمات الواحد غيهب‏ و تتيه بكم تجعلكم تائهين عدي الفعل اللازم بحرف الجر كما تقول في ذهب ذهبت به و التائه المتحير (2) - .

و الكواذب هاهنا الأماني فحذف الموصوف و أبقى الصفة كقوله‏

إلا بكفي كان من أرمى البشر

أي بكفي غلام هذه صفته (3) - .

و قوله و لِكُلِّ أَجَلٍ كِتََابٌ أظنه منقطعا أيضا عن الأول مثل الفصل الذي تقدم و قد كان قبله ما ينطبق عليه و يلتئم معه لا محالة و يمكن على بعد أن يكون متصلا بما هو مذكور هاهنا (4) - .

و قوله‏ و لكل غيبة إياب قد قاله عبيد بن الأبرص و استثنى من العموم الموت فقال‏

و كل ذي غيبة يئوب # و غائب الموت لا يئوب‏ (1)

و هو رأي زنادقة العرب فأما 1أمير المؤمنين و هو ثاني صاحب الشريعة التي جاءت بعود الموتى فإنه لا يستثني و يحمق عبيدا في استثنائه (5) - .

و الرباني‏ الذي أمرهم بالاستماع منه إنما يعني به نفسه ع و يقال رجل

____________

(1) ديوانه 13.

191

رباني أي متأله عارف بالرب سبحانه‏

1- و في وصف الحسن 1لأمير المؤمنين ع كان و الله رباني هذه الأمة و ذا فضلها و ذا قرابتها و ذا سابقتها (1) - .

ثم قال‏ و أحضروه قلوبكم أي اجعلوا قلوبكم حاضرة عنده أي لا تقنعوا لأنفسكم بحضور الأجساد و غيبة القلوب فإنكم لا تنتفعون بذلك (2) - و هتف بكم صاح (3) - و الرائد الذي يتقدم المنتجعين لينظر لهم الماء و الكلأ و في المثل الرائد لا يكذب أهله (4) - .

و قوله‏ و ليجمع شمله أي و ليجمع عزائمه و أفكاره لينظر فقد فلق هذا الرباني لكم الأمر أي شق ما كان مبهما و فتح ما كان مغلقا كما تفلق الخرزة فيعرف باطنها (5) - .

و قرفه أي قشره كما تقشر الصمغة عن عود الشجرة و تقلع فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ اَلْبَاطِلُ مَآخِذَهُ وَ رَكِبَ اَلْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ وَ عَظُمَتِ اَلطَّاغِيَةُ وَ قَلَّتِ اَلدَّاعِيَةُ وَ صَالَ اَلدَّهْرُ صِيَالَ اَلسَّبُعِ اَلْعَقُورِ وَ هَدَرَ فَنِيقُ اَلْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ وَ تَوَاخَى اَلنَّاسُ عَلَى اَلْفُجُورِ وَ تَهَاجَرُوا عَلَى اَلدِّينِ وَ تَحَابُّوا عَلَى اَلْكَذِبِ وَ تَبَاغَضُوا عَلَى اَلصِّدْقِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ اَلْوَلَدُ غَيْظاً وَ اَلْمَطَرُ قَيْظاً وَ تَفِيضُ اَللِّئَامُ فَيْضاً وَ تَغِيضُ اَلْكِرَامُ غَيْضاً وَ كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ اَلزَّمَانِ ذِئَاباً وَ سَلاَطِينُهُ سِبَاعاً وَ أَوْسَاطُهُ أُكَّالاً أَكَالاً وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً وَ غَارَ اَلصِّدْقُ وَ فَاضَ اَلْكَذِبُ وَ اُسْتُعْمِلَتِ اَلْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وَ تَشَاجَرَ اَلنَّاسُ بِالْقُلُوبِ وَ صَارَ اَلْفُسُوقُ نَسَباً وَ اَلْعَفَافُ عَجَباً وَ لُبِسَ اَلْإِسْلاَمُ لُبْسَ اَلْفَرْوِ مَقْلُوباً (6) -.

192

تقول‏ أخذ الباطل مأخذه كما تقول عمل عمله أي قوي سلطانه و قهر و مثله ركب الجهل مراكبه (1) - .

و عظمت الطاغية أي الطغيان فاعلة بمعنى المصدر كقوله تعالى‏ لَيْسَ لِوَقْعَتِهََا كََاذِبَةٌ (1) أي تكذيب و يجوز أن تكون الطاغية هاهنا صفة فاعل محذوف أي عظمت الفئة الطاغية (2) - و قلت الداعية مثله أي الفرقة الداعية (3) - .

و صال حمل و وثب صولا و صولة يقال رب قول أشد من صول و الصيال و المصاولة هي المواثبة صايله صيالا و صيالة و الفحلان يتصاولان أي يتواثبان (4) - .

و الفنيق‏ فحل الإبل و هدر ردد صوته في حنجرته و إبل هوادر و كذلك هدر بالتشديد تهديرا و في المثل هو كالمهدر في العنة يضرب للرجل يصيح و يجلب و ليس وراء ذلك شي‏ء كالبعير الذي يحبس في العنة و هي الحظيرة و يمنع من الضراب و هو يهدر و قال الوليد بن عقبة لمعاوية

قطعت الدهر كالسدم المعنى # تهدر في دمشق و لا تريم‏ (2) .

و الكظوم‏ الإمساك و السكوت كظم البعير يكظم كظوما إذا أمسك الجرة و هو كاظم و إبل كظوم لا تجتر و قوم كظم ساكتون (5) - .

و تواخى الناس صاروا إخوة و الأصل تآخى الناس فأبدلت الهمزة واوا كآزرته أي أعنته و وازرته .

يقول اصطلحوا على الفجور (6) - و تهاجروا على الدين أي تعادوا و تقاطعوا .

فإن قلت فإن من شعار الصالحين أن يهجروا في الدين و يعادوا فيه

____________

(1) سورة الواقعة 2.

(2) اللسان 15: 176، و قال: «السدم الذي يرغب عن فحلته، فيحال بينه و بين ألافه، و يقيد إذا هاج، فيرعى حوالى الدار» .

193

قلت لم يذهب 1أمير المؤمنين حيث ظننت و إنما أراد أن صاحب الدين مهجور عندهم لأن صاحب الدين مهجور و صاحب الفجور جار عندهم مجرى الأخ في الحنو عليه و الحب له لأنه صاحب فجور (1) - .

ثم قال‏ كان الولد غيظا أي لكثرة عقوق الأبناء للآباء و صار المطر قيظا يقال إنه من علامات الساعة و أشراطها (2) - .

و أوساطه أكالا أي طعاما يقال ما ذقت أكالا و في هذا الموضع إشكال لأنه لم ينقل هذا الحرف إلا في الجحد خاصة كقولهم ما بها صافر فالأجود الرواية الأخرى و هي آكالا بمد الهمزة على أفعال جمع أكل و هو ما أكل كقفل و أقفال و قد روي أكالا بضم الهمزة على فعال و قالوا إنه جمع أكل للمأكول كعرق و عراق و ظئر و ظؤار إلا أنه شاذ عن القياس و وزن واحدهما مخالف لوزن واحد أكال لو كان جمعا يقول صار أوساط الناس طعمة للولاة و أصحاب السلاطين و كالفريسة للأسد (3) - .

و غار الماء سفل لنقصه و فاض سال (4) - .

و تشاجر الناس تنازعوا و هي المشاجرة و شجر بين القوم إذا اختلف الأمر بينهم و اشتجروا مثل تشاجروا (5) - .

و صار الفسوق نسبا يصير الفاسق صديق الفاسق حتى يكون ذلك كالنسب بينهم (6) - و حتى يعجب الناس من العفاف لقلته و عدمه (7) - .

و لبس الإسلام لبس الفرو و للعرب عادة بذلك و هي أن تجعل الخمل إلى الجسد و تظهر الجلد و المراد انعكاس الأحكام الإسلامية في ذلك الزمان

194

*1108* 108 و من خطبة له ع‏

كُلُّ شَيْ‏ءٍ خَاشِعٌ لَهُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ قَائِمٌ بِهِ غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ وَ عِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ وَ قُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ وَ مَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ لَمْ تَرَكَ اَلْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ بَلْ كُنْتَ قَبْلَ اَلْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ لَمْ تَخْلُقِ اَلْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ وَ لاَ اِسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ وَ لاَ يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ وَ لاَ يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ وَ لاَ يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ وَ لاَ يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ وَ لاَ يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ وَ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلاَنِيَةٌ وَ كُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ أَنْتَ اَلْأَبَدُ فَلاَ أَمَدَ لَكَ وَ أَنْتَ اَلْمُنْتَهَى فَلاَ مَحِيصَ عَنْكَ وَ أَنْتَ اَلْمَوْعِدُ فَلاَ مُنْجِيَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ وَ إِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ وَ مَا أَصْغَرَ كُلِّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ وَ مَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَكُوتِكَ وَ مَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ وَ مَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي اَلدُّنْيَا وَ مَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ اَلآْخِرَةِ (1) -.

195

قال كل شي‏ء خاضع لعظمة الله سبحانه و كل شي‏ء قائم به‏ و هذه هي صفته الخاصة أعني كونه غنيا عن كل شي‏ء و لا شي‏ء من الأشياء يغني عنه أصلا (1) - .

ثم قال‏ غنى كل فقير و عز كل ذليل و قوة كل ضعيف و مفزع كل ملهوف .

16- جاء في الأثر من اعتز بغير الله ذل و من تكثر بغير الله قل.

17- و كان يقال ليس فقيرا من استغنى بالله.

17- و قال الحسن وا عجبا للوط نبي الله قال‏ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ََ رُكْنٍ شَدِيدٍ (1) أ تراه أراد ركنا أشد و أقوى من الله .

و استدل العلماء على ثبوت الصانع سبحانه بما دل عليه فحوى قوله ع‏ و مفزع كل ملهوف و ذلك أن النفوس ببدائها تفزع عند الشدائد و الخطوب الطارقة إلى الالتجاء إلى خالقها و بارئها أ لا ترى راكبي السفينة عند تلاطم الأمواج كيف يجأرون إليه سبحانه اضطرارا لا اختيارا فدل ذلك على أن العلم به مركوز في النفس قال سبحانه‏ وَ إِذََا مَسَّكُمُ اَلضُّرُّ فِي اَلْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاََّ إِيََّاهُ (2) - (2) .

ثم قال ع‏ من تكلم سمع نطقه و من سكت علم سره يعني أنه يعلم ما ظهر و ما بطن .

ثم قال‏ و من عاش فعليه رزقه و من مات فإليه منقلبه أي هو مدبر الدنيا و الآخرة و الحاكم فيهما (3) - .

ثم انتقل عن الغيبة إلى الخطاب فقال‏ لم ترك العيون

____________

(1) سورة هود 80.

(2) سورة الإسراء 67.

196

فصل في الكلام على الالتفات‏

و اعلم أن باب الانتقال من الغيبة إلى الخطاب و من الخطاب إلى الغيبة باب كبير من أبواب علم‏البيان‏و أكثر ما يقع ذلك إذا اشتدت عناية المتكلم بذلك المعنى المنتقل إليه كقوله سبحانه‏ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ `اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ `مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ فأخبر عن غائب ثم انتقل إلى خطاب الحاضر فقال‏ إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ قالوا لأن منزلة الحمد دون منزلة العبادة فإنك تحمد نظيرك و لا تعبده فجعل الحمد للغائب و جعل العبادة لحاضر يخاطب بالكاف لأن كاف الخطاب أشد تصريحا به سبحانه من الأخبار بلفظ الغيبة قالوا و لما انتهى إلى آخر السورة قال‏ صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فأسند النعمة إلى مخاطب حاضر و قال في الغضب‏ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فأسنده إلى فاعل غير مسمى و لا معين و هو أحسن من أن يكون قال لم تغضب عليهم و في النعمة الذين أنعم عليهم .

و من هذا الباب قوله تعالى‏ وَ قََالُوا اِتَّخَذَ اَلرَّحْمََنُ وَلَداً فأخبر بقالوا عن غائبين ثم قال‏ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (1) فأتى بلفظ الخطاب استعظاما للأمر كالمنكر على قوم حاضرين عنده .

و من الانتقال عن الخطاب إلى الغيبة قوله تعالى‏ هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِهََا جََاءَتْهََا رِيحٌ عََاصِفٌ... (2) الآية .

____________

(1) سورة مريم 88، 89.

(2) سورة يونس 22.

197

و فائدة ذلك أنه صرف الكلام من خطاب الحاضرين إلى أخبار قوم آخرين بحالهم كأنه يعدد على أولئك ذنوبهم و يشرح لهؤلاء بغيهم و عنادهم الحق و يقبح عندهم ما فعلوه و يقول أ لا تعجبون من حالهم كيف دعونا فلما رحمناهم و استجبنا دعاءهم عادوا إلى بغيهم و هذه الفائدة لو كانت الآية كلها على صيغة خطاب الحاضر مفقودة قال ع ما رأتك العيون فتخبر عنك‏ كما يخبر الإنسان عما شاهده بل أنت أزلي قديم موجود قبل الواصفين لك (1) - .

فإن قلت فأي منافاة بين هذين الأمرين أ ليس من الممكن أن يكون سبحانه قبل الواصفين له‏ و مع ذلك يدرك بالأبصار إذا خلق خلقه ثم يصفونه رأي عين قلت بل هاهنا منافاة ظاهرة و ذلك لأنه إذا كان قديما لم يكن جسما و لا عرضا و ما ليس بجسم و لا عرض تستحيل رؤيته فيستحيل أن يخبر عنه على سبيل المشاهدة (2) - .

ثم ذكر ع أنه لم يخلق الخلق لاستيحاشه‏ و تفرده و لا استعملهم‏ بالعبادة لنفعه و قد تقدم شرح هذا (3) - .

ثم قال لا تطلب أحدا فيسبقك‏ أي يفوتك و لا يفلتك من أخذته‏ .

فإن قلت أي فائدة في قوله‏ و لا يفلتك من أخذته لأن عدم الإفلات هو الأخذ فكأنه قال لا يفلتك من لم يفلتك قلت المراد أن من أخذت لا يستطيع أن يفلت كما يستطيع المأخوذون مع ملوك الدنيا أن يفلتوا بحيلة من الحيل .

فإن قلت أفلت فعل لازم فما باله عداه .

قلت تقدير الكلام لا يفلت منك فحذف حرف الجر كما قالوا استجبتك أي استجبت لك قال‏

198

فلم يستجبه عند ذاك مجيب‏ (1) .

و قالوا استغفرت الله الذنوب أي من الذنوب و قال الشاعر

أستغفر الله ذنبا لست محصيه # رب العباد إليه الوجه و العمل (1) -

قوله ع‏ و لا يرد أمرك من سخط قضاءك و لا يستغني عنك من تولى عن أمرك تحته سر عظيم و هو قول أصحابنا في جواب قول المجبرة لو وقع منا ما لا يريده لاقتضى ذلك نقصه إنه لا نقص في ذلك لأنه لا يريد الطاعات منا إرادة قهر و إلجاء و لو أرادها إرادة قهر لوقعت و غلبت إرادته إرادتنا و لكنه تعالى أراد منا أن نفعل نحن الطاعة اختيارا فلا يدل عدم وقوعها منا على نقصه و ضعفه كما لا يدل بالاتفاق بيننا و بينكم عدم وقوع ما أمر به على ضعفه و نقصه (2) - .

ثم قال ع‏ كل سر عندك علانية أي لا يختلف الحال عليه في الإحاطة بالجهر و السر لأنه عالم لذاته و نسبة ذاته إلى كل الأمور واحدة (3) - .

ثم قال‏ أنت الأبد فلا أمد لك هذا كلام علوي شريف لا يفهمه إلا الراسخون في العلم و فيه سمة من

14- قول 14النبي ص لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله.

و في مناجاة الحكماء لمحة منه أيضا و هو قولهم أنت الأزل السرمد و أنت الأبد الذي لا ينفد بل قولهم أنت الأبد الذي لا ينفد هو قوله‏ أنت الأبد فلا أمد لك بعينه و نحن نشرحه هاهنا على موضوع هذا الكتاب فإنه كتاب أدب لا كتاب نظر فنقول إن له في‏العربيةمحملين أحدهما أن المراد به أنت ذو الأبد كما قالوا رجل خال أي ذو خال و الخال الخيلاء و رجل داء أي به داء و رجل

____________

(1) صدره:

*و داع دعا يا من يجيب إلى النّدى*

أمالي الفالى 2: 151، من قصيدة لكعب بن سعد الغنوى يرثى بها أبا المغوار.

199

مال أي ذو مال و المحمل الثاني أنه لما كان الأزل و الأبد لا ينفكان عن وجوده سبحانه جعله ع كأنه أحدهما بعينه كقولهم أنت الطلاق لما أراد المبالغة في البينونة جعلها كأنها الطلاق نفسه و مثله قول الشاعر

فإن المندى رحلة فركوب‏ (1)

و قال أبو الفتح في الدمشقيات استدل أبو علي على صرف منى للموضع المخصوص بأنه مصدر منى يمني قال فقلت له أ تستدل بهذا على أنه مذكر لأن المصدر إلى التذكير فقال نعم فقلت فما تنكر ألا يكون فيه دلالة عليه لأنه لا ينكر أن يكون مذكر سمي به البقعة المؤنثة فلا ينصرف كامرأة سميتها بحجر و جبل و شبع و معي فقال إنما ذهبت إلى ذلك لأنه جعل كأنه المصدر بعينه لكثرة ما يعاني فيه ذلك فقلت الآن نعم .

و من هذا الباب قوله‏

فإنما هي إقبال و إدبار (2) .

و قوله‏

و هن من الإخلاف قبلك و المطل (1) -.

و قوله‏ فلا منجى منك إلا إليك قد أخذه الفرزدق فقال لمعاوية

إليك فررت منك و من زياد # و لم أحسب دمي لكما حلالا (2) - (3)

ثم استعظم و استهول خلقه الذي يراه و ملكوته الذي يشاهده و استصغر و استحقر

____________

(1) لعلقمة و صدره:

*تراد على دمن الحياض فإن تعف*

(2) للخنساء، ديوانها 78، و صدره:

*ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت *

(3) ديوانه 2: 608.

200

ذلك بالإضافة إلى قدرته تعالى و إلى ما غاب عنا من سلطانه ثم تعجب من سبوغ نعمه تعالى في الدنيا و استصغر ذلك بالنسبة إلى نعم الآخرة و هذا حق لأنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ـ مِنْهَا:

مِنْ مَلاَئِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ وَ رَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ وَ أَخْوَفُهُمْ لَكَ وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْكَ لَمْ يَسْكُنُوا اَلْأَصْلاَبَ وَ لَمْ يُضَمَّنُوا اَلْأَرْحَامَ وَ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ وَ لَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ رَيْبُ اَلْمَنُونِ وَ إِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ وَ اِسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ وَ كَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ وَ قِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ وَ لَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ لَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ وَ لَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَ مَعْبُوداً بِحُسْنِ بَلاَئِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ خَلَقْتَ دَاراً وَ جَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً مَشْرَباً وَ مَطْعَماً وَ أَزْوَاجاً وَ خَدَماً وَ قُصُوراً وَ أَنْهَاراً وَ زُرُوعاً وَ ثِمَاراً ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا فَلاَ اَلدَّاعِيَ أَجَابُوا وَ لاَ فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا وَ لاَ إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اِشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ اِفْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا وَ اِصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ (1) يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ قَدْ خَرَقَتِ اَلشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ وَ أَمَاتَتِ اَلدُّنْيَا قَلْبَهُ وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا وَ حَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لاَ يَنْزَجِرُ مِنَ اَللَّهِ بِزَاجِرٍ وَ لاَ يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ وَ هُوَ يَرَى اَلْمَأْخُوذِينَ

____________

(1) ساقطة من ب.

201

عَلَى اَلْغِرَّةِ حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ لَهُمْ وَ لاَ رَجْعَةَ كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ اَلدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ وَ قَدِمُوا مِنَ اَلآْخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ وَ حَسْرَةُ اَلْفَوْتِ فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ وَ تَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ ثُمَّ اِزْدَادَ اَلْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ وَ إِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ وَ يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَ بَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ وَ فِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ وَ يَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا وَ أَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَ مُشْتَبِهَاتِهَا قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا وَ أَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يُنَعَّمُونَ يَنْعَمُونَ فِيهَا وَ يَتَمَتَّعُونَ بِهَا فَيَكُونُ اَلْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ وَ اَلْعِبْ‏ءُ عَلَى ظَهْرِهِ وَ اَلْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ اَلْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ وَ يَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمْرِهِ وَ يَتَمَنَّى أَنَّ اَلَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَ يَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ فَلَمْ يَزَلِ اَلْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ وَ لاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ وَ لاَ يَسْمَعُ رَجْعَ كَلاَمِهِمْ ثُمَّ اِزْدَادَ اَلْمَوْتُ اِلْتِيَاطاً بِهِ فَقَبَضَ بَصَرَهُ كَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ وَ خَرَجَتِ اَلرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ قَدْ أُوحِشُوا أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ وَ تَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ لاَ يُسْعِدُ بَاكِياً وَ لاَ يُجِيبُ دَاعِياً ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ فِي اَلْأَرْضِ فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ وَ اِنْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ وَ اَلْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ وَ أُلْحِقَ آخِرُ اَلْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ وَ جَاءَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ أَمَادَ اَلسَّمَاءَ وَ فَطَرَهَا وَ أَرَجَّ اَلْأَرْضَ وَ أَرْجَفَهَا وَ قَلَعَ جِبَالَهَا وَ نَسَفَهَا وَ دَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلاَلَتِهِ وَ مَخُوفِ سَطْوَتِهِ وَ أَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاَقِهِمْ وَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ‏

202

مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا اَلْأَعْمَالِ وَ خَبَايَا اَلْأَفْعَالِ وَ جَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاَءِ وَ اِنْتَقَمَ مِنْ هَؤُلاَءِ فَأَمَّا أَهْلُ اَلطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ وَ خَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ حَيْثُ لاَ يَظْعَنُ اَلنُّزَّالُ وَ لاَ تَتَغَيَّرُ بِهِمُ اَلْحَالُ وَ لاَ تَنُوبُهُمُ اَلْأَفْزَاعُ وَ لاَ تَنَالُهُمُ اَلْأَسْقَامُ وَ لاَ تَعْرِضُ لَهُمُ اَلْأَخْطَارُ وَ لاَ تُشْخِصُهُمُ اَلْأَسْفَارُ وَ أَمَّا أَهْلُ اَلْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ وَ غَلَّ اَلْأَيْدِيَ إِلَى اَلْأَعْنَاقِ وَ قَرَنَ اَلنَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ وَ أَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ اَلْقَطِرَانِ وَ مُقَطَّعَاتِ اَلنِّيرَانِ فِي عَذَابٍ قَدِ اِشْتَدَّ حَرُّهُ وَ بَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَ لَجَبٌ وَ لَهَبٌ سَاطِعٌ وَ قَصِيفٌ هَائِلٌ لاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَ لاَ يُفَادَى أَسِيرُهَا وَ لاَ تُفْصَمُ كُبُولُهَا لاَ مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى وَ لاَ أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى. هذا موضع المثل في كل شجرة نار و استمجد المرخ و العفار الخطب الوعظية الحسان كثيرة و لكن هذا حديث يأكل الأحاديث‏

محاسن أصناف المغنين جمة # و ما قصبات السبق إلا لمعبد.

من أراد أن يتعلم‏الفصاحةوالبلاغةو يعرف فضل الكلام بعضه على بعض فليتأمل هذه الخطبة فإن نسبتها إلى كل فصيح من الكلام عدا كلام الله و 14رسوله نسبة الكواكب المنيرة الفلكية إلى الحجارة المظلمة الأرضية ثم لينظر الناظر إلى ما عليها من البهاء و الجلالة و الرواء و الديباجة و ما تحدثه من الروعة و الرهبة و المخافة و الخشية حتى لو تليت على زنديق ملحد مصمم على اعتقاد نفي البعث و النشور لهدت قواه و أرعبت قلبه و أضعفت على نفسه و زلزلت اعتقاده فجزى الله قائلها عن الإسلام أفضل‏