شرح نهج البلاغة - ج7

- ابن ابي الحديد المزيد...
310 /
203

ما جزى به وليا من أوليائه فما أبلغ نصرته له تارة بيده و سيفه و تارة بلسانه و نطقه و تارة بقلبه و فكره إن قيل جهاد و حرب فهو سيد المجاهدين و المحاربين و إن قيل وعظ و تذكير فهو أبلغ الواعظين و المذكرين و إن قيل فقه و تفسير فهو رئيس الفقهاء و المفسرين و إن قيل عدل و توحيد فهو إمام أهل العدل و الموحدين‏

ليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد (1) - (1) .

ثم نعود إلى الشرح فنقول قوله ع‏ أسكنتهم سماواتك لا يقتضي أن جميع الملائكة في السماوات فإنه قد ثبت أن الكرام الكاتبين في الأرض و إنما لم يقتض ذلك لأن قوله‏ من ملائكة ليس من صيغ العموم فإنه نكرة في سياق الإثبات و قد قيل أيضا إن ملائكة الأرض تعرج إلى السماء و مسكنها بها و يتناوبون على أهل الأرض (2) - .

قوله‏ هم أعلم خلقك بك ليس يعني به أنهم يعلمون من ماهيته تعالى ما لا يعلمه البشر أما على قول المتكلمين فلأن ذاته تعالى معلومة للبشر و العلم لا يقبل الأشد و الأضعف و أما على قول الحكماء فلأن ذاته تعالى غير معلومة للبشر و لا للملائكة و يستحيل أن تكون معلومة لأحد منهم فلم يبق وجه يحمل عليه قوله ع‏ هم أعلم خلقك بك إلا أنهم يعلمون من تفاصيل مخلوقاته و تدبيراته ما لا يعلمه غيرهم كما يقال وزير الملك أعلم بالملك من الرعية ليس المراد أنه أعلم بذاته و ماهيته بل بأفعاله و تدبيره و مراده و غرضه (3) - .

قوله‏ و أخوفهم لك لأن قوتي الشهوة و الغضب مرفوعتان عنهم و هما منبع

____________

(1) لأبى نواس، التمثيل و المحاضرة 80.

204

الشر و بهما يقع الطمع و الإقدام على المعاصي و أيضا فإن منهم من يشاهد الجنة و النار عيانا فيكون أخوف لأنه ليس الخبر كالعيان (1) - .

قوله‏ و أقربهم منك لا يريد القرب المكاني لأنه تعالى منزه عن المكان و الجهة بل المراد كثرة الثواب و زيادة التعظيم و التبجيل و هذا يدل على صحة مذهب أصحابنا في أن الملائكة أفضل من الأنبياء (2) - .

ثم نبه على مزية لهم تقتضي أفضلية جنسهم على جنس البشر بمعنى الأشرفية لا بمعنى زيادة الثواب و هو قوله‏ لم يسكنوا الأصلاب و لم يضمنوا الأرحام و لم يخلقوا من ماء مهين و لم يتشعبهم ريب المنون و هذه خصائص أربع فالأولى أنهم لم يسكنوا الأصلاب‏ و البشر سكنوا الأصلاب و لا شبهة أن ما ارتفع عن مخالطة الصورة اللحمية و الدموية أشرف مما خالطها و مازجها .

و الثانية أنهم لم يضمنوا الأرحام‏ و لا شبهة أن من لم يخرج من ذلك الموضع المستقذر أشرف ممن خرج منه و كان أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد بن كامكاو بن يزدجرد بن شهريار ـيفخر على أبناء الملوك بأنه لم يخرج من بضع امرأة لأن أمه ماتت و هي حامل به فشق بطنها عنه و أخرج قال أبو الريحان البيروني في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية عن هذا الرجل أنه كان يتيه على الناس و إذا شتم أحدا قال ابن البضع قال أبو الريحان و أول من اتفق له ذلك الملك المعروف بأغسطس ملك الروم و هو أول من سمي فيهم قيصر لأن تفسير قيصر بلغتهم شق عنه و أيامه تاريخ كما أن أيام الإسكندر تاريخ لعظمه و جلالته عندهم .

و الثالثة أنهم لم يخلقوا من ماء مهين‏ و قد نص القرآن العزيز على أنه مهين و كفى ذلك في تحقيره و ضعته فهم لا محالة أشرف ممن خلق منه لا سيما و قد ذهب كثير من العلماء إلى نجاسته .

205

و الرابعة أنهم لا يتشعبهم‏ المنية و لا ريب أن من لا تتطرق إليه الأسقام و الأمراض و لا يموت أشرف ممن هو في كل ساعة و لحظة بعرض سقام و بصدد موت و حمام .

و اعلم أن مسألة تفضيل الملائكة على الأنبياء لها صورتان إحداهما أن أفضل بمعنى كونهم أكثر ثوابا و الأخرى كونهم أفضل بمعنى أشرف كما تقول إن الفلك أفضل من الأرض أي إن الجوهر الذي منه جسمية الفلك أشرف من الجوهر الذي منه جسمية الأرض .

و هذه المزايا الأربع دالة على تفضيل الملائكة بهذا الاعتبار الثاني .

قوله ع‏ يتشعبهم ريب المنون أي يتقسمهم و الشعب التفريق و منه قيل للمنية شعوب لأنها تفرق الجماعات و ريب المنون‏ حوادث الدهر و أصل الريب ما راب الإنسان أي جاءه بما يكره و المنون‏ الدهر نفسه و المنون‏ أيضا المنية لأنها تمن المدة أي تقطعها و المن القطع و منه قوله تعالى‏ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (1) .

و قال لبيد

غبس كواسب لا يمن طعامها (1) - (2) .

ثم ذكر أنهم كثرة عبادتهم‏ و إخلاصهم لو عاينوا كنه ما خفي عليهم‏ من البارئ تعالى لحقروا أعمالهم‏ و زروا على أنفسهم‏ أي عابوها تقول زريت على فلان أي عبته و أزريت بفلان أي قصرت به .

____________

(1) سورة فصلت 8.

(2) صدره:

*لمعفّر قهد تنازع شلوه*

المعفر: الذي سحب في العفر؛ و هو التراب. و القهد: الأبيض. و العبس: الذئاب، و العبسة لون فيه شبيه بالغبرة، و كواسب: تكسب الصيد. و قوله: «ما يمن طعامها» ، أي ما ينقص. (المعلقات بشرح التبريزى 145) .

206

فإن قلت ما هذا الكنه الذي خفي عن الملائكة حتى قال لو عاينوه لحقروا عبادتهم و لعلموا أنهم قد قصروا فيها قلت إن علوم الملائكة بالبارئ تعالى نظرية كعلوم البشر و العلوم النظرية دون العلوم الضرورية في الجلاء و الوضوح 1فأمير المؤمنين ع يقول لو كانت علومهم بك و بصفاتك إثباتية و السلبية و الإضافية ضرورية عوض علومهم هذه المتحققة الآن التي هي نظرية و لا نكشف لهم ما ليس الآن على حد ذلك الكشف و الوضوح و لا شبهة أن العبادة و الخدمة على قدر المعرفة بالمعبود فكلما كان العابد به أعرف كانت عبادته له أعظم و لا شبهة أن العظيم عند الأعظم حقير (1) - .

فإن قلت فما معنى قوله‏ و استجماع أهوائهم فيك و هل للملائكة هوى و هل تستعمل الأهواء إلا في الباطل قلت الهوى الحب و ميل النفس و قد يكون في باطل و حق و إنما يحمل على أحدهما بالقرينة و الأهواء تستعمل فيهما و معنى استجماع أهوائهم فيه أن دواعيهم إلى طاعته و خدمته لا تنازعها الصوارف و كانت مجتمعة مائلة إلى شق واحد (2) - .

فإن قلت الباء في قوله بحسن بلائك‏ بما ذا تتعلق قلت الباء هاهنا للتعليل بمعنى اللام كقوله تعالى‏ ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كََانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ (1) أي لأنهم فتكون متعلقة بما في سبحانك‏ من معنى الفعل أي أسبحك لحسن بلائك و يجوز أن تتعلق بمعبود أي يعبد لذلك (3) - .

ثم قال‏ خلقت دارا يعني الجنة (4) - و المأدبة و المأدبة بفتح الدال و ضمها الطعام الذي يدعى الإنسان إليه أدب زيد القوم يأدبهم بالكسر أي دعاهم إلى طعامه و الآدب الداعي إلى طعامه قال طرفة

____________

(1) سورة غافر 22.

207

نحن في المشتاة ندعو الجفلى # لا ترى الآدب فينا ينتقر (1)

و في هذا الكلام دلالة على أن الجنة الآن مخلوقة و هو مذهب أكثر أصحابنا (1) - .

و معنى قوله‏ و زروعا أي و غروسا من الشجر يقال زرعت الشجر كما يقال زرعت البر و الشعير و يجوز أن يقال الزروع جمع زرع و هو الإنبات يقال زرعه الله أي أنبته و منه قوله تعالى‏ أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تَحْرُثُونَ `أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلزََّارِعُونَ (2) و لو قال قائل إن في الجنة زروعا من البر و القطنية (3) لم يبعد (2) - .

قوله‏ ثم أرسلت داعيا يعني الأنبياء (3) - و أقبلوا على جيفة يعني الدنيا و من كلام الحسن رضي الله عنه إنما يتهارشون على جيفة (4) - .

و إلى قوله‏ و من عشق شيئا أعشى بصره نظر الشاعر فقال‏

و عين الرضا عن كل عيب كليلة # كما أن عين السخط تبدي المساويا (4)

و قيل لحكيم ما بال الناس لا يرون عيب أنفسهم كما يرون عيب غيرهم قال إن الإنسان عاشق لنفسه و العاشق لا يرى عيوب المعشوق (5) - .

قد خرقت الشهوات عقله أي أفسدته كما تخرق الثوب فيفسد (6) - .

و إلى قوله‏ فهو عبد لها و لمن في يديه شي‏ء منها نظر ابن دريد فقال‏

عبيد ذي المال و إن لم يطمعوا # من ماله في نغبة تشفي الصدى

و هم لمن أملق أعداء و إن # شاركهم فيما أفاد و حوى.

(7) -

____________

(1) ديوانه 68. المشتاة: يريد الشتاء و البرد، و الجفلى: أن يعم بدعوته إلى طعام و لا يخص أحدا و الانتقار، أن يدعو النقرى، و هي أن يخصهم و لا يعمهم.

(2) سورة الواقعة 63، 64.

(3) القطنية: ما سوى الحنطة و الشعير و الزبيب و التمر. القاموس.

(4) لعبد اللّه بن معاوية، زهر الآداب 85.

208

و إلى قوله‏ حيثما زالت زال إليها و حيثما أقبلت أقبل عليها نظر الشاعر فقال‏

ما الناس إلا مع الدنيا و صاحبها # فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا

يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت # يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا (1) -.

و الغرة الاغترار و الغفلة و الغار الغافل و قد اغتررت بالرجل و اغتره زيد أي أتاه على غرة منه و يجوز أن يعني بقوله‏ المأخوذين على الغرة الحداثة و الشبيبة يقول كان ذلك في غرارتي و غرتي أي في حداثتي و صباي (2) - .

قوله‏ سكرة الموت و حسرة الفوت أي الحسرة على ما فاتهم من الدنيا و لذتها و الحسرة على ما فاتهم من التوبة و الندم و استدراك فارط المعاصي (3) - .

و الولوج‏ الدخول ولج يلج (4) - .

قوله‏ و بقاء من لبه أي لبه باق لم يعدم و يروى و نقاء بالنون و النقاء النظافة أي لبه غير مغمور (5) - .

أغمض في مطالبها أي تساهل في دينه في اكتسابه إياها أي كان يفنى نفسه بتأويلات ضعيفة في استحلال تلك المطالب و المكاسب فذاك هو الإغماض قال تعالى‏ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاََّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ (1) و يمكن أن يحمل على وجه آخر و هو أنه قد كان يحتال بحيل غامضة دقيقة في تلك المطالب حتى حصلها و اكتسبها (6) - .

قوله ع‏ و أخذها من مصرحاتها و مشتبهاتها أي من وجوه مباحة و ذوات شبهة و هذا يؤكد المحمل الأول في أغمض (7) - .

و التبعات‏ الآثام الواحدة تبعة و مثلها التباعة قال

____________

(1) سورة البقرة 267.

209

لم يحذروا من ربهم # سوء العواقب و التباعة (1) - (1) .

و المهنأ المصدر من هنئ الطعام و هنؤ بالكسر و الضم مثل فقه و فقه فإن كسرت قلت يهنأ و إن ضممت قلت يهنؤ و المصدر هناءة و مهنأ أي صار هنيئا و هنأني الطعام يهنؤني و يهنئني و لا نظير له في المهموز هنأ و هناء و هنئت الطعام أي تهنأت به و منه قوله تعالى‏ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (2) - (2) .

و العب‏ء الحمل و الجمع أعباء (3) - .

و غلق الرهن‏ أي استحقه المرتهن و ذلك إذا لم يفتكك في الوقت المشروط قال زهير

و فارقتك برهن لا فكاك له # يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا (3) .

فإن قلت فما معنى قوله ع‏ قد غلقت رهونه بها في هذا الموضع قلت لما كان قد شارف الرحيل و أشفى على الفراق و صارت تلك الأموال التي جمعها مستحقة لغيره و لم يبق له فيها تصرف أشبهت الرهن الذي غلق على صاحبه فخرج عن كونه مستحقا له و صار مستحقا لغيره و هو المرتهن (4) - .

ـو أصحر انكشف و أصله الخروج إلى الصحراء و البروز من المكمن (5) - .

رجع كلامهم‏ ما يتراجعونه بينهم‏ (4) من الكلام (6) - ازداد الموت التياطا به أي التصاقا (7) - قد أوحشوا أي جعلوا مستوحشين و المستوحش المهموم الفزع و يروى أوحشوا من جانبه أي خلوا منه و أقفروا تقول قد أوحش المنزل من أهله أي أقفر (8) - .

و خلا إلى مخط في الأرض أي إلى خط سماه مخطا أو خطا لدقته يعني اللحد

____________

(1) اللسان 9: 285، و قبله:

أكلت حنيفة ربّها # زمن التّقحّم و المجاعه.

(2) سورة النساء 4.

(3) ديوانه 33.

(4) ساقطة من ب.

210

و يروى إلى محط بالحاء المهملة و هو المنزل و حط القوم أي نزلوا (1) - .

و ألحق آخر الخلق بأوله أي تساوى الكل في شمول الموت و الفناء لهم فالتحق الآخر بالأول (2) - .

أماد السماء حركها و يروى أمار و الموران الحركة و فطرها شقها (3) - و أرج الأرض زلزلها تقول رجت الأرض و أرجها الله و يجوز رجها و قد روي رج الأرض بغير همزة و هو الأصح و عليه ورد القرآن إِذََا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا (1) .

أرجفها جعلها راجفة أي مرتعدة متزلزلة رجفت الأرض ترجف و الرجفان الاضطراب الشديد و سمي البحر رجافا لاضطرابه قال الشاعر

حتى تغيب الشمس في الرجاف (4) - (2) .

و نسفها قلعها من أصولها (5) - و دك بعضها بعضا صدمه و دقه حتى يكسره و يسويه بالأرض و منه قوله سبحانه‏ وَ حُمِلَتِ اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبََالُ فَدُكَّتََا دَكَّةً وََاحِدَةً (6) - (3) .

ميزهم أي فصل بينهم (7) - فجعلهم فريقين سعداء و أشقياء و منه قوله تعالى‏ وَ اِمْتََازُوا اَلْيَوْمَ أَيُّهَا اَلْمُجْرِمُونَ (4) أي انفصلوا من أهل الطاعة (8) - .

يظعن يرحل (9) - تنوبهم الأفزاع‏ تعاودهم (10) - و تعرض لهم الأخطار جمع خطر و هو ما يشرف به على الهلكة .

(11) -

____________

(1) سورة الواقعة 4.

(2) لمطرود بن كعب الخزاعيّ، من أبيات يرثى فيها عبد المطلب؛ أوردها صاحب اللسان 11: 12 و ابن هشام 1: 117 (على هامش الروض الأنف) و صدره:

*المطعمون اللّحم كلّ عشيّة*

(3) سورة الحاقة 14.

(4) سورة يس 59.

211

و تشخصهم الأسفار تخرجهم من منزل إلى منزل شخص الرجل و أشخصه غيره (1) - و غل الأيدي جعلها في الأغلال جمع غل بالضم و هو القيد (2) - و القطران الهناء قطرت البعير أي طليته بالقطران قال‏

كما قطر المهنوءة الرجل الطالي‏ (1)

و بعير مقطور و هذا من الألفاظ القرآنية قال تعالى‏ سَرََابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرََانٍ وَ تَغْشى‏ََ وُجُوهَهُمُ اَلنََّارُ (2) و المعنى أن النار إلى القطران سريعة جدا (3) - .

و مقطعات النيران أي ثياب من النيران قد قطعت و فصلت لهم و قيل المقطعات‏ قصار الثياب (4) - و الكلب‏ الشدة و الجلب و اللجب‏ الصوت (5) - و القصيف‏ الصوت الشديد (6) - .

لا يقصم كبولها لا يكسر قيودها الواحد كبل (7) - .

ثم ذكر أن عذابهم سرمدي و أنه لا نهاية له نعوذ بالله من عذاب ساعة واحدة فكيف من العذاب الأبدي

موازنة بين كلام 1الإمام علي و خطب ابن نباتة

و نحن نذكر في هذا الموضع فصولا من خطب الخطيب الفاضل عبد الرحيم بن نباتة رحمه الله و هو الفائز بقصبات السبق من الخطباء و للناس غرام عظيم بخطبه و كلامه ليتأمل الناظر كلام 1أمير المؤمنين ع في خطبه و مواعظه و كلام هذا الخطيب المتأخر

____________

(1) لامرئ القيس، ديوانه 33، و صدره:

*أ يقتلني و قد شغفت فؤادها*

(2) سورة إبراهيم 50.

212

الذي قد وقع الإجماع على خطابته و حسنها و أن مواعظه هي الغاية التي ليس بعدها غاية فمن ذلك قوله أيها الناس تجهزوا فقد ضرب فيكم بوق الرحيل و ابرزوا فقد قربت لكم نوق التحويل و دعوا التمسك بخدع الأباطيل و الركون إلى التسويف و التعليل فقد سمعتم ما كرر الله عليكم من قصص أبناء القرى و ما وعظكم به من مصارع من سلف من الورى مما لا يعترض لذوي البصائر فيه شك و لا مرا و أنتم معرضون عنه إعراضكم عما يختلق و يفترى حتى كان ما تعلمون منه أضغاث أحلام الكرى و أيدي المنايا قد فصمت من أعماركم أوثق العرى و هجمت بكم على هول مطلع كريه القرى فالقهقرى رحمكم الله عن حبائل العطب القهقرى و اقطعوا مفاوز الهلكات بمواصلة السرى و قفوا على أحداث المنزلين من شناخيب الذرى المنجلين بوازع أم حبوكرى المشغولين بما عليهم من الموت جرى و اكشفوا عن الوجوه المنعمة أطباق الثرى تجدوا ما بقي منها عبرة لمن يرى فرحم الله امرأ رحم نفسه فبكاها و جعل منها إليها مشتكاها قبل أن تعلق به خطاطيف المنون و تصدق فيه أراجيف الظنون و تشرق عليه بمائها مقل العيون و يلحق بمن دثر من القرون قبل أن يبدوا على المناكب محمولا و يغدو إلى محل المصائب منقولا و يكون عن الواجب مسئولا و بالقدوم على الطالب الغالب مشغولا هناك يرفع الحجاب و يوضع الكتاب و تقطع الأسباب و تذهب الأحساب و يمنع الإعتاب و يجمع من حق عليه العقاب و من وجب له الثواب فيضرب‏ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بََابٌ بََاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظََاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذََابُ .

فلينظر المنصف هذا الكلام و ما عليه من أثر التوليد أولا بالنسبة إلى ذلك الكلام العربي المحض ثم لينظر فيما عليه من الكسل و الرخاوة و الفتور و البلادة حتى كأن ذلك‏

213

الكلام لعامر بن الطفيل (1) مستلئما شكته‏ (2) راكبا جواده و هذا الكلام للدلال المديني (3) المخنث آخذا زمارته متأبطا دفه .

و المح ما في بوق الرحيل من السفسفة و اللفظ العامي الغث و اعلم أنهم كلهم عابوا على أبي الطيب قوله‏

فإن كان بعض الناس سيفا لدولة # ففي الناس بوقات لها و طبول‏ (4)

و قالوا لا تدخل لفظة بوق في كلام يفلح أبدا .

و المح ما على قوله القهقرى القهقرى متكررة من الهجنة و أهجن منها أم حبوكرى‏ (5) و أين هذا اللفظ الحوشي الذي تفوح منه روائح الشيح و القيصوم و كأنه من أعرابي قح قد قدم من نجد لا يفهم محاورة أهل الحضر و لا أهل الحضر يفهمون حواره من هذه الخطبة اللينة الألفاظ التي تكاد أن تتثنى من لينها و تتساقط من ضعفها ثم المح هذه الفقر و السجعات التي أولها القرى ثم المر ثم يفترى ثم الكرى إلى قوله عبرة لمن يرى هل ترى تحت هذا الكلام معنى لطيفا أو مقصدا رشيقا أو هل تجد اللفظ نفسه لفظا جزلا فصيحا أو عذبا معسولا و إنما هي ألفاظ قد ضم بعضها إلى بعض و الطائل تحتها قليل جدا و تأمل لفظة مرا فإنها ممدودة في‏اللغةفإن كان قصرها فقد ركب ضرورة مستهجنة و إن أراد جمع مرية فقد خرج

____________

(1) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب العامرى، ابن عم لبيد؛ أحد فرسان العرب و فتاكهم. و انظر أخباره في خزانة الأدب 1: 473.

(2) الشكة بالكسر: السلاح.

(3) الدلال المديني، و اسمه ناقد، و كنيته أبو زيد، كان من أهل المدينة، و أحد ظرفاء ثلاثة كانوا بها: طويس، و الدلال، و هنب، كان هنب أقدمهم، و الدلال أصغرهم؛ و انظر أخباره في الأغانى 4:

269-301.

(4) ديوانه 3: 108.

(5) أم حبوكرى: من أسماء الداهية عندهم.

214

عن الصناعة لأنه يكون قد عطف الجمع المفرد فيصير مثل قول القائل ما أخذت منه دينارا و لا دراهم في أنه ليس بالمستحسن في فن البيان .

و من ذلك قوله أيها الناس حصحص الحق فما من الحق مناص و أشخص الخلق فما لأحد من الخلق خلاص و أنتم على ما يباعدكم من الله حراص و لكم على موارد الهلكة اغتصاص و فيكم عن مقاصد البركة انتكاص كأن ليس أمامكم جزاء و لا قصاص و لجوارح الموت في وحش نفوسكم اقتناص ليس بها عليها تأب و لا اعتياص .

فليتأمل أهل المعرفة بعلم الفصاحة و البيان هذا الكلام بعين الإنصاف يعلموا أن سطرا واحدا من كلام نهج البلاغة يساوى ألف سطر منه بل يزيد و يربي على ذلك فإن هذا الكلام ملزق عليه آثار كلفة و هجنة ظاهرة يعرفها العامي فضلا عن العالم .

و من هذه الخطبة فاهجروا رحمكم الله وثير المراقد و ادخروا طيب المكتسب تخلصوا من انتقاد الناقد و اغتنموا فسحة المهل قبل انسداد المقاصد و اقتحموا سبل الآخرة على قلة المرافق و المساعد .

فهل يجد متصفح الكلام لهذا الفصل عذوبة أو معنى يمدح الكلام لأجله و هل هو إلا ألفاظ مضموم بعضها إلى بعض ليس لها حاصل كما قيل في شعر ذي الرمة

بعر ظباء و نقط عروس‏ (1)

و من ذلك قوله فيا له من واقع في كرب الحشارج مصارع لسكرات الموت معالج حتى درج على تلك المدارج و قدم بصحيفته على ذي المعارج .

____________

(1) من كلام جرير في وصف شعر ذى الرمة، و انظر الموشح للمرزبانى 171.

غ

215

و غير خاف ما في هذا الكلام من التكلف .

و من ذلك قوله فكأنكم بمنادي الرحيل قد نادى في أهل الإقامة فاقتحموا بالصغار محجة القيامة يتلو الأوائل منهم الأواخر و يتبع الأكابر منهم الأصاغر و يلتحق الغوامر من ديارهم بالغوامر حتى تبتلع جميعهم الحفر و المقابر .

فإن هذا الكلام ركيك جدا لو قاله خطيب من خطباء قرى السواد لم يستحسن منه بل ترك و استرذل .

و لعل عائبا يعيب علينا فيقول شرعتم في المقايسة و الموازنة بين كلام 1أمير المؤمنين ع و بين كلام ابن نباتة و هل هذا إلا بمنزلة قول من يقول السيف أمضى من العصا و في هذه غضاضة على السيف فنقول إنه قد اشتملت كتب المتكلمين على المقايسة بين كلام الله تعالى و بين كلام البشر ليبينوا فضل القرآن و زيادة فصاحته على فصاحة كلام العرب نحو مقايستهم بين قوله تعالى‏ وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ (1) و بين قول القائل القتل أنفى للقتل و نحو مقايستهم بين قوله تعالى‏ خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجََاهِلِينَ (2) و بين قول الشاعر

فإن عرضوا بالشر فاصفح تكرما # و إن كتموا عنك الحديث فلا تسل.

و نحو إيرادهم كلام مسيلمة و أحمد بن سليمان المعري و عبد الله بن المقفع فصلا فصلا و الموازنة و المقايسة بين ذلك و بين القرآن المجيد و إيضاح أنه لا يبلغ ذلك إلى درجة

____________

(1) سورة البقرة 179.

(2) سورة الأعراف 199.

216

القرآن العزيز و لا يقاربها فليس بمستنكر منا أن نذكر كلام ابن نباتة في معرض إيرادنا كلام 1أمير المؤمنين ع لتظهر فضيلة كلامه ع بالنسبة إلى هذا الخطيب الفاضل الذي قد اتفق الناس على أنه أوحد عصره في فنه .

و اعلم أنا لا ننكر فضل ابن نباتة و حسن أكثر خطبه و لكن قوما من أهل العصبية و العناد يزعمون أن كلامه يساوى كلام 1أمير المؤمنين ع و يماثله و قد ناظر بعضهم في ذلك فأحببت أن أبين للناس في هذا الكتاب أنه لا نسبة لكلامه إلى كلام 1أمير المؤمنين ع و أنه بمنزلة شعر الأبله و ابن المعلم بالإضافة إلى زهير و النابغة . و اعلم أن معرفة الفصيح و الأفصح و الرشيق و الأرشق و الحلو و الأحلى و العالي و الأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق و لا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه و هو بمنزلة جاريتين إحداهما بيضاء مشربة حمرة دقيقة الشفتين نقية الثغر كحلاء العينين أسيلة الخد دقيقة الأنف معتدلة القامة و الأخرى دونها في هذه الصفات و المحاسن لكنها أحلى في العيون و القلوب منها و أليق و أصلح و لا يدرى لأي سبب كان ذلك و لكنه بالذوق و المشاهدة يعرف و لا يمكن تعليله و هكذا الكلام نعم يبقى الفرق بين الموضعين أن حسن الوجوه و ملاحتها و تفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة و أما الكلام فلا يعرفه إلا أهل الذوق و ليس كل من اشتغل‏بالنحوواللغةأوبالفقه‏كان من أهل الذوق و ممن يصلح لانتقاد الكلام و إنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم‏البيان‏و راضوا أنفسهم بالرسائل و الخطب و الكتابة و الشعر و صارت لهم‏

217

بذلك دربة و ملكة تامة فإلى أولئك ينبغي أن ترجع في معرفة الكلام و فضل بعضه على بعض إن كنت عادما لذلك من نفسك‏ مِنْهَا فِي ذِكْرِ 14اَلنَّبِيِّ ص :

قَدْ حَقَّرَ اَلدُّنْيَا وَ صَغَّرَهَا وَ أَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا وَ عَلِمَ أَنَّ اَللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اِخْتِيَاراً وَ بَسَطَهَا لِغَيْرِهِ اِحْتِقَاراً فَأَعْرَضَ عَنِ اَلدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ عَنْ نَفْسِهِ وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً وَ دَعَا إِلَى اَلْجَنَّةِ مُبَشِّراً وَ خَوَّفَ مِنَ اَلنَّارِ مُحَذِّراً (1) -. فعل مشدد للتكثير قتلت أكثر من قتلت فيقتضي قوله ع‏ قد حقر الدنيا زيادة تحقير 14النبي ص لها و ذلك أبلغ في الثناء عليه و تقريظه .

قوله‏ و صغرها أي و صغرها عند غيره ليكون قوله‏ و أهون بها و هونها مطابقا له أي أهون هو بها و هونها عند غيره (2) - .

و زواها قبضها

14- قال ع زويت لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها.

و قوله‏ اختيارا أي قبض الدنيا عنه باختيار و رضا من 14النبي ص بذلك و علم بما فيه من رفعة قدره و منزلته في الآخرة (3) - .

218

و الرياش‏ و الريش بمعنى و هو اللباس الفاخر كالحرم و الحرام و اللبس و اللباس و قرئ و رياشا وَ لِبََاسُ اَلتَّقْوى‏ََ ذََلِكَ خَيْرٌ (1) و يقال الريش و الرياش المال و الخصب و المعاش و ارتاش فلان حسنت حاله (1) - و معذرا أي مبالغا أعذر فلان في الأمر أي بالغ فيه نَحْنُ شَجَرَةُ اَلنُّبُوَّةِ وَ مَحَطُّ اَلرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ اَلْمَلاَئِكَةِ وَ مَعَادِنُ اَلْعِلْمِ وَ يَنَابِيعُ اَلْحُكْمِ نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ اَلرَّحْمَةَ وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ اَلسَّطْوَةَ. هذا الكلام غير ملتصق بالأول كل الالتصاق و هو من النمط الذي ذكرناه مرارا لأن الرضي رحمه الله يقتضب فصولا من خطبة طويلة فيوردها إيرادا واحدا و بعضها منقطع عن البعض (2) - .

قوله ع‏ نحن شجرة النبوة كأنه جعل النبوة كثمرة أخرجتها شجرة بني هاشم (3) - و محط الرسالة منزلها و مختلف الملائكة موضع اختلافها في صعودها و نزولها و إلى هذا المعنى نظر بعض الطالبيين فقال يفتخر على بني عم له ليسوا بفاطميين

هل كان يقتعد البراق أبوكم # أم كان جبريل عليه ينزل

أم هل يقول له الإله مشافها # بالوحي قم‏ يََا أَيُّهَا اَلْمُزَّمِّلُ .

____________

(1) سورة الأعراف 26 و هي قراءة عاصم، و انظر تفسير القرطبيّ 7: 184.

219

و قال آخر يمدح قوما فاطميين‏

و يطرقه الوحي وهنا و أنتم # ضجيعان بين يدي جبرئيلا

يعني 2حسنا ع و 3حسينا ع . و اعلم أنه إن أراد بقوله نحن مختلف الملائكة جماعة من جملتها 14رسول الله ص فلا ريب في صحة القضية و صدقها و إن أراد بها 1نفسه و 3,2ابنيه فهي أيضا صحيحة و لكن مدلوله مستنبط

14- فقد جاء في الأخبار الصحيحة أنه قال يا جبريل إنه مني و أنا منه فقال جبريل و أنا منكما.

و

14,1- روى أبو أيوب الأنصاري مرفوعا لقد صلت الملائكة علي و على 1علي سبع سنين لم تصل على ثالث لنا.

و ذلك قبل أن يظهر أمر الإسلام و يتسامع الناس به .

و

2,1,14- في خطبة 2الحسن بن علي ع لما قبض أبوه لقد فارقكم في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون و لا يدركه الآخرون كان يبعثه 14رسول الله ص للحرب و جبريل عن يمينه و ميكائيل عن يساره .

و

1,14- جاء في الحديث أنه سمع‏صوت من الهواء من جهة السماء يقول لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا 1علي و أن 14رسول الله ص قال هذا صوت جبريل (1) - .

فأما قوله‏ و معادن العلم و ينابيع الحكم يعني الحكمة أو الحكم الشرعي فإنه و إن عنى بها نفسه و ذريته فإن الأمر فيها ظاهر جدا

14,1- قال 14رسول الله ص أنا مدينة العلم و 1علي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب.

و

14,1- قال أقضاكم 1علي .

و القضاء أمر يستلزم علوما كثيرة .

و

14,1- جاء في الخبر أنه بعثه إلى اليمن قاضيا فقال يا 14رسول الله إنهم كهول و ذوو أسنان‏

220

و أنا فتى و ربما لم أصب فيما أحكم به بينهم فقال له اذهب فإن الله سيثبت قلبك و يهدي لسانك .

ـ

14,1- و جاء في تفسير قوله تعالى‏ وَ تَعِيَهََا أُذُنٌ وََاعِيَةٌ (1) سألت الله أن يجعلها أذنك ففعل .

1- و جاء في تفسير قوله تعالى‏ أَمْ يَحْسُدُونَ اَلنََّاسَ عَلى‏ََ مََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ (2) أنها أنزلت في 1علي ع و ما خص به من العلم .

1- و جاء في تفسير قوله تعالى‏ أَ فَمَنْ كََانَ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ (3) أن الشاهد 1علي ع .

و

14,15,1- روى المحدثون أنه قال 15لفاطمة زوجتك أقدمهم سلما و أعظمهم حلما و أعلمهم علما.

و

14,1- روى المحدثون أيضا 14عنه ع أنه قال من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه و موسى في علمه و عيسى في ورعه فلينظر إلى 1علي بن أبي طالب .

و بالجملة فحاله في العلم حال رفيعة جدا لم يلحقه أحد فيها و لا قاربه و حق له أن يصف نفسه بأنه معادن العلم و ينابيع الحكم‏ فلا أحد أحق بها منه بعد 14رسول الله ص (1) - .

فإن قلت كيف قال‏ عدونا و مبغضنا ينتظر السطوة و نحن نشاهد أعداءه و مبغضيه لا ينتظرونها قلت لما كانت منتظرة لهم و معلوما بيقين حلولها بهم صاروا كالمنتظرين لها و أيضا فإنهم ينتظرون الموت لا محالة الذي كل إنسان ينتظره و لما كان الموت مقدمة العقاب و طريقا إليه جعل انتظاره انتظار ما يكون بعده‏

____________

(1) سورة الحاقة 12.

(2) سورة النساء 54.

(3) سورة هود 17.

221

*1109* 108 و من خطبة له ع‏

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ اَلْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى اَلْإِيمَانُ بِهِ وَ 14بِرَسُولِهِ وَ اَلْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ اَلْإِسْلاَمِ وَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلاَصِ فَإِنَّهَا اَلْفِطْرَةُ وَ إِقَامُ اَلصَّلاَةِ فَإِنَّهَا اَلْمِلَّةُ وَ إِيتَاءُ اَلزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ اَلْعِقَابِ وَ حَجُّ اَلْبَيْتِ وَ اِعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ اَلْفَقْرَ وَ يَرْحَضَانِ اَلذَّنْبَ وَ صِلَةُ اَلرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي اَلْمَالِ وَ مَنْسَأَةٌ فِي اَلْأَجَلِ وَ صَدَقَةُ اَلسِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ اَلْخَطِيئَةَ وَ صَدَقَةُ اَلْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ اَلسُّوءِ وَ صَنَائِعُ اَلْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ اَلْهَوَانِ أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اَللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ اَلذِّكْرِ وَ اِرْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ اَلْمُتَّقِينَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ اَلْوَعْدِ وَ اِقْتَدُوا بِهَدْيِ 14نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ اَلْهَدْيِ وَ اِسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى اَلسُّنَنِ وَ تَعَلَّمُوا اَلْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ اَلْحَدِيثِ وَ تَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ اَلْقُلُوبِ وَ اِسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ اَلصُّدُورِ وَ أَحْسِنُوا تِلاَوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ اَلْقَصَصِ وَ إِنَّ اَلْعَالِمَ اَلْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ اَلْحَائِرِ اَلَّذِي لاَ يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ بَلِ اَلْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَ اَلْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ وَ هُوَ عِنْدَ اَللَّهِ أَلْوَمُ (1) -. ذكر ع ثمانية أشياء كل منها واجب .

222

أولها الإيمان بالله و 14برسوله و يعني بالإيمان هاهنا مجرد التصديق بالقلب مع قطع النظر عما عدا ذلك من التلفظ بالشهادة و من الأعمال الواجبة و ترك القبائح و قد ذهب إلى أن ماهية الإيمان هو مجرد التصديق القلبي جماعة من المتكلمين و هو و إن لم يكن مذهب أصحابنا فإن لهم أن يقولوا إن 1أمير المؤمنين ع جاء بهذا اللفظ على أصل الوضع اللغوي لأن الإيمان في أصل‏اللغةهو التصديق قال سبحانه و تعالى‏ وَ مََا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنََا وَ لَوْ كُنََّا صََادِقِينَ (1) أي لست بمصدق لنا لا إن كنا صادقين و لا إن كنا كاذبين و مجيئه ع به على أصل الوضع اللغوي لا يبطل مذهبنا في مسمى الإيمان لأنا نذهب إلى أن الشرع استجد لهذه اللفظة مسمى ثانيا كما نذهب إليه في الصلاة و الزكاة و غيرهما فلا منافاة إذا بين مذهبنا و بين ما أطلقه ع (1) - .

و ثانيها الجهاد في سبيل الله‏ و إنما قدمه على التلفظ بكلمتي الشهادة لأنه من باب دفع الضرر عن النفس و دفع الضرر عن النفس مقدم على سائر الأعمال المتعلقة بالجوارح و التلفظ بكلمتي الشهادة من أعمال الجوارح و إنما أخره عن الإيمان لأن الإيمان من أفعال القلوب فهو خارج عما يتقدم عليه و دفع الضرر من الأفعال المختصة بالجوارح و أيضا فإن الإيمان أصل الجهاد لأنه ما لم يعلم الإنسان على ما ذا يجاهد لا يجاهد (2) - و إنما جعله ذروة الإسلام أي أعلاه لأنه ما لم تتحصن دار الإسلام بالجهاد لا يتمكن المسلمون من القيام بوظائف الإسلام فكان إذا من الإسلام بمنزلة الرأس من البدن (3) - .

و ثالثها كلمة الإخلاص يعني شهادة أن لا إله إلا الله و شهادة أن 14محمدا رسول الله (4) - قال فإنها الفطرة يعني هي‏ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا و الأصل الكلمة الأولى لأنها التوحيد و عليها فطر البشر كلهم و الكلمة الثانية تبع لها فأجريت مجراها و إنما أخرت

____________

(1) سورة يوسف 217.

223

هذه الخصلة عن الجهاد لأن الجهاد كان هو السبب في إظهار الناس لها و نطقهم بها فصار كالأصل بالنسبة إليها (1) - .

و رابعها إقام الصلاة أي إدامتها و الأصل أقام إقواما فحذفوا عين الفعل و تارة يعوضون عن العين المفتوحة هاء فيقولون إقامة قال فإنها الملة و هذا مثل

14- قول 14النبي ص الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الدين (2) -.

و خامسها إيتاء الزكاة و إنما أخرها عن الصلاة لأن الصلاة آكد افتراضا منها و إنما قال في الزكاة فإنها فريضة واجبة لأن الفريضة لفظ يطلق على الجزء المعين المقدر في السائمة باعتبار غير الاعتبار الذي يطلق به على صلاة الظهر لفظ الفريضة و الاعتبار الأول من القطع و الثاني من الوجوب و قال فإنها فريضة واجبة مثل أن يقول فإنها شي‏ء مقتطع من المال موصوف بالوجوب (3) - .

و سادسها صوم شهر رمضان و هو أضعف وجوبا من الزكاة و جعله جنة من العقاب‏ أي سترة (4) - .

و سابعها الحج و العمرة و هما دون فريضة الصوم و قال‏ إنهما ينفيان الفقر و يرحضان الذنب أي يغسلانه رحضت الثوب و ثوب رحيض و هذا الكلام يدل على وجوب العمرة و قد ذهب إليه كثير من الفقهاء العلماء (5) - .

و ثامنها صلة الرحم و هي واجبة و قطيعة الرحم محرمة قال‏ فإنها مثراة في المال أي تثريه و تكثره (6) - .

و منسأة في الأجل أي تنسؤه و تؤخره و يقال نسأ الله في أجلك و يجوز أنسأه بالهمزة .

فإن قلت فما الحجة على تقديم وجوب الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج‏

224

قلت أما الصلاة فلأن تاركها يقتل و إن لم يجحد وجوبها و غيرها ليس كذلك و إنما قدمت الزكاة على الصوم لأن الله تعالى قرنها بالصلاة في كثير من الكتاب العزيز و لم يذكر صوم شهر رمضان إلا في موضع واحد و كثرة تأكيد الشي‏ء و ذكره دليل على أنه أهم و إنما قدم الصوم على الحج لأنه يتكرر وجوبه و الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة فدل على أنه أهم عند الشارع من الحج (1) - .

ثم قال ع‏ و صدقة السر فخرج من الواجبات إلى النوافل قال‏ فإنها تكفر الخطيئة و التكفير هو إسقاط عقاب مستحق بثواب أزيد منه أو توبة و أصله في‏اللغةالستر و التغطية و منه الكافر لأنه يغطي الحق و سمي البحر كافرا لتغطيته ما تحته و سمي الفلاح كافرا لأنه يغطي الحب في الأرض المحروثة (2) - .

ثم قال‏ و صدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء كالغرق و الهدم و غيرها (3) - .

قال‏ و صنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان‏ كأسر الروم للمسلم أو كأخذ الظلمة لغير المستحق للأخذ .

ثم شرع في وصايا أخر عددها (4) - و الهدي‏ السيرة و

14- في الحديث و اهدوا هدي عمار .

يقال هدى فلان هدي فلان أي سار سيرته (5) - .

و سمي القرآن حديثا اتباعا لقول الله تعالى‏ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتََاباً مُتَشََابِهاً (1) و استدل أصحابنا بالآية على أنه محدث لأنه لا فرق بين حديث و محدث في‏اللغةفإن قالوا إنما أراد أحسن الكلام قلنا لعمري إنه كذلك و لكنه لا يطلق على الكلام القديم لفظة حديث لأنه إنما سمي الكلام و المحاورة و المخاطبة حديثا لأنه أمر يتجدد حالا فحالا و القديم ليس كذلك .

(6) -

____________

(1) سورة الزمر 23.

225

ثم قال‏ تفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب من هذا أخذ ابن عباس قوله إذا قرأت ألم حم وقعت في روضات دمثات (1) - .

ثم قال‏ فإنه شفاء الصدور و هذا من الألفاظ القرآنية (2) - (1) .

ثم سماه (3) - اتباعا لما ورد في القرآن من قوله‏ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ (4) - (2) .

ثم ذكر أن العالم الذي لا يعمل بعلمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله .

ثم قال‏ بل الحجة عليه أعظم لأنه يعلم الحق و لا يعمل به فالحجة عليه أعظم‏ من الحجة على الجاهل و إن كانا جميعا محجوجين أما أحدهما فبعلمه و أما الآخر فبتمكنه من أن يعلم (5) - .

ثم قال‏ و الحسرة له ألزم لأنه عند الموت يتأسف ألا يكون عمل بما علم و الجاهل لا يأسف ذلك الأسف (6) - .

ثم قال‏ و هو عند الله ألوم أي أحق أن يلام لأن المتمكن عالم بالقوة و هذا عالم بالفعل فاستحقاقه اللوم و العقاب أشد

____________

(1) و هو قوله تعالى في سورة يونس 57: قَدْ جََاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفََاءٌ لِمََا فِي اَلصُّدُورِ. .

(2) سورة يوسف 3.

غ

226

*1110* 110 و من خطبة له ع‏

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ وَ تَحَلَّتْ بِالآْمَالِ وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا وَ لاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ لاَ تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ اَلرَّغْبَةِ فِيهَا وَ اَلرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى‏ كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّيََاحُ وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً (1) لَمْ يَكُنِ اِمْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلاَّ أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً وَ لَمْ يَلْقَ مِنْ سَرَّائِهَا بَطْناً إِلاَّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ إِلاَّ هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاَءٍ وَ حَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً وَ إِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اِعْذَوْذَبَ وَ اِحْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى لاَ يَنَالُ اِمْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً إِلاَّ أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً وَ لاَ يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلاَّ أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا لاَ خَيْرَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلاَّ اَلتَّقْوَى

____________

(1) سورة الكهف 45.

227

مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اِسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ وَ مَنِ اِسْتَكْثَرَ مِنْهَا اِسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ وَ زَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ وَ ذِي طُمَأْنِينَةٍ قَدْ صَرَعَتْهُ وَ ذِي أُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً وَ ذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً سُلْطَانُهَا دُوَلٌ وَ عَيْشُهَا رَنَقٌ رَنِقٌ وَ عَذْبُهَا أُجَاجٌ وَ حُلْوُهَا صَبِرٌ وَ غِذَاؤُهَا سِمَامٌ وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ وَ صَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ وَ عَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ وَ مَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ وَ جَارُهَا مَحْرُوبٌ أَ لَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً وَ أَبْقَى آثَاراً وَ أَبْعَدَ آمَالاً وَ أَعَدَّ عَدِيداً وَ أَكْثَفَ جُنُوداً تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ وَ آثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ وَ لاَ ظَهْرٍ قَاطِعٍ فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ اَلدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْفَوَادِحِ وَ أَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ وَ ضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ وَ عَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ وَ وَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ وَ أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ اَلْمَنُونِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا وَ آثَرَهَا وَ أَخْلَدَ إِلَيْهَا حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ اَلْأَبَدِ وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلاَّ اَلسَّغَبَ أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلاَّ اَلضَّنْكَ أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلاَّ اَلظُّلْمَةَ أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلاَّ اَلنَّدَامَةَ أَ فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ فَبِئْسَتِ اَلدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا فَاعْلَمُوا وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَ ظَاعِنُونَ عَنْهَا وَ اِتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنََّا قُوَّةً (1) حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلاَ يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً وَ أُنْزِلُوا

____________

(1) سورة فصلت 15.

228

اَلْأَجْدَاثَ فَلاَ يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً وَ جُعِلَ لَهُمْ مِنَ اَلصَّفِيحِ أَجْنَانٌ وَ مِنَ اَلتُّرَابِ أَكْفَانٌ وَ مِنَ اَلرُّفَاتِ جِيرَانٌ فَهُمْ جِيرَةٌ لاَ يُجِيبُونَ دَاعِياً وَ لاَ يَمْنَعُونَ ضَيْماً وَ لاَ يُبَالُونَ مَنْدَبَةً إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا وَ إِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا جَمِيعٌ وَ هُمْ آحَادٌ وَ جِيرَةٌ وَ هُمْ أَبْعَادٌ مُتَدَانُونَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ وَ قَرِيبُونَ لاَ يَتَقَارَبُونَ حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ وَ جُهَلاَءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ لاَ يُخْشَى فَجْعُهُمْ وَ لاَ يُرْجَى دَفْعُهُمْ اِسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ اَلْأَرْضِ بَطْناً وَ بِالسَّعَةِ ضِيقاً وَ بِالْأَهْلِ غُرْبَةً وَ بِالنُّورِ ظُلْمَةً فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا حُفَاةً عُرَاةً قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى اَلْحَيَاةِ اَلدَّائِمَةِ وَ اَلدَّارِ اَلْبَاقِيَةِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنََا إِنََّا كُنََّا فََاعِلِينَ (1) - . (1) خضرة أي ناضرة و هذه اللفظة من الألفاظ النبوية

14- قال 14النبي ص إن الدنيا حلوة خضرة و إن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون (2) -.

و حفت بالشهوات كان الشهوات مستديرة حولها كما يحف الهودج بالثياب و حفوا حوله يحفون حفا أطافوا به قال الله تعالى‏ وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ (3) - (2) .

قوله‏ و تحببت بالعاجلة أي تحببت إلى الناس بكونها لذة عاجلة و النفوس مغرمة مولعة بحب العاجل فحذف الجار و المجرور القائم مقام المفعول (4) - .

قوله‏ و راقت بالقليل أي أعجبت أهلها و إنما أعجبتهم بأمر قليل ليس بدائم .

(5) -

____________

(1) سورة الأنبياء 104.

(2) سورة الزمر 75.

229

قوله‏ و تحلت بالآمال من الحلية أي تزينت عند أهلها بما يؤملون منها (1) - .

قوله‏ و تزينت بالغرور أي تزينت عند الناس بغرور لا حقيقة له (2) - .

و الحبرة السرور (3) - و حائلة متغيرة (4) - و نافدة فانية و بائدة منقضية (5) - و أكالة قتالة و غوالة مهلكة و الغول ما غال أي أهلك و منه المثل الغضب غول الحلم (6) - .

ثم قال إنها إذا تناهت إلى أمنية ذوي الرغبات فيها لا تتجاوز أن تكون كما وصفها الله تعالى به و هو قوله‏ وَ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ اَلسَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّيََاحُ وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً .

فاختلط أي فالتف بنبات الأرض و تكاثف به أي بسبب ذلك الماء و بنزوله عليه و يجوز أن يكون تقديره فاختلط بنبات الأرض لأنه لما غذاه و أنماه فقد صار مختلطا به و لما كان كل واحد من المختلطين مشاركا لصاحبه في مسمى الاختلاط جاز فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ اَلْأَرْضِ كما يجوز فاختلط هو بنبات الأرض .

و الهشيم‏ ما تهشم و تحطم الواحدة هشيمة و تَذْرُوهُ اَلرِّيََاحُ تطيره و كان الله على‏ ما يشاء من الإنشاء و الإفناء مقتدرا (7) - .

قوله‏ من يلق من سرائها بطنا إنما خص السراء بالبطن و الضراء بالظهر لأن الملاقي لك بالبطن ملاق بالوجه فهو مقبل عليك و المعطيك ظهره مدبر عنك .

و قيل لأن الترس بطنه إليك و ظهره إلى عدوك و قيل لأن المشي في بطون الأودية أسهل من السير على الظراب و الآكام (8) - .

و طله‏ السحاب يطله إذا أمطره مطرا قليلا يقول إذا أعطت قليلا من الخير أعقبت ذلك بكثير من الشر لأن التهتان الكثير المطر هتن يهتن بالكسر هتنا و هتونا و تهتانا (9) - .

230

قوله‏ و حري أي جدير و خليق يقال بالحري أن يكون هذا الأمر كذا و هذا الأمر محراة لذلك أي مقمنة مثل محجاة و ما أحراه مثل ما أحجاه و أحر به مثل أحج به و تقول هو حري أن يفعل ذلك بالفتح أي جدير و قمين لا يثنى و لا يجمع قال الشاعر

و هن حري ألا يثبنك نقرة # و أنت حري بالنار حين تثيب‏ (1)

فإذا قلت هو حر بكسر الراء و حري بتشديدها على فعيل ثنيت و جمعت فقلت هما حريان و حريان و حرون مثل عمون و أحراء أيضا و في المشدد حريون و أحرياء و هي حرية و حرية و هن حريات و حريات و حرايا .

فإن قلت فهلا قال و حرية إذا أصبحت‏ لأنه يخبر عن الدنيا قلت أراد شأنها فذكر أي و شأنها خليق أن يفعل كذا (1) - .

و اعذوذب صار عذبا و احلولى صار حلوا و من هاهنا أخذ الشاعر قوله‏

ألا إنما الدنيا غضارة أيكة # إذا اخضر منها جانب جف جانب

فلا تكتحل عيناك منها بعبرة # على ذاهب منها فإنك ذاهب.

و ارتفع جانب‏ المذكور بعد إن‏ لأنه فاعل فعل مقدر يفسره الظاهر أي و إن اعذوذب جانب منها لأن إن‏ تقتضي الفعل و تطلبه فهي كإذا في قوله تعالى‏ إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ (2) .

و أمر الشي‏ء أي صار مرا و أوبى صار وبيا و لين الهمز لأجل السجع (2) - .

و الرغب‏ مصدر رغبت في الأمر رغبة و رغبا أي أردته .

يقول لا ينال الإنسان منها إرادته (3) - إلا أرهقته تعبا يقال أرهقه إثما أي حمله و كلفه .

(4) -

____________

(1) البيت في اللسان 18: 188، من غير نسبة.

(2) سورة الانشقاق 1.

غ

231

فإن قلت لم خص الأمن بالجناح و الخوف بالقوادم قلت لأن القوادم مقاديم الريش و الراكب عليها بعرض خطر عظيم و سقوط قريب و الجناح يستر و يقي البرد و الأذى قال أبو نواس

تغطيت من دهري بظل جناحه # فصرت أرى دهري و ليس يراني‏ (1)

فلو تسأل الأيام ما اسمي لما درت # و أين مكاني ما عرفن مكاني‏

و الهاء في جناحه ترجع إلى الممدوح‏ (2) بهذا الشعر (1) - .

و توبقه‏ تهلكه (2) - و الأبهة الكبر (3) - و الرنق‏ بفتح النون مصدر رنق الماء أي تكدر و بالكسر الكدر و قد روي هاهنا بالفتح و الكسر فالكسر ظاهر و الفتح على تقدير حذف المضاف أي ذو رنق (4) - .

و ماء أجاج‏ قد جمع المرارة و الملوحة أج الماء يؤج أجاجا (5) - و الصبر بكسر الباء هذا النبات المر نفسه ثم سمي كل مر صبرا (6) - و السمام‏ جمع سم لهذا القاتل يقال سم و سم بالفتح و الضم و الجمع سمام و سموم (7) - .

و رمام بالية و أسبابها حبالها (8) - و موفورها و ذو الوفر و الثروة منها (9) - و المحروب‏ المسلوب أي لا تحمى جارا و لا تمنعه (10) - .

ثم أخذ قوله تعالى‏ وَ سَكَنْتُمْ فِي مَسََاكِنِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنََا بِهِمْ وَ ضَرَبْنََا لَكُمُ اَلْأَمْثََالَ (3) فقال‏ أ لستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا نصب أطول بأنه خبر كان و قد دلنا الكتاب الصادق على أنهم كانوا أطول

____________

(1) ديوانه 97.

(2) هو محمّد بن الفضل بن الربيع.

(3) سورة إبراهيم 45.

232

أعمارا بقوله‏ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاََّ خَمْسِينَ عََاماً (1) و ثبت بالعيان أنهم‏ أبقى آثارا فإن من آثارهم الأهرام و الإيوان و منارة الإسكندرية و غير ذلك (1) - و أما بعد الآمال‏ فمرتب على طول الأعمار فكلما كانت أطول كانت الآمال أبعد و إن عنى به علو الهمم فلا ريب أنهم كانوا أعلى همما من أهل هذا الزمان و قد كان فيهم من ملك معمورة الأرض كلها و كذلك القول في‏ أعد عديدا و أكثف جنودا و العديد العدو الكثير و أعد منهم أي أكثر (2) - .

قوله‏ و لا ظهر قاطع أي قاطع لمسافة الطريق (3) - .

و الفوادح المثقلات فدحه الدين أثقله و يروى بالقوادح بالقاف و هي آفة تظهر في الشجر و صدوع تظهر في الأسنان (4) - .

و أوهقتهم جعلتهم في الوهق بفتح الهاء و هو حبل كالطول‏ (2) و يجوز التسكين مثل نهر و نهر .

و القوارع المحن و الدواهي و سميت القيامة قارعة في الكتاب العزيز من هذا المعنى (5) - و ضعضعتهم أذلتهم قال أبو ذؤيب

أنى لريب الدهر لا أتضعضع‏ (3)

و ضعضعت البناء أهدمته (6) - .

و عفرتهم للمناخر ألصقت أنوفهم بالعفر و هو التراب (7) - و المناسم جمع منسم بكسر السين و هو خف البعير .

(8) -

____________

(1) سورة العنكبوت 14.

(2) الطولى، أو الطيل: حبل طويل يشد به قائمة الدابّة.

(3) ديوان الهذليين 1: 3؛ و صدره:

*و تجلّدى للشّامتين أريهم*.

233

و دان لها أطاعها و دان لها أيضا ذل و أخلد إليها مال قال تعالى‏ وَ لََكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ (1) - (1) .

و السغب الجوع يقول إنما زودتهم الجوع و هذا مثل كما قال‏

و مدحته فأجازني الحرمانا (2) -

و معنى قوله‏ أو نورت لهم إلا الظلمة أي بالظلمة و هذا كقوله‏ هل زودتهم إلا السغب و هو من باب إقامة الضد مقام الضد أي لم تسمح لهم بالنور بل بالظلمة (3) - و الضنك‏ الضيق (4) - .

ثم قال‏ فبئست الدار و حذف الضمير العائد إليها و تقديره هي كما قال تعالى‏ نِعْمَ اَلْعَبْدُ (2) و تقديره هو .

و من لم يتهمها من لم يسؤ ظنا بها (5) - و الصفيح الحجارة و الأجنان‏ القبور الواحد جنن و المجنون المقبور و منه قول الأعرابية لله درك من مجنون في جنن (6) - و الأكنان‏ جمع كن و هو الستر قال تعالى‏ وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْجِبََالِ أَكْنََاناً (7) - (3) .

و الرفات العظام البالية (8) - و المندبة الندب على الميت‏ لا يبالون بذلك‏ لا يكترثون به (9) - و جيدوا مطروا (10) - و قحطوا انقطع المطر عنهم فأصابهم القحط و هو الجدب (11) - و إلى معنى قوله ع فهم جيرة لا يجيبون داعيا و لا يمنعون ضيما جميع و هم آحاد و جيرة و هم أبعاد متدانون لا يتزاورون و قريبون لا يتقاربون نظر البحتري فقال

____________

(1) سورة الأعراف 176.

(2) سورة ص 30.

(3) سورة النحل 81.

234

بنا أنت من مجفوة لم تؤنب # و مهجورة في هجرها لم تعتب‏ (1)

و نازحة و الدار منها قريبة # و ما قرب ثاو في التراب مغيب‏

و قد قال الشعراء و الخطباء في هذا المعنى كثيرا فمن ذلك قول الرضي أبي الحسن رحمه الله في مرثية لأبي إسحاق الصابي

أعزز علي بأن نزلت بمنزل # متشابه الأمجاد بالأوغاد (2)

في عصبة جنبوا إلى آجالهم # و الدهر يعجلهم عن الإرواد

ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم # من غير أطناب و لا أوتاد

ركب أناخوا لا يرجى منهم # قصد لإتهام و لا إنجاد

كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة # للدهر نازلة بكل مقاد

فتهافتوا عن رحل كل مذلل # و تطاوحوا عن سرج كل جواد

بادون في صور الجميع و إنهم # متفردون تفرد الآحاد

فقوله‏

بادون في صور الجمع..

البيت هو قوله ع جمع و هم آحاد بعينه و قال الرضي رحمه الله تعالى أيضا

متوسدين على الخدود كأنما # كرعوا على ظمإ من الصهباء (3)

صور ضننت على العيون بحسنها # أمسيت أوقرها من البوغاء (4)

و نواظر كحل التراب جفونها # قد كنت أحرسها من الأقذاء

قربت ضرائحهم على زوارها # و نأوا عن الطلاب أي تناء (5) .

____________

(1) ديوانه 1: 49.

(2) ديوانه لوحة 129 مع اختلاف في الرواية و ترتيب الأبيات.

(3) ديوانه لوحة 116 من مرثيته لوالدته.

(4) لحظها: ملاحظتها. و البوغاء: التربة الرخوة.

(5) الضرائح: جمع ضريح؛ و هو القبر.

235

قوله‏

قربت ضرائحهم..

البيت هو معنى قوله ع و جيرة و هم أبعاد بعينه .

و من هذا المعنى قول بعض الأعراب (1)

لكل أناس مقبر في ديارهم‏ (2) # فهم ينقصون و القبور تزيد

فكائن ترى من دار حي قد أخرجت # و قبر بأكناف التراب جديد (3)

هم جيرة الأحياء أما مزارهم‏ (4) # فدان و أما الملتقى فبعيد.

و من كلام ابن نباتة وحيدا على كثرة الجيران بعيدا على قرب المكان .

و منه قوله أسير وحشة الانفراد فقير إلى اليسير من الزاد جار من لا يجير و ضيف من لا يمير حملوا و لا يرون ركبانا و انزلوا و لا يدعون ضيفانا و اجتمعوا و لا يسمون جيرانا و احتشدوا و لا يعدون أعوانا و هذا كلام 1أمير المؤمنين ع بعينه المذكور في هذه الخطبة و قد أخذه مصالتة .

و منه قوله طحنتهم طحن الحصيد و غيبتهم تحت الصعيد فبطون الأرض لهم أوطان و هم في خرابها قطان عمروا فأخربوا و اقتربوا فاغتربوا و اصطحبوا و ما اصطحبوا .

و منه قوله غيبا كأشهاد عصبا كآحاد همودا في ظلم الإلحاد إلى يوم التناد .

____________

(1) لعبد اللّه بن ثعلبة الحنفيّ؛ حماسة أبى تمام-بشرح المرزوقى 891.

(2) الحماسة:

*لكلّ أناس مقبر بفنائهم*

(3) رواية الحماسة:

و ما إن يزال رسم دار قد اخلقت # و بيت لميت بالفناء جديد.

(4) الحماسة: «أما جوارهم» .

236

و اعلم أن هذه الخطبة ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان و التبيين (1) و رواها القطري بن الفجاءة و الناس يروونها 1لأمير المؤمنين ع و قد رأيتها في كتاب المونق لأبي عبيد الله المرزباني مروية 1لأمير المؤمنين ع و هي بكلام 1أمير المؤمنين أشبه و ليس يبعد عندي أن يكون قطري قد خطب بها بعد أن أخذها عن بعض أصحاب 1أمير المؤمنين ع فإن الخوارج كانوا أصحابه و أنصاره و قد لقي قطري أكثرهم‏

____________

(1) البيان و التبيين 2: 126-129؛ و هي أيضا بنسبتها إلى قطرى في العقد 1: 141، و صبح الأعشى 1: 223، و عيون الأخبار 2: 250، و نهاية الأرب 7: 250.

237

*1111* 111 و من خطبة له ع يذكر فيها ملك الموت و توفيه الأنفس‏

: هَلْ تُحِسُّ يُحَسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى اَلْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمْ اَلرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ . ـ أما مذهب جمهور أصحابنا و هم النافون للنفس الناطقة فعندهم أن الروح جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية ينفذ في العروق الضوارب و الحياة عرض قائم بالروح و حال فيها فللدماغ روح دماغية و حياة حالة فيها و كذلك للقلب و كذلك للكبد و عندهم أن لملك الموت أعوانا تقبض الأرواح بحكم النيابة عنه لو لا ذلك لتعذر عليه و هو جسم أن يقبض روحين في وقت واحد في المشرق و المغرب لأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد قال أصحابنا و لا يبعد أن يكون الحفظة الكاتبون هم القابضين للأرواح عند انقضاء الأجل قالوا و كيفية القبض ولوج الملك من الفم إلى القلب لأنه جسم لطيف هوائي لا يتعذر عليه النفوذ في المخارق الضيقة فيخالط الروح‏

238

التي هي كالشبيهة به لأنها جسم لطيف بخاري ثم يخرج من حيث دخل و هي معه و إنما يكون ذلك في الوقت الذي يأذن الله تعالى له فيه و هو حضور الأجل فألزموا على ذلك أن يغوص الملك في الماء مع الغريق ليقبض روحه تحت الماء فالتزموا ذلك و قالوا ليس بمستحيل أن يتخلل الملك الماء في مسام الماء فإن فيه مسام و منافذ و في كل جسم على قاعدتهم في إثبات الماء في الأجسام .

قالوا و لو فرضنا أنه لا مسام فيه لم يبعد أن يلجه الملك فيوسع لنفسه مكانا كما يلجه الحجر و السمك و غيرهما و كالريح الشديدة التي تقرع ظاهر البحر فتقعره و تحفره و قوة الملك أشد من قوة الريح (1) - .

ثم نعود إلى الشرح فنقول الملك‏ أصله مألك بالهمز و وزنه مفعل و الميم زائدة لأنه من الألوكة و الألوك و هي الرسالة ثم قلبت الكلمة و قدمت اللام فقيل ملأك قال الشاعر

فلست لإنسي و لكن لملأك # تنزل من جو السماء يصوب‏ (1) .

ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل ملك فلما جمع ردت الهمزة إليه فقالوا ملائكة و ملائك قال أمية بن أبي الصلت

و كأن برقع و الملائك حولها # سدر تواكله القوائم أجرد (2) - (2) .

و التوفي‏ الإماتة و قبض الأرواح قال الله تعالى‏ اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا (3) - (3) .

و التقسيم الذي قسمه في وفاة الجنين‏ حاصر لأنه مع فرضنا إياه جسما يقبض الأرواح التي في الأجسام إما أن يكون مع الجنين في جوف أمه فيقبض روحه عند حضور أجله

____________

(1) اللسان 12: 274 من غير نسبة.

(2) اللسان 6: 30.

(3) سورة الزمر 42.

239

أو خارجا عنها و القسم الثاني ينقسم قسمين أحدهما أن يلج جوف أمه لقبض روحه فيقبضها و الثاني أن يقبضها من غير حاجة إلى الولوج إلى جوفها و ذلك بأن تطيعه الروح و تكون مسخرة إذا أراد قبضها امتدت إليه فقبضها و هذه القسمة لا يمكن الزيادة عليها و لو قسمها واضع‏المنطق‏لما زاد (1) - .

ثم خرج إلى أمر آخر أعظم و أشرف مما ابتدأ به فقال‏ كيف يصف إلهه من يعجز عن وصف مخلوق مثله و إلى هذا الغرض كان يترامى و إياه كان يقصد و إنما مهد حديث الملك و الجنين توطئة لهذا المعنى الشريف و السر الدقيق

فصل في التخلص و سياق كلام للشعراء فيه‏

و هذا الفن يسميه أرباب علم‏البيان‏التخلص و أكثر ما يقع في الشعر كقول أبي نواس

تقول التي من بيتها خف مركبي # عزيز علينا أن نراك تسير (1)

أ ما دون مصر للغنى متطلب # بلى إن أسباب الغنى لكثير

فقلت لها و استعجلتها بوادر # جرت فجرى في جريهن عبير

ذريني أكثر حاسديك برحلة # إلى بلد فيه الخصيب أمير.

و من ذلك قول أبي تمام

يقول في قومس صحبي و قد أخذت # منا السرى و خطا المهرية القود (2)

أ مطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا # فقلت كلا و لكن مطلع الجود.

____________

(1) ديوانه 99، من قصيدة يمدح فيها الخصيب بن عبد الرحمن المرادى، أمير مصر.

(2) ديوانه 2: 130، قومس: بلد بين العراق و خراسان.

240

و منه قول البحتري

هل الشباب ملم بي فراجعة # أيامه لي في أعقاب أيامي‏ (1)

لو أنه نائل غمر يجاد به # إذن تطلبته عند ابن بسطام .

و منه قول المتنبي و هو يتغزل بأعرابية و يصف بخلها و جبنها و قلة مطعمها و هذه كلها من الصفات الممدوحة في النساء خاصة (2)

في مقلتي رشأ تديرهما # بدوية فتنت بها الحلل‏ (3)

تشكو المطاعم طول هجرتها # و صدودها و من الذي تصل

ما أسأرت في القعب من لبن # تركته و هو المسك و العسل

قالت إلا تصحو فقلت لها # أعلمتني أن الهوى ثمل

لو أن فناخسر صبحكم # و برزت وحدك عاقه الغزل‏ (4)

و تفرقت عنكم كتائبه # إن الملاح خوادع قتل

ما كنت فاعلة و ضيفكم # ملك الملوك و شأنك البخل

أ تمنعين قرى فتفتضحي # أم تبذلين له الذي يسل

بل لا يحل بحيث حل به # بخل و لا جور و لا وجل.

و هذا من لطيف التخلص و رشيقه و التخلص مذهب الشعراء و المتأخرون يستعملونه كثيرا و يتفاخرون فيه و يتناضلون فأما التخلص في الكلام المنثور فلا يكاد يظهر لمتصفح الرسالة أو الخطبة إلا بعد تأمل شديد و قد وردت منه مواضع في القرآن العزيز فمن

____________

(1) المثل السائر 2: 265.

(2) ديوانه 3: 301؛ من قصيدة يمدح فيها ركن الدولة.

(3) الرشأ: ولد الظبية الصغير. و الحلل: جمع حلة؛ و هي القوم المجتمعون في بيوت مجتمعة للنزول.

و البدوية: الساكنة البدو.

(4) فناخسر؛ هو اسم عضد الدولة. و صبحكم: أتاكم صباحا للغارة.

241

أبينها و أظهرها أنه تعالى ذكر في سورة الأعراف الأمم الخالية و الأنبياء الماضين من لدن آدم ع إلى أن انتهى إلى قصة موسى فقال في آخرها بعد أن شرحها و أوضحها وَ اِخْتََارَ مُوسى‏ََ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقََاتِنََا فَلَمََّا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ قََالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيََّايَ أَ تُهْلِكُنََا بِمََا فَعَلَ اَلسُّفَهََاءُ مِنََّا إِنْ هِيَ إِلاََّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهََا مَنْ تَشََاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشََاءُ أَنْتَ وَلِيُّنََا فَاغْفِرْ لَنََا وَ اِرْحَمْنََا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْغََافِرِينَ `وَ اُكْتُبْ لَنََا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ إِنََّا هُدْنََا إِلَيْكَ قََالَ عَذََابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشََاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِآيََاتِنََا يُؤْمِنُونَ `اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ 14اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهََاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ اَلطَّيِّبََاتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلاََلَ اَلَّتِي كََانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ (1) .

و هذا من التخلصات اللطيفة المستحسنة

فصل في الاستطراد و إيراد شواهد للشعراء فيه‏

و اعلم أن من أنواع علم‏البيان‏نوعا يسمى الاستطراد و قد يسمى الالتفات و هو من جنس التخلص و شبيه به إلا أن الاستطراد هو أن تخرج بعد أن تمهد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره فتذكره و كأنك غير قاصد لذكره بالذات بل قد حصل و وقع ذكره بالعرض عن غير قصد ثم تدعه و تتركه و تعود إلى الأمر الذي كنت في تمهيده كالمقبل عليه و كالملغى عما استطردت بذكره فمن ذلك قول البحتري و هو يصف فرسا

____________

(1) سورة الأعراف 155-157.

242

و أغر في الزمن البهيم محجل # قد رحت منه على أغر محجل‏ (1)

كالهيكل المبني إلا أنه # في الحسن جاء كصورة في هيكل

وافي الضلوع يشد عقد حزامه # يوم اللقاء على معم مخول

أخواله للرستمين بفارس # و جدوده للتبعين بموكل

يهوى كما هوت العقاب و قد رأت # صيدا و ينتصب انتصاب الأجدل

متوجس برقيقتين كأنما # تريان من ورق عليه مكلل

ما إن يعاف قذى و لو أوردته # يوما خلائق حمدويه الأحول

ذنب كما سحب الرشاء يذب عن # عرف و عرف كالقناع المسبل

جذلان ينفض عذرة في غرة # يقق تسيل حجولها في جندل

كالرائح النشوان أكثر مشيه # عرضا على السنن البعيد الأطول

ذهب الأعالي حيث تذهب مقلة # فيه بناظرها حديد الأسفل

هزج الصهيل كأن في نغماته # نبرات معبد في الثقيل الأول

ملك القلوب فإن بدا أعطينه # نظر المحب إلى الحبيب المقبل‏

أ لا تراه كيف استطرد بذكر حمدويه الأحول الكاتب و كأنه لم يقصد ذلك و لا أراده و إنما جرته القافية ثم ترك ذكره و عاد إلى وصف الفرس و لو أقسم إنسان أنه ما بنى القصيدة منذ افتتحها إلا على ذكره و لذلك أتى بها على روي اللام لكان صادقا فهذا هو الاستطراد .

و من الفرق بينه و بين التخلص أنك في التخلص متى شرعت في ذكر الممدوح

____________

(1) ديوانه 2: 217، 218 (طبع الجوائب) .

243

أو المهجو تركت ما كنت فيه من قبل بالكلية و أقبلت على ما تخلصت إليه من المديح و الهجاء بيتا بعد بيت حتى تنقضي القصيدة و في الاستطراد تمر على ذكر الأمر الذي استطردت به مرورا كالبرق الخاطف ثم تتركه و تنساه و تعود إلى ما كنت فيه كأنك لم تقصد قصد ذاك و إنما عرض عروضا و إذا فهمت الفرق فاعلم أن الآيات التي تلوناها إذا حققت و أمعنت النظر من باب الاستطراد لا من باب التخلص و ذلك لأنه تعالى قال بعد قوله‏ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ قُلْ يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ 14رَسُولِهِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ كَلِمََاتِهِ وَ اِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ `وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ََ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ `وَ قَطَّعْنََاهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبََاطاً أُمَماً وَ أَوْحَيْنََا إِلى‏ََ مُوسى‏ََ إِذِ اِسْتَسْقََاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتََا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنََاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنََا عَلَيْهِمُ اَلْغَمََامَ وَ أَنْزَلْنََا عَلَيْهِمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوى‏ََ كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ وَ مََا ظَلَمُونََا وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (1) فعاد إلى ما كان فيه أولا ثم مر في هذه القصة و في أحوال موسى و بني إسرائيل حتى قارب الفراغ من السورة .

و من لطيف التخلص الذي يكاد يكون استطرادا لو لا أنه أفسده بالخروج إلى المدح قول أبي تمام في قصيدته التي يمدح بها محمد بن الهيثم التي أولها

أسقى طلولهم أجش هزيم # و غدت عليهم نضرة و نعيم‏ (2)

ظلمتك ظالمة البري‏ء ظلوم # و الظلم من ذي قدرة مذموم

زعمت هواك عفا الغداة كما عفت # منها طلول باللوى و رسوم‏

____________

(1) سورة الأعراف 158-160.

(2) ديوانه 3: 289.

244

لا و الذي هو عالم إن النوى # صبر و إن أبا الحسين كريم

ما حلت عما تعهدين و لا غدت‏ (1) # نفسي على إلف سواك تحوم‏

فلو أتم متغزلا لكان مستطردا لا محالة و لكنه نقض الاستطراد و غمس يده في المدح فقال بعد هذا البيت‏

لمحمد بن الهيثم بن شبانة # مجد إلى جنب السماك مقيم

ملك إذا نسب الندى من ملتقى # طرفيه فهو أخ له و حميم‏

و مضى على ذلك إلى آخرها .

ـو من الاستطراد أن يحتال الشاعر لذكر ما يروم ذكره بوصف أمر ليس من غرضه و يدمج الغرض الأصلي في ضمن ذلك و في غضونه و أحسن ما يكون ذلك إذا صرح بأنه قد استطرد و نص في شعره على ذلك كما قال أبو إسحاق الصابي في أبيات كتبها إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف كاتب عضد الدولة كتبها إليه إلى شيراز و أبو إسحاق في بغداد و كانت أخبار فتوح عضد الدولة بفارس و كرمان و ما والاها متواصلة مترادفة إلى العراق و كتب عبد العزيز واصلة بها إلى عز الدولة بختيار و الصابي يجيب عنها

يا راكب الجسرة العيرانة الأجد # يطوي المهامة من سهل إلى جلد

أبلغ أبا القاسم نفسي الفداء له # مقالة من أخ للحق معتمد

في كل يوم لكم فتح يشاد به # بين الأنام بذكر السيد العضد

و ما لنا مثله لكننا أبدا # نجيبكم بجواب الحاسد الكمد

فأنت أكتب مني في الفتوح و ما # تجري مجيبا إلى شاوي و لا أمدي‏

____________

(1) الديوان:

*ما زلت عن سنن الوداد و لا غدت*.

245

و ما ذممت ابتدائي في مكاتبة # و لا جوابكم في القرب و البعد

لكنني رمت أن أثني على ملك # مستطرد بمديح فيه مطرد

و لقد ظرف و ملح أبو إسحاق في هذه الأبيات و متى خلا أو عرى عن الظرف و الملاحة و لقد كان ظرفا و لباقة كله .

و ليس من الاستطراد ما زعم ابن الأثير الموصلي في كتابه المسمى بالمثل‏ (1) السائر أنه استطراد و هو قول بعض شعراء الموصل يمدح قرواش بن المقلد و قد أمره أن يعبث بهجاء وزيره سليمان بن فهد و حاجبه أبي جابر و مغنيه المعروف بالبرقعيدي في ليلة من ليالي الشتاء و أراد بذلك الدعابة و الولع بهم و هم في مجلس في شراب و أنس فقال و أحسن فيما قال‏

و ليل كوجه البرقعيدي ظلمة # و برد أغانيه و طول قرونه

سريت و نومي فيه نوم مشرد # كعقل سليمان بن فهد و دينه

على أولق فيه التفات كأنه # أبو جابر في خطبة و جنونه

إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه # سنا وجه قرواش و ضوء جبينه‏

و ذلك لأن الشاعر قصد إلى هجاء كل واحد منهم و وضع الأبيات لذلك و أمره قرواش رئيسهم و أميرهم بذلك فهجاهم و مدحه و لم يستطرد و هذه الأبيات تشبيهات كلها مقصود بها الهجاء لم يأت بالعرض في الشعر كما يأتي الاستطراد .

و هذا غلط من مصنف الكتاب‏

____________

(1) المثل السائر 2: 271.

246

*1112* 112 و من خطبة له ع‏

وَ أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ وَ لَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا وَ غَرَّتْ بِزِينَتِهَا دَارٌ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلاَلَهَا بِحَرَامِهَا وَ خَيْرَهَا بِشَرِّهَا وَ حَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا لَمْ يُصْفِهَا اَللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ وَ لَمْ يَضِنَّ بِهَا عَنْ عَلَى أَعْدَائِهِ خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَ شَرُّهَا عَتِيدٌ وَ جَمْعُهَا يَنْفَدُ وَ مُلْكُهَا يُسْلَبُ وَ عَامِرُهَا يَخْرَبُ فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ اَلْبِنَاءِ وَ عُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ اَلزَّادِ وَ مُدَّةٍ تَنْقَطِعُ اِنْقِطَاعَ اَلسَّيْرِ اِجْعَلُوا مَا اِفْتَرَضَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلِبَتِكُمْ طَلَبِكُمْ وَ اِسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ كَمَا مَا سَأَلَكُمْ وَ أَسْمِعُوا دَعْوَةَ اَلْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ إِنَّ اَلزَّاهِدِينَ فِي اَلدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ ضَحِكُوا وَ يَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَ إِنْ فَرِحُوا وَ يَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَ إِنِ اِغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ اَلآْجَالِ وَ حَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ اَلآْمَالِ فَصَارَتِ اَلدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ اَلآْخِرَةِ وَ اَلْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ اَلآْجِلَةِ وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اَللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلاَّ خُبْثُ اَلسَّرَائِرِ وَ سُوءُ اَلضَّمَائِرِ فَلاَ تَوَازَرُونَ وَ لاَ تَنَاصَحُونَ وَ لاَ تَبَاذَلُونَ وَ لاَ تَوَادُّونَ مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ اَلدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ وَ لاَ يَحْزُنُكُمُ اَلْكَثِيرُ مِنَ اَلآْخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ وَ يُقْلِقُكُمُ اَلْيَسِيرُ مِنَ اَلدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي‏

247

وُجُوهِكُمْ وَ قِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ وَ كَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ وَ مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلاَّ مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ اَلآْجِلِ وَ حُبِّ اَلْعَاجِلِ وَ صَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ صَنِيعَ مَنْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَ أَحْرَزَ رِضَا رِضَى سَيِّدِهِ (1) -. قوله ع‏ فإنها منزل قلعة بضم القاف و سكون اللام أي ليست بمستوطنة و يقال هذا مجلس قلعة إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرة بعد مرة و يقال هم على قلعة أي على رحلة و من هذا الباب قولهم فلان قلعة إذا كان ينقلع عن سرجه و لا يثبت في البطش و الصراع و القلعة أيضا المال العارية و

16- في الحديث بئس المال القلعة (2) -.

و النجعة طلب الكلأ في موضعه و فلان ينتجع الكلأ و منه انتجعت فلانا إذا أتيته تطلب معروفه (3) - .

ثم وصف هوان الدنيا على الله تعالى فقال من هوانها أنه‏ خلط حلالها بحرامها ... الكلام مراده تفضيل الدار الآتية على هذه الحاضرة فإن تلك صفو كلها و خير كلها و هذه مشوبة و الكدر و الشر فيها أغلب من الصفو و الخير

17- و من كلام بعض الصالحين من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها و لا ينال ما عنده إلا بتركها.

و يروى و لم يضن بها على أعدائه و الرواية المشهورة عن أعدائه و كلاهما مستعمل (4) - .

248

و الزهيد القليل (1) - و العتيد الحاضر و السير سير المسافر (2) - .

ثم أمرهم بأن يجعلوا الفرائض الواجبة عليهم من جملة مطلوباتهم و أن يسألوا الله من الإعانة و التوفيق على القيام بحقوقه الواجبة كما سألهم أي كما ألزمهم و افترض عليهم‏ فسمى ذلك سؤالا لأجل المقابلة بين اللفظين كما قال سبحانه‏ وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا (1) و كما

14- قال 14النبي ص فإن الله لا يمل حتى تملوا.

و كما قال الشاعر

ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا (3) - (2) .

ثم أمرهم أن يسمعوا أنفسهم دعوة الموت قبل‏ أن يحضر الموت‏ فيحل بهم (4) - و مثل قوله‏ تبكي قلوبهم و إن ضحكوا قول الشاعر و إن لم يكن هذا المقصد بعينه قصد

كم فاقة مستورة بمروءة # و ضرورة قد غطيت بتجمل

و من ابتسام تحته قلب شج # قد خامرته لوعة ما تنجلي (5) -.

و المقت‏ البغض و اغتبطوا فرحوا (6) - .

و قوله‏ أملك بكم مثل أولى بكم (7) - و قوله‏ و العاجلة أذهب بكم من الآجلة أي ذهبت العاجلة بكم و استولت عليكم أكثر مما ذهبت بكم الآخرة و استولت عليكم (8) - .

ثم ذكر أن الناس كلهم مخلوقون على فطرة واحدة و هي دين الله‏ و توحيده و إنما اختلفوا و تفرقوا باعتبار أمر خارجي عن ذلك و هو خبث سرائرهم و سوء ضمائرهم‏ فصاروا إلى حال لا يتوازرون‏ أي لا يتعاونون و الأصل الهمز آزرته ثم تقلب الهمزة واوا و أصل قوله‏ فلا توازرون فلا تتوازرون فحذفت إحدى التاءين كقوله تعالى‏ مََا لَكُمْ لاََ تَنََاصَرُونَ (3) أي لا تتناصرون و التبادل‏ أن يجود بعضهم على بعض بماله و يبذله له .

(9) -

____________

(1) سورة الشورى 40.

(2) لعمرو بن كلثوم، من المعلقات بشرح التبريزى 238.

(3) سورة الصافّات 25.

249

و مثل قوله ع‏ ما بالكم تفرحون بكذا و لا تحزنون‏ لكذا و يقلقكم اليسير من الدنيا يفوتكم من هذا قول الرضي رحمه الله‏

نقص الجديدين من عمري يزيد على # ما ينقصان على الأيام من مالي‏ (1)

دهر تؤثر في جسمي نوائبه # فما اهتمامي أن أودي بسربالي (1) -.

و الضمير في يخاف‏ راجع إلى الأخ لا إلى المستقبل له أي ما يخافه الأخ من مواجهته بعينه (2) - .

قوله‏ و صار دين أحدكم لعقة على لسانه

3- أخذه الفرزدق فقال 3للحسين بن علي ع و قد لقيه قادما إلى العراق و سأله عن الناس أما قلوبهم فمعك و أما سيوفهم فعليك و الدين لعقة على ألسنتهم فإذا امتحصوا قل الديانون .

و اللفظة مجاز و أصل اللعقة شي‏ء قليل يؤخذ بالملعقة من الإناء يصف دينهم بالنزارة و القلة كتلك اللعقة و لم يقنع بأن جعله لعقة حتى جعله على ألسنتهم فقط أي ليس في قلوبهم‏

____________

(1) ديوانه، لوحة 150؛ من قصيدة يرثى فيها صديقا له .

غ

250

*1113* 113 و من خطبة له ع‏

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْوَاصِلِ اَلْحَمْدَ بِالنِّعَمِ وَ اَلنِّعَمَ بِالشُّكْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلاَئِهِ كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلاَئِهِ وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ اَلنُّفُوسِ اَلْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ اَلسِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُ كِتَابُهُ عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ وَ كِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ اَلْغُيُوبَ وَ وَقَفَ عَلَى اَلْمَوْعُودِ إِيمَاناً نَفَى إِخْلاَصُهُ اَلشِّرْكَ وَ يَقِينُهُ اَلشَّكَّ وَ نَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ 14مُحَمَّداً ص عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ اَلْقَوْلَ وَ تَرْفَعَانِ اَلْعَمَلَ لاَ يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ وَ لاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ عَنْهُ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّتِي هِيَ اَلزَّادُ وَ بِهَا اَلْمَعَاذُ زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ وَ وَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وَ فَازَ وَاعِيهَا عِبَادَ اَللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اَللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اَللَّهِ مَحَارِمَهُ وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ فَأَخَذُوا اَلرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ وَ اَلرِّيَّ بِالظَّمَإِ وَ اِسْتَقْرَبُوا اَلْأَجَلَ فَبَادَرُوا اَلْعَمَلَ وَ كَذَّبُوا اَلْأَمَلَ فَلاَحَظُوا اَلْأَجَلَ ثُمَّ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ فَمِنَ اَلْفَنَاءِ أَنَّ اَلدَّهْرَ مُوتِرٌ (1) قَوْسَهُ لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ وَ لاَ تُؤْسَى جِرَاحُهُ يَرْمِي اَلْحَيَّ بِالْمَوْتِ وَ اَلصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ وَ اَلنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ وَ مِنَ اَلْعَنَاءِ أَنَّ اَلْمَرْءَ يَجْمَعُ

____________

(1) مخطوطة النهج: «موتر» بالتشديد.

251

مَا لاَ يَأْكُلُ وَ يَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ وَ لاَ بِنَاءً نَقَلَ وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى اَلْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً وَ اَلْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً لَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ نَعِيماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ اَلْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ وَ لاَ مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا وَ أَظْمَأَ رِيَّهَا وَ أَضْحَى فَيْئَهَا لاَ جَاءٍ يُرَدُّ وَ لاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَقْرَبَ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ وَ أَبْعَدَ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِشَرٍّ مِنَ اَلشَّرِّ إِلاَّ عِقَابُهُ وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِخَيْرٍ مِنَ اَلْخَيْرِ إِلاَّ ثَوَابُهُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ اَلدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ اَلآْخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ اَلْعِيَانِ اَلسَّمَاعُ وَ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْخَبَرُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ اَلدُّنْيَا وَ زَادَ فِي اَلآْخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ اَلآْخِرَةِ وَ زَادَ فِي اَلدُّنْيَا فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِيدٍ خَاسِرٍ إِنَّ اَلَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ اَلَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ وَ مَا أُحِلَّ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ وَ مَا ضَاقَ لِمَا اِتَّسَعَ قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ فَلاَ يَكُونَنَّ اَلْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ اَلْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ مَعَ أَنَّهُ وَ اَللَّهِ لَقَدِ اِعْتَرَضَ اَلشَّكُّ وَ دَخَلَ دَخِلَ اَلْيَقِينُ حَتَّى كَأَنَّ اَلَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ وَ كَأَنَّ اَلَّذِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وَضِعَ وُضِعَ عَنْكُمْ فَبَادِرُوا اَلْعَمَلَ وَ خَافُوا بَغْتَةَ اَلْأَجَلِ فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ اَلرِّزْقِ مَا فَاتَ اَلْيَوْمَ مِنَ اَلرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ اَلْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ اَلْيَوْمَ‏

252

رَجْعَتُهُ اَلرَّجَاءُ مَعَ اَلْجَائِي وَ اَلْيَأْسُ مَعَ اَلْمَاضِي فَ اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (1) - . لقائل أن يقول أما كونه واصل الحمد له من عباده بالنعم‏ منه عليهم فمعلوم فكيف قال إنه يصل النعم‏ المذكورة بالشكر و الشكر من أفعال العباد و ليس من أفعاله ليكون واصلا للنعم به و جواب هذا القائل هو أنه لما وفق العباد للشكر بعد أن جعل وجوبه في عقولهم مقررا و بعد أن أقدرهم عليه صار كأنه الفاعل له فأضافه إلى نفسه توسعا كما يقال أقام الأمير الحد و قتل الوالي اللص (2) - فأما حمده سبحانه على البلاء كحمده على الآلاء فقد تقدم القول فيه و من الكلام المشهور سبحان من لا يحمد على المكروه سواه و السر فيه أنه تعالى إنما يفعل المكروه بنا لمصالحنا فإذا حمدناه عليه فإنما حمدناه على نعمه أنعم بها و إن كانت في الظاهر بلية و ألما .

فإن قلت فقد كان الأحسن في البيان أن يقول نحمده على بلائه كما نحمده على آلائه قلت إنما عكس لأنه جاء باللفظين في معرض ذكر النعم و الشكر عليها فاستهجن أن يلقبها بلفظة الحمد على البلاء للمنافرة التي تكون بينهما فقال نحمده على هذه الآلاء التي أشرنا إليها التي هي آلاء في الحقيقة و هذا ترتيب صحيح منتظم (3) - .

ثم سأل الله أن يعينه على النفس البطيئة عن المأمور به السريعة إلى المنهي عنه‏

17- و من دعاء بعض الصالحين اللهم إني أشكو إليك عدوا بين جنبي قد غلب علي.

و فسر قوم من أهل الطريقة و الحقيقة قوله تعالى‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََاتِلُوا